Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الأسئلة
.
стр. 2032
حديث: (ملعون الناظر والمنظور إليه)
السؤال
هنا قائمة ببعض الأحاديث النبوية عن المعصوم ﵊ يقول: ما صحة الحديث القائل في العورة: ﴿ملعون الناظر والمنظور إليه﴾؟
الجواب
لا يصح هذا الحديث، ولا يثبت، وليس من كلامه ﵊.
стр. 2033
حديث: (عورة الرجل)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿عورة الرجل من السرة إلى الركبة﴾؟
الجواب
حديث صحيح رواه الحاكم عن عبد الله بن جعفر، وبعضهم يقول: إنه حسن، فهو إما حسن أو صحيح.
стр. 2034
حديث: (أجرؤكم على الفتيا)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار﴾؟
الجواب
رواه الدارمي عن عبد الله بن أبي جعفر مرسلاً، والمرسل ضعيف، ولذلك فالحديث ضعيف.
стр. 2035
حديث: (من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة)
السؤال
حديث: ﴿من قرأ سورة الواقعة في يومٍ لم تصبه فاقة قط﴾ ما صحته؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى أنه قد يحسن، ولكن أعود فأقول: بعد التأمل في سنده وجد أنه ضعيف؛ فهو ضعيف عن ابن مسعود.
стр. 2036
حديث: (إذا قرأ أحدكم والتين والزيتون)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿إذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فبلغ قوله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] فليقل: بلى، وإذا قرأ سورة القيامة فبلغ قوله : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] قال: بلى وقدرة ربنا﴾؟
الجواب
هذا الحديث لا يصح وهو ضعيف عند الترمذي.
стр. 2037
حديث: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿أدبني ربي فأحسن تأديبي﴾؟
الجواب
حديثٌ ضعيف رواه ابن عساكر، ضعيف في سنده، ولكنه صحيحٌ في معناه؛ فإن الذي أدب الرسول هو الله؛ لكنه ضعيفٌ في سنده.
стр. 2038
حديث: (حبذا المتخللون من أمتي)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿حبذا المتخللون من أمتي﴾؟
الجواب
هذا الحديث حسن رواه ابن عساكر عن أنس ومعناه يعني الذين يتخللون بعد الطعام بالمخلال حديثٌ حسن.
стр. 2039
حديث: (غط فخذك فإن الفخذ عورة)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿غط فخذك فإن الفخذ عورة﴾؟
الجواب
حديثٌ صحيح رواه أحمد عن جرهد وفيه ألفاظ: ﴿يا جرهد! غط فخذك فإن الفخذ عورة﴾.
стр. 2040
حديث: (صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك﴾؟
الجواب
رواه أحمد بسندٍ ضعيف، قال ابن أبي حاتم: له سندان ضعيفان وليس بثابت.
стр. 2041
حديث: (من قرأ [قل هو الله أحد] في يومٍ عشر مرات)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿من قرأ قل هو الله أحد في يومٍ عشر مرات بني له بيتٌ في الجنة﴾؟
الجواب
حديثٌ صحيح.
стр. 2042
حديث: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)
السؤال
ما صحة حديث: ﴿إني لا أحل المسجد لحائضٍ ولا جنب﴾؟
الجواب
حديثٌ ضعيف عند أبي داود.
стр. 2043
حديث: النهي عن إنشاد الضالة في المسجد
السؤال
ما صحة حديث: ﴿من سمعتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا﴾؟
الجواب
حديثٌ صحيح رواه مسلم.
стр. 2044
حديث: النهي عن البيع والشراء في المسجد
السؤال
صحة حديث: ﴿من سمعتموه يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك﴾؟
الجواب
حديثٌ صحيح رواه الترمذي والحاكم إلى غير ذلك.
стр. 2045
الغضب من الزوجة
السؤال
زوجتي تخالفني كثيراً في بعض الأمور السهلة الميسرة، ولكني يشتد غضبي على ذلك وأخاف من ذلك؟
الجواب
هذا من الشيطان ولا يسلم بيتٌ من خلاف، وأسأل الله أن يصلح ما بينكما؛ فلعلك أن تصبر، ولعلها أن تتأدب معك.
стр. 2046
الزوجة تؤجر لصبرها على غلظة زوجها
السؤال
هل للزوجة أجرٌ إذا صبرت على ما يأتيها من غلظة زوجها؟
الجواب
سبحان الله! صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها﴾ [[أتى رجلٌ إلى عمر ﵁ يطرق بابه يشتكي من زوجته، فانتظر عمر ما فتح الباب، فسمع الرجل خلافاً بين عمر وزوجته، فترك بعد ذلك طرق الباب أي: مثل من يقول: (في كل وادٍ بنو سعد) فذهب، ففتح عمر فرد الرجل قال: ما لك؟ قال: أتيت أشكو من امرأتي، فسمعت صوت امرأتك معك، قال عمر: إنه ما من بيتٍ إلا ويقع فيه مثل هذا، وإنها لتصنع خبزي، وتغسل ثوبي، وتقوم بخدمتي فأتغافل عنها]] أو كما قال، وهذا من كرمه ﵁ وأرضاه.
стр. 2047
تضايق الزوجات من كتب أزواجهن
السؤال
ربما وجدت من زوجتي تضايقاً إذا قرأت أو حضرت في الكتب؟
الجواب
هذا يوجد كثيراً وقالت امرأة الزبير بن بكار: والله لكتبك علي أضر من ثلاث ضرائر، أو من أربع ضرائر.
وقال الجاحظ: هذا أضر شيء على النساء، لكن لا بد لها أن تصبر.
стр. 2048
تكليف المرأة زوجها
السؤال
يوجد من النساء كثيرات يردن الخروج دائماً وأبداً، ويكلفن أزواجهن من الوقت والملابس وفي مثل ذلك كثيراً؟
الجواب
أقول: إذا أدخلت الإيمان وسنة الرسول ﷺ في البيت فسوف ينتهي كثير من ذلك، والمسلم لا يقصر في النفقة، ولا يزيد على قدر الحاجة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧].
стр. 2049
زوجة تكثر من الذهاب إلى بيت أهلها
السؤال
لي زوجة أدعو الله لها كثيراً، وهي صالحة وقائمة وصائمة ومصلية، وأحبها حباً جما، ولكن تكثر الغياب إلى أهلها، وأنا لا أصبر على ذلك؛ فبم تنصحوني؟
الجواب
ننصحك أن تقلل من الزيارة إلى أهلها، لا يكون شعارها دائماً وأبداً: أهلي أهلي؛ لأن أهلها بيتك أنت، وأنت المسئول عنها، ولا تستأذن أباها ولا أمها، بل تستأذن منك أنت، وإذا تعارض إذنك وطلب أبيها قدم إذنك أنت، وعليها أن تتعقل في ذهابها وزيارتها، وكما قال ﷺ -وأهل العلم يصححون هذا الحديث- قال: ﴿زر غباً تزدد حباً﴾ أما أريد أهلي كل يوم في الصباح وفي المساء فليس هذا بلائق، فما دام أن فيها من العلم والوقار والخير والهدى فزادها الله توفيقاً، ولكن أنصحها أن تقلل من الزيارة إلى أهلها.
стр. 2050
إسراف النساء في الملابس والحلي
السؤال
هل لك من وصية للنساء في مسألة الإسراف في الملابس وما يشترينه من ذهب وحلي، فقد أثقلن كثيراً على الأزواج؟
الجواب
لعلك أنت منهم.
نعم بعضهم يبيع البيت والأثاث والسيارة من أجل حلي زوجته، وتغير دائماً فأنا أقول: إن حلي المرأة تقوى الله، وإنها مهما تلبست بلباس الدنيا فلباس التقوى ذلك خير:
حورٌ حرائر ما هممن بريبة كضباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام روانياً ويصدهن عن الخنا الإسلام
فلتكن المرأة مثل فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، زوجة عمر بن عبد العزيز ﵁ وعنها وأرضاها في الجنة، سلمت حليها لبيت المال، لما تولى الخلافة قال: إن كنت تريدين الله والدار الآخرة، فسلمي الذهب إلى بيت المال، وإن كنت تريدين الدنيا، فاذهبي إلى أهلك، قالت: الحياة حياتك والموت موتك والهدم هدمك، والدم دمك؛ فهي ممن قال الله فيهن: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
стр. 2051
على المرأة أن تشارك في الدعوة
السؤال
يقول السائل: هل توصون النساء بالدعوة؛ لأنهن يكثرن الاجتماع ولكن ما نرى داعيات إلا قليلات؟
الجواب
ذكرت هذا في محاضرة: (صفات المرأة المسلمة) وهنا أقول: عليها أن تحمل الدعوة، وإذا لم تستطع أن تتكلم فلتهد الكتيب والشريط الإسلامي، عل الله أن ينفع بها، وفي النساء صحوة وعودة إلى الله، ففي مدينة من المدن حضر في محاضرة أكثر من ألفي امرأة من النساء لسماع المحاضرة، وفيهن عودة، وكثيرٌ منهن كتبن كتباً في الساحة، مثل كتاب إليك إليك، وكتاب احذري الهاتف يا فتاة الإسلام، وكتاب الحجاب للمرأة المسلمة، أو رسائل في الحجاب وغيرها من الكتب الكثيرة، فعسى الله أن يهديهن سواء السبيل.
стр. 2052
أوصي النساء بالزواج
السؤال
أوصِ النساء بأن يتقدمن للزواج؟
الجواب
بل إذا تقدم لهن أحد أوصيهن أن يقبلن، أما هي أن تعلن في عكاظ والجزيرة فليس هذا بصحيح، وقد قال ﷺ في الترمذي بسندٍ صحيح: ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ وأنا أوصي -بالمناسبة- الشباب أن يتقدموا، أنا أعرف مئات الشباب ما تزوجوا يريدون أن يتخرجوا، وبعد التخرج يتوظفون وبعد التوظف يعملون، وبعد العمل يحاسبون ثم يموتون، فعليهم أن يتزوجوا، وعلى النساء ألا يرددن صالحاً إذا تقدم عل الله أن ينفع.
стр. 2053
حكم الغناء
السؤال
يقول قرأت في كتاب عن موضوع الغناء والموسيقى تحت عنوان الحلال والحرام في الإسلام والكتاب طبع في وزارة المعارف، وقرأت فيه قوله: (ولا بأس بأن تصحبه موسيقى غير مثيرة.
انتهى) والذي نعرفه أن الغناء حرام بشتى صوره بعودٍ أو غيره، فما ردكم على ذلك؟
الجواب
أيها الأخ شكراً لك والكتاب هذا للشيخ يوسف القرضاوي أثابه الله، وقد زل في هذه المسألة وأخطأ، والعالم قد يخطئ وليس معصوماً، فنقول: أسأل الله أن يسامحه ويعفو عنه، وقد تصدى له الشيخ الفوزان فرد عليه رداً عجيباً، وأتى بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم وكلام السلف، ونقولات من المجلدات، وقد نقلت كثيراً من ذلك -والله الموفق- في شريط (رسالة إلى المغنين والمغنيات) وسوف تسمع النقول بالصفحات من ابن تيمية وابن القيم وابن باز، والألباني، وأمثالهم من علماء الإسلام، والأحاديث والآيات، وما قالوا عن الغناء، وأضراره وفحشه، فأنا أطلب منك أن تستمع للشريط حتى تسمع الحق، وعسى الله أن يهديك وكل مسلم سواء السبيل.
стр. 2054
الأمر بتقوى الله
نادى الله العالمين جميعاً الأولين والآخرين بأن يتقوه.
وقد عرفها الصحابة والتابعون، وقد نقلت إلينا عنهم مواقف تبين تقواهم لله، ولعل من أسباب التقوى التعرف على سيرهم والأخذ بأسباب التقوى الموصلة إليها، ومن ذلك تدبر القرآن والدعاء وذكر الله دائماً وأبداً.
стр. 2055
الأمر بتقوى الله
اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ ، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك ولا إله إلا أنت.
في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك.
لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، هدى به الله الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فعليه صلاة الله وسلامه، وعلى آله، وكل من سار على منواله إلى يوم الدين.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 2056
وصية الله للأولين والآخرين هي التقوى
نعم! الأمر بتقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين، ومن لم يعمل بهذه الوصية فإنه سوف يخسر ويهلك ويندم، ولذلك قال عز من قائل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
فتقوى الله وصيته للأولين والآخرين.
стр. 2057
حياة وميلاد المؤمن بتقوى الله
ومعنى الحياة: هي تقوى الله في القلوب.
كثير من الناس يظن أن معنى الحياة أن يأكل ويشرب، ويتمتع ويركب، ويسكن ويتكلم، وينام ويقوم، إنَّ حصر مفهوم الحياة في هذه الأمور يعني الحياة البهيمية -فالكافر وهو كافر يأكل ويشرب ويتمتع، ويركب ويسكن ويقوم وينام، لكنه كافر- لأن معنى الحياة أن تخرج من الضلالة إلى النور، ومن الغواية إلى الهداية، وأن تنقذ نفسك بتقوى الله من غضب الله، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات لَِيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] أومن كان ميتاً في شهوته، وفي ضلالته، وفي عمايته، وفي غوايته -يتبع كل ناعق- كمن أحياه الله بالإيمان وبلا إله إلا الله، وشرح صدره لهذا الدين، وجعل له الله نوراً وبَصَّره، وعلَّمه كيف يعيش ولماذا يعيش، وإلى أين يسير.
ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: " من اعتقد أنه سوف يهتدي بغير هدى الله الذي أنزل في كتابه، وأرسل به رسوله ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" لأن المؤمن يعيش مرتين، أو يولد مرتين، والكافر يموت مرتين، فميلاد المؤمن يوم أتت به أمه يوم عرف الحياة، يوم نزل وأول ما وصل رأسه إلى الأرض، فأتى يبكي من ظلم الحياة ومن غوايتها ومما سوف يواجهه من مصاعب ومن مشاكل، ولذلك يذكر ابن كثير في ترجمة زكريا ﵇ في البداية:
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً لمجيئك، فأنقذ نفسك قبل أن تأتيك سكرات الموت وقبل أن يأتيك وعد الله واليوم الموعود وتشتد عليك السكرات، فأنقذ نفسك لتبتسم في تلك الساعة، ولذلك يقول الله في هذه الساعة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ويقول عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] فالحياة كل الحياة أن تحيا بالقرآن وبالإيمان فهذه هي الحياة الثانية أو المولد الثاني.
стр. 2058
حياة الكافر وموته
وأما الكافر فإنه يموت مرتين، قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] يموت الكافر مرة يوم يكتب عليه الموت؛ كموت البهائم، ومرة قبلها مات، يوم مات قلبه؛ فما استنار بنور الله، ولا عرف منهج الله، ولا اهتدى بهدى الله، ولذلك كانت وصية الله للأولين والآخرين بتقواه ﵎، يقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] فهذا ابن مسعود أحد جيل الصحابة؛ ذاك الجيل الذي تربَّى على القرآن، وما عرفت البشرية على مدى أطوارها مجتمعاً كذاك المجتمع، أولئك الصحابة الذين نشروا لا إله إلا الله على البشرية، فبلغوا بعد خمس وعشرين سنة بلا إله إلا الله إلى السند وطاشقند والأندلس وجنوب أفريقيا؛ لأنهم عرفوا الله، ومنهج الله، ولا إله إلا الله.
стр. 2059
تعريف الصحابة للتقوى
قيل: يا بن مسعود! ما هو حق تقاة الله؟ قال: [[أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر]] أن يطاع الله فلا يعصى، هذا حق تقواه ، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، فمن كفر نعمة الله فما اتقى الله، ومن عصى الله فما اتقاه ، ومن نسيه ، أنساه الله نفسه، ومستقبله، وولده، وبيته، وأسرته، ومكتبه، ومنصبه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
وقف أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وهو -كما يقول ابن كثير - في عهده (بعد موت عثمان) أزهد الناس، وأخشى الناس، وأعلم الناس؛ لأنه تربية رسول الله ﷺ ، وقف على منبر الكوفة، فسئل عن التقوى؟ قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]] اسمع لكلمات النور وحرارة الإيمان التي بعثها جيل محمد ﷺ في قلوب الناس، هي الخوف من الجليل، والجليل هو الله، والعمل بالتنزيل، فالذي يتقي الله ثم لا يعرف ماذا يتقي ولا تكون تقواه على بصيرة من الكتاب والسنة ما اتقى الله.
والرضا بالقليل، ألا تكون الدنيا أكبر همك، بل ترضى منها ما يكفيك؛ كالمسافر إذا أراد سفراً، والاستعداد ليوم الرحيل، هذا هو تعريفها عند علي ﵁ وأرضاه.
قال عمر بن الخطاب ﵁، وهو يسأل عن التقوى، وقبل أن نأتي لسؤال عمر نقف مع عمر وقفة قصيرة:
عمر أحياه الله وولد مرة ثانية في الحياة الدنيا، لأنه -كما أسلفت- أن مولد الكافر مولداً واحد، لكن موته مرتين، فـ عمر عاش ﵁ قبل أن يسلم في الجاهلية لم يكن يعرف إلى أين يتجه ولماذا يعيش؟ كما يعيش كثير من الناس اليوم.
كثير من الناس اليوم يعيشون على الطعام والشراب، وعلى المنام والكلام، ولكنهم لا يعرفون معنى الحياة، يظنون أنها كأس، ومتعة، ولهو، وغناء، وطرب، وبعد عن الله .
فلما أراد الله أن يحيي قلب عمر ﵁.
أتى رسول الله ﷺ بذاك القول العظيم بكتاب الله الكريم، فسمع عمر ﵁ قوله : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] فاهتز لهذه الكلمات وسقطت كل ذرة من ذرات الشرك من جسمه، وأتى إيماناً كاملاً من أخمص قدميه إلى مشاش رأسه، فذهب ليبايع الرسول ﷺ ، وانضم إلى هذا الموكب الكريم الذي يتصل أول سنده بنوح ﵇، وآخر السند بمحمد ﷺ إلى آخر مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 2060
وقفات مع المتقين
стр. 2061
وقفات مع عمر
أتى عمر ﵁ وانصبغ بهذا الدين، حتى إنه كان يقف على المنبر يوم الجمعة، وبطنه تقرقر من الجوع، وهو خليفة تحت يديه الذهب والفضة وكنوز الدنيا، ويقول لبطنه: [[قرقري أو لا تقرقري والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].
يقول ابن كثير: ثبت عن عمر ﵁ أنه مرض شهراً كاملاً لما سمع قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] لكن عمر ﵁ في بردته البالية، وبعصاه، وبخوفه الذي يعيش فيه، اهتز له كسرى وقيصر فرقاً وخوفاً؛ لأنه خاف الله، ومن خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء، ولذلك يقول الأول:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
يوم كنا نخاف الله، خوّف الله منا كل شيء، كانت ترهبنا الدنيا، وتخافنا المعمورة، ويدين لنا الكفرة، ويسلم لنا المعاندون، وتضعف أمامنا الجيوش الجرارة؛ لأنا خفنا الله.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجواراً
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا
стр. 2062
مع سعد بن أبي وقاص
وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁، لما اتقى الله وكان قائد جيش المسلمين في مواجهة كسرى، جاء كسرى بثلاثمائة ألف مقاتل، وجاء سعد بثلاثين ألفا.
ثلاثون ألفاً مقابل ثلاثمائة ألف، فلما تلاقى الجمعان، أرسل سعد أحد شباب الإسلام، ألا وهو ربعي بن عامر، ذلك الشاب في الثلاثين من عمره، لا يملك من الدنيا شيئاً إلا ثوبه الذي عليه والرمح الذي بيده، والفرس التي يركبها، لكنه يملك أكبر طاقة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، طاقة لا إله إلا الله، وطاقة أنه يعرف الله، ويريد وجه الله، فدخل ربعي على رستم، فلما رآه رستم ضحك وضحك وزراء رستم الكافر الذي ما عرف الله طرفة عين.
فقال لـ ربعي: أجئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وبهذا الرمح المثلم، وبهذه الثياب الممزقة، فرفع ربعي رأسه الذي رفعه محمد ﷺ
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
فقال ربعي: [[نعم، ابتعثنا الله، لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] وكانت الواقعة، ونصر الله جنوده الذين كانوا يسجدون له، ويركعون له ويسبحون بحمده، وهزم الله أعداءه الكفرة الملاحدة الفجرة.
ودخل سعد ﵁ وقد فر كسرى صاحب الإمبراطورية العاتية، الذي ظن أنها لا تهزم أبد الدهر، فلما دخل سعد ورأى إيوان كسرى، إيوان العدوان، والظلم، والبغي، والفجور، قال سعد: الله أكبر، فانصدع الإيوان، انصدع كما يقول أهل السير، فدمعت عينا سعد فرحاً بموعود الله، وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
لما اتقينا الله رفع الله رءوسنا في القرون المفضلة، ونصرنا ومهد لنا الدنيا، وأعلى ذكرنا ورفع شامتنا، فلما داخلتنا المعاصي، داخلتنا الذلة، وأصبحنا منزوين مستضعفين مستذلين، أصبح هم الواحد منا -إلا من رحم الله- أن يملأ بطنه، وأن يقضي شهوة فرجه، وأن يسكن بيتاً وارفاً، وأن يركب سيارة فاخرة، أهذه أمنيات المسلم؟!
أهذا هو الطموح الذي يريده الله ويريده رسول الله ﷺ ؟! لا والله!!
стр. 2063
مع عبد الله بن عمرو الأنصاري
كان يأتي الصحابي من صحابة الرسول ﷺ قبل المعركة يقول لأهله: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، لن أعود إليكم بعد اليوم، فعل ذلك كثير منهم، ومنهم: عبد الله بن عمرو الأنصاري، أحد الشباب الأخيار في المعركة الفاصلة بين الكفر والإيمان، التي شحذ لها أبو سفيان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما التقوا في أحد في المدينة خرج أصحاب الرسول ﷺ ، وخرج معهم عبد الله بن عمرو الأنصاري واغتسل في صباح ذلك اليوم، وتطيب ولبس أكفانه، وأخذ سيفه، وقال لبناته: [[استودعكن الله الذي لا تضيع ودائعه، لا لقاء معكم إلا في جنة عرضها السماوات والأرض]] فلما أتى موعود الله وعلم الله أن هؤلاء النفر يريدون وجهه، رزق الله هذا الرجل الشهادة في سبيله، قال ابنه جابر: ﴿رأيت أبي وقد قُطِّع أمام الرسول ﷺ في معركة أحد قال جابر: فجعلت أكشف عن وجهه وأبكي فقال لي رسول الله: تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه﴾ وفي تفسير ابن كثير بسند صحيح: ﴿أن الله كلَّم هؤلاء النفر الشهداء - عبد الله بن عمرو وغيره من الشهداء- وقال: تمنوا علي -يقول: كلمهم الله بلا ترجمان مباشرة، قال: تمنوا علي- قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية؟! لما وجدوا من طعم الشهادة ورفعتها وأجرها ومثوبتها- قال: إني كتبتُ على نفسي أنهم إليها لا يرجعون فتمنوا!! قالوا: نتمنى أن ترضى عنا فإنا قد رضينا عنك، قال: فإني قد أحللت رضاي عليكم فلا أسخط عليكم أبداً، قال الراوي: (قال ﷺ : فأخذ الله أرواحهم، فجعلها في حواصل طير خضر، ترد مياه الجنة فتشرب من أنهارها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾.
يا لتلك التقوى التي عاشها أولئك النفر الصالح البار الراشد، الذي رباه محمد ﷺ على سمع وبصر.
стр. 2064
في ماذا تكون تقوى الله
يقول الله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
و
السؤال
في ماذا تكون التقوى؟
كثير من الناس يدَّعي التقوى، ويقول بلسانه: إنه متقٍ، لكن ما هي التقوى، تقوى الله أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، ولذلك كلمة عمر السالفة التي توقفنا عندها، وقال أيضاً لـ أُبي وقيل لـ كعب: [[ما هي التقوى؟ صف لي التقوى، قال: يا أمير المؤمنين! أمررت بأرض أو بطريق فيه شوك؟ قال: نعم، قال: فماذا فعلت؟ قال: تحفزت وتحذرت، قال: فذلك التقوى]].
ما دام أن هذه الطريق ذات الشوك يتحفز ويتحذر منها المار فكذلك الحياة الدنيا.
стр. 2065
التقوى تكون بالتحرز من عذاب الله
من أراد تقوى الله فليتحفظ وليتحرز، وليحرز نفسه فإن الله يحفظه، ولذلك في الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿قال لي رسول الله ﷺ يا غلام! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.
واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
فتقوى الله معناها: المحافظة على أمر الله والانتهاء عما نهى الله ، وتقوى الله تكون في اللسان، وأعظم ما ابتلينا به اللسان، ولذلك يقول بعض أهل العلم: تسعة أعشار الذنوب من اللسان، واللسان هي أخطر ما يمكن أن تجر على المؤمن من الذنوب والخطايا.
ولذلك يقول : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ووصف المتقين عز من قائل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣].
стр. 2066
حفظ الجوارح طريق النجاة
يقول عقبة بن عامر أحد الصحابة للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! ما النجاة؟ -أي: ما هو الأمر الذي ينجيني من غضب الله، ومن سخط الله، ومن عذاب الله- قال: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾ وقال معاذ: ﴿يا رسول الله! ما هو العمل الذي يقربني من الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه -ثم ذكر له ﷺ الأمور التي تقربه من الجنة، وتنجيه من النار- ثم قال في آخر الحديث: ألا أدلك على ملاك ذلك كله، قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا -وأخذ بلسان نفسه- قال: أإنا لمؤاخذون يا رسول الله! بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم، أو قال: على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم﴾.
فنعوذ بالله من أضرار اللسان، ولذلك عرف الصالحون ضررها وعلموا أنه لا يمكن أن تكمل تقوى الله إلا باجتناب ضرر هذه اللسان.
يقول أحد التابعين: رأيت أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وقد أخذ بلسان نفسه، وهو يحاسب نفسه، ويقول: [[هذا أوردني الموارد]] أي: أوردني موارد الهلاك، هذا وهو أبو بكر الصديق صاحب القدم الثابت في الإسلام، والأول استجابة من الكبار، وصاحب الإنفاق في سبيل الله، وخليفة المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، الذي يُدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية.
لأن للجنة أبواباً ثمانية كما تعرفون، يقول ﵊: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، إلى آخر تلك الأبواب، فقال أبو بكر وهو بجانب الرسول ﷺ : يا رسول الله! أيدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية﴾ -انظر إلى الهمة العالية، انظر إلى طلب ما عند الله ، ولذلك هذه الهمة ليست بالأجسام، وليست بالمناصب، وليست بالأموال، ولكنها بالقلوب، همة تمر مر السحاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨]-فيتبسم ﷺ إعجاباً من هذا الرجل العظيم الذي يريد أن يدعى من الأبواب الثمانية، يريد أن يكون من المصلين ومن الذاكرين والمتصدقين ومن الزهاد والعباد والمجاهدين- فقال له ﷺ : ﴿نعم وأرجو أن تكون منهم﴾ أبو بكر ﵁ يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد في ترجمة أبي بكر ﵁، أثر عنه أنه دخل مزرعة رجل من الأنصار، دخل وهو خليفة يتنزه مع الناس ﵁ مع الصحابة، فلما رأى مزارع الأنصار رأى طائراً يطير من نخلة إلى نخلة ومن شجرة إلى شجرة، فجلس يبكي ﵁ -وكان رجلاً حزيناً رقيق القلب، متأسفاً نادماً لما في قلبه من إيمان، ومن مخافة- فقال له الصحابة: يا خليفة رسول الله! مالك؟ قال: [[أبكي لهذا الطائر يطير من شجرة إلى شجرة، ويرد الماء ويرعى الشجر، ثم يموت لا حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً، فبكى الصحابة رضوان الله عليهم]].
стр. 2067
من صفات المتقين
هؤلاء هم الذين عرفوا تقوى الله ، وخافوه.
стр. 2068
بذل المعروف من صفات الأتقياء
أورد ابن القيم في روضة المحبين [[أن أبا بكر ﵁ لما تولى الخلافة كان يخرج من مسجد الرسول ﷺ بعد صلاة الفجر كل يوم إلى ضاحية من ضواحي المدينة، فيمكث في خيمة هناك منزوية في الضاحية ساعة ثم يخرج، قال عمر: لأتبعن اليوم أبا بكر، ما جهة خروجه، ولماذا يخرج؟ فأخذ عمر ﵁ يتبع أبا بكر، حتى وصل أبو بكر إلى تلك الخيمة، وهو لا يرى عمر وعمر يراه، فمكث ساعة في الخيمة ثم خرج منها، فلما خرج دخل عمر ﵁ إلى تلك الخيمة، فوجد فيها امرأة عجوزاً حسيرة كسيرة، عمياء، فقال لها عمر: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: أنا امرأة عجوز حسيرة كسيرة عمياء، لي أبناء وبنات وليس معنا كافل، مات أبونا ولا كافل إلا الله، قال: فمن هذا الشيخ الذي يدخل عليكم؟ - عمر يعرف أنه أبو بكر ﵁ وأرضاه- قالت: هذا الرجل لا نعرفه، يأتينا كل يوم فيكنس بيتنا، ويصنع فطورنا، ويحلب شياهنا، فجلس عمر يبكي ويقول: رحمك الله يا أبا بكر، أتعبت الخلفاء بعدك]].
إن لم يكن هذا وفاءً صادقاً فالناس في الدنيا بغير شعور
رحماك ربي هل بغير سجودنا عرف السجود لبيتك المعمور
أي جيل هذا الجيل؟! وأي طراز هذا الطراز الذي رباه محمد ﷺ ؟!
من أراد أن يتعرف على تقوى الله فليدرس حياة هؤلاء.
فالذي لا يعرف حياتهم، أو لا يدرس حياتهم، أو لا يعرف ما قالوه وما سطروه وما تركوه، سوف يبقى في جهل، وفي عماية وغواية؛ لأنهم خلفاء رسول الله ﷺ ، وأعرف الناس بالإسلام.
стр. 2069
حفظ اللسان من صفات المتقين
ولذلك أثر عن ابن عباس ﵁ في اللسان، أنه وقف على الصفا وأخذ يبكي ويمسك بلسان نفسه ويقول: [[يا لسان! قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]] فالذي أوصي نفسي وإياكم به هو تقوى الله في اللسان، وهو أعظم ما يتقى، فإن أعظم ما يصاب العبد بالذنوب والخطايا من اللسان فليتق الله العبد في لسانه، فلا يتكلم إلا بخير.
قال أحد التابعين: جلسنا مع عطاء بن أبي رباح ثلاثين سنة في الحرم ما كان يتكلم إلا بذكر الله أو بآيات الله، أو بأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو بحاجة لا بد منها، فقلنا له في ذلك، فقال: [[مالكم! أتنسون أن عليكم من يحفظ أنفاسكم ومن يسجل كلماتكم ويحاسبكم به أمام الله؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]]] فالله الله في حفظ اللسان.
تحفظ اللسان من اللعن والبذاءة والفحش، ومن الإسراف في المزاح الذي لا يرضي الله ، ومن كثرة اللغو بغير ما يرضي الله ، ومن الغيبة، والنميمة، والاستهتار والاستهزاء، خاصة بالأخيار، وبالعلماء، وبطلبة العلم، وبالدعاة، فإن هذا هو النفاق الظاهر الذي لا نفاق بعده.
стр. 2070
طيب المطعم من صفات المتقين
وتقوى الله كذلك في المطعم، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾.
أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، أي: أحسن هذا المطعم وليكن حلالاً يجيب الله دعاءك ، ولذلك ذكر ﷺ في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!﴾ أي: كيف يستجاب لمن مطعمه حرام؟ وكيف تقبل صلاته، وصيامه، وحجه، وعمرته، وذكره، وتلاوته للقرآن وقد أكل الربا، ولبس منه وتغذى به وشرى سيارته وبنى بيته بالربا!! وبه ربى أطفاله فأي عبادة هذه؟!
والرسول ﷺ يقول: ﴿لعن الله آكل الربا ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم في الإثم سواء﴾ فلما قال سعد: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، ثم قال ﷺ : اللهم أجب دعوته وسدد رميته﴾ يدعو لـ سعد بن أبي وقاص فاتح العراق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي حضرته الوفاة وهو في البادية، كما يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء، فلما أتته الوفاة قربت ابنته عائشة منه وأخذت تبكي، فقال لها: ابكي أو لا تبكي، والله إنني من أهل الجنة، فقال الذهبي: صدقت هنيئاً لك ومريئاً، نشهد أنك من أهل الجنة؛ لأن الرسول ﷺ شهد له أنه من أهل الجنة، ومع ذلك فكان دائماً طيب المطعم، خائفاً من الله وجلاً، فأجاب الله دعوته في أكثر من موضع.
следующие страницы →