Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
عناية الله لموسى وهو شاب
ومرة من المرات يأتي حطاب إسرائيلي يعمل عند مصري، فيأتي المصري على كبره وعنجهيته وتغطرسه؛ لأن فرعون وراءه وجدات فرعون وخالاته، فيضرب هذا الإسرائليلي، فيستدعي الإسرائيلي موسى لينقذه ويستصرخه ليغيثه، فيتدخل موسى، وموسى كان قوياً، وأبشركم ببشرى سارة لأهل الجنوب وهي أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كأنه رجل من أزد شنوءة﴾ وأهل شنوءة هم أهل جبال السروات، فهو أحمر ربعة كما عرض للرسول ﷺ ، وفيه قوة عظيمة، لكن قوة الجسم لا يغتر بها الناس ما لم توفق قوة القلب، ويقول ﷺ في رواية أخرى: ﴿أريته كـ عروة بن مسعود الثقفي﴾ فيتدخل موسى، فيضربه ضربةً قوية فيصرعه، فإذا هو في الأرض جثة هامدة، ويفر، ولما علم فرعون بذلك اجتمع بوزرائه وقرر قتل موسى ﵇، ويأتي الرجل الصالح إلى موسى ويقول: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص:٢٠] إنهم قد دبروا لك الدسائس والحيل ليغتالوك ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] الفرار الفرار والنجاة النجاة! وأترك قصة الرجل الثاني لأنها لا تهمنا، لكن موسى ﵇ بعد أن قتل هذا وأحس بالذنب ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] قال المفسرون: هنا بلاغة عجيبة، ولطيفة حبيبة إلى النفوس، وهي أن الله ما فصل بين الذنب والمغفرة، فما أن قال موسى: رب اغفرلي، حتى قال الله: فغفر له مباشرة؛ لما توسخ بالخطيئة، وأصبح في طينة من خبال الرذيلة اتجه إلى الله فنظفه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قال: (فَغَفَرَ لَهُ) بدون شروط، ولم يأمره بأن يقدم شيئاً من العبادات، بل غفر له، وهذا من الجزالة والعفو والكرم والعطاء الجزيل الذي لا يدركه أحد.
ولكن إلى أين يتجه؟! المدينة قد أوصدت أبوابها، والحرس وقفوا على الطرق يبحثون عن الناس ويأخذون هوياتهم لعلهم يرون صورة موسى التي أعلنت استخبارات فرعون عن قبضه أم ماذا يفعل؟ لكن خرج في وقت قيلولة على غفلة من الناس، وإذا أردت أن تخرج من المدينة ولا يدركك المرور ولا يحبسون سيارتك فاخرج وقت الظهيرة، فإنهم يقيلون في ذاك الوقت، فخرج ﵇ في تلك الساعة المباركة الميمونة، ثم يسأل الله أن يهديه إلى مكان آمن لأنه لا يعرف الطريق فقد عاش في المدينة، وأبناء المدينة لا يعرفون الفيافي ولا البوادي ولا الصحاري، عاش في المدينة لا يعرف الطرق ولا يعرف الناس لكن حتى في الطريق يسأل الله الهداية منه ، يقول: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢] سواء السبيل يعني: الطريق، فوجهه الله وهداه في الصحراء لا مرشد ولا هادي، إنما يمشي وكأن رجلاً يستدعيه، كأنه يقول: هلمَّ إليَّ؛ لأن الله يحفظه ويحرسه، ومشى يخترق هذه الرمال حتى وصل إلى أناس وإلى وادٍ عظيم الماء، وفيه أناس رعاع وفيه حركة وسكون وهو يريد الاستئناس بهم، والإنسان كما يقولون: مدني بالطبع، وزهاد الصوفية إنما خالفوا طبائعهم؛ لأن أمزجتهم قد وقع فيها شيء من الاضطراب، فتركوا الناس وخرجوا إلى الرهبانية التي ذمها ﷺ .
أما هو فوفد فإذا الناس يسقون، وإذا بابنتين اثنتين تقفان وتذودان غنمهما عن الماء، تريدان أن يخف الزحام وأن ينتهي هذا الفئام من الناس حتى توردان غنمهما، وفي الأخير جاء ﵇ بعد أن رأى موقف هاتين البنتين، فأخذ الغنم بقوته وشجاعته وزاحم الرجال ودفعهم -وهو من هو في قوته وصلابته- حتى اسقى تلك الأغنام وأعادها للبنتين، ولكن به من الجوع العظيم مالا يعلم به إلا الله، وبه من الغربة ما لا يدركها إلا الله، وبه حتى من المرض، أورد الإمام أحمد في كتاب الزهد: أن موسى ﵇ قال لما رجع إلى الماء: يا رب! مريض غريب جائع فقير، قال الله : يا موسى! الفقير من لم أكن أنا مغنيه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه، والغريب من لم أكن أنا مؤنسه، والجوعان من لم أكن أنا مشبعه.
ولكن القرآن يأتي باختصار لأعظم قضية ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] وتتدخل عناية الله مرة ثانية، وتأتي إحدى البنتين فتخبر أباها بما حدث عند الماء وتعود أدراجها؛ لتطلب هذا الرجل العظيم لتوفيه حقه من أبيها، فسلمت عليه ويقول المفسرون: ما رد عليها، ويدرك من يقرأ القرآن لمحاً -تلميحاً لا تصريحاً- أن الرجل كان على عفة عظيمة، وهكذا فليكن أولياء الله؛ ما نظر إليها ولا فاتحها بل قيل: إنه جعلها وراءه لتدله على الطريق، ووصل إلى بغيته.
قواصد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا
ولما وصل إلى هذا الرجل الصالح سلم عليه، قيل: إنه شعيب، وقيل غيره، ولا يهمنا فإنما يهمنا هو القصة والرجل الصالح، فلما سلم عليه وقص عليه القصص، وأخبره بالأنباء المفجعة، والحوادث الرهيبة، والإرهاب الذي استعمله واستغله فرعون عليه لعنة الله: ﴿قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] لقد استقر قلبك وارتاح ضميرك وأنت في ولاية الله ورعايته؛ لا تخف أبداً نجوت من القوم الظالمين، ثم بدأ بينهما معاهدة، وكتبت بينهما ورقة صك على أن يرعى لشعيب ﵇ مدة من الوقت فإن شاء عشر سنوات وإن شاء ثمان سنوات: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] أي: زيادة تفضل وكرم وعفو ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧] وفعلاً وفىَّ موسى ﵇ عشر سنوات، يقول ابن عباس: [[وفىَّ أبرهما وأكرمهما وأحسنهما أحسن العهدين]] ولما انتهت العشر السنوات أخذ زوجته وأخذ طفله وغنمه وشاته، وأعطاه الرجل الصالح عصا، والعصا هذه سوف تقلب الدنيا ظهراً لبطن، وسوف يكون لها حديث في القرآن وسوف يكون لها خبر مع فرعون، وتصارع الطغاة والسحرة، وتقف موقفاً وتتكلم بكلام، وتتحدث بحديث فاسمع، فخرج وساق أغنامه وقطع تلك الفيافي، وانظروا لعناية الله ، فإنه أعلم كيف يجعل رسالته.
يتوقف في ليلة من الليالي وقد أظلم عليه الليل لا يجد نوراً، ولا يجد شيئاً يستدفئ به أهله، فتلمع له نار في وادي طوى بجانب الطور، فيستأذن من أهله في رقة، ويقول: سوف آتيكم بقبس لعلكم تصطلون، أو بشهاب من النار، أو لعلي أجد على النار هدى، قيل: إنسان يهديني أو صبر يصبرني، أو شيء يصرف كربتنا في هذه الليلة، ولما قرب من النار، وكما يقولون من اللطائف: أنه كان عنده حذاءين من جلد حمار ميت -والله أعلم- إنما قال له : اخلع نعليك، المقام مقام قداسة، والمقام مقام عبادة، والمقام مقام إجلال وإكرام، فالنعلان لا تليقان أن تدخلا في هذا البساط القدسي، فخلعهما وتقدم، وبعد لحظة من اللحظات سمع كلاماً ما عهده، كلام الله يكلم هذا العبد الذي وضعته أمه في الماء، هذا الذي لذعته النار، وهذا الذي رعى الأغنام، وهذا الذي أتى في الصحراء ضائعاً والهاً لا يحفظ شيئاً، وليس عنده مؤهلات لكن تدركه عناية الله ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] ووقعت (لا إله إلا الله) في قلب موسى وتحركه وارتعدت جوارحه، واهتز كيانه، وتذكر من هو الله ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] انظر إلى السماء! ترى إبداع الله ، وانظر إلى الأرض! تجد صنعه سبحانه، وانظر إلى كل شيء!
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ثم يقول له: (وألق عصاك) فألقى العصا التي كان يرعى بها الغنم، فإذا هي حية تسعى، فتركها وولى مسرعاً هارباً لا يلوي على شيء، يا ألله! العصا التي كنت أذود بها الأغنام تتحول إلى ثعبان، ما هذه الاضطرابات، وهذا التموجات في هذه الليلة؟ ما هذه الأحداث الضخام في هذه الليلة؟ من أنا؟ أنا كنت راعياً أرعى الأغنام، ولكن يعود النداء من الله : ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:١٠] فأقبل وقال له الله لما أوحى إليه أن ياخذ عصاه ليعيدها سيرتها الأولى، فأخذ عصاه، قيل: وضع يده في لسان الحية، فعادت عصا في يده كسيرتها الأولى أي: عصاه الأولى، ثم آية ثانية قال له : ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:١٢] فأدخلها ثم أخرجها فإذا هي بيضاء من غير سوء، ليس فيها برص ولا بهق، إنما هي بيضاء تلمع كالبدر آية ثانية.
ثم قال له : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] وتوقف هل هذا صحيح؟ كنت أرعى الضأن، وكنت أبحث عن سراج في هذه الظلمة، ثم الآن أذهب إلى فرعون، ومن يدخلني على فرعون؟! ومن يتركني أتجاوز إلى قصره، وأدخل إلى بساطه، ثم أدخل إلى ديوانه وأتكلم معه وأنا طريد؟ قتلت رجلاً منهم ولو أمسك بي جواسيسه لقطعوني إرباً إرباً؟! لكن الله يقول له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: تجاوز الحد وبطر، وأنت رجل الموقف، وأنت رجل الساعة، فما كان رده إلا أن قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] وكأن إنساناً ضربه، يتصور أن إنساناً ضربه في صدره كذا أو أخبره بخبر مفجع أو أنه ألقيت عليه قذيفة، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] ووالله إنه لأمر صعب، وإنها لمسئولية ضخمة: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] وتأتي قصة اللسان، وكان موسى ألثغاً لا يجيد ولا يبين حتى يقول فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] لا يفصح ولا ينطق الحروف من مخارجها، لكن قالوا: إن الله يعطي الأنبياء والمرسلين بقدر ما يسألونه فقط، فأعطاه الله بياناً لكن ليس شافياً كبيان هارون الذي يختطب ويرج الموقف.
يقول: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨] يقول: لا أريد إلا أن يفقهوا قولي، ثم يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١] وهناك في آية أخرى يقول: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤] يعني: هو أفصح مني لساناً، ولكن إذا أصبح في الحجة والبيان والتضحية وبسط المقالة تأثر الناس، وهكذا الناس، يقول ﷺ : ﴿إن أحدكم ربما يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع﴾.
فلذلك ربما تجد صاحب الحق لا يجيد أن يتكلم يقول: نعم هذه ناقتي ضاعت، ولكن لا أدري متى ضاعت؟ ولا في أي مكان ضاعت؟ ويأتي هذا السارق ويقول: بل هي ناقتي الحمراء الصفراء التي ربيتها في وادينا الفلاني، ومكثت عندي سنتين وأعرف رباطها وزمامها وعفاصها ووكاءها، قال القاضي: خذها، فهذا من البيان، فهارون كان عنده من هذا الشيء العظيم.
стр. 1997
عناية الله لموسى أمام فرعون
ذهب الاثنان، ولذلك يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٢٩ - ٣٣] لأنه من المعروف أن الاثنين يسبحان أكثر من الواحد وهذا معروف في العدد، والثاني: إذا أعان أخاه على الذكر تذاكرا جميعاً، ولذلك إذا أردت أن تسافر فسافر برفيق، يقول ﷺ : ﴿الراكب شيطان﴾.
قال : ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] أي: لا تضعفا؛ بل سبحا وهللا وكبرا حتى تتقويان على الدعوة وعلى تنفيذها.
فلما وصلا إلى بساط فرعون واستأذناه ودخلا عليه ومعه جنوده وحاشيته، دعواه إلى الله .
فضحك والتفت إلى أصحابه يقول الله في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٢٥ - ٣٠] الآيات.
ولذلك يقول اشتكى موسى ﵇ إلى الله من فرعون، يريد رعاية الله وحمايته له وهي الشاهد يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يفرط أي: يستعجل، والمعنى أنه يخاف أنه ما إن يدخل من الباب وهو لا يعرف القضية، ولم يتكلم معه في شيء، فيستعجل في حكمه عليه، أو أن يطغى أي: بعد أن نخبره، قال الله : ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وإذا كان الله معك يسمع ويرى، فلا تخف من الدنيا كلها، ولذلك هذه العقيدة هي درجة عالية ما أدركناها، ونسأل الله أن يوصلنا إليها.
يقول ﷺ لـ ابن عباس: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك﴾ وتتدخل عناية الله ، فيوفقه الله ويتكلم معه؛ لكن الخبيث رفض، ويعيده للميدان ثانية، ويجمع سحرته في يوم الجمعة، يطلب أن يحشر الناس ضحى، ويخاف موسى ﵇، ويتكرر منه الخوف أيضاً، ويأتي الله ، ويقول: لا تخف، أنا معك أسمعك وأراك، لكن الإنسان بشر والبشر يخاف ويوجل وتتهدم جوارحه، حتى أنك لو حلفت للإنسان أنه لا يأتيه شيء، وتحلف له أيمان القسامة أن الذئب لا يأكله لا يصدقك، يخرج ولكن يبقى في نفسه شيء.
فألقى السحرة عصيهم وكل ما في أيديهم، فإذا العصي حبال تسعى، أصبحت الخيزران تلعب كأنها ثعبان، وهو ﵇ يصدق بوعد الله لكن البشر بشر، فيقول : ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨] سوف تجد من يفشل هذا اليوم وينهزم، فألقى عصاه فأخذت تبتلع كل العصي وكل الحبال، وأخذت هذه الحيات في بطنها، وكبرت ما شاء الله واتجهت إلى منصة فرعون لتبتلعه كذلك، لكن الخبيث يشرد، يقول الحسن البصري ﵀: [[كان فرعون طياشاً خفيفاً جباناً لأنه ما يقف إلا على الدعاية.
هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
وهكذا إلى نهاية القصة، والله يتولاه إلى آخر مرحلة حتى خرج فرعون يطارده من مصر، واتجه إلى البحر ويا سبحان الله! أين يتجه؟! البحر أمامه، وفرعون وراءه؟ لكن الله يقول له: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ [الشعراء:٦٣] ويا عجباً لهذه العصا! مرة يضرب بها الغنم، ومرة تصبح حية تسعى، ومرة تلتهم الأشياء، ومرة تشق البحر نصفين؛ وهذه عناية الله تدرك العصا، وانشق البحر، وخرج موسى من الماء، ولا يزال فرعون يحاول إدراك موسى ومن معه، فدخل الجنود، هذا إن شئتم صدقتموه وإن شئتم كذبتموه؛ لكن لا تكذبون ولا تصدقون قولوا: دخل فدخل بجيشه، ولما انتصف في الماء أطبق عليه فهلك هو وجنوده، وانتصر موسى ﵇ وأصبح رجل الموقف.
من الطفل الذي في اللفائف، والذي ألقي في اليم إلى رجل الموقف ورسول الأمة الناجح في هذه المعركة، هذا ملخص القصة التي تبين أن عناية الله تدرك أصحابه وأولياءه وأحبابه في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
стр. 1998
عناية الله بمحمد ﷺ
ولنعيش مع حبيب القلوب، وقرة العيون، وبهجة النفوس ﷺ ، وذلك أنه حين قرر كفار مكة في بيت الندوة اغتياله ﷺ ، وأرسلوا شباباً معهم سيوف حادة قاطعة تقتل كل من رأت، وشحذوها بالسم، وأخذ كل شاب معه هذا السيف يهزه كأنه نعجة أو هزبر، ووقفوا عند بابه ﷺ ينتظرون متى يخرج، وظنوا أن إهراق دمه ﷺ أمر هين، ويخبره الله في المنام بأن كفار قريش قد طوقوا البيت، ونصبوا كميناً لاغتيالك فاخرج، ولكن ما خرج كأي رجل يخاف ويرتعد، بل خرج مستعلياً ظاهراً شجاعاًَ منتصراً، وأخذ حفنة من التراب يحثوهم على رءوسهم، هذه الثلة من الشباب الذين خرجوا لاستقباله ﷺ .
فلما خرج وتوجه ﷺ إلى الغار ودخله، خرج كفار مكة كأنهم مجانين، كأن كل إنسان سرق غنمه محمد ﷺ أو سرق ناقته، خرجوا بالسيوف يطاردونه لكي يخرج من مكة، انظر إلى هذه العقول السخيفة الضالة الضائعة، لماذا ما تركوه يخرج؟ وهذا من العجب! ألم يقولوا: لا نريد أن يبقى معنا؟ إذاً يخرج، والآن هم يطاردونه، فخرجوا واجتمعوا على الغار الذي كان فيه ﷺ ، يا ألله! من يحميه غير الله ؟ وأبو بكر معه خائف عليه ولم يكن معه سيف، وإلا فسيقاتل ﵁، والقضية ليست هي قضية قتال؟ هؤلاء مغتالون سفاكون لو رأوه لمدوا أيديهم بسيوفهم.
فقال ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] انظروا عقيدته ﷺ .
ومن اللطائف يقولون أنه قيل: أتت العنكبوت فبنت عشها عند الباب وأتت الحمامة فضربت بيتها:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
وخرج ﷺ .
وأتت المحاولة الثالثة لاغتياله وهي محاولة سراقة فإنه لما رآه في الصحراء انطلق بفرسه وسيفه ليدرك الجائزة، وليقبض على محمد ﷺ ، ولكن خرجت كلمة خافتة ساكنة من الرسول ﷺ يرفعها إلى الله: ﴿اللهم اكفناه بما شئت﴾ هكذا بلا تكلف، وبلا محاضرة، وبلا خطب، وإنما دعاء خفي إلى مولاه، فكفاه الله، وغاصت قدما الفرس ويداه في الأرض حتى سقط.
وانتصر محمد ﷺ بعد الاغتيالات والمعاناة، وبعد ما تعرض ﷺ للكرب العظيمة التي ما تعرض لها إنسانٌ أبداً، فالنصر والتأييد من رعاية الله .
стр. 1999
أسباب استجابة الدعاء
تأتي إجابة الدعاء؛ مع أنه من الملاحظ أن إجابة الدعاء ليست بالأمر السهل عند أولياء الله عزوجل، بل له أمور تسوغ إجابة الدعاء، وتجعل هذا الدعاء مجاباً بإذن الله عزوجل، فمنها:
١ - الولاء التام لله عزوجل.
٢ - المطعم الحلال.
٣ - ألا تدعو بإثمٍ ولا قطيعة رحم.
٤ - أن تدعو دعاء المضطر؛ فلا تدعو بقلبٍ لاهٍ غافل.
٥ - أن تتحرى أماكن الاستجابة، وأوقاتها التي هي معروفه عند الناس؛ فإذا اجتمعت هذه الشروط فإنه أدعى لحصول الإجابة، وهو الفتح من الله، والبركة والرضوان والاستجابة السريعة.
عمر ﵁ حج آخر حجة، فلما مشى يقود الحجيج إلى عرفات سمع هاتفاً يهتف:
عليك سلام من إمام مبارك وبارك في ذاك الأديم الممزق
فكُلم ﵁ في ذلك، قال: هذا أجلي نعي إليَّ، وكان ﵁ عنده طلاقة وفهم، وهو ملهم حيث يقول ﷺ : ﴿إن يكن في أمتي محدثون فإنه عمر بن الخطاب﴾ أو كما قال ﷺ ؛ فهو محدث ملهم تأتيه السكينة والإلهام من الله عزوجل، هو ليس بنبي لكن تأتيه الفتوح؛ لصفاء قلبه، وقوة عقيدته ﵁.
ولما انتهى من المناسك قيل: حصبه رجل من اليمن، ووقعت هذه الرجمة في رأس عمر؛ وكان أصلع فسال الدم، والتفت عمر مرةً ثانية، وقال: [[هذا أجلي نعي إليَّ]].
وبعد أن انتهى من المناسك، وانتهى من عبادة الله، اضطجع على البطحاء؛ قيل: في محصب الحجيج، وقال: [[اللهم قد انتشرت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، اللهم فإني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك]] وما أعظم ما طلب! طلب أمرين اثنين يصعب أن يجتمعا: شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك.
قال عمرو بن العاص ﵁: [[يا أمير المؤمنين؛ شهادة في سبيل الله، وموت في بلد رسول الله، كيف يكون ذلك؟ الناس يقتلون على حدود الروم، وفي بلاد فارس، وفي القادسية، وفي اليرموك، وليس في المدينة قتال، قال: قد دعوت الله]] انتهى.
رجع ﵁ وأرضاه، وأكرم مثواه، وحشرنا في زمرته وزمرة محمد ﷺ وأبي بكر الصديق، وأجلسنا معهم على بساط من نور عند مليك مقتدر لا نخاف ولا نحزن إن شاء الله.
وعاد إلى المدينة، وما إن وصل إلى المدينة إلا ورأى رؤيا كما تعلمون؛ رأى أن ديكاً رومياً نقره، وعرض رؤياه على الناس، وقال: [[لقد أخبرت أسماء بنت عميس فأخبرته بأنه سيقتل]]؛ وبقي متوجساً بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة الله ويرغب في لقائه، ويتلهف وهو يدعو أن يقرب دائماً من الموت؛ وهذا من الأدلة على أن الإنسان إذا خاف على نفسه خوفاً زائداً أن يدعو بالموت، وإلا فهو منهيٌ أصلاً، فدعا بهذا الموت:
ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حباً
وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل
وامتدت يد آثمة وهو يقرأ في صلاة الفجر؛ في قراءة رزينة، متمكنة.
قتل ﵁، وارتفعت روحه ليوفي الله ما وعده، وما سأله؛ وسؤاله له عزوجل: أن يرزقه شهادةً في سبيله، وموتةً في بلد رسوله.
стр. 2000
المعجزات يؤيد الله بها أولياءه
ومن تأييد الله ورعايته لأوليائه: المعجزات والكرامات، ومن المعجزات التي شهد بها التاريخ لرسولنا ﷺ وهي كثيرة حتى قال بعض العلماء: إنها ألف معجزة؛ لكن ما أحصيناها حتى نقول: إنها ألف ولا يهمنا أنها ألف أو أقل أو أكثر، ولكن يهمنا أن النبي ﷺ وقعت له كثير من المعجزات:
стр. 2001
جذع الشجرة يحن للنبي ﷺ
يقف مرة ﷺ أمام أصحابه الكرام البررة الأخيار السفرة، يقف ليتكلم إليهم، ثم يدعو ﷺ بمنبر له صنع، فيجعل المنبر بجانب الجذع الأول الذي كان يعتمد عليه، وحس هذا الجذع بفراق الحبيب المصطفى ﷺ ، جذعٌ لا ينطق ولا يتكلم، ولا يأكل ولا يشرب، ولا ينفع ولا يضر، لكنه يحن ويبكي على مرأى من الناس ومسمع، يقول جابر: [[والله لقد سمعنا له صوتاً كصوت العشار]] الناقة العشراء إذا فارقت ولدها في الصحراء أخذت تحن، فحنَّ هذا الجذع كحنين هذه العشار، وقالوا: سمعنا له صوتاً كصوت الأطفال، واقترب ﷺ على مرأى من الناس ومسمع يسكن هذا الجذع، ويضع يده الشريفة العطرة الوقورة على هذا ليقر وليسكن، وسكن؛ لكن
السؤال
لماذا يبكي؟ قالوا: بكى مما فارق من الحكمة التي كان يسمعها، ومن النور الذي كان يتوهج عليه، ومن البركة التي كانت تتغشاه.
وبكى من فراق الحبيب؛ لأنه سوف يخرج من المسجد ويرمى فإذا هو جذع.
وبكى؛ لأنه ما كانت له قيمة حتى أدخل مع محمد ﷺ ، فما ميزته إذاً وهو عودٌ خارج المسجد، حيث دخل بعدها ووقف عليه المصطفى ﷺ .
стр. 2002
مائدة جابر تكفي ألفاً من المسلمين
مرةً ثانية الرسول ﷺ يعمل مع الناس في الخندق، وأصابه من الجوع ما الله به عليم، مرة يفكههم ﷺ ويداعبهم؛ والدعابة للمرهق بلسم شافٍ بإذن الله، والدعابة إذا كانت خفيفة لطيفة شريفة أحيت بعض العروق ونبضت به الدماء.
أتى ﷺ وزيد بن ثابت يعمل ولكنه رفض، عمل حتى كلَّ وملَّ فألقى مسحاته ورقد، فقال ﷺ : ﴿قم يا نومان، فاستيقظ الرجل فداعبه ﷺ ﴾.
وكان من عادة الصحابة حينما اشتغلوا في الخندق أن يجعلوا كل رجلين معاً؛ فرجلٌ يحفر ويملأ الزنبيل بالمسحاه، ويعطيه الآخر ليوصله إلى مكان معلوم، فجعلوا مع الرسول ﷺ رجلاً اسمه عمير؛ وكان عمير رجلاً ضعيفاً لا يستطيع أن يأخذ الأحمال، إنما جعلوه مع الرسول ﷺ ، فأخذ ﷺ يسميه يا ظهير؛ يعني: كان اسمه عمير فيناديه بظهير لأن فيه قوة.
في هذه الأثناء بلغ ﷺ وأصحابه من الجوع الشيء العظيم، فذهب جابر إلى بيته، ورأى زوجته وقال: [[عندكم طعام؟ قالت: عندنا هذه الداجن -عنز صغيرة لا تساوي عشرين ريالاً، يعني: ضعيفة- قال: وما عندكم شيء؟ قال: عندنا مد من شعير]] تعرفون أن المد من الشعير يكفي اثنين أو ثلاثة بالأكثر، فرجع إلى الرسول ﷺ وقال: [[يا رسول الله! تعال أنت وثلاثة معك]] يعني: همس حتى لا يسمع رابع فيدخل في المسألة -فيما لا يعنيه- فوقف جابر، فقال ﷺ : ﴿يا أهل الخندق! -وأهل الخندق ألف رجل- إن جابر بن عبد الله صنع لكم طعاماً فحيهلا بكم﴾ ووقف جابر حتى كاد أن يسقط، فخرج أمام الرسول الله ﷺ ، وهو يقول: الله ورسوله أعلم.
أتى وهو وجل خائف، فقال لامرأته: [[دعوت الرسول ﷺ وثلاثة معه، فدعا أهل الخندق كلهم]] قالت: عليك السكينة والوقار، الله ورسوله أعلم.
وانظروا كيف يكفي ألف رجل عنزة صغيرة ومد شعير.
فأتى ﷺ ، وقال لـ جابر: ﴿قل لأهلك -يعني: امرأتك- أن تترك الطعام حتى آتى﴾ فأتى ﷺ فتفل على الطعام؛ ويا ألله ما أنبله من تفال! وما أجمله! وما ألذه! وما أعذبه! حتى إن فضلاته ﷺ يستشفى بها؛ إنها البركة، حتى تفاله، ووضوءه، وظفره، وشعره؛ كل هذه بإذن الله من المكرمات التي لو حصلها الإنسان لطار فرحاً.
يقول عبيدة السلماني كما في صحيح البخاري؛ وعبيدة السلماني هذا من أحد كبار التابعين العظماء، الزهاد العباد: [[والله الذي لا إله إلا هو، لوددت أن عندي شعرة من شعر الرسول ﷺ بالدنيا وما فيها]].
فدخل ﷺ فلما برك على الطعام ودعا، قال: ﴿هلم عشرة عشرة﴾ فلذلك من السنة إذا كان عندك ضيوف عددهم أكثر من عشرة إما عشرين أو ثلاثين؛ أن تجعلهم عشرة عشرة، لا تذهب وتجعل ثلاثين على المائدة، بل اجعل عشرة في كل مائدة.
فأدخلهم ﷺ عشرة عشرة، فأكلوا حتى أكل الجيش كله، فلما انتهوا من ذلك الطعام، قالت امرأة جابر: [[والله الذي لا إله إلا هو، ما نقص منه قليل ولا كثير]] ويقول جابر: [[إنه بحاله حينما وضعناه]] قال ﷺ : ﴿أعطوا جيرانكم منه﴾ فلو لم يأت الرسول ﷺ ما أعطوا الجيران، بل كان الثلاثة سوف يأكلونه، لكن الآن شبع الجيش والجيران، وهذا من بركاته ﷺ .
стр. 2003
النبي ﷺ يرد عين قتادة بعد قلعها
وقتادة بن النعمان ﵁، يأتي يوم أحد إلى الرسول ﷺ وقد ضربه رجلٌ كافرٌ ماكرٌ ماردٌ جبار بسيفه، فأوقع عينه على خده حتى سالت إلى لحيته، فأتى إلى الرسول ﷺ بمنظر ما بعده منظر، يا ألله! لا موتاً فينعى ولا حياة فيرجى، وقف أمام الرسول ﷺ ، قال: ﴿انظر يا رسول الله، فأخذها ﷺ بيده الشريفة وأعادها، وجعلها مكانها ثم مسحها فإذا هي على سيرتها الأولى﴾ لا فيها لا خلل، ولا اضطراب، ولا مرض، ولا ألم.
يقول الأنصار: [[والله لقد رأيناها أجمل من أختها]] حتى أن حفيده ابن ابنه دخل على عمر بن عبد العزيز ﵁، ودخل ومعه شباب من الأنصار، قال: من أنتم؟ -يقول عمر بن عبد العزيز في يوم عيد مهرجان في دمشق - قال: أنا ابن فلان، وكان أميراً في البصرة؛ كان يأكل ثلاثة أمداد، وكان عنده كثير من المواشي، أي: مناصب في الدنيا يفتخر بها كل إنسان، قال: وأنت؟ قال: ابن فلان ابن فلان ابن فلان الذي فعل كذا وصنع كذا، قال: وأنت؟ قال: ابن فلان، فلما أتى إلى حفيد قتادة بن النعمان، قال: وأنت ابن من؟ قال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
في قصيدة طويلة، فبكى عمر ﵁ بدموعه ما يتكفكفها، قال:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
أي: يقول: هذه المفاخر ليست حقيقية، فلا تفتخرون عندي، تقولون: كان أبي وزيراً، وكان أبي أميراً، وكان أبي في المكتب الفلاني، لا.
إن كنت صادقاً، فافتخر أنك قدمت للإسلام شيئاً، وأنك فعلت شيئاً، وأنك حققت من العبادة شيئاً، أما هذه كلها لا يفتخر بها، فقد كان كسرى ملكاً، وكان فلان إمبراطوراً، لكنها ليست مفخرة يفتخر بها.
نأتي إلى الكرامات:
стр. 2004
الكرامات تأييد وتشجيع من الله للعبد
الكرامات جمع كرامة أثبتها أهل السنة والجماعة، لكن متى يحصل الإنسان على الكرامة؟
تأتي الكرامة إذا بلغ الإنسان في طورين اثنين:
يقولون: من بلغ في التصفية والعبادة درجة عالية، قال سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] ومرة ثانية: إذا كان إيمانه مزعزعاً، يكاد ينهار، فتأتيه الكرامة فترقيه درجة حتى توصله إلى عباد الله الصالحين، فهذه لها مرتبتان، ولذلك من رأى الرسول ﷺ في المنام، فلا يظن أنه من الصحابة، فيعتريه عجب بنفسه واحتقار للآخرين، فيقول: ما هذا! الناس ضالون في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لأنهم لا يرون النبي ﷺ في المنام.
ولذلك يقولون: العوام يخشى عليهم إذا رأوا الرسول ﷺ في المنام أن يخرجوا الصباح، ويقولون: الحمد لله رأيت الرسول ﷺ في المنام يحسب أنه قد انتهى، وهذه فقط تشجيع له، وتأييد، ولذلك يقول العلماء: الكرامة تأييد وتشجيع، وهي كجائزة وكهدية وقربى وعطية للعبد.
стр. 2005
كرامة وقعت لأيوب السختياني
وقعت كرامات لأصحاب محمد ﷺ لتدركوا هداية ورعاية الله لهم، وقبلها لا بد أن أقدم قصة لـ أيوب بن أبي تميمة السختياني؛ وأيوب هذا ﵀ عليكم بقراءة سيرته، هو والصفوة المختارة من عباد الله وأوليائه، ومجاهدو الأمة وعبادها.
كان الحسن: [[يقول عنه: إذا رأيت أيوب السختياني تذكرت شباب الجنة]] ويقول: [[سيد فتيان البصرة أيوب السختياني]].
كان يجلس يحدث الناس في المسجد فيبكي، فيأتي بعمامته يلف على عينيه ويمسحها، ويقول: [[ما أشد الزكام]] لايريد أن يعرف الناس أنه بكى.
وكان يخرج إلى السوق إذا اجتمع الناس، فإذا رأوه هللوا وكبروا وذكروا الآخرة من نور وجهه.
وقد روي أن أيوب السختياني ذهب إلى مكة فسأله رجل: [[يا فلان! هل الكرامات حقيقة لأولياء الله؟ قال: نعم.
قال: وما دليلك؟ قال: انظر هل بجانبنا أحد؟ قال: لا.
قال: فنظر الرجل فما بجانبهم أحد، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ووضع يده في الصخرة، قال: فانسكب منها الماء فإذا هو يجري، قال: اشرب، فشرب، قال: ثم شرب أيوب، ثم قال: بسم الله؛ يعني: فرد يده ثانية على الصخرة فعادت]].
فهذه الكرامات تكون لمن بلغ في التصفية درجة عالية.
стр. 2006
كرامة وقعت للعلاء الحضرمي
خرج العلاء الحضرمي؛ أحد أصحاب النبي ﷺ ، ولما أصبح في الربع الخالي؛ توسط بجيشه يريد البحرين، لكنه ضل وأضاع الطريق، ذهب يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً وفي الأخير ضاع، وأتاهم من الظمأ ما لا يعلمه إلا الله، فقال له أصحابه: [[يا علاء! إن الله وعدنا خيراً في أمة محمد، ولا يمكن أن نهلك]] سبحان الله! أيهلكهم ضمأ فمن يُشرِب إذن؟ ويهلكون جوعاً، فمن يشبع إذن؟! ويضيعون إذاً فمن يحفظ إذن؟
فقالوا: [[ادع الله ، فتوجه إلى الله في كلمات مختصرة، يقول: يا حكيم يا عليم! يا علي يا عظيم! اللهم أغثنا، قالوا: فوالله، ما انتهى من كلامه إلا وجاءت سحابة مباشرة فتوسطت الجيش، وغطت سماء الجيش، ثم أرعدت وأمطرت، حتى سقوا، وشربوا، وغسلوا، وتوضئوا ثم ارتفعت]] انظروا إلى هذه الكرامة العظيمة التي ما بعدها كرامة! ولو رآها أهل موسكو لأسلموا ولآمنوا ولصلوا صلاة الضحى ذاك اليوم، لكن حكمة بالغة وقدرة عظيمة، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣].
стр. 2007
خالد بن الوليد يشرب السم
تعرفون أبا سليمان ﵁ من هو؟ وقد سرد سيرته أحد المؤرخين، وقال: أتى رومي فأراد أن يسمم خالداً، فناوله كوباً فيه ماء وفيه سم، وناوله الماء، فأتى رجل من جند خالد فقال: إن هذا الماء مسموم، قال خالد: [[أسم الماء؟ قالوا: نعم.
قال: فإني أتوكل على الله ، حسبي الله ونعم الوكيل، بسم الله! فشربه فما أتى له شيء]] لأن الله رعاه، وحماه، وأيده، وتولاه.
стр. 2008
سعد بن أبي وقاص يتجاوز النهر بالخيل
يقولون: إن سعداً ﵁ حال نهرٌ بين جيشه وجيش فارس، وأراد ﵁ أن يدخل جيش فارس ويتجاوز الجسور، فقطعوا الجسور، فاضطرب ﵁ هل تتوقف المعركة أو لا؟! وفي الأخير ألهمه الله عزوجل وقال: [[يا خيل الله! اركبي]] وسمع الخيول سعد بن أبي وقاص، والخيول لا تفهم كلام الناس، لكن لما جعل فيهم من البركة، ولما وهب لهم من الكرامة، أسمع الخيول صوت سعد؛ فتوجهت الخيول وكأنها مأمورة تقتحم بأصحابها النهر، وجمَّد الله النهر فلا هو بالثلج فتقع من عليه، ولا هو بالماء فتغرق فيه، ولكن جعله الله كالتراب تمشي بحكمة بالغة حتى نفذ الجيش إلى الجهة الأخرى، ولما انتهوا إلى الناحية الأخرى قال الرجل منهم: أتفتقدون شيئاً؟ قال رجل: أفقد المخلاة؛ يعني: المخلاة أظن فيها خبز كثير، قال: عد إليها، فعاد إليها فإذا هي متعلقة بشجرة في داخل النهر، فأخذها وعاد، هذه كلها من رعاية الله وحسن توفيقه لأوليائه.
стр. 2009
برداً وسلاماً على أبي مسلم الخولاني
أبو مسلم الخولاني والأسود العنسي.
تعلمون أن كثيراً ممن طمس الله على قلوبهم يتفننون في تعذيب الناس، ويحدثون من الأساليب في تعذيب البشر ما لا يعلمه إلا الله .
وكان أبو مسلم الخولاني؛ لا يفتر من ذكر الله عزوجل.
ولذلك ورد في الأثر: [[اذكر الله حتى يقول الناس: إنك مجنون، واذكر الله حتى يقال: إنك منافق]] وفي رواية: [[اذكر الله حتى يقول المراءون: إنكم تنافقون]] ولذلك تجد الإنسان الذاكر لله إذا ذكر الله، قالوا: يمكن أنه يحسب ما معه من أموال أو ما عنده من مكاتب عقارية أو سيارات، وهو يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
دخل هذا التابعي على الأسود العنسي، فقال له الأسود العنسي: أتؤمن بي؟ يعني: إنه رسول.
قال: لا.
قال: أتؤمن بمحمد ﷺ ؟ قال: بأبي هو وأمي، نعم أؤمن به، قال: والله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحدٌ قبلي، يظن أن فرعون ما تقدم عليه.
فجمعوا له حطباً حتى أسعروا هذه النار، ثم أتى الجنود فسحبوه بيده ليلقوه، فلما اقترب من النار قال كلمة إبراهيم ﵇: حسبي الله ونعم الوكيل، ثم القوه فيها، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، خرج من النار، وأخبروا الأسود العنسي، وقالوا: ألقيناه في النار فطفأت، قال: أخرجوه، هذا أكبر سحرة اليمن، أخرجوه حتى لا يفسد علينا الناس.
فخرج ﵁ وتوجه إلى المدينة.
سمع عمر بن الخطاب في خلافة أبي بكر ﵁ بشأن أبي مسلم، فقال: تصدوا لوفود اليمن، تصدوا واسألوا الركبان أفيكم فلان؟ فسألوا عنه حتى يئسوا منه، وفي يوم من الأيام دخل المسجد على وقت غفلة فقام يصلي، وخرج عمر بن الخطاب ﵁ ورآه الناس، ورأى هذا الرجل الخاشع المتبتل في صلاته إلى الله، لأن الإنسان يخبرك من صلاته، ولذلك يقول المحدثون: كنا ننظر إلى الشخص فإن رأينا في صلاته حسناً وطمأنينة وخشوعاً كتبنا عنه، وإن رأينا فيه اضطراباً واعوجاجاً تركناه، فقام عمر بن الخطاب فلما انتهى، قال: أظن ذاك الرجل أنه أبو مسلم الخولاني، وقد كان لا يعرفه عمر ﵁، لكن رأى سكينة، فلما سلم على عمر قال: [[أأنت أبو مسلم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فعانقه طويلاً فذهب به إلى أبي بكر الصديق وأجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال عمر: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ﵇]].
نماذج عظيمة في أمة محمد ﷺ كلها تثبت حفظ الله ورعايته وولايته لأوليائه، ومن الذي يحفظ الإنسان إذا لم يحفظه الله عزوجل؟!!
ولذلك يقال عند النوم: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك.
وإذا حفظت الله حفظك أبداً.
стр. 2010
الأمور التي يحفظ الله بها العبد
من الحفظ للإنسان أمور، سوف أذكرها ليتحفظها الإنسان، وتكون له عصمة -بإذن الله- أبداً في يومه، ولا يخاف أبداً، فمن الأمور التي تحفظ الإنسان:
стр. 2011
الوضوء من الأمور التي بها يحفظ العبد
الوضوء هو سلاح العبد، يقول ﷺ : ﴿الوضوء سلاح المؤمن﴾ وإذا توضأ الإنسان عصمه الله من الشكوك، والشبهات، والأرواح الخبيثة التي تخالطه، والعيون الغادرة الماكرة الحاسدة، والنقمات بإذن الله.
стр. 2012
أذكار الصباح والمساء من الأمور التي بها يحفظ العبد
والحفظ الثاني: الأوراد والأذكار، وسوف أعرض عليكم أوراداً وأسأل الله أن يعيننا وإياكم على الذكر بها دائماً صباح مساء.
منها: آية الكرسي؛ وآية الكرسي لها حديث عجيب عند العابدين، ولها جلالة عجيبة عند الموحدين لا يعرفها إلا من يداوم عليها؛ لذلك يقول ابن القيم: إني لأسأل الله عزوجل أن يمهل في عمري حتى أكتب مجلدات في تفسير وتخريج كنوز هذه الآية؛ يعني: آية الكرسي، لكن أخذته المنية عليه رحمة الله، وتعلمون ما جاء فيها من فضل وما تعصم به العبد في يومه وليلته.
أيضاً خواتيم سورة البقرة؛ يقول علي ﵁: [[عجبت لمسلم له عقل ينام ولا يقرأ خواتيم سورة البقرة]].
ومن الحروز: المعوذات، يقول ﷺ لـ عقبة بن عامر: ﴿قل، قلت: ما أقول يا رسول الله؟ قال: قل، قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ثلاث مرات حين تصبح، وحين تمسي يكفينك من كل شيء﴾ يعني: من الأذكار والأوراد.
والأمر الرابع: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، في الصباح مائة وفي المساء مائة، من قالها فله أربعة أشياء من الله وعد غير منقوص ولا مردود، وغير منسي بإذن الله، هذا ثابت في الصحاح: ﴿تكتب له مائة حسنة، وتكفر عنه مائة سيئة، وتكون له عدل عشر رقاب، وتكون له حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت يوم القيامة أحد بمثل ما جاء به إلا رجل عمل بمثله أو زاد عليه﴾.
стр. 2013
قراءة القرآن أعظم الأمور التي يحفظ الله بها العبد
ومن الحروز التي جربت، والتي هي أنفع الحروز: قراءة كتاب الله عزوجل، ولا إله إلا الله! كيف يعيش الإنسان في هذه الحياة بلا قرآن؟! وكيف يستطيع أن يعيش يومه وليله بلا قرآن؟! هذا المصحف يجعل الإنسان كالثوب الذي عليه، يموت ويحيا مع المصحف، ما معك في الدنيا إلا القرآن، وما معك شيخ وأستاذ إلا القرآن.
كان أبو بكر ﵁ إذا أراد أن ينزل السوق، قرأ قليلاً في القرآن ثم أطبق صحفاً عنده ورفعها ونزل، ثم إذا أتى من السوق فتحها.
ويقول الذهبي: يروى عن ابن عمر ﵁ أنه كان مصحفه في البيت، فإذا دخل توضأ ونشر المصحف فقرأ فيه.
يقول نافع: [[ما كان شغل ابن عمر في بيته إلا الوضوء والمصحف]].
متى ينتهي الإنسان من كتب الدنيا؟! متى ينتهي من مجلات الدنيا؟! متى ينتهي من جرائد الدنيا؟! لا يتركها أبداً لكن يترك كتاب الله !
ما كان المحدثون كـ حماد بن سلمة يقرأ حديثاً واحداً حتى يقرأ مائة آية.
ولذلك فإن القرآن هو حرز الحروز، وهو الحافظ بإذن الله في الأزمات، والنكبات، والحزن، والهم، والغم، وليس مثله شيء من الحروز.
стр. 2014
الصلاة في جوف الليل من الأمور التي يحفظ الله بها العبد
ومن أحسن ما ينفع الإنسان ويشرح صدره الصلاة في جوف الليل، ولو ركعتين في خمس دقائق أو عشر دقائق، ولو قبل الأذان بربع ساعة أو بثلث ساعة، يقوم في تلك الساعة الساكنة الهادئة حينما يتنزل الله في السماء الدنيا، الناس نيام، فلا لغو ولا ضجة، فيقول الله عزوجل: ﴿هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾ ما ظنك لو سأل الله ، يقول: ﴿هل من مستغفر فأغفر له؟﴾ وأنت تقول: اللهم اغفر لي، ﴿هل من داع فأستجيب له؟﴾ وأنت تقول: اللهم أجبني، اللهم افتح علي.
هذه من أعظم الفتوح، لكن لما سهرنا في أول الليل ضيعنا آخر الليل، والموفق من وفقه الله تعالى.
نسأل الله أن يوفقنا فيما نستقبل من أعمارنا.
стр. 2015
فعل النوافل من الأمور التي يحفظ الله بها العبد
ومن الحروز: التزود بالنوافل، وأنا أحجج بنفسي أمامكم، قبل أن أوصيكم أوصي نفسي، لابد للإنسان أن يتزود كثيراً، لأن الله عزوجل يقول: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾ فالنوافل النوافل.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 2016
من أخبار النساء
النساء إذا اجتمعن تكلمن عن الرجال وهذا شيء دائم فيهن، وقد ذكر الشيخ حديث أم زرع المتفق عليه والذي ترويه أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي قصة إحدى عشر امرأة اجتمعن في الجاهلية، وتعاهدن على وصف أزواجهن بما فيهم، فقصت عائشة ﵂ هذا الحديث على رسول الله ﷺ وهو يستمع إليها تواضعاً.
стр. 2017
تواضع النبي ﷺ مع أهله
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله ما اجتمع الصالحون، وما تواصل الأخيار الأبرار المفلحون، والحمد لله ما ذكر إلههم الذاكرون، والحمد لله ما غفل عن ربهم الغافلون، وصلى الله وسلم على المعلم الأول، الذي أتى وقال الله له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١].
وأتى بـ ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم:١].
الذين تكلم للناس فكان أفصح الناس وهو ما قرأ ولا كتب!!
كفاك باليتم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
وعلى آله مصابيح الدجى، وغيوث الندى، وليوث الوغى، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين، ثم اعلموا -بارك الله فيكم- أن عنوان هذا الدرس من أخبار النساء.
وللنساء أخبار وعجائب، وسوف نأخذ هذه الأخبار من ثقة، من عائشة ﵂، من أم المؤمنين، من الصديقة بنت الصديق، من الطاهرة بنت الطاهر، من المبرأة من فوق سبع سموات، نأخذ هذه الأخبار -أخبار النساء- من بيت محمد ﵊، من البيت الذي أسس على التقوى، والذي شعت منه أنوار القداسة، وأنوار الرسالة والهداية، والذي صدع منه النور حتى غطى العالم، والذي وصفه حاله أنه بيتٌ من طين:
كفاك عن كل قصرٍ شهاقٍ عمدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم
تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم
بيت من الطين، إذا نام فيه ﵊ مس رأسه طرف البيت ورجلاه الطرف الآخر، أما بساطه فمن سعف النخل يؤثر في جنب المصطفى ﵊، وسقفه من سعف النخل، ومصابيحه إنها إضاءات من أعوادٍ كانت توقد في بيت الرسول ﷺ ، لكن يكفي أن محمداً ﷺ في البيت.
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
وإني لأستغشي وما بي غشاوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
نورٌ بعثه الله جلس في هذا البيت؛ فاسمع إلى الخبر، كانت عائشة تجلس معه ﵂ وأرضاها، ووجد ﵊ فراغاً في برنامجه اليومي، وجد ساعة زمنية وكان يلاطف نساءه ويمازحهن، ويسأل عن أخبارهن، فهذا الدرس اليوم هي تلك الساعة أنقلها لكم، وقد نقلها الإمام البخاري ومسلم والطبراني، أنا سوف أعرضها لكم كما عرضتها أم المؤمنين على رسول الله ﷺ ، وقته عبادة، ووقته رسالة وجهاد، وتضحية وبذل وعطاء، لكن وجد ساعة يرتاح فيها، فجلس مع عائشة يسألها عن الأخبار، وهو حديث أم زرع، وسبب هذا الحديث عند بعض العلماء أن الرسول ﵊ سألها: هل ترضى بمعاملته ﷺ ؟
وكانت عائشة ﵂ وأرضاها فصيحة، كانت تعرف أخبار الجاهلية، قال بعض الرواة: كانت تحفظ ثمانية عشر ألف بيت شعر، هي راوية للأشعار، وهي كأبيها أبي بكر الصديق من أفصح العرب، وكان يعرف أنساب العرب، وإذا أتى إلى أبي بكر رجل قال: من أين أنت؟ قال: من غطفان قال: من أي بيوت غطفان؟ قال: من فزارة قال: من أي فزارة؟ حتى يوصله إلى بيته فهو نسابة وبنته نسابة، ومن يشابه أبه فما ظلم.
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
وكان ﷺ يحب عائشة حباً جماً ويقول كما في الصحيح: ﴿فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام﴾ وهي زوجته في الجنة، فسمع حديثها، وحديث المرأة الدينة العاقلة كما قال ابن الرومي في زوجته:
وحديثها السحر الحلال لو انه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز
سلسٌ يسلي القلب في غمراته بمطرزٍ عذبٍ وغير مطرز
стр. 2018
حديث أم زرع
الآن يستمع رسول الله ﷺ إلى محاضرة كاملة عن أخبار نساء الجاهلية، وسوف يعلق في آخر الخبر، ويجلس إمام البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، متواضعاً أما فتاة صغيرة السن فتية، لكنه أوتي خلقاً عظيماً يقول الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وهذا الحديث من كلام عائشة، تقول: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً.
فليس معهن رجال، وهذا مجلس للنساء خاصة، وعددهن إحدى عشرة امرأة، وسوف تتكلم كل امرأة بوصف زوجها، تصفه لأخواتها وزميلاتها وقريناتها، واسمع إلى الداهية الدهياء، بعضهن ستمدح، وبعضهن ستذم، وبعضهن ستتوسط، يقول ابن حجر: وغالب أحاديث النساء إذا خلون تكون عن الرجال، وغالب أحاديث الرجال عن المعيشة والمال، وهذا أمرٌ معلوم إلا في النادر، كان لكل واحدة منهن زوج، وتبدأ الأولى، والذي يستمع لهذه الأخبار محمد ﵊، والتي تتكلم عائشة، وكانت تحفظ القصص بالنقل، ولذلك تأتي بها بالحروف، وهي من أحفظ الناس، ومن علماء الصحابة وكان يعود إليها الصحابة في كثير من القضايا الفقهية والحديثية، فهي فقيهة مجتهدة اجتهاداً مطلقاً ﵂ وأرضاها.
стр. 2019
الأولى: زوجها كلحم جمل غث على رأس جبل وعر
بدأن بالدور، فقالت الأولى: ﴿زوجي لحم جملٍ غثٍ، على رأس جبلٍ وعر، لا سهلٍ فيرتقى ولا سمينٍ فينتقل﴾ وصفت زوجها وصفاً سيئاً رديئاً تقول: مثل لحم الجمل، ولحم الجمل أردأ اللحوم، وهو يثير نزلة معوية عند كثيرٍ من الناس، فتقول: انظروا للحم الجمل هو مثله، ليس كلحم الضأن أو كلحم الأرانب أو كلحم الدجاج، إنما هو كلحم الجمل، يقولون: لحم الجمل لا يعصد فيصبح ثريداً، ولا يخلط فيصبح مرقاً، وإنما يضطر إليه اضطراراً ولو أن بعض العرب تشرف به وتأخذه، وليته لحم جمل وكفى، قالت: غث، والغث الهزيل، كجملٍ قحمٍ ساق به أهله ثم ذبحوه فانظر إلى لحمه على عظامه، قالوا: قليل الخير إن أتى عبس، وإن خرج أفلس، وإن دخل ضرب، وإن قام شجب، لا يأتي بخير، ولا يذهب بخير، كَلٌّ على مولاه، صخابٌ لا يقيم ديناً، ولا يحترم مروءة، وهذا مثل: قليل البركة في البيت الذي لا بركة فيه من دخوله على أهله، فلا يربيهم على شعائر الإسلام، وإنما يترك الحبل على الغارب بالملاهي والأغاني واللعب واللهو: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
قالت: ﴿على رأس جبلٍ وعر﴾ على أنه لحم جمل وهزيل فهو على رأس جبل، والجبل ليته سهل، لكنه وعر وصعب ﴿لا سهلٍ فيرتقى، ولا سمينٍ فينتقل﴾ عبرت أنه شديد بالمال يعني: عنده سبعة أقفال، ومفتاحه في غترته، ولا يفتح حتى يقرأ آية الكرسي، وإذا فتح قلل العطاء، ويسأل عن أعواد الكبريت، وعما دخل وعما خرج، والسمن عنده بالملعقة، والدقيق بالدانق، فهو كأبي الدوانيق أبي جعفر المنصور، يقولون: أبو جعفر المنصور كان يحاسب مواليه على الثياب التي يلبسونها، وعلى الدراهم التي يأخذونها، وكانت في خزينته آلاف الملايين من الدنانير، تبني مدناً، ولذلك أبناؤه وبني أبنائه بنوا مدناً، على كل حال قالوا: عرف بالشراسة، وقالوا: قليل الخير، لا يتبسم إلا نادراً، بعض الناس لا يتبسم في ستة أشهر إلا مرة، ويتبسم في السنة مرة أو مرتين أو يخطئ أحياناً فيتبسم، وهذا خلاف نهج محمد ﵊ ﴿سئلت عائشة عن خلقه ﵊ إذا دخل فقالت: كان ضحاكاً بساماً﴾ ونحن لا نغير من طبائع الناس، ولكن على الإنسان أن يتوازن، ولا نقول: إن الإنسان معصوم ولكنه قد يهذب من حاله ومن روحه مع أهله قليلاً قليلاً، لكن اسمعوا لأخبار النساء وأقول لأحدكم: لا تستبعد أن امرأتك تقول في غيبتك كهذا الكلام، المرأة لا بد أن تتكلم في زوجها، ولو قالت: إنها لا تذكر خبره، بل تتكلم وتترجم له وتحاضر عنه الليل والنهار.
قالت: ﴿لا سهلٍ فيرتقى، ولا سمينٌ فينتقل﴾ هذا لم يكن له جانب حسن فيعذر به، أبو سفيان يقولون: كان حسن الخلق لكنه شحيح على أهله، ولذلك شكته هند بنت عتبة، بنت الملأ الأشراف من قريش ﴿أتت إلى الرسول ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل آخذ من ماله؟ فقال ﷺ : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف﴾ فللمرأة إذا منعها زوجها من النفقة أو العطاء، أو من اللباس، أو النفقة الضرورية، أو منعها من أن تعطي أبناءها ما يذهبون به إلى المدرسة، أو الملابس، أو الطعام، فلها أن تأخذ من ماله بدون علمه لكن بالمعروف، لا تفسد ماله بل تأخذ قدر الحاجة ولا تزيد عليها، ولا تستأذنه ولا تخبره؛ لأن هذا رخصة من محمد ﵊، وإذا رخص ﷺ فلا نعود لأحدٍ غيره:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحلِ
انتهت الأولى بكلمة واحدة.
стр. 2020
الثانية لا تبث خبر زوجها لفظاعة أخباره
﴿قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره﴾ تقول: أستره لكنها ما سترته، وهذه مقدمة، تقول: أنا أستر زوجي لو أخبركم بزوجي كان أمراً عجيباً ﴿لا أبث خبره، إن أذكره أذكر عجره وبجره﴾ تقول: اتركوني لا تفتحوا طريقاً لي على زوجي فأتكلم بكلام تصم منه الآذان، أنا لا أريد أن أذكره لو ذكرته أتيت عليه، فاتركوني وخبره وقولها: عجره وبجره، العجر في الأصل التورم في الظهر، والبجر: التورم بالبطن، وعلي بن أبي طالب ذكر ذلك في خطبة صحيحة عنه، وقف على المنبر بعد معركة الجمل، قال: [[إلى الله أشكو عجري وبجري]] بعد أن قتل طلحة وقتل الزبير وقتل كثير من الصحابة، ووقعوا في كثير من المسائل حزن علي ﵁ وأتته هموم في صدره، قال على المنبر وهو حزين يتمنى لقاء الله: [[إلى الله أشكو عجري وبجري]] والمعنى: همومي وأحزاني، وما في نفسي، فتقول هذه المرأة: أنا إذا تكلمت نثرت عليكم من أخباره وأعلامه وأسراره ما الله به عليم، فاتركوا الأمر سراً ولا تسألوني عن شيء، إني إن أذكره أذكر عجره وبجره، وانتهت إلى هذا الكلام واللبيب بالإشارة يفهم، ويقولون: هذا من التكنية والتعريض، كما فعل حسان في شعره فكان يعرض بالكفار تعريضا، وقال الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
محتمل عند العرب يقولون: اترك المكارم لا ترحل لبغيتها قد أتت المكارم إليك، وأنت الطاعم تطعم غيرك وتكسوه، فذهب الزبرقان عرف أن الرجل هجاه هجاء ما بعده هجاء، فذهب إلى عمر قال: يا أمير المؤمنين! انقذني من الحطيئة فقد تكلم علي؟ قال: ماذا قال لك؟ قال: يقول لي:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
عمر فصيح، عربي قح، يعرف الكتاب والسنة والشعر، لكنه قال: ما هجاك، يريد عمر أن يصلح قال: يا أمير المؤمنين! لقد هجاني.
قال: لا.
ما هجاك يقول: أنت الطاعم وأنت الكاسي وكلنا مطعوم مكسو من الله الواحد الأحد؛ لكن قبل هذا التخريج قال: لا.
نتحاكم إلى غيرك، قال: إلى من؟ قال: إلى من يعرف الشعر قال: تعالوا بـ حسان فأتوا بـ حسان فتلوا عليه البيت:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قال عمر: ما رأيك في البيت؟ قال: ما هجاه ولا سبه؛ لكن سلح عليه فقال عمر ﵁ وأرضاه: اليوم ننصفه منك، فأنزله في قعر بئرٍ وقصته طويلة وقد أبكى بقصيدة له عمر، كان يصيح الحطيئة مثل الثعلب من أقصى البئر، بئر ليس فيه إلا قليل من الماء، أنزله عمر بحبل فكان يصيح مثل الثعلب من أقصى البئر ويبكي، وأبناؤه في نجد، يقول لـ عمر وعمر يسمع كلامه:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ زغب الحواصل لا ماء ولا شجرُ
يقول: ماذا تقول لله يوم تركت أطفالي في نجد وأنا في البئر في المدينة
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ فاصفح عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ألقت إليك مقاليد النهى البشرُ
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها لكن لأنفسهم كانت بها الأثر
فدمعت عينا عمر قال: أشتري منك عرض المسلمين ألا تسبهم، خذ ألف دينار، حتى لا يتعرض لأعراضهم، وأعطاه ألف دينار فلما توفى عمر عاد الحطيئة يهجو المسلمين ويقول: لو علم عمر لقطع لساني، الشاهد أن هذا هو التعريض.
стр. 2021
الثالثة تصف زوجها بالحمق والتسرع والغلظة
أما الثالثة: فاسمعوا كلامها قالت: ﴿زوجي العشنَّق، إن أنطق أُطَلَّق، وإن أسكت أعلق﴾.
قالت العشنق: طويل العنق فيه خبل، وقيل: هو الطويل الذاهب الطول، ولله سبحانه في خلقه ما يشاء، ونحن لا نذم الطويل، ولا القصير، وليس عندنا معامل كيماوية للناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وليس عندنا أبيض ولا أسود، ولا أخضر ولا أحمر، وفي الحديث الصحيح عند مسلم: ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾ لكن هي غضبت حتى من صورته تقول: طويل رأسه يصطدم في السقف دائماً، والطول على كل حال من أحسن ما يكون؛ لكن إذا كان معتدلاً، لأن الله وصف طالوت قال لما قالت اليهود ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧].
قال المفسرون: كان طويلاً، والطول طيب إذا صاحب تقوى، والقصر طيب إذا صاحب تقوى الله، ولا بارك الله في طولٍ أو في قصرٍ بلا تقوى، فلا يقاس الناس يوم القيامة بالسنتيمتر، ولكنهم يقاسون بالأعمال الصالحة وبالحسنات: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة:٧ - ٨].
لكن هكذا تقول هذه المرأة، قالوا العشنق: هو الأحمق الأهوج الخبل المعتوه، الذي قليلٌ عقله وتصرفه، والأحمق لا يعرف مصيره مع الله ولا يعرف طريقه ولا يهتدي لخير، ولذلك تجده يخسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله، ولا يعرف مصلحته، من أعظم مصالحه أن يهتدي ولكن لا يهتدي.
﴿إن أنطق أطلق﴾ تقول: إذا تكلمت أو رددت عليه فالطلاق جاهز على طرف لسانه، لا يأتي بشيء إلا طلق، والبعض الآن أصبح يطلق بالألف، وتعدى بعضهم فطلق بالمليون، بعضهم يسأل يقول: أنا طلقت زوجتي بالمليون [[أتى رجل إلى ابن مسعود قال: طلقت زوجتي بمائة مائة مرة، قال: ما عليك -الحمد لله الأمر سهل- طلقت بثلاث وبقي عندك سبعة وتسعون]] يعني: لا تتكلف، ولا تهتم، أما ثلاث فقد ذهبت وسبعة وتسعين ادخرها لزوجاتٍ أخر قالت: ﴿إن أنطق أطلق﴾ يعني: ما عنده مفاوضة ولا كلام ولا يقبل وجهات النظر، وعنده دكتاتورية، فهو لا يقبل رأيها ولا كلامها أبدا، ً وبعض النساء لا يمكن أن تتدخل مع زوجها في أي قضية حتى في قضية نفسها، وبعضهن على الطرف الآخر تتحدث حتى في مشكلة الشرق الأوسط، وفي كل قضية تتحدث وتلقي محاضرات وتتكلم، قالت: ﴿وإن أسكت أعلق﴾ قالت: وإذا سكت فأنا معلقة، قال : ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] والمعلقة المرأة المتزوجة التي هجرها زوجها، فلا هي بذات زوج ولا هي خلية، فهي في البيت مركونة أبداً.
كل الثلاث نزلوا بسكاكين على الأزواج وهذه من طبيعة الزوجات في الغالب، فإن الرسول ﵊ وصفهن بأنهن ﴿يكفرن العشير، ويكثرن اللعن، لو أحسنت لإحداهن الدهر قالت: ما رأيت منك خيراً قط﴾ لكن فيهن عفيفات، وقورات، كريمات، دينات، محترمات، لكن هذا في الغالب، ونحن والله ما جئنا لنجرح النساء ولا نندد بهن ولكن أتينا نقرأ كلام عائشة من صحيح البخاري ونشرحه للناس.
стр. 2022
الرابعة زوجها كثير الأكل والشرب والقسوة
﴿قالت الرابعة: زوجي إن أكل لف -يعني: أكله لف- وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث﴾ انظر الفصاحة! تقول: زوجي إن أكل لف: تقول: يأكل الغداء ويتركني، ولا أكاد أنزل الصحن إلا وقد انتهى وغسل وقال: ﴿الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة﴾ اللقمة الواحدة بخمس والأجر على الله، وإذا اشتغل على السفرة اشتغل بإتقان وحكمة عملاً بحديث: ﴿إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه﴾ يشرب البارد قبل الحار، ولا يعجزه شيء.
وقد كان العرب يتسابون بكثرة الأكل، ويذكر أن من أكثر الناس أكلاً سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي يقولون: حتى ترهل بطنه فما كان يخطب إلا جالساً على المنبر، ويقولون: كان إذا طبخ دجاجاً لا ينتظرها حتى تحول من القدر، كان يأخذ كمه ويدخل يده وينتزع الدجاجة برجلها، كأنه يلعب (كراتيه) ولكن كان منهم من يتقي الله، وكان منهم من يستخدم أكله وطعامه في معصية الله، عمرو بن معدي كرب الزبيدي فارس العرب يقولون: أكل عنزاً وفرق ذرة ذكره ابن قتيبة وابن عبد البر، وهو من سادات مذحج لكن كان إذا ضرب الفارس يقسمه بالسيف نصفين، وكان لا يهرب من المعارك، لا يعرف إلا (أماماً سر) أما (إلى الخلف در) فلا يعرفها في المعركة؛ فيسمونه أقدم العرب وأشجعهم، حتى يقول أبو تمام:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
فهذا هو الإقدام وليس شاهدنا، ولكن المقصود أن كثرة الأكل تذم، وإذا كان يعين صاحبه على النوم والكسل والخمول وعلى المعصية فهو أشد ذماً، فإن بعضهم يأخذ نعم الله ولا يشكره، ولكن الأكل إذا كان في طاعة الواحد الأحد فهنيئاً مريئاً، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر﴾ فكل مما أحل الله، وكل الطيبات من اللحم، والعسل، ولكن كن رجلاً صالحاً تعبد الله بهذا الطعام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢].
كل من الطيبات وأكثر، ولكن لا تداوم على التبجح والشبع الكثير فإنه يكثر من النوم، ويكثر كذلك من الكسل، والخمول وهو يعرض صاحبه للأمراض، ولا تمت يبساً وجوعاً مثل المسيحيين والرهبان فهذا ليس من الإسلام، وخير الأمور أوسطها، ولا تقتصر كذلك على ما لا يكفي وعندك الكثير لكن قل: رب أوزعني شكر هذه النعمة.
قالت: ﴿زوجي إن أكل لف﴾ هي تشكو كأن مالهم قليل وهي مسكينة جائعة منذ عرفته لا تشبع معه، يأكل ما بين يديها وما خلفها، ﴿وإن شرب اشتف﴾ أي: لا يجرع الماء، لا يشرب مثل الناس بل يدغفه دغفاً، وهذا مذموم، ومن السنة أن لا يشرب الإنسان دغفة لأنه يورث مرضاً في المرئ، وبعض الناس يشرب مثل شرب الثور، تسمع له جرجرة.
قالت: وإن اضطجع التف تقول: ينام وحده ويلف الكساء حتى لا يكشف إلا في الصباح، يلف البطانية عليه ثلاث مرات، ثم ينام، وهذا مذموم عند النساء كما تعرفون، قالت: إذا اضطجع التف، أي أنه: يلتف بالبطانية أو بالكوت أو بالجلباب، ثم إذا أراد أن يقوم رد في لفافته حتى يستيقظ.
ولا يولج الكف ليعلم البث تقول: أمرض عنده ولا يضع يده عليَّ من الحر، لا يعرف التمريض وليس فيه رحمة.
بعض الناس فيه عطف وحنان إذا مرض الطفل وضع يده على جبهته، وهذا هديه ﵊، كان إذا أتى إلى أصحابه يضع كفه الشريفة على صدر الصحابي فيسأل عن حاله، قال سعد بن أبي وقاص المجاهد العظيم خال محمد ﵊، مدكدك دولة الظلم والعدوان، قائد المسلمين في القادسية، يقول: ﴿زارني ﷺ وأنا مريض، فوضع يده على صدري، ويقول: بعد ثلاثين سنة: فوالله لكأن يده الآن على صدري أبرد من الثلج﴾ وكان ﷺ يأتي إلى الأعراب وهم أعراب ما بينهم معرفة أصيلة كالصحابة، ويضع يده عليهم، ويقول: ﴿لا بأس، طهور إن شاء الله﴾ دخل على أعرابي شيخ كبير والحمى ترزفه رزفاً وتهزه هزاً، يقول المتنبي في الحمى:
وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
فدخل ﵊ على الأعرابي وهو يتصبب عرقاً تحت البطانية فوضع الرسول ﷺ يده عليه قال: ﴿لا بأس طهورٌ إن شاء الله﴾ وهذا الأعرابي لا يعرف ذلك قال: ﴿لا ليست بطهور بل حمى تفور، على شيخ كبير تزيره القبور﴾ -يقول: بعد قليل تعلم الطهور هذا يؤديه إلى المقبرة هذه الحمى- فقال النبي ﷺ : ﴿نعم إذاً﴾ فمات منها، وفي الحديث الصحيح: ﴿إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط﴾ فتقول: هذا لا يعرف المرض ولا يسأل عن المريض، وليس بصاحب رحمة ولا عطف ولا حنان، وهذا خلاف للهدي المعروف في الإسلام قالت: ولا يولج الكف ليعلم البث أي: ليعلم الحزن حتى أنه لا يشارك الهموم، ولذلك يقول الشاعر العربي:
ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فالشكوى مطلوبة، ولذلك فعلى المسلم أن يقوم مع المصاب في مصابه، ومع المريض في مرضه، ومع صاحب الفاقة في فاقته، وفي الحديث الصحيح عنه ﵊: ﴿إن الله يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت ولم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي﴾ قال الشاعر:
مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه
اسمع البيت ما أحسنه:
مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه
وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه
هذا جيد وهذان بيتان جيدان إن شاء الله.
стр. 2023
الخامسة تصف زوجها بالحمق
وقالت الخامسة: ﴿زوجي عَياياء طباقاء، كل داء له داء، شجكِ أو فلكِ أو جمع كُلاً لكِ﴾ وهكذا لغتهم؛ لأنهم عربٌ فصحاء والرسول ﷺ كان يسمع الحديث ويتبسم، وهو أفصح من نطق بالضاد، وهو المتكلم للأمة العربية، وهو الذي أتى بالقرآن، وهو الذي بكت المنابر من تحته.
يقول أحمد شوقي:
وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو النديَّ وللقلوب بكاء
وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاءُ
وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماء
أفصح الناس لكن يتبسم من هذا الكلام؛ وهذا الكلام عويص علينا نحن، فقد فسدت لغتنا بكثرة الداخل علينا، حتى أصبحنا نتعلم اللغة العربية تعلماً قالت: زوجي عياياء، أي: لا يعرف يتكلم مثل الناس، بليته عقدة في لسانه، لا يخرج الحروف من مخارجها، أصم، أبكم أخرس، يأتي في الشهرين بكلمة، إذا سألت عن اسمه يخبر باسمه فقط، وهذا يميت البيت؛ لأنه لا بد من قراءة أو حديث.
قالت: طباقاء، الطباقاء قالوا: الأحمق التي انطبقت أموره عليه، أصبح ذروة في الحمق، ومن أشهر الخبلان في العالم، طباقاء يعني: مطبقٍ عليه بحمقه، وسوء تصرفه، وعدم معرفة مصالحه، ونحن أهل الإسلام نقول: أحمق الناس من لم يهتد إلى النور الذي أتى به محمد ﵊، قالت: صفوه بالمعايب والمساوئ كلها، فهو يقبلها ويتحملها، وتصلح أن تكون فيه، ركبوا عليه ما شئتم، كل داء في الدنيا يصلح أن يكون له داء.
﴿شجكِ أو فلكِ أو جمع كلاً لكِ﴾ تقول: عنده عصا وكل يوم يشجها، وجسمها أصبح حقل تجارب للضرب، فمرة يضرب بالمشعاب، ومرة بالهراوة، ومرة بالسكين فتقول: مرة شجة في الرأس، ومرة فلة في الظهر، ومرة يجمع بين الحسنيين أثابه الله، فيشج في الرأس ويضرب في الكتف فيقولون: الفل في الجسم، والشج في الرأس، وهذا من الضرب، والضرب في الإسلام في حدود الضرب غير المبرح، وهي إذا نشزت المرأة وعصت زوجها، فعليه أن يهجرها في الفراش، فإن أبت فعليه أن يضربها ضرباً غير مبرح، ولا يضرب الوجه فإنه حرام ولا يقبح، والتقبيح: هو اللعن وهو حرام، ولا يضرب الأماكن الخطرة في جسمها كالبطن، وكذلك هي لا تضرب وجهه، ولا بطنه ولا تطلقه، هذه من الأمور التي ينبغي أن أنبه عليها، لكن الضرب غير المبرح الخفيف الخفيف، الذي هو قدر سوط أو سوطين من غير تبريح يقولون: كان شريح عنده زوجة اسمها زينب يقولون: كانت تعصيه قالوا: لو ضربتها فقال:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلت يميني حين أضرب زينبا
ولكن مقصودنا هنا أنها تقول: إنه رجل سريع الضرب، سريع العصا.
أتت فاطمة بنت قيس تستشير محمداً ﷺ بعد أن طلقها زوجها فتقدم لها ثلاثة: أسامة بن زيد وومعاوية بن أبي سفيان وأبو جهم، فكلهم تقدموا في آن واحد يريدون أن يتزوجوا منها، فذهبت إلى محمد ﵊ وهو يعرف الناس، قالت: يا رسول الله! تقدم أسامة وتقدم أبو جهم وتقدم معاوية فبمن تنصحني منهم؟ قال ﵊: ﴿أما معاوية فرجلٌ صعلوك لا مال له﴾ أي: (على الحديدة) ما عنده شيء في البيت، عنده فئران تتطارد في البيت، وهذه نصيحة، والدين النصيحة، وأصبح فيما بعد ملكاً ﵁ وأرضاه، وأما أبو جهم فضراب للنساء -عصاه معلقة بالبيت، يضربهن- يقول عمر عن الزبير بن العوام [[يدٌ بقرطٍ ويدٌ بعصا]] لأن امرأة أتت إلى عمر ﵁ تقول: تقدم الزبير يريد أن يتزوجني -والزبير أحد العشرة، حواري الرسول ﵊، الإمام العلم الذي يدوس الأبطال في المعركة مثلما يدوس الأسد المعزة- أتت هذه المرأة إلى عمر وقالت: [[ما رأيك في الزبير؟ قال عمر: يدٌ بقرطٍ ويدٌ بعصا]] يقول: احذري منه فإنه ضراب للنساء.
قال النبي ﷺ : ﴿أما أبو جهم فلا يضع العصا من عاتقه، أنكحي أسامة، فنكحته فاغتبطت به﴾ أي: أنها هنئت معه وكانت في أحسن عيشة بمشورة محمد ﵊.
стр. 2024
السادسة تمدح زوجها
﴿وقالت السادسة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة﴾ ليل تهامة يقولون: إنه من أحسن الليالي، وهو مستوٍ ليس بحارٍ ولا بارد، وهو هادئ النسمات، خاصة إذا كان على البحر فإنه يذكرك السكن في الجنان، قالت: مثل: ليل تهامة معتدل الأجواء، لا ريح هوجاء، ولا فيه صخب ولا نصب ولا إزعاج، وهو سهلٌ سلس، والليالي عند العرب -يا أيها السادة- تطول بالهم وتقصر بالسرور.
فقصارهنَّ مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصارُ
ويقول امرؤ القيس وهو ينظر لليل وكان يسكن في نجد قال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
يقول: متى تصبح لأنه مهموم، ويقول النابغة:
وصدرٍ أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيب
إلى آخر ما قالوا في ذلك، ويقول مجنون ليلى وهو يصف طول الليل:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما في الطُول والطَول يبدو لي إذا اكتملا
يجود بالطول ليلي كلما بخلت بالطَول ليلى وإن جادت به بخلا
وهذه زوجها فيه خيرٌ كثير وهادئ البال يقولون: ما وصفته وصفاً كثيراً في المدح، ولا ذمته، ويمكن المعيشة تصلح معه، ولذلك لا يطالب من الناس أن يكونوا في سعادة ١٠٠% فإن هذا لا يوجد إلا للأنبياء والرسل، لكن يرضون ويتحملون، وعلى الله أن يسدد ويقارب.
стр. 2025
السابعة زوجها كالأسد خارج بيته وكالفهد في بيته
وقالت السابعة: ﴿زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد﴾ تقول: إذا دخل كالفهد، قالوا: وصفته بالسرعة، وأنه ضجر كثير الحركة، وعجول في الأمور، كأنه دائخ أو كأنه سكران، لا يعرف شيئاً، ولذلك بعضهم دائماً لا يتثبت في أموره ولا في حركاته من كثرة تعجله، وشبهته بالأسد إن خرج بين الناس خافوه فهو شديد الصولة، تمدحه بالشجاعة.
أفاطم لو شهدت ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
إذاً لرأيت ليثاً رام ليثاً هزبراً أغلباً يبغي هزبرا
يصف نفسه بأنه الأسد، وقال آخر:
ترى الرجل الطرير فتزدريه وفي أثوابه أسدٌ هصورُ
أو كما قال لا يهمنا فقد وصفته بالشجاعة، وشجاعة أهل الإسلام في الحق، والشجاع إنما هو من يتقي الله:
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
فالبطل في الإسلام، هو الذي يتقي الله، وقال ﵊ كما في الصحيح: ﴿ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه وقت الغضب﴾.
قولها: ولا يسأل عما عهد أي: من حسنات هذا الرجل أنه يعطيني المال ولا يسأل، يعطي المال واللحم والعسل والسمن، ولا يسأل ولا يدقق ولا يحسب، تتصدق، تضيف، تنفق، تأكل، فلا يسأل عما عهد، وبعضهم يقول: تذمه، تقول: ما يسأل عنا ولا يسأل عن أخبارنا، ولا عما نقص علينا وكلا الوجهين محتمل.
стр. 2026
الثامنة زوجها مسه كالأرنب وريحه كالزرنب
قالت الثامنة: ﴿زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، وأنا أغلبه والناس يغلب﴾ استمع محمد ﷺ لهذا الحديث، فمن باب أولى أن تسمعوا هذا الحديث قالت: زوجي المس مس أرنب، أي: خفيف المس طيب لين، بإمكانها أن تداعبه، وأنه قريب، لأن بعض الناس بعيد حتى على أطفاله.
دخل الأقرع بن حابس على محمد ﵊ -والحديث صحيح- فإذا رسول الله ﷺ يقبل الأطفال ويأخذهم ويقربهم؛ قال الأقرع: يا رسول الله؛ تقبلون الأطفال عندكم؟ قال الرسول ﷺ : نعم.
قال: عندي عشرة أبناء والله ما قبلت واحداً منهم، قال: وهل أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، أي: لستُ مسئولاً على أن الله نزع الرحمة من قلبك.
تقول: إنه قريب المس، أي: أنه يداعب أطفاله وأنه قريب وسهل.
والريح ريح زرنب، الزرنب: شجر طيب الرائحة تقول: دائماً يتطيب والنساء يعجبهن الطيب، وعلى المسلم أن يكون مطيباً دائماً.
رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
وكان عرق محمد ﵊ كأحسن المسك وإذا صافحه المصافح بقي وقتاً طويلاً كما قالوا يجد رائحة الطيب في كفه، والطيب من أحسن ما يكون، ولذلك أوصي به إخواني عند المصافحة والملاقاة، ودخول البيت، والذهاب إلى الصلاة، وهو يزكي النفس، ويفتح الذهن، ويجعل للإنسان تأصيلاً في عقله، ويركز اهتمامه، وهو قوت الروح.
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشياً تمشت وجرت في جوانبه بردا
والريح ريح زرنب، وأنا أغلبه والناس يغلب، تقول: أنا أغلبه، ومن الناس من تغلبه النساء، وهن شرُ غالبٍ لمن غُلِب، من الرجال من تغلبه النساء في الضرب وفي الأمر والنهي وفي كل شيء.
والناس يغلب، تقول: ويغلب الناس، ولكني أغلبه في البيت، تمدحه بذلك وتثني عليه، وهذه من الخصال الممدوحة، كان محمد ﵊، سهلاً تقول عائشة: ﴿كان رجلاً سهلاً﴾ تقول له: أأعتمر يا رسول الله؟ -بعد أن قضت الحج- قال: ﴿يا عبد الرحمن اذهب بها إلى التنعيم فأعمرها﴾ فكان سهلاً ﵊.
وكان يجلس مع النساء فيتحدث معهن وترتفع أصواتهن، فلما اقترب عمر وسمعن جلبته وصوته ابتدردن الحجاب فقال: يا عدوات أنفسكن! كان أولى أن تهبن رسول الله، فقامت امرأة وقالت: أنت فظٌ غليظ وليس كذلك رسول الله، قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 2027
التاسعة تصف زوجها بالكرم والجود
قالت التاسعة: ﴿زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد﴾.
تقول: ﴿زوجي رفيع العماد﴾ أي: أن بيته متسع في وسط الحي يضيف الناس؛ لأن البخلاء عند العرب يسكنون في شوارع ضيقة لا يهتدي لها الإنسان، فيضيع قبل أن يصل البيت، ولذلك إذا وصف لك البخيل بيته قال: على يمين المسجد، ثم لف على اليسار ثم خذ يمينك، ثم يسارك حتى تضيع قال الشاعر العربي:
ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد
يقول: أنا لا أسكن المنخفضات البعيدة، إنما أسكن على جانب الطريق، ويقولون: كان حاتم الطائي يسكن وسط قبائل العرب، وكان يشعل النار في الليل، ويقول: من يريد الطعام فليأت، فكان يشعل ناره حتى تعلن أن هناك كرماً فيأتون يهتدون إلى النار، تقول الخنساء في أخيها:
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نار
وإن صخراً لوالينا ومنقذنا وإن صخراً إذا نشتوا لنحار
هباط أودية حمال ألوية شهاد أندية للجيش جرار
وقالوا: كان إبراهيم الخليل ﵇ أستاذ التوحيد، وشيخ العقيدة؛ كان عنده قصر في أرض كنعان وله بابان، يقول للخادم من خدامه: إذا أتيت بضيف فأنت عتيقٌ لوجه الله، فانظر كيف سيكون شعور الخادم، سيأتي بضيف ولو من التراب، فيذهب هذا الخادم فيأتي بضيف، أحدهم ذهب فأتى برجلٍ كافر مشرك فأدخله في قصر إبراهيم ﵇، فقدم له إبراهيم صحفه، ولذلك يقول الله عنه في القرآن: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦].
والعجل هو التبيع، قالوا: سمين وقيل في سورة هود (حنيذ) سمين، وحنذه على الجمر حتى يكون أشهى، قالوا فقرب الطعام لهذا المشرك وقال له: قل: بسم الله، قال المشرك: لا أعرف بسم الله، قال: قل: بسم الله قال: لا.
قال: قل: بسم الله، قال: لا.
قال: والله لا تطعمه، فأوحى الله له: يا إبراهيم عجباً لك، خلقت هذا وله ستون سنة أطعمه وأسقيه، وراد أن يتعشى عندك ليلة فحرمته.
قالت: ﴿رفيع العماد﴾ يعني: أنه يتصدى للضيوف دائماً ويرحب بهم، وأكرم من عرفت الخليقة محمد ﵊:
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
وكان يخرج بالطعام على الناس ويدخل أصحابه على طعامه، وسأله رجل فأعطاه بردته، ويعطي مائة ناقة، وكان المال عنده مثل التراب، وقال ابن عباس في الصحيح: ﴿كان ﵊ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فكان رسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة﴾.
واختلفوا في أكرم العرب، على كل حال جلس ثلاثة في البيت العتيق واختلفوا في أكرم العرب، فقال بعضهم: أكرم العرب عرابة الأوسي كان يطعم صباح مساء.
وقال الثاني: عبد الله بن جعفر.
وقال الثالث: بل أكرم العرب قيس بن سعد بن عبادة فقالوا: كلٌ منا يذهب ويلبس ألبسة رديئة ويظهر في مظهر مسكين ويسأل صاحبه ثم عودوا إلى الحرم، وننظر ماذا يعطيكم، فذهب صاحب عبد الله بن جعفر الطيار إليه، فوجده قد خرج إلى الشام على فرس يريد سفراً قال: أنا رجل منقطع وأريد مالاً قال: خذ هذا السيف وخذ هذا الفرس، ولو كنت في المدينة أعطيتك، وأنا أريد السفر لكن سوف أنزل تحت هذه الشجرة حتى يأتيني ركب والله يرزقك، قال: لا أقطعك ولا أقطع سفرك قال: والله لتأخذنه، قال: فأخذت السيف والفرس بما عليه، وجلس هو تحت شجرة ينتظر المسافرين، وذهب الثاني عند قيس بن سعد بن عبادة فطرق عليه الباب فخرجت الجارية قال: أريد مالاً أنا فقير فذهبت قالت: مولاي نائم ولكن خذ ألف دينار ولو كان يقظان لأعطاك -ألف دينار تعادل مائة ألف اليوم- وذهب الثالث إلى عرابة الأوسي فوجده قد عمي وخرج إلى المسجد على عبدين يتكئ على أحدهما باليمنى وعلى الآخر باليُسرى ويريد صلاة العصر فقال: أعطني من مال الله، قال عرابة الأوسي: ذهبت النفقات بأموالي ما بقي إلا هذان العبدان خذهما لك قال: فأخذتهما وأخذ هو يعتمد ويلتمس الجدار إلى أن وصل المسجد قالوا: أكرمهم عرابة الأوسي فقال فيه الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجدٍ تلقاها عرابة باليمينِ
قالت: ﴿زوجي رفيع العماد، طويل النجاد﴾ يعني طويل السيف، ليضرب به في المعركة أي أنه شجاع ﴿عظيم الرماد﴾ وهي عند العرب تحتمل الذم وتحتمل المدح، يحتمل أنه عظيم يقري الضيف كثير الرماد لأن قدره دائماً على النار، ﴿قريب البيت من الناد﴾ أي أن بيته وسط القرية ووسط المدينة يتصدى للضيوف، ليس لبيته بواب، وليس عليه حجاب وأبواب وحدائق حتى لا تصل إليه إلا بشق الأنفس.
стр. 2028
العاشرة: زوجها كريم
﴿قالت العاشرة زوجي مالك وما مالك؟! مالك خيرٌ من ذلك، له إبلٌ قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزاهر أيقن أنهن هوالك﴾ تقول: اسمه مالك، قيل في بعض الروايات: اسمه مالك، وتقول: إنه جواد وفيه خيرٌ كثير؛ لكن ميزته الكرم، عنده إبلٌ في البيت قليلات المسارح يعني أنها لا تسرح دائماً، عادة العرب يقولون: يؤخرون مسارح الإبل ينتظرون الضيف، والبخيل يسرحها من بعد صلاة الفجر، لا يصلي الفجر إلا وقد قال لأبنائه: إلى المرعى، بخلاف: حاتم الطائي وغيره؛ لعله أن يأتي ضيف، فيتركونها.
(كثيرات المبارك) دائماً حول الخيام ﴿إذا سمعن صوت المزاهر أيقن أنهن هوالك﴾ قيل المزاهر: الأعواد، وقيل: السكاكين، وقيل: هو ما يستخدم في التطريب للضيف، كان الجاهليون إذا قدم الضيف ضربوا الدف والضيف قريب، فتعرف الناقة أنه قد حكم عليها بالإعدام لما تسمع من صوت الدف.
стр. 2029
وصف أم زرع لزوجها أبي زرع
قالت الحادية عشرة: ﴿زوجي أبو زرع وما أبو زرع أنس من حلي أذني﴾ اسمه هو أبو زرع ثم تقول وما أبو زرع؟ وهذه الجملة للتعظيم يقول : ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣].
﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢].
﴿أنس من حلي أذني﴾ أي: أحسن عندي من حلي الأذن بالأنس واللطف والسكينة، والقرب والهدوء والليونة، وعند البخاري في رواية: ﴿وأملأ من شحم عضديَّ﴾ تقول: إنه عندي أحسن من الشحم الذي في عضدي لما بيني وبينه من قرب ومودة ورحمة.
وبجحني فبجحت إليَّ نفسي، تقول: أعطاني من الدنيا حتى افتخرت على زميلاتي وأخواتي، وتعاظمت إلي نفسي، وهذا ليس محموداً على الإطلاق، وسوف يأتي تفصيله، تقول: وجدني في أهل غُنيمة بشقٍ أي: أن أهلها أصحاب غنم في بادية فقيرة، فجعلني في أهل صهيلٍ وأطيطٍ، ودائسٍ ومُنَقٍّ، أي: فتحولت إليه فأصبح عندي خيل لأن عنده خيلاً وعنده أطيطاً أي: إبل تئط أطيطاً، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موطن أربع أصابع إلا وملكٌ راكعٌ أو ساجد﴾ وفي حديثٍ يروى عنه في العرش ﵊: ﴿وإنه ليئط به أطيط الرحل براكبه﴾ والأطيط صوت القتب، وصوت المحمل على الجمل، الخشب الذي تسمع له صريف.
تقول: عنده إبل وخيل وعطاء.
وينبغي للمرأة ألا تتزوج الرجل لماله، بل تتزوجه لدينه، فالمال وحده لا ينفعها، ولو كان عنده مال قارون، وكثير من الفتيات تزوجن رجالاً ذوي أموال، ولكن أهل الأموال هؤلاء كانوا فجرة، وأهل ربا وخيانة مع الله، وأهل غدر مع الواحد الأحد، فأصبحت حياتهم غدراً وزوراً وبعداً عن الله.
وهناك نساء تزوجن فقراء، ولكن هؤلاء الفقراء عرفوا الله أهل صيام وصلاة، وعبادة وتقوى لله، فسعدن سعادة ما بعدها سعادة، فلا تعد المال شيئاً فهو لا يساوي التراب إلا بتقوى الله.
قالت: ﴿ودائس ومنقٍ﴾ تعني: أن له دجاجاً، لكن استبعدوا ذلك فذكره الحافظ في الفتح، وقيل: إنه كثير البر حتى ينقى عنده بالمناخل.
﴿فعنده أقول فلا أقبح﴾ تقول: أتكلم وألقي ما في ذهني فلا يقبحني ولا يقاطعني، ويستمع إلي، وهي خصلة جيدة في الرجال، ويجب أن يعيها المسلم فيسمع لصوت المرأة، والإسلام هو الذي عرف قدر المرأة وسمع صوتها بعد أن قتلت الجاهلية صوتها المرأة ووأدتها، ولم تعترف بها، فجاء الإسلام فكرمها.
﴿وأرقد فأتصبح﴾ تتشرف تقول: الصباح أرقد في الصباح حتى الضحى، أي أنها تسهر وتلهو ثم تنام متأخرة فلا تضطر للقيام بل تظل نائمة حتى وقت الضحى، ولو عرفت التسبيح حتى طلوع الشمس وقراءة القرآن كان أحسن، لكن تصف أنها مرتاحة، وأنها تنام على ما تريد، وتقوم متى أرادت.
وأشرب فأتقمح أي: أشرب فأزيد من الشرب، فهي تشرب من اللبن، وتشرب من العسل، وتشرب من السمن لا يقول: كفى، إنما تشرب جهدها.
ثم تصف أم أبي زرع وابنه وزوجه الأخرى وبنته تقول: ﴿أم أبي زرع p> وما أم أبي زرع؟ عكومها رداح﴾ تقول: كثيرة النعم، حتى أمه عندها غرف نوم، وعندها فرش، وعندها خيرٌ كثير قالت: ﴿وبيتها فساح﴾ تقول: حتى بيت أم أبي زرع واسع.
﴿ابن أبي زرع، وما ابن أبي زرع مضجعه كمسلِّ شطبة﴾ تقول: مثل السيف، لأن العرب تفتخر بمن يختصر في نومه وفي أكله، تقول: ينام على أدنى شيء، ينام مرة عند الباب، ويدخل مرة ينام في أي مكان؛ لأن ذلك يدل على الشجاعة، وعلى القوة، والعصامية، كان بعض العرب ينام مع الأسود، وبعضهم ينام مع الغنم وفي مسارح الإبل من شجاعته ليحميها، قالت: ﴿وتشبعه ذراع الجفرة﴾ تقول: أدنى شيء يشبعه، فلا يأكل الطعام علينا، والعرب تفتخر بذلك يقول عروة:
إني امرؤ عافٍ إنائي شركة وأنت امرؤ عافٍ إناؤك واحد
أقسم جسمي في جسومٍ كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
﴿بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها،﴾ تقول: تطيع أباها وأمها، يعني أنها بارة ﴿وملء كسائها﴾ تقول: إنها ممتلئة الجسم مع اعتدال الخلقة.
﴿وصغر ردائها﴾ أي أنها جيدة الملبس، تزين أهلها بأخلاقها الشريفة ووقارها ﴿وغيظ جارتها﴾ أي أن جارتها أو جاراتها يحسدنها، قال:
حسداً حملنه من أجلها وقديماً كان في الناس الحسد
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وغيظاً إنه لدميمُ
قالت: ﴿جارية أبي زرع وما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا﴾ أي: أنها لا تنقل الخبر من البيت، وهذا فيه مدحٌ لأهل البيت ألا ينقلوا أخبارهم، وعلى المسلم ألا ينقل خبر أهله الخاص في المجالس، وعلى المسلمة ألا تنقل خبر زوجها الخاص في المجالس، فإن هذا مذموم، وقد استنكره ﵊، وهو من المجاهرة.
﴿ولا تنقث ميرتنا تنقيثا﴾ أي: كذلك لا تصرف مالنا ولا تضيعه ﴿ولا تملأ بيتنا تعثيثا أي: أنها مرتبة للبيت، والعرب تمدح الترتيب والإسلام جاء به.
-وبالمناسبة- أنصح النساء لأن هذا الخبر لهن-: أن يتقين الله في ترتيب البيوت، وفي التزام النظام، لأن من صفات اليهود أنهم أوسخ الناس أفنية، فالمرأة العاقلة تجعل للملابس مكاناً، وللمكتبة مكاناً، وللمطبخ مكاناً، ولكل شيء مكاناً، أما أن تكون الملاعق بين الكتب، والسكاكين بين البطانيات، والصحون في المجلس، وحالة لا يعلمها إلا الله فهذا ينبئ بأنه أصاب البيت رجة أو زلزال، وهذا ليس بوارد في الإسلام.
قالت: ﴿خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فمر بامرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها﴾ الآن انتهت، تقول: وجد امرأة غيري فطلقني ونكح تلك.
﴿فنكحت بعده رجلاً سرياً -أي رجلاً غنياً- ركب شرياً- عنده فرس جيد- وأخذ خطياً -وبيده رمح- وأراح علينا نعماً سرياً -كثير الأنعام- وأعطاني من كل رائحة زوجاً -أي من كل الإبل والبقر، والغنم- فقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، بلغ أصغر آنية أبي زرع﴾ تقول: كل شيء أعطانيه لا يملأ صحناً من أصغر صحون ذاك، ويتمدح هذا الثاني ويقول: افعلي ماشئت بهذا المال فقال النبي ﵊ -خاتماً للحديث وهو يتبسم: ﴿يا عائشة! كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع، إلا أن أبا زرع طلق وأنا لا أطلق﴾ حديثٌ صحيح رواه الطبراني عن عائشة ورواه الترمذي في الشمائل موقوفاً إلا قوله: ﴿كنت كـ أبي زرع﴾ فرفعاه وقالوا: وهو يؤيد رفع الحديث كله، ورواه البخاري في النكاح ومسلم في الفضائل.
стр. 2030
مسائل مأخوذة من حديث أم زرع
في حديث أم زرع مسائل:
أولها: ملاطفة الأهل، واستماع حديث النساء، وأن غالب النساء إذا اجتمعن تحدثن في حالتهن مع الأزواج، وفيه: أدبه ﷺ وحسن عشرته.
وفيه: ما كان بينه وبين عائشة من أنسِ حديثٍ وطيب كلام.
وفيه: أن أخبار الجاهلية تقص في المجالس ولا بأس بها.
وفيه: أنه لا بأس بالأسمار والحديث عن الناس ما لم يكن غيبة.
وفيه: أنه لا بأس بأن يتحدث بأخبار القرون الأوائل والأجداد والآباء، وما كانوا فيه من فقر وحروب وعوز، وما كان فيهم من صفات وأوصاف، كما في هذا الحديث.
وفيه: التمثل ببعض الناس في الصفات لقوله ﵊: ﴿كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع﴾ ولو أن الرسول ﷺ أجل وأعظم وأكرم وأحسن وأبر ﵊.
وفيه: تزكية الرجل لنفسه ما لم يخف عليه عجباً إذا كان صادقاً، فقد زكى ﷺ نفسه وقال: ﴿كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع﴾.
وفيه: أنه لا يلزم أن يكون المشبه كالمشبه به في جميع الصفات، فإن في بعض الأوصاف ذكر ﷺ أنه قال: ﴿كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع﴾ ولا يلزم في كل جزئية لأن الحال يختلف، ولو أن رسول الله ﷺ أحسن، وأكرم عشرة، وأحسن بيتاً، وأوسع صدراً، وأبر من أبي زرع لـ أم زرع.
وفيه: أن التشبه بالجاهليين في صفات الخير ليس بمذموم كأن يقول: ككرم حاتم، وكشجاعة عنترة، وكشعر زهير.
وفيه: أن المسلم قد يكون له أوقات مع أهله يأنس فيها بحديثٍ من المزاح بدون غيبة، وأن هذا ليس من ضياع الوقت.
وفيه: أن للقلوب وقتاً من الراحة [[وأريحوا القلوب ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت]] ﴿ولكن ساعة وساعة﴾.
وفي هذا الحديث أحكام أخرى، وأنا جئت به لثلاثة أمور.
أولها: أنه تلي في مجلسه ﵊ فحقيقٌ لنا أن نسمعه كما سمعه.
الأمر الثاني: أن فيه وصفاً للأزواج والزوجات في هذا الحديث؛ فمن كان فيه سوء فليتجنبه رجلاً كان أو امرأة، ومن كان فيه خير فليثبت عليه وليزدد منه.
الأمر الثالث: أن فيه لفتات تربوية في المجتمع بما أشرت إليها في أثناء الدرس.
стр. 2031
الأسئلة
.
стр. 2032
حديث: (ملعون الناظر والمنظور إليه)
السؤال
هنا قائمة ببعض الأحاديث النبوية عن المعصوم ﵊ يقول: ما صحة الحديث القائل في العورة: ﴿ملعون الناظر والمنظور إليه﴾؟
الجواب
لا يصح هذا الحديث، ولا يثبت، وليس من كلامه ﵊.
стр. 2033
حديث: (عورة الرجل)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿عورة الرجل من السرة إلى الركبة﴾؟
الجواب
حديث صحيح رواه الحاكم عن عبد الله بن جعفر، وبعضهم يقول: إنه حسن، فهو إما حسن أو صحيح.
стр. 2034
حديث: (أجرؤكم على الفتيا)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار﴾؟
الجواب
رواه الدارمي عن عبد الله بن أبي جعفر مرسلاً، والمرسل ضعيف، ولذلك فالحديث ضعيف.
стр. 2035
حديث: (من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة)
السؤال
حديث: ﴿من قرأ سورة الواقعة في يومٍ لم تصبه فاقة قط﴾ ما صحته؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى أنه قد يحسن، ولكن أعود فأقول: بعد التأمل في سنده وجد أنه ضعيف؛ فهو ضعيف عن ابن مسعود.
следующие страницы →