Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
قصة شرب ابن الزبير لدم النبي ﷺ
دخل ابن الزبير وعمره عشر سنوات على رسول الله ﷺ ، فيجد الرسول ﷺ يحتجم -كما صح في ذلك الحديث- فناوله ﷺ دم الحجامة، وقال: ﴿يا عبد الله! اذهب بهذا الدم واجعله في مكان لا يراه أحد، فأخذ ابن الزبير دم رسول الله ﷺ -دم الحجامة، الدم المبارك الطاهر، الدم الذي عاش في ذاك الجسم الشريف، عليه أفضل الصلاة والسلام- وذهب به في إناء، فلما اختفى وراء بيوت المدينة شرب ذاك الدم الطاهر، حتى انتهى من الشرب، ثم لعق ما بقي في الصحن وعاد، فلما رآه ﷺ تبسم، وعرف سر المسألة عليه أفضل الصلاة والسلام، وقال: يا عبد الله! أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه فيه أحد، فقال ﵊: ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار﴾ وبدأ ﵁ وأرضاه، يزداد قوة إلى قوته، لأن دم الرسول ﷺ أصبح في جسمه فوصل إلى عروقه وشرايينه.
وأما قوله: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، فويل لك من الناس: سوف تجد ما وجدت من الناس من إعراض وتكذيب وشتم وغيبة، ومن حروب، وسوف يجد الناس منك قوة شخصية وشجاعة كما يجدونها مني أنا، وأما قوله: فلا تمسك النار، فكيف تمس النار جسماً أصبح دم الرسول ﷺ في شرايينه؟!
قال أهل العلم: اكتسب بذلك الدم قوة في جسمه ﵁ وأرضاه، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: فكان يصوم سبعة أيام متواصلة -ليل نهار- ويفطر في اليوم الثامن، لقوة جسمه ﵁ وأرضاه، وكان أعبد الناس، والعبادة أشرف مقام في الإسلام؛ فجسم يمنحك الله إياه أو قوة يعطيك الله إياها، ثم لا تستخدمها في مرضاته ، فإنك سوف تحاسب عليها يوم القيامة.
ووقت تمضيه في غير طاعة الله تسأل عنه يوم القيامة.
﴿جاء شباب إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! أعطنا مما أعطاك الله، فأعطاهم من اللباس والمال إلا شاباً واحداً قال: لا أريد اللباس ولا أريد المال، فقال ﷺ : فماذا تريد إذاً؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة، فقال ﷺ : أو غير ذلك؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة﴾.
وقد كان ابن الزبير ساجداً دائماً، يقول ابن أبي مليكة: والله، لقد رأيته قضى ليلة من الليالي راكعاً حتى أصبح، وليلة ساجداً حتى أصبح، وكان إذا وقف في صلاته كأنه سارية لا يتحرك، فيأتي الحمام والعصافير فتقف على رأسه ثم تطير: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] هذا هو الاتصال بالحي القيوم، وهذه هي عظمة المسلم، وهذا هو الباقي عند الله ﵎.
وحدث في يوم من الأيام أن اقتحم سيل عارم الحرم المكي -بيت الله العتيق- حتى أصبح السيل عند مقام إبراهيم ﵇، فخرج أهل مكة يبكون خائفين على الكعبة أن تهدم، أما هو فخلع ثيابه وائتزر ونزل يطوف سبعة أشواط وهو يسبح في السيل، قال أهل العلم: ليس لنا أحد طاف بالسيل سابحاً إلا عبد الله بن الزبير ﵁ وأرضاه.
وبينما هو شاب خرج عمر بن الخطاب في خلافته فلما رآه الشباب فروا؛ لأن عمر ﵁ كان مهاباً، كان يخاف منه الناس، لقوة إيمانه وشكيمته ﵁، ففر الشباب إلا ابن الزبير ﵁، فقد استمر واقفاً في مكانه، فرآه عمر فتبسم، وأراد أن يستجلي الخبر، فقال: ما وراءك يا ابن الزبير؟ لماذا لم تفر مع الناس؟ قال: ليس الطريق ضيقاً فأوسع لك، وما فعلت ذنباً فأخافك، فقبَّله عمر ﵁، ودعا له، وحيا هذه البطولة، النادرة، والصرامة الفائقة، التي تعلن الرأي في حرية, وتقول الكلمة في صراحة، وتثبت مكانها ولو أزيحت الرءوس عن أكتافها.
стр. 2137
جهاد ابن الزبير في إفريقيا
عاش ابن الزبير ﵁ وأرضاه على هذا المستوى، وكان دائماً يطمح إلى الجهاد، ويحدث نفسه بالاستشهاد، ويتمنى أن يكون من خلَّص العباد، ودعا داعي الله إلى النفير في سبيل الله.
وذلك يوم كنا لا نخضع رءوسنا للأمم.
يوم كنا لا نطأطئ أعناقنا لأنذال البشرية.
يوم كنا نرفع السيف، فمن أجابنا بلا إله إلا الله، عفونا عنه، ومن لم يفعل قطعنا رأسه كما تُقطع الزهرة في الحديقة.
فنادى عثمان مع ابن أبي السرح إلى الجهاد في سبيل الله في إفريقيا، سلوا إفريقيا عنا ماذا فعلنا وفعل أجدادنا، وسلوا آسيا، وسلوا كل جبال الدنيا تشهد بشجاعة أجدادنا.
لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا نقدم للرءوس سيوفنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا
فوصل ﵁ وأرضاه إلى هناك، وهو في السابعة والعشرين من عمره، فلما اجتمع المسلمون والوثنيون الكفرة رأى ابن الزبير ﵁ صفوف المسلمين تتهدم فلم يعجبه ذلك، ونظر في صفوف الأعداء فوجد أن مصدر القوة عند القيادة، فقال: يا معشر المسلمين! احموا ظهري فإني مصمم على الاستشهاد، وخرج يشق الصفوف وظهره محمي حتى بلغ القائد الوثني الأفريقي فقتله وقطع رأسه، وبدت الهزيمة تلحق بأولئك الخاسرين وانتصر الإسلام والمسلمون بهذا الشاب، بعد نصر الله وتوفيقه ﵎، وعادوا إلى المدينة المنورة، فقبله عثمان ﵁ وأرضاه.
كم قدم ابن الزبير من بطولة، وكم أعلن من تضحية!! فهو مع الصوَّام في الهواجر صائماً، ومع الذاكرين لله ذاكراً، ومع المتهجدين في سبات الليل متهجداً، ومع الشجعان الأقوياء قوياً شجاعاً.
هذا هو التكامل؛ أن تعطي ثمن القوة في كل مركز، وأن نغطي الشخصية المسلمة كل احتياج، ذلك لأن محمداً ﷺ يريد من المسلم أن يكون عالمياً في تصوره لأن دعوته عالميه، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وللحديث بقية.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2138
قصة استشهاد ابن الزبير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ﷺ منه نتعلم الأخلاق، ونتعلم الزهد، ومنه نتعلم البذل والتضحية، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه.
ومع ابن الزبير في قافلة الحياة، مع ذلك العابد الذي زكاه أصحاب محمد ﷺ ، ولكل بداية نهاية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
وإذا لم يكن من الموت بدُّ فمن العجز أن تموت جبانا!
إذا كان الموت قضية مسلمة، وسنة من سنن الله في الحياة، فلماذا يموت المسلم على الفراش وهناك دعاء التضحية، ومواقف استبسال، وطلب الشهادة؟ فلما رأى الله من قلب ابن الزبير أنه يتوق إلى الشهادة، وكان ﵁ يطالب بالحق للمستضعفين من اليتامى والأرامل يرفض الظلم والجور يرفض أن تؤخذ الحقوق جهاراً نهاراً من الضعفاء، فكان من جند المستضعفين بسيفه وقلبه وإيمانه ﵁ وأرضاه، وقف في الحرم وأعلن الخلافة من هناك، وأخذ الخلافة ست سنوات، لكن بني أمية في الشام لم يعجبهم ذلك، فهم يريدون طريقاً وهو يريد طريقاً آخر، وعند الله يجتمع الخصوم، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] وزحف الحجاج إلى ابن الزبير ﵁ وأرضاه وهو في الحرم، وقد لاذ وعاد ببيت الله، وهو ينادي برب الحي وأصحابه، وينادي برفع الظلم والجور عن المظلومين، ولم يهم الحجاج أن تستباح مكة والمدينة في غداة واحدة، ويصل والحجاج إلى مكة، فيطوق الحرم، ويرسل قذائفه النارية إلى بيت الله العتيق، وتلج القلوب، وتصيح الألسنة، لا حكم إلا لله، ولا بقاء إلا للا إله إلا الله، ولكن ذلك الجائر يرفض إلا حكم المعركة والسيف.
وابن الزبير يستدعى من أقربائه ليسلم فيعلن القوة والصراحة والاستبسال ﵁ وأرضاه، وفي آخر لحظاته كان يطارد وحده خمسمائة من الرجال بسيفه، فيهربون أمامه كما تهرب الماعز، ويعود إلى ذات النطاقين، إلى الأم الحنون والمدرسة الأولى إلى الجامعة القوية إلى مصدر الثروة والنماء والاستبسال إلى العزيزة بإيمانها والقوية بتضحيتها ويعرض عليها الأمر، ويأخذ منها الشورى، ويقول: أخاف أني إذا قتلت أن يمزق جسمي، فقالت: وماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ لكن اثبت واحتسب أجرك على الله، فالسلام عليك من شهيد، وأستودعك الله من فقيد، ثم تقول له وهي تبكي: والله لقد كنت مطيعاً لربك، باراً بأبويك، مقيماً للصلاة في الليل، صائماً في الهواجر، ولقاؤنا معك عند الله ﵎، وخرج ﵁ وأرضاه، متكفناً في أكفانه البيضاء بياض إسلامه وقلبه ومنهجه في الحياة، وتحنط وتطيب ثم وقف عند مقام إبراهيم، ليودع الحياة وأهلها وطاغوتها، ووقف يصلي، فأتته قذيفة وهو في مكانه فما اهتز وما التوى ولا تغير، فوقعت في رأسه، فأوقعته في الأرض شهيداً، وحمل إلى الحجاج وهو مقتول، فقال: اصلبوه في الحجون، فصلبوه في الشمس وكأنه يخطب الناس أو كأنه قائم في صلاته لربه مناجياً الحي القيوم، شدوه بالحبال على الخشب، ومر أجيال وأطفال الناس ومرّ التابعون يبكون ويودعونه، ومر ابن عمر ﵁ وأرضاه فقال: السلام عليك، والله، ما علمت إلا أنك مقيماً لكتاب الله، مهتدياً بهدي رسول الله، صائماً للهواجر، قائماً الليل، فالسلام عليك من فارس لم يترجل، ثم مرت أمه وهي عمياء يقودونها، فقالت: إذا وازيته فأقيموني، ووقفت وهي تبكي وتقول: سلام عليك يابن حواري رسول الله! والله لقد كنت باراً في شبابك، مطيعاً في كدرك، عابداً في شيخوختك، فسلام الله عليك حتى ألقاك.
سلام الله عليه يوم يلقى الله ﵎، وسلام الله وصلاته على من علمه هذا المنهج، وعلى من أحيا قلبه بالرسالة الرسالة التي تستطيع دائماً وأبداً أن تستمر لتحيي ملايين القلوب، لمن أراد أن يحيا بنور الله، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] أفمن كان ميتاً في الجاهلية، فأحيينا قلبه بنور الإيمان، فانتفض عليه حياً مؤمناً، وجعلنا له نوراً من هذا المنهج يمشي به في الناس ليوزعه بين الناس، ويهديه لهم، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كمن مثله في ظلمات شهواته ونزواته ومرابعه، يبغث بطنه، ويعبد ثوبه ووظيفته، ويعبد سيارته وحذاءه، ولكنه لا يعبد الله.
فهذا ابن الزبير يعلمنا كيف نعبد الله الحي القيوم، وعلى مثل ذلك المنهج نسير إلى الله، وبمثل حبهم نحب الله وقد وقف يودع الناس:
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءً كمدك إليهم بالهبات
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله ﷺ ، الذي أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله بها عليه عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وارفع رايتهم، وارفع رءوسهم، وانصرهم على عدوهم، واشرح صدورهم بنورك الذي أنزلته على نبيك، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك الموحدين في أفغانستان وفلسطين وفي كل زمان وسقع من بلاد المسلمين، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
стр. 2139
فاعلم أنه لا إله إلا الله
(لا إله إلا الله) ليست كلمة تقال فحسب، بل لا بد أن يعلم معناها، ومع العلم لا بد من العمل، ومن لم يأخذ بـ (لا إله إلا الله) أو لم يعمل بها نكسه الله وعذبه في الدنيا قبل الآخرة وأخزاه جل وعلا.
و (لا إله إلا الله) هي التي حمت محمد ﷺ في كثير من المواقف وحمت من قالها ممن تبعه بحق، وكما أن (لا إله إلا الله) نصرت من أخذ بحقها ممن سبق؛ فإنها ستنصر من يأخذ بها في الدنيا وفي الآخرة؛ ومن تركها فله العذاب والخسارة والندامة في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 2140
شكر وتقدير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله مساكم باليمن والمسرات.
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإنه وسراجاً منيراً.
هدى الله به الإنسانية وأنار الله به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ما اتصلت عين بنظر، وما تاقت أذن لخبر، وما هتف الورْق على الشجر، وما هطل المطر.
أشكركم شكراً جميلاً، وأشكركم شكراً لا يكتب إلا بدموع عيني ولو استطعت أن أكتبه بالدموع لكتبته والله، أشكركم شكراً لا ينتهي، ولو استطعت أن أكتب شكركم بدمي لكتبته والله، فإن الدم لله والدموع لله والقلب لله والرأس لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
أشكركم لثلاثة أسباب:
أولاً: لأنكم اجتمعتم لتسمعوا قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أتيتم هنا بقلوبكم ودمائكم وأبصاركم وأسماعكم لتسمعوا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أتيتم هنا لتقولوا سوف تعود لا إله إلا الله، وسوف نبقى مع لا إله إلا الله، وسوف ننصر لا إله إلا الله، وسوف نسجد لرب لا إله إلا الله.
ثانياً: أشكركم لأن أجدادكم هم الذين فتحوا الدنيا بلا إله إلا الله وهم الذين قتلوا في حدائق الأندلس وأسبانيا والبرتغال وطاشكند والهند والسند، وهم الذين ماتوا في صحراء سيبيريا وفي اسطانبول، وعلى ضاف دجلة والفرات، ليرفعوا لا إله إلا الله، ومن يشابه أبه فما ظلم.
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
ثالثاً: أشكركم على دعائكم الحار بالأسحار، شكر الله لكم دعاءكم وجعله في ميزان حسناتكم، وإنما نصرتم باتباعكم محمداً ﵊، ونصرتكم باتباعكم أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ونصرتم باتباعكم أهل الخير وأهل العلم وولاة الأمر، فقد نصرتم هذه البلاد ونصرتم لا إله إلا الله، لكني عاجز عن شكركم، وأحيلكم على الغفار رب الأرض والسماوات، الذي يثيبكم ويكسوكم جلابيب الرضوان يوم يجمع الأولين والآخرين، ثم أشكر من قدمني وأعتذر وأقول غفر الله له، وأنا عبد ضعيف.
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فأسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يتقبلنا فيمن تقبل، وأن يثبتنا على الحق.
عنوان المحاضرة: فاعلم أنه لا إله إلا الله.
стр. 2141
بلاؤه ﷺ وأصحابه من أجل (لا إله إلا الله)
لمن قالها الله؟ ومن الذي قالها؟ ولمن تقال؟
أما الذي قالها فهو الحي القيوم، قالها من فوق العرش، ونزل بها جبريل وكتبت في القرآن، قالها الله لمحمد ﵊، يا محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
إذا رأيت الأعداء والدنيا والمغريات والباطل، فاعلم أنه لا إله إلا الله، يا محمد! قبل أن تدعو الناس وقبل أن تلبس ثيابك وتذهب لمنصبك وتزاول وظيفتك وتحرث بمحراثك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
يا محمد! يوم يسقط رأسك ورأس كل فرد من أمتك على الأرض، لتسقط رءوسكم على لا إله إلا الله، قالها الله لمن؟ لأزكى الخلق، ولأبر الناس، الذي كان يقطع ليله بالدموع والبكاء من خشية الله، وحفظ لا إله إلا الله، كان يعيش بها في الليل والنهار، كان يشرب ويأكل وينام بلا إله إلا الله، ضرب بالسيوف وأوذي وهو يقول لا إله إلا الله، دخل الغار وافتقر وذبح أصحابه، وكسرت رايته مرات، وقُتل محبيه وماتت بناته، وجاع وعري وهو يقول: لا إله إلا الله.
قال له أهل الباطل: نعطيك مالاً حتى تكون أغنى الناس، وتزوج أجمل فتاة واترك دعوتك، نجعلك سيداً علينا واترك دعوتك، فماذا قال العظيم؟ ماذا قال الزعيم؟ ماذا قال الرائد؟ ماذا قال الواثق من دعوته؟
تذوب شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبر
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرر
ماذا قال؟ قام قائماً كما يقوم الأبطال وهو سيد الأبطال، وكما ينهض العظماء وهو أكبر العظماء، وكما يثبت الشرفاء وهو أشرف الشرفاء، قام ودمعت عيناه وقال: ﴿والذي نفسي بيده لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله﴾.
فالمسألة مسألة عقيدة، فالله بلغه ما تمنى، يقول الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] إن لم تفعل فما بلغت دينه، ولن تحمل شريعته، ماذا فعل؟ أخرجوه من بيته، طوقه خمسون شاباً بالسيوف يقطر منها الموت، فخرج يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] وأخذ حفنة من التراب، ونثرها على الكفر والوثنية، وعلى كل عميل فدخل كل التراب في عيونهم فخسئوا وخابوا، وخرج منصلتاً مثل السيف وأقوى من الفجر إلى الغار، ولحقوه في الغار، وأرادوا أن يدخلوا إلى الغار وليس معه سلاح، ولكن سلاحه لا إله إلا الله، ولا معه رماح ولكن رماحه لا إله إلا الله، ولا معه دروع ولكن دروعه لا إله إلا الله، طوقوا الغار وأرادوا دخوله فأرسل الله العنكبوت فبنت بيتها في فم الغار، وأرسل الحمامة فبنت عشها وباضت في فم الغار، فأتى الكفار بالسيوف فرأوا عش الحمامة وبيت العنكبوت فقالوا: ما دخل محمد هنا.
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
مولاي صلِّ وسلم ما أردت على نزيل عرشك خير الرسل كلهم
الله أكبر يا للعظمة ويا للقوة ويا للنفاذ فخرج المشركون وصعدوا على رأس الغار، فقال أبو بكر وهو يرتعد: ﴿يا رسول الله: والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا﴾ فيتبسم ﵊، تبسم العظيم، الزعيم الشجاع.
والفيافي حالمات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير
يقول: ﴿يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا﴾.
رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
стр. 2142
لا إله إلا الله في طريق الهجرة
خرج من الغار ولحقه سراقة على فرسه، لأن قريش قالت: من يأتي بمحمد ﵊ حياً أوميتاً فله مائة ناقة، هذه مخاطرة وموت، لكن الشجاع يريد أن يبلغ دينه إلى القارات الست.
اليوم في موسكو عاصمة روسيا، يرتفع الله أكبر، حج منها هذه السنة أكثر من ألفي حاج، لأن محمداً ﵊ صمد لتدخل لا إله إلا الله موسكو وبكين ولندن وواشنطن، لا بد أن تدخل لا إله إلا الله الدنيا.
لحقه سراقة لينال مائة ناقة، ولكن ظن سراقة أن الأمر سهل، وقد كان أبو بكر مرة يمشي عن يمين الرسول ﵊ ومرة عن يساره ومرة من أمامه ومرة من خلفه، سلمك الله يا أبا بكر! رفع الله منزلتك يا أبا بكر! فيتبسم ﵊، وقال: مالك يا أبا بكر! قال: يا رسول الله! أخاف أن يرصدوا لك فأتقدم أمامك لأموت قبلك، وأخشى أن يلاحقوك فأتخلف، وأخشى أن يأتوا من على الميمنة فأرصد الميمنة، وأخشى أن يأتوا من على الميسرة فأحميك من على الميسرة، قال: ﴿غفر الله لك يا أبا بكر﴾ ما أحسنها من كلمة، ووقف ﷺ ما عنده إلا إداوة فيها قليل من الماء، وهو يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ولحق بهم سراقة، قال أبو بكر: يا رسول الله! انظر إلى سراقة، فنظر إليه، وهو مقبل معه سيف فيه الموت، فدعى عليه فساخت أقدام فرسه ووقع على وجهه في الأرض، فقال لفرسه صه: -يعني: قم- فقام وأخذ السيف فهو من شجعان العرب.
والرسول ﵊ ليس معه سيف، ولكن معه ما هو أقوى من السيف، معه لا إله إلا الله، معه قوة أقوى من كل قوة على وجه الأرض، ووقف سراقة ثانية وعدا ليقتله فقال ﵊: ﴿اللهم اكفنيه بما شئت﴾ فساخ فرسه ووقع على وجهه، ونهض فقال: يا محمد! أسألك الأمان، اكتب لي أماناً؛ خاف من الموت.
فر من الموت وفي الموت وقع
فتبسم ﵊، يتبسم من هذا المسكين، أتى ليذبحه، فأتى يطلب الأمان اليوم من الذبح، وأتى يأخذ صكاً أن لا يقتل، قال ﵊: ﴿ويلك يا سراقة! كيف بك إذا سورك الله بسواري كسرى وقصير﴾ ملك فارس وملك الروم.
طريد من مكة ترك بناته وداره وعقاره وأهله وجيرانه وهم يلاحقونه في الصحراء، ومع ذلك يقول يا سراقة! سوف ننتصر على الباطل وعلى دولة كسرى وقيصر، وسوف يأخذون أساورتهم ويجلعونها في يديك، وضحك سراقة من هذا الكلام؟ أهذا كلام؟ هذا يفر في الصحراء ويمنينا بسواري كسرى وقيصر، ولكن بعد عشرين سنة، خرج أبطاله ﵊ من المدينة، خرجوا يحملون لا إله إلا الله، خرجوا يوزعون لا إله إلا الله على البشرية، مع سعد بن أبي وقاص.
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
ووصلوا إلى هناك وفتحوا القادسية، وأتوا بكسرى وقيصر مربطين في الحبال، لأنهم كفروا بلا إله إلا الله، ولأنهم جحدوا لا إله إلا الله، ولأنهم ما استمعوا فعصوا لا إله إلا الله، وأخذوا السوارين وجعلوها في يدي سراقة، الذي أتى بالفرس وبكى، قالوا: مالك تبكي؟ قال: حبيبي وعدني بذلك وصدق حبيبي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] واسغفر لذنبك يوم تذنب، وإذا علمت أنه لا إله إلا الله، فما الذي يضرك.
стр. 2143
الدليل على لا إله إلا الله
الدليل على لا إله إلا الله أن السماء تشهد أن لا إله إلا الله، وانظر إلى القمر انشق من أجل لا إله إلا الله.
خرج ﵊ إلى كفار قريش وهم في الحرم ليلة أربعة عشر والقمر في السماء أكمل ما يكون، قال: قولوا لا إله إلا الله، قالوا من يشهد لك على أنه لا إله إلا الله؟ قال: إذا أتيت بآية أتؤمنون بي؟ قالوا: نعم، قال: أترون القمر؟ قالوا: نراه، قال: اللهم شق لي القمر اللهم شق لي القمر، فانشق القمر فلقتين، فلقة ذهبت إلى جبل أبي قبيس في مكة، والفلقة الأخرى ذهبت إلى عرفات، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: سحرنا محمد سحرنا محمد، فقال الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:١ - ٥].
حكمة بالغة لكن من يعرف الحكمة؟! حكمة بالغة لكن أين تدخل الحكمة البالغة؟ أتدخل لعبد الأغنية والكأس، لأهل السهرات الحمراء الذين ملئوا بطونهم من الربا وكفروا بمنهج الله.
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٥ - ٧] من يشهد على لا إله إلا الله؟ أنتم وآباؤكم وأجدادكم وأبناؤكم وأهلوكم تشهدون أن لا إله إلا الله، الأرض والزهر في البساتين تشهد أن لا إله إلا الله.
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
من يشهد أن لا إله إلا الله؟ الماء والحيوان وكل من في الأرض إلا الكافر يوم يعرض ومن أعرض عن منهج الله، بل وأنت مولود على لا إله إلا الله، من يوم ما وقع رأسك على التراب وأنت قطعة لحم، وواعظ الله يقول لك في قلبك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] قبل أن تأكل وتشرب وترضع ثدي أمك وتبكي وتصيح فاعلم أنه لا إله إلا الله.
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
стр. 2144
العمل للا إله إلا الله
يولد الإنسان وهو يبكي والناس يضحكون، ويموت المؤمن وهو يضحك والناس يبكون، يوم أتيت أنت أتيت تبكي، هل سمعتم أن أحداً أتى يضحك للدنيا، لا، أتى يبكي إلا عيسى بن مريم ﵇ فإنه ما بكى، أما الناس جميعاً فبكوا أول ما نزلوا إلى الأرض، يبكون من هم الدنيا ومن غم الدنيا ومن حزن الدنيا، قال الشاعر:
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
إذا أتتك سكرات الموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فإذا حضرتك سكرات الموت، فاحرص أن تكون ضاحكاً بالعمل الصالح وبالصلوات الخمس وببر الوالدين وبصلة الرحم وبالصدقة.
إذا بكى الناس وأنت في سكرات الموت، فاحرص أن تكون أنت متصلاً بالله ضاحكاً.
نُح على نفسك يا مسكيـ ـن إن كنت تنوح
غفر الله لنا إن الخطايا لا تفوح كل بطاح من الناس له يوم بطوح
كل جبار له يوم يبطحه الله فيه أمام الخلائق: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].
стр. 2145
لا إله إلا الله هي فطرة الله
لا إله إلا الله هي فطرة الله في الأرض: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] أكثر الناس لا يعلمون بلا إله إلا الله، ولا يعرفون مقتضى لا إله إلا الله ويخونون لا إله إلا الله، وأكثر الناس يقولون: لا إله إلا الله، لكن لا إله إلا الله في واد وهم في واد آخر.
ويقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
أنا وأنت وأبي وأبوك وأمي وأمك وجدي وجدك كنا في أصلاب آدم، فمسح الله ظهر آدم فاخرج ذريته كالذر، فنثرهم سبحانه أمامه، ثم قال الله لهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى أنت ربنا لا نريد إلا أنت، وهذه فطرة الله.
ويقول سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] هل أتى على الإنسان حين من الدهر؟ أما مر بي وبك في بطون أمهاتنا وقت، ما كنا نرى ولا نبصر ولا نأكل ولا نشرب، فأخرجنا الله، وأنبتنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣] لا خالق ولا رب ولا معبود إلا الله.
أتي حصين بن عبيد الخزاعي إلى الرسول ﵊ فقال له ﵊: ﴿كم تعبد يا حصين؟ كم لك من آلهة؟ قال: لي سبعة -أعبد سبعة- قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبك ولرهبك -يعني من لشدتك ومن لك إذا ضاقت بك الضوائق، من لك إذا نزلت بك المصائب والكوارث- قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء قال: ماذا أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، محمد رسول الله﴾ فقالها.
стр. 2146
يونس مع لا إله إلا الله
خرج يونس بن متى ﵊ مغاضباً من قومه، فذهب في سفينة، ما استأذن الله، ولا بد له أن يستأذن الله لكن هكذا كتب الله، فخرج في السفينة في البحر في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، فالليل إذا أظلم لا ينوره إلا لا إله إلا الله، يقول ﵊ فيما يروى عنه لـ أبي ذر: ﴿صل ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، وتصدق بصدقة على المسكين لهول يوم النشور﴾ ظلمة الليل لا ينورها إلا صلاة الليل وهي نور في القبر.
خرج يونس ﵊ في السفينة في ظلمة الليل، فلما أصبح في السفينة أرسل الله عليها ريحاً كادت أن تقلبها مرتين أو ثلاثاً، قال ربانها أوقائدها: معنا رجل عصى الله نريد أن نخرجه من السفينة، قال الله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١].
انظر ما أحسن الأسلوب، وما أحسن العبارة، وما أجمل روعة وإبداع وأسلوب القرآن، (فساهم) أي: اقترع معهم بقرعة، فكان من المدحضين، أي أنه فشل بالقرعة، أتت عليه القرعة أول مرة فقال: (أنا بريئ) قالوا: نعيدها، فأتت عليه ثانية، قال: أعيدوها، فأعادوها ثالثة، فأتت عليه فأخذوه بيديه وسط البحر، لا أهل ولا ولد ولا زوجة ولا مال ولا قبيلة ولا عشيرة، لكن.
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
فأخرجوه فألقوا به في ظلمات ثلاث، فليت اليم والليل كفياه، لكن تلقته سمكة عظيمة فأدخلته بين أضلاعها تماماً ثم أطبقت عليه، فأصبح بين أضلاع الحوت وبين حشاه، في ظلمة الليل وظلمة البحر فمن يتذكر؟ ولمن يعود؟ وعلى من يشتكي؟ وإلى من يلتجئ؟ إلى الله.
يقول لقمان لابنه وهو يوصيه بالعقيدة والتوحيد والإخلاص: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان:١٦] لو كانت الضائعة أو الضالة حبة خردل -سمسمة- وكانت في صخرة مقفلة أتى بها الله، فالله يقول عن قدرته: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩].
يقول: أما مفاتيحكم وكنوزكم وبركم وشعيركم وذهبكم وفضتكم فعندكم مفاتيحها، الذهب والفضة والبر والشعير عندنا مفاتيحها نحن، لكن: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
وقع ﵇ هناك، ولما وقع قال وهو في ظلمات بطن الحوت: ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فجمع بين التوحيد والاستغفار، ماأحسنها من كلمة، يقول ﵊: ﴿من أصابه هم أو غم فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً﴾.
قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] إلى أين ترتفع هذه الكلمة؟ إلى أين تذهب؟ أتذهب إلى الأهل والأطفال؟ أتذهب إلى القبيلة والعشيرة؟ يقول الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] وكذلك نعود إلى أسلوب القرآن وروعته حيث قال: إليه يصعد، ولم يقل: يرتفع لأن يصعد أعظم، قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠] ارتفعت إلى الله، ومرت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) بالملائكة فبكت الملائكة، فقد سمعت صوت يونس بن متى، كان دائماً يذكر الله ويسبح الله ويكبر الله ويهلل الله.
حتى يقول الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] لكن كان يسبح لنا ويصلي ويزكي ويعرف الله في الرخاء، فعرفه الله في الشدة، فبكت الملائكة وقالت: يا رب! صوت معروف من عبد معروف أين هو؟ نريد أن ننقذه، الملائكة يريدون أن ينقذوا يونس، لكن لا يدرون أين هو؟ قال الله: أعرف أين عبدي فسوف أنقذه، فأخرجه الله وأنبت عليه شجرة من يقطين لأنه خرج عارياً مثلما ولدته أمه، فأنبت الله عليه شجرة الدبا فأكل منها وظللته، وإنما اختار شجرة من يقطين لأن الذباب والبعوض لا يأيتها: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٧ - ١٤٨].
стр. 2147
سليمان مع لا إله إلا الله
خرج سليمان ﵊ على الريح، وكان قد سخر الله له الريح: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] إذا أراد أن يسافر ركب الريح يأمرها بأمر الله، يقول: أريد الهند فتأتي فتكون كالبساط تحته فترتفع به مع الأمراء والوزراء والحاشية وتذهب به وهو في السماء، وإذا أراد أن يهبط قال: اهبطي هنا، ويقول: بعض المفسرين: إن الله قال: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] لئلا يتوهم متوهم أنها سوف تنزل نزولاً صعودياً مظلياً فتصتدم به في الأرض قال: لا: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] يعني: تتدرج به إذا أراد أن ينزل، فلا تنزل دفعة واحدة، إنما تنزل رويداً وريداً، حتى يهبط.
سليمان أتاه الله ملكاً عظيماً يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] وقدم المغفرة لأن الملك بلا مغفرة لا يساوي شيئاً، والمنصب بلا مغفرة لعنة، والدنيا بلا مغفرة غضب، قال: رب اغفر لي.
ركب مرة إلى الهند فلما أصبح على بساط الريح إذا بالفلاح يحرث الأرض، فحجب سليمان ﵇ الشمس ببساطه فالتفت الفلاح ظن أنها غيمة وسحابة، فإذا سليمان ومعه الحاشية والأسرة الحاكمة والجنود، قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظمياً، فارتفعت سبحان الله! إلى الحي القيوم، ومرت على أذن سليمان فسمعها، فقال للريح اهبطي هنا عند الفلاح فهبطت، قال للفلاح ماذا قلت؟ قال: رأيتك ورأيت ملكك فقلت سبحان الله لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: سليمان والذي نفسي بيده قولك: سبحان الله، أعظم مما أوتي آل داود.
خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن
لا إله إلا الله.
ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناده ذو نون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
стр. 2148
مهما عمرت في الدنيا فإنك راحل
يقول سبحانه للإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ومعنى ذلك: يا أيها الإنسان! منذ أن وضعتك أمك وأنت في شدة وكرب وامتحان ومسئولية، وأنت سائر إما إلى طريق الخير، أو إلى طريق الشر، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ماذا خدعك؟ من غرك بالله؟ من الذي صرفك عن المسجد إلى المقهى وإلى الجلسة اللاهية؟ من الذي صرفك عن القرآن إلى الأغنية؟ وعن الجلوس مع الصالحين إلى الجلوس مع الأشرار من هذا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦].
إخوة الإسلام! إخوة الإيمان! يا حملة لا إله إلا الله! يا من جرت دماؤهم بلا إله إلا الله! إن من معاني لا إله الله إلا الله، أن تعيش حياتك بلا إله إلا الله، فالحياة ليست بشيء إنما هي غرور ولحظات لهو.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
يقول الله للناس يوم القيامة: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] كم مكثتم في الأرض؟ كم لكم في الحياة؟ فيا من عاش مائة سنة! ويا من سكن القصور وعمر الدور، ووسع البساتين وأجرى الأنهار، ولبس الجديد وتمتع بالأولاد، وضحك وشبع، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟
اسمع الرد: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] حياتنا يوم أو نصف يوم، ما زدنا على يوم أو نصف يوم، عشنا من الصباح إلى المساء، وربما ما أكملنا يوماً من الصباح إلى الظهر فاسأل العادين، اسأل الملائكة، فنحن قد ذهلنا ودهشنا فما ندري، إما يوم أو بعض يوم، لا نريد أن نكذب إنما هو يوم أو أقل، فاسأل العادين، فالله لا يسأل العادين، لأنه هو الذي يعد على العادين، يقول: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] ما معنا هذا؟ قال المفسرون: إذا أمضى على الشيء لا يمضي بعده أحد -الإمضاء التوقيع- وإذا أنهى أي شيء من معاملة العبد، كان توقيعه الأخير.
يقول : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] لا معقب لحكمه، فلا يأتي أحد يعقب على حكمه فتوقيعه الأخير: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤] فيقول لهم: لقد كانت حياتكم قليلة وسهلة ويسيرة ولكنكم ماجلعتموها في طاعة الله.
دنياك تزهو لا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
يا مسلون! يقول الله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤] ما أقل العمر.
الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة، نظر وهو شاب إلى المرآة فإذا شيبه ملء لحيته، فبكى، وقال: والله كأن الشباب شيء سقط من يدي.
كأنه شيء رفعته فسقط من يدك.
فيا شباب الإسلام! انظروا إلى آبائكم الذين شابت لحاهم، من الذي شيبهم؟ هو الذي أفنى القرون السالفة، وهو الذي أخذ الأجداد والآباء وسوف يأخذ الأولاد والأحفاد.
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغنِ البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
стр. 2149
إذا كبر سنك فانتظر الموت
كان قيس بن عاصم المنقري أحد الصالحين، وكان له عشرة أولاد صالحون، نام معهم في البيت وعمره ما يقارب السبعين لكن لا ينام، فصاحب السبعين اليوم مريض، وبصره كالّ، وسمعه فاتر وشهيته في الطعام قليلة، وظهره محدودب، فقد يبست أعضاؤه، لأنه في السبعين أو في الثمانين، فكان إذا نام مع أولاده العشرة لا ينام الليل، يسعل ويزفر ويشكو الثمانين، يقول له أحد أبنائه، مالك يا أبي لا تنام؟ قال: ما تركتني الثمانين أن أنام، أسهرتني في الليل، ثم نظمها في قصيدة وقال فيها:
قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا
إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها
وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها
إذا أنجب ابنك وأصبح له أبناء فانتظر سكرات الموت، إذا رأيت أبناء ابنك يدرجون معك في البيت، فانتظر داعي الله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه:١٠٢].
إذا رأيت أبناء ابنك ولدوا فهو نذير لك أن تبتهل، اترك المجال لغيرك، أكلت وشربت ونمت، ولهوت وضحكت فاخرج.
إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها
سعال وسهر وألم وفقد بصر وفقد سمع واحدوداب ظهر ويبوسة.
كثرت من مرض عوادها، يعودنك في بيتك وفي المستشفى، وعلى السرير وفي الطريق دائماً يقولون: كيف أصبحت وكيف حالك؟ فهي زروع قد دنا حصادها: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] هذا أسلوب القرآن، ثلاث جمل ثم ردوا إلى الله، ولم يقل: أعيدوا لكن قال: ردوا؛ لأنهم خرجوا بإرادة الله وردوا إلى الله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢] وكل شيء سواه باطل: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] أي: أول ما يموت العبد ويصل إلى القبر يجد الحساب هناك، ولا يقول له المحاسبان: أنت مريض ارتح قليلاً، أو أنت كنت في المستشفى ومرضت سنوات نريحك سنة في القبر، لا، أول ما يتركه أهله وأول ما يدفنونه ويغطونه بالتراب وإذا بالحساب ماذا فعلت؟ أين أفنيت أيامك؟ أين كنت تصلي؟ ما هو مطعمك؟ ما هو مشربك؟: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
لا إله إلا الله ما أعظم الشيب.
كان ابن عباس إذا قرأ قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] بكى حتى يرثي له أصحابه، قالوا: [[مالك يا ابن عباس؟ قال: أتدرون ما النذير، قالوا: لا، قال: الشيب]].
شاب إبراهيم ﵇ إمام التوحيد، وأستاذ العقيدة، إبراهيم الخليل صاحب المواقف العظيمة، الذي أركبوه في المنجنيق، ليلقونه في النار فلما أصبح في السماء بضربة من المنجنق ليقع في النار -فقد بنى له النمرود ناراً عظيمة- أتاه جبريل قال: يا إبراهيم! ألك إلي حاجة؟ قال: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم، فلما اقترب من النار -وكان لهيبها يأكل الطيور في السماء، فقد جمعوا الحطب في شهرين أو ثلاثة أشهر- ووجد حرها وسمومها قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأطفأها الله وصارت برداً وسلاماً فوقع هادئاً.
إبراهيم رأى شيباً في لحيته، قال: يا رب! ما هذا البياض في لحيتي قال: شيب يا إبراهيم! قال: ما الشيب يا رب؟ قال: وقار، قال: اللهم زدني وقاراً، زادكم الله وقاراً وزادنا وإياكم ثباتاً وجعل شيبنا وشبابنا في مرضاة الواحد الأحد.
شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا
وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا
كذلك أخرج الإسلام قومي شباباً مخلصاً حراً أمينا
стр. 2150
التوبة
أتى رجل من بني إسرائيل فوقف أمام المرآة وعمره ثمانون سنة، أطاع الله في أربعين سنة، وعصى الله أربعين سنة قال: [[يا رب أطعتك أربعين، ثم عصيتك أربعين، أتقبلني إذا عدت إليك؟ فسمع هاتفاً يهتف يقول أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك وإذا عدت إلينا قبلناك]].
من الذي أتى باب الله فرده؟ من الذي قرع بابه فيخيبه؟ من الذي اقترب منه فرده وأخزاه؟ من الذي مد كفيه فعادت خائبتين؟ من الذي بكى فما أنجز الله له طلبه؟ من الذي اعتصم بحبل الله فانقطع به الحبل؟ لا أحد، يقول الله: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦] ما هو الكرب؟ كاد أن يغرق فقال: لا إله إلا الله، فنجاه الله.
وقال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨] الآيات.
أيها المسلمون! إن من أسرار قدرة الله أن تكون مقاليد الأمور بيده، وهي العقيدة التي يريد الله أن يقررها للعبد: أن يعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يشافي ولا يعافي إلا الواحد الأحد، ثم أعود فأقول: يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨] يقول: يا أيها البشر! يا أيها العالم! أما تنظرون إلى الكبير كيف يكبر، فيعود عقله كعقل الطفل: ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨] ما لهم لا يعقلون؟ هذه هي الحياة، وهذا مصيرها.
تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
قالوا لأحد السلف الصالح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وأعدائي أربعة، دنيا تنهشني وأنهشها، وشيطان يضلني قبل أن أتحرج منه، وغريم لا يفارقني -وهو الموت- وأسرة تطلب مني النفقة كل صباح، هذه غرماء المؤمن.
وقالوا لرجل من التابعين وهو في الثمانين: كيف أصبحت؟ قال: أما عين من عيوني فقد ذهب بصرها، والعين الأخرى ترثي أختها لتلحق بها، وسقطت أضراسي، وامتدت يدي إلى قبري وحملت كفني فكيف؟ يعني: كيف أصبح.
يا أيها المسلمون! يقول : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨].
عند البخاري في الصحيح، أنه ﵊: ﴿مر بـ ابن عمر -الشاب الزاهد العابد، وهو في العشرين- فوضع يده على كتفه وقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ وفي حديث مرفوع: ﴿وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح﴾.
стр. 2151
من أسرار لا إله إلا الله
إن من أسرار لا إله إلا الله أن نصرف أعمارنا في مرضاة الله.
سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين، الذي بكى من خشية الله حتى ذهبت عينه اليمنى، وقالوا له: اخرج إلى وادي العقيق في المدينة لترى الخضرة والماء، علَّ بصرك أن يعود، قال: لا أخرج من المسجد، كيف تفوتني صلاة في مسجد الرسول ﵊ وهي بألف صلاة فيما سواه، ولما حضرته سكرات الموت، بكت ابنته، فقال: [[لا تبكي علي والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة، إلا وأنا في مسجد الرسول ﵊]] هذا هو العمل الصالح، هذا هو الحسن والمؤهلات، يوم لا يجدي المال ولا المنصب ولا الوظيفة.
والأعمش حضرته الوفاة فبكى أبناؤه وقال: [[لا تبكوا عليّ فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة خمسين سنة]] طوبى لهم
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
اللهم فاجمعنا بهم في دار الكرامة: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥].
أيها المسلمون! ومن أسرار لا إله إلا الله، شكر النعم، فلا إله إلا الله ما تستقيم في الأرض إلا أن تشكر الله على السمع والبصر وعلى الفؤاد، وعلى الإيمان والأمن والستر والعافية، وعلى رغد العيش في الأوطان.
стр. 2152
أركان شكر الله
إن شكر الله أركانه ثلاثة:-
أن تلهج باللسان بشكر المولى، شكراً لله الواحد الأحد المبدع المصور، وكل شيء في الكائنات له وحده.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
كان ابن تيمية مريضاً فدخل عليه بعض أصحابه وقالوا: ماذا أمرضك يا ابن تيمية، قال: كيف أشكو عليكم الله؟
تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
أما أبو بكر مرض فقالوا من أمرضك؟ قال: أمرضني الطبيب، من هو؟ الواحد الأحد، هو الذي يمرض ويشافي ويعافي، يقول إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] يقول أهل التفسير لله درُّ إبراهيم.
لماذا؟ لأنه قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] ثم قال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩] ولما أتى عند المرض، ما قال: والذي أمرضني مع أن هذا هو الصحيح، لكن تأدب مع الله فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] أنا الذي مرضت، وهو بقضاء من الله، لكن ما أراد أن يسيء بالأسلوب: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
قالوا لـ أبي بكر من أمرضك؟ قال: الطبيب، قال أحد السلف:
كيف أشكو إلى طبيبي بما بي والذي أصابني من طبيبي
شكر النعم ركنه الأول: اللسان، والركن الثاني: القلب، أن تشكر الله بقلبك، وأن تعتبر أن كل شيء في الحياة من نعم الله.
أنعم الله على آل داود، فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] قال داود: يا رب! كيف أشكرك؟ قال: اشكرني بما أردت، قال: لا أستطيع، قال: أتعلم أن هذه النعم مني؟ قال: نعم، قال: فقد شكرتني، مادمت تعرف أن المنعم هو الله، فقد شكرته.
والركن الثالث: العمل، فشكر الله الصلاة في المسجد، وشكر الله صدق مع الله، وشكر الله ذكر لله، وتلاوة للقرآن، وتوبة نصوح وعودة إلى الواحد الأحد: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
قال ابن عباس: [[والذي نفسي بيده، إن هذه القرية مكة]].
ونحن نقول: مكة ومن أمثال مكة كل من أعرضت عن منهج الله، فهي مثل تلك القرية، ضرب الله مثلاً للناس قرية، لكن أسلوب القرآن متأدب، لم يسم لنا مكة، أسلوب القرآن لا يجرح المشاعر، ولم يسم البشر في القرآن، لم يقل: أبو جهل ولو أنه قال في بعض المناسبات لسر من الأسرار، لكن ما كان يفضح القرى، قال: ﴿مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل:١١٢] زبيب الشام، وتمر العراق، وبر اليمن، وخضروات الدنيا كلها تأتي إلى مكة، حتى يقول الله وهو يؤنبهم ويعاتبهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧] يقول كفار مكة، يا محمد! لو اتبعناك خشينا من الأعداء، فرد عليهم سبحانه وقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧].
أيها المسلمون! يقول سبحانه عن هذه القرية: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢] ونعمة الأمن لا يعادلها شيء، والخوف لا قرار معه، والخوف لا حياة فيه: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] كيف كفرت؟ ماذا فعلت؟ أعرضت عن منهج الله وكفرت بلا إله إلا الله، وعطلت المساجد، وقضت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم تستمع للدعاة ولم تتلوا كتاب الله، ولم تتبع رسول الله وعطلت سنن الله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
أكلوا حتى لحوم الميتة، وكانت الحمير تموت فيقسمون جلد الحمار -كما يقول أهل التفسير- لأنهم صدفوا عن منهج الله.
стр. 2153
الحفاظ على نعم الله
أيها المسلمون! أما رأيتم أيامنا مع الله وكيف نعيش رغداً ونعيماً وسعادة وراحة وحبوراً؟! أما رأيتم كيف أنعم الله علينا نعماً ظاهرة وباطنة؟ أما نام جيراننا على أصوات الصواريخ وعلى زلزلت المدافع؟! أما سحقت مدنهم؟! أما دمرت قراهم بالزلازل والبراكين ونحن في رغد، فكيف نحافظ على الرغد؟
نحافظ عليه بلا إله إلا الله، بشكر الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] لكن: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٦] قرية من قرى اليمن، هي في سد مأرب والسد لا يزال إلى اليوم وقد بنوه مرة ثانية، وأكثر ما يأتي من الفواكه اليوم من اليمن من سد مأرب، سد عظيم اجتمعت عليه القبائل في مأرب -بما فيهم أنمار ويشجب- سنة كاملة، فلما بنوه ملأه الله بالماء، ولو بنوه ولم يأت ماء من الله ما نفعهم السد، فأخرزوه بالرصاص وأحاطوه بالنحاس وقالوا عليك الحراس، لكن إذا ما حرس الله فلن يحرس أحد.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
خرزوه بالرصاص، وأحاطوه بالنحاس وبنوا عليه الحراس، فملأه الله بالماء، وأرسل الله إليهم رسولاً فقال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] ثم قال سبحانه -اسمع إلى أسلوب القرآن-: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ:١٥] والقرآن هو الذي كان يتحدث عن موسى، انتقلت الكيمرة -كما يقول سيد قطب - مباشرة إلى سبأ، انتقلت إلى اليمن مباشرة، انتقلت الكيمرة لتنقل لنا صورة السد، والقبيلة وهي تعيش هناك وتبني وتزرع وتأكل وتحرث، لتنقل لنا صورة القبيلة: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥].
كل رجل من القبيلة كان له بستانان: بستان عن يمين البيت وبستان عن يسار البيت، يخرج في الصباح فإذا الطيور تزغرد على الشجر وإذا الماء يتمتم بين الزهور، وإذا أشرقت الشمس ترسل ضوأها على الورود، وقد كان عذق النخلة لا يحمله الفرس، يقول ابن كثير: لقد كانت المرأة تأخذ المكتل على رأسها فلا تخرج من بين الشجر حتى يمتلئ من نعمة الله، فقال الله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [سبأ:١٥] صالحة للزراعة فهناك ماء وشجر وهواء وغمام وظل ونبت وحياة: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] لم يقل رب شديد العقاب، لأنه يختار اللفظ، يدعو الناس إلى الخير.
стр. 2154
الإعراض عن الله سبب العذاب
قال: سبحانه في كلمة: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٥] تمردوا على شرع الله، والله ما ملأ البيوت هماً وغماً ولا أهلك الشعوب ولا دمر القرى ولا أخزى الفجرة إلا المعاصي، يوم يترك الإنسان منهج الله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٥] قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ [سبأ:١٦] ولم يقل فأرسل، قال: فأرسلنا نحن، نحن الذين ملأنا لهم السد من قبل، ونحن الذين نرسل الماء اليوم.
يقول بعض المفسرين: يا عجباً! يا سبحان الله! إن سر حياتهم الماء وسر هدمهم ودمارهم الماء، فقد أتى زلزالهم بالماء، وحياتهم بالأمس بالماء، فالماء بالأمس كان حياة وثمرة، وكان ماء طيباً صافياً، والماء اليوم يوم عصوا وخالفوا منهج الله، أصبح زلزالاً وبركاناً.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] لماذا سمي سيل العرم؟ قالوا: أقبل وله عرمرم كالجيش العرمرم، وأقبل وله حتحتة ينزف بعد صلاة الفجر، فلم يبرق بارق، فما أخبرهم الله بالبرق ولا بالوسم، ولا سمعوا رعداً ولا نزل عليهم قطر، لما انتهوا من الصباح وأطل عليهم الصباح وأمهلهم الله ثلاثة أيام يراجعون حسابهم مع الله، لكن ما راجعوا حسابهم، قال الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فأتى في الصباح ينزف، يحمل الجبال والأودية والشجر، فدمرهم تدميراً: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] لماذا؟ ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبأ:١٧] لأنهم أعرضوا وما صلوا وما صاموا وما زكوا وما قاموا على منهج الله وما خافوا الله.
قال : ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] كَفور النعم، كَفور الآيادي، جاحد المعروف، ويستمر السياق، واسمحوا لي أن أستمر دقيقتين أو ثلاثاً مع سبأ ثم نعود من اليمن معاً.
قال: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ:١٩] لماذا؟ لأن، الفقير العاجز الذي يطلب الكسب، إذا أتاهم وقت نزول الثمرة يأخذ القليل من رزق الله ، فتضايقوا منه، فكلما أتاهم الفقراء من أنحاء الجزيرة، قالوا يا ربنا! باعد بن أسفارنا حتى لا يأتينا أحد من العرب، اللهم اجعل قرانا بعيدة وباعد بيننا وبين هؤلاء الفقراء فلا نراهم ولا يروننا، قال سبحانه: لمن الرزق؟
الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال
المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال
الرزق والعطاء والفضل والنعيم لله، قال سبحانه: بلسان الحال، تمنعوا الفقراء وأنا الذي أعطيكم حتى أصبحتم أغنياء.
قال: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ:١٩] يقول: ما أبقينا إلا أحاديث، الليلة نسمر عليهم فأين هم؟
أين من شادوا وسادوا وبنوا ذهب الكل فلم تغن القلل
كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول
سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩] ربع ذهبوا إلى الجنوب وهم أجدادنا فنحن من الأزد، أبناء عمومتنا الأوس والخزرج الذين منهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ولذلك ليس بغريب عليكم أن تأتوا اليوم لتسمعوا فاعلم أنه لا إله إلا الله، ومن يشابه أبه فما ظلم.
تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية
والربع الثاني: ذهب إلى عمان، والثالث: الغساسنة، والرابع: المناذرة، ولكن لا نكون كأجدادنا نكفر بنعم الله: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩].
стр. 2155
الأسئلة
стр. 2156
قصيدة
السؤال
يطلب سماع القصيدة الأخيرة وهي بعنوان سأعود للدنيا.
الجواب
هذه القصيدة عنوانها سأعود للدنيا:
القلب يملي والمدامع تكتب ومشاعري مجروحة تتصبب
النجم يشهد أنني سامرته سحراً وطارحني بهم كوكب
ما عشت في دنيا السعادة ماجناً كلا ولست بعود سلوى أطرب
أبداً وما بعت الغرام شبيبتي طوعاً ومثلي في الشبيبة أشيب
حرمت ليل الوالهين وصغت من دمعي نشيداً للخلود يرتب
يا من رماني بالسهام تكسرت في أضلعي فسهامكم تتخضب
يكفيك ظلمي يا ظلوم فعش به دهراً فإني في انتظارك أنحب
نم ما استطعت فلن أنام ومهجتي مجروحة وربوع حظي مجدب
دعني فلي في الليل أسهم دعوة سحراً تضج إلى السماء وتندب
مهزوزة العبرات ساخنة الجوى بحرارة الإخلاص لا تتهيب
خذ من دموعي شربة أبدية فمدامعي مسفوحة لا تنضب
قل ما أردت فقد سددت مسامعي أنا لن أقول بأن صوتك مذنب
تتعثر الكلمات عند شكايتي وتظل آهاتي تضج وتصخب
ما ساومت نفسي ببيع رسالتي كلا وأسلافي بلال ومصعب
بل كنت بلبل أحمد في روضه في نهجه أرضى وفيه أغضب
بيني وبين هداه حبل مودة يأبى الفصام فشرقوا أو غربوا
عيبي محاربة الشيوعي الذي داس العفاف وفي يديه العقرب
عيبي مراغمة الحقير لأنه يأبى العلو وفي الضلال مدرب
متعجب مني بأن خالفته وأنا على أخلاقه متعجب
أخشى أراه لأن جلدي ناعم يسبى إذا والاه جلد أجرب
يا كل شهم عاش كل قضيتي حراً يفيض به الفؤاد الطيب
يا من سهرت معي وعشت قضيتي قاسمتني البلوى ودمعك صيب
أحرقت قلبك والقلوب كثيرة نامت على بسط الهوان تقلب
أرسلت لي منك الدعاء مضرجاً بالدمع يهمل بالحنين ويسكب
قوسي وسهمي والكنانة كلها لا شيء بل ربي المهيمن يغلب
أنا لن أغيب إذا تغيب ماجن نذل على عزف الربابة يطرب
سأعود للدنيا بهمة سيد يأبى الخنوع وعود مجد أصلب
والصوت أعلى والمشاعر جمة والفكر أرقى والمعلم منجب
стр. 2157
رسالة تحرق القلب
أما الأسئلة فأشكر أولاً صاحب رسالة أرسلها، كأنها كتبت بدموعه وهي تحرق القلوب، ولكني لن أقرأها لأن فيها تزكية وأنا عبد ضعيف، لكن أسأل الله أن يجعلها نوراً في قبره، يوم ينور قبور الصالحين، هذا الرجل افتتحها بأبيات ولن أقرأها يقرأها عمله وسجله الخالد ودعائي له بظهر الغيب ثانياً: هذا الرجل من القرن، وهو يعتب ويطلب زيارة هناك، فأعده إن شاء الله، والقلب في كل مكان.
وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
فنحن هناك أو هنا، أو في أي مكان، فكلما وجد من يسجد لله، ويذكر الله فنحن أحبابه، وإخوانه.
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم
والشيخ علي بن عبد الخالق أثابه الله يقول: وجهت دعوات من بيشا بـ الجرشي والنماط والسرح، خثعم، آل سلمة، أقول غشيتهم الرحمة والسكينة، وسوف تصلهم لا إله إلا الله وقد وصلتهم، ولي الشرف أن أمشي على أهداب العين وأن أتوكأ على مقل الجفون لأصل إلى الأحباب، فأقبل جباههم وأعانقهم يوم وقفوا مع لا إله إلا الله وضحوا بدموعهم ومشاعرهم وسهرهم، تقبل الله صيامهم وقيامهم وصلاتهم مع المقبولين.
стр. 2158
العصبية القبلية
السؤال
أرجو من فضيلتكم أن تشير إلى ما يحدث من بعض الناس من التحزب والتعصب القبلي، الذي عم وطغى وفشا إلا فيمن عصمه الله؟
الجواب
أقول وأنتم تعرفون ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣] فليس عندنا تحزب ولا قبلية ولا عنصرية، فكلها ندوسها بالأقدام تحت التراب، وليس عندنا أسر مرموقة، ولا عندنا سيادات ولا كهنوت ولكن عندنا تقي شريف، نقدمه علينا لأنه تقي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
كلنا من آدم ومن حواء.
أو يختلف نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
وقف ﵊ في عرفات يعلن حقوق الإنسان ويدوس التميز والعنصرية بقدمه، يقول: ﴿كلكم لآدم، وآدم من تراب﴾ معنى ذلك: يا أبا بكر الصديق! ويا شريف قريش أنت وبلال الحبشي سيان، ومعنى ذلك: يا عمر! أنت وصهيب سيان، ويقول ﷺ : ﴿سلمان منا آل البيت﴾ فلا قبلية ولا تحزب، ولا يقال: أنا من بني فلان، إذا أصبحوا على بني فلان، هذه كلمة طاغوت، وهذه كلمة آثمة خاسئة حقيرة، نحن أصحاب الإسلام وأهل لا إله إلا الله، أصبحنا على إسرائيل والشيوعية والعلمانية يداً واحدة، ونحن قوة واحدة، ولا قبلية، ولا فخوذ ولا عشائر، فعشائرنا وقبائلنا وأعلامنا كلها تندرج تحت علم محمد رسول الله ﷺ ، هذه هي وصيتي ولا أريد أن أطيل لكثرة الأسئلة.
стр. 2159
التنقص من طلبة العلم والملتزمين
السؤال
بعض الناس يتنقص طلبة العلم والملتزمين ونراه يتساهل في بعض أموره، ويصف الملتزمين بأنهم متزمتون ومتطرفون ويصفهم كذلك بالتشدد في غير موضع التشدد؟
الجواب
السؤال طويل لكنني تركت بعض الجمل، أقول: ليت الذين يهاجمون الملتزمين من أهل الفضل والنبل كنا عذرناهم، يقول: أحد شعراء العرب القدماء، عندما قالوا له: فلان يسبك، قال:
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
قال: ليته كفء ولكنه قزم، يسبني وهو قزم، ليته كفء يوم أطلق هذه الكلمات، ولكن إذا صلح هؤلاء ندعوهم إلى التوبة النصوح: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] إن هؤلاء الملتزمون، هم سر نهضة الصحوة الإسلامية في أنحاء الأرض، والله إنهم يعيشون في ولاية أمريكا كأبناء الصحابة، يقومون الليل ويقرءون القرآن وهناك البغي والإلحاد والكفر والشهوات والمعاصي، ولكن شباب الصحوة هناك في ولاية أمريكا يعيشون مثل ما يعيش أبناء الصحابة، هؤلاء إن شاء الله بنظر الله إليهم وباستقامتهم ينزل علينا القطر من السماء، وهذا تلاشى من مجتمعاتنا والحمد لله، ولا أظن أن هناك من يسب هؤلاء الشباب أو يتنقصهم ولكن كان في فترات فيما سبق: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
стр. 2160
السنة في العزاء
السؤال
ما هي السنة في العزاء؟ وهل التجمعات للعزاء من النياحة أم لا؟
الجواب
أيها المسلمون! هذه المسألة عظيمة وهي منتشرة في القرى وبين القبائل، وهي تحتاج إلى شيء من البسط والتقسيم، وقد سبق أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -عَمَّر الله حياته وأمتع في عمره- أرسل منشوراً مفيضاً في فتوى صريحة بذلك.
وأقول: فيه تفصيل: المسألة الأولى: صنع الطعام في بيت الميت للوافدين ليس بجائز في الإسلام، أهل الميت لا يصنعون طعاماً للوافدين للعزاء أو لغيره لأنهم في مصيبة، ولا تجمع عليهم مصيبة أخرى ولا يكلفون، لما قتل جعفر ﵁ في مؤتة، قال ﵊: ﴿اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم﴾ فالسنة أن يصنع لأهل الميت في البيوت المجاورة طعاماً، ويرسل به إليهم ولقرابتهم، هذه مسألة لا بد أن تعوها.
المسألة الثانية: جلوس الناس في بيت الميت من غير الأقارب ليس من السنة، وعند الخمسة - السنن الأربع وأحمد - عن جرير بن عبد الله البجلي رضي عنه وأرضاه، بإسناد صحيح قال: [[كنا نعد الاجتماع في العزاء على عهد الرسول ﵊ من النياحة]] وهذا الدليل استدل به الشيخ عبد العزيز بن باز وأرسل رسالة فيه لأهل الجنوب خاصة؛ لأنها منشورة بينهم، يترك الموظف عمله والمدرس مدرسته والفلاح مزرعته وصاحب الدكان دكانه، ويجلس ثلاثة أيام في بيت كل من مات من القبيلة، وهل هذا من الإسلام؟ بل هذا تعطيل لمصالح المسلمين، وهذا إرباك لحركة السير وحركة الكسب، وتضييع لأمانة التجارة والوظيفة والتدريس.
فليس هذا بجائز، وقد نبه عليه سماحة الشيخ والعلماء، فغير الأقارب لا يجلسون في البيت ثلاثة أيام، وعلى صاحب الوظيفة أن يذهب إلى وظيفته، يكفيك أن تعزي صاحب الميت على المقبرة.
فإذا انتهيت من الدفن فقل: أحسن الله عزاءك وجبر الله مصيبتك، ثم اذهب إلى بيتك، أما الأقارب فلهم أن يقفوا مع الميت في بيته لأن الرسول ﵊ ذهب يعزي آل جعفر في بيتهم، وجلس معهم واستأنس معهم واستأنسوا به.
ثالثاً: تنقل القبيلة إلى القبيلة ليس من الإسلام، نقولها صريحة، ومادام أننا اجتمعنا في هذا المكان المبارك، وهذا المنزل المعهود، وحضرت هذه الوجوه الغانمة من القبائل، فانتقال القبيلة إلى القبيلة ليس من الإسلام، لا يعرف عند السلف ولم تفعله القرون المفضلة، وإنما انتشر عندنا نحن هنا من كيسنا ومن رأينا وتصوراتنا وآراؤنا ليس من الشريعة، فيكفي رسالة أو اتصال بالهاتف، أو أن تعزي عند المقبرة، أو إذا لقيته في السوق، أو أن يذهب رجل واحد من القبيلة فحسب، فيعزي برسالة منهم، ويدعون لهم فقط، أما أن يأتي ثلاثون أو أربعون أو خمسون فيقف أولئك ولو لم يأكلوا شيئاً ليس من السنة، ومن عنده دليل أو مستند فلينفعنا به وليفدنا فإنّا لا نزال نبحث ولم نجد شيئاً وغيرنا من هو أعلم منا وأفضل لم يجد شيئاً، والله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الانبياء:٧].
المسألة الرابعة: ومن المسائل التي ينبه عليها النياحة واجتماع النساء في بيت الميت، وندبه بالأقاويل وبهزيع الصوت وبالبكاء فهذا عذاب على الميت، والنائحة إذا لم تتب توقف يوم القيامة، وتلبس درعاً من جرب ويصب على رأسها القطران، ويعذب الميت ببكاء أهله وبنياحتهم، وعلى الأقارب إذا حضروا أن يقرءوا القرآن أو ذكر الله، أو كتاباً مما ينفع أو يتواصوا بالخير فيما بينهم هذه هي السنة.
أما المخيمات واجتماع الناس وقناديل الكهرباء في الليل، فهذا ليس من الإسلام في شيء، ونحن الذين نكلف أنفسنا، ونتعب أنفسنا بهده المناسبات خاصة في العزاء، ولم ينزل الله به من سلطان والواجب أن نريح أهل الميت، وأن نريح مشاعر الناس وأن نرتاح في أنفسنا ونترك الموظفين والأساتذة والعمال والمزارعين في أعمالهم فلا نعطل مصالح المسلمين، والله أعلم.
стр. 2161
تسجيلات الغناء وصوالين الحلاقة
السؤال
ينتشر في بعض الأماكن تسجيلات الغناء وصوالين الحلاقة فما القول في هذه الأشياء والكسب من ورائها؟
الجواب
سبق في محاضرات وفي مناسبات التنبيه على هذه الأمور وأن أشرطة الغناء محرمة والكسب منها وبيعها واستئجار المكان وإيجاره كلها محرمة، لأنها عداء للإسلام وللقرآن وللدعوة، وما دخلت البيوت إلا وأفسدتها، ولا القلوب إلا وخربتها، وكذلك الفيديو المهدم المخرب، هذا محرم استئجاره وبيعه، والسكنى وأخذ الأجرة من العقار محرم.
وكذلك صوالين الحلاقة التي تحلق فيها اللحى، محرم إلا إذا استثني هذا الأمر، فإذا استثني هذا الأمر فلا بأس، يقولون في المنطقة ويعرفها الناس سمعتها من داعية من الدعاة، صالون حلاقة مكتوب عليه صالون النشاما، وقال بعض الدعاة في مجمع من الناس: موجود منطقة في الشمال صوالين مكتوب عليها (صالون اللحية الغانمة) معناها حلقها من الأذن إلى الأذن، وتذهب في الزبالة، سامحوني أن أتلو عليكم أبيات نبطية ولو أني لا أؤيد الشعر النبطي، لكنها تهيض وتفيض في المناسبات، وهذا حربي من الدعاة من قبيلة الحروب الذين هم حروب على أعداء الله يقول:
يا ربعنا يلي حلقتم لحاكم ايش علمكم ترمونها في القمامة
ذي سنة ما سنها مصطفاكم علامة يا شينها من علامة
ترى اللحى زيناتكم هي حلالكم لها مع الخير وقار وشهامة
عفواً لعل الله يغفر خطاكم وتفوزوا يوم اللقا في القيامة
ترى اللحى يوصي بها مصطفاكم صفوة قريش اللي رفيع مقامه
هذه وصية إن كان ربي هداكم أقولها يا الربع ومع السلامة
فنحن نقولها ومع السلامة.
стр. 2162
من أحكام الأضحية
السؤال
جاءني ابني بأهله في يوم العيد، وجلسوا معنا في البيت هل تكفينا أضحية أم لا بد لكل أسرة من أضحية؟ وما السنة في الأضحية؟
الجواب
البخلاء يوم الأضحية يجتمعون، أربع أسر في شاة واحدة، فيقولون تعمنا وتكفينا شاة، ولكن إن شاء الله ليس بخل عند بعض الناس، لكن ظروفهم تجبرهم والقدر يأتي بهم إما من سفر أو من غيره، أهل البيت إذا كان قدرهم واحد وصحنهم واحد وسفرتهم واحدة تكفيهم أضحية واحدة مهما كثروا، سواء أعماماً أو إخوة أو أبناء، تكفي لجميع أهل البيت، إذا كانت مأدوبتهم واحدة ومائدتهم واحدة تكفيهم أضحية واحدة، ومن زاد فهو تفضل والله يثيبه، لأن الشيطان يأتي على الإنسان اقتصد في الأضحية، بينما عند الضيوف يذبح العشرات والعشرين والثلاثين ولا يحسب لها حساباً، لكن هذا المضحي لا يذبح إلا بعشرين فتية، فيأتي الإنسان من المصلى ويستعيذ بالله من الشيطان ويصلي ركعتين استخارة، ويبحث ويتأمل ولا يأتي إلا بشق الأنفس.
стр. 2163
قطيعة الوالدين
السؤال
أنا رجل منقطع وعندي ولدان، الأول منهم موظف ودخله كبير، والثاني: عنده تجارة ومؤسسة، وهم لا ينفقون عليّ ولا على أمهم، وأنا في حاجة ماسة وعليّ ديون ولا أجد من يوصلني بالسيارة، فكيف أفعل مع هؤلاء الأبناء وما هو الحل؟
الجواب
حسبنا الله ونعم الوكيل، الابن الأول موظف ودخله كبير، والثاني عنده تجارة ومؤسسة وهذا مديون هو وزوجته أم الأولاد، ولا يجد من يوصله بالسيارة، تصور الوضع، أين لا إله إلا الله؟ وأين المسجد؟ شابان قويان، كان هذا الأب وهذه الأم قد سهروا الليالي وجاعوا ليشبعوا، وأنفقوا عليهم وربوهم فلما أصبحوا عجزة شيوخاً كباراً متهدمي الأعضاء مهزوزي الأركان، تولى عنهم ذاك الموظف الذي دخله كبير ولكن للشياطين، والآخر معه تجارة ومؤسسة، والوالد في البيت يبكي لا يجد من يوصله بالسيارة، فندعوا الأبناء إلى لا إله إلا الله، وندعوهم إلى التوبة، وندعوهم إلى محاسبة النفس.
أما الوالد هذا المسكين والوالدة فأقول لهم أمور: الأمر الأول: أن يسألوا الله الهداية لولديهما في أدبار الصلوات بأن الله يهديهم: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فعليكما أيها الوالدان الجليلان بالدعاء في أدبار الصلوات والسجود، عل الله أن يهديهم.
الأمر الثاني: أرى أن تنصحوهم وأن تعرضوا أحوالكم عليهم بالعطف عل الله أن يعطف قلوبهم عليكم، وتعرضوا عليهم بعض الأقارب، وبعض الأرحام علهم أن يؤثروا عليهم، فإن لم يجد ذلك فما يحسن السيف إلا سيف القضاء، الشريعة المطهرة.
فعل بعض الصحابة بأبنائه في عهد الرسول ﷺ هكذا، فأتى أحدهم إلى الرسول ﵊ فقال: يا رسول الله! أشكو إليك ابني، قال: ماذا فعل؟ قال: يا رسول الله! جعت ليشبع، وسهرت لينام، وظمئت ليروى، وتعبت ليرتاح، فلما كبر ضربني ولوى يدي، فبكى ﵊، وقال: هل قلت فيه شعرا؟ -ذكر ذلك الزمخشري - قال: نعم قلت فيه قصيدة يا رسول الله! قال: ماذا قلت؟ قال:
غذوتك مولداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة وافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لغدت به دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك أؤمل
جلعت جزائي غلظة وفضاضة كأنك أنت المنعم المتفضل
فبكى ﵊ ودعا الابن فأخذه بتلابيب ثيابه وهزه وقال: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ هذا القضاء في الإسلام، فالقاضي يجبر هؤلاء المردة، ويأخذهم بالسوط وبالعصا، ويأخذهم بالقوة حتى ينفقوا عليك وعلى أمهم نفقة تكفيك وتكفي أمهم ويخصص لهم ما يكفيهم من المرتب وما يكفيهم من خدمة، ووصول بسيارة، هذا أمر الله، لكن نحن ندعوهم قبل أن تصلوا إلى القضاء، ونأمل من الله أن يرد ويعطف قلوبهم عليكم , فإنه سبحانه قدير وبالإجابة جدير.
وملاحظة على السؤال الذي سبق في الأضحية: أما أنه يقسمها ثلاثة أقسام فيعطي ثلثها ويهدي ثلثها ويأكل ثلثها، فأصبحت هذه من باب المستحبات عند أهل العلم، والرسول ﷺ لم يوجبها وجوباً، وإنما جعله ﷺ على الاستحباب إذا وجد فقير ومحتاج ومن يستنفع بالأضحية، فثلث يأكلها وثلث يوزعه هدية وثلث يتصدق به، هذا على الاستحباب، لكن إذا ما وجد طالبها، ولا إلى من يهدي واستغنى الناس والحمد لله فليضعه في البيت فليأكلها كلها.
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لـ عزة من أعراضنا ما ستحلت
стр. 2164
التصرف في الوقف
السؤال
يقول عندنا مزارع وقف لا نزرعها ولا نستفيد منها، هل يجوز بيعها وصرف قيمتها في بناء مسجد أو مشروع ينفع المسلمين؟
الجواب
نعم.
وقد أفتى ابن تيمية وغيره من العلماء أن الوقف إذا توقفت منافعه ومصالحه، فيباع وينقل إلى مصلحة تنفع المسلمين، كثير من المزارع من عشرين سنة وثلاثين سنة ما زرعت ويسمونها وقف لله، وقف الله ما يزرعونها أما مزارعهم يزرعونها، فهذه عليهم أن يصرفوها في مصارفها ويبيعوا هذه القطع ويبنوا بها مساجد أو خزانات ماء على الطرق للمسلمين، أو تفتح بها بيوت للخير أو سكنى وقف للمسلمين، أو قناطر تنفع الناس أو آبار يحفرونها أو مساجد يبنونها بالبوادي وفي التهامات أو في مثل ذلك فهذا أنفع للمسلمين، أما دثرها وتركها بهذا المستوى، فليس بوارد وهو القول الصحيح عند أهل العلم.
عسى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2165
عوامل القوة في حياة المسلمين
إن الله رفع هذه الأمة وأعزها بالإسلام، وعندما حافظ الجيل الأول على هذا الدين كانوا أعزة، لا يعتزون بملك ولا منصب ولا مال، بل كانوا معتزين بدينهم، الذي هو مصدر قوتهم، وإذا أردنا أن نعتز بغير هذا الدين أذلنا الله.
стр. 2166
الافتخار بهذا الدين
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ ، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.
في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً وهادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، شرحت به الصدور، وأسمعت به الآذان، وأريت به العيون، ورفعت به منارة الإسلام، ودكدكت به دولة الأصنام، ورفعت به راية لا إله إلا الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الناس! يقول الأول:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
من مبادئنا الأصيلة، ومن تعاليمنا الجليلة أن نفتخر بهذا الدين، وأن نتشرف بأن جعلنا الله مسلمين، فمن لم يتشرف بالدين، ولم يفتخر بكونه من المسلمين ففي قلبه شكٌ وقلة يقين، يقول الله في محكم كتابه عن القرآن مخاطباً رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: شرف لك وشرف لقومك وشرف لأتباعك إلى يوم القيامة، فالواجب أن تتشرف بالقرآن لكونك من أمة القرآن، وأمة الإسلام.
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدمِ
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأممِ
ولذلك يقول جل ذكره: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قال الأستاذ/ سيد قطب: لا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون: الأعلون سنداً، والأعلون متناً، والأعلون مبادئاً، والأعلون منهجاً، فمبدؤكم المبدأ الأصيل، وقرآنكم القرآن الجليل، وسندكم الرب الفضيل، فكيف يهون من الله سنده؟! وكيف يهون من رسوله قدوته؟! وكيف يهون من دينه الإسلام؟!
ولذلك كان لزاماً أن نفتخر، وأن نشعر أنفسنا بالشرف والجلالة والنبل يوم أن جعلنا الله مسلمين؛ لأن بعض الناس قد يخجل أن ينتسب إلى السنة، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وهذا خطأ كبير.
كيف لا يتشرف المؤمن والله جعله عبداً له؟!
ولذلك يسنن الله ويقنن مبادئ الشرف والرفعة في كتابه ، يقول عن الجاهليين: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢] فالشرف كل الشرف ليس في الدور، ولا في القصور والأموال والأولاد، ولا في الهيئات والذوات، بل الشرف أن تكون عبداًَ لرب الأرض والسماوات، وولي من أولياء الله الذين يعملون الصالحات، ويجتنبون المحرمات.
стр. 2167
ليس الفضل عند الله بالأشكال والأنساب
جاء عبد الله بن أم مكتوم الأعمى الضرير الفقير المسكين، ولكنه مسلم مؤمن، قائم الليل صائم النهار، جاء إلى المصطفى ﵊ يسأله مسألة فرعية فقهية، والرسول ﷺ مشغول بكفار قريش وساداتهم يريد أن يهديهم إلى صراط الله المستقيم، فلما دخل عليه، قال: يا رسول الله! أريد كذا وكذا، فأعرض عنه ﷺ ؛ لأنه لا يريد أن تفوته الفرصة مع هؤلاء الكبار.
فعاتبه ربه من فوق سبع سموات، عاتبه في هذا الأعمى المسكين الضرير المحتاج في خطاب يلذع القلوب، يقول الله له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] وخاطبه بخطاب الغيبة، ولم يقل: عبست، وإنما يقول: عبس أي: تغير وجهه واكفهر، عبس هذا الرسول النبي، عبس هذا الداعية في وجه هذا الرجل الصالح، عبس وتولى وأعرض عنه: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:٢] أي: كيف تعْبِس وهو أعمى ولا تستقبله؟ مسلم في قلبه قلعة من قلاع التوحيد، في قلبه جامعة من أكبر جامعات الدنيا من الإخلاص والصدق والتعامل: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:٢] أما ترق للأعمى؟! أما تحلم عليه؟! أما تعطف عليه؟! ولم يسمه باسمه وإنما علمه بسمته.
ثم قال الله له: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] من أخبرك أن هذا أراد أن يتطهر بالعلم النافع؟! فقد أراد منك أن تفقهه في الدين، وأراد منك أن تقوده إلى رب العالمين: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس:٤ - ٥] أما الكافر الذي استغنى عن الرسالة والرسول، وعن القرآن والسنة، وعن الهداية والنور: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس:٦] تستقبله وتهش وتبش في وجهه، وتلين له في الخطاب، تستقبل هؤلاء الجبابرة الذين أتوك، وأما هذا الأعمى تعرض عنه!
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٧] ليس عليك حساب أن يتطهر هؤلاء، ذرهم يموتون بكفرهم، ورجسهم وعنادهم وجبروتهم فالنار مثواهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:٨ - ١٠] فلا تفعل ذلك.
﴿فأتى عبد الله بن أم مكتوم مرة ثانية، فقام له ﷺ ، وعانقه وفرش له رداءه، وقال له: مرحباً بالذي عاتبني فيه ربي﴾ وبالفعل كانت النتيجة أن مات هؤلاء الأشراف السادة على الكفر ودخلوا ناراً تلظى، وأما عبد الله بن أم مكتوم فأسلم واستمر في الإسلام، ولما أتى داعي الهداية، والكفاح، والجهاد، وارتفعت راية الإسلام بيد عمر ﵁ وأرضاه، ونادى بالنفير إلى القادسية، إلى معركة فاصلة مع آل كسرى وآل رستم؛ كان من المجاهدين عبد الله بن أم مكتوم، قال له الصحابة: أنت أعمى، قال: لا والله، يقول الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١] فلما حضر المعركة، سلموه الراية، فوقف مكانه حتى قتل، فكان قبره تحت قدميه.
سلام على ذاك الصديق المخلص، وسلام على ذاك المنيب الذي عرف الله.
والمقصود: أنه تشرَّف بالإسلام، فكان قلعة من قلاع الحق استقبلت نور السماء فوزعته على البشرية، والرسول ﵊ كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: [لا يعجبه شيء في الدنيا إلا التقي]] وعبد الرحمن بن عوف يقول: [والله ما رأيت متقياً لله إلا وددت أنني في مسلاخه]].
فأنت ترى المتقي فيحبه قلبك إن كنت مسلماً، وتظهر عليه علائم النصح والقبول والرضا، وترى الفاجر ولو كان وسيماً جميلاً فعليه آيات السخط، والغضب، وعليه سمات الإعراض عن الله، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أما الأجسام فطويلة، وأما البشرة فجميلة، ولكن القلوب قلوب ضلالة وجهالة وعمالة.
стр. 2168
قصة جليبيب
كان جليبيب رجلاً فقيراً، لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، حتى ثوبه يبقى عليه السنوات بدرنه وغباره ووسخه، لا يجد إلا كسرة الخبز، ولكن الله نظر إلى قلبه فهداه إلى الإسلام، والذين يتفننون في القصور والدور قد لا يهديهم سواء السبيل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
﴿جاء جليبيب إلى رسول الله ﷺ ، فتبسم ﷺ لما رآه، وقال وهو يمازحه: يا جليبيب! أتريد الزواج؟ فقال: يا رسول الله! من يزوجني لا أسرة عندي ولا مال ولا دار ولا شيء من متاع الدنيا؟ فقال ﵊: اذهب إلى ذاك البيت من بيوت الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تزوجوني، فذهب وطرق عليهم الباب، وكانوا من سادات الأسر، ومن كبريات العشائر في الأنصار، فخرج رب البيت، ورأى جليبيباً وهيئته، وفقره، وعوزه، فقال: ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته فشاورها، فاستكبرا الخبر، وقالوا: ليته غير جليبيب، فلا نسب ولا مال ولا دار، فشاوروا تلك البنت الصالحة التي تربت في مدرسة التوحيد، فقالت: وهل تردون رسول رسول الله ﷺ ؟!﴾
فتزوج بها وعمَّر بيته الذي أسسه من الفقر، فكوخه المسكنة، وإدامه التسبيح والتهليل والتكبير، وظلاله الصلاة في الهجير، والصيام في شدة الحر، وحضر معركة من المعارك، ولما انتهت بالنصر قال ﷺ : ﴿هل فقدتم أحداً من الناس؟ قالوا: فقدنا فلاناً وفلاناً، قال: وغيرهم؟ قالوا: ما فقدنا أحداً، قال: لكني فقدت جليبيباً، ثم قام ﵊، فتفقده في القتلى البواسل والشهداء الفواضل، فوجده قد قتل سبعة من الكفار وقتل بجانبهم، فتقدم إليه الرسول الكريم، والنبي العظيم، فقبل جبهته قبلة الجائزة للموحدين، وللشهداء العارفين، وللأبرار الخالدين، وقال: قتلت سبعة ثم قتلوك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك.
لقد كانت عظمة هؤلاء يوم اتصلوا بالواحد الأحد، عرفوا الله ؛ فعرَّفهم الله على منازل الصديقين.
стр. 2169
العلم يرفع الناس
دخل سليمان بن عبد الملك -الخليفة الأموي- الحرم ومعه الوزراء والأمراء والحاشية والجيش، فقال: من عالم مكة؟ قالوا: عالم مكة عطاء بن أبي رباح، قال: أروني عطاء هذا؟ فأشرف عليه فوجده عبداً كأن رأسه زبيبة سوداء، مشلولاً نصفه، أزرق العينين، مفلفل الشعر، لا يملك من الدنيا درهماً ولا ديناراً، فقال سليمان: أأنت عطاء بن أبي رباح الذي طوق ذكرك الدنيا؟ قال: يقولون ذلك.
قال: بماذا حصلت على هذا العلم؟ قال: بترك فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة ما خرجت منه حتى تعلمت العلم، قال سليمان: يا أيها الحجاج! لا يفتي في المناسك إلا عطاء.
فلما اختلف سليمان هو وأبناؤه في مسألة من مسائل الحج، قال: دلوني على عطاء بن أبي رباح، فأخذوه إلى عطاء، وهو في طرف الحرم والناس عليه كالغمامة، فأراد أن يجتاز الصفوف ويتقدم إليه -وهو خليفة- فقال عطاء: يا أمير المؤمنين! خذ مكانك ولا تتقدم الناس، فإن الناس سبقوك إلى هذا المكان، فلما أتى دوره سأله مسألة فأجابه، فقال سليمان لأبنائه: "يا أبنائي! عليكم بتقوى الله والتفقه في الدين، فوالله، ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد"؛ لأن الله يرفع من يشاء، ويهدي من يشاء، ويجعل قيمة من يشاء في تقواه .
وجاء هشام بن عبد الملك الخليفة أخو سليمان، فحج البيت الحرام، وفي الطواف رأى سالم بن عبد الله الزاهد العابد العالم ابن عبد الله بن عمر، وهو يطوف وحذاؤه في يديه، وعليه عمامة وثياب ودجلة لا تساوي ثلاثة عشر درهماً، فقال له هشام: يا سالم! أتريد حاجة أقضيها لك هذا اليوم؟، قال سالم: أما تستحي من الله؟! تعرض علي الحوائج وأنا في بيت من لا يحوجني إلى غيره، فاحمر وجه الخليفة، فلما خرج من الحرم، قال: أتريد شيئاً؟ قال: أمن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: أما حوائج الآخرة فلا أملكها، لكن من حوائج الدنيا، قال سالم: والله الذي لا إله إلا هو، ما سألت حوائج الدنيا من الذي يملكها ﵎، فكيف أسألها منك؟!
إنهم عظماء، إنهم عاشوا في مدرسة رسول الهدى ﷺ !
ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمةً من عفاء
أخرج خير أمة للناس يرون الذهب والفضة مع الكفار فيهدمونها ويطئون عليها بالأقدام، فيقول لهم المستعمر والكافر: خذوا هذا الذهب واتركوا بلادنا، قالوا: لا والله، دارنا وبلادنا جنة عرضها السماوات والأرض.
ومن الذي باع الحياة رخيصةً ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفأت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
إنهم أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 2170
العزة بهذا الدين
يخرج عمر ﵁ وأرضاه لاستلام مفاتيح بيت المقدس، فيخرج له الناس ويستعرض الجيش المسلم بقيادة الأمراء الأربعة تحت راية أبي عبيدة المقدام الهمام، يستعرضون له بـ الجابية، فلما أشرف عليهم، قال: لا إله إلا الله! ثم قال: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] ثم أمر الكتائب والجيوش أن تتفرق ليدخل في مسكنة ودعة وهدوء، فلما اقترب الأمراء منه، قال: تفرقوا عني، أين أخي أبو عبيدة عامر بن الجراح؟ فتقدم أبو عبيدة فتعانقا وبكيا طويلاً، فقال عمر: يا أبا عبيدة! كيف بنا إذا سألنا الله يوم القيامة ماذا فعلنا بعد رسولنا ﷺ ؟
قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! تعال نتباكى ولا يرانا الناس، فانحرفا عن الطريق إلى شجرة، والجيوش تنظر إليهم، والأمراء، والقساوسة، والرهبان، والنصارى، ثم وقفا يبكيان طويلاً، رضي الله عنكم أيها السلف الصالح يوم عرفتم أن الستين والسبعين السنة ينبغي ويجب أن تصرف في مرضاة الله ﵎.
يقول رستم قائد فارس -وتحت يديه مائتان وثمانون ألفاً من الجنود الكفرة- لـ سعد بن أبي وقاص القائد المسلم: أرسل إليَّ من جنودك رسولاً أكلمه، فأرسل له سعد ﵁ وأرضاه ربعي بن عامر، وعمره ثلاثون سنة من فقراء الصحابة قال له سعد: [[اذهب ولا تغير من مظهرك شيئاً، لأننا قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] فخرج ربعي بفرسه الهزيل ورمحه المثلم.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وجاء بثيابه الممزقة، فلما سمع رستم أن وافد المسلمين سوف يدخل عليه، جمع آل أنو شروان الحاكمة والوزراء والجنود، ولبسوا التيجان ولبسوا الإذربيجي واستعدوا؛ ليرهبوا هذا الوافد عله أن يتلعثم فلا يحسن الكلام، فلما جلس رستم، قال: أدخلوه علي، فدخل يقود فرسه ويعتمد برمحه على فرش رستم ليظهر له أن الدنيا حقيرة ورخيصة وأنها لا تساوي عند الله شيئاً، ومن علامات رخصها وحقارتها أن أعطاها هذا الكافر وجعل سعد بن أبي وقاص ينام على الثرى، فلما وقف أمامه، قال: اجلس، قال ربعي: ما أتيتك ضيفاً وإنما أتيتك وافداً، فقال رستم -والترجمان بينهما-: ما لكم أيها العرب -وأقسم بآلهته- ما علمنا قوماً أذل ولا أقل منكم! فللرومان حضارة، ولفارس حضارة، ولليونان حضارة، وللهنود حضارة، أما أنتم فأهل جعلان تطاردون الأغنام والإبل في الصحراء، فماذا أتى بكم؟!
قال ربعي: نعم.
أيها الملك كنا كما قلت وزيادة، كنا أهل فحشاء نعبد الأصنام، ويقتل القريب قريبه على مورد الشاة، لا نعرف نظاماً ولا مبدءاً ولا حضارة، ثم انتخى ورفع صوته كأنه الصاعقة في مجلسه فقال: [[ولكن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] فغضب رستم، وقال: والله! لا تخرج حتى تحمل تراباً من بساطي، فحمله على رأسه، وقال ربعي: هذه الغنيمة الباردة إن شاء الله، تسليم أرضك وديارك: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] فلما أشرف على سعد، قال: ماذا على رأسك يا ربعي؟ قال: تراب من تراب أرض رستم وكسرى، فكبر المسلمون حتى اهتز مخيمهم، وقال: هو النصر، هذا تسليم أرضهم بإذن الله.
وفي الصباح الباكر يوم أطلقت الشمس أشعتها على الدنيا كان سعد ﵁ وأرضاه في أول الصفوف، والتقى الجمعان، وبرزت الفئتان، وتبدى الرحمن لحزبه ، وفي ثلاثة أيام تُسحق كتائب الضلالة والعمالة، وتُداس الجماجم التي ما عرفت لا إله إلا الله، وتُضرب الرءوس التي ما دخل فيها نور لا إله إلا الله، ويدخل سعد في اليوم الرابع على إيوان كسرى الذي حكم الدنيا ألف سنة، فيراه مموهاً بالذهب، ويرى سلاسل الزبرجد والمرجان، فيبكي سعد ويقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] فكهين.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
كنا نرى الأصنام من ذهبٍ فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2171
التربية على تعظيم الله
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الناس! إن مما يجب على المسلم الذي يريد أن يربي بيته تربية إسلامية أن يشرّف بيته وأبناءه بالإسلام، وأن يعظم شعائر الله في قلوبهم، ويعظم الحدود التي أمر الله بحفظها، فيكون بيته معظماً لله ﵎، ومعنى ذلك: أن تربي في نفس ابنك تعظيم الله، فلا يكون أحد في قلبه أعظم من الله ولا أجل منه ولا أحب هذا هو البيت المسلم.
стр. 2172
طرق تعظيم الله
وأمور التعظيم والتشريف في البيت المسلم تحصل في أمور:
١/ أن تُعظِّم الله في قلب ابنك فتعرفه على الواحد الأحد، فلا يتلفظ بلفظ الجلالة إلا في مكارم الأمور، وفي أشرف المناسبات، وأن تعلمه أين الله ﵎، وتعرفه على صفات الواحد الأحد، فتعرفه كرمه ، وحلمه، وبره، وتريه آثار القدرة في آياته وصفاته، فعندما يأكل الطعام، تقول له: هذا من فضل الله؛ ليحب الله، وعندما يلبس اللباس، فتقول: هذا من جود الله، ليتعرف على الله، وحينما يسكن البيت فتقول: هذا من توسيع الله ومن فضله، فيتحبب إلى الله ﵎.
٢/ تعظيم كتاب الله، فتحبب إليه القرآن وتعظم مبدأ القرآن في قلبه، وتجعل من أعظم اهتماماته في الحياة أن يحفظ كتاب الله، فإن وجدت قصاصة من المصحف رفعتها، وقبلتها، وطيبتها، وهو يراك، ووضعتها على رأسك، فهذه أعظم من مائة محاضرة تحاضر فيها عن عظمة القرآن، وإذا رأيت شيئاً من أحاديث المصطفى ﷺ فترفعه، وإذا ذكر لك الرسول ﷺ في المجلس فتصلي وتسلم عليه، وتدعو الله أن يجزيه عن الإسلام خيراً، وعن الدعوة براً، وعن البشرية فخراً.
٣/ أن تُعظِّم في قلبه رسول الهدى ﷺ ، وتعظم في قلبه كيف كان ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان والصحابة أجمعون، فيعيش ونجوم مجده هؤلاء القوم وليسوا نجوم الفن ولا نجوم الغناء كما يفعل بعض الناس، لأن كثيراً من الأطفال تربوا على أن العظماء هم المغنون والمغنيات الأحياء منهم والأموات، فيرى أن هذا المغني قد شق طريق المجد، وقد صعد وقد نال من الفخر ما لم ينله أحد من العالمين، ويظن بعض الأطفال أن هؤلاء الفنانين والفنانات أنهم رزقوا من العقول والذكاء والجلالة ما لم يرزقه أحد من الناس لا لشيء إلا لأن الطفل يصبح ويمسي على صوت هذا المغني!! وأما ذكر محمد ﷺ ، فقلّ في بيته.
٤/ وطائفة من الناس ثقافتهم دخيلة عميلة ضالة رأوا أن نجوم المجد ماركس ولينين وهرتزل ونابليون وهتلر أعداء الإنسانية، يقرءون كتبهم، ويحفظون كلماتهم، وهؤلاء -والذي لا إله إلا هو، والذي شرف وجه محمد بالرسالة- لا يساوون الغبار الذي كان على حذائه ﷺ ، والله إنهم لا يساوون الغبار الذي وطأه ﷺ ، والله إنهم لا يساوون ولو اجتمعوا من الشرق ومن الغرب بصاق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] أولئك الذين ركبوا مجد التاريخ، وأسمعوا أذن الزمن، وامتطوا البحار يرفعون لا إله إلا الله، أولئك الذين علَّم الله الإنسانية بهم الهداية، وعلم الله بهم الضلالة، ومحق الله بهم العمالة، أولئك الذين كانوا قرءاناً يمشي على الأرض، كانوا يتعاملون بالقرآن، وينامون على حدس القرآن، ويصحون على صوت القرآن، أولئك الذين نظر الله إلى قلوبهم فرضي عنهم ورضوا عنه، فيكلم شهداءهم كفاحاً، ويرضى عن كلام أدبائهم ويثني عليهم وهم في الحياة الدنيا، يجتمعون تحت شجرة فينزل جبريل بكلام الله، ويقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] يجتمعون في الصباح الباكر، فيتنزل عليهم جبريل بقوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] جلالة، ونور، وبياض، وإشراق، وبشاشة، أما أولئك الذين أُدخلوا علينا عن طريق المجلات الخليعة والكتب الظالمة الظانة الغاشمة أولئك أنجس خلق الله، فالكلاب أطهر منهم، والحمير أنزه منهم، لأنها مخلوقة بلا عقول تكليف، أما هم فكلفوا بعقول ثم ألحدوا، وكفروا، وأعرضوا فهم أضل منها سبيلاً.
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] إن الذي لا يؤمن بالله عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢].
أسأل الله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى أن يشرفنا وإياكم، وبيوتنا، وأطفالنا بالإسلام، الذي أتى به رسول الهدى ﷺ .
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
стр. 2173
كلام جميل وفعل قبيح
مناقضة الفعل للقول من خصائص النفسية اليهودية، وقد حذرنا الله من سلوك طريقهم جملة وتفصيلاً، وخاطب المؤمنين بقوله: (لم تقولون ما لا تفعلون) وحذر رسول الله ﷺ من ذلك وجعله من علامات النفاق.
стр. 2174
تفسير آية: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عنوان هذا الدرس: (كلام جميل وفعل قبيح) وهو تذييل وتعليق لبعض أهل العلم على قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وهذه الآية هي أول آية معنا في هذا الدرس.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] لا زال الحديث مع بني إسرائيل وكان الدرس السابق بعنوان (أول لقاء مع بني إسرائيل) وهو تجريد لأعمالهم وكشف لمخططاتهم وما فعلوه؛ لعلنا أن نجتنب ما وقعوا فيه.
وكما قيل:
إياك أعني واسمعي يا جاره
مصائب قوم عند قوم فوائد
قال أهل العلم كـ الرازي وغيره: الخطاب في هذه الآيات لبني إسرائيل ولنا؛ لأنهم انقرضوا أو بقي منهم أناس كفرة فبقي الخطاب لنا نحن الأمة الإسلامية، وهذا الخطاب بالخصوص للدعاة ولطلبة العلم وللعلماء وللآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يقول الله لنا ولهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
هنا مسائل أولها:
стр. 2175
الترهيب من أمر الناس بالبر ونسيان النفس
يقول : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة:٤٤] البر: كل شيء جميل، والبر تزكية النفس، وطهارة الروح، وقد شمله القرآن في معان متعددة على هذه المعاني والمقاصد التي ذكرت، يقول الله لهم: ما لكم يا بني إسرائيل لا تستحون من الله، تأمرون الناس بالبر وأنتم لا تأتمرون، تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم.
يقول أبو الأسود الدؤلي في مقطوعة له:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
يقول ﵊ والحديث عند أحمد والطبراني ويقبل التحسين، وربما أصله في الصحيح لكن هذه هي الرواية التي اطلعت عليها: ﴿مررت ليلة أسري بي بأناس تقرض شفاههم بالنار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم﴾ تقرض شفاههم بالمقاريض وهم في النار والعياذ بالله؛ وخصت الشفاة؛ لأنهم طالما تكلموا ووعظوا ووجهوا الناس بها.
ذكروا عن أحد الصالحين من الدعاة أن عبداً رقيقاً أتى إليه فقال: أريد أن تخطب الناس في العتق لعل سيدي أن يعتقني من الرق، فخطب الناس ودعاهم، وهكذا في كل جمعة فجاء العبد وقال: في كل جمعة الحث على العتق ولكن سيدي ما أعتقني، قال: انتظرني إذاً وقتاً من الزمن، قال: فأتى هذا الرجل الداعية فجمع أموالاً واشترى عبيداً وأعتقهم لوجه الله، ثم قام فوعظ الناس بالعتق، فلما خرج الناس أتى السيد إلى عبده فأعتقه، فسئل هذا السيد كيف أعتقته والعالم هذا يتكلم من زمن؟ قال: ما وقع كلامه في قلبي إلا هذه الجمعة، وهذا يدل على أن العمل إذا وافق القول، وقع موقعه.
كان بنو إسرائيل -نعوذ بالله من الخذلان- في المجالس والدعوة كلامهم جميل، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وربما وصل ببعضهم ألا يصلي ويشرب المسكر ويزني ويقتل، ولكن إذا وقف أمام الناس وقف داعية، وقد شهد التاريخ نماذج من هذا، لكن بالخصوص بنو إسرائيل امتازوا بذلك حتى قال الله في عالمهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿يلقى برجل في النار فتندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له: يا فلان! أما كنت تأمرنا بالمعروف؟ قال: بلى، قالوا: أما كنت تنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، قالوا: فما لك؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر فآتيه﴾ وهذا هو معنى قوله : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
ولذلك كان رسول الهدى ﷺ ؛ لصدقه مع الله، ولإخلاصه، ولقربه من الله .
ولا يزال الداعية محاسباً نفسه حتى ينطبق قوله مع فعله، ونعوذ بالله من الخذلان، والحرمان، أن نأمر الناس بشيء ثم لا نأتيه.
جاء رجل إلى ابن عباس -وهذه القصة عند ابن كثير - وقال له: أريد أن أعظ الناس، قال: [[ماذا فعلت بقوله : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أأحكمتها؟ قال: لا، قال فهل أحكمت قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] أأحكمتها؟ قال: لا، قال: فهل أحكمت قوله عن شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] أأحكمتها؟ قال: لا، قال: فاذهب، فأمر نفسك ثم أمر الناس]] ولكن عند أهل العلم أنه من قام بالفرائض واجتنب الكبائر فلا بأس أن يدعو الناس ولو إلى نوافل لا يقوم بها.
قال الإمام أحمد: لو مكث الإنسان حتى لا يكون فيه عيب ولا نقص ولا ذنب، ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى أحد عن منكر، لكن من وقع في بعض الصغائر وفوت بعض النوافل، فأما الكبائر فلابد للواعظ أن يمتنع عنها، والفرائض حتى يأتي بها ثم ينصح الناس.
إنسان لا يصلي ثم يقوم يدعو الناس إلى الصلاة أليس بأكبر الفجار؟ بلى.
إنسان ينادي بنزع الخمر والربا وهو خمار مرابٍ، كيف يقبل منه؟
وقد وقع للعلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان مثل هذا الموقف وكان يعيش في المدينة المنورة وكان هناك رجل أحمق معتوه، مرفوع عنه القلم، كان يأتي عند المسجد النبوي ويقول: صلوا صلوا، فإذا مر الشيخ، والشيخ عليه جلالة وعليه ديانة وزهد وعبادة، يقول للشيخ: صلِّ صلِّ، وهو إذا دخل المسجد لا يصلي؛ لأنه معتوه مرفوع عنه القلم فلا يدخل، فكان كلما رأى الشيخ يقول قال له: يا شيخ صلِّ، قال: وأنت محتاج إلى قليل صلاة، وأنت لماذا لا تصلي؟ أنت تحتاج إلى قليل من الصلاة، قال: إن شاء الله آتيكم، وهذا كأن القلم رفع عنه.
أما النوافل فإنه أحياناً لا يستطيع الإنسان أن يأتيها، إنسان لا يستطيع قيام الليل فقد يكون مشغولاً بالجهاد أو أنه عالم وعنده تدريس ومراجعة وتخريج، وقد يأخذ عليه وقتاً طويلاً فلا يستطيع أن يوتر إلا قبل أن ينام، فلا نقول له: لا تأمر الناس بقيام الليل.
بل يأمرهم لأنهم سوف يكونون في ميزان حسناته إذا قاموا الليل، وقد يوجد إنسان داعية لكنه فقير، فله أن يأمر الناس بالصدقة، وإن كان لا يجد ما يتصدق به، لعله أن يجد من الأثرياء من يتصدق، وقس على هذه الأمور.
إذاً: فلا بأس على الداعي أن يتحدث عن أمور من النوافل ولو لم يستطع لها، كصيام النافلة، وقيام الليل، والصدقة، عل الله أن يهدي: ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
يقول ﵊ في الصحيح إنما دخل النقص على بني إسرائيل، أنهم كان الرجل إذا لقي أخاه ينهاه ثم لا يمنعه أن يكون أكيله وشريبه في آخر النهار، حتى قال : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
следующие страницы →