← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

نصيحة لمن يضيق صدره في مجالس الذكر السؤال إذا حضرت مجالس الذكر وجدت وساوس، ويضيق خاطري، حتى أخرج من الدرس، فما توصيني به؟ الجواب نوصيك -أولاً- أن تجاهد شيطانك، فهذا الذي يطردك من مجالس الخير والمحاضرات والندوات هو شيطان، والرحمن يدعوك إلى دار السلام، قال : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨ - ٢٠٩] وذكر الشيطان فقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]. فوصيتي لك المجاهدة، ولذلك ذكر بعض العلماء أن الشيطان يأتي في أوقات العبادة؛ كأن تقوم تصلي فيأتيك الشيطان وفي الحديث الصحيح: ﴿حتى يخطر بينك وبين نفسك يقول لك: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا﴾ لشيء ما كنت تذكره، ويأتيك وقت الذكر، ووقت العبادة. فوصيتي لك أن تجاهد الشيطان وسينصرك الله عزوجل إذا جاهدت. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 1962

حكم المني والاحتلام السؤال هل المني الذي يخرج من الإنسان عند الاحتلام طاهر أم نجس؟ وإذا وقع في ثوبي وصليت فهل صلاتي صحيحة؟ وإن كانت صحيحة والمني طاهر فما الهدف من الاغتسال؟ الجواب من خرج منه مني باحتلام أو جماع أو غير ذلك فعليه الاغتسال، والاحتلام إذا وجد منه بلل فإنه يوجب الاغتسال والمني طاهر، بخلاف المذي. فالمني طاهر أما المذي فنجس؛ لحديث علي في المذي عن المقداد عند البخاري ومسلم: ﴿أنه سأل الرسول ﷺ عن المذي؟ قال: فيه الوضوء﴾. أما المني فهو طاهر لكن يغتسل منه. أما سؤالك: لماذا أغتسل وهو طاهر؟ فهذا أمر الله الذي أتانا به محمد ﷺ وما كنا نفقه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].

стр. 1963

الانصات عند قراءة القرآن السؤال قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] هل يجب الإنصات حتى في غير الصلاة؟ الجواب قال الزهري: نزلت هذه الآية في الصلاة، وقد ذكرها ابن تيمية في كتابه، لما تكلم عن قراءة الفاتحة في مجموع الفتاوى قال: إنها نزلت في الصلاة؛ فيجب في الصلاة الإنصات، أما في غيرها فهو مندوب وهو الأحسن والأولى.

стр. 1964

حكم الذكر بقلب غافل السؤال بعض الناس يسبح وقلبه غير حاضر، ويتمتم بشفتيه وقلبه شارد، فهل يؤجر أم لا؟ الجواب الذكر على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: ما توافق فيه اللسان والقلب، فهذا مأجور أجراً كاملاً. المرتبة الثانية: ما انفرد فيه القلب فهذه المرتبة الثانية ويؤجر عليها. المرتبة الثالثة: ما انفرد فيه اللسان بلا قلب، فهو مأجور لكن ليس كالقلب واللسان، ولا كالقلب وحده؛ لأنه ثبت عند الترمذي من حديث سلمان بسند حسن، قال ﷺ : ﴿قال الله : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه﴾ فدل الحديث على أنه إذا تحركت الشفتان ففيه أجر ومثوبة من الله عزوجل، وعند الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن بسر قال: ﴿جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فدل على أن ترطيب اللسان بذكر الله ولو كان القلب شارداً فيه أجر كثير. ووالله! لا يجعل الله المغني والمزمر والمغتاب وشاهد الزور كالذاكر المتمتم بذكر الله ولو شرد قلبه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].

стр. 1965

حكم قول القائل: الكمال لله والعصمة لرسوله السؤال إذا قيل: الكمال لله والعصمة للرسول ﷺ ، فهل هذه العبارة صحيحة؟ الجواب هذه العبارة صحيحة، فلو قال: الكمال لله فهذا صحيح، والكمال المطلق إنما هو لله، ويوجد بعض الناس فيه كمال نسبي مقيد على مستوى البشر، أما الكمال المطلق فهو لله ﵎.

стр. 1966

حكم المغالاة في المهور السؤال زوجت قريبتي بمبلغ أربعين ألف ريال، وأدخلت فيها الذهب والتكاليف، فهل هذه من المغالاة في المهور؟ الجواب أنت بالنسبة للموجودين من أحسن ما يكون؛ لأنك أدخلت الذهب والتكاليف فكفت أربعين ألفاً، لأن بعضهم يقول: لا آخذ إلا أربعين ألفاً لكن يعطي عمتها عشرة، وجدتها عشرة، وخالتها عشرة، وبنت جدتها عشرة، وبنت خالتها عشرة!! فيدخلون فيأخذون عشرة عشرة حتى يصل المهر إلى مائتين، وهذا أساء وظلم وتعدى، فبعضهم فقط بالصورة الظاهرة أخذ عشرة أو أربعين، لكنه يزيد في التكاليف وفي هذه الإسرافات حتى يكلف ويبهظ صهره، ويخالف سنة نبيه ﷺ . لكن بالنسبة للسلف فأنت مغالٍ، لأن سعيد بن المسيب زوج ابنته بدرهمين، والرسول ﷺ كان يتزوج بأربعمائة درهم، قال بعض أهل العلم: هي تعادل اليوم (١٧٠) ريال، وكان يزوج بناته بذلك، وقالوا: بارك الله في أيسرهن مهراً، لكنك أحسنت، فأنت بالنسبة لغيرك لا بأس بالمهر ولو خففت لكان أحسن. ونحن وإياكم ندعو إلى التخفيف، ومن رحم وشفق بالأمة ﵀؛ لأن الرسول ﷺ صح عنه أنه قال: ﴿اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه﴾.

стр. 1967

نصيحة لشخص سرق حذاؤه في المسجد السؤال في مرة من المرات حضرت محاضرة في مسجدكم هذا وسرقت عليَّ حذاء، فدعوت على السارق، فما حكم هذا، وهل عليَّ كفارة، والسلام؟ الجواب الله المستعان: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. رد الله عليك فقيدك، وجبر الله قلبك، وأخلف الله عليك في حذائك. أما ما ذكرت من هذه المصيبة فإنها تحدث، والله هو الذي كتبها، وهو من باب القضاء والقدر، فقد كتب الله عليك أن تسرق حذاؤك قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة في كتاب عنده. فعليك أولاً: أن تصبر وتحتسب، وأن تكتم شكواك ولا تخبر أحدأً. ثانياً: دعوت على من سرقها، وما أظنه إلا إنساناً وهم، وما أظن أن أهل الخير هؤلاء وصفوة الناس، وصفوة الرأي العام والمجتمع يسرقون، لكن قد يهم بعضهم، أو ينسى أو احتاج إليها، فهذا من هذه الأعذار. وأما أنك دعوت عليه فقد انتصفت؛ لأن المظلوم إذا دعا على ظالمه فقد انتصف، ولو تركته لأنصفك الله من حسناته يوم القيامة ووضعها لك، وأخذ من سيئاتك ووضعها عليه، فما دام أنك دعوت عليه فقد انتصفت، ثم ليس لك حسنات منه ولا يوضع عليه سيئات منك. وأريد ألَّا تُشهر بهذا الأمر، وأن تحتسب. فأحد الناس في قرية وكان يبيع على الناس فطائر في مقهى، فسرقت عليه طاوة لا تساوي ثلاثة ريال، فكان يصلي الصبح ويقرأ سورة يس ويبكي ويدعو على من سرق الطاوة، فقال له أحد الدعاة: لو صرفت هذا الدعاء وقراءة سورة يس في شيء آخر لنفعك الله به، أما أن تدعو على هذا الإنسان صباح مساء كأنه اقترف أكبر الجرائم، وهي طاوة لا تساوي ثلاثة ريالات. فهذا الحذاء أمره سهل، واحتسبه عند الله عزوجل، ونسأل الله لك ولنا الهداية. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1968

الله الله في الصلاة ! الصلاة عماد الدين الأعظم وقطبه الأكبر؛ تاركها بالكلية كافر بالله تعالى، جزاؤه القتل، والتخلف عن صلاة الجماعة من غير عذر نفاق، ولقد ضرب سلف الأمة أعظم الأمثلة في حرصهم عليها وتنديدهم بتاركها. عن تفصيل هذا كله تحدث الشيخ في خطبته الأولى، ثم عرج في الخطبة الثانية على فضل يوم الجمعة وأحكامها وذكر بعض المسائل المتعلقة بها.

стр. 1969

أهمية الصلاة الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أخرج الأمة المظلومة المنهوبة المسلوبة، إلى فضاء النور والريادة والقيادة، أخرج الأمة المسكينة من التبعية المقلدة إلى أمة قائدة رائدة معلمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1970

حكم تارك الصلاة يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله﴾ أمره الله أن يقاتل هذا الإنسان حتى يسجد لله، فالمفاصلة بين الإنسان وبين الدين، يوم أن يتهاون أو يترك الصلاة، أو يتنكر للصلاة، أو لا يتعرف على بيت الله، أو لا يسجد لله، حينها يصبح هذا الإنسان لا قداسة له، ولا حرمة أو مكانة، أو قيمة. هذا الإنسان يوم يترك الصلاة يكون دمه رخيصاً لا قيمة له، يسفك وتهان كرامته ويعزر بقطع رأسه، قيل: حداً، وقيل: قتلاً على الكفر وهو الصحيح، والرسول ﵊ يأمره الله أن يشهر السيف، فيقاتل هذا الإنسان حتى يعترف بالصلاة ويصليها، يقول الله عن جيل من الأجيال تهاونوا بالصلاة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. قال أحد السلف: أما إنهم ما تركوها، ولكن أخروها عن أوقاتها، أي إسلام لمسلمٍ يدعي الإسلام وهو يترك الصلاة حتى يخرج وقتها؟ أي دين له؟ ما معنى لا إله إلا الله لرجل تأخره تجارته أو وظيفته أو عمله أو منصبه، أو اجتماعه عن الصلاة، ثم يأتي بعدها يتبجح على الأمة وعلى العالم، أنه مسلم بهويته، لا إله إلا الله، وأين الصلاة؟ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] إنهم يصلون، لكن صلاة العصر مع غروب الشمس، وصلاة الظهر الساعة الثانية، وصلاة المغرب مع العشاء، وصلاة الفجر مع طلوع الشمس فأين الإسلام؟ وأين لا إله إلا الله؟ وأين التحمس للدين؟ حضرت رسول الله ﵊ معركة الأحزاب -قبل أن تنزل صلاة الخوف- فقام يقاتل المشركين ويجاهدهم، دمه يثعب من جراحه، في مخاصمة لأعداء الله، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، ما نسيها لأنه في لهوٍ حاشا وكلا، أو في سهوٍ حاشا وكلا؛ بل نسيها من احتدام الخصم، اليهود والمشركون، عملاء الصهيونية العالمية والمنافقون، أنسوه صلاة العصر، فلما غربت الشمس قال لـ عمر: ﴿أخرونا عن صلاة العصر أو شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً﴾ ثم قام ﵊ فصلاها فأنزل الله صلاة الخوف، وهذه الصلاة يصليها الخائف في صف القتال، يصليها الذي يمتطي الدبابة، والمريض على السرير، والجريح وهو في جراحه، ولا يعذر أحد، كل عبادة لها مجال في الغالب إلا الصلاة، إن تأخير الصلاة عن وقتها معناه النفاق الصريح الذي وقع فيه كثير من الناس، إلا من رحم ربك، يقول ﵊ في سكرات الموت: ﴿الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ أي دين بلا صلاة؟ ما معنى لا إله إلا الله؟! وما معنى الانتساب إلى الإسلام بلا صلاة؟! يقولون: مسلمون ولكن لا صلاة! أو تهاون ونقر وتأخير للصلاة فأين الإسلام؟! وأين لا إله إلا الله؟! وأين الصدق مع الله؟ صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناسٍ لا يشهدون الصلاة معنا فأحرَّق عليهم بيوتهم بالنار﴾ وعند أحمد: ﴿والذي نفسي بيده، لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لحرقت عليهم بيوتهم بالنار﴾ لماذا؟ لأنهم أصبحوا في عداد المنافقين، يتذرعون بالإسلام، ولكن لا يصلون الجماعة مع الناس، ويدَّعون لا إله إلا الله، لكن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، أو حتى يخرج وقتها، سئل ﵊ عن أفضل الأعمال فقال: ﴿الصلاة في أول وقتها﴾ يقول ﵊: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ دمه مسفوك بسيف الشريعة، وهو خارج من الملة، لا طهر له ولا قداسة وحرمة، وعرض، ويصبح لا حماية له أو حصانة أو صيانة؛ لأنه حارب الله.

стр. 1971

هدي السلف في المحافظة على الصلاة يقول ﵊: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ لم يعذر الرسول ﵊ أحداً في ترك صلاة الجماعة، إلا من عذره الله، مريضاً كأن يكون مرضاً لا يصل به جسمه إلى المسجد، ومع ذلك يقول ابن مسعود: [[والذي نفسي بيده لقد كان يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين من المرض حتى يقام في الصف]]. مرض أحد التابعين -اسمه ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير - وهو في مرض الموت سمع أذان المغرب، قال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت مريض وقد عذرك الله، قال: لا إله إلا الله، أسمع حيّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، وأصلي في البيت، والله لتحملوني إلى المسجد، فحملوه إلى المسجد، ولما سجد السجدة الأخيرة، من صلاة المغرب، قبض الله روحه، يقول: أهل العلم: كان هذا الرجل في حياته إذا صلى الفجر يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، يعني: الجميلة البديعة الرائعة. فقال له بعضهم: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد. الميتة الحسنة: أن يتوفاك ربك بعد فريضة أو في صف الجهاد في سبيل الله، أو وأنت على طهارة، أو وأنت في السجود، أو وأنت تطلب العلم، أو وأنت منفق في سبيل الله. والميتة القبيحة: أن يتوفى الله البعيد وهو على الأغنية الماجنة، أو على السهرة الخليعة، أو على كأس الخمر، أو في سفر في طلب الفاحشة، هذه هي الميتة القبيحة، التي تعوذ منها الصالحون. وهذا سعيد بن المسيب عالم التابعين، كان بيته في أقصى المدينة، وكان يأتي في ظلام الليل إلى مسجد المصطفى ﵊، قال له إخوانه: [[خذ سراجاً لترى به الطريق في ظلام الليل، قال: يكفيني نور الله]] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. ولذلك في الحديث عنه ﵊ أنه قال: ﴿بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة﴾ هل سمعتم أجمل من هذه العبارة: ﴿بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة﴾ أفي القيامة ظلمات؟! أفي القيامة ليل؟ إي والله، ليل أدهى من الليل، وظلمة أدهى من الظلمة، يجعلها الله لأعداء المساجد، وللذين انحرفوا عن بيوت الله، فتظلم عليهم طرقاتهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] فلا نور لمن لا نور له. كان سعيد بن المسيب عالم التابعين، على عين واحدة، ذهبت عينه، لماذا؟ قالوا: من كثرة البكاء في السحر من خشية الله، وكان يذهب بهذه العين في ظلام المدينة إلى المسجد، يقول في سكرات الموت وهو يتبسم: [[والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد]] فهو قبل الأذان في المسجد، لكن أتى خلف أكلوا نعم الله، وتمرغوا في أيادي الله، ونسوا حظهم من الله، فأصبحت الصلاة في حياتهم من آخر الاهتمامات. ودع عمر ﵁ وأرضاه سعداً إلى القادسية فأخذه إلى جنب وقال: يا سعد! أوصِ الجيش بالصلاة، الله الله في الصلاة، فإنكم إنما تهزمون بالمعاصي، فأوصيهم بالصلاة. وكان الصحابة إذا حضر الخوف وامتشجت السيوف، وأشرعت الرماح وتنزلت الرءوس من على الأكتاف تركوا الصفوف لطائفة، وقامت طائفة تصلي: نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا حضر أجدادنا الذين فتحوا الدنيا بلا إله إلا الله، حصار كابل عاصمة أفغانستان، فطوقوها من كل جهة، ولبسوا أكفانهم، لا إله إلا الله، لباسهم الأكفان! لأنهم يريدون الحياة في عز، أو الموت في سبيل الله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]. إما الموت، وإما الحياة: فإما حياة نظّم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وقفوا بأكفانهم يحاصرون كابل، ولما صلوا الظهر قال القائد العظيم قتيبة بن مسلم، وقد كان قبل المعركة يبكي ويمرغ وجهه في التراب ويقول: اللهم انصرنا فإن النصر من عندك، فلما وقف بعد صلاة الظهر، وكان جيشه مائة ألف، قال: ابحثوا لي عن الرجل الصالح محمد بن واسع، أين هو؟ وكان محمد بن واسع هو مفتي الجيش، الإمام الزاهد العلامة، قال: ابحثوا لي أين هو في هذه الساعة؟ فهذه هي ساعة الصفر، ساعة يتنزل النصر من السماء، وهي ساعة بيع الأرواح، وتفتح الجنان، واستقبال الحور العين للشهداء، ساعة حضور الملائكة، فالتمسوه فوجودوه، يبكي وقد اتكأ على رمحه ورفع أصبعه يقول: يا حي يا قيوم! فأخبروا قتيبة فدمعت عيناه، ثم قال: والذي نفسي بيده، لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير، وابتدأت المعركة، وانتصر المسلمون وصلوا صلاة العصر داخل كابل. إنها الصلاة التي هي الحياة، حياة القلوب، إنها الميثاق، والعهد الذي بين الإنسان وبين الله ألا يتركها، ويوم يتركها أو يتهاون بها، أو لا يصليها مع استطاعته جماعة، فاعلم أنه قد أدركه الخذلان، وأن حبل الله قد انقطع منه، وأن اللعنة قد نالته. عباد الله: إن من أسباب سعادتنا وحفظ الله لنا، ورغد العيش الذي نعيشه، أن نحافظ على عهد الله في الصلاة، وأن نتواصى بها، يقول لقمان ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧]. فهل من مصل؟ وهل من داع إلى الصلاة في أول وقتها؟ وهل من حريص على تلكم الشعيرة العظيمة، التي أتى بها ﵊؟ طعن عمر ﵁ في صلاة الفجر، ففاتته ركعة واحدة عندما غلبه الدم، وحمل على أكتاف الرجال، ووصل إلى بيته، فقال: هل صليت؟ قيل: بقيت عليك ركعة، فقام يصلي فأغمي عليه، ثم عقد الصلاة فأغمي عليه ثم أتم الركعة، فقال: [[الحمد لله الذي أعانني على الصلاة، الله الله في الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]] من حفظ الصلاة حفظه الله ومن ضيع الصلاة ضيعه الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. وربما أخرت الصلاة عند بعض الناس في ظرف الاصطياف، وهذا الظرف ربما هذا الرغد والأمن والسكينة تجعل بعض النفوس تلهو وتبتعد عن الله، أو تأخر فريضة الله، بحجة النزهة، أو الزيارة، أو التفرجة، فالله الله يا عباد الله في الصلاة، في وقتها، بخشوعها وخضوعها علَّ الله أن يثتبنا ويحفظنا ويرعانا. فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1972

أحكام يوم الجمعة الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

стр. 1973

فضل يوم الجمعة أيها الناس: يوم الجمعة أفضل الأيام عندنا أهل الإسلام، وهو عيد لنا وتاريخ، وله قصة من أعظم القصص، هذا اليوم الذي نعيشه في هذه اللحظات، خلق الله فيه آدم، وأدخله الله الجنة، وأخرجه فيه من الجنة، وفيه تقوم الساعة. هذا اليوم وهذه الساعات، كانت هي موعد النزال بين موسى وفرعون، يوم الصراع العالمي بين الحق والباطل، يوم نزل موسى بلا إله إلا الله والعصا، ونزل فرعون بالدنيا، ودجاجلة وسحرة الدنيا: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] ولكن ما هو الواجب علينا في هذا اليوم؟ إن مما يؤسف له أن كثيراً من الناس جعلوا هذا اليوم موسماً للنزهة، وفي طريقهم يضيعون صلاة الجمعة، فلا يحضرون الخطبة، ولا يأدون شعائر الصلاة، ولا يتهيئون لهذا الجمع العظيم، الذي هو من أعظم الأيام في أيام الله. من الصباح الباكر والملائكة في أبواب المساجد، تسجل الأول فالأول، فإذا دخل الخطيب، طوت الصحف، وأنصتت لسماع الخطبة. من الصباح والكائنات صائخة مصغية تنتظر الساعة، كما صح به الحديث. العجماوات -الحيوانات-: الببغاوات الحيتان والأسماك الطيور والزواحف منتظرة قيام الساعة! لكن هذا الإنسان، يوم يلهو ويلغو وينسى الله، يجعل هذا فسحة في عهده، فيخرج ويترك صلاة الجمعة. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن المسافر إذا حضر صلاة الجمعة في المدينة فإن عليه أن يحضرها في المسجد، فالمسافر -وهو في حال السفر- إذا نزل بمدينة تقام فيها الجمعة، فإن عليه وجوباً أن يحضر صلاة الجمعة ليستمع الخطبة، ويعيش مع المسلمين مشاعرهم وأحاسيسهم.

стр. 1974

الاغتسال والطيب ليوم الجمعة أيها المسلمون: يوم الجمعة، له علينا واجبات: منها: الاغتسال والطيب، وقد أوجبها بعض أهل العلم والجمهور على سنية الغسل، لماذا؟ لأنك تتهيأ للقاء الله؛ لأنه عيد، وربما أسكتتك المنية في هذا اليوم، وهو يذكرك بيوم العرض الأكبر على الله، واليوم الأكبر يوم القيامة يتجمل له بغير هذا الجمال الظاهري، ليس في يوم القيامة ملاحف ولا مطارف ولا ثياب، ولا زينة ظاهرية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فهناك السجل مكشوف، والبدن عاري، والقلب مفتوح، والضمائر معروضة، والتاريخ مفتوح أمام من لا تخفى عليه خافية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. كان عمر ﵁ وأرضاه، ينبه الناس على ذاك اليوم، ويأمرهم بالتهيؤ فيقول: [[حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر على الله]] أما الظواهر فجميلة، ولكن البواطن لا نعلم ما حالها. لبسنا واشياً من كل حسن فما سترت ملابسنا الخطايا وتلك قصورنا بالعمر باتت وتلك قبورنا أضحت صلايا

стр. 1975

قراءة القرآن يوم الجمعة أيها المسلمون: من المشاعر الحية يوم الجمعة: كثرة قراءة القرآن، وهل يعقل أن الخطيب يدخل وبعد دقائق يدخل المصلون بعده؟! بل إن المساجد يبقى فيها مجال واسع للناس؛ فإذا سلم الخطيب دخل المتخلفون بلا أجور، يشهدون الصلاة هكذا مع الناس، أين الساعة الأولى والثانية؟ وأين أهل الصفوف الأولى؟ ولا يزال قوم يتقدمون حتى يقدمهم الله ﴿ولا يزال قوم يتأخرون حتى يأخرهم الله﴾.

стр. 1976

حرمة البيع بعد النداء الثاني وبعض الغوغاء الذين لا يفهمون أحكام الله يبيعون ويشترون بعد النداء الثاني ودخول الخطيب، أي بيع لهم؟! لا أربح الله بيعهم، ولا أربح الله تجارتهم! الملائكة تنصت للاستماع، والسماء مفتوحة لصعود الدعاء، وخطباء الأمة الإسلامية الخالدة على المنابر، وقلوب الناس منفتحة لسماع كلام الخطيب، والسكينة تغشى الناس، والرحمة تحف بهم، والله يباهي بهم في السماء، وهؤلاء اللاهون يبيعون ويشترون، ويجرحون مشاعر المسلمين! إنه جرح لمشاعر المسلمين أن يباع وأن يشترى بعد النداء الثاني، وإنه لتعد على حرمة صلاة الجمعة، إن أولئك قد نبهوا مراراً وتكراراً، واليوم نخبرهم أنهم قد خالفوا أمر الله، وقد عصوا أوامر رسول الله ﵊.

стр. 1977

الكلام وقت الخطبة ثم إذا أذن المؤذن فإنما هو الإنصات، بل الجالس ليس له أن يكلم من بجانبه، ولا أن يسلم عليه، ولا أن يحيه، قال بعض العلماء: وليس له بعد دخول الخطيب وبدء الخطبة، أن يكلمه حتى بأمر بمعروف أو نهي عن منكر: ﴿من قال لصاحبه يوم الجمعة والخطيب يخطب: أنصت فقد لغى﴾ وزاد بعضهم: ﴿ومن لغى فلا جمعة له﴾ وفي الصحيح: ﴿من مس الحصى فقد لغى﴾ حتى اللعب بالسواك، أو مشط اللحية، أو تهيئة الغترة أو الحركة، فليس للسامع أن يتدخل في ذلك. وللخطيب أن يحدث حركات لمصلحة الصلاة والخطبة، فيتكلم مع بعض الناس في أثناء الخطبة، أما المصلون فلا؛ بل هدوء وسكينة وخشوع واطمئنان.

стр. 1978

من معالم الجمعة ومن معالم صلاة الجمعة: أن تتطيب لها، وأن تأتي متجملاً متزيناً ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] أما أن يأتي الإنسان بثياب المزرعة أو النوم، أو بدلة التجارة، فهذا دليل على عدم توقير الله . إن من يذهب إلى وجوه الناس وأعيان الناس يتلبس لهم، ونحن في الأعراس والمناسبات نتلبس، والله جميل يحب الجمال، والله هو الذي هو الذي يتجمل ويتطيب له، فإنه طيب لا يقبل إلا طيباً. فيا مسلمون: غسل وسواك وطيب ولباس وخشوع وقراءة عل الله أن يرحمنا وإياكم. فما هو الجزاء لمن يفعل ذلك؟ أن يكفر الله له ذنوب عشرة أيام، من الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، وهذا وعد من محمد ﵊. ومن معالم الجمعة: قراءة سورة الكهف: فقد صح عند الدارقطني والبيهقي أن من قرأها، أضيء له نور ليلة الجمعة ويوم الجمعة، وفي بعض الروايات، حتى الجمعة الأخرى والذي نور هذا النور هو النور، ونور ما سواه ليس بنور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الظالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1979

انتفاضة الشعب الفلسطيني إن الله لا يسلط الأعداء على هذه الأمة إلا بسبب الذنوب والمعاصي، فإذا عصت الأمة ربها انهزمت أمام أعدائها؛ وهذا الذي ركز عليه الشيخ حفظه الله، وذكر أن على الأمة أن تأخذ العبرة والعظة من جهاد الأفغان، وتستفيد من ذلك، وذكر مثالاً رائعاً للغيرة على الإسلام، وهي قصة فتح عمورية، ثم ختم الخطبة بالدعاء.

стр. 1980

الخطبة الأولى: تسلط الأعداء بسبب الذنوب والمعاصي سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فبلغه آيات المنى وأوصله، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. أشهد أن لا إله إلا الله ربٌ أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، شهادة من عمر بالتوحيد قلبه، وأرضى بالإيمان ربه، وأشهد أن محمداً رسول الله باني دولة الإسلام، ومحطم الأصنام، وهادي الأنام ﵊، ورضي الله عن الخليفة السباق أبي بكر الذي سبق إلى الإسلام، وأعطى الإسلام كل شيء يملكه، ورضي الله عن عمر الذي خلع الصلبان عن بيت المقدس يوم فتحه، وعن عثمان ذي النورين جامع القرآن، وعن سيف الله المنتضى العبد المرتضى علي بن أبي طالب، وعن كل صاحب وصديق، وكل مجاهد وولي، وكل داعية وعالم، وكل خير وإمام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وسلم تسليماً، أمَّا بَعْد: فإن الأمة كلما عصت ربها، وجحدت معروف باريها، وتنكرت لجميله ﵎؛ سلط عليها أعداءها، فاستباحوا ديارها، وحطموا كيانها، وهدموا مساجدها، ومزقوا كتابها، وأذلوا شيوخها وأطفالها، وفي الأثر أن الله ﵎ يقول: ﴿إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني﴾ وهذا هو الذي وقع مع الشرذمة الفاجرة، إسرائيل وما أدراك ما إسرائيل؟ الصهيونية العالمية اليهود أبناء القردة والخنازير، يوم خلت لهم الساحة فطرطروا بأصواتهم، ورفعوا راياتهم، ويوم أن دخلنا معهم المعارك فما دخلت معنا لا إله إلا الله، دخلنا بأعلام مهيضة وبأجنحة مخفوضة، وعدنا والهزيمة شعارنا، والانتكاس دثارنا، لأننا ما قاتلنا اليهود بلا إله إلا الله، قاتلناهم بـ علمانية وقومية وبعثية فهزمونا، والله تعالى ينظر إلى هذه الأمة لأنه صاغها من فطرة عنوانها، وموكبها السجود وسطر لها صحائف من خلود، لا تنتصر إلا أن تكون أمة له، ولا يرتفع رأسها إلا أن تكون له متجهة، فيوم اتجهنا لغيره هزمنا. وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا تسعون ألفاً لـ عمورية اتقدوا وللمنجم قالوا إننا الشهب واليوم تسعون مليوناَ وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب

стр. 1981

انهزامية الأمة ثم تتلفت الأمة بعد ثلاثين سنة، وإسرائيل بعددها الضئيل وبجيشها الهزيل وبإمكانياتها الضحلة، وحولها العرب يبربرون ويكبرون ولكن لا تكبير، نسمع قعقعة ولا نرى طعناً، لأن الذي يطعن إنما يطعن بروح الله، والذي يرمي إنما يرمي بسهم الله، والذي يريد أن يقاتل لينتصر إنما يقاتل بلا إله إلا الله.

стр. 1982

قيام الانتفاضة وفي هذه الأيام تثور ثائرة القلوب المؤمنة بعد صبر طويل، وبعد مرارة حاسمة قاسية لتتحرك لا إله إلا الله مرة ثانية، وحق على كل مسلم أن يتحرك قلبه، وأن يشتعل ضميره ضد هؤلاء اليهود الذين قتلوا أنبياء الله، وذبحوا رسله ومزقوا كتبه، وكفروا بآياته وألحدوا في بيوته. وهم الذين نشروا الزنا في العالم، وأسسوا الربا في المعمورة، ما تركوا للإسلام قصراً إلا هدموه، ولا حصناً إلا دمروه، ولا علماً إلا كسروه. دسوا الغوائل ضد رسول الله ﷺ ، وبالفعل هم الذين اغتالوه؛ فإنه مات رسولاً شهيداً نبياً عليه أفضل الصلاة والسلام، سموه فمات من أثر السم.

стр. 1983

الشعارات الزائفة واليوم تتردد الصيحات هنا وهناك، يكبرون ويرددون لا إله إلا الله، جربوا الشعارات في الساحة فسقطت وهزمت، ولو كانت عندهم طائرات وصواريخ ودبابات وأخذوا درساً من جهاد الأفغان، تلك العصبة المؤمنة، التي عارضت ذاك المد الكافر والزحف الفاجر الأحمر، وأين إسرائيل من روسيا؟! روسيا أقوى من إسرائيل، والفترة الزمنية التي عاشها العرب مع إسرائيل خمسة أضعاف التي عاشها الأفغان مع الروس، والمال الذي يملكه العرب يضاعف ملايين المرات الأموال التي يملكها الأفغان، والسلاح الذي بأيدي العرب فتاك لا يملك عشر معشاره الأفغان، لكن الأفغان دخلوا الساحة متوضئين ساجدين مكبرين مهللين: في فتية من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدا صوتاً ولا صيتا قوم إذا قابلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا

стр. 1984

النصر حليف الإسلام فعلم أن الإسلام إذا دخل الساحة سوف ينتصر بإذن الله؛ لأن الله كتب على نفسه فقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] وجربت الأمة الإسلامية طيلة ثمانية قرون أنها كلما ابتعدت عن الحي القيوم، وعصت ربها، وتمرغت في الشهوات، وأكثرت من المخالفات؛ كلما سلط الله عليها جباراً من أنفسها أو غيرها، فأذلها وداس كرامتها ومحق بركتها.

стр. 1985

تسليط التتار على المسلمين في القرن الخامس إلى السادس إلى السابع ابتعدت الأمة الإسلامية عن الواحد الأحد الفرد الصمد، هجرت المساجد، وعطلت نهج الإيمان، واشتغلت بالملهيات والأغنيات الماجنات، والتراهات والسفاهات والسخافات؛ فسلط الله عليها قوماً لا يعرفون الله، أتوا من الصين يزحفون على الصحراء: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨] قوم اسمهم المغول (التتار) دخلوا العالم الإسلامي فاجتاحوه مدينة مدينة، وقرية قرية، يحرقون المدينة بمن فيها، ويهدمون المسجد على من فيه، ويقتلون عباد الله زرافات ووحداناً. دخلوا بغداد فقتلوا في يوم واحد أربعمائة ألف، ودخلوا إلى مسجد دار السلام فقتلوا فيه خمسة وعشرين ألفاَ سجداً لله، وأتوا إلى دار الحكمة التي فيها آلاف مؤلفة من الكتب فأركبوها على خيولهم، ثم ألقوها في نهر دجلة، ثم مرت الخيول من فوقها. كان التتري المغولي الواحد يقول للنفر العظيم من المسلمين: اجلسوا هنا وانتظروا لآخذ سلاحاً وأقتلكم به، فيجلسون وينتظرون، فيأتي بشفرة فيذبحهم ذبح الشياه واحداً تلو الآخر؛ لأن من ذلت نفسه بالمعصية أذله الله بمن لا يعرف أن هذه معصية.

стр. 1986

خروج التتار من ديار المسلمين واستمر الحال، ودخلوا كثيراً من البلاد، ويئس الناس وقنطوا، وارتفعت أصواتهم لله بالدعاء، وأراد الله أن يعلم الأمة الإسلامية أن النصر قد يأتي على غير أيدي العرب، وأن العرب إنما هم أمة وبشر من خلق الله، إن استقاموا على أمر الله نصرهم، وإن خالفوا دحضهم وهزمهم، فأتى قطز السلجوقي المملوكي، وهو عبد -وكلنا عبيد لله- فدعا الأمة الإسلامية وهو ليس بعربي، فاستجابوا له، والأمة تتحرك بلا إله إلا الله، ولا تحيا إلا على الجهاد: يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد فدعا قطز في القاهرة بالجهاد الإسلامي المسلح، وأعلن أن المعركة معركة لا إله إلا الله، فاستجاب له المسلمون، وطمت الكتائب، وماجت الجيوش الإسلامية إلى مصر، فاستعرضها فكانت مهللة مكبرة، خرج الشرك من دمائها ومن عروقها وحل مكانه الإيمان، فالتقى في عين جالوت مع المغول والتتار، وكادت في أول معركة أن تكون خطة عظيمة على الإسلام والمسلمين من الهلاك، فعادوا إلى الله ولم يعودوا إلى شرق ولا إلى غرب، ولا إلى مجلس أمن ولا إلى مجلس خوف! وإنما عادوا إلى الواحد القهار، ورددوا في المعركة: (يا حي يا قيوم! لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث). تقطعت الحبال بهم إلا حبل الله، وأغلقت الأبواب أمامهم إلا باب الله، وهزمت الميمنة والميسرة، وبقي قطز في المقدمة، فلما رأى أن الهزيمة سوف تحصل؛ ألقى الخوذة من على رأسه وداسها برجله وقال: وا إسلاماه، أيهلك ويموت الإسلام؟! وأخذ يردد (وا إسلاماه) ففاضت عيون الجيوش الإسلامية بالدموع، وألقوا الدروع من على أجسامهم، وقاتلوا قتال من يريد الله والدار الآخرة، فهزم الله التتار شر هزيمة وقتلهم وفرقهم شذر مذر. ودخلت طائفة منهم دمشق فرأت في نفسها القوة فخرج لها شيخ الإسلام ابن تيمية العالم الإمام العبقري النحرير، المجدد القوي، خرج وهو في رمضان، فتناول كأساً من الماء وهو صائم أمام الناس، وأمرهم بالفطر، ثم قال لهم: " والله لتنتصرن! والله لتنتصرن. فقال له الناس: قل إن شاء الله: قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً ". تحقيقاً يقع: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] وخرجوا إلى شقحب وظهر الحق وبطل كيد الجائرين، ونصر الله الأمة.

стр. 1987

زحف الصليبيين ولما انتصروا وعادوا إلى الله، ومكثوا على هذه التوبة والعودة ما يقارب مائة سنة، ثم نسوا ما ذكروا به، وعادوا إلى الغفلات والشهوات والمخالفات، فأدبهم الله تعالى بالصليبيين، الذين لا يعرفون الله طرفة عين، فاجتاحوا بلادهم، فأراد الله أن يوقظهم مرة ثانية، فأتى صلاح الدين الأيوبي الكردي، وهو ليس بعربي ولكنه من الأتراك، عرف الله وعرف طريقه إلى الله، فنادى بالجهاد، وأعلن التضحية؛ فاستثار المسلمون، واستنفر القلوب المؤمنة، ومضوا معه حتى دخل حطين وكانوا صياماً في ذلك اليوم، واستعرض جيشه وكان يقرأ عليهم سورة الأنفال، ودخل المعركة بلا إله إلا الله، فسحق أعداءه سحقاً ما سمع التاريخ بمثله: الحمد لله زالت دولة الصلب وعز بالكرد دين المصطفى العربي وارتفعت راية لا إله إلا الله، ودخل القدس وقد أحاطها ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع دخل بجيش يهللون ويكبرون، لا يغشون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يزنون، لأن من أراد النصر فعليه أن يرعى وأن يتقي الرب الذي يأتي بالنصر، قال عمر لـ سعد ﵁ وأرضاه: [[يا سعد! اعلم أني أخاف عليكم من المعاصي أخوف من أعدائكم]].

стр. 1988

أخذ العبرة من جهاد الأفغان فهل آن للفلسطينيين وللعرب عامة أن يأخذوا من جهاد الأفغان درساً لا ينسى، فإن عندهم الطائرات والصواريخ والدبابات والجيوش؟ هل آن لهم أن يدخلوا بلا إله إلا الله كما دخل الأفغان بلا إله إلا الله، فعفروا وجه الكافر الملحد بالتراب، وأذلوا روسيا الحمراء على الطين، وداسوا كرامتها أمام العالم؟ وحق لهم النصر والشهادة والتمكين في الأرض؛ لأن الأفغان خرجوا عزلاً من القوى إلا من قوة الواحد الأحد، والذي يعتمد على قوته أو على هيئة غير الهيئة الواحدة وهو الله ؛ فإنه سوف يهزم. فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ والذي نرجوه من الواحد الأحد أن يحقق على أيدي هذه الانتفاضة المسلمة النصر المتين للأمة الإسلامية، وأن يرد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين للأمة، وأن يكبح جماح تلك الطغمة الفاجرة؛ اليهود أعداء الله، الذين عاثوا في الأرض فساداً، حينها ترتفع لا إله إلا الله، وتعود كرامة الأمة، ويصلح بالها ويصفو حالها، وترتفع أعلامها، وتعود قائدة للركب خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ربنا فانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ثبت أقدام كل من جاهد في إعلاء كلمتك، وفي تثبيت سنة نبيك ﷺ ، اللهم مكن لعبادك المؤمنين في الأرض، وآتهم رشدهم، وانصرهم على أعدائهم، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير. وصلى على محمد وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1989

الخطبة الثانية: صورة مشرقة للغيرة على الإسلام الحمد لله القائل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤ - ١٠٦] والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخيرة النبيين، وإمام المتقين، وقدوة السالكين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم أتلقاك وطرفي حاسر أسفاً من أمسك المنصرم ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم أوما كنت إذا الموت اعتدى موجة من لهب أو من دم رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم أتت امرأة مسلمة إلى أرض الروم تبيع وتشتري في تجارة، ووقفت في سوق عمورية -بلد من بلاد الروم- وهي تبيع فأتاها رجل علج كافر، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فسبها وشتمها، فصاحت ورفعت صوتها تقول: (وا معتصماه!) تنادي الخليفة العباسي المعتصم وهو في قصره في بغداد، فتضاحك الروم حولها في السوق، وقالوا: انتظري المعتصم يأتيك على فرس أبلق لينصرك، فذهب رجل من المسلمين الحاضرين في السوق، ودخل على المعتصم في بغداد في قصر حكمه، وقاله له: رأيت امرأة أهينت كرامتها وسبت وشتمت، فقالت: وا معتصماه! فاستهزءوا بها وبك، فوقف المعتصم قائماً وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا يغشاني غسل من جنابة حتى أطأهم بجيش جرار، ثم نادى بالجهاد، وأعلن لا إله إلا الله، وزحف بجيش قوامه تسعون ألفاً: تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت أجسامهم قبل نضج التين والعنب فالنصر في شهب الأرماح لا معة بين الخميسين لا في السبعة الشهب فدخل بهم من مدينة إلى مدينة، كلما دخل مدينة أحرقها وفرَّ أهلها، حتى وصل إلى عمورية، فطوقها واستنزل أهلها أسارى، ودعى بذاك الرجل الذي سب تلك المرأة، وقال للمرأة: "هو مملوك لكِ إن شئت أعتقتيه وإن شئت بعتيه أو أبقيتيه عندك. قالت: بل أعتقه. فقال له المعتصم: أنا المعتصم، وهذه المرأة، وهذا فرسي الأبلق، أما رأيتني جئت؟ " رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتمِ لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم واليوم كثير من اليتم والصبايا والأطفال في فلسطين، ينادون: وا إسلاماه!! وا إسلاماه!! فهل من مسلم ينقذ؟! وهل من ذي غيرة يغار مما يرى؟! وهل من متحمس ومخلص يصدق مع الله؟! وهل من متيقظ يرى ماذا يفعل بكتاب الله وبيوته وبعباده؟! إننا نبشر بإذن الله بجهاد إسلامي صحيح في فلسطين.

стр. 1990

استغلال الإسلام ثم تنحيته جانباً ولكننا نخاف من مثل هذه الموجات، أن يستغل أهل الإسلام في تثبيت الأمن والاستقرار لغيرهم وقد فعل أتاتورك في تركيا، وأخذ الفتية وغررهم وأسقط الخلافة، وقال: نعم للإسلام لما دخل به، فلما استقل بالحكم قال: لا للإسلام، ودخل تلاميذ ابن باديس في الجزائر ضد فرنسا بالإسلام، وقال لهم أصحابهم: نعم للإسلام، فلم استقر لهم النصر واستتب لهم الأمان قالوا: لا للإسلام، ودخلت باكستان في الإسلام وغامر شبابها، فلما اتحدت واستقلت أخذ محمد علي جنة فقال: لا للإسلام! وكذلك في مصر. فالذي يحذر منه أن تؤخذ هذه الدماء ثم يقال: لا للإسلام، لكن أملنا في الله الواحد القهار؛ أن يعيد لنا مجدنا وكرامتنا وريادتنا وتصدرنا، وأن يجعلنا كما كنا خير أمة أخرجت للناس. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلّ وسلم على حبيبك ونبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا لكل خير، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي كل بقعة من أرضك يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على أعدائهم، اللهم وحد كلمتهم واجمع شملهم وسدد سهامهم في نحور أعدائهم. اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، واهدهم سبل السلام. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا. وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1991

عناية الله بأوليائه إن الله جل وعلا قد أيد رسله بحفظه ورعايته، فهو الذي أيد موسى ﵇ عند لقاء فرعون، وهو الذي أيد نبيه محمد ﷺ في سلمه وحربه، وكما أيد الله الأنبياء أيد أتباعهم، فقد أيد سبحانه سعد بن أبي وقاص ومن معه حين عبروا النهر لفتح المدائن، وأيد أبو مسلم الخراساني حين ألقى به الأسود العنسي في النار.

стр. 1992

حفظ الله لأبي قتادة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرضاته ومغفرته وعفوه وكرمه وإحسانه، وشكراً شكراً لمن قدمني وأتحفني، وحاول أن يكرمني أكرمه الله، فإنما هو دوحة للندى وللإخاء وللوفاء، وكل إناء بالذي فيه ينضح. موضوعي في هذه الليلة عنوانه: عناية الله بأوليائه، والله يرعى أولياءه ، ويحميهم ويحرسهم. يا واهب الآمال أنـ ـت حفظتني ورعيتني عدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني أو إن أجد بالمال فالأموال أنت وهبتني كان ﷺ إذا ما ودع أصحابه وحانت لحظة الفراق، وانهمرت الدموع، وتحركت القلوب يقول ﷺ لصاحبه ولتلميذه الذي يودعه: ﴿أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك﴾ وما أجلها من كلمات! وما أروعها من عبارات! (أستودعك الله التي لا تضيع ودائعه) وهذا ثابت عنه ﷺ . والله إذا استودع شيئاً حفظه ، وانظر ما أجلها من كلمة: أستودعك الله التي لا تضيع ودائعه فالله إذا حفظ حفظ، وإذا استودع شيئاً حفظه من كرمه وبره ووإحسانه. يقول أبو قتادة ﵁ فارس رسول الله ﷺ : رافقت رسول الله ﷺ في غزوة من غزواته، قال: فسهرنا ليلتنا تلك، فلما أتى الصباح وصيلنا الفجر، رافقت رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فنعس ﷺ وأصابته سنة وراحلته تمشي، نعس بعد ليلة جهيدة سامرة من الفداء والبناء والتضحية لهذه الأمة، ما كان يعرف الفراش الوثير ﷺ ، ما كان يعرف المراقد الناعمة، كان دائماً في الأسفار وعلى التلال وفي الصحراء ليرفع هذه الأمة. في مجلسنا هذا أدركنا حسنة من حسناته ﷺ ، ولولا الله ثم هو ما جلسنا في هذا المجلس المفعم بذكره ، وما تقابلت هذه الوجوه النيرة، وهذه الأعلام البينة، وهذه المقل التي ترنو بالدموع عند الوداع إلا بإحسانه ﷺ وفضله بعد فضل الله. المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء يقول أبو قتادة: فنعس ﷺ فكاد أن يسقط من على راحلته فدعمته قال: فنعس ثانية فقربت منه فدعمته، ثم نعس ثالثة حتى كاد أن يسقط، قال: فدعمته حتى استوى، فاستيقظ ﷺ فمد طرفه فرآني فقال: ﴿حفظك الله بما حفظت رسوله﴾ دعوة من محمد ﷺ -لا كالدعوات- تنفذ وترفع فوق الغمام ويفتح الله لها باب الإجابة: حفظك الله بما حفظت رسوله، وحفظ الله أبا قتادة في حياته فما ضل مع من ضل، وما أخذته فتنة وما اجتاحته مصيبة، بل بقي محفوظاً بحفظ الله . والليلة سوف أعرض عليكم نماذج من حفظ الله لأوليائه ، فإنه الحافظ على كل شيء والوكيل، قال الله عن نفسه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] خير حافظاً، قالها يعقوب ﵇ لابنه الفقيد الوليد الجليل يوسف حينما فقده، مرة؛ يقولون: أكله الذئب، ووالله! ما أكله، ومرة يقولون: ابتلعته الصحراء، ووالله! ما ابتلعته، ومرة يقول القصصيون: لقد ذهب هو غيظاً على إخوانه وعلى أبيه، وما ذهب ولكن ذهب في رعاية الله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وتلك العصابة المؤمنة التي خرجت من القصور الشاهقة إلى الكهف فحفظهم الله ورعاهم، وهكذا يحفظ الله كل من تولاه.

стр. 1993

موسى ﵇ ورعاية الله له ونموذجنا الليلة الذي نعيش معه ببسط من الحديث وباتساع من القول هو موسى ﵇، وإذا ذكرت موسى فاذكر الشجاعة، والأمانة، واذكر القوة والعظمة، واذكر الفداء والتضحية، موسى ﵇ لم يستطع لبني إسرائيل إلا هو لأنه قوي أمين، ولو كان غير موسى لأخفق مع الحيات الرقط، رأى فرعون -عليه لعنة الله- في المنام أن شرارة انطلقت من بيت المقدس وأخذت باتجاهها إلى مصر فأحرقت قصور مصر، فخرج كئيباً ذاك الصباح، فجمع السحرة والكهنة والمشعوذين والمنجمين وعرض عليهم رؤياه، فقالوا بالإجماع: "هذا غلام من بني إسرائيل سوف يهدم مملكتك وينهي ملكك". فأصدر أمراً صارماً بقتل كل غلام في تلك الفترة الحرجة؛ ليحمي ملكه وليؤيد سلطانه، وبالفعل ذهب جواسيسه وجنوده يقتلون الأبرياء من الأبناء، ويقتلون الغلمان ممن ولد لبني إسرائيل، وأخذت الدماء تسيل، وأخذت الحوامل تجهض، والنفوس ترتفع إلى الله بالشكوى، وفي هذه الفترة ولد موسى ﵇، يا ألله! أما تقدم سنة أو تأخر عن هذا القرار الذي صدر من فرعون! يا ألله! من يحمي موسى؟ وما ذكر القرآن أن له أباً وإنما هي أمه المسكينة الوالهة الحزينة تحتضنه في لفائف من القماش لتعرضه للجزارين والجلادين يا ألله! من يحمي هذا الطفل وقد قتل مئات الأطفال، بل ألوف الأطفال من أمثاله؟

стр. 1994

عناية الله لموسى من القتل وهو رضيع ولكن تتدخل عناية الله، اسمعوا إلى القصة وإلى العرض، وإلى الجمال والروعة في عرض القصة! يقول : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طسم﴾ [القصص:١] ومعنى (طسم) أي: هذا القرآن المعجز الذي ينفذ إلى القلوب، ويداخل الأرواح، هو من جنس هذه الأحرف المقطعات وحتى يتضح هذا المعنى فنضرب مثلاً: التراب الذي ندوسه بأقدامنا ونلعب به ونبني به السقوف والمنازل والأسطحة: هو الذي خلقنا منه، فالله خلقنا من هذا التراب ونحن لا نستطيع أن نخلق منه بشراًً، وهذا الكلام الذي نتداول به ونتمازح به هو من جنس هذا الكلام لكن الله جعل منه قرآناً. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ القصص:٢ - ٤] لقد علا وتجاوز حده وتكبر وما كان ينبغي له أن يتكبر، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤] إلى أن قال بعدها بأربع آيات: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] يا الله! ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ﴾ [القصص:٧] كان المنطق أن يقال فاحفظيه أو فأمسكيه أو فخبئيه ودسيه ولكن (فَأَلْقِيهِ). والإنسان إذا خاف على شيء، حفظه والتزمه ومسكه وخبأه ولكن الله يسير قصة مكشوفة، وعملية سافرة على فرعون، يحاربه -كما يقال: كذا على المكشوف- بطفل يأتي إليه مباشرة، ثم يكون هذا الطفل هو النقمة والانقلاب، وهو نهاية هذا الملك الظالم الغاشم في الأرض. فقال الله لها: فألقيه، أي: اتركيه لتتولاه رعاية الله، ودعيه لتتكفله عناية الله، وتخلي عنه فإن الله هو الحافظ ، من الذي يحفظ الطيور وهي لا تملك ضراً ولا نفعاً؟! من الذي يشبعها؟! من الذي يؤيها؟! من الذي يحفظ السوارح في البراري؟! من الذي يحفظ الوالهين والضائعين واليتامى؟! إنه الله . فألقته أمه تحت رعاية الله وعنايته: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) والوحي إنما يأتي من الله لمن يشاء من عباده، فوثقت بهذا الوحي ولو كان من عند غير الله ما وثقت به أبداً، لو قال لها فرعون وهو يملك القوة والجنود والحرس أن تلقيه والله ما صدقت، ولا آمنت، ولا فعلت، لكن قال الله لها: ألقيه فألقته، وانظروا إلى هذا المشهد: أم والهة حزينة تلقي طفلها في اليم ولا تدعه عند أحد من الناس، إنما تلفه وتلقيه. في اليم: أي في الماء مباشرة ولن يغرق أبداً؛ لأن من يحفظ الله فإن الله يحفظه ومن يحفظه، الله لا يهلك أبداً. وألقته في الماء وأخذه نهر النيل الرقراق، ليتجه به ولكن إلى أين يتجه به؟ البساتين كثيرة في مصر والحدائق غناء ولكنه سوف يترك كل الحدائق والبساتين؛ ليدخل حديقة فرعون؛ لأن نظام الصرف والري في مصر استخدم في عهد فرعون حيث يدخل ماء النيل إلى كل بستان، ولكن هذا الطفل الذي يرعاه الله يتخلل تلك البساتين ويتركها وراء ظهره ليدخل بستان فرعون، هذا المغنم وهذا الصيد الذي يريد أن يحصل عليه فرعون يدخل بستانه، ويستبشر الحرس الظلمة الغشمة بهذا الطفل الوديع الذي رأوا أنه من بني إسرائيل، فأخذوه في لفائفة وقدموه لفرعون، وصدر أمر فرعون بقتله ولكن عناية الله تتدخل مرة ثانية لتحفظ هذا الغلام. يقول الله : ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] تأتي امرأة فرعون المؤمنة آسية فتقول: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩] وانظر إلى الخطاب! وانظر إلى عناية الله! وإلى الأسلوب! تقول لزوجها الظالم الغاشم: هذا قرت عين لي ولك، هذا غلام سوف نربيه لعله أن ينفعنا، وسوف ينفعها -إن شاء الله- ووالله، لقد نفعها موسى ﵇، نفعها في الدنيا بأن أسلمت على يديه ونفعها في الآخرة بأن أدخلها الجنة -بإذن الله- أليست هي التي قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]؟ بلى. سمع فرعون هذا الكلام منها وصدَّقها وترك الطفل وتحت عناية من الله أراد الله أن يهيئ له مرضعاً؛ لكن من ينبري لإرضاع هذا الطفل؟ إن الله وعد أم موسى أن يرد هذا الطفل إليها، تأتي المرضعات ويقدم الطفل للنساء فيأبى أن يرضع، ويأبى أن يشرب الحليب ليوفي الله وعده ، وتتدخل أخت موسى ﵍ وعليه وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً، فتقول: هل أدلكم على من يكفله ويحفظه ويرعاه ويرضعه لكم؟ فيستبشرون، ويعاد الطفل الوديع إلى أمه فترضعه وتربيه في حنان، بل وتأخذ على الإرضاع أجرة وكأنها ليست له بأم!

стр. 1995

عناية الله لموسى وهو غلام ثم يعود بعد الإرضاع ليتربى في قصر هذا الظالم الغاشم، قالوا: ولما درج وأصبح على وعي وعلى بصيرة ولكنه لا زال صغيراً؛ ضرب فرعون مرة من المرات كفاً قوياً على جبهته، وهذا الكف إيذان بهدم ملكه، وتدكيك إمبراطوريته؛ وإنهاء استعباده للعباد، كفاً حامياً يعلن القوة والعظمة، ويعلن أنه سوف يزلزل من هذا المكان، وغضب الكافر المارد، وازداد غضبه وتميز غيظاً وأمر بقتل هذا الغلام، ومرة ثانية تتدخل امرأة فرعون ﵍، فتقول: هذا لا يعقل ولا يعي شيئاً، أعرض عليه تمرة أو جمرة؛ فإن أخذ التمرة فقد وعى فاقتله، وإن أخذ الجمرة فهو لا يدري بشيء فاتركه. ففعل وعرض عليه جمرة وتمرة، ولكن عناية الله تحرسه وتحفظه في أساليب لا يدركها البشر، امتدت يده ﵇ إلى الجمرة فأخذها ووضعها على لسانه وبالفعل لذعت تلك اللسان الرطيب العذب الناطق بالحق، فتركه وأعفاه واستمر هذا الشاب ينمو في هذا القصر تحت رعاية الله وحمايته، وينزل من القصر ويتركه، لكن ما ندري ماذا حدث في هذه الفترة؟ لأن القرآن لا يتحدث إلا عن العبر والعظات في القصة، ينزل إلى الشارع يعاشر الناس وليعيش معهم.

стр. 1996

عناية الله لموسى وهو شاب ومرة من المرات يأتي حطاب إسرائيلي يعمل عند مصري، فيأتي المصري على كبره وعنجهيته وتغطرسه؛ لأن فرعون وراءه وجدات فرعون وخالاته، فيضرب هذا الإسرائليلي، فيستدعي الإسرائيلي موسى لينقذه ويستصرخه ليغيثه، فيتدخل موسى، وموسى كان قوياً، وأبشركم ببشرى سارة لأهل الجنوب وهي أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كأنه رجل من أزد شنوءة﴾ وأهل شنوءة هم أهل جبال السروات، فهو أحمر ربعة كما عرض للرسول ﷺ ، وفيه قوة عظيمة، لكن قوة الجسم لا يغتر بها الناس ما لم توفق قوة القلب، ويقول ﷺ في رواية أخرى: ﴿أريته كـ عروة بن مسعود الثقفي﴾ فيتدخل موسى، فيضربه ضربةً قوية فيصرعه، فإذا هو في الأرض جثة هامدة، ويفر، ولما علم فرعون بذلك اجتمع بوزرائه وقرر قتل موسى ﵇، ويأتي الرجل الصالح إلى موسى ويقول: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص:٢٠] إنهم قد دبروا لك الدسائس والحيل ليغتالوك ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] الفرار الفرار والنجاة النجاة! وأترك قصة الرجل الثاني لأنها لا تهمنا، لكن موسى ﵇ بعد أن قتل هذا وأحس بالذنب ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] قال المفسرون: هنا بلاغة عجيبة، ولطيفة حبيبة إلى النفوس، وهي أن الله ما فصل بين الذنب والمغفرة، فما أن قال موسى: رب اغفرلي، حتى قال الله: فغفر له مباشرة؛ لما توسخ بالخطيئة، وأصبح في طينة من خبال الرذيلة اتجه إلى الله فنظفه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قال: (فَغَفَرَ لَهُ) بدون شروط، ولم يأمره بأن يقدم شيئاً من العبادات، بل غفر له، وهذا من الجزالة والعفو والكرم والعطاء الجزيل الذي لا يدركه أحد. ولكن إلى أين يتجه؟! المدينة قد أوصدت أبوابها، والحرس وقفوا على الطرق يبحثون عن الناس ويأخذون هوياتهم لعلهم يرون صورة موسى التي أعلنت استخبارات فرعون عن قبضه أم ماذا يفعل؟ لكن خرج في وقت قيلولة على غفلة من الناس، وإذا أردت أن تخرج من المدينة ولا يدركك المرور ولا يحبسون سيارتك فاخرج وقت الظهيرة، فإنهم يقيلون في ذاك الوقت، فخرج ﵇ في تلك الساعة المباركة الميمونة، ثم يسأل الله أن يهديه إلى مكان آمن لأنه لا يعرف الطريق فقد عاش في المدينة، وأبناء المدينة لا يعرفون الفيافي ولا البوادي ولا الصحاري، عاش في المدينة لا يعرف الطرق ولا يعرف الناس لكن حتى في الطريق يسأل الله الهداية منه ، يقول: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢] سواء السبيل يعني: الطريق، فوجهه الله وهداه في الصحراء لا مرشد ولا هادي، إنما يمشي وكأن رجلاً يستدعيه، كأنه يقول: هلمَّ إليَّ؛ لأن الله يحفظه ويحرسه، ومشى يخترق هذه الرمال حتى وصل إلى أناس وإلى وادٍ عظيم الماء، وفيه أناس رعاع وفيه حركة وسكون وهو يريد الاستئناس بهم، والإنسان كما يقولون: مدني بالطبع، وزهاد الصوفية إنما خالفوا طبائعهم؛ لأن أمزجتهم قد وقع فيها شيء من الاضطراب، فتركوا الناس وخرجوا إلى الرهبانية التي ذمها ﷺ . أما هو فوفد فإذا الناس يسقون، وإذا بابنتين اثنتين تقفان وتذودان غنمهما عن الماء، تريدان أن يخف الزحام وأن ينتهي هذا الفئام من الناس حتى توردان غنمهما، وفي الأخير جاء ﵇ بعد أن رأى موقف هاتين البنتين، فأخذ الغنم بقوته وشجاعته وزاحم الرجال ودفعهم -وهو من هو في قوته وصلابته- حتى اسقى تلك الأغنام وأعادها للبنتين، ولكن به من الجوع العظيم مالا يعلم به إلا الله، وبه من الغربة ما لا يدركها إلا الله، وبه حتى من المرض، أورد الإمام أحمد في كتاب الزهد: أن موسى ﵇ قال لما رجع إلى الماء: يا رب! مريض غريب جائع فقير، قال الله : يا موسى! الفقير من لم أكن أنا مغنيه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه، والغريب من لم أكن أنا مؤنسه، والجوعان من لم أكن أنا مشبعه. ولكن القرآن يأتي باختصار لأعظم قضية ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] وتتدخل عناية الله مرة ثانية، وتأتي إحدى البنتين فتخبر أباها بما حدث عند الماء وتعود أدراجها؛ لتطلب هذا الرجل العظيم لتوفيه حقه من أبيها، فسلمت عليه ويقول المفسرون: ما رد عليها، ويدرك من يقرأ القرآن لمحاً -تلميحاً لا تصريحاً- أن الرجل كان على عفة عظيمة، وهكذا فليكن أولياء الله؛ ما نظر إليها ولا فاتحها بل قيل: إنه جعلها وراءه لتدله على الطريق، ووصل إلى بغيته. قواصد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا ولما وصل إلى هذا الرجل الصالح سلم عليه، قيل: إنه شعيب، وقيل غيره، ولا يهمنا فإنما يهمنا هو القصة والرجل الصالح، فلما سلم عليه وقص عليه القصص، وأخبره بالأنباء المفجعة، والحوادث الرهيبة، والإرهاب الذي استعمله واستغله فرعون عليه لعنة الله: ﴿قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] لقد استقر قلبك وارتاح ضميرك وأنت في ولاية الله ورعايته؛ لا تخف أبداً نجوت من القوم الظالمين، ثم بدأ بينهما معاهدة، وكتبت بينهما ورقة صك على أن يرعى لشعيب ﵇ مدة من الوقت فإن شاء عشر سنوات وإن شاء ثمان سنوات: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] أي: زيادة تفضل وكرم وعفو ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧] وفعلاً وفىَّ موسى ﵇ عشر سنوات، يقول ابن عباس: [[وفىَّ أبرهما وأكرمهما وأحسنهما أحسن العهدين]] ولما انتهت العشر السنوات أخذ زوجته وأخذ طفله وغنمه وشاته، وأعطاه الرجل الصالح عصا، والعصا هذه سوف تقلب الدنيا ظهراً لبطن، وسوف يكون لها حديث في القرآن وسوف يكون لها خبر مع فرعون، وتصارع الطغاة والسحرة، وتقف موقفاً وتتكلم بكلام، وتتحدث بحديث فاسمع، فخرج وساق أغنامه وقطع تلك الفيافي، وانظروا لعناية الله ، فإنه أعلم كيف يجعل رسالته. يتوقف في ليلة من الليالي وقد أظلم عليه الليل لا يجد نوراً، ولا يجد شيئاً يستدفئ به أهله، فتلمع له نار في وادي طوى بجانب الطور، فيستأذن من أهله في رقة، ويقول: سوف آتيكم بقبس لعلكم تصطلون، أو بشهاب من النار، أو لعلي أجد على النار هدى، قيل: إنسان يهديني أو صبر يصبرني، أو شيء يصرف كربتنا في هذه الليلة، ولما قرب من النار، وكما يقولون من اللطائف: أنه كان عنده حذاءين من جلد حمار ميت -والله أعلم- إنما قال له : اخلع نعليك، المقام مقام قداسة، والمقام مقام عبادة، والمقام مقام إجلال وإكرام، فالنعلان لا تليقان أن تدخلا في هذا البساط القدسي، فخلعهما وتقدم، وبعد لحظة من اللحظات سمع كلاماً ما عهده، كلام الله يكلم هذا العبد الذي وضعته أمه في الماء، هذا الذي لذعته النار، وهذا الذي رعى الأغنام، وهذا الذي أتى في الصحراء ضائعاً والهاً لا يحفظ شيئاً، وليس عنده مؤهلات لكن تدركه عناية الله ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] ووقعت (لا إله إلا الله) في قلب موسى وتحركه وارتعدت جوارحه، واهتز كيانه، وتذكر من هو الله ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] انظر إلى السماء! ترى إبداع الله ، وانظر إلى الأرض! تجد صنعه سبحانه، وانظر إلى كل شيء! وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ثم يقول له: (وألق عصاك) فألقى العصا التي كان يرعى بها الغنم، فإذا هي حية تسعى، فتركها وولى مسرعاً هارباً لا يلوي على شيء، يا ألله! العصا التي كنت أذود بها الأغنام تتحول إلى ثعبان، ما هذه الاضطرابات، وهذا التموجات في هذه الليلة؟ ما هذه الأحداث الضخام في هذه الليلة؟ من أنا؟ أنا كنت راعياً أرعى الأغنام، ولكن يعود النداء من الله : ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:١٠] فأقبل وقال له الله لما أوحى إليه أن ياخذ عصاه ليعيدها سيرتها الأولى، فأخذ عصاه، قيل: وضع يده في لسان الحية، فعادت عصا في يده كسيرتها الأولى أي: عصاه الأولى، ثم آية ثانية قال له : ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:١٢] فأدخلها ثم أخرجها فإذا هي بيضاء من غير سوء، ليس فيها برص ولا بهق، إنما هي بيضاء تلمع كالبدر آية ثانية. ثم قال له : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] وتوقف هل هذا صحيح؟ كنت أرعى الضأن، وكنت أبحث عن سراج في هذه الظلمة، ثم الآن أذهب إلى فرعون، ومن يدخلني على فرعون؟! ومن يتركني أتجاوز إلى قصره، وأدخل إلى بساطه، ثم أدخل إلى ديوانه وأتكلم معه وأنا طريد؟ قتلت رجلاً منهم ولو أمسك بي جواسيسه لقطعوني إرباً إرباً؟! لكن الله يقول له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: تجاوز الحد وبطر، وأنت رجل الموقف، وأنت رجل الساعة، فما كان رده إلا أن قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] وكأن إنساناً ضربه، يتصور أن إنساناً ضربه في صدره كذا أو أخبره بخبر مفجع أو أنه ألقيت عليه قذيفة، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] ووالله إنه لأمر صعب، وإنها لمسئولية ضخمة: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] وتأتي قصة اللسان، وكان موسى ألثغاً لا يجيد ولا يبين حتى يقول فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] لا يفصح ولا ينطق الحروف من مخارجها، لكن قالوا: إن الله يعطي الأنبياء والمرسلين بقدر ما يسألونه فقط، فأعطاه الله بياناً لكن ليس شافياً كبيان هارون الذي يختطب ويرج الموقف. يقول: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨] يقول: لا أريد إلا أن يفقهوا قولي، ثم يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١] وهناك في آية أخرى يقول: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤] يعني: هو أفصح مني لساناً، ولكن إذا أصبح في الحجة والبيان والتضحية وبسط المقالة تأثر الناس، وهكذا الناس، يقول ﷺ : ﴿إن أحدكم ربما يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع﴾. فلذلك ربما تجد صاحب الحق لا يجيد أن يتكلم يقول: نعم هذه ناقتي ضاعت، ولكن لا أدري متى ضاعت؟ ولا في أي مكان ضاعت؟ ويأتي هذا السارق ويقول: بل هي ناقتي الحمراء الصفراء التي ربيتها في وادينا الفلاني، ومكثت عندي سنتين وأعرف رباطها وزمامها وعفاصها ووكاءها، قال القاضي: خذها، فهذا من البيان، فهارون كان عنده من هذا الشيء العظيم.

стр. 1997

عناية الله لموسى أمام فرعون ذهب الاثنان، ولذلك يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٢٩ - ٣٣] لأنه من المعروف أن الاثنين يسبحان أكثر من الواحد وهذا معروف في العدد، والثاني: إذا أعان أخاه على الذكر تذاكرا جميعاً، ولذلك إذا أردت أن تسافر فسافر برفيق، يقول ﷺ : ﴿الراكب شيطان﴾. قال : ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] أي: لا تضعفا؛ بل سبحا وهللا وكبرا حتى تتقويان على الدعوة وعلى تنفيذها. فلما وصلا إلى بساط فرعون واستأذناه ودخلا عليه ومعه جنوده وحاشيته، دعواه إلى الله . فضحك والتفت إلى أصحابه يقول الله في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٢٥ - ٣٠] الآيات. ولذلك يقول اشتكى موسى ﵇ إلى الله من فرعون، يريد رعاية الله وحمايته له وهي الشاهد يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يفرط أي: يستعجل، والمعنى أنه يخاف أنه ما إن يدخل من الباب وهو لا يعرف القضية، ولم يتكلم معه في شيء، فيستعجل في حكمه عليه، أو أن يطغى أي: بعد أن نخبره، قال الله : ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وإذا كان الله معك يسمع ويرى، فلا تخف من الدنيا كلها، ولذلك هذه العقيدة هي درجة عالية ما أدركناها، ونسأل الله أن يوصلنا إليها. يقول ﷺ لـ ابن عباس: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك﴾ وتتدخل عناية الله ، فيوفقه الله ويتكلم معه؛ لكن الخبيث رفض، ويعيده للميدان ثانية، ويجمع سحرته في يوم الجمعة، يطلب أن يحشر الناس ضحى، ويخاف موسى ﵇، ويتكرر منه الخوف أيضاً، ويأتي الله ، ويقول: لا تخف، أنا معك أسمعك وأراك، لكن الإنسان بشر والبشر يخاف ويوجل وتتهدم جوارحه، حتى أنك لو حلفت للإنسان أنه لا يأتيه شيء، وتحلف له أيمان القسامة أن الذئب لا يأكله لا يصدقك، يخرج ولكن يبقى في نفسه شيء. فألقى السحرة عصيهم وكل ما في أيديهم، فإذا العصي حبال تسعى، أصبحت الخيزران تلعب كأنها ثعبان، وهو ﵇ يصدق بوعد الله لكن البشر بشر، فيقول : ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨] سوف تجد من يفشل هذا اليوم وينهزم، فألقى عصاه فأخذت تبتلع كل العصي وكل الحبال، وأخذت هذه الحيات في بطنها، وكبرت ما شاء الله واتجهت إلى منصة فرعون لتبتلعه كذلك، لكن الخبيث يشرد، يقول الحسن البصري ﵀: [[كان فرعون طياشاً خفيفاً جباناً لأنه ما يقف إلا على الدعاية. هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر وهكذا إلى نهاية القصة، والله يتولاه إلى آخر مرحلة حتى خرج فرعون يطارده من مصر، واتجه إلى البحر ويا سبحان الله! أين يتجه؟! البحر أمامه، وفرعون وراءه؟ لكن الله يقول له: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ [الشعراء:٦٣] ويا عجباً لهذه العصا! مرة يضرب بها الغنم، ومرة تصبح حية تسعى، ومرة تلتهم الأشياء، ومرة تشق البحر نصفين؛ وهذه عناية الله تدرك العصا، وانشق البحر، وخرج موسى من الماء، ولا يزال فرعون يحاول إدراك موسى ومن معه، فدخل الجنود، هذا إن شئتم صدقتموه وإن شئتم كذبتموه؛ لكن لا تكذبون ولا تصدقون قولوا: دخل فدخل بجيشه، ولما انتصف في الماء أطبق عليه فهلك هو وجنوده، وانتصر موسى ﵇ وأصبح رجل الموقف. من الطفل الذي في اللفائف، والذي ألقي في اليم إلى رجل الموقف ورسول الأمة الناجح في هذه المعركة، هذا ملخص القصة التي تبين أن عناية الله تدرك أصحابه وأولياءه وأحبابه في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 1998

عناية الله بمحمد ﷺ ولنعيش مع حبيب القلوب، وقرة العيون، وبهجة النفوس ﷺ ، وذلك أنه حين قرر كفار مكة في بيت الندوة اغتياله ﷺ ، وأرسلوا شباباً معهم سيوف حادة قاطعة تقتل كل من رأت، وشحذوها بالسم، وأخذ كل شاب معه هذا السيف يهزه كأنه نعجة أو هزبر، ووقفوا عند بابه ﷺ ينتظرون متى يخرج، وظنوا أن إهراق دمه ﷺ أمر هين، ويخبره الله في المنام بأن كفار قريش قد طوقوا البيت، ونصبوا كميناً لاغتيالك فاخرج، ولكن ما خرج كأي رجل يخاف ويرتعد، بل خرج مستعلياً ظاهراً شجاعاًَ منتصراً، وأخذ حفنة من التراب يحثوهم على رءوسهم، هذه الثلة من الشباب الذين خرجوا لاستقباله ﷺ . فلما خرج وتوجه ﷺ إلى الغار ودخله، خرج كفار مكة كأنهم مجانين، كأن كل إنسان سرق غنمه محمد ﷺ أو سرق ناقته، خرجوا بالسيوف يطاردونه لكي يخرج من مكة، انظر إلى هذه العقول السخيفة الضالة الضائعة، لماذا ما تركوه يخرج؟ وهذا من العجب! ألم يقولوا: لا نريد أن يبقى معنا؟ إذاً يخرج، والآن هم يطاردونه، فخرجوا واجتمعوا على الغار الذي كان فيه ﷺ ، يا ألله! من يحميه غير الله ؟ وأبو بكر معه خائف عليه ولم يكن معه سيف، وإلا فسيقاتل ﵁، والقضية ليست هي قضية قتال؟ هؤلاء مغتالون سفاكون لو رأوه لمدوا أيديهم بسيوفهم. فقال ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] انظروا عقيدته ﷺ . ومن اللطائف يقولون أنه قيل: أتت العنكبوت فبنت عشها عند الباب وأتت الحمامة فضربت بيتها: ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم وخرج ﷺ . وأتت المحاولة الثالثة لاغتياله وهي محاولة سراقة فإنه لما رآه في الصحراء انطلق بفرسه وسيفه ليدرك الجائزة، وليقبض على محمد ﷺ ، ولكن خرجت كلمة خافتة ساكنة من الرسول ﷺ يرفعها إلى الله: ﴿اللهم اكفناه بما شئت﴾ هكذا بلا تكلف، وبلا محاضرة، وبلا خطب، وإنما دعاء خفي إلى مولاه، فكفاه الله، وغاصت قدما الفرس ويداه في الأرض حتى سقط. وانتصر محمد ﷺ بعد الاغتيالات والمعاناة، وبعد ما تعرض ﷺ للكرب العظيمة التي ما تعرض لها إنسانٌ أبداً، فالنصر والتأييد من رعاية الله .

стр. 1999

أسباب استجابة الدعاء تأتي إجابة الدعاء؛ مع أنه من الملاحظ أن إجابة الدعاء ليست بالأمر السهل عند أولياء الله عزوجل، بل له أمور تسوغ إجابة الدعاء، وتجعل هذا الدعاء مجاباً بإذن الله عزوجل، فمنها: ١ - الولاء التام لله عزوجل. ٢ - المطعم الحلال. ٣ - ألا تدعو بإثمٍ ولا قطيعة رحم. ٤ - أن تدعو دعاء المضطر؛ فلا تدعو بقلبٍ لاهٍ غافل. ٥ - أن تتحرى أماكن الاستجابة، وأوقاتها التي هي معروفه عند الناس؛ فإذا اجتمعت هذه الشروط فإنه أدعى لحصول الإجابة، وهو الفتح من الله، والبركة والرضوان والاستجابة السريعة. عمر ﵁ حج آخر حجة، فلما مشى يقود الحجيج إلى عرفات سمع هاتفاً يهتف: عليك سلام من إمام مبارك وبارك في ذاك الأديم الممزق فكُلم ﵁ في ذلك، قال: هذا أجلي نعي إليَّ، وكان ﵁ عنده طلاقة وفهم، وهو ملهم حيث يقول ﷺ : ﴿إن يكن في أمتي محدثون فإنه عمر بن الخطاب﴾ أو كما قال ﷺ ؛ فهو محدث ملهم تأتيه السكينة والإلهام من الله عزوجل، هو ليس بنبي لكن تأتيه الفتوح؛ لصفاء قلبه، وقوة عقيدته ﵁. ولما انتهى من المناسك قيل: حصبه رجل من اليمن، ووقعت هذه الرجمة في رأس عمر؛ وكان أصلع فسال الدم، والتفت عمر مرةً ثانية، وقال: [[هذا أجلي نعي إليَّ]]. وبعد أن انتهى من المناسك، وانتهى من عبادة الله، اضطجع على البطحاء؛ قيل: في محصب الحجيج، وقال: [[اللهم قد انتشرت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، اللهم فإني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك]] وما أعظم ما طلب! طلب أمرين اثنين يصعب أن يجتمعا: شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك. قال عمرو بن العاص ﵁: [[يا أمير المؤمنين؛ شهادة في سبيل الله، وموت في بلد رسول الله، كيف يكون ذلك؟ الناس يقتلون على حدود الروم، وفي بلاد فارس، وفي القادسية، وفي اليرموك، وليس في المدينة قتال، قال: قد دعوت الله]] انتهى. رجع ﵁ وأرضاه، وأكرم مثواه، وحشرنا في زمرته وزمرة محمد ﷺ وأبي بكر الصديق، وأجلسنا معهم على بساط من نور عند مليك مقتدر لا نخاف ولا نحزن إن شاء الله. وعاد إلى المدينة، وما إن وصل إلى المدينة إلا ورأى رؤيا كما تعلمون؛ رأى أن ديكاً رومياً نقره، وعرض رؤياه على الناس، وقال: [[لقد أخبرت أسماء بنت عميس فأخبرته بأنه سيقتل]]؛ وبقي متوجساً بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة الله ويرغب في لقائه، ويتلهف وهو يدعو أن يقرب دائماً من الموت؛ وهذا من الأدلة على أن الإنسان إذا خاف على نفسه خوفاً زائداً أن يدعو بالموت، وإلا فهو منهيٌ أصلاً، فدعا بهذا الموت: ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حباً وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل وامتدت يد آثمة وهو يقرأ في صلاة الفجر؛ في قراءة رزينة، متمكنة. قتل ﵁، وارتفعت روحه ليوفي الله ما وعده، وما سأله؛ وسؤاله له عزوجل: أن يرزقه شهادةً في سبيله، وموتةً في بلد رسوله.

стр. 2000

المعجزات يؤيد الله بها أولياءه ومن تأييد الله ورعايته لأوليائه: المعجزات والكرامات، ومن المعجزات التي شهد بها التاريخ لرسولنا ﷺ وهي كثيرة حتى قال بعض العلماء: إنها ألف معجزة؛ لكن ما أحصيناها حتى نقول: إنها ألف ولا يهمنا أنها ألف أو أقل أو أكثر، ولكن يهمنا أن النبي ﷺ وقعت له كثير من المعجزات:
следующие страницы →