Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
حفظ الجوارح طريق النجاة
يقول عقبة بن عامر أحد الصحابة للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! ما النجاة؟ -أي: ما هو الأمر الذي ينجيني من غضب الله، ومن سخط الله، ومن عذاب الله- قال: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾ وقال معاذ: ﴿يا رسول الله! ما هو العمل الذي يقربني من الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه -ثم ذكر له ﷺ الأمور التي تقربه من الجنة، وتنجيه من النار- ثم قال في آخر الحديث: ألا أدلك على ملاك ذلك كله، قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا -وأخذ بلسان نفسه- قال: أإنا لمؤاخذون يا رسول الله! بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم، أو قال: على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم﴾.
فنعوذ بالله من أضرار اللسان، ولذلك عرف الصالحون ضررها وعلموا أنه لا يمكن أن تكمل تقوى الله إلا باجتناب ضرر هذه اللسان.
يقول أحد التابعين: رأيت أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وقد أخذ بلسان نفسه، وهو يحاسب نفسه، ويقول: [[هذا أوردني الموارد]] أي: أوردني موارد الهلاك، هذا وهو أبو بكر الصديق صاحب القدم الثابت في الإسلام، والأول استجابة من الكبار، وصاحب الإنفاق في سبيل الله، وخليفة المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، الذي يُدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية.
لأن للجنة أبواباً ثمانية كما تعرفون، يقول ﵊: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، إلى آخر تلك الأبواب، فقال أبو بكر وهو بجانب الرسول ﷺ : يا رسول الله! أيدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية﴾ -انظر إلى الهمة العالية، انظر إلى طلب ما عند الله ، ولذلك هذه الهمة ليست بالأجسام، وليست بالمناصب، وليست بالأموال، ولكنها بالقلوب، همة تمر مر السحاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨]-فيتبسم ﷺ إعجاباً من هذا الرجل العظيم الذي يريد أن يدعى من الأبواب الثمانية، يريد أن يكون من المصلين ومن الذاكرين والمتصدقين ومن الزهاد والعباد والمجاهدين- فقال له ﷺ : ﴿نعم وأرجو أن تكون منهم﴾ أبو بكر ﵁ يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد في ترجمة أبي بكر ﵁، أثر عنه أنه دخل مزرعة رجل من الأنصار، دخل وهو خليفة يتنزه مع الناس ﵁ مع الصحابة، فلما رأى مزارع الأنصار رأى طائراً يطير من نخلة إلى نخلة ومن شجرة إلى شجرة، فجلس يبكي ﵁ -وكان رجلاً حزيناً رقيق القلب، متأسفاً نادماً لما في قلبه من إيمان، ومن مخافة- فقال له الصحابة: يا خليفة رسول الله! مالك؟ قال: [[أبكي لهذا الطائر يطير من شجرة إلى شجرة، ويرد الماء ويرعى الشجر، ثم يموت لا حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً، فبكى الصحابة رضوان الله عليهم]].
стр. 2067
من صفات المتقين
هؤلاء هم الذين عرفوا تقوى الله ، وخافوه.
стр. 2068
بذل المعروف من صفات الأتقياء
أورد ابن القيم في روضة المحبين [[أن أبا بكر ﵁ لما تولى الخلافة كان يخرج من مسجد الرسول ﷺ بعد صلاة الفجر كل يوم إلى ضاحية من ضواحي المدينة، فيمكث في خيمة هناك منزوية في الضاحية ساعة ثم يخرج، قال عمر: لأتبعن اليوم أبا بكر، ما جهة خروجه، ولماذا يخرج؟ فأخذ عمر ﵁ يتبع أبا بكر، حتى وصل أبو بكر إلى تلك الخيمة، وهو لا يرى عمر وعمر يراه، فمكث ساعة في الخيمة ثم خرج منها، فلما خرج دخل عمر ﵁ إلى تلك الخيمة، فوجد فيها امرأة عجوزاً حسيرة كسيرة، عمياء، فقال لها عمر: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: أنا امرأة عجوز حسيرة كسيرة عمياء، لي أبناء وبنات وليس معنا كافل، مات أبونا ولا كافل إلا الله، قال: فمن هذا الشيخ الذي يدخل عليكم؟ - عمر يعرف أنه أبو بكر ﵁ وأرضاه- قالت: هذا الرجل لا نعرفه، يأتينا كل يوم فيكنس بيتنا، ويصنع فطورنا، ويحلب شياهنا، فجلس عمر يبكي ويقول: رحمك الله يا أبا بكر، أتعبت الخلفاء بعدك]].
إن لم يكن هذا وفاءً صادقاً فالناس في الدنيا بغير شعور
رحماك ربي هل بغير سجودنا عرف السجود لبيتك المعمور
أي جيل هذا الجيل؟! وأي طراز هذا الطراز الذي رباه محمد ﷺ ؟!
من أراد أن يتعرف على تقوى الله فليدرس حياة هؤلاء.
فالذي لا يعرف حياتهم، أو لا يدرس حياتهم، أو لا يعرف ما قالوه وما سطروه وما تركوه، سوف يبقى في جهل، وفي عماية وغواية؛ لأنهم خلفاء رسول الله ﷺ ، وأعرف الناس بالإسلام.
стр. 2069
حفظ اللسان من صفات المتقين
ولذلك أثر عن ابن عباس ﵁ في اللسان، أنه وقف على الصفا وأخذ يبكي ويمسك بلسان نفسه ويقول: [[يا لسان! قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]] فالذي أوصي نفسي وإياكم به هو تقوى الله في اللسان، وهو أعظم ما يتقى، فإن أعظم ما يصاب العبد بالذنوب والخطايا من اللسان فليتق الله العبد في لسانه، فلا يتكلم إلا بخير.
قال أحد التابعين: جلسنا مع عطاء بن أبي رباح ثلاثين سنة في الحرم ما كان يتكلم إلا بذكر الله أو بآيات الله، أو بأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو بحاجة لا بد منها، فقلنا له في ذلك، فقال: [[مالكم! أتنسون أن عليكم من يحفظ أنفاسكم ومن يسجل كلماتكم ويحاسبكم به أمام الله؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]]] فالله الله في حفظ اللسان.
تحفظ اللسان من اللعن والبذاءة والفحش، ومن الإسراف في المزاح الذي لا يرضي الله ، ومن كثرة اللغو بغير ما يرضي الله ، ومن الغيبة، والنميمة، والاستهتار والاستهزاء، خاصة بالأخيار، وبالعلماء، وبطلبة العلم، وبالدعاة، فإن هذا هو النفاق الظاهر الذي لا نفاق بعده.
стр. 2070
طيب المطعم من صفات المتقين
وتقوى الله كذلك في المطعم، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾.
أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، أي: أحسن هذا المطعم وليكن حلالاً يجيب الله دعاءك ، ولذلك ذكر ﷺ في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!﴾ أي: كيف يستجاب لمن مطعمه حرام؟ وكيف تقبل صلاته، وصيامه، وحجه، وعمرته، وذكره، وتلاوته للقرآن وقد أكل الربا، ولبس منه وتغذى به وشرى سيارته وبنى بيته بالربا!! وبه ربى أطفاله فأي عبادة هذه؟!
والرسول ﷺ يقول: ﴿لعن الله آكل الربا ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم في الإثم سواء﴾ فلما قال سعد: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، ثم قال ﷺ : اللهم أجب دعوته وسدد رميته﴾ يدعو لـ سعد بن أبي وقاص فاتح العراق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي حضرته الوفاة وهو في البادية، كما يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء، فلما أتته الوفاة قربت ابنته عائشة منه وأخذت تبكي، فقال لها: ابكي أو لا تبكي، والله إنني من أهل الجنة، فقال الذهبي: صدقت هنيئاً لك ومريئاً، نشهد أنك من أهل الجنة؛ لأن الرسول ﷺ شهد له أنه من أهل الجنة، ومع ذلك فكان دائماً طيب المطعم، خائفاً من الله وجلاً، فأجاب الله دعوته في أكثر من موضع.
стр. 2071
استجابة الله لدعاء المتقين
وفي صحيح البخاري في كتاب الصلاة أن أهل الكوفة وكان هو أميرهم، اشتكوه إلى عمر، اشتكوا سعداً إلى عمر الخليفة، شكوه حتى في الصلاة، قالوا: لا يحسن أن يصلي بنا، فيقول سعد مندهشاً متعجباً من هذا الأمر: يا عجباً لبني أسد يعيرونني حتى في الصلاة وأنا أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا!! وصدق ﵁ فإنه هو وأمثاله من دعاة الحق الذين أدخل الله بهم كثيراً من الأمم في الإسلام، فلما وصلت الشكوى إلى عمر، أرسل عمر بعض الصحابة يستقصون الحقائق في العراق، فمروا بمساجد الكوفة مسجداً مسجداً، كلما سألوهم عن سعد أثنوا عليه خيراً ودعوا له بالخير، إلا مسجداً واحداً، مسجد بني عبس قام رجل اسمه أبو سعدة، فقال: "أما إن سألتمونا عن سعد فوالله إنه لا يعدل في القضية، ولا يحكم بالسوية، ولا يسير مع السرية" وقد ظلم سعداً في هذا الكلام، فقام سعد وقال: [[اللهم إن كان هذا الرجل قام كاذباً ورياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] فاستجاب الله دعوة الصادق سعد ﵁، لما علم صدقه وإخلاصه وإنابته لله ، فأطال عُمْر هذا الرجل.
يقول أحد الرواة اسمه عبد الملك: والله لقد رأيت هذا الرجل بعيني وقد طال عمره، حتى أصبح شيخاً كبيراً سقط حاجباه من الهرم على عينيه، وأصبح يتعرض للجواري في سكك الكوفة يغمزهن ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.
وفي سير أعلام النبلاء أن سعداً ﵁ صلى بالناس في الكوفة فلما خرج من المسجد رأى أناساً مجتمعين على رجل، قال: من هذا الرجل؟ قالوا: هذا الرجل يسب علياً بعد أن توفي علي، [[قال سعد ﵁: لا تسب أخي علي بن أبي طالب، قال: والله لأسبنه، فقال سعد: اللهم أكفناه بما شئت، قال أحد التابعين: والله ما فارقنا المكان إلا وقد ند بعير -جمل- فأقبل إلى الناس فتنحى الناس عنه فاقترب من هذا الرجل فضربه البعير بيده فأرداه قتيلاً في الأرض ونحن ننظر]] لأنهم صدقوا الله وعرفوا تقوى الله، والتمسوا رضا الله، فأجاب الله دعاءهم وأعطاهم ما تمنوا في الدنيا والآخرة.
نصرهم على أعدائهم وثبت الإيمان في قلوبهم، وكتب حبه في أرواحهم، وجعلهم خيرة الناس؛ لأنهم يتقونه ، يقول أبو هريرة ﵁: [[خرجنا مع العلاء بن الحضرمي في سرية أرسلنا فيها رسول الله ﷺ فتهنا وضعنا في الصحراء، فانتهى طعامنا ونفذ ماؤنا، فاستيقنا بالموت، حتى حفر بعضنا قبورهم، وجلسنا ننتظر الموت، ثم التفتنا إلى العلاء بن الحضرمي فقلنا: يا علاء! ادع الله لنا، فإن الله يجيب دعاءك، فرفع العلاء بن الحضرمي يديه وقال: يا عليَّ يا عظيم! يا حليم يا عليم! أغثنا، فقال أبو هريرة: فوالله ما كأنه انتهى من دعائه إلا وإذا بسحابة تغطي مخيمنا، وتهطل علينا، فتوضأنا وشربنا واستقينا واغتسلنا]].
هذا لأنهم عرفوا الله فلبَّى الله لهم ما سألوا، فتقوى الله تكون في المطعم الحلال أن يتقي الله الإنسان فيما يدخل بطنه فلا يدخل بطنه إلاَّ كل حلال طيب؛ ليقبل الله منه أحسن ما يعمل ويتجاوز عن سيئاته ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
وتقوى الله تكون في السمع والبصر، ولذلك يقول الإمام الشافعي:
لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعيناك إن أبدت إليك معايباً لقومٍ فقل يا عين للناس أعين
стр. 2072
وسائل تحصيل التقوى
والأمور التي تحصل بها التقوى قد تجمع في أربعة أمور:
стр. 2073
مراقبة الله
الأمر الأول مراقبة الله في السر والعلن:
وذلك بأن تجعل الله رقيباً عليك في سرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، وهو معك أينما كنت.
فهو مع الكافر والفاجر، معية إحاطة وإدراك، وهو مع المؤمن معية نصرة وتأييد وحفظ، ولذلك اتق الله الذي هو معك ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩].
فاجعل منه رقيباً ، اعبده كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا تعريف الإحسان الذي عرفه به محمد ﷺ في حديث جبريل الطويل.
واعلم أن المراقبة من أعظم ما يمكِّن التقوى في القلب خاصة في السر؛ لأن كثيراً من الناس يراقبون الله في العلانية، وإذا خلوا في السر تهتكوا بحرمات الله ولعبوا بحدود الله، فويلهم من الله.
جاء في سنن ابن ماجة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليأتين أقوامٌ يوم القيامة بحسنات كـ جبال تهامة، يجعلها الله هباءً منثوراً، قالوا: يا رسول الله! أليسوا بمسلمين هؤلاء، قال: بلى مسلمون، يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون، ولهم حظ في الليل ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾ فهؤلاء يجعل الله أعمالهم يوم القيامة هباءً منثوراً، ويوردهم موارد الظالمين نعوذ بالله من ذلك.
كان ابن مسعود ﵁ يقول: [[الله الله في السرائر! اللواتي هن خفيات على الناس، وهن عند الله بوادي]] أو كما قال.
يقول الأندلسي يوصي ابنه:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
هذا الأمر الأول المراقبة ودوام المراقبة.
стр. 2074
ذكر الله
الأمر الثاني: الذي أوصي نفسي وإياكم به؛ كثرة ذكر الله دائماً وأبداً، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٣٥] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] فذكر الله أكبر من كل شيء، وهو من أعظم ما تحصله الصلاة، فالله الله في ذكر الله!
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجلد العاشر من فتاويه، سأله أبو القاسم المغربي عن أعظم وصية توصيني بها، وعن أعظم عمل أعمله بعد الفرائض، وعن أجل كتاب بعد كتاب الله، وعن أحسن مهنة، قال: أما أعظم وصية فلا أظن أعظم من وصية الله للأولين والآخرين وهي تقوى الله، وهي التي وصى بها رسول الله ﷺ جيوشه ورسله حينما كان يرسلهم، كـ معاذ حينما قال له ﷺ -كما في الترمذي -: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ وأما أعظم عمل -يقول ابن تيمية: لا أعلم عملاً بعد الفرائض أعظم -وهو كالإجماع عند العلماء- من ذكر الله .
فليكن ذكر الله وردك -يا أخي المسلم- دائماً وأبداً، اذكر الله جالساً وقائماً وعلى جنبك وسفرك وفي حلك وترحالك وفي ليلك ونهارك؛ ليتولاك الله وليشرح صدرك للإسلام، وليحبب لك الطاعة وليكفر عنك سيئاتك، وليجتبيك وليلهمك رشدك، وليبصرك بحقائق هذا الدين, وليجعلك من الأخيار الأبرار، فعليك بذكر الله دائماً وأبداً.
ولذلك من فوائد التقوى أن الله يجعل للمتقي بصيرة وفرقاناً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] وقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] وقال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] فهذه الأمور كلها نتائج لتقوى الله.
стр. 2075
تدبر كتاب الله
الأمر الثالث الذي تحصل به تقوى الله: تدبر كتاب الله ، فأوصيكم وأوصي كل مسلم، ثم أوصي نفسي أولاً، بتدبر كتاب الله ، هذا الكتاب الخالد الذي أنزله الله شفاءً ونجاةً وهدايةً ونوراً؛ يجب أن نتدبره وأن نجعل لنا ورداً يومياً نقرؤه؛ حزب أو جزء لا يمكن أن نغادره، قال عز من قائل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ما لهم لا يتدبرون القرآن، ما لهم لا يتفهمون حقائق القرآن ليعرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، والضلالة من الهداية، وقال عز من قائل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقال ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فأوصي نفسي وإياكم بتدبر كتاب الله، ثم قراءة السنة المطهرة والسيرة الخالدة سيرة محمد ﷺ ، وكتب السنة كلها سيرة، ومن أحسن ما كتب في السيرة، كتاب زاد المعاد لـ ابن القيم ﵀، فليتدبر وليقرأ وليفهم، في العبادة والصلاة والحج، لأن حياته ﷺ كلها نور وهداية.
стр. 2076
الدعاء يعين على تقوى الله
الأمر الرابع مما يعين على تقوى الله : كثرة الدعاء، دائماً وأبداً، فعلينا أن نضرع إلى الله بالدعاء، يقول عز من قائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] فالدعاء الدعاء دائماً وأبداً ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] قيل لـ عمر ﵁: [[ما هي النجاة؟ قال: ما أعلم بعد رحمة الله كالدعاء]] فالدعاء هو النجاة بإذن الله، خاصة إذا صاحب الأوقات الفاضلة، كأدبار الصلوات وفي السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي آخر الليل لمن سهل الله له، وآخر ساعة من الجمعة ويوم عرفة، والأيام الفاضلة المشهودة في اجتماع الناس كهذا المجلس، الذي نسأله ، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يفتح علينا وعليكم، وأن يلهمنا رشدنا، إنه على ذلك قدير.
стр. 2077
مجالسة الصالحين
الأمر الذي ينبغي التنبيه عليه مما يعين على تقوى الله: مجالسة وصحبة وزيارة الصالحين، ومحبتهم والاستئناس بلقياهم فإنها من أعظم ما يعين على تقوى الله، كيف يتقي الله من يجالس الفجرة، ومن يحب المفسدين في الأرض؟! كيف يتقي الله من دائماً وقته مع كل معرض عن الله وكل فاجر في حدود الله ؟! ولذلك يقول علي ﵁ وأرضاه: [[يا أيها الناس تزودوا من الإخوان الصالحين فإنهم عون في الدنيا والآخرة، قالوا: يا أبا الحسن! أما في الدنيا فصحيح، ولكن الآخرة في ماذا؟ قال: أما سمعتم الله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فوصف الله المتقين بمفهوم أنهم أصدقاء وأنهم أعوان في الآخرة كذلك]].
يقول الشافعي في رسالة للإمام أحمد:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
فالله الله في محبة الصالحين، وفي الاستفادة منهم، وفي الجلوس معهم، وفي طلب دعائهم فإنه من أعظم العون في الدنيا والآخرة.
إخوتي في الله: لا أحب أن أطيل عليكم ولكنها وصيتي الجامعة بتقوى الله ، في السر والعلن وفي الحل والترحال، أن نتقي الله في أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا وفي قلوبنا وفي مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، وأن نتقيه في كل أمر ليكون الله سبحانه معنا، وليكفر عنا سيئاتنا وليتقبل منا أحسن ما كنا نعمل.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2078
الأسئلة
стр. 2079
أسباب الوحشة مع الله وعدم الخشوع في الصلاة وعلاج ذلك
السؤال
إني أحبك في الله، وأرجو الإجابة على ما يلي:
كثيراً ما يجد الإنسان بينه وبين ربه وحشة، فمن آثار هذه الوحشة، أن هذا الإنسان لا يخشع في صلاته ولا يملك الراحة النفسية في حياته، ما أسباب ذلك، وما علاجه؟
الجواب
أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، هذه الوحشة ترد على القلوب وهي تتفاوت تفاوتاً لا يعلمه إلا الله ، وأعظم وحشة في الحياة الدنيا وحشة الكافر، فإن وحشته لا أكبر منها ولا أعظم ولا أفحش، قال عز من قائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] ثم وحشة الفاسق وهو مجرم وإن كان مسلماً، لكنه متهتك في حدود الله، إن كان مسلماً في الجملة فإنه قد يكون مسلماً، لكنه قد يكون فاسقاً، يرتكب بعض الكبائر، ويصر على الصغائر فوحشته كذلك بعد وحشة الكافر، ثم الوحشة تتنوع بحسب قوة الإيمان وضعفه، فالأقوى أقل وحشة، حتى إن منهم من لا يجد وحشة أبداً، وهؤلاء الذين كتب الله الإيمان في قلوبهم، وأيدهم بروح منه.
فالوحشة التي تجدها -يا أخي- في بعض الأوقات هي من آثار الذنوب والخطايا، والمعاصي، أو كثرة المباحات، أو تجدها من الغفلة والفتور عن ذكر الله، وعلاجها يسير على من يسره الله عليه، أولاً: عليك بالمحافظة على فرائض الله ، وخاصة الصلوات الخمس بأركانها وركوعها وسجودها، وادع الله في أدبار الصلوات، وبين الأذان والإقامة في أن يفتح الله عليك، وأن ينور قلبك لذكره وأن يهديك سواء السبيل.
الأمر الثاني: عليك بكثرة ذكر الله لتنفي عنك الغفلة، لأن الوحشة من آثار الغفلة، وابن القيم يقول: إن من فوائد ذكر الله : أنه ينفي الغفلة عن العبد والوحشة التي يجدها العبد بينه وبين الله، فسبب الوحشة بينك وبين الله من المعاصي والمخالفات وترك ذكر الله هي قسوة القلب.
الأمر الثالث الذي أنصحك به: تلاوة كتاب الله وليكن أنيسك دائماً وأبداً واحفظ منه ما تيسر، وردد آياته، ورنم ما فيه من آيات ورتلها لعل الله أن يجعل لك أنساً بهذا الكتاب.
الأمر الرابع: جالس الصالحين كما سلف في الحديث وزرهم، واطلب دعاءهم، وأحبهم في الله ليكون هذا المؤنس.
والذي يورث الوحشة هي المعاصي وهي البعد عن الصالحين، وهي هجر كتاب الله ، أو التخلف عن بيت الله -المسجد- فهذه كلها أسباب الوحشة والهم، والحزن، والخيبة والندامة، واللعنة والغضب والسخط في الدنيا والآخرة، فنعوذ بالله من ذلك!
стр. 2080
حكم الغناء وغيره من الآلات وعقاب المغني يوم القيامة
السؤال
من الأمور التي ابتلي بها المسلمون وهي التي أزالت التقوى من القلوب هو الغناء، فنرجو منكم الإيضاح في حكمه، وغيره من اللهو، من الدف وغيره، وما الفرق بين الدف والطبل وما هو العقاب يوم القيامة للمغني والسامع لهذا الغناء، وهل هناك علاقة بين السماع للغناء وعدم الغيرة أي: الدياثة؟
الجواب
الغناء من أكبر ما ابتليت به الأمة ومن أكبر ما عرضت الفاحشة في الأمة، وهو بريد الزنا كما يقول أهل العلم، ولا يقع الإنسان في الزنا حتى يأخذ هذه الوسائل، سماع الغناء الكثير، وكله رخيص، والغناء الماجن يحبب الفاحشة من الغزل والعشق وذكر الأحبة، وهم في الحقيقة أعداء، والله ذكر هذه الجريمة في كتابه سبحانه فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] فاشتراء لهو الحديث قيل: هو الغناء، وقال: [[ابن مسعود ﵁ موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى رسول الله ﷺ : إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]] [[وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ لأبنائه: إياكم والغناء فوالله ما استمع الغناء مسلم إلا وقد أركبه الفاحشة]] فهو الذي يدل على الفواحش.
وأكثر ما ابتليت به مجتمعاتنا من الفواحش الكبار هي بأسباب هذه الأمور والوسائل التي جذبتها وجرتها إلى تلك الحفر الرديئة نسأل الله العافية!
وفي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليكونن أقوامٌ من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ قال أهل العلم: إنما قال يستحلون بعد التحريم، ومن المعازف العود والوتر والناي والطبل والدف وكل ما دخل في هذا، وإنما يباح الدف في صورة واحدة للنساء في الأعراس وأما الرجال فلا يباح لهم بحال، لا الطبل ولا الدف، وكيف يتقي الله سبحانه من يرقص قلبه على معصية الله ؟! والغناء حكمه التحريم، وهو الظاهر من كلام أهل العلم، فصاحبه آثم، وارتكب أمراً محرماً، وجزاؤه في الآخرة كما ورد في بعض الآثار أن يصب الله الآنك في أذنيه وهو الرصاص المذاب، وأن يحرمه الله غناء الحور العين في الجنة اللواتي ثبت في السنن وفي مسند أحمد: ﴿إن هناك في الجنة الحور العين ينشدن ويقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، طوبى لمن كنا له وطوبى لمن كان لنا﴾.
قال ابن القيم ﵀ في منظومته:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتهز أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات في الأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
فمن آثار الغناء:
أولاً: أنه يضعف الإيمان أو يلاشيه إلى النهاية.
الأمر الثاني: أنه يحبب الفاحشة ويحبب الزنا، ويحبب الجريمة والبعد عن الله.
الأمر الثالث: أنه يصد عن ذكر الله ، فصاحب الغناء والمستمع له لا يذكر الله كثيراً، وإن ذكره فإنما هو ذكر المنافق، يقول الله : ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].
الأمر الرابع: أنه يفتر عن طاعة الله ، ويجعل أنكد الأمور وأثقلها على المستمع للغناء الصلاة، وتلاوة القرآن.
الأمر الخامس: أنه يشعب القلب، ويورث فيه الهموم والأحزان، ويبتليه بمرض العشق وداء الوله والغرام، الذي يصاب به المنكودون المحرومون، المخذولون من طاعة الله ، ومن التلذذ بذكره .
الأمر السادس: أنه يحرم العبد لذة استماع الحور العين في الجنة.
الأمر السادس: أن الله يعاقب من استمع إلى الغناء في الدنيا بأن يصب في أذنه الآنك يوم القيامة، فنعوذ بالله من هذا الأمر، ونسأل الله أن يسلم الأمة وشبابها من هذه الجريمة إنه على كل شيء قدير.
стр. 2081
السبيل إلى معرفة الحكم الشرعي في أمر لم يعرف حكمه
السؤال
كثيراً ما يواجه المسلم في حياته مواقف وظروفاً لا يعلم الحكم الشرعي فيها، فماذا يعمل؟ وكيف يتصرف؟ هل يعمل ويتصرف مثلما يتصرف الناس وما اعتادوا عليه، ويقول مثلي مثل الناس؟
الجواب
نعم.
يمر الإنسان بظروف وبأزمنة وملابسات قد لا تطرأ على باله ولا يتهيء ولا يستعد لها، فما هو الحكم في هذه الحال والحل، قال السائل: هل يعمل بما يعمل به الناس أم ماذا يفعل؟ لا.
عليه في هذه الحال وفي هذه المسألة التي لا يعرف الحكم فيها أو الموقف أو الزمان أو ملابسة الحال أو القرينة، أو الظرف الذي يعيش فيه بثلاثة أمور:
الأول: أن يدعو الله أن يوفقه وأن يلهمه رشده، وأن يكثر من ذكر الله ، فإن من يدعو الله يوفقه سبحانه ويسدده، والدعاء كذلك بحفظ أوامر الله، فإنه إذا حفظ أوامر الله حفظه الله وألهمه رشده ووفقه، ومن الدعاء المطلوب في هذا الجانب أن يقول كما علم ﷺ علي بن أبي طالب كما في الصحيح قل: ﴿اللهم اهدني وسددني﴾ وقال حسين بن معبد: ﴿يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به، قال: قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي﴾.
يقول ابن تيمية ﵀: من أحسن ما يدعو به العبد الدعاء الصحيح كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ فعليه بالدعاء.
الأمر الثاني: عليه بالتفقه في الدين وليخصص من وقته ولو كان موظفاً أو تاجراً أو في أي مهنة أن يخصص من وقته أو من يومه بعض الوقت للسماع أو قراءة بعض الكتب الإسلامية التي تعين على التفقه في الدين، أو سماع الأشرطة الإسلامية وهو أعظم ما يعين كذلك، أو مجالسة أهل العلم، أو سؤال طلبة العلم والدعاة عن هذا الحكم.
الأمر الثالث: أنه إذا أشكلت عليه مسألة أن ينظر إلى أهل الخير وأهل الاستقامة والذين يلتمس فيهم الخير فليسألهم، أو يفعل كما يفعلون فإنهم إن شاء الله على خير وبصيرة، وخاصة إذا كانوا كثيرين، ولا ينظر إلى عامة الناس، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ويقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي أن الكثير ضالون، فلا ينظر إلى فعل الناس، وكثير من الناس يستدل على الجرائم والمعاصي إذا لابسها واقتحمها، قال: ذاك فعل الناس، أما ترى كيف يفعلون؟ وهذا ضال مضل، وهذا سخيف عقل، نعوذ بالله من ذلك، وهذا ليس له رشد؛ لأنه لو كان راشداً لنظر إلى الصالحين ولو كانوا قلة، ونظر إلى ما كان عليه الرسول ﷺ ، ونظر إلى الأفاضل من العلماء والأخيار، وما يتبع عامة الناس إلا جاهل مغرور بنفسه معجب برأيه، ونسأل الله أن يثبتنا وأن يثبت كل مسلم حتى نلقاه.
стр. 2082
التثاقل عن أداء الفرائض والنوافل
السؤال
ذكرتم آنفاً بأن هناك أموراً تستجلب التقوى، منها الصلوات المفروضات والنوافل، وهي الصلاة عموماً وصلاة الفجر خصوصاً وصلاة الوتر من الأمور النافلة، وحفظ كتاب الله ، هذه الأمور الثلاثة كثير من الناس يتكاسل أو يتثاقل عنها مع أنه حصلت له عدة محاولات لكي يواصل ويستمر عليها بدون انقطاع، فما هو العلاج لهذه الأمور لكي يستجلب هذه التقوى، وجزاكم الله كل خير؟
الجواب
ذكر الأخ في السؤال أموراً منها فريضة ومنها نافلة، فمثل صلاة الفجر فريضة، لا يعذر مسلم بتركها، ومن تركها فهو كافر، ومن ترك أداءها في الجماعة فهو فاسق مضيع مفرط يأثم وقد ارتكب أمراً محرماً، وأما الوتر فهو سنة مؤكدة لا يتركه ومن داوم على تركه فهو فاسق أيضاً، وحفظ القرآن على القدرة، وهو من أفضل الأعمال، فأما صلاة الفجر ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله! لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه في ذمته بشيء أدركه من أدركه وأهلكه﴾ فعلامة إيمان المؤمن الصلاة مع الجماعة في صلاة الفجر ومع بقية الصلوات، لكن كثيراً من الناس قد يصلي أغلب الفرائض ويترك صلاة الفجر في المسجد، وهذا علامة النفاق، قال ابن مسعود كما في صحيح مسلم: [[حافظ على هذه الصلوات الخمس فإنهن من سنن الهدى، وإننا كنا مع رسول الله ﷺ لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف]] فصلاة الفجر جماعة هي فريضة ولا تترك بحال، ومن يتركها تركاً فهذا كافر، وأما أن يصليها في بيته ففاسق نسأل الله العافية والسلامة!
فالمداومة عليها حفظ للنهار فمن داوم عليها في جماعة حفظه الله في يومه، قال بعض أهل العلم: يحفظه الله من الكبائر، فلا يصاب ذلك اليوم بكبيرة أبداً؛ لأن الله حفظه وسدده بسبب صلاة الفجر.
والوتر -بارك الله فيكم- لا يترك أبداً، وهو من أعظم الأمور، وآخر الليل أحسن أوقات الوتر، وإن لم يستطع العبد فعليه أن يوتر قبل أن ينام، كما قال ﷺ وهو يوصي أبا هريرة، يقول أبو هريرة ﵁ في الصحيحين: ﴿أوصاني رسول الله ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت، بركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر﴾ فعلى المسلم إذا لم يستطع أن يقوم آخر الليل أن يوتر قبل أن ينام، وأن يحفظ الله في هذه النوافل ليحفظه الله في الفرائض.
قال ابن المبارك ﵀: من تساهل في الآداب عاقبه الله بترك النوافل، ومن ترك النوافل عاقبه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، نعوذ بالله من الكفر!
وأما حفظ القرآن فهو من أجل الأعمال يقول عز من قائل: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ولكن قد يشق على كثير من الناس حفظ القرآن كاملاً فعليه أن يحفظ ما تيسر له، يقول الرسول ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄ في الترمذي: ﴿إن القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب﴾ فعليك -يا أخي في الله- أن تحفظ ما استطعت من كتاب الله، وأن تردد ولو جزءاً بسيطاً من القرآن وليكن غذاءك، وروحك، ودواءك، وشفاءك ليهديك الله سواء السبيل.
стр. 2083
مسلمو العصر ودخول أكثر من باب في الجنة
السؤال
إني أحبك في الله تعالى والسؤال هو: هل هناك أناس يستطيعون أن يدخلوا الجنة من أكثر من باب في هذا العصر الذي طغت عليه الماديات وإن لم يكن هذا الإنسان من العلماء؟
الجواب
نعم.
بارك الله فيك وفي كل مسلم، يستطيع كثير من المسلمين في هذا العصر أن يدخل في أكثر من باب من أبواب الجنة، لا لشيء إلا لكثرة أبواب الخير التي جعلها الله وأنزلها في كتابه وعلم بها رسوله ﷺ .
فأبواب الخير كثيرة، والصالحون ما انقطعوا أبداً بل إن الرسول ﷺ أخبر أن في آخر الزمان من يأتي أجره أجر خمسين من الصحابة ﵃؛ لكثرة الفتن والمشاغل والمشاكل وكثرة الأمور والجرائم التي أحدثها الناس والمفاسد، فهو لحفظه لدينه ومحافظته على أمر ربه؛ جعل الله أجره أجر خمسين من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فبإمكان كثير من الناس، ونعرف وتعرفون ونعلم وتعلمون، أن هنا من الأخيار والعباد من ليسوا بعلماء، ولكنهم من عبَّاد الله، حافظوا على الصلوات الخمس، أكثروا من صيام النافلة، أكثروا من ذكر الله ، زهدوا في الدنيا، كفوا أنفسهم عن المعاصي: عن الربا، والزنا، والغناء، والفحش.
حافظوا على أوامر الله ، تصدقوا وجاهدوا في سبيل الله، كفلوا أيتاماً، فتحوا مشاريع، هؤلاء يدخلون يوم القيامة أو يدعون، ولو أن الداخل يدخل من باب واحد ولكن يدعون من أكثر باب على حسب ما فعلوا، وابن القيم يقول في طريق الهجرتين: إن بعض الناس من المسلمين يفتح الله عليه من أبواب الخير، فمنهم من يفتح عليه من باب الذكر، ومنهم من يفتح عليه باب الجهاد، ومنهم من يفتح عليه باب العلم، فلا يشترط أن يكون أهل الخير كلهم علماء، الصحابة لم يكن فيهم إلا ثلة قليلة من العلماء، وفيهم العوام وفيهم العباد وفيهم الزهاد فكثير من الناس يدخلهم الله ولو في هذا العصر والعصر المتأخر بعد هذا العصر، أو يدعى يوم القيامة من كثير من أبواب الجنة نسأل الله من فضله إنه على ذلك قدير.
стр. 2084
حكم مجالسة شباب صالحين غير معينين على ذكر الله
السؤال
يعلم الله أني أحبك في الله: ولي سؤال: كما ذكرت أن من أسباب التقوى مجالسة الطيبين والصالحين، وسؤالي أني -ولله الحمد- أجالس مثل هؤلاء، ولكن منهم من لا يعين على ذكر الله، ومنهم من يستفزني ويسخر مني، فما حكم جلوسي مع هؤلاء وجزاكم الله خيرا؟
الجواب
أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، أما ذكرك أنك تجالس بعض الصالحين، ولكنك لا تجد فيهم العون، أو تجد بعض الاستهزاء، فهؤلاء من تقصيرهم في هذا الجانب، وأنت أبصر بنفسك، وأعلم بما يرتاح له قلبك، إن كان قلبك يرتاح بترك هؤلاء والجلوس معهم، وأن تجلس وحدك تتدبر كتاب الله وتقرأ كتب العلم وتستمع الأشرطة الإسلامية، فأنت وذاك، وهو أنفع لك لأنك أعرف وأنت فقيه نفسك، وإلا فاستبدل غيرهم من الصالحين؛ لأنه ليس كل الصالحين يفعلون ذلك، وهؤلاء الذين يستهزئون أو يعلقون أو يستهترون هذا من نقصهم ومن ذنوبهم وتقصيرهم، وإلا لو كانوا يريدون خيراً؛ كانوا شجعوك على الخير واستأنسوا بمجلسك، وحاولوا أن يفيدوك، فأنت بارك الله فيك عليك أن تفهم أو تعي أو تبصر ما هو الأفضل أو المفيد لقلبك والأريح لروحك.
وحلك إما أن تجلس وحدك إذا لم تكن تخاف من العزلة، لكن هذا إذا كنت تستغل العزلة، فإن كثيراً من الشباب قد يستفيد لوحده أكثر مما يستفيد من الناس، وإن كنت تخاف على نفسك من العزلة، وأن الشيطان قد يحاصرك أو تستوحش؛ فعليك أن تبحث على إخوة آخرين، فإن الله قد كثر من الخير، ولن تعدم الأخيار إذا التمستهم، ولم تعدم أمة محمد ﷺ من الأخيار، فعليك أن تبحث عنهم وتجلس معهم؛ خاصة من عنده علم ويستفيد من الوقت، ويستغل الساعات والدقائق فيما يقربه من الله ونسأل الله أن يثبتنا وإياك حتى نلقاه.
стр. 2085
حكم قراءة الإمام من المصحف في الفرض
السؤال
هل يجوز قراءة الإمام من المصحف في صلاة الفرض، وماذا يقول الرجل إذا تثاءب في الصلاة، هل هناك ذكر معيّن أثناء التثاؤب في الصلاة؟
الجواب
أما قراءة القرآن من المصحف للإمام أو للمأموم في الفريضة فليست جائزة وليست واردة، والرسول ﷺ لم يسن هذا أو لم يجوز هذا ولا أحد من أصحابه فيما أعلم، وما فعله أحد من الناس؛ بل في سنن أبي داود: ﴿أن رجلاً سأل الرسول ﷺ ماذا يقرأ فأخبره قال: اقرأ ما تيسر معك من القرآن، قال: فإن لم أستطع -وفي لفظ- لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله﴾ فلو كان جائزاً لنبه على جوازه ﵊ أو لذكره بعض أهل العلم أو بعض الصحابة، أما في النافلة -أذكره للفائدة ولو أنه لم يرد في السؤال- فإنه يجوز في النافلة أن يستصحب المصحف.
ذكر ابن حزم في المحلى أن عائشة ﵂ كان يؤمها مولاها ذكوان في المصحف فلا بأس بأخذه في النافلة.
وشق السؤال الآخر: إذا تثاءب ليس هناك ذكر في الصلاة، ولم يسن الرسول ﷺ ذكراً مخصصاً للتثاؤب؛ فعليه أن يضع يده على فمه، وأن يكظم من نفسه ليس إلا، في الصلاة أو في خارج الصلاة وليس هناك ذكر.
стр. 2086
كتاب الفتح الرباني
السؤال
ما رأيكم في كتاب الفيض الرحماني لمؤلفه عبد القادر الجيلاني، وهل يجوز الدخول بالأشرطة التي فيها القرآن إلى دورات مياه -أجلكم الله- أفيدونا مأجورين؟
الجواب
أنا أعرف أن الكتاب اسمه الفتح الرباني ليس الفيض الرحماني إلا أن يكون في طبعة حُرِّفَ اسمه، فـ الفتح الرباني هذا هو مواعظ، والشيخ عبد القادر نفسه من المشايخ الذين يحبون في الله، وهناك كلمات وردت منه نتوقف عنها؛ لأنه لم يسندها الكتاب ولا السنة، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر ﵊ فهو المعصوم، فهذا الكتاب عليه أن يقرأه إن استطاع، وإن وجد غيره فهو أفيد، فأنا وجدته وقرأته ولم أجد فيه كثير فائدة، إنما هو مواعظ ورقائق وكثرة كلام لم يسندها بأحاديث ولا بآيات، وفيها كثير من كلمات الصوفية كالحال والمقام والشاهد والفناء، ونحن في غنية فيما عندنا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أما الشيخ عبد القادر فقد مدحه ابن تيمية في كثير من كتبه وشرح له كلمات، لكن على الشاب أن يستغني بغير هذا الكتاب من كتب أهل العلم ككتب ابن تيمية، بعد الكتاب والسنة وكتب ابن القيم وكتب ابن كثير، فإن فيها الفائدة المرجوة والنفع التام بإذن الله.
وأما أشرطة التسجيل التي فيها قرآن فالظاهر عدم جواز الدخول بها في دورات المياه، هذا في وقت قضاء الحاجة يعني في المكان التي تقضى فيه الحاجة، أما دورة المياه إذا كانت مفتوحة وواسعة ولها مكان فله ذلك، إذا كان يجدد لا يدخل في نفس الدورة التي يقضى فيها الحاجة، لأنه يجب أن يحترم كتاب الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] فلا يجوز أن يمتهن كتاب الله ، لا في شريط ولا في ورقة ولا في مصحف، ولا يترخص في ذلك مسلم.
стр. 2087
حكم لعن الكفار عامة ولعن أحدهم خاصة
السؤال
ما حكم لعن الكفار، وما حكم التخصيص في لعن أحدهم ما دام حياً وهو لم يدخل في دين الله ، أي أنه ما زال كافراً؟
الجواب
أما لعن الكفار على الجملة فهذا وارد، ألا لعنة الله على الكافرين، ولعنة الله على الكاذبين، وأما على التخصيص في الأعيان فالأولى ترك ذلك؛ لأن الله قد يتوب عليه أو يهديه، وإلا فقد لعن ﷺ بعض أعيان الناس من الكفار، وبعض أهل العلم يقول بجواز لعن الكافر بعينه، إذا لم يدخل في دين الله وعلمنا كفره الظاهر، وأنه شاهر بكفره وأظهره، ولكن الأولى والأورع للمسلم ألا يلعن الكافر على الخصوص أي بعينه، ويتوقف عن ذلك، وأما على الجملة فيلعنون.
стр. 2088
تعارف المتقين في الجنة وتزاورهم
السؤال
المتقون هل يعرفون بعضهم بعضاً يوم القيامة، إذا اجتمعوا في مثل الحياة الدنيا، وكيف يستطيع المؤمن أن يزور من هو أعلى منه درجة في الجنة؟
الجواب
المتقون يتعارفون في الجنة يوم القيامة، ويجلس بعضهم مع بعض ويتزاورون، ودلت على ذلك آيات كثيرة منها قوله في الصافات: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢] وأقبل بعضهم على سرر، فهذا من النعيم أنهم يتزاورون ويتواصلون، ويعرف المسلم أهله في الجنة، وأقاربه، وأخواله، وأعمامه، وأنسابه، وأصهاره، وأصدقاءه في الحياة الدنيا، يقول عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] فمن تمام النعمة على هؤلاء أن يجمع الله للرجل أهله وكل من يريد في الجنة، وأن يقاربهم على اختلاف في الدرجات، وهم يتزاورون؛ لأنه لا يتم نعمة بعض الناس إذا كان أهله في مكان وهو في مكان، إلا إذا كانوا كفاراً أو مشركين من الذين استوجبوا دخول النار، فهذا أمر آخر، أما لو كانوا في الجنة فإن الله يجمع كل قرابة، فيتزاورون، ويتجالسون، ويتذكرون أيامهم في الدنيا؛ وكنا نرى كذا، أما رأيت يوم فعلنا في الدنيا كذا وكذا، كما يعيشون هذه الأيام، وهذا من تمام النعيم بأنهم بعقولهم وبإدراكاتهم، ويتذكرون أيامهم في الدنيا.
وأما إذا اختلفت الدرجات فإن الله قد يلحق بعض الصالحين بأقاربه أو بأهله، فيرفع هذا إلى درجاتهم مناً من الله قاله بعض أهل العلم: إذا كانوا من أهل الجنة، وليسوا من أهل النار فيدخله الله الجنة بسبب أهله، ولا ينفع هذا إن كان من أهل النار.
إنما يكون في الجنة لكن أقل درجة، كما قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور:٢١] بإيمان شرط أن يكون هذا التابع مؤمناً: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] أي رفعناهم معهم وجمعناهم معهم: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] فتدخل الجنة برحمة الله ، ولكن الدرجات بالأعمال الصالحة في الدنيا، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يجعلنا من وُرَّاثها في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 2089
التفكر في آيات الله تعالى
القرآن يطالبنا بالتفكر في آيات الله تعالى في خلقه وتكوينه في صفاته وأفعاله، وضرب الأمثال السابقة لتتعظ الأمم اللاحقة فيا ترى كيف يتفكر الإنسان؟ وبماذا؟ ولماذا؟
وما هي دعوة إبراهيم، وكيف عذب الله قوم سبأ، وأبدلهم بعد النعمة عذاباً، وبعد الرخاء شدة وشقاءً.
стр. 2090
التفكر سبب لمعرفة الله
الْحَمْدُ لِلَّهِ القائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٤] والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً﴾ أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراًَ.
стр. 2091
أول أمر للنبي ﷺ هو الأمر بالتفكر
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! كانت أول كلمة أنزلت على رسول الله ﷺ هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١].
والخطاب للرسول ﷺ ، وكيف يقرأ الأمي الذي لم يكتب ولم يقرأ؟ ولم يتعلم ولم يخط بيمينه خطاً، وأصبح في الأربعين من عمره ثم تأتيه كلمة اقرأ؟! فكأن الله يقول له: اقرأ في كتاب الكون المفتوح، وفي آيات الله المعروضة، والشمس الساطعة، والنجوم اللامعة، في الجدول والغدير، وفي الماء النمير، وفي الشجيرات، والحيوانات، اقرأ في كل آية تمر بك في المخلوقات.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فقرأ ﷺ في آيات الله، فكان يخرج فيتفكر، ويتأمل، ويبكي ﷺ من آيات الله، والله يقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١]
ترون العجائب، ترون أدلة التوحيد القاطعة، ترون كل شيء يتحدث عن عظمة الله، الزهرة تحدثكم عن الله، الطائر بجناحيه في الفضاء يحدثكم عن الله، والشجرة في الغابة تحدثكم عن الله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [يونس:١٠١] ويقول ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُ﴾ [فصلت:٥٣] يريهم كل آية ليعرفوا أن لا إله إلا الله، ويعرض أمامهم كل مخلوق؛ ليعلموا أن لا إله إلا الله، ويخلق من الآيات البينات على مر السنين؛ ليعلموا أن لا إله إلا الله، يقول جل وعز: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠].
أفلا ينظر أهل الصحراء إلى الإبل وهم يحملون عليها، من خلقها وأبدعها؟ من سواها وزينها؟ من أحياها متحركة على أربع؟
ثم ألا ينظرون إلى السماء، وهم عاشوا مع السماء، وعاشت السماء معهم، والسماء في الصحراء لها طعم ومذاق، فكأنه لا سماء إلا في الصحراء، السماء حين تخلو بها في ليلة من ليالي القمر؛ ترى فيها آيات الله الواضحات، أليس هذا دليلاً على قدرة القدير؟
قيل لأعرابي من البادية: [[أعرفت الله؟ قال: إي والله، قالوا: فبماذا عرفته؟ قال: عجباً لكم! الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، وأرض ذات فجاج، وليل داج، ألا تدلان على السميع البصير]] كل آية تدلل على أنه موجود.
قيل للإمام الشافعي: اعرض لنا من آيات الله - وكان بجانبه صنوبر- فأخذ ورقة منها، وقال: [[هذه الورقة تأكلها النحلة فتخرج عسلاً، وتأكلها دودة القز فتخرج حريراً، وتأكلها الغزال، فتخرج مسكاً، أما تدل على الله الذي بيده كل شيء]].
يقول الأمريكي " كريسي موريسون " في كتابه" الإنسان لا يقوم وحده -والحق ما شهدت به الأعداء- يقول: يا للعجب! النحلة تهاجر تطلب رزقها من وراء آلاف الأميال، فإذا امتصت رحيق الأزهار عادت مهاجرةً مرةً ثانيةً إلى خليتها دون أن تضيع ولا تضل، ربما يكون لها ذبذبات توحي إليها بخبرها، ثم يقول: لست أدري.
فإذا لم يدر هو، فنحن ندري والحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٦٨ - ٦٩] أفلا يكفي دليل النحلة على وجود الله ؟!
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً، وقل للشهد: من حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله الجليل لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاكا
стр. 2092
التفكر موصل للخشية
في كل شيء لله آية، يقول: تدبروا، وتفكروا في آيات الله، وفكر لا يرزق خوفاً من الله فليس بفكر، ولذلك كان أعظم مراقي التوحيد، وأعظم مقامات العبودية هو: الخوف من الله وكان أخوف الناس من الله هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كل شيء اقتربت منه أمنته إلا الله، فكلما تعرفت عليه خفته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
يقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] بعد إخباته إلى الله، وإنابته إلى الحي القيوم يقول من مقام الخوف: أطمع طمعاً شديداً من الله أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، ولا يجزم جزماً.
ويقول يوسف ﵇، بعد أن ملك مصر، وبعد أن جمع مالها وكنوزها، قال وهو يبكي في آخر عمره: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] أقصى أمانيه وأعظم ما يرجو أن يلحقه الله إلحاقاً بالصالحين.
واستعرض سليمان ﵇ قواته وجيوشه من الجن والبشر، ومن الطيور والزواحف، فلما رآها ملأت البر؛ سجد وبكى وقال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
فالشاهد: أن تفكيراً وتدبراً لا يهديك إلى الخوف من الله، فليس بنافع ولا مفيد، وقد كان ﷺ من أخوف الناس لله، يقول أبو ذر ﵁: ﴿نمت عنده ﷺ ليلة من الليالي، فقام يقرأ، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم بكى، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم بكى، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم ارتفع صوته، وقال: ويل لمن لم يرحمه الله﴾.
ويقول عبد الله بن الشخير ﵁: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ ، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ -والمرجل: القدر إذا استجمع غلياناً- وهو يبكي من معرفته لله ﵎، وكان يحدث الناس عن الله -دائماً- وآياته، ويناديهم بالتزود والقدوم على الله، ويخبرهم أنهم مراقبون من الله، فالله معنا دائماً، وهو فوقنا، ؛ يسجل حسناتنا وسيئاتنا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وإذا خلوت بريبة في ظلمة: لا يراك إلا الله، ولا يسجل حركاتك وسكناتك إلا الله.
والنفس داعية إلى الطغيان: تريد الاقتحام على المعصية
فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
فأعظم مقامات التوحيد عند أهل السنة والجماعة هو: التفكر، ثم الخوف من الله الجليل.
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
حضرت الوفاة أبا بكر ﵁، فدخلت عليه ابنته عائشة ﵂ وأرضاها، فقالت: يا أبتاه! صدق الشاعر:
لعمرك ما يغني النزاء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
]]
فغضب، ونظر إليها، وقال: [[بل كذب الشاعر، وصدق الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٨ - ٢١]]].
فهذا أبو بكر الذي قدم للإسلام كل شيء، فالإسلام كأنه أبو بكر، وكأن أبا بكر هو الإسلام، وكما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد: دخل مع الصحابة، ليتنزهوا في بستان من بساتين المدينة، فرأى طائراً على نخلة، فبكى، فقال الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: أبكي لهذا الطائر، يأكل من الشجر، ويرد الماء، ويموت، ولا حساب ولا عذاب، فبكوا رضوان الله عليهم.
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء
قام هارون الرشيد فحلى قصوره، وزين دوره , وجمع الناس في مهرجان، ثم أدخل عليه الناس أفواجاً أفواجاً، فأتى أبو العتاهية الشاعر الزاهد، فقال له هارون: أمدحت هذا اليوم المشهود؟ قال: نعم.
مدحته، قال: وماذا قلت فيه؟ قال: قلت:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
قال: ثم ماذا؟ قال:
يجري عليك بما أردت مع العشية والبكور
قال: ثم ماذا؟ قال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
قال: ثم ماذا؟ قال:
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
فبكى هارون الرشيد حتى أغمي عليه، وأمر بالزينة أن تخلع.
فيا عباد الله: أعظم المقامات: التفكر في أسماء الله وصفاته، وفي آياته وأيامه، وفي دلائل وحدانيته في الكون، ثم الخوف منه .
وما ارتفع أصحاب محمد ﷺ إلا بتدبر آيات الله، والتفكر في دلائل وحدانية الله، والخوف من الله .
يقول علي ﵁: [[لا يخافن أحدكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه]] وكانوا ﵃ دائماً يشعرون برقابة الله، ووحدانيته، ويخافونه .
يقول: أسلم مولى عمر: [[خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، بعد أن انتصف الليل، فقال لي: يا أسلم! الحقني فإني أتفقد الناس]] هذا في عام المجاعة -عام الرمادة- يوم أن جاع الناس فجاع عمر معهم، ويوم أن تعب الناس تعب عمر معهم، ويوم أن سهر الناس وسهر عمر معهم.
حسب القوافي وحسبي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها
فمن يضاهي أبا حفص وسيرته ومن يحاول للفاروق تشبيها
لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى، فأشريها؟
خرج ﵁ عام الرمادة، يوم أن وقف يوم الجمعة على الناس، فبكى وأبكى، وسمع قرقرة بطنه، فقال: [[قرقر، أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
أيها المسلمون: عباد الله! انظروا إلى اليهود، وهم أنصار القردة والخنازير، كيف يهاجرون إلى فلسطين! متعاونين متساعدين، متآخين على حرب المسلمين، وانظروا إلى الشيوعيين وأذنابهم، كيف يقومون جبهة واحدة ضد المسلمين، من أفريقيا وآسيا، وروسيا جبهة متآخين لصد زحف الإسلام المقدس، ونحن شيع وأحزاب، أفكار وآراء، الجار يحقد على جاره، والمسلم يغتاب أخاه المسلم، والأعراض تنتهك في المجالس.
فهل هذا دين؟! وهل هذا نصر، أو ظفر؟!
إن كيد مطرف الإخاء فإننا نسري ونغدو في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2093
لوازم المحبة في الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:
أيها الناس: إن من لوازم المحبة في الله، والأخوة فيه :
стр. 2094
النصيحة
النصيحة، النصيحة لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
يقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه: ﴿قدمت على رسول الله ﷺ ، فقلت: بايعني يا رسول الله! قال: أبايعك على شهادة أن لا إله إلا الله, وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، قال: فبايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، فوالله ما لقيت مسلماً إلا نصحته﴾.
[[وكان جرير ﵁ إذا بايع رجلاً قال له: اختر في السلعة والثمن، فإني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم]].
[[شرى فرساً بأربعمائة درهم، فلما ذهب الرجل وأخذ الدراهم - البائع- قال جرير: عد، فعاد الرجل، قال: أتريد أن لك بفرسك خمسمائة درهم، قال: نعم، قال: وستمائة، قال: نعم، قال: وسبعمائة، وثمانمائة، قال: نعم، قال: خذ ثمانمائة، فإني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم]].
وروى الإمام أحمد بسند جيد في مسنده، عنه ﷺ أنه قال: ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لوجه الله - وفي لفظ: لله- ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم﴾.
يقول ابن تيمية كلاماً ما معناه: يجب الاعتناء بهذا الحديث وفهمه، فهو جزء من عقيدة أهل السنة والجماعة، أن نوالي من والى الله، ونعادي من عادى الله، ونحب من أحب الله، ونبغض من أبغض الله، سواء وافقنا على فرعيات الآراء، أو خالفنا، سواء اجتهد، أو لم يجتهد، وقلَّد أو لم يقلد: فإن هذه أمور لا تمت إلى الولاء والبراء بشيء من الخدش، بل يبقى الولاء والبراء لله ولرسوله وللمؤمنين.
стр. 2095
الدعاء بظهر الغيب
ومن لوازم الأخوة: الدعاء بظهر الغيب، أن يدعو بعضنا لبعض في السحر، وأدبار الصلوات، فإن من صفاء القلب، وطمأنينة النفس: أن يدعو المسلم لإخوانه المسلمين، ويبلغ الحسد والغضب والضغينة، ببعض الناس، أن يحرم المسلمين من دعائه، وهو المحروم ليس هم؛ لأن الله سوف يرحمهم بدعوات الآخرين من غيره، لكنه أحرم نفسه فضلاً عظيماً، فقد ثبت في الحديث: ﴿إن المسلم إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال له الملك: ولك بمثل ذلك، ولك بمثل ذلك، ولك بمثل ذلك﴾.
стр. 2096
كظم الغيظ والتسامح والعفو
ومن لوازم الأخوة في الله: كظم الغيظ والتسامح والعفو، يقول الله- ﵎: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
ذكر ابن كثير عن هارون الرشيد: أنه كلف خادماً له أن يصب عليه الماء، فصب عليه ماءً حاراً، ثم أطلق الإناء من يده، فوقع على رأس هارون الرشيد -وهو خليفة- فغضب غضباً شديداً، وقد تغير لونه من الماء الحار، فقال له الخادم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: قد كظمت، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ قال: عفوت عنك، قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أعتقتك لوجه الله الحي القيوم.
هذا هو الوقوف مع القرآن وتطبيق أحكامه في الحياة، وهذا هو المطلوب منا تجاه هذا الكتاب العظيم.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراًَ﴾ اللهم صل على نبيك وخليلك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، برحمتك يا أرحم الراحمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وآخ بين قلوبهم، وأزل الفرقة عنهم يا رب العالمين، واجمع شتاتهم، واجعل كلمتهم واحدة، إنك على كل شيء قدير.
اللهم اصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك يا أكرم الأكرمين.
اللهم انصر المجاهدين الأفغان، اللهم ثبت قلوبهم، وأيدهم بنصر منك، وأنزل السكينة عليهم، اللهم اهزم وشرد أعداءهم، ومزقهم كل ممزق، واجعلهم غنيمة للمسلمين، يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين , والحمد لله رب العالمين.
стр. 2097
قصة سبأ آيات لكل صبار شكور
الحمد لله حمداً، والشكر لله شكراً، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الصادق الأمين، أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فعليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أمَّا بَعْد:
عباد الله: يقول الله ﵎ في محكم كتابه العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٥ - ١٩].
ينتقل بنا القرآن الكريم إلى مدينةٍ من مدن اليمن، قريبة من صنعاء ليتحدث لنا عن أهلها وما كانوا فيه من نعيم، فقد كانوا في رغدٍ من العيش كما نحن اليوم نكون، وكانوا في بسط وفي أمن وسكينة، وفي راحة وطمأنينة.
وكان لهم سد أرسل الله عليهم الأمطار الغزيرة ليمتلئ بها هذا السد فيختزن كميات هائلةٍ من الأمطار يصرفونها عن طريق الري والصرف في مزارعهم، وأنبت الله لهم من كل زوجٍ بهيج: من الأشجار اليانعة والأعناب والنخيل والحبوب، حتى قال أهل التفسير: كانت المرأة من نسائهم تذهب بالمكتل على رأسها فتمر من تحت تلك الأشجار المثمرة فيمتلئ هذا المكتل من كثرة ما يتساقط فيه من الثمار، وكان عذق النخلة لا يحمله إلا الفَرَسان من عظمته ومن كثرة ما فيه من الثمار، وكانت المياه صافية، وكان الأمن والسكينة الرغد، وكانت بحبوحة العيشِ كما نعيش فيه نحن الآن.
لكن أهل هذه القرية وسكانها أعرضوا عن أمر الله، وكفروا نعمته، فقابلوا الجميل بالقبيح، وفعلوا المعاصي، وفشا فيهم المنكر فما نهوا عنه ولم يأمروا بالمعروف، وسكت الجميع على الفعل القبيح، وتمردوا على رسالة الله، فسلط الله عليهم حشرة من أضعف حشراته ، فأراً واحداً فنقب هذا السد المنيع الهائل المتين، وأتى الماء مع هذا النقب وانهدم هذا السد وفي الأخير بُدِّلوا بعد النعمة نكداً، وبعد الرخاء ضيقاً، وبعد الخصب والمطر والسكينة والأمن فقراً وسخطاً ولعنة، فتفرق أهالي سبأ: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩] خرج الغساسنة إلى الشام، والمناذرة إلى العراق، والأزد إلى عمان، والأوس والخزرج إلى المدينة، وخزاعة إلى مكة؛ لأنهم لم يشكروا نعمة الله، واسمعوا السياق وعيشوا مع الآيات.
يقول جل ذكره:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ:١٥] آيةٌ على أن هناك إلهاً، وأن هناك رباً يجب أن يعبد: ﴿آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥] كان لكل إنسانٍ منهم عند بيته جنة -بستانٌ عظيم عن يمين بيته وعن شماله- يقطف الثمار ويأخذ المحصول في أمنٍ وراحةٍ وسكينةٍ وطمأنينة.
ثم قال لهم الله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ:١٥] فالنتيجة لهذا الرزق هي الشكر وإظهار النعمة لمسديها ، واستعمالها فيما يقرب العبد من الله ﵎، لا أن نقابلها بالكفر والجحود، والمعصية والجريمة والتبجح على الله وعلى شرعه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
الذين إن مكناهم بالمال والتأييد، وبالصحة والأمن، وبرغد العيش، وبالسكينة والطمأنينة في بلادهم وأوطانهم وأجسامهم وأولادهم وبيوتهم ماذا يفعلون يا ترى؟ هل يرقصون ويغنون ويطبلون؟ هل يعصون ويقترفون المعاصي ويخرجون على حدود الله؟ لا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
وانظر إلى التعقيب في آخر الآية بقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] إليه يرد العمل فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].
بلدةٌ ذات رخاء، مساكن كثيرة وأمطار غزيرة، وأرزاق وفيرة.
بلدةٌ طيبة، تأتي إليها الثمرات من كل مكان، كما تأتي الثمرات إلينا وإلى بلادنا في هذا الزمان من كل دولةٍ من دول الأرض، اشكروا لله ولا تكفروا نعمة الله، ولا ترضوا بالمعصية بينكم، ولا تتعدوا حدود الله، وتنتهكوا حرماته.
ربٌ غفور: يغفر السيئة ويقبل التوبة، ويستر الخطيئة، ويرضى بالقليل، ما أحسن هذا النعيم الذي نعيشه كما عاشه، أهل سبأ! بلدةٌ طيبة: من أرغد شعوب الأرض ومن آمن بلاد الأرض.
وربٌ غفور: يدعونا صباح مساء لأن نستغفر ونتوب، يدعونا كل يومٍ أن نشكر.
وهذا على الإيهام والتهويل والإجمال أعرضوا هكذا، فهم أعرضوا عن شريعة الله، كما أعرض كثيرٌ منا اليوم! أعرضوا عن رسالة التوحيد، كما أعرض كثيرٌ منا اليوم!
أعرضوا عن كتاب الله كما أعرض كثيرٌ منا اليوم!
فتجد الكثير -إلا من رحم الله- أعرض عن كتاب الله إلى المجلات الخليعة السافرة الداعرة، والكتب المتلوثة بالأفكار السيئة، وأعرض عن بيوت الله إلى مجالس اللغو ومجالس التهتك والجريمة، وأعرض عن منهج الله إلى منهج الشياطين ودعاة الإلحاد، وأعرض عن سماع ذكر الله إلى سماع الأغاني الرخيصة الماجنة.
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٦] ثم سكت الخطاب فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] هذا هو التأديب لمن لم يتأدب، وهذا هو الجزاء لمن لم يشكر النعمة، وهذا هو النكال، وينوع ﵎ في التأديب، يقول : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
أرسل الله عليهم السيل فدمر سدهم، وأهلك محصولهم، وعاث ببساتينهم وحدائقهم، فتفرقوا في الأرض.
بكى الأطفال وهم يسافرون ويرون الرحيل من بلادهم الآمنة، وبكت النساء وهنّ ينظرن إلى الخراب والإبادة والتدمير التي حلت بأوطانهم وكأن الخطاب يعنينا نحنُ على لسان القائل:
إياك أعني واسمعي يا جارة.
وما فائدة هذا الخطاب إن لم نتدبر ونتعظ وقد ذهب أهل الخطاب.
انظروا إلى جيراننا الذين أعرضوا عن منهج الله ورسالته، كيف سلط الله عليهم التدمير والإبادة، ينامون على أصوات الصواريخ، ويستيقظون على صيحات المدافع، تتساقط قصورهم على رءوسهم، وتتباكى نساؤهم في شوارعهم، ويموت أطفالهم أمام عيونهم لأنهم تلبسوا بالجريمة، ولأنهم لم يشكروا النعمة، ولأنهم ما عرفوا الله، فلقنهم الله دروساً قاسيةً لا ينسونها مرةً ثانية، يعيشون الخراب والدمار، ويعيشون العذاب والويل، ويعيشون الجوع والتمزق.
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبأ:١٧] هم الذين أساءوا وما أسأنا نحنُ، وهم الذين ردوا على الجميل بالقبيح، وهم الذين كفروا النعمة، وهم الذين تسببوا في هذا التدمير والإبادة، فأعرضوا ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧].
ثم عاد ليذكرنا بصورٍ من صور النعمة التي عاشوها: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً﴾ [سبأ:١٨] حتى أن أسلوب المواصلات كان ميسراً في عهدهم، يتصلون بمدنهم وقراهم في أيسر وقت وأسهله، في أمانٍ وطمأنينة كما نتصل نحن اليوم بأسباب المواصلات في أمن ورغدٍ من العيش:
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] لا تخافون، دماؤكم محقونة، ومساكنكم مأمونة، وأموالكم محفوظة، كما نعيش اليوم:
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] كأنهم بأفعالهم دعوا على أنفسهم، وإذا رأيت العاصي والمجرم ينتهك حدود الله فكأنه يقول لله: يا رب! نكل بي، ويا رب! عذبني، ويا رب! أبعدني عن ساحتك! قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ:١٩] ما ظلمهم الله، وما اقترف الله بحقهم نكالاً ولا ظلماً، ولكنهم ظلموا أنفسهم بما كسبت أيديهم: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)) [سبأ:١٩] هل نرى لهم ركزاً؟ هل نسمع منهم من أحد؟ هل نرى بساتينهم وحدائقهم؟ لا.
إنما بقي حديث السمر من أخبارهم، عظةً وذكرى ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ في هذا الأسلوب الغريب الرهيب، مزقناهم كل ممزق: ففرقنا بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه، جزاء ما فعلوا، ثم قال ﵎: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] هذا هو الشاهد من القصة ووجه الاستشهاد: أن تدبروا، يا أمة محمد ﷺ ! تدبروا في مصارع الغابرين، وانظروا كيف فعل الله بالمجرمين، لتأخذوا حذركم:
مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
وإن لم تتنبهوا فسوف تقعون في ما وقعوا فيه، من التمزق والتدمير والإبادة والجوعِ، ومن المقتِ والنقمة والغضب والسخطِ وسوء المنقلب إلى الله.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم
стр. 2098
دعوة إبراهيم ﵇
الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فاسمع إلى سياق القرآن وهو يتحدث عن إبراهيم ﵇، وهو يدعو لهذه البلاد؛ ولهذه الصحراء، ولأهلها، بعد أن أنزل أهله بـ مكة، في شعابٍ سود لا زروع فيها ولا بساتين، ولا حدائق فيها ولا مزارع، ولا حبوب فيها ولا فواكه، وإنما فيها شوكٌ، وصخورٌ مجدبة، وحرارةٌ متوهجة، يترك أهله هناك ثم يستقبل بوجهه الحي القيوم ويقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
هل رأيت أجدب من هذه الصحراء في بلاد العالم التي نعيش فيها؟
وهل رأيت بعد ذاك الجدب أرغد منها معيشة، وآمن منها وطناً، وأحسن منها متاعاً بفضل تلك الدعوة المباركة من النبي المبارك ﵇؟
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] بوادٍ أجدبَ لا ماء فيه ولا حياة، لا ري فيه ولا رغد، لا ظل ولا أشجار، ولا حدائق ولا بساتين: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧]
و ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧] فرض عليهم أن يقيموا الصلاة لوجهك، ويقيموا التوحيد، ويطيعوك ولا يعصوك، ربنا إذا فعلوا ذلك: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ واجعل شعوب العالم تأتي إليهم لتؤانسهم وليحيوا بها حضارةً ويبدعوا بها تجارة، أما رأيت الملايين المملينة وهي تموج بهم في مزدلفة وعرفة ومنى؟
أما رأيت الدعوة كيف تحصنت؟
ولكن هل يا ترى يستمر الشرط مع البركة؟
هل يستمر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم:٣٧] واستجاب الله لإبراهيم فأتت الثمرات من كل شعوب العالم، أتت الفواكه من دول العالم تحملها الطائرات طازجةً إلى هذه الصحراء، من أوروبا وأمريكا، وأستراليا والصين، ومن كل صقعٍ من المعمورة إلى هذه الصحراء، وكأن الله يقول: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].
هذه هي النعمة التي أسبلها الله وأسدلها علينا ﵎، ولكن العار كل العار والشنار كل الشنار أن نخالف ما جعله الله سبباً للطاعة، فنرد على الجميل بالقبيح، ونتجرأ على المعاصي كما يفعل السفهاء منا، الذين يلعبون بالنار، وينتهكون حدود الله، والذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويريدون أن يطمسوا بركة هذه البلاد ومعالمها، بما يتجرءون عليه من شرب المسكر، وتناول المخدرات، ومن مزاولة الزنا، والتعامل بالربا، سوف يغضب الله ذاك الغضب الذي لا يرده هواك.
عباد الله: تدبروا من حولكم، وتفكروا كيف فعل الله بهم: ﴿ِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [ابراهيم:٥].
وصلوا وسلموا على من شرفه الله بالرسالة وأمركم بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
وقد قال ﷺ : ﴿من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك وخليلك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر جندك المجاهدين في أفغانستان وفلسطين وفي كل صقعٍ من بلاد المسلمين، اللهم ارفع رايتهم على التوحيد، واجمع كلمتهم على ما تحبه وترضاه، وثبت أقدامهم يا رب العالمين، وخذ بأيديهم وأنزل السكينة في قلوبهم.
اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ماكانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
стр. 2099
الداعية المطارد
إن الرسول ﷺ هو أعظم الخلق عند الله، وقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام، وإلى الطريق الصحيح؟!
وهو الذي كابد المشاق من أجل هذا المبدأ؟! وهو الذي ربى جيلاً عظيماً لا زالت الدنيا تتحدث عنهم وعن أمجادهم.
стр. 2100
حديث الهجرة
إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، أحمدك اللهم من اعتمد عليك نصرته، ومن فوض الأمر إليك كفيته، ومن تقرب إليك أحببته، ومن حاربك خذلته، ومن خاصمك أهنته، ومن ناوأك أبعدته وأقصيته.
أيها الجيل الموحد! يا حملة المبادئ! أيتها الكتيبة المقدسة!
نقف هذا اليوم نحيي بملء القلوب والأجفان والأسماع رسولنا ﷺ ، نحييه في أول العام الهجري، وهو رجل الهجرة الأول، نعيش اليوم مع الأطفال في أيامٍ طرد هو من أطفاله، ونعيش اليوم منعمين في الدور والقصور في أيام شرد من دوره، ونعيش اليوم ناعمين سعيدين جذلين في أيام عاشها هو كلها أسىً، ولوعة، يقدم رأسه وروحه من أجل لا إله إلا الله، إنها الهجرة.
وعنوان الدرس: الداعية المطارد، طارده أقاربه، وأرحامه، وأصهاره، فما سبب المطاردة؟ لماذا طورد؟ أمن أجل أنه أتى بنهب الأموال وسفك الدماء، واحتلال الأراضي، وابتزاز المعطيات؟ لا.
إنه مطارد؛ من أجل أنه أتى لينقذ الإنسان ويخرجه من الظلمات إلى النور، فهذا هو حديث الهجرة.
стр. 2101
شجاعته ﷺ في مواجهة المؤامرة
أغلقت مكة أبوابها في وجه الابن البار، وأنذرته في خلال أربع وعشرين ساعة، أن يغادرها ولا يبقى في ساحها، عجيب! ولد في ربوعها، وترعرع في تلالها، شرب ماءها، واستنشق هواءها، وتقول له مكة اخرج! إلى أين؟!! لا ندري.
وليتهم تركوه ليخرج سالماً معافى، لكن يريدون أن يخرجوه جثةً، أو يحبسوه، أو يبيدوه أو ينفوه من الأرض، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]
تخفيت من خصمي بظل جناحه فعيني ترى خصمي وليس يراني
فلو تسأل الأيام عنيَّ ما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني
دخل في غرفة علي أو في بيته هو، وطوقه الكفرة الفجرة؛ لأنه يهدد مصالحهم التي بنيت على الظلم، ويصادر شهواتهم، ولا يطاوعهم في نزواتهم، إن أهل الباطل قديماً وحديثاً يرون في حملة المبادئ، وفي رواد الحق خصماء على طول الطريق؛ لأنهم يقولون لهم: لا.
في كل معصية، وشهوة، ونزوة!!
طوقوا بيته بالسيوف المصلته، وتحروا متى يخرج، وهنا تأتي الشجاعة، ليست الشجاعة التي يقدمها الناس من أجل أراضيهم، ومزارعهم، ومناصبهم.
ليست الأنوف الحمراء التي تغضب للجيوب والبطون، والسيوف المسلولة من أجل التراب والطين.
أما محمدٌ ﵊ فيقدم رأسه من أجل مبدئه، يتحدى الشمس أن تهبط في يمينه والقمر أن ينزل في يساره، ولو نزلت الشمس والقمر، والله ما تهزه خطوة، حتى تعلن لا إله إلا الله أصالتها في الأرض!!
طوقوه وأتاه جبريل فأخبره، قال: الخصوم خارج البيت يريدون قتلك، فيقول: إن الله معنا.
لله درك، ولله در الشجاعة المتناهية، ولله در الروح العالية:
يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا فضائح أين منها زندك الواري
الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار
أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ
فخرج من البيت بلا سيف، وهم بالسيوف، وخرج بلا رمح وهم بالرماح!! وأخذ حفنة من التراب فألقى الله النوم عليهم، فناموا وسقطت سيوف الخزي والعار، ونثر التراب والغبار على رأس الفجار، وهو يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].
стр. 2102
دروس من الهجرة النبوية
نقف اليوم: بعد هذا الحدث بخمسة عشر قرناً، لنأخذ دروساً منها:
стр. 2103
التوكل على الله
أولها: درس التوكل على الله، وتفويض الأمر له، وصدق اللجأ إليه، فلا كافي إلا الله، يقول سبحانه على لسان أحد أوليائه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥].
ويقول لرسوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل من هو دون الله فهو تحته، ودونه، وأضعف منه، فلا مقارنة.
الناس اليوم يحملون صدق التوكل والانتصار بالله في أذهانهم لا في حياتهم، إنهم يكونون أجبن ما يكون عندما تهدد لا إله إلا الله، إن قضية الوظائف، والمناصب والموائد، والجاهات والشارات استعبدت البشر، إنها تستعبد الحر الشجاع، فتجعله ذليلاً جباناً لا يقول كلمة الحق: ﴿تعس عبد الدينار تعس عبد الخميلة تعس عبد الخميصة﴾ إن محمداً ﵊، أراد أن يبني جيلاً قوياً شجاعاً، يقدم الواحد منهم رأسه لمبدئه، وروحه لمنهجه.
ولكن: طال الأمد، وقست القلوب، وانطمس المنهج، وأصبحت الأمة تعيش خواءً عقدياً، أخوف ما تكون من البشر، انظر إليهم، والله إنهم يخافون من البشر أكثر من رب البشر!! فكم يخافون؟ وكم يجبنون؟ وكم تصيب أحدهم الزلزلة والرعدة من تهديد بسيط، يتعرض لوظيفته أو لمنصبه أو لدخله ورزقه، ولا يرزق ولا يخلق إلا الله!! ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
إن قصة الهجرة يتجلى فيها التوكل كأحسن ما يتجلى في أي صورة، يدخل الغار، ويتكرر لنا حديث الغار، ونعيد دائماً حديث الغار، لأن أول التاريخ بدأ من الغار، والنور انفجر من الغار.
فمن يمنعه ﵊؛ أين موكبه؟ أين أقواس النصر التي تحف بالناس؟ أين الجنود المسلحة التي تحمي جماجم الناس وأرواحهم وهم أقل خطراً وأقل شأناً منه، لا جنود معه ولا حراسة، لا سلاح، ولا مخابرات، ولا استطلاع!
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمانُ
فيقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، فيتبسم ﵊ -والتبسم في وجه الموت أمرٌ لا يجيده إلا العظماء، حتى يقول المتنبي يمدح عظيماً لا يستحق أن يكون جندياً في كتيبة محمد ﵊:
وقفت وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ
تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ
يتبسم ﵊ ويقول: ما ظنك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما﴾ هل يغلب الثلاثة، أم تكون الدائرة على غير الثلاثة؟ إذا كان الله الثالث، فمن هو المغلوب؟ من هو خاسر الجولة؟ من هو المنهزم في آخر المعركة؟ ويقول: لا تحزن إن الله معنا، بعلمه وهي معية الحفظ والتأييد والتسديد لأوليائه، المعية التي صاحبت إبراهيم ﵇، وهو يهوي بين السماء والأرض، في قذيفة المنجنيق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك إليَّ حاجة؟! قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فصارت النار برداً وسلاماً.
والمعية التي صاحبت موسى راعي الغنم، الذي يحمل عصاه، ولا يجيد أن ينطق اللغة، ويدخل إيوان الظالم السفاك المجرم فرعون، وحرس فرعون أكثر من ثلاثين ألفاً، الدماء تسيل في البلاط الملكي الظالم، موسى يلتفت ويقول: يا رب! إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، فيعطيه الله درساً في التوحيد والتوكل: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] نواصي العباد بيديه، ورءوس الطغاة في قبضته، ومقاليد الحكم بيمينه، لا يتصرف متصرف إلا بقدرته.
ثم يأتي سراقة ويطارد محمداً ﷺ ، فيقرأ القرآن ولا يلتفت؛ لأن الله معه، يدعو على سراقة، فيصبح سراقة مهدداً بالموت، فيقول: يا محمد! اكتب لي أماناً على حياتي.
أنت الآن محمي وأنا مهدد، بالله لا تقتلني، فقد فر من الموت وفي الموت وقع، فيقول ﷺ بعد أن يتبسم: ﴿يا سراقة! كيف بك إذا سورت بسواري كسرى؟﴾ أين كسرى؟ إنه امبراطور فارس، ودكتاتوري الشمال، المجرم السفاك.
فيضحك سراقة كأنه ضربٌ من الخيال، أهذا يستولي على إمبراطوريات الدنيا؟! أهذا يلغي مملكة العالم، وهو لا يستطيع أن ينجو بنفسه؟ وبالفعل تم ذلك، ودكدك الظلم، وفتح الشمال، ورفرفت لا إله إلا الله على الإيوان:
وما أتت بقعةٌ إلا سمعت بها الله أكبر تدوي في نواحيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
стр. 2104
حفظ الله لأوليائه
ثانيها: أن الله يحفظ أولياءه، فهم يُؤذَون ويُضطهدون ويحبسون ويقدمون رءوسهم رخيصة لله، ولكن ينتصرون، والعاقبة للمتقين: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
والنتيجة الحتمية أنهم هم المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل مهما انتفش وعلا وكبر، فإنه كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] الباطل: له صولة، والحق: له جولة، والعاقبة للمتقين، وتكفل الله أن يحفظ دعائم هذا الدين والمتمسكين به، والمنضوين تحت لوائه، فمهما تعرض له من الإساءات والاضطهاد والإقصاء والاستخذاء، فإنه لا يزيدهم إلا إصراراً على مبادئهم، وشمماً وقوة.
стр. 2105
التضحية والبذل
ثالثها: عالم التضحيات والبذل يتحقق فيه ﵊، فماذا فعلت أنا وأنت لهذا الدين؟ ماذا قدمنا؟ ومحمدٌ ﵊ شغله الشاغل أنفاسه خواطره أفكاره أمواله أهله روحه لله!! يقول في إحدى مواقفه: ﴿والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ هاجر من مكة مطروداً، ووقف في حمراء الأسد يتكلم مع مكة، بينه وبين مكة كلامٌ رقيقٌ مشوق:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ
إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همُ
يقول لـ مكة: ﴿والذي نفسي بيده إنك لمن أحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت﴾ ثم تدمع عيناه، ويذهب، بناته أمامه يُضربن، فلا يستطيع أن يدفع، يوضع السلى على رأسه أمام الجماهير، ويضحكون عليه، ويمسح السلى ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ تباع غرفه في مكة، بعقدٍ يتولاه عقيل بن أبي طالب.
أعمامه يكذبونه أمام الناس، يحثى التراب عليه، ويطارد بعيداً بعيداً من مكة، ولكن الفجر حل، وهم يريدون إغلاق صوته، فيزداد الصوت قوة، وعظمة، وعمقاً، وأصالة! فيصل إلى المدينة فإذا الدنيا تتحدث به:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتغال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب نفح العودِ
هكذا العظمة والريادة، فينصت العالم له، ويسمعون كلمته، ويقويه الله بجندٍ من عنده، وتحف به الملائكة:
وقاتلت معنا الأملاك في أحدٍ تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا
سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا
إذاً التضحية هكذا: أن تقدم دمك ومالك ودموعك ووقتك للإسلام، ليس فقط الركعات والتسبيحات التي يمتن بها كثيرٌ من الناس، ولكنهم لا يستطيعون الحرقة على الدين، ولا الغضب على المحارم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا يستطيعون أن يتقدموا معك خطوة، لنصرة لا إله إلا الله، فإن هذا عالمٌ آخر.
следующие страницы →