← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

شجاعته ﷺ في مواجهة المؤامرة أغلقت مكة أبوابها في وجه الابن البار، وأنذرته في خلال أربع وعشرين ساعة، أن يغادرها ولا يبقى في ساحها، عجيب! ولد في ربوعها، وترعرع في تلالها، شرب ماءها، واستنشق هواءها، وتقول له مكة اخرج! إلى أين؟!! لا ندري. وليتهم تركوه ليخرج سالماً معافى، لكن يريدون أن يخرجوه جثةً، أو يحبسوه، أو يبيدوه أو ينفوه من الأرض، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] تخفيت من خصمي بظل جناحه فعيني ترى خصمي وليس يراني فلو تسأل الأيام عنيَّ ما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني دخل في غرفة علي أو في بيته هو، وطوقه الكفرة الفجرة؛ لأنه يهدد مصالحهم التي بنيت على الظلم، ويصادر شهواتهم، ولا يطاوعهم في نزواتهم، إن أهل الباطل قديماً وحديثاً يرون في حملة المبادئ، وفي رواد الحق خصماء على طول الطريق؛ لأنهم يقولون لهم: لا. في كل معصية، وشهوة، ونزوة!! طوقوا بيته بالسيوف المصلته، وتحروا متى يخرج، وهنا تأتي الشجاعة، ليست الشجاعة التي يقدمها الناس من أجل أراضيهم، ومزارعهم، ومناصبهم. ليست الأنوف الحمراء التي تغضب للجيوب والبطون، والسيوف المسلولة من أجل التراب والطين. أما محمدٌ ﵊ فيقدم رأسه من أجل مبدئه، يتحدى الشمس أن تهبط في يمينه والقمر أن ينزل في يساره، ولو نزلت الشمس والقمر، والله ما تهزه خطوة، حتى تعلن لا إله إلا الله أصالتها في الأرض!! طوقوه وأتاه جبريل فأخبره، قال: الخصوم خارج البيت يريدون قتلك، فيقول: إن الله معنا. لله درك، ولله در الشجاعة المتناهية، ولله در الروح العالية: يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا فضائح أين منها زندك الواري الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ فخرج من البيت بلا سيف، وهم بالسيوف، وخرج بلا رمح وهم بالرماح!! وأخذ حفنة من التراب فألقى الله النوم عليهم، فناموا وسقطت سيوف الخزي والعار، ونثر التراب والغبار على رأس الفجار، وهو يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].

стр. 2102

دروس من الهجرة النبوية نقف اليوم: بعد هذا الحدث بخمسة عشر قرناً، لنأخذ دروساً منها:

стр. 2103

التوكل على الله أولها: درس التوكل على الله، وتفويض الأمر له، وصدق اللجأ إليه، فلا كافي إلا الله، يقول سبحانه على لسان أحد أوليائه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]. ويقول لرسوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل من هو دون الله فهو تحته، ودونه، وأضعف منه، فلا مقارنة. الناس اليوم يحملون صدق التوكل والانتصار بالله في أذهانهم لا في حياتهم، إنهم يكونون أجبن ما يكون عندما تهدد لا إله إلا الله، إن قضية الوظائف، والمناصب والموائد، والجاهات والشارات استعبدت البشر، إنها تستعبد الحر الشجاع، فتجعله ذليلاً جباناً لا يقول كلمة الحق: ﴿تعس عبد الدينار تعس عبد الخميلة تعس عبد الخميصة﴾ إن محمداً ﵊، أراد أن يبني جيلاً قوياً شجاعاً، يقدم الواحد منهم رأسه لمبدئه، وروحه لمنهجه. ولكن: طال الأمد، وقست القلوب، وانطمس المنهج، وأصبحت الأمة تعيش خواءً عقدياً، أخوف ما تكون من البشر، انظر إليهم، والله إنهم يخافون من البشر أكثر من رب البشر!! فكم يخافون؟ وكم يجبنون؟ وكم تصيب أحدهم الزلزلة والرعدة من تهديد بسيط، يتعرض لوظيفته أو لمنصبه أو لدخله ورزقه، ولا يرزق ولا يخلق إلا الله!! ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. إن قصة الهجرة يتجلى فيها التوكل كأحسن ما يتجلى في أي صورة، يدخل الغار، ويتكرر لنا حديث الغار، ونعيد دائماً حديث الغار، لأن أول التاريخ بدأ من الغار، والنور انفجر من الغار. فمن يمنعه ﵊؛ أين موكبه؟ أين أقواس النصر التي تحف بالناس؟ أين الجنود المسلحة التي تحمي جماجم الناس وأرواحهم وهم أقل خطراً وأقل شأناً منه، لا جنود معه ولا حراسة، لا سلاح، ولا مخابرات، ولا استطلاع! وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمانُ فيقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، فيتبسم ﵊ -والتبسم في وجه الموت أمرٌ لا يجيده إلا العظماء، حتى يقول المتنبي يمدح عظيماً لا يستحق أن يكون جندياً في كتيبة محمد ﵊: وقفت وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ يتبسم ﵊ ويقول: ما ظنك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما﴾ هل يغلب الثلاثة، أم تكون الدائرة على غير الثلاثة؟ إذا كان الله الثالث، فمن هو المغلوب؟ من هو خاسر الجولة؟ من هو المنهزم في آخر المعركة؟ ويقول: لا تحزن إن الله معنا، بعلمه وهي معية الحفظ والتأييد والتسديد لأوليائه، المعية التي صاحبت إبراهيم ﵇، وهو يهوي بين السماء والأرض، في قذيفة المنجنيق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك إليَّ حاجة؟! قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فصارت النار برداً وسلاماً. والمعية التي صاحبت موسى راعي الغنم، الذي يحمل عصاه، ولا يجيد أن ينطق اللغة، ويدخل إيوان الظالم السفاك المجرم فرعون، وحرس فرعون أكثر من ثلاثين ألفاً، الدماء تسيل في البلاط الملكي الظالم، موسى يلتفت ويقول: يا رب! إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، فيعطيه الله درساً في التوحيد والتوكل: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] نواصي العباد بيديه، ورءوس الطغاة في قبضته، ومقاليد الحكم بيمينه، لا يتصرف متصرف إلا بقدرته. ثم يأتي سراقة ويطارد محمداً ﷺ ، فيقرأ القرآن ولا يلتفت؛ لأن الله معه، يدعو على سراقة، فيصبح سراقة مهدداً بالموت، فيقول: يا محمد! اكتب لي أماناً على حياتي. أنت الآن محمي وأنا مهدد، بالله لا تقتلني، فقد فر من الموت وفي الموت وقع، فيقول ﷺ بعد أن يتبسم: ﴿يا سراقة! كيف بك إذا سورت بسواري كسرى؟﴾ أين كسرى؟ إنه امبراطور فارس، ودكتاتوري الشمال، المجرم السفاك. فيضحك سراقة كأنه ضربٌ من الخيال، أهذا يستولي على إمبراطوريات الدنيا؟! أهذا يلغي مملكة العالم، وهو لا يستطيع أن ينجو بنفسه؟ وبالفعل تم ذلك، ودكدك الظلم، وفتح الشمال، ورفرفت لا إله إلا الله على الإيوان: وما أتت بقعةٌ إلا سمعت بها الله أكبر تدوي في نواحيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها

стр. 2104

حفظ الله لأوليائه ثانيها: أن الله يحفظ أولياءه، فهم يُؤذَون ويُضطهدون ويحبسون ويقدمون رءوسهم رخيصة لله، ولكن ينتصرون، والعاقبة للمتقين: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. والنتيجة الحتمية أنهم هم المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل مهما انتفش وعلا وكبر، فإنه كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] الباطل: له صولة، والحق: له جولة، والعاقبة للمتقين، وتكفل الله أن يحفظ دعائم هذا الدين والمتمسكين به، والمنضوين تحت لوائه، فمهما تعرض له من الإساءات والاضطهاد والإقصاء والاستخذاء، فإنه لا يزيدهم إلا إصراراً على مبادئهم، وشمماً وقوة.

стр. 2105

التضحية والبذل ثالثها: عالم التضحيات والبذل يتحقق فيه ﵊، فماذا فعلت أنا وأنت لهذا الدين؟ ماذا قدمنا؟ ومحمدٌ ﵊ شغله الشاغل أنفاسه خواطره أفكاره أمواله أهله روحه لله!! يقول في إحدى مواقفه: ﴿والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ هاجر من مكة مطروداً، ووقف في حمراء الأسد يتكلم مع مكة، بينه وبين مكة كلامٌ رقيقٌ مشوق: يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همُ يقول لـ مكة: ﴿والذي نفسي بيده إنك لمن أحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت﴾ ثم تدمع عيناه، ويذهب، بناته أمامه يُضربن، فلا يستطيع أن يدفع، يوضع السلى على رأسه أمام الجماهير، ويضحكون عليه، ويمسح السلى ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ تباع غرفه في مكة، بعقدٍ يتولاه عقيل بن أبي طالب. أعمامه يكذبونه أمام الناس، يحثى التراب عليه، ويطارد بعيداً بعيداً من مكة، ولكن الفجر حل، وهم يريدون إغلاق صوته، فيزداد الصوت قوة، وعظمة، وعمقاً، وأصالة! فيصل إلى المدينة فإذا الدنيا تتحدث به: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسودِ لولا اشتغال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب نفح العودِ هكذا العظمة والريادة، فينصت العالم له، ويسمعون كلمته، ويقويه الله بجندٍ من عنده، وتحف به الملائكة: وقاتلت معنا الأملاك في أحدٍ تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا إذاً التضحية هكذا: أن تقدم دمك ومالك ودموعك ووقتك للإسلام، ليس فقط الركعات والتسبيحات التي يمتن بها كثيرٌ من الناس، ولكنهم لا يستطيعون الحرقة على الدين، ولا الغضب على المحارم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا يستطيعون أن يتقدموا معك خطوة، لنصرة لا إله إلا الله، فإن هذا عالمٌ آخر.

стр. 2106

ماذا قدمنا في العام الهجري المنصرم ؟ رابعاً: ماذا قدمنا للعام الهجري المنصرم؟ ذهب من أعمارنا عام مات فيه قوم، وعاش آخرون، اغتنى فيه قوم وافتقر آخرون، وتولى قومٌ وخلع آخرون!! فماذا قدمنا للإسلام؟ ولك أن تتعجب معي، وإن تعجب فعجبٌ فعلهم في هجرة محمد ﵊، أين هي الصحف الصباحية؟ أين هي الملاحق الفنية؟ أين هي الصفحات الرياضية؟ أين هي الشاشة؟ أين هو المذياع؟ ولم لا تحيي محمداً ﵊؟ لقد احتفل بأسبوع الشجرة، وبيوم الطفولة، وبيوم الأمومة، وبيوم الأرض، ولم يبق إلا يوم القطط والبط والوز! لم يبق إلا يومٌ من السنة، وأقترح أن يخصص للقطط احتفالاً بها! صحفٌ لا تحيي محمداً ﵊ وكتابها حسنة من حسناته، ومتطفلون على مائدته، وأحرارٌ لما أخرجهم من رق الوثنية والعبودية لغير الله، فهذه بلادٌ ما أشرقت شمسها إلا من تحت قدمه، ثم لا نجد في الجرائد تحية ولا كلمة، ولا عموداً صغيراً، ولا زاوية، تحوي قصة المصلح العظيم، والله لقد قرأت أخباراً عن كلاب حدثت لها وقائع ومصائب في الغرب، وترجموا لها، لكن محمداً ﵊ لا يجد من يترجم له، ونقول للكتبة وللمحررين وللنخبة المثقفة كما تزعم، ولأهل الكلمة ولأبناء الفكر: لا عليكم ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ [هود:٥٧]. لا عليكم إن بخلتم بأقلامكم عن محمد ﵊، وجعلتم صفحاتكم الفنية لكواكب الفن، ولشموس الغناء، فعندنا جيلٌ الآن، أعلن توجهه إلى الله، جيلٌ كتب الهجرة بدموعه، وحفظ المسيرة بقلبه، وأصبح حب محمد ﵊ يجري في دمه. فعندنا جيل كعدد الذر، كلهم يتمنى اليوم قبل غد أن يقتل في سبيل الله، من أجل مبادئ محمد ﵊. هذا أثره ﵊ علينا، وهذا موقفنا من دعوته ومن رسالته. أما غيرنا فيدرس المناهج إلا منهجه، ويتكلم عن الشخصيات إلا شخصيته. ورأيت في صحيفة زاويةً خصصتها للأعلام والمشاهير ولوفياتهم، من هم؟ إنهم مشاهير السفك والنهب في العالم، والقتل والإبادة واستخذاء الشعوب. أما المحرر الأول، والرجل الذي أصلح الله به الأمة، فلا كلام عنه ولا ترجمة! فماذا يعتذر هؤلاء أمامه ﵊ غداً؟ ولا يفهم فاهم، أو يزعم زاعم أنني أريد أن ننشئ له عيد هجرة، أو عيد ميلاد؛ فالإسلام لا يقر هذا، ولا يؤمن به، ولا يقر أن نجتمع في زوايا وخلايا وجوانب لنرقص كما يرقص المخذولون المتهوكون بالنشيد والتصفيق ونحييه، فتحيته أن نطهر بلاده مما طهرها منه هو ﷺ . فتكون بلاداً مقدسة، تحيته ﷺ أن نسير على خطواته، وأن نفدي منهجه، وأن نضحي لمبدئه، أعظم مما يضحي الثوريون والماركسيون والاشتراكيون العرب للأقزام الملاعين، وللأوسمة المخذولة، وللأصنام المبعدة. تحيتنا له: أن نقف مع سنته وننشرها في الأرض: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ﴿نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مُبلَّغٍ أوعى من سامع﴾ إن عالم البادية الذي كان يسجد للحجر، ويجمع التمر ويصلي له، ويأتي للوثن الذي يبول عليه الثعلب، ويدعوه أن يشفي مريضه؛ وصمة عارٍ في هؤلاء القوميين العرب، فالذي حررهم من هذا هو محمد ﵊، وإن العجب العجاب أن تحتفل النوادي الأدبية، بنظافة البيئة، فتجد محاضرة في نظافة البيئة، وأخرى في فن السياحة، وأخرى في أدب الاصطياف، ولم يبق إلا محاضرة رابعة في بيطرة البقر! كيف تبيطر البقر؟ وما هو علاج البقر؟ ومن هم الأبطال الذي يعالجون البقر من أمراضها؟ علي نحت القوافي من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقرُ لماذا لا تقام محاضرة بعنوان: أثر رسالته ﵊ على العالم؟ لماذا لا يأتي هؤلاء البسطاء الوضعاء بمحاضرة عن (الإسلام وحاجة العالم إليه) أو القرآن وواجبنا في هذا القرن، أو أثر لا إله إلا الله في حياة الإنسان؟ أما هذه المحاضرات التي شبع منها الناس، ومجتها الآذان، وأصبحنا نصاب بغثيان من سماعها وتردادها، فوالله إنها شغلٌ للأوقات، وإنها تسويدٌ للصحف، ومجٌ للأسماع، وثقالةٌ ودرن على القلوب. هذا المهاجر الأول، وهذا الداعية المطارد من أجل مبدئه، وهذا عامنا وهذا ما قدمنا، وهذه النوادي، وهذه الصحف، وهذه الأقلام، ولكم أن تحكموا: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2107

موسى ﵇ أمام فرعون الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وعلى قدوة الناس أجمعين، وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. في مثل هذا الشهر، طورد داعية أول، زميلٌ له ﵊، نهجه نهجه، ومسيرته مسيرته، ودعوته دعوته، إنه موسى ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] لا يُبعث نبي إلا وقد هيأ الله طاغيةً هناك يرصد له، ولا يحمل رائدٌ من رواد الدعوة مبدأً إلا ويتهيأ له ظالمٌ يرصده، سنة الله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]. في هذا الشهر، خرج موسى مطروداً من مصر، يطارده فرعون المجرم بستمائة ألف مقاتل ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [الزخرف:٥٤] قطيع ضأن، الشعوب التي لا تفهم إلا الخبز والأكل، ولا تفهم إلا ثقافة القِدْر، والجيب والبطن تصفق للطاغية وتحثوا على رأس الداعية. الشعوب المهلهلة المهترية المتهالكة من الداخل طاردت موسى يريدون قتله، لأنه يريد أن يحررهم وهم يقولون: لا. يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهم يقولون: لا. يريد أن يرفع رءوسهم، وهم يقولون: لا. اصطدم بالبحر، الجيش وراءه والموت، والبحر أمامه والموت، إلى أين؟ إلى الله، التفت ودعا، والله قريب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. بنو إسرائيل الخونة الجبناء ولولوا وخافوا وارتعدوا، والكتائب حوله انهارت، يا موسى!: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] ولكن موسى يتبسم، كما يتبسم محمد في الغار ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء:٦٢] فيقال له كما ذكر بعض أهل السير: أين يهديك وفرعون خلفك والبحر أمامك؟! هذه ورطة لا حل لها، هذا مضيقٌ لا مخرج منه في عرف البشر، ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ويتلقى المكالمة في الحال من الله، لا تتأخر عنه؛ لأنه كان كليماً: اضرب البحر بعصاك، فضرب باسم الله البحر فانفلق يبساً فمشى بنو إسرائيل، وأتى فرعون يريد أن يجرب آخر جولة له في عالم الضياع، وهي مصارع الطغاة، والطغاة لهم مصارع، إما أن تلعنهم القلوب وهم يسيرون على الأرض وهذا مصرع، وإما أن يشدخون كما شدخ هذا وهذا مصرع، وإما أن يدخر الله لهم ناراً تلظى، وهذا مصرع.

стр. 2108

إهلاك فرعون ونجاة موسى وصل فرعون ونجا موسى، وقال الله للبحر: اجتمع فاجتمع، وكان الضحية المجرم، دخل الطين في فمه، فلما أصبح في وقتٍ ضائع قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فيقول الله: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] في هذه اللحظة أيها المجرم الخسيس بعد أن فعلت من الأفاعيل ما تشيب له الرءوس؟! والشاهد أن الرسول ﵊ يشارك أخاه في فرحة الفلاح والانتصار، ويشارك زميله في هذا اليوم الأغر، يوم عاشوراء، ولذلك تضامن معه، وتكاتف هو وإياه، فقد وجد بني إسرائيل وهم اليهود الخونة الجبناء في خيبر والمدينة يصومون عاشوراء، قال: ﴿ما هذا اليوم، قالوا: يومٌ نجا الله فيه موسى قال: نحن أولى بموسى منكم﴾ موسى كليم ربنا، وحبيبنا، نحن حملة منهج موسى، ليس أنتم يا خونة العالم! ويا حثالة التاريخ! ويا أبناء القردة والخنازير! فصامه وقال ﵊ عن هذا اليوم كما في صحيح مسلم: ﴿إني أرجو من الله أن يكفر به السنة الماضية﴾. ومن السنة أن تصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده -اليوم التاسع والعاشر، أو اليوم العاشر والحادي عشر من هذا الشهر- يقول ﵊: ﴿لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع﴾ فشكر الله لموسى دعوته ومنهجه وبذله وتضحيته، وشكر الله لمحمدٍ ﵊ بذله وشجاعته وتضحيته من أجل هذه الأمة، وشكر الله لكل من سار على منهجه ﵊، وضحى من أجل مبادئه، وبذل من أجل دعوته، وساهم في رفع رسالته. أسأل الله أن يجمعنا بمحمدٍ ﵊ وبإبراهيم وموسى وعيسى وبالأخيار الطيبين، وبالشهداء الصالحين، وبالأبرار الصديقين، وبالشجعان الباذلين في مقعد صدقٍ عند رب العالمين. أيها الناس! صلوا على الداعية المطارد والمهاجر الأول والرسول الأعظم، والهمام الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام، ﷺ ما ترقرق الغمام، وما جنح الظلام، وما أُفشي السلام، وما كان في قلوبنا، وفي أذهاننا إمام، ﷺ ما فاحت الأزهار، وما تمايلت الأشجار، وما تدفقت الأنهار، وما كور النهار على الليل، والليل على النهار، ﷺ ما تألقت عينٌ لنظر، وما تحرقت أذنٌ لخبر، وما هتف وُرقٌ على الشجر، وعلى آله وصحبه. اللهم انصر دينك ومنهجك، اللهم اجعله عاماً مباركاً، وعاماً ينتصر فيه الدين، وترتفع فيه إياك نعبد وإياك نستعين، وعاماً يخسأ فيه الفجرة والمنافقون، وعاماً يغلب فيه المناوئون الظالمون، وعاماً يكون عائداً علينا بالحسنات والمكرمات، ورفعة الدرجات عند رب الأرض والسماوات. الله انصر الأمة وحقق لها أمانيها، وثبت أقدامها، وأيد شبابها، واحم حوزتها، وارفع رايتها، وأقم شامتها، واحم شريعتها، وأيد كلمتها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2109

إلى مصر المسلمة إن الإسلام قد جمع الأمة الإسلامية، ووحدها عقيدة وأرضاً وإنساناً، وكانت مصر في طليعة هذه الأمة الموحدة، ولقد كان أبناؤها في طليعة الفاتحين، كيف لا وهم من أقوى أجناد الأرض! وحين سحق التتار الخلافة الإسلامية في بغداد بعد أن حطموا مدن خراسان وخوارزم، وأرادوا أن يزحفوا على بقية الرقعة الإسلامية ويستأصلوا الإسلام من جذوره تصدى لهم المصريون في عين جالوت، وردوهم على أعقابهم خاسرين. وبطولاتهم تشرق بها كتب التاريخ ويشهد لها الواقع، وآخر ذلك ما حصل في يوم العاشر من رمضان.

стр. 2110

مصر وأهميتها بالنسبة للأمة الإسلامية الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين؛ فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس: إن أعظم معجزة قدمها الإسلام للعالم، أن جمع بين هذه الشعوب المسلمة تحت مظلة إياك نعبد وإياك نستعين، وإن أعظم نفع قدمه ﵊ للدنيا؛ أن آخى بين القلوب وألف بين الأرواح، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. وقد ينسى بعض السفهاء هذا التأليف، وهذا الإخاء؛ لجهلهم بهذا الدين العظيم. نما إلى علمي أن أخاً مصرياً يشكو من الجفاء والاستخفاف من بعض الناس، وشافهني بعضهم بهذا؛ فقلت: لا بد أن أؤدب بعض السفهاء، وأن أقلم أظفارهم، وأن أخبرهم ما هي مصر؟ وماذا تعني مصر؟ ومن هم المصريون؟ وماذا يعني وادي النيل؟ إن مدحي وثنائي على مصر هو كمدح الأعرابي وثنائه على القمر: كان يمشي في الظلام الدامس، وفجأة طلع عليه القمر، فأخذ الأعرابي يناشد القمر ويشكره، ويقول: يا قمر، إن قلت: جملك الله؛ فقد جملك، وإن قلت: رفعك الله؛ فقد رفعك. من أين أبدأ يا مصر؟ وكيف أتحدث؟ وبأي لسان أنطق؟ إنني سوف أدخل التاريخ من أوسع أبوابه إذا ذكرت مصر، وإن الدنيا سوف تصفق لي ويصدقني الدهر إذا ذكرت مصر مصر المسلمة التي شكرت ربها، وسجدت لمولاها مصر التي قدمت قلوبها طاعة لربها، وجرت دماؤها بمحبه نبيها ﵊. إن لك يا مصر في عالم البطولة قصة، وفي دنيا التضحيات مكان، وفي مسار العبقريات كرسي لا ينسى. دخلت مصر في الإسلام طوعاً، ودخل الإسلام قلب مصر حباً، وأحب المصريون ربهم ﵎ فذادوا عن دينه، وحموا شرعه، ونشروا منهجه، وأحب المصريون محمداً ﵊ كأشد ما يحب التلاميذ شيخهم، والطلاب أستاذهم، والأبطال قائدهم. معذرةً يا مصر! إن بعض السفهاء لا يعرفون هذه الوحدة التي ألفها محمد ﵊؛ إنهم لم يدخلوا جامعته الكبرى التي جعل أعضاءها كل خير في الدهر، وكل إنسان في المعمورة؛ معذرة يا مصر يا أرض الأزهر الوضاء ويا أرض البطولة والفداء ويا أرض العبقرية والأذكياء! أنا أعلم أن في الشعوب فسقة ومجرمين، وأنهم لا يستحقون الثناء -ولا أستثني شعباً- ولكن تبقى الكثرة الكاثرة من المؤمنين المصلين العابدين المضحين الطاهرين؛ فحق عليَّ -على منبر محمد ﵊ أن أشكر أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها هنا وهناك، اليوم وغداً وأمس. أي جامعة في الدنيا تحمل ثقافةً ليس فيها مصر؟ وأي مؤسسه علمية في المعمورة ليس فيها مصر؟ وأي مسار ثقافي لم يشارك فيه المصريون بعقولهم وأبصارهم وبصائرهم؟ فقد أنزلت سفينة الفضاء الأمريكية على سطح القمر بقدرة الواحد الأحد ثم بعقل مصري. بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن لأولهم في الجاهلية أول هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم وإن حاولوا في النائبات وأجملوا إنني لا أنتظر شكراً من أحد إلا من الله على هذا الكلام؛ ولكني أريد أن أرد على بعض الأقوام الذين أصابتهم لوثة الوطنية والعرق، والبلد، واللغة المزعومة، والقومية المفترية.

стр. 2111

موقف مصر في عام الرمادة أصاب المسلمين في عهد عمر ﵁ قحطٌ أكل الأخضر واليابس (عام الرمادة) وقال عمر: [[والله لا آكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف الله الغمة عن المسلمين]] وبقى مهموماً هماً يتأوه منه ليلاً ونهاراً، نزل الأعراب حوله في العاصمة الإسلامية المدينة المنورة بخيامهم، كان يبكي على المنبر عام الرمادة، وينظر إلى الأطفال وهم يتضورون جوعاً أمامه، وود أن جسمه خبزاً يقدمه للأطفال. وأخذ يقول: [[يا ليت أم عمر لم تلد عمر يا ليتني ما عرفت الحياة آه يا عمر كم قتلت من أطفال المسلمين]] لأنه يرى أنه هو المسئول الأول عن الأكباد الحرَّى، والبطون الجائعة، وفي الأخير تذكر عمر أن له في مصر إخواناً في الله، وأن مصر بلداً معطاءً، سوف يدفع الغالي والرخيص لإنقاذ العاصمة الإسلامية، وكان والي مصر عمرو بن العاص الداهية العملاق، كتب له عمر رسالة، وهذا نصها: [[بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عمرو بن العاص أمَّا بَعْد: فوا غوثاه وا غوثاه والسلام]]. وأخذها عمرو بن العاص، وجمع المصريين ليقرأ الرسالة المحترقة الملتهبة الباكية المؤثرة أمامهم؛ ولما قرأها عمرو؛ أجاب عمر على الهواء مباشرة، وقال: [[لا جرم! والله لأرسلن لك قافلة من الطعام أولها عندك في المدينة وآخرها عندي في مصر]] وجاد المصريون بأموالهم كما يجود الصادقون مع ربهم، وبذلوا الطعام، وحملوا الجمال وذهبت القافلة تزحف كالسيل، وتسير كالليل، تحمل النماء والحياة والخير والزرق والعطاء لعاصمة الإسلام. ودعا لهم عمر، وحفظها التاريخ لهم حفظاً لا ينساه أبد الدهر.

стр. 2112

جهاد مصر للتتار دخل التتار العالم الإسلامي فدمروه هدموا المساجد، ومزقوا المصاحف، وذبحوا الشيوخ، وقتلوا الأطفال، وعبثوا بالأعراض، بل دمروا عاصمة الدنيا بغداد، وزحفوا إلى مصر ليحتلوها، وخرج المصريون وراء الملك المسلم قطز الذي يحمل لافتة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكانت عين جالوت. والذي حث الناس على الجهاد هو العالم سلطان العلماء العز بن عبد السلام. والتقى التتار الأمة البربرية البشعة، التي لم يعلم في تاريخ الإنسان أمة أشرس ولا أقوى ولا أشجع منها، التقوا بالمسلمين المصريين؛ بجيل محمد ﵊، ولما حضرت المعركة والتقى الجمعان، قام قطز فألقى لأمته من على رأسه، وأخذ يهتف في المعركة: وا إسلاماه وا إسلاماه وا إسلاماه فقدموا المهج رخيصة، وسكبوا الدماء هادرة معطاءة طاهرة، وانتصر الإسلام وسحق التتار، ومنيوا بهزيمة لم يسمع بمثلها في التاريخ. إنها بطولات أريد منها أن أصل إلى كلمة واحدة؛ أن أقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت؛ وأن أُعلم الجهلة التاريخ، وألا ينشئوا مرة ثانية على عرق جاهلي جنسي لا يتصل بلا إله إلا الله محمد رسول الله.

стр. 2113

مصر والعدوان الثلاثي أتى العدوان الثلاثي الغاشم يريد اجتياح مصر، وخرج المؤمنون بعقيدتهم وتوحيدهم يدافعون الدول الثلاث، خرجوا يهتفون مع صباح مصر: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا أنتركهم يغصبون العروبة أرض الأبوة والسؤددا فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا وسحقوا العدوان الثلاثي، واندحر العميل الغادر الغاشم بنصر الله ثم بضربات المؤمنين، وكلكم يعلم أن العالم الإسلامي حارب إسرائيل ما يقارب أربعين سنة، فكانت مصر أكثر الأمة جراحاً، وأعظمها تضحيةً، وأكبرها إنفاقاً، وأجلها مصيبةً قدمت آلاف وملايين الأبناء البررة المؤمنين، والدماء، والآراء. ولـ مصر في قلب الزمان رسالة مكتوبة يصغي لها الأحياء من مصر تبدأ قصة في طيها تروي الحوادث والعلا سيناء ولـ مصر آيات الوفاء ندية أبناؤها الأصداء والأنداء هي مصر إن أنشدتها متشوقاً طرب الزمان وغنت الورقاء ما مصر إلا الفجر والدمع السخي وإنها سر المحبة حاؤها والباء

стр. 2114

دور الاستعمار في تمزيق الأمة ومسخ عقيدتها إن هذه البلاد -بلاد محمد ﵊ ترحب بكل مسلم يحمل هوية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه شرف لنا أن نستقبل هؤلاء الضيوف من كل أصقاع العالم الإسلامي، ما داموا يحبون الله ورسوله، ويحترمون الإسلام؛ فإنا ننزلهم على الجفون ونضعهم على المقل. وإن من واجب الضيافة علينا؛ أن نهش ونبش لهذا العطاء الوافر ولهذا الوفد الكريم الذي أتى ليبني ويثقف ويربي ويعلم، وأما الذين ينقمون على الإسلام؛ فلو كانوا إخواناً لنا في بيوتنا لألقمناهم حجراً، وحق علينا أن نملأ أفواههم تراباً من أي بقعة، أو من أي شعب، أو من أي جنس. إن القضية هي قضية الإسلام، وقضية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإن الشعوبية الجديدة التي تتغلغل في العالم الإسلامي لتمزقه أكثر من هذا التمزيق؛ لهي عقيدة فاشلة خاطئة، أرادها الاستعمار. فهذا الدين، دين إخاء وقربى وحب وتواد، أتى به محمد ﵊. أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه وقف ﵊ يوم عرفة، وكان أمامه في الحجاج بلال من الحبشة وصهيب من أرض الروم وسلمان من بلاد فارس وأبو بكر من أرض العرب. وقف ﵊ ليقول للجميع: ﴿كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى﴾ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات١٣] فما دام أن ربنا واحد وإمامنا واحد، ورسالتنا واحدة، وقبلتنا واحدة؛ فلا دخل للدماء، ولا للألوان، ولا للألسن، ولا للوطنية، ولا للتراب. إننا أمة سماوية، أنزل الله وحيها من السماء، وأبدعها وأخرجها للناس، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أمة صنعها الله على سمع وعلى بصر؛ فهي لا تؤمن بالكيانات الأرضية التي تقطع صلتها بلا إله إلا الله، ولا تتبع كل ناعق يريد أن يشتت شملها، وأن يوجد بينها تمييزاً عنصرياً بحسب البلدان أو المناطق أو الألوان، فهذا حرام حرام حرام نرفضه ولا نقبله، ولا نقبل من يأتي به ونرده عليه. تلكم هي رسالة إلى مصر المسلمة، التي أنبتت العقليات والعبقريات والبطولات. أعني مصر التي قدمت للعالم العلماء، وقدمت الشباب الصالح البناء المثمر، وقدمت أيضاً المؤلف النافع والعقلية الذكية، وقدمت الطهر والدعوة والإصلاح. ولا أعني الناحية التي لا يسلم منها شعب ولا بلد؛ ناحية عالم الشهوات والشبهات والظلام؛ فهذا ليس لي معهم كلام لا هنا ولا هناك لا اليوم ولا غداً، وإنما بيننا وبينهم في مصر أو في أي شعب من شعوب الإسلام حبل وثيق مدَّهُ ﵊ كأعظم ما تمد حبال الثقة. إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناء لها قرينا تساوت في المجرة فاستقامت ولولا الجاذبية ما بقينا أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2115

وسائل الاستعمار في تمزيق الأمة الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين؛ والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس: أفلح هذا الاستعمار في تمزيق العالم الإسلامي تمزيقاً لم يسمع بمثله. كان العالم الإسلامي شعباً واحداً، ودوله واحدة، وأمة واحدة كان عمر يحكم من المدينة المنورة أكثر من اثنتين وعشرين دولة؛ فلما أتى الاستعمار؛ قسم العالم الإسلامي إلى أكثر من خمسين دولة صغيرة متناحرة متضادة متكالبة، تقسمها حواجز وحدود، وبعضهم يرى التميز على البعض، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولكن الكثير لا يؤمن بهذا الإخاء، والكثير يرون أن الكرم في النسب أو اللغة أو الدم. ماذا فعلت بنا الرايات الجاهلية من رايات العلمانيين والبعثيين والثوريين العرب والقوميين؟! لقد وزعتنا شعوباً وقبائل سفكت دماءنا أخذت جماجمنا، وجعلتنا نقتتل فيما بيننا. إن عدونا جميعاً هو الكافر الذي لا يؤمن بلا إله إلا الله؛ وإن عدونا جميعاً هو الذي يعادي محمداً ﵊، ومن هذا المكان: أدعو كل مسلم أن يتذكر الإخاء الذي أتى به محمد ﵊، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]. فالحفرة هي الهلاك والدمار، ولم يفلح أحد من العظماء في جمع هذه الأمة مثل رسولنا ﷺ ؛ يوم أتى بميثاق: (إياك نعبد وإياك نستعين). خدعونا -قاتلهم الله- بـ القومية العربية، وكتب البعث على مقرراته في الصفحة الأولى -بخط النسخ- يقولون: " أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة ". ثم فاجئونا! فإذا هذه الأمة الواحدة صاحبة الرسالة الخالدة تعتدي على الأعراض، وتقتل الشيوخ، وتدمر المساجد، وتبيد الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنسل وتترك اليهودية العالمية والشيوعية والرأسمالية في الظاهر، وتتعامل معها في الخفاء فأي إخاء مثل إخاء محمد ﵊؟!

стр. 2116

أهمية الأخوة الإسلامية والحث عليها جلس الصحابة في مجلس يتشاورون في الجهاد، فتكلم بلال على خالد، فرد عليه خالد بكلمة قاسية يعيره بلونه، فقال بلال: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . ولكن الصحيح أن صاحب القصة أبو ذر، وهي في البخاري، بخلاف ما يذكره أهل التاريخ فذهب بلال وشكاه إلى الرسول ﵊، فاستدعى الرسول ﵊ أبا ذر، ودخل عليه، قال: فسلمت عليه فلم أدر من الغضب هل رد عليَّ السلام أم لا؟ وقال لي: ﴿أعيرته بأمه، إنك امرؤٌ فيك جاهلية﴾ ﴿إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم﴾. والذي يحمل هذه الأفكار المنتنة؛ أفكار اللون، والتمييز العنصري، والتمييز بالنسب، وبالبلد جاهل بالشريعة الإسلامية جاهل بالإسلام، وبالأدب، والكرم وواجب علينا أن نؤدبه، وأن نوقفه عند حده، وأن نقول له في نفسه قولاً بليغاً؛ ليعلم أن هذا الدين أوسع من عقليته الضيقة، وأن هذا الإسلام أرحب من صدره الضيق الأسود المظلم. هذه فكرة! ولعلها أن تنشأ في الجامعات وتدرس، وتعلم في المدارس، لأنه مر على العالم الإسلامي فكرة القومية، التي أنشدها الطلاب في المدارس، وبثتها الصحف، وحفظها بعض الناس، وكتبوا فيها مذكرات؛ لفصل وتمزيق هذا الجسم الواحد ﴿المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾. وأقول: إذا رُد على رجل من أي بلد أو على مفكر أساء، أو على شاعر أخطأ، أو على مؤلف أساء الأدب؛ لا يعني ذلك أن ننسى حسنات هذه الشعوب، وإنني أقول كما قال الشاعر العربي: بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني فأي: بلد يسجد فيه لله فهو بلدي، وأي ناطق يقول: لا إله إلا الله، فهو أخي، وأي ساجد لله فهو حبيبي، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]. اللهم اجعلنا من حزبك ومن أوليائك ومن أحبابك، اللهم من أراد بالأمة الإسلامية تمزيقاً فمزقه، ومن أراد بها فرقة ففرق شمله، وأكثر همه وغمه، وأذهب عقله. عباد الله! صلوا على من جمع الكلمة، وألف الوحدة، وأتى بالإخاء، وبث الحب، وجمع الأواصر. صلوا وسلموا على المعصوم العظيم الذي حررنا من رين الجاهلية، وأعتقنا من ذل الشرك، وأخرجنا من عبودية المعصية إلى نور الطاعة. صلوا وسلموا على من أصلح الأمة وفتح الدنيا بالعدل، وأنار الأفكار بالنور. صلوا وسلموا على من حرر الإنسان من عبوديته للإنسان، ودله على جنة عرضها السماوات والأرض صلوا وسلموا على من ألف الله به بين الأرواح، وأصلح القلوب، وأنار الأبصار، وأسمع الآذان. اللهم صلِّ وسلم عليه ما تعاقب الليل والنهار، وما فاحت الأزهار، وما ترعرعت الأشجار، وما انهمرت الأمطار، وعلى آله وعلى صحبه الكرام الأبرار. اللهم اجمع كلمة المسلمين؛ اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور. اللهم أصلح شباب المسلمين واهدهم سبل السلام. اللهم انصر الجهاد والمجاهدين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاه أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2117

أهل البذل والعطاء البذل والعطاء صفة من صفات المؤمنين الأبرار والأخيار، وأعظمهم بذلاً وعطاءً النبي ﷺ الذي لم يرد سائلاً أبداً، وفي هذه المادة نماذج للباذلين من أموالهم في سبيل بعد أن بذلوا جهدهم في الجهاد والعبادة، وقد كان ذلك سبباً في ضمان النبي ﷺ لبعضهم الجنة، ولم يكن ذلك إلا بسبب الإنفاق في سبيل الله.

стр. 2118

إعراض اليهود عن البذل والعطاء عباد الله: هذا شهر العطاء والبذل، هذا شهر الصدقات؛ شهرٌ تضاعف فيه الأعطيات، وتضخم فيه الصدقات، وترفع فيه الدرجات، وتقبل فيه الحسنات، ويغفر الله فيه السيئات. هذا شهرٌ كان رسولنا ﷺ فيه كالريح المرسلة بالخير، لا يقول: (لا) ولا يعرف (لا) وإنما كلامه وفعله في البذل والعطاء: نعم. ما قال (لا) قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم والله نادى عباده من فوق سبع سموات: أن يتصدقوا، وأن يعتقوا أنفسهم من النار، وأن يقدموا للقبر وظلمته ووحشته، فلما نادى الله العالمين للصدقات والبذل والأعطيات؛ قالت اليهود: الله فقير؛ لأنه يطلب منا أن نعطيه، فرد الله عليهم مقالتهم، وأكذب فريتهم، ودحض دعواهم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١]. فقالوا بعدها: إن الله غني ولكنه بخيل -جلَّ الله عما يقولون، وتعالى عما يأفكون-: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]؛ قال ابن عباس: [[يقولون: بخيل؛ لأنه سألنا العطاء والبذل]] فرد الله عليهم بقوله، بعد أن قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] وانظر ما أحسن الرد! وما أجمل الاعتراض! وما أجمل تدبيج العبارة! هم يقولون: يدٌ واحدة، ولكن قال جلَّ ذكره: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وكلتا يديه يمين، ينفق آناء الليل وآناء النهار، خزائنه ملأى، وإنفاقه سحاً، لا يغيض ما أنفق من خزائنه منذ خلق السموات والأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلا كما يغيض البحر إذا أدخل فيه المخيط: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. كل ما عندنا فقر، وليس عندنا شيءٌ من القوة، ولا من العطاء، ولا من البذل، فالمال ماله، والعطاء عطاؤه، والميراث ميراثه: الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عاريَّةٌ والعمرُ رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال يحيا على الماء حبات القلوب كما يحيا على المال أرواحٌ وآمال

стр. 2119

صور من العطاء والله عزوجل ما ضاعف عملاً كما ضاعف الصدقات، يقول جلَّ ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة:٢٦١]. انظر إلى جمال الإبداع! وإلى جمال الصورة في النبات والرواء والحياء! ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].

стр. 2120

عطاء وبذل عبد الرحمن بن عوف وقف عندها عبد الرحمن بن عوف؛ أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ وأرضاهم، وحشرنا في زمرتهم يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه - فقدمت قافلته رافدةً وافدة، تجوب المدينة، سبعمائة جملٍ محمَّلةً بالزبيب والحبوب والطعام والثياب، فاجتمع عليها التجار، وأرادوا نهبها بالشراء، فقال: [[كم تعطوني في الدرهم الواحد؟ قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً. قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك درهمين، قال: وجدت من زادني. قالوا: نعطيك ثلاثة. قال: وجدت من زادني. فقالوا: نحن تجار المدينة ولا يزيدك على ما زدناك أحد. قال: لا والذي نفسي بيده! قد زادني رب العالمين إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] أشهدكم، وأشهد الله وملائكته؛ أنها في فقراء المدينة، وفي مساكين المدينة فقسمت في غداة واحدة، وتوزع الناس يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة]]. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٢ - ٢٦٣] ثم يقول عز من قائل بعدها بثلاث آيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٧ - ٢٦٨]. فهنيئاً لمن أعتق نفسه من النار بالدرهم والدينار، وهنيئاً لمن وسع قبره بالبذل والعطاء، فإن الله لا يستقل شيئاً، والبخل إنما هو من شيمة العبد يوم ينسى الله ولقاءه: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠]. وأتى ﵊ بالآيات البينات التي تدعو إلى الإنفاق؛ والتي نادى الله فيها العالمين قاطبةً إلى البذل والعطاء، فقال جل ذكره: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم:٣١] وقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. ويستعرض ﷺ في الصحيح فضل الصدقة، فيقول في حديث عدي بن حاتم: ﴿ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾ وفي رواية: ﴿فمن لم يجد فبكلمة طيبة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل أحدٍ يوم القيامة في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس، فمنهم من يأتي وصدقته كالجبل، ومنهم من يأتي وصدقته كالشجرة العظيمة، ومنهم من يأتي وصدقته كالكف على رأسه﴾ فانظر لنفسك كيف تنزل نفسك تلك المنازل، فوالله! لا يبقى للإنسان إلا ما قدم في الدنيا لوجهه ﵎.

стр. 2121

بذل بيت النبوة في جامع الترمذي بسند صحيح أنه ﷺ قال لـ عائشة وقد ذبح شاة: ﴿أبقي من الشاة شيئاً؟ قالت: يا رسول الله! تصدقنا بها إلا ذراعها -وفي لفظ: ذهبت إلا ذراعها- فقال ﵊: بقيت -والله- إلا ذراعها﴾؛ لأن ما ذهب إلى الله فهو الباقي، وما أكلنا ولبسنا وبنينا فهو الفاني. يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان ولكن أصحاب الرسول ﵊ بعد أن بذلوا أنفسهم وأرواحهم؛ بذلوا أموالهم لمرضاة الله وهم يبكون ويخافون ألا يتقبل الله منهم، وهم الصادقون المخلصون المنيبون.

стр. 2122

عثمان بن عفان يجهز جيش العسرة والرسول ﷺ يضمن له الجنة يقف ﵊ على المنبر، وحر الشمس يتوقد، والناس في عسر ومشقة، وهو يجهز جيش العسرة إلى تبوك، فيقول: ﴿من يجهز هذا الجيش وأضمن له الجنة﴾ فيتلكأ الناس؛ لأنها ميزانية ضخمة، ومال باهظ عظيم، فيقول: ﴿من يجهز هذا الجيش وأضمن له الجنة﴾ وهو أصدق الصادقين، وهو الضمين الذي لا يخلف، وهو الكفيل الذي لا يكذب، فيقوم عثمان بين الناس - عثمان البذل والعطاء، عثمان الصدقات والأعطيات- فيقول: يا رسول الله! أشهد الله وملائكته، وأشهدك أني أجهزها في سبيل الله، أرجو ذخرها وبرها عند الله، بخٍ بخٍ، غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿اللهم ارض عن عثمان﴾ ثم أخذ ﷺ يقول: ﴿ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ وكيف يضره ما عمل؟! وهو أعتق نفسه من النار والعار والدمار، واشترى نفسه من الله.

стр. 2123

عامر بن ثابت يفتدي نفسه أربع مرات من الله حضر عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير المقابر، فبكى حتى أغمي عليه، وكان من تجار المدينة، فلما حمل إلى بيته واستفاق، وزن ديته أربع مرات، ثم أنفقها في سبيل الله، ثم قال: اللهم إني اشتريت نفسي منك أربع مرات، اللهم لا تخزني يوم لا تخزي نبيك وأصحابه، ثم قال: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. قيل له: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فحضرته سكرات الموت وأذان المغرب يرتفع حياً على هواء التوحيد، فنودي للصلاة، فقال له أبناؤه: صلِّ في بيتك فإن الله قد عذرك. قال: لا والله، أأسمع حي على الصلاة حي على الفلاح وأصلي في بيتي؟! فحمل إلى المسجد، فلما صلى وأصبح في السجدة الأخيرة قبض الله روحه، وهذه هي الميتة الحسنة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مرت سحابة فسمع أحد الناس صوتاً في السحابة يقول: اسق مزرعة فلان، اسق مزرعة فلان، فتتبع السحابة فهطلت على مزرعة رجل، فأتى إلى الرجل وهو يعدل الماء بمسحاته، فقال: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: أنا فلان -بالاسم الذي سمعه في السحابة- قال: أسألك بالله، بأي خيرٍ نلت هذا، فإني سمعت صوتاً في السحابة ينادي باسمك، يقول: اسق مزرعة فلان؟ فقال له: أما وقد سألتني، فإن كل ما خرج من أرضي؛ أقسمه ثلاثة أقسام: قسم أتصدق به لمرضاة الله، وقسم أدخره لأهلي، وقسم أرده في هذه الأرض﴾ أولئك الذين عرفوا طريق المال من أين يأتي وإلى أين يذهب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما تصدق عبدٌ بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيباً- إلا تقبلها الله بيمينه -انظر ما أحسن التعبير! - فرباها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تصبح كالجبل العظيم﴾ هذه هي الصدقة، يوم يخلص العبد في دفعها ولا يرجو برها وثوابها إلا من الحي القيوم، جل الله ﵎. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله ﵎: يا بن آدم! أنفق أُنفق عليك﴾ فإن خزائن الله لا تتبدل ولا تتغير ولا تنقص. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله ﵎ يوم القيامة لابن آدم -يوم يستوقفه ويحاسبه ويجازيه، يوم يكلمه كفاحاً، يوم لا يكون بينه وبينه ترجمان- يا بن آدم! جعتُ ولم تطعمني -وفي لفظ: يا بن آدم! استطعمتك فلم تطعمني- قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي. يا بن آدم! استكسيتك فلم تكسني. قال: كيف أكسوك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان، استكساك فلم تكسه، أما علمت أنك لو كسوته وجدت ذلك عندي. يا بن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟!﴾ حينها يتلهف العبد، ويود أنه أنفق كل شيء، وأنه قدم لنفسه، وأنه مهد للعمل الصالح.

стр. 2124

عثمان بن عفان يشتري بئر رومة أصاب الناس قحطٌ ومجاعةٌ ومشقة فنادى ﵊، وقال: ﴿من يشتري بئر رومة -وهي بئر لليهود عذبة الماء- قال: من يشتري بئر رومة وأضمن له الجنة﴾ فشراها عثمان بن عفان، فلما شرب الناس منها قالوا: سقى الله ابن عفان من سلسبيل الجنة. وهل الحياة إلا بذل وعطاء؟! وهل الإنقاذ من النار إلا أن تقدم من هذا المال الفاني؟! وما منا من أحد إلا يستطيع أن يقدم من ثوبه، ودراهمه ودنانيره، وحبه، وتمره، ومن كلامه الطيب، ومن كفه الأذى، ومن بسمته الراقية الرائقة؛ حينها يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا.

стр. 2125

عبد الله بن المبارك يتصدق بقافلته التي نوى الحج بها وقد ضرب السلف الصالح أمثالاً في البذل والعطاء، ومن أعظمهم في من أعلم بعد التابعين عبد الله بن المبارك؛ كان رأس ماله ألف ألف درهم ما مرت عليه زكاة أبداً في الحول، من كثرة ما ينفق: يقولون معنٌ لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله هذا عبد الله بن المبارك، المحدث الخطير، والزاهد الكبير، والعابد والمجاهد النحرير، مر حاجاً بقافلة عظيمة ومعه الحجيج، وهو الذي يصرف عليهم، فلما وصل البادية، نزل مخيماً تحت أشجار هناك، فإذا بجارية خرجت من بيت، وذهبت إلى المزبلة فأخذت غراباً ميتاً من المزبلة، فقال لأحد خدمه: سلها مالها أخذت الغراب الميت؟ فذهب وسألها، فقالت: "والذي لا إله إلا هو! مالنا من طعام منذ ثلاثة أيام إلا ما يلقى في هذه المزبلة من الميتات". فعاد إلى ابن المبارك، فبكى حتى كاد يغمى عليه، وقال: [[نحن نأكل الفالوذج والناس يأكلون الغربان الميتة، لن أحج هذه السنة، وأعطوا قافلتي ببرها وحبوبها وما عليها من دراهم ودنانير وثياب إلى أهل هذه البادية]] ثم عاد وترك الحج، فلما وصل إلى أرضه -أرض خراسان - رأى في أول ليلة قائلاً يقول له في المنام: "حجٌ مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور"، وهذه من معالم البذل والعطاء. وسبحان الله! يوم يرزق الله بعض النفوس فتسخوا بما في يديها؛ تطعم الجائع وهي جائعة؛ وتسقي الظمآن وهي ظمآنة؛ وتلبس العاري وهي عارية، رجاء ما عنده .

стр. 2126

وقفات مع الإنفاق

стр. 2127

سبب الرفعة يوم القيامة والعبد إنما يرفع يوم القيامة بما قدم في الحياة، فلا -والله- يرفعه منصبه، ولو رفعه منصبه لرفع فرعون، فهو الذي تولى أكبر منصب إداري في تاريخ الإنسان، ولكن أخزاه الله ومقته، وجعله يعرض على النار غدواً وعشياً. ولا المال يرفعه، فـ أمية بن خلف كان يكسر ماله بالفئوس من الذهب والفضة، ولكنه ملعونٌ مخزيٌ مدحور، إنما العبرة بالأعمال الصالحة لمرضاة الله.

стр. 2128

نداء إلى أمة الإسلام للنفقة في سبيل الله فيا أيتها الأمة المتوحدة! ويا أيتها الأمة الحاملة لرفعة رسالة التوحيد والقداسة! أنتم في شهر البذل والعطاء، أنتم في شهر تفطير الصوام، أنتم في شهر الإنفاق، فابذلوا وتصدقوا وأحسنوا علَّ الله أن يعتق رقابنا ورقابكم من النار، وينقذنا من العار، ويدخلنا جنة عرضها السماوات والأرض. هنيئاً لكم الصيام، وهنيئاً لكم القيام، وهنيئاً لكم البذل والعطاء، أبشروا وأملوا في ربكم ما يسركم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2129

البخل صفة دائمة لليهود والمنافقين الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: عباد الله: فإن الله ذم البخل في كتابه، وذمه رسوله ﷺ ، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. وذكر الله المنافقين فقال فيهم: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]؛ أي: يمسكون الخير الذي في أيديهم. وقال عن اليهود: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧]؛ فوصفهم بخصلتين ذميمتين: بخلٌ في الأموال، وكتمان للعلم.

стр. 2130

مواقف مشرفة في الإنفاق ورد عن الرسول ﵊، كما عند الترمذي وغيره أنه قال: ﴿السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس بعيدٌ من الجنة -وفي رواية: قريب من النار-﴾. والبخل من أدوى الأدواء التي أجمع عقلاء الأمم على أنه أفضح فضيحة، وما كان العرب يسوَّدون سيداً بخيلاً فيهم أبداً؛ لأن معناه: أن هذا لا ينفعك أبداً، ولا يمكن أن يشاركك في الحياة، ولا يمكن أن تنال منه معروفاً، ولا يقف معك في الأزمات والنكبات.

стр. 2131

الصحابة يتصدقون بالقليل والكثير وقف ﵊ يطلب الأعطيات من الناس، فذهب أحد الفقراء من الأنصار يلتمس عطاءً فما وجد في بيته إلا حفنة من تمر، -كفاً واحداً من تمر- فحمله ودخل به المسجد، وإذا بالمسجد أصبح حلقةً من الناس ينظرون من يأتي بالأعطيات، فدخل بهذا غير خجلان ولا مستحٍ؛ لأن الذي يقبل العطاء هو الله، والقليل عنده كثير، فدخل بها والرسول ﷺ ينظر إليه فوضعها وسط المسجد وقال: ﴿يا رسول الله! والذي نفسي بيده ما وجدت إلا هذا في بيتي، فقال ﵊: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت﴾ فأخذ المنافقون يتغامزون في أطراف المسجد، يقولون: ماذا تغني هذه الحفنة عند رسول الله ﷺ ؟ فسمع ﷺ قولهم فما رد عليهم بشيء. ودخل عبد الرحمن بن عوف يحمل أكياس الذهب والفضة حتى وضعها في المسجد وقال: ﴿يا رسول الله! خذ هذا، قال: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت﴾ فتغامز المنافقون وقالوا: "ما قصد بها إلا رياءً وسمعة". ذاك فقيرٌ معدم لا تغني نفقته، وهذا رياءٌ وسمعة. إذاً من الصادق عندكم أيها المنافقون؟ ومن المخلص عندكم أيها الكذابون؟ ومن المنيب عندكم أيها الدجالون؟ فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]. فهو يكافئ العبد بما فعل؛ ولذلك كان شاهد هذه القصة ألا تحقر من المعروف شيئاً أبداً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. ألا تعلم أن البسمة صدقة يكتبها الله لك عنده ! وأن الكلمة الطيبة صدقة، ولو أن تسقي أو أن تدلي لأخيك وتفرغ في إنائه من إنائك فإنه لك صدقة! جاء مسكين إلى عائشة ﵂ وأرضاها فسألها الصدقة، فبحثت في البيت فلم تجد إلا عنبة واحدة فدفعتها إليه، فقال أحدهم: ما تغني هذه العنبة؟ قالت: [[إن فيها ذرات كثيرة]] لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]؛ بل شق التمرة يكتبها الله عزوجل عنده، وأصغر من ذلك الذرة الواحدة. فأنا أدعوكم ونفسي إلى الاهتمام بهذا الشهر فإن: ﴿الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار﴾ والله يغضب على العبد؛ من كثرة معاصيه ومخالفته، فيأتي العبد فيتصدق؛ فيرضى الله عنه من فوق سبع سموات؛ ولذلك كان أجود الناس -كما أسلفت- رسول الهدى ﷺ . يقول جابر كما في الصحيحين: ﴿ما سُئل رسول الله ﷺ شيئاً فقال: لا، إلا مرة -وهذا في المسند -: سأله سائل فقال: لا، وأستغفر الله﴾: وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفافٍ وحياء وكرم قوله للشيء: لا إن قلت: لا وإذا قلت: نعم قال: نعم فنعم محمودة في فعل الخير، و (لا) محمودة في فعل الشر، يوم تدعوك نفسك للفحشاء فتقول: لا. وتدعوك للبر فتقول: نعم. فهذا هديه ﷺ . ﴿نُسج له بردة -ثوب- فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله! اكسني هذه فإني محتاج، قال: أنظرني قليلاً، فذهب إلى بيته -وما ملك إلا هذا الثوب- فتلفع بشيء من الكساء، ثم خرج بالثوب الجديد ودفعه إلى الأعرابي، فقال الناس: كيف تسأل رسول الله ﷺ وليس له إلا هذا الثوب؟! قال: إني أرجو أن يكون هذا الثوب كفني، فكان كفنه﴾ رواه مسلم، وهو عن جابر وعن سهل بن سعد في صحيح البخاري. عباد الله: إن مشاريع الخير تدعوكم، وإن الفقراء ينادونكم، وإن المساكين ينظرون -بعد الله- إليكم، وإن المجاهدين يقفون على الغبراء يتلهفون إلى أموال المسلمين؛ وأعطياتهم، وتبرعاتهم، فهل من منفق؟ وهل من معط؟ وهل من متصدق؟ فوالله لا تتصدقون إلا لأنفسكم، ولا تدفعون إلا لرفع غضب ربكم عنكم، ولا توسعون إلا قبوركم، ولا تظللون إلا نفوسكم. أسأل الله لكم أجراً كثيراً، ومغفرةً عامةً، وأسأل الله لي ولكم من العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الوقت أتمه، ومن الخير أعمه. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم بصرهم بدينهم، اللهم وفقهم لاتباع سنة نبيهم ﷺ . اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، ولنصرة دين نبيك محمد ﷺ . اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفلسطين، اللهم رد لنا المسجد الأقصى يا رب العالمين، اللهم اجعله في حوزتنا، وطهره من أدناس اليهود؛ أعدائك وأعداء رسلك يا رب العالمين. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم وخذهم إليك يا رب العالمين واهدهم صراطاً مستقيماً. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا تقبل منَّا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2132

وقفة في حياة ابن الزبير كان مولد ابن الزبير خبراً ساراً قطعت به إشاعة اليهود بأن المهاجرين لن يولد لهم. وقد كانت له المواقف الخالدة، فمنها وهو صغير أنه شرب دم محاجم النبي ﷺ ، وأنه لم يخف من عمر ولم يفر كما فر غيره من الشباب. ومنها مشاركته في فتح أفريقيه مع عبد الله بن أبي السرح. وقصة استشهاده من أروع القصص في التاريخ يقف أمامها المرء مذهولاً.

стр. 2133

رد كيد اليهود بمولد ابن الزبير الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢] والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها أرضاً طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب حبست الماء، فنفع الله بها الناس، فسقوا وشربوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بما أرسلت به رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي جئت به﴾ ﷺ ، رفع رءوسنا بعد أن كانت مخفوضة، وشرح الله به صدورنا بعد أن كانت ضيقة، وأنار به قلوبنا بعد أن كانت غلفاً، وفتح به أعيننا بعد أن كانت عمياً، وأسمع به آذاننا بعد أن كانت صماً، فعليه صلاة الله وسلامه، أغلق الله أبواب الجنة لمن بعده إلا لمن أتى من بابه، فمن استضاء بغير نوره أو ظن أو اعتقد أنه يهتدي بغير هداه، أو التمس هدى وسبيلاً غير سبيله، فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، وأولئك من الخاسرين. إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرَّم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها أمَّا بَعْد: أيها الناس! معنا شاب من شباب محمد ﷺ ، وصاحب من أصحابه رباه على سمعه وبصره، لنتربى كما تربوا، ولنتعلم كما تعلموا، ولنزهد كما زهدوا، هذا الشاب هو عبد الله بن الزبير ﵁ وأرضاه. حملته أمه وهو جنين وهي مهاجرة، وهي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ﵂ وأرضاها العابدة الأوابة المنيبة الزاهدة، حملته في بطنها مهاجرة من مكة إلى المدينة، وكان اليهود في المدينة قد حقدوا على رسالة الإسلام، وتعنفوا على محمد ﷺ ، واستخدموا الدعايات المشبوهة، والشائعات وحرب الأعصاب ضد المسلمين، فقالوا: إن كهنتنا -أي: اليهود- قد أعطبوا نساء المسلمين، فلا تلد امرأة مسلمة بعد اليوم، فلما أتت أسماء ﵂ وأرضاها ووصلت بجوعها وتعبها وعطشها ولدت بهذا الابن المبارك الصالح في قباء، وتسامع المسلمون بهذا المولود المبارك، ففرحوا لأنه وثيقة رد على اليهود، وأتي به ووضع بين يدي رسول الله ﷺ ، فتبسم ﷺ ، وانشرح صدره بهذا المولود، وقبَّله على جبينه ودعا له بالبركة، ثم أخذ ريقاً من ريقه المبارك ﷺ ، فحنّك هذا الطفل المبارك، وأخذ المسلمون هذا الطفل وداروا به في شوارع المدينة، ليغيظوا به أعداء الله اليهود الذين استخدموا الشائعات ضد المسلمين.

стр. 2134

قصة توضيح علم اليهود بصحة الرسالة كان اليهود يعلمون أن رسول الله مرسل من عند الله، يقول أحد الأنصار: كان في المدينة شيخ كبير من اليهود قد بلغ من الكبر عتياً، يقوم فينا صباح مساء فيحدثنا عن أوصاف الرسول ﷺ ، فلما أتى ﷺ رأينا الوصف والعلامات كما كان يحدثنا، فأسلمنا وكفر ذاك الشيخ، وصدقنا وكذب ذاك الشيخ اليهودي، فذهبنا إليه وقلنا: هذا هو رسول الله ﷺ ، فقال: ليس هو، فأنزل الله ﵎: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. كان عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه من اليهود وقد أسلم؛ لأنه قرأ أوصاف رسول الله ﷺ في التوراة، قال: ﴿انجفل الناس من المدينة، فانجفلت معهم إلى رجل، فإذا هو متوسطٌ الناس، وقد ازدحموا عليه، فأسرفت فإذا هو رسول الله ﷺ ، ونظرت وإذا وجهه كالقمر ليلة البدر، فقلت في نفسي: والله ما هذا الوجه بوجه كذاب، فقلت: يا رسول الله! بم جئت؟ قال: جئت بلا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال ﷺ : يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، فقال عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وجدناك مكتوباً عندنا في التوراة، فدمعت عيناه ﷺ ، ثم قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله! اليهود قوم بهت -أهل زور وكذب وخداع- فاسألهم عني ولا تخبرهم أني أسلمت، فخبأه ﷺ في مكان، واستدعى اليهود، وقال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: فإنه قد أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم ابن سلام، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، وجاهلنا وابن جاهلنا﴾ فعندها كانوا يفترون المفتريات، ولما ولد ابن الزبير ﵁، كان رداً حاسماً عليهم.

стр. 2135

نشأة ابن الزبير ولد هذا الشاب في بيتٍ من بيوت الإيمان، أبوه الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، حواري رسول الله ﷺ في الجنة، وصاحبه وخليله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه ذات النطاقين. كان هذا الشاب يترعرع فيسمع آيات الله صباح مساء، لا يسمع في بيته إلا قال الله وقال رسول الله ﷺ ، وحياته بين تسبيح وتكبير، لا يسمع الغناء الماجن، أو الفحش، ولا يسمع الغيبة والنميمة والزور، نشأ بعيداً عن معصية الله ﵎، ولما شب وترعرع ﵁، كان دائماً يصلي في الصف الأول -وهو شاب- ورأى رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، فيتعلم الأدب والزهد والعبادة والتقوى والاتصال بالله ﵎.

стр. 2136

قصة شرب ابن الزبير لدم النبي ﷺ دخل ابن الزبير وعمره عشر سنوات على رسول الله ﷺ ، فيجد الرسول ﷺ يحتجم -كما صح في ذلك الحديث- فناوله ﷺ دم الحجامة، وقال: ﴿يا عبد الله! اذهب بهذا الدم واجعله في مكان لا يراه أحد، فأخذ ابن الزبير دم رسول الله ﷺ -دم الحجامة، الدم المبارك الطاهر، الدم الذي عاش في ذاك الجسم الشريف، عليه أفضل الصلاة والسلام- وذهب به في إناء، فلما اختفى وراء بيوت المدينة شرب ذاك الدم الطاهر، حتى انتهى من الشرب، ثم لعق ما بقي في الصحن وعاد، فلما رآه ﷺ تبسم، وعرف سر المسألة عليه أفضل الصلاة والسلام، وقال: يا عبد الله! أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه فيه أحد، فقال ﵊: ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار﴾ وبدأ ﵁ وأرضاه، يزداد قوة إلى قوته، لأن دم الرسول ﷺ أصبح في جسمه فوصل إلى عروقه وشرايينه. وأما قوله: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، فويل لك من الناس: سوف تجد ما وجدت من الناس من إعراض وتكذيب وشتم وغيبة، ومن حروب، وسوف يجد الناس منك قوة شخصية وشجاعة كما يجدونها مني أنا، وأما قوله: فلا تمسك النار، فكيف تمس النار جسماً أصبح دم الرسول ﷺ في شرايينه؟! قال أهل العلم: اكتسب بذلك الدم قوة في جسمه ﵁ وأرضاه، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: فكان يصوم سبعة أيام متواصلة -ليل نهار- ويفطر في اليوم الثامن، لقوة جسمه ﵁ وأرضاه، وكان أعبد الناس، والعبادة أشرف مقام في الإسلام؛ فجسم يمنحك الله إياه أو قوة يعطيك الله إياها، ثم لا تستخدمها في مرضاته ، فإنك سوف تحاسب عليها يوم القيامة. ووقت تمضيه في غير طاعة الله تسأل عنه يوم القيامة. ﴿جاء شباب إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! أعطنا مما أعطاك الله، فأعطاهم من اللباس والمال إلا شاباً واحداً قال: لا أريد اللباس ولا أريد المال، فقال ﷺ : فماذا تريد إذاً؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة، فقال ﷺ : أو غير ذلك؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة﴾. وقد كان ابن الزبير ساجداً دائماً، يقول ابن أبي مليكة: والله، لقد رأيته قضى ليلة من الليالي راكعاً حتى أصبح، وليلة ساجداً حتى أصبح، وكان إذا وقف في صلاته كأنه سارية لا يتحرك، فيأتي الحمام والعصافير فتقف على رأسه ثم تطير: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] هذا هو الاتصال بالحي القيوم، وهذه هي عظمة المسلم، وهذا هو الباقي عند الله ﵎. وحدث في يوم من الأيام أن اقتحم سيل عارم الحرم المكي -بيت الله العتيق- حتى أصبح السيل عند مقام إبراهيم ﵇، فخرج أهل مكة يبكون خائفين على الكعبة أن تهدم، أما هو فخلع ثيابه وائتزر ونزل يطوف سبعة أشواط وهو يسبح في السيل، قال أهل العلم: ليس لنا أحد طاف بالسيل سابحاً إلا عبد الله بن الزبير ﵁ وأرضاه. وبينما هو شاب خرج عمر بن الخطاب في خلافته فلما رآه الشباب فروا؛ لأن عمر ﵁ كان مهاباً، كان يخاف منه الناس، لقوة إيمانه وشكيمته ﵁، ففر الشباب إلا ابن الزبير ﵁، فقد استمر واقفاً في مكانه، فرآه عمر فتبسم، وأراد أن يستجلي الخبر، فقال: ما وراءك يا ابن الزبير؟ لماذا لم تفر مع الناس؟ قال: ليس الطريق ضيقاً فأوسع لك، وما فعلت ذنباً فأخافك، فقبَّله عمر ﵁، ودعا له، وحيا هذه البطولة، النادرة، والصرامة الفائقة، التي تعلن الرأي في حرية, وتقول الكلمة في صراحة، وتثبت مكانها ولو أزيحت الرءوس عن أكتافها.

стр. 2137

جهاد ابن الزبير في إفريقيا عاش ابن الزبير ﵁ وأرضاه على هذا المستوى، وكان دائماً يطمح إلى الجهاد، ويحدث نفسه بالاستشهاد، ويتمنى أن يكون من خلَّص العباد، ودعا داعي الله إلى النفير في سبيل الله. وذلك يوم كنا لا نخضع رءوسنا للأمم. يوم كنا لا نطأطئ أعناقنا لأنذال البشرية. يوم كنا نرفع السيف، فمن أجابنا بلا إله إلا الله، عفونا عنه، ومن لم يفعل قطعنا رأسه كما تُقطع الزهرة في الحديقة. فنادى عثمان مع ابن أبي السرح إلى الجهاد في سبيل الله في إفريقيا، سلوا إفريقيا عنا ماذا فعلنا وفعل أجدادنا، وسلوا آسيا، وسلوا كل جبال الدنيا تشهد بشجاعة أجدادنا. لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كنا نقدم للرءوس سيوفنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا فوصل ﵁ وأرضاه إلى هناك، وهو في السابعة والعشرين من عمره، فلما اجتمع المسلمون والوثنيون الكفرة رأى ابن الزبير ﵁ صفوف المسلمين تتهدم فلم يعجبه ذلك، ونظر في صفوف الأعداء فوجد أن مصدر القوة عند القيادة، فقال: يا معشر المسلمين! احموا ظهري فإني مصمم على الاستشهاد، وخرج يشق الصفوف وظهره محمي حتى بلغ القائد الوثني الأفريقي فقتله وقطع رأسه، وبدت الهزيمة تلحق بأولئك الخاسرين وانتصر الإسلام والمسلمون بهذا الشاب، بعد نصر الله وتوفيقه ﵎، وعادوا إلى المدينة المنورة، فقبله عثمان ﵁ وأرضاه. كم قدم ابن الزبير من بطولة، وكم أعلن من تضحية!! فهو مع الصوَّام في الهواجر صائماً، ومع الذاكرين لله ذاكراً، ومع المتهجدين في سبات الليل متهجداً، ومع الشجعان الأقوياء قوياً شجاعاً. هذا هو التكامل؛ أن تعطي ثمن القوة في كل مركز، وأن نغطي الشخصية المسلمة كل احتياج، ذلك لأن محمداً ﷺ يريد من المسلم أن يكون عالمياً في تصوره لأن دعوته عالميه، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وللحديث بقية. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2138

قصة استشهاد ابن الزبير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ﷺ منه نتعلم الأخلاق، ونتعلم الزهد، ومنه نتعلم البذل والتضحية، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه. ومع ابن الزبير في قافلة الحياة، مع ذلك العابد الذي زكاه أصحاب محمد ﷺ ، ولكل بداية نهاية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. وإذا لم يكن من الموت بدُّ فمن العجز أن تموت جبانا! إذا كان الموت قضية مسلمة، وسنة من سنن الله في الحياة، فلماذا يموت المسلم على الفراش وهناك دعاء التضحية، ومواقف استبسال، وطلب الشهادة؟ فلما رأى الله من قلب ابن الزبير أنه يتوق إلى الشهادة، وكان ﵁ يطالب بالحق للمستضعفين من اليتامى والأرامل يرفض الظلم والجور يرفض أن تؤخذ الحقوق جهاراً نهاراً من الضعفاء، فكان من جند المستضعفين بسيفه وقلبه وإيمانه ﵁ وأرضاه، وقف في الحرم وأعلن الخلافة من هناك، وأخذ الخلافة ست سنوات، لكن بني أمية في الشام لم يعجبهم ذلك، فهم يريدون طريقاً وهو يريد طريقاً آخر، وعند الله يجتمع الخصوم، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] وزحف الحجاج إلى ابن الزبير ﵁ وأرضاه وهو في الحرم، وقد لاذ وعاد ببيت الله، وهو ينادي برب الحي وأصحابه، وينادي برفع الظلم والجور عن المظلومين، ولم يهم الحجاج أن تستباح مكة والمدينة في غداة واحدة، ويصل والحجاج إلى مكة، فيطوق الحرم، ويرسل قذائفه النارية إلى بيت الله العتيق، وتلج القلوب، وتصيح الألسنة، لا حكم إلا لله، ولا بقاء إلا للا إله إلا الله، ولكن ذلك الجائر يرفض إلا حكم المعركة والسيف. وابن الزبير يستدعى من أقربائه ليسلم فيعلن القوة والصراحة والاستبسال ﵁ وأرضاه، وفي آخر لحظاته كان يطارد وحده خمسمائة من الرجال بسيفه، فيهربون أمامه كما تهرب الماعز، ويعود إلى ذات النطاقين، إلى الأم الحنون والمدرسة الأولى إلى الجامعة القوية إلى مصدر الثروة والنماء والاستبسال إلى العزيزة بإيمانها والقوية بتضحيتها ويعرض عليها الأمر، ويأخذ منها الشورى، ويقول: أخاف أني إذا قتلت أن يمزق جسمي، فقالت: وماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ لكن اثبت واحتسب أجرك على الله، فالسلام عليك من شهيد، وأستودعك الله من فقيد، ثم تقول له وهي تبكي: والله لقد كنت مطيعاً لربك، باراً بأبويك، مقيماً للصلاة في الليل، صائماً في الهواجر، ولقاؤنا معك عند الله ﵎، وخرج ﵁ وأرضاه، متكفناً في أكفانه البيضاء بياض إسلامه وقلبه ومنهجه في الحياة، وتحنط وتطيب ثم وقف عند مقام إبراهيم، ليودع الحياة وأهلها وطاغوتها، ووقف يصلي، فأتته قذيفة وهو في مكانه فما اهتز وما التوى ولا تغير، فوقعت في رأسه، فأوقعته في الأرض شهيداً، وحمل إلى الحجاج وهو مقتول، فقال: اصلبوه في الحجون، فصلبوه في الشمس وكأنه يخطب الناس أو كأنه قائم في صلاته لربه مناجياً الحي القيوم، شدوه بالحبال على الخشب، ومر أجيال وأطفال الناس ومرّ التابعون يبكون ويودعونه، ومر ابن عمر ﵁ وأرضاه فقال: السلام عليك، والله، ما علمت إلا أنك مقيماً لكتاب الله، مهتدياً بهدي رسول الله، صائماً للهواجر، قائماً الليل، فالسلام عليك من فارس لم يترجل، ثم مرت أمه وهي عمياء يقودونها، فقالت: إذا وازيته فأقيموني، ووقفت وهي تبكي وتقول: سلام عليك يابن حواري رسول الله! والله لقد كنت باراً في شبابك، مطيعاً في كدرك، عابداً في شيخوختك، فسلام الله عليك حتى ألقاك. سلام الله عليه يوم يلقى الله ﵎، وسلام الله وصلاته على من علمه هذا المنهج، وعلى من أحيا قلبه بالرسالة الرسالة التي تستطيع دائماً وأبداً أن تستمر لتحيي ملايين القلوب، لمن أراد أن يحيا بنور الله، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] أفمن كان ميتاً في الجاهلية، فأحيينا قلبه بنور الإيمان، فانتفض عليه حياً مؤمناً، وجعلنا له نوراً من هذا المنهج يمشي به في الناس ليوزعه بين الناس، ويهديه لهم، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كمن مثله في ظلمات شهواته ونزواته ومرابعه، يبغث بطنه، ويعبد ثوبه ووظيفته، ويعبد سيارته وحذاءه، ولكنه لا يعبد الله. فهذا ابن الزبير يعلمنا كيف نعبد الله الحي القيوم، وعلى مثل ذلك المنهج نسير إلى الله، وبمثل حبهم نحب الله وقد وقف يودع الناس: علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاءً كمدك إليهم بالهبات عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله ﷺ ، الذي أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله بها عليه عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وارفع رايتهم، وارفع رءوسهم، وانصرهم على عدوهم، واشرح صدورهم بنورك الذي أنزلته على نبيك، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك الموحدين في أفغانستان وفلسطين وفي كل زمان وسقع من بلاد المسلمين، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.

стр. 2139

فاعلم أنه لا إله إلا الله (لا إله إلا الله) ليست كلمة تقال فحسب، بل لا بد أن يعلم معناها، ومع العلم لا بد من العمل، ومن لم يأخذ بـ (لا إله إلا الله) أو لم يعمل بها نكسه الله وعذبه في الدنيا قبل الآخرة وأخزاه جل وعلا. و (لا إله إلا الله) هي التي حمت محمد ﷺ في كثير من المواقف وحمت من قالها ممن تبعه بحق، وكما أن (لا إله إلا الله) نصرت من أخذ بحقها ممن سبق؛ فإنها ستنصر من يأخذ بها في الدنيا وفي الآخرة؛ ومن تركها فله العذاب والخسارة والندامة في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 2140

شكر وتقدير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله مساكم باليمن والمسرات. الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإنه وسراجاً منيراً. هدى الله به الإنسانية وأنار الله به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ما اتصلت عين بنظر، وما تاقت أذن لخبر، وما هتف الورْق على الشجر، وما هطل المطر. أشكركم شكراً جميلاً، وأشكركم شكراً لا يكتب إلا بدموع عيني ولو استطعت أن أكتبه بالدموع لكتبته والله، أشكركم شكراً لا ينتهي، ولو استطعت أن أكتب شكركم بدمي لكتبته والله، فإن الدم لله والدموع لله والقلب لله والرأس لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا أشكركم لثلاثة أسباب: أولاً: لأنكم اجتمعتم لتسمعوا قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أتيتم هنا بقلوبكم ودمائكم وأبصاركم وأسماعكم لتسمعوا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أتيتم هنا لتقولوا سوف تعود لا إله إلا الله، وسوف نبقى مع لا إله إلا الله، وسوف ننصر لا إله إلا الله، وسوف نسجد لرب لا إله إلا الله. ثانياً: أشكركم لأن أجدادكم هم الذين فتحوا الدنيا بلا إله إلا الله وهم الذين قتلوا في حدائق الأندلس وأسبانيا والبرتغال وطاشكند والهند والسند، وهم الذين ماتوا في صحراء سيبيريا وفي اسطانبول، وعلى ضاف دجلة والفرات، ليرفعوا لا إله إلا الله، ومن يشابه أبه فما ظلم. نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا ثالثاً: أشكركم على دعائكم الحار بالأسحار، شكر الله لكم دعاءكم وجعله في ميزان حسناتكم، وإنما نصرتم باتباعكم محمداً ﵊، ونصرتكم باتباعكم أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ونصرتم باتباعكم أهل الخير وأهل العلم وولاة الأمر، فقد نصرتم هذه البلاد ونصرتم لا إله إلا الله، لكني عاجز عن شكركم، وأحيلكم على الغفار رب الأرض والسماوات، الذي يثيبكم ويكسوكم جلابيب الرضوان يوم يجمع الأولين والآخرين، ثم أشكر من قدمني وأعتذر وأقول غفر الله له، وأنا عبد ضعيف. إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فأسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يتقبلنا فيمن تقبل، وأن يثبتنا على الحق. عنوان المحاضرة: فاعلم أنه لا إله إلا الله.
следующие страницы →