← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

التربية على تعظيم الله الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس! إن مما يجب على المسلم الذي يريد أن يربي بيته تربية إسلامية أن يشرّف بيته وأبناءه بالإسلام، وأن يعظم شعائر الله في قلوبهم، ويعظم الحدود التي أمر الله بحفظها، فيكون بيته معظماً لله ﵎، ومعنى ذلك: أن تربي في نفس ابنك تعظيم الله، فلا يكون أحد في قلبه أعظم من الله ولا أجل منه ولا أحب هذا هو البيت المسلم.

стр. 2172

طرق تعظيم الله وأمور التعظيم والتشريف في البيت المسلم تحصل في أمور: ١/ أن تُعظِّم الله في قلب ابنك فتعرفه على الواحد الأحد، فلا يتلفظ بلفظ الجلالة إلا في مكارم الأمور، وفي أشرف المناسبات، وأن تعلمه أين الله ﵎، وتعرفه على صفات الواحد الأحد، فتعرفه كرمه ، وحلمه، وبره، وتريه آثار القدرة في آياته وصفاته، فعندما يأكل الطعام، تقول له: هذا من فضل الله؛ ليحب الله، وعندما يلبس اللباس، فتقول: هذا من جود الله، ليتعرف على الله، وحينما يسكن البيت فتقول: هذا من توسيع الله ومن فضله، فيتحبب إلى الله ﵎. ٢/ تعظيم كتاب الله، فتحبب إليه القرآن وتعظم مبدأ القرآن في قلبه، وتجعل من أعظم اهتماماته في الحياة أن يحفظ كتاب الله، فإن وجدت قصاصة من المصحف رفعتها، وقبلتها، وطيبتها، وهو يراك، ووضعتها على رأسك، فهذه أعظم من مائة محاضرة تحاضر فيها عن عظمة القرآن، وإذا رأيت شيئاً من أحاديث المصطفى ﷺ فترفعه، وإذا ذكر لك الرسول ﷺ في المجلس فتصلي وتسلم عليه، وتدعو الله أن يجزيه عن الإسلام خيراً، وعن الدعوة براً، وعن البشرية فخراً. ٣/ أن تُعظِّم في قلبه رسول الهدى ﷺ ، وتعظم في قلبه كيف كان ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان والصحابة أجمعون، فيعيش ونجوم مجده هؤلاء القوم وليسوا نجوم الفن ولا نجوم الغناء كما يفعل بعض الناس، لأن كثيراً من الأطفال تربوا على أن العظماء هم المغنون والمغنيات الأحياء منهم والأموات، فيرى أن هذا المغني قد شق طريق المجد، وقد صعد وقد نال من الفخر ما لم ينله أحد من العالمين، ويظن بعض الأطفال أن هؤلاء الفنانين والفنانات أنهم رزقوا من العقول والذكاء والجلالة ما لم يرزقه أحد من الناس لا لشيء إلا لأن الطفل يصبح ويمسي على صوت هذا المغني!! وأما ذكر محمد ﷺ ، فقلّ في بيته. ٤/ وطائفة من الناس ثقافتهم دخيلة عميلة ضالة رأوا أن نجوم المجد ماركس ولينين وهرتزل ونابليون وهتلر أعداء الإنسانية، يقرءون كتبهم، ويحفظون كلماتهم، وهؤلاء -والذي لا إله إلا هو، والذي شرف وجه محمد بالرسالة- لا يساوون الغبار الذي كان على حذائه ﷺ ، والله إنهم لا يساوون الغبار الذي وطأه ﷺ ، والله إنهم لا يساوون ولو اجتمعوا من الشرق ومن الغرب بصاق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] أولئك الذين ركبوا مجد التاريخ، وأسمعوا أذن الزمن، وامتطوا البحار يرفعون لا إله إلا الله، أولئك الذين علَّم الله الإنسانية بهم الهداية، وعلم الله بهم الضلالة، ومحق الله بهم العمالة، أولئك الذين كانوا قرءاناً يمشي على الأرض، كانوا يتعاملون بالقرآن، وينامون على حدس القرآن، ويصحون على صوت القرآن، أولئك الذين نظر الله إلى قلوبهم فرضي عنهم ورضوا عنه، فيكلم شهداءهم كفاحاً، ويرضى عن كلام أدبائهم ويثني عليهم وهم في الحياة الدنيا، يجتمعون تحت شجرة فينزل جبريل بكلام الله، ويقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] يجتمعون في الصباح الباكر، فيتنزل عليهم جبريل بقوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] جلالة، ونور، وبياض، وإشراق، وبشاشة، أما أولئك الذين أُدخلوا علينا عن طريق المجلات الخليعة والكتب الظالمة الظانة الغاشمة أولئك أنجس خلق الله، فالكلاب أطهر منهم، والحمير أنزه منهم، لأنها مخلوقة بلا عقول تكليف، أما هم فكلفوا بعقول ثم ألحدوا، وكفروا، وأعرضوا فهم أضل منها سبيلاً. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] إن الذي لا يؤمن بالله عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢]. أسأل الله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى أن يشرفنا وإياكم، وبيوتنا، وأطفالنا بالإسلام، الذي أتى به رسول الهدى ﷺ . إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].

стр. 2173

كلام جميل وفعل قبيح مناقضة الفعل للقول من خصائص النفسية اليهودية، وقد حذرنا الله من سلوك طريقهم جملة وتفصيلاً، وخاطب المؤمنين بقوله: (لم تقولون ما لا تفعلون) وحذر رسول الله ﷺ من ذلك وجعله من علامات النفاق.

стр. 2174

تفسير آية: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عنوان هذا الدرس: (كلام جميل وفعل قبيح) وهو تذييل وتعليق لبعض أهل العلم على قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وهذه الآية هي أول آية معنا في هذا الدرس. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] لا زال الحديث مع بني إسرائيل وكان الدرس السابق بعنوان (أول لقاء مع بني إسرائيل) وهو تجريد لأعمالهم وكشف لمخططاتهم وما فعلوه؛ لعلنا أن نجتنب ما وقعوا فيه. وكما قيل: إياك أعني واسمعي يا جاره مصائب قوم عند قوم فوائد قال أهل العلم كـ الرازي وغيره: الخطاب في هذه الآيات لبني إسرائيل ولنا؛ لأنهم انقرضوا أو بقي منهم أناس كفرة فبقي الخطاب لنا نحن الأمة الإسلامية، وهذا الخطاب بالخصوص للدعاة ولطلبة العلم وللعلماء وللآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يقول الله لنا ولهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. هنا مسائل أولها:

стр. 2175

الترهيب من أمر الناس بالبر ونسيان النفس يقول : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة:٤٤] البر: كل شيء جميل، والبر تزكية النفس، وطهارة الروح، وقد شمله القرآن في معان متعددة على هذه المعاني والمقاصد التي ذكرت، يقول الله لهم: ما لكم يا بني إسرائيل لا تستحون من الله، تأمرون الناس بالبر وأنتم لا تأتمرون، تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم. يقول أبو الأسود الدؤلي في مقطوعة له: يا أيها الرجل المعلم غيره هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم يقول ﵊ والحديث عند أحمد والطبراني ويقبل التحسين، وربما أصله في الصحيح لكن هذه هي الرواية التي اطلعت عليها: ﴿مررت ليلة أسري بي بأناس تقرض شفاههم بالنار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم﴾ تقرض شفاههم بالمقاريض وهم في النار والعياذ بالله؛ وخصت الشفاة؛ لأنهم طالما تكلموا ووعظوا ووجهوا الناس بها. ذكروا عن أحد الصالحين من الدعاة أن عبداً رقيقاً أتى إليه فقال: أريد أن تخطب الناس في العتق لعل سيدي أن يعتقني من الرق، فخطب الناس ودعاهم، وهكذا في كل جمعة فجاء العبد وقال: في كل جمعة الحث على العتق ولكن سيدي ما أعتقني، قال: انتظرني إذاً وقتاً من الزمن، قال: فأتى هذا الرجل الداعية فجمع أموالاً واشترى عبيداً وأعتقهم لوجه الله، ثم قام فوعظ الناس بالعتق، فلما خرج الناس أتى السيد إلى عبده فأعتقه، فسئل هذا السيد كيف أعتقته والعالم هذا يتكلم من زمن؟ قال: ما وقع كلامه في قلبي إلا هذه الجمعة، وهذا يدل على أن العمل إذا وافق القول، وقع موقعه. كان بنو إسرائيل -نعوذ بالله من الخذلان- في المجالس والدعوة كلامهم جميل، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وربما وصل ببعضهم ألا يصلي ويشرب المسكر ويزني ويقتل، ولكن إذا وقف أمام الناس وقف داعية، وقد شهد التاريخ نماذج من هذا، لكن بالخصوص بنو إسرائيل امتازوا بذلك حتى قال الله في عالمهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿يلقى برجل في النار فتندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له: يا فلان! أما كنت تأمرنا بالمعروف؟ قال: بلى، قالوا: أما كنت تنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، قالوا: فما لك؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر فآتيه﴾ وهذا هو معنى قوله : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. ولذلك كان رسول الهدى ﷺ ؛ لصدقه مع الله، ولإخلاصه، ولقربه من الله . ولا يزال الداعية محاسباً نفسه حتى ينطبق قوله مع فعله، ونعوذ بالله من الخذلان، والحرمان، أن نأمر الناس بشيء ثم لا نأتيه. جاء رجل إلى ابن عباس -وهذه القصة عند ابن كثير - وقال له: أريد أن أعظ الناس، قال: [[ماذا فعلت بقوله : ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أأحكمتها؟ قال: لا، قال فهل أحكمت قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] أأحكمتها؟ قال: لا، قال: فهل أحكمت قوله عن شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] أأحكمتها؟ قال: لا، قال: فاذهب، فأمر نفسك ثم أمر الناس]] ولكن عند أهل العلم أنه من قام بالفرائض واجتنب الكبائر فلا بأس أن يدعو الناس ولو إلى نوافل لا يقوم بها. قال الإمام أحمد: لو مكث الإنسان حتى لا يكون فيه عيب ولا نقص ولا ذنب، ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى أحد عن منكر، لكن من وقع في بعض الصغائر وفوت بعض النوافل، فأما الكبائر فلابد للواعظ أن يمتنع عنها، والفرائض حتى يأتي بها ثم ينصح الناس. إنسان لا يصلي ثم يقوم يدعو الناس إلى الصلاة أليس بأكبر الفجار؟ بلى. إنسان ينادي بنزع الخمر والربا وهو خمار مرابٍ، كيف يقبل منه؟ وقد وقع للعلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان مثل هذا الموقف وكان يعيش في المدينة المنورة وكان هناك رجل أحمق معتوه، مرفوع عنه القلم، كان يأتي عند المسجد النبوي ويقول: صلوا صلوا، فإذا مر الشيخ، والشيخ عليه جلالة وعليه ديانة وزهد وعبادة، يقول للشيخ: صلِّ صلِّ، وهو إذا دخل المسجد لا يصلي؛ لأنه معتوه مرفوع عنه القلم فلا يدخل، فكان كلما رأى الشيخ يقول قال له: يا شيخ صلِّ، قال: وأنت محتاج إلى قليل صلاة، وأنت لماذا لا تصلي؟ أنت تحتاج إلى قليل من الصلاة، قال: إن شاء الله آتيكم، وهذا كأن القلم رفع عنه. أما النوافل فإنه أحياناً لا يستطيع الإنسان أن يأتيها، إنسان لا يستطيع قيام الليل فقد يكون مشغولاً بالجهاد أو أنه عالم وعنده تدريس ومراجعة وتخريج، وقد يأخذ عليه وقتاً طويلاً فلا يستطيع أن يوتر إلا قبل أن ينام، فلا نقول له: لا تأمر الناس بقيام الليل. بل يأمرهم لأنهم سوف يكونون في ميزان حسناته إذا قاموا الليل، وقد يوجد إنسان داعية لكنه فقير، فله أن يأمر الناس بالصدقة، وإن كان لا يجد ما يتصدق به، لعله أن يجد من الأثرياء من يتصدق، وقس على هذه الأمور. إذاً: فلا بأس على الداعي أن يتحدث عن أمور من النوافل ولو لم يستطع لها، كصيام النافلة، وقيام الليل، والصدقة، عل الله أن يهدي: ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. يقول ﵊ في الصحيح إنما دخل النقص على بني إسرائيل، أنهم كان الرجل إذا لقي أخاه ينهاه ثم لا يمنعه أن يكون أكيله وشريبه في آخر النهار، حتى قال : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].

стр. 2176

أثر التطبيق في وقع كلام الواعظ على سامعيه وقف الحجاج بن يوسف الثقفي يوم الجمعة يقول: لا إله إلا الله كم من مستقيم يدعو الناس للتقوى ولا يتقي، ماذا أعددتم للقبر! لا إله إلا الله ما أضيقه! ولا إله إلا الله ما أظلمه! ولا إله إلا الله ما أوحشه! فالناس ما بكوا لأن الحجاج هو المتكلم، فهو الذي قتل مائة ألف وقتل العلماء، وأخاف الناس، فأخبر الحسن بهذه الموعظة فقال: سبحان الله! يلبس لباس الفساق، ويعظ وعظ الأخيار، ويضرب رقاب الناس ويقرأ القرآن على لخم وجذام، هذا ما كان له قبول. لكن عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الزاهد. عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر إذا شجرات العرف جذت أصولها ففي أي غصن يوجد الشجر النضر عمر بن عبد العزيز يقف في الثامنة والثلاثين من عمره على المنبر في أول جمعة قامها بعد الخلافة، فيأتي وينظر إلى الأمة فيبكي ويجلس ثم يقوم يتكلم فلا يستطيع أن يتكلم، قال: يا أيها الناس بيعتكم في أعناقكم، الله حملني الشيخ الكبير والعجوز والأرملة والمسكين، ماذا أقول لربي يوم القيامة؟ ثم بكى. قال رجاء بن حيوة أحد الوزراء عنده، والله لقد نظرت إلى الجدران هل تبكي معنا أم لا، قال: ما بقي أحد، بكى الناس كلهم، فيرى هل تبكي الجدران؟ لأنه صادق وعلم الله صدقه، ولا بأس أن نقف معه قليلاً. لما تولى الخلافة أتى إلى عبده، وكلنا عبيد الله لكنه مولى أسمر دائماً يرابط الخلفاء، ومعه سيف طويل للطوارئ، وأي إنسان يعترض في الطريق، يضرب رأسه فإذا هو قسمين رأسه في جهة وجثته في جهة. كان مزاحم دائماً مع الخلفاء، فلما تولى عمر بن عبد العزيز أخذه عمر بينه وبينه، قال: أحببتك لاثنتين، قال: ما هي؟ قال: رأيتك وقت الضحى ونحن في سفر لا يراك إلا الله خلوت بنفسك وراء الجبل فركعت ركعتين. انظروا إلى المواصفات عند الخليفة عمر بن عبد العزيز لم يقل: أنت من أسرة فلان وأنت تحمل مؤهلاً، قال له: خلوت وراء جبل وصليت ركعتين في مكان لا يراك فيه إلا الله. المسألة الثانية: رأيت مصحفك معك دائماً. من علامة الخير أن يكون الرجل مصحفه في جيبه يجلس خمس دقائق في مكتبه يفتح المصحف يتصل بالواحد الأحد، أتظن المنافق يحب القرآن؟! أتظن أن المنافق دائماً مصحفه معه؟! لا. بل والله إنه يوجد من يقرأ عشرات الجرائد من الصحف والإعلانات، وإعلانات شركات الإسمنت، ودرجة الحرارة، والصيدليات المناوبة، والضائعين والضائعات، ولكن لا يقرأ ولو صفحة في اليوم من القرآن، كيف ترجو له النجاة! كيف تريد له نوراً! ولذلك يقول: لأجل هاتين الاثنتين اخترتك وزيراً معي. يا مزاحم: إذا رأيتني عدلت عن الصراط المستقيم؛ فخذني بتلابيب ثوبي وقل لي: اتق الله يا عمر! ولما تولى الخلافة في أول يوم، بعد سليمان، قال للحاشية الأولى: أنتم معفيون لا أريدكم أبداً إلى يوم القيامة، سبحان الله يا عمر كنا مقربين من عبد الملك والوليد وسليمان! قال: هذا هو الأمر، قالوا: من يجلس معك؟ قال: يجلس معي فلان وفلان وفلان وعد سبعة واختار مطرف بن عبد الله بن الشخير، ورجاء بن حيوة المحدث الكبير، واشترط على هؤلاء السبعة العلماء ثلاثة شروط هي: الشرط الأول: ألا يُغْتَاب أحد من المسلمين أبداً. الشرط الثاني: ألا يمدح في المجلس. الشرط الثالث: ألا تذكر الدنيا في المجلس. ويبدأ المجلس بعد صلاة العشاء كأن بين أيديهم جنازة. عمر نوعٌ آخر من الناس، ولذلك هدى الله به الأمة ووجهها إلى المسار الصحيح، فكان إذا تكلم؛ كان لكلامه وقع في القلوب حتى يكاد يرجف بالقلوب.

стр. 2177

ضرورة مطابقة الفعل للقول ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] هنا مسائل، يقول بعد أن لامهم. أولاً: أنتم تأمرون ولو لم تأمروا لكانت المسألة سهلة، تجد إنساناً فاسقاً يستحي على نفسه. قيل لأحد السلاطين وهو نور الدين محمود زنكي بطل من الأبطال كردي ليس عربي بعض الناس الآن يقول: ما يصلح إلا العربي! لكنه ولي من أولياء الله ، ترجم له ابن كثير يقول: سقى الله عظامه شآبيب الرضوان، كان مخلصاً لله، ذكروا عنه أنه سجد ذات مرة -من ضمن تضرعه وذلته لله وخشيته من عذاب الله ومقته لنفسه- يقول: اللهم اغفر لعبدك الكلب محمود -وهو يقصد نفسه-. قيل له: لماذا لا تعظ الناس؟ قال: أنا مثلي يعظ الناس! كم تساوي هذه الكلمة؟! ولذلك قد يأتي من الحمقى رجل إذا وعظته يقول: أتقول هذا الكلام لمثلي أما تستحي أن تعظني، أنا أحتاج إلى دعوة. حتى ذكروا أن الإمام أحمد قام أمام الناس فوصف الجنة والنار، فقال: يا أيها الناس! والله لا يضمن أحد لنفسه الجنة حتى أنا لا أضمن لي الجنة، أنت أنت يا إمام ماذا فعلت؟ هذه الكلمة كانت إداً. ذكر أهل السير في ترجمة عيسى ﵇ وذكرها ابن كثير في مواطن: أن رجلاً من بني إسرائيل كان عابداً، فأخذ فاسقاً بيده فذهب به إلى بيت المقدس، فلما اقتربوا من بيت المقدس دخل العابد ووقف هذا الفاسق، قال: ادخل، قال: أنا مثلي يدخل بيت المقدس أألطخه بسيئاتي وبمعاصيّ! فأوحى الله إلى عيسى قل لذاك الفاسق: كلمته هذه عادلت سبعين سنة من عبادة هذا العابد. لكن لا يعني ذلك أن الإنسان يقول: ما سمعنا بمثل هذا الشيء السهل، إذاً: نسمع الغناء، ونفعل الزنا والربا والفواحش -نعوذ بالله- ونقول: نحن نلطخ المجتمع بمعاصينا وذنوبنا! لا والله إن هذا هو الفحش والبعد عن الله، لكن وصل هذا العبد إلى تلك المكانة بما وقر في قلبه من الذل لله تعالى. وفي الحديث الصحيح: ﴿أن عابداً أتاه رجل مسرف كان يقترف المعاصي، فقال له العابد: اتق الله واستح منه، فقال: دعني أنا وربي لعل الله أن يرحمني، فلقيه فقال له: اتق الله، عد إليه ولا تعصيه، قال: دعني وربي لعل الله أن يرحمني، قال: والله لا يغفر الله لك! فقال الله : من الذي يتألى عليَّ؟ من الذي حلف على الله؟ أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهذا المجرم -أو هذا الفاسق- وأحبطت عمل هذا العابد﴾ فليستأنف العمل من الآن، أي: سجلاته شطب عليه في لحظة وذاك غفر له، ويبدأ ذاك من الصفر وهذا من الصفر، ذاك مقبول، وهذا مطرود بكلمة زهو وعجب على الله بها، ولذلك قالوا: أنين المذنبين خير من تسبيح المقربين، فهو مذنب ولكنه يئن إلى الله ويرجع إليه، أما مذنب يذنب ولا يزال في الفحش، ويقول: نحن مذنبون مقصرون فهذا من المخادعة أما إنسان كان له تاريخ أسود وعاد إلى الله فهذا من الأقربين إلى الله، ولذلك تجد ذلة المعصية معه دائماً تستصحبه، حتى يلقى الله وهو من أحسن الناس. قال سعيد بن جبير كما ذكر عنه الإمام أحمد في كتاب الزهد: رب حسنة أدخلت صاحبها النار، ورب سيئة أدخلت صاحبها الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: عاص عمل سيئة فلا يزال يبكي منها ويندم عليها حتى دخل الجنة، ورجل عمل طاعة فلا يزال يدل بها ويتكبر ويفتخر حتى دخل النار. ولذلك عند الطبراني والبزار بسند فيه كلام أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن العالم الذي ينفع الناس ولا ينفع نفسه كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها﴾ ولذلك ما هي الفائدة أن ينجو الناس وتهلك أنت؟ وما الفائدة أن يستفيد الناس ولا تستفيد أنت؟ قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] قالوا: هذا ينطبق على طلبة العلم الذين يدرسون إلا أن يبلغوا هذا العلم الذي بين أيديهم. وطلبة العلم يؤتون من ثلاثة مداخل: المدخل الأول: الكتمان نعوذ بالله من الكتمان، فإنك قد تجد طالب علم يكتم ما عنده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] قد تجد عالماً يحفظ عشرين متناً، وقد تسمع من طلبة علم، قالوا: فلان يحفظ المتون كلها لكن في بيته، وحفظ القرآن والصحيحين والسنن والمعاجم والمسانيد، فإذا أتاه طلبة العلم يريدون معلومة منه، تشفعوا وتوسلوا، ودخلوا وخرجوا، وطرقوا الأبواب، وحاولوا أن يخرج فلا يخرج، فإذا أعطاهم وجهه مرة؛ أعطاهم الكلام كأنه يزنه في ميزان الذهب، وقته ضيق لا يستطيع أن يبذله، يقول: ليس عندي وقت، لماذا؟ قال: الوقت حرج، ولذلك ما فائدة العلم: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كف شددتا ولذلك أكثر ما منيت به الأمة الإسلامية اليوم يوم جلس بعض العلماء في الصوامع العادية، فتجد العالم يجلس في الصومعة ولا ينزل للناس، فيترك الشباب وحالهم إما يستقيمون أو يضلون أو يهتدون أو يمرقون وينظِّرون لأنفسهم، وأصبح الشباب هم المفتون والقادة والمنظرون، فلذلك أتى في المسيرة اعوجاج لأن العلماء ما قادوا هذه المسيرة، وهم الذين ينبغي أن يقودوها. المدخل الثاني: العجب والكبر على الناس؛ وقد يصاب بها بعض أهل العلم، نعوذ بالله من ذلك. المدخل الثالث: الحسد وهو لا يقع كثيراً نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 2178

معنى (الكتاب) في قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أي كتاب: إنما لم يقل التوراة أو الإنجيل أو القرآن ليبقى الكلام عاماً لكل من يقرأ الكتاب، فما أحسن وما أعجب أسلوب القرآن! فقال: (الكتاب) ولم يقل (التوراة) لأنه لو قال (التوراة) لسكت أهل القرآن، ولو قال (القرآن) لسكت أهل التوراة، وهكذا أهل الإنجيل، لكن قال (الكتاب). كل من يقرأ القرآن، ومن يقرأ كتب السنة وغيرها من كتب العلم، فعليه أن يبلغ وأن يستحي على نفسه من ذلك الأمر، أن يقرأ الإنسان ثم لا يبلغه إلى الناس نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 2179

سبب محاجة الله لليهود إلى عقولهم ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] لماذا لم يقل (أفلا تعلمون)؟! قالوا: إنما قال: (أفلا تعقلون) لأنهم انتهوا من مسألة العلم، فهم عندهم كتاب لكن ما استفادوا وما أفادوا بالعلم فردهم إلى العقل، قال: إذا ذهب علمكم فأين عقولكم؟! ومما يحكى في هذا أن أحد طلاب الصوفية مر به ابن تيمية وهو يقرأ -وهو لا يعرف يقرأ- يقول: فخر عليهم السقف من تحتهم، في سورة النحل، والسقف دائماً يكون فوق، والقرآن يقول: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِم ْ﴾ [النحل:٢٦] قال ابن تيمية: سبحان الله لا عقل ولا علم، إذا لم يكن عندك علم تعرف أن السقف دائماً يكون من فوق، فيقولون في المثل: أعمى ويناقر، لا عقل ولا علم، فإن بعض الناس إذا ما كان عنده خشية في الدين، لكن تجد عنده حمية وغيرة، فمثلاً تجد بعض الفسقة يأنس لبعض الأمور، أي: لا يريد الفاحشة أن تنتشر، فمجتمعه فاسق بنفسه، لكن تجد فيه غيرة على المحارم، لا يقبل الدياثة في بيته فهو حازم، يغضب إن قيل له: يا فاسق! يغضب إذا جلس مع شلل السوء، يغضب إذا وجد أحد أولاده في المقاهي وأماكن الخسارة والدمار، ففطرته عريقة وعنده مروءة ونخوة. وبعضهم يجتمع له تركيب لا دين ولا مروءة ولا نخوة ولذلك يتردى ويصبح كالبهيمة والعياذ بالله، فهذا أمر لا بد أن يلاحظ في هذه الآية ولا بد أن تكون نصب العين.

стр. 2180

حال الصحابة بين أقوالهم وأفعالهم الآية الثانية ليست في هذه السورة إنما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] وسببها أن بعض الصحابة قالوا: [[يا ليتنا ندري أي العمل أفضل فنعمله]] فأنزل الله الجهاد فخافوا وكلَّ كثير منهم، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] لكن وجد من الناس من قال وفعل، كالصحابة رضوان الله عليهم وعلى الأخص الشهداء منهم. كان البراء بن مالك فارساً عجيباً- يقول عمر للقواد: لا تولوه الجيش؛ لأنه لو تولى الجيش حطم نفسه وحطم الجيش ودخل به في مضيق لا يخرج منه أبداً، عمر يريد قائداً يريد الحياة نسبياً، يريد أن ينجو بالناس، لكن البراء يريد أن يدخل بالجيش فيدمره، قال: لا تولوه قيادة الجيش، كان إذا أراد أن يصارع في المعركة أتاه إغماء، ثم يقوم من الإغماء بعد أن يرش بالماء، فيأخذ سيفه فلا يزال يقاتل في الأعداء حتى ينكسر سيفه أو ينهزم الذي أمامه، هو من أشجع الناس، دخل عليه أخوه أنس وهو يرتجز -أي: ينشد نشيداً إسلامياً ويرفع صوته- وكان صوته جميلاً والصوت الجميل بالشعر المباح لا بأس به، قال له أنس: أتنشد وأنت من صحابة الرسول ﵊، قال: اسكت فوالله الذي لا إله إلا هو لا أموت إلا قتلاً. يحلف؛ لأن الرسول ﵊ قال: ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك﴾ لو حلف على الله لأنفذ الله يمينه؛ لأنه بلغ في الولاية مبلغاً عجيباً، فحلف أن يموت شهيداً. وسبب هذا الحديث: أن أخت البراء نزعت ثنية امرأة، فأتت المرأة تشتكي إلى الرسول ﷺ قال: نقتص من أختك يا براء، قال: أختي تقتصون منها، قال: نعم، قال: بم تقتصون؟ قال: ننزع ثنيتها، قال: والله لا تنزع ثنيتها أبداً -والرسول ﷺ هو الحاكم- فقال ﷺ : اذهبوا إلى أهلها فإن رضوا بالأرش فلا بأس، فذهبوا إليهم فرضوا، فتبسم ﵊، وقال: ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره﴾ أشعث: رأسه ليس مُسَرَّحَاً، لا يعرف الدهن ولا الزيت؛ لأنه فقير ثيابه مغبرة، ينام على الرصيف، ويأكل على الرصيف، ويلقي المحاضرة على الرصيف، ولم ير قصراً إلا بعينه، ومعنى: ذي طمرين أي: ذي ثوبين ممزقين. ألا رب ذي طمرين محفوفة له غدت روضه منسوجة ونمارقه إلى آخر ما قال ﴿لو أقسم على الله لأبره﴾ إنما المقصود أقسم أن يموت شهيداً، ويقول عنه أهل السير: إنه قتل مائة فارس مبارزة من غير ما قتل في المعارك. وأتى وعد الله الحق، وكان إذا حضر المعركة نظروا إلى البراء ماذا يفعل فأتاه الإغماء: لما حضرنا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بكر فينصرفوا قالوا البقية والهندي يحصدهم ولا بقية إلا السيف فانكشفوا أتى في اليمامة هو والأنصار، فلما رأى المسلمين فروا في أول المعركة، ورأى الكفار أقبلوا؛ قال البراء: [[بئس ما عودتم أقرانكم، والله ما كنا نفر عند رسول الله ﷺ ]] ثم أخذ غمد السيف وكسره على ركبته، ومعنى كسر السيف أنه لن يعود إلى مكانه، فضرب به حتى نصر الله المسلمين. وأتت معركة تستر وقائدها أبو موسى الأشعري فرأى أبو موسى الجيش الأجنبي الكافر وإذا هو كالجبال، وجيش المسلمين قليل، فالتفت إلى البراء بن مالك الأشعت الأغبر ذي الطمرين، قال: [[يا براء أسألك بالله أن تقسم اليوم على ربك أن ينصرنا، قال: انتظرني قليلاً]] فانتظره قليلاً فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتحنط: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]: إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب أتى والمسلمون صف والمشركون صف، وقال: [[اللهم إني أقسم عليك اليوم أن تنصرنا وتجعلني أول شهيد]] ودارت رحى المعركة وكان أول شهيد في المعركة، وانهزم الأعداء ولحقهم المسلمون يضربون فيهم ضرباً عنيفاً حتى هزموهم ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. كان سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة إذا أتى في المجلس والرسول ﷺ معه علماء وكبار وشهداء الصحابة يقول: ﴿هذا خالي فليرني كل خاله﴾ أي: من كان عنده خال فليريني مثل هذا الخال. فأتى سعد ﵁ فقال: [[لما حضرنا معركة أحد أتى عبد الله بن جحش وهو شاب في الثلاثين قال: يا سعد تعال ندعو الله وراء هذه الصخرات، قال: فملت معه وراء الصخرات، قلت: ادع أنت، قال: فدعوت الله بالنصر للإسلام والمسلمين وللرسول ﵊ -قبل المعركة بدقائق- فأما عبد الله بن جحش فاستقبل القبلة وقال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم لاقي بيني وبين كافر هذا اليوم شديد حرجه قوي بأسه فيقتلني فيك، فيبقر بطني ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يوم القيامة في هذه الصورة تقول لي: لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد: والله الذي لا إله إلا هو ما انتهت المعركة إلا ورأيته مبقور البطن، مجدوع الأنف، مفقوء العينين، مقطوع الأذنين، فقلت: أسأل الله أن يلبي له ما سأل]] فقد قدم أول المؤهلات، وهي قوله: (إنك تعلم أني أحبك) وهذه من رواية سعيد بن المسيب. ولذلك قالوا فصدقوا، ونووا فأعطاهم الله أحسن ما تمنوا، فيالله كيف كانوا من جيل! ولا إله إلا الله كم بنى ﷺ من صرح! وكم ترك من فئة عبدت الله وأسست كياناً خالداً في الأرض لا يمحى أبد الدهر! ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].

стр. 2181

تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) قال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] هنا في هذه الآية الكريمة عدة مسائل: أولاً: أن هناك إشكالاً وهو أنه كيف يكون هذا الخطاب لبني إسرائيل وهم لا يصلون؟ وقد أجاب على ذلك بعض العلماء بأنه لعلهم أن يتوبوا وغير ذلك من الأجوبة. والسؤال الذي أثاره الرازي وغيره كيف يأمرهم الله بالصلاة وهي لم تفرض عليهم كهيئة الصلاة هذه؟ قالوا: الصلاة تشمل الذكر والخشوع والإنابة، فيمكن أن يكون لهم صلاة مختلفة الهيئة عن صلاتنا، إذاً فقال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة:٤٥] كيف يستعينون بالصبر ويصبرون؟ والصبر هذا من أحسن ما يوصى به المؤمن، قال الإمام أحمد: عجيب أمر الصبر تدبرته في القرآن فوجدته في أكثر من تسعين موضعاً. سئل عمر: [[بم أدركتم هذه المنازل؟ قال: بالصبر أدركنا ما تمنينا]] والصبر لو كان رجلاً لكان جميلاً، ولو كان جبلاً لكان راسياً، ولو كان شجرة لكانت فواحة معطاة، والصَّبْر كالصِّبْر وهو دواء مر علقم يحرق، فالصبر مثله ولكنه في الأخير من أحسن ما يكون: صابر الصبر فاستجار به الصبر فقال الصبور للصبر صبراً ومعنى هذا الكلام، أي: الرجل العظيم صابر الصبر، وتوافق هو والصبر في منزلة حتى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] قالوا: اصبروا على الأعمال، ثم طاولوا في الصبر ومدوا أنفاسكم واثبتوا على مكان الصبر، واتقوا الله لعلكم تفلحون. فقال الشاعر: هذا الرجل فيه من الصبر أنه صابر الصبر (فاستجار به الصبر) أي حتى قال الصبر: أعوذ بالله منك، فاستعاذ الصبر بالله من هذا الرجل من شدته وقوته، (فقال الصبور) أي الرجل للصبر: صبراً. وبات أبو وردي المحدث الشاعر الكبير يقول: تسترت من دهري بظل جناحه فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام عني ما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني ثم يقول في قصيدة أخرى: وبات يريني الدهر كيف اقتداره وبت أريه الصبر كيف يكون قيل: كيف يذاق الصبر؟ قالوا: "من لم يعرف الصبر ما ذاقه".

стр. 2182

أنواع الصبر والصبر على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صبر على الطاعات، وهو أجلها وأعظمها، فإذا رأيت إنساناً -مثلاً- يتوضأ كل يوم خمس مرات، ويأتي إلى المسجد، فاعلم أنه من أحسن الصابرين، ولذلك يقول ﵊ في الصحيح: ﴿ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط﴾ فهذا أعلى درجات الصبر؛ لأن الصبر على مصيبة مثل موت الإبن تحصل في العمر مرة، قد يموت في العمر ابن واحد أو في عشر سنوات لكن الصلوات الخمس كل يوم، في البرد والحر، وفي النشاط والفتور، وفي الصحة والمرض ثم تصابر على الصف الأول حينها تتفوق، فالصبر على الطاعات من أجملها. القسم الثاني: صبر عن المعاصي: أن تجمح نفسك عن فعل أي ذنب وهذه في المرتبة الثانية. القسم الثالث: صبر على المصائب، وأجمل قصص الصابرين في المصائب.

стр. 2183

بعض سير الصالحين في الصبر أبو قلابة أحد العلماء يقولون: أصابه مرض في أطرافه، فقطعت أطرافه الأربعة فزاره الناس-تصور إنسان أصابه مرض حتى قطعت يداه ورجلاه وأصبحت أطرافه مقطعة- قالوا: كيف أنت؟ قال: الحمد الله الذي كفر بسيئاتي ما قدمه لي في حياتي. وممن يشهد له في هذا الجانب عروة بن الزبير تقطع رجله من الفخذ ويموت ابنه في نفس اللحظة، فيستيقظ من إغمائه ويقول: [[اللهم لك الحمد إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة أبناء، وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أعضاء وأخذت عضواً واحداً فلك الحمد]] ثم يقول: لعمرك ما مديت كفي لريبة وما حملتني نحو فاحشة رجلي ولا ذل لي فكري ولا نظري لها ولا قادني فكري إليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي ولذلك قيل: ما هي علامة الصابر؟ قالوا: ألا يقول: أح، فالطفل إذا قرب يده من شيء حار قال: أح، حتى يقول أحد الشعراء في الصبر وهو الشريف الرضي -لكن صبره في ماذا؟! الشريف الرضي يطلب الإمارة والمنصب في الدنيا، يقول أنا صبرت حتى نلت الإمارة وهذا صبر لكنه ليس الصبر الذي نقصده، يقول: أقسمت أن أوردها حرة وقاحة تحت غلام وقاح إما فتى نال المنى فاشتفى أو فارساً زار الردى فاستراح قال أحد العلماء ليس صبرك بصبر، بل الصبر: إذا طلبت الله في كل ما أملته نلت المنى والنجاح بهمة تذهب ماء الحصى وعزمة ما شابها قول آح دخلوا على الإمام أحمد وهو مريض مرض الموت، إمام أهل السنة والجماعة -سلام على الإمام أحمد يوم ولد، وسلام عليه يوم أسلم، وسلام عليه يوم يموت، وسلام عليه يوم يبعث حياً- دخلوا عليه وبه من الحال ما لا يعلمه إلا الله، حتى كان يئن، أي: كان يزفر أنيناً، فقال له أحد الجلاس: سمعنا أن طاوساً كره الأنين للمريض، فما أنَّ بعدها أبداً. ودخلوا على أبي بكر الصديق فقالوا: ماذا تشتكي؟ قال: [[عرضت أمري على الطبيب -يقصد الله قالوا: ماذا قال لك؟ قال لي: قال: إني فعال لما أريد]] أخذه شاعر الصوفية وقال: كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي وهذه منازل يختارها الله لمن يشاء وأعظمها الصبر على الطاعات. سيد قطب له كلام عجيب على هذا، يقول في كلام ما معناه: إن النفس إذا طاولها الباطل، وأتتها الشواغل والفتن، توقفت فاحتاجت إلى مدد ووقود حتى يأتيها الصبر والصلاة، واستعينوا بالصبر، وإذا انتهى الصبر فعليك بالصلاة. جاء عند أحمد في المسند: ﴿كان ﷺ إذا حزبه أمر قال: أرحنا بالصلاة يا بلال﴾ إذا اجتمع عليه أمر هم وغم قال: ﴿أرحنا بالصلاة يا بلال﴾ ولذلك وصيتي لمن أتت عليه هموم أو غموم أو كوارث أو مصائب أن يبدأ بالصلاة. في ترجمة الحافظ ابن حجر صاحب الفتح، يقولون: خرج يوماً للنزهة فطوقه اللصوص من كل جانب -أراد عمراً فأراد الله خارجة - فقام يصلي ويركع ويقوم، فتبدد اللصوص عنه، فقالوا له: لماذا؟! قال: يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. وذكر ابن كثير عن ابن عباس أنه أتاه مقتل أخيه فقام يصلي، قالوا: مالك؟ قال: يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. ولذلك ذكر علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: ﴿كنا في بدر فنظرت في الليل قبل المعركة بليلة -تصور أن الكفار سوف تواقفهم أنت بالسيف والسيوف بأيديهم ثم يكون قتالاً ذريعاً لا يعلمه إلا الله- قال: فنظرت فرأيت الناس كلهم نيام إلا رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى الصباح﴾ وهذا من باب ما قال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ولذلك يقولون: أكثر الناس صبراً أكثرهم صلاة. وانظر إلى الإمام أحمد كم كان يصلي غير الفرائض؟ قالوا: ثلاثمائة ركعة، ولذلك لما أتت الفتنة وضرب بالسياط وهدد، كان من أصبر الناس، وأقل الناس صبراً أقلهم صلاة وخشوعاً، فتراه ينهار أمام الحوادث، إذا رأى النتيجة في الامتحان وكان يحمل مادتين بكى وأبكى الناس، وإذا وطئ إنسان رجله في الحافلة أو في مكان أقام الدنيا وأقعدها، وإذا فاتته سبعة ريالات شكا على الجيران والإخوان والناس، هذا انهزام وفشل، قال : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]. هؤلاء المصلون يحملون طاقات هائلة من الإيمان، يقول محمد إقبال في انتصارات الصحابة: نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمراً جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا

стр. 2184

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ففي هذه الجملة مسائل: المسألة الأولى: ما معنى هذا الكلام المجمل؟ معناها إن الصلاة كبيرة وثقيلة وصعبة إلا على الخاشع، فهي سهلة يسهلها الله، وإن الصلاة لا يأتيها ولا يستطيع أن يداوم عليها بخشوعها وخضوعها إلا الخاشع، ولذلك أكبر الصلاة على المنافق صلاة الفجر وصلاة العشاء، حتى إذا سمع الأذان تجده يخاف ويقول: قطع علينا جلستنا، وإذا سمعوا المؤذن يقولون: سبحان الله! ما أسرع الوقت! فإذا أذن الظهر وبعده العصر قال: صلاة! صلاة! نسأل الله العافية. ثم إذا قام يقوم ببطء كأنه يجرجر بالسلاسل، يتوضأ ثم يذهب إلى المسجد مكسوف الخاطر ويقابل رب العالمين ويقف في آخر صف وفي طرفه رجلاً تجاهه، ويتكئ على هذه مرة وعلى هذه مرة، فإذا سلم كان أول الناس خروجاً، فهو آخرهم دخولاً وأولهم خروجاً: وإذا تكون ملمة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وهذا أحد العرب كان له أخ أكول، وكانت أمه إذا عملت الحيس دعت جندباً، قالت: تعال كل، فيأكل، ثم إذا انتهى وأبقى شيئاً قالت: يا فلان يا جندل! تعال كل، فإذا سمعوا هيجة واضطراب وقتال قالت: يا جندل أنت الأول، يعني في المعركة هذه: وإذا تكون ملمة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ولذلك تجد أكثر الناس على الشهوات أقلهم في الطاعات، إذا أتت أول شهوة أو معصية فهو الأول، ولكنه في الطاعات متخلف متأخر. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥].

стр. 2185

حكم تارك الصلاة والسؤال هنا: هل يستدل من الآية على كفران تارك الصلاة؟ الجواب هذا استدلال تبعي، ولو أن هناك أدلة تثبت أن من ترك الصلاة فقد كفر، كقوله ﷺ في حديث صحيح: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وقوله ﷺ وهو حديث صحيح: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ وقوله ﷺ في الصحيحين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى﴾ فمفهوم المخالفة أن من لم يصلِّ فما عصم دمه، فإذاً هو كافر. فقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] أي: الذي لا يؤديها ليس من الخاشعين وإنها كبيرة عليه ما دام لم يؤدها ومن الناس من لا يصلي فهو كافر، ومنهم من يصلي لكنه يصلي مرة ويترك مرة يعني على المزاج فهذا كافر صلاة الفجر في البرد يتركها، لكن الظهر مناسبة فيصليها، وهناك قسم آخر هم أناس يصلون، لكن بفتور وكسل مع أنهم يداومون على الصلاة لكنهم يؤخرونها فهذه كبيرة من الكبائر، وهناك أناس يصلون ويخشعون.

стр. 2186

تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦] هل الخاشعون يظنون أنهم ملاقو الله؟ الظن أليس فيه شيء من الشك؟ أي أن الظن ليس بيقين!! يقول : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [يونس:٣٦] وقال : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ [يونس:٦٦] وقال : ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢] فالظن ليس بجزم فكيف يقول الله ويمدح الخاشعين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٤٦]؟ و الجواب أنه من معاني الظن: التيقن، والظن هنا بمعنى العلم واليقين، يقول دريد بن الصمة وهو شاعر جاهلي: فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرج يقول: قلت لقومي: انتبهوا! يأتيكم غداً ألفان من الأبطال في السراة وفي الخناجر والسلاح، قال: فما أطاعوني فيقول لذلك: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد فهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرج وهذا شاعر أعمى القلب والبصر، مات كافراً وإلا فهو شاعر جيد، ولكن ما نفعه شعره فالمقصود أنه قال: ظنوا، أي: تيقنوا وقال : ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] أي تيقنوا أنهم سوف يصلون النار التي يظنون: يعتقدون. من الناس من يسمع بأخبار الجنة والنار، وتقول له: هذا المال حرام في الدنيا، فيقول لك: الله غفور رحيم: خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل اتق الله! أجرك في الآخرة وثوابك عند الله، قال: عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة، يعني يقول: ما ندري نموت أو نحيا، إن مت أو حييت لا بد من لقاء الله، وقد قال سبحانه: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] وصدق الشاعر: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيِّ ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيِّ فهذا هو الخلاف بيننا وبين الصحابة، الصحابة كانوا ينظرون إلى أن الجنة قريبة منهم حتى نسب إلى علي بن أبي طالب قوله: [[والله لو كشف الله الغطاء، ورأيت الجنة والنار، ورأيت عرش الله بارزاً، ما زاد عندي على ما عندي من الإيمان ذرة]]. الصحابة يأتي أحدهم يقول: يا رسول الله! أين ألقاك يوم القيامة؟ يعني الأمر كأنه غداً، لذلك يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] قال: يا رسول الله أين ألقاك يوم القيامة؟ والناس في زحام شديد، مليارات من عهد آدم إلى آخر الساعة، أين ألقاك؟ قال ﵊: ﴿التمسني في ثلاثة مواطن لا أغادر أحدها: عند تطاير الصحف، أو عند الميزان، أو عند الصراط﴾. فالموطن الأول: عند تطاير الصحف: يقف ﵊ بنفسه وهو أرفع الناس وأعظمهم منزلة عنده؛ لأنه صادق مخلص وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقف ينظر إلينا نحن المساكين ماذا فعلنا؟ فيرى تطاير الصحف فيقول ﵊، بأبي وأمي هو: ﴿اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم﴾ ويعرف أمته، فأنت يعرفك أنك من أمته لست من أمة موسى ولا شعيب ولا صالح ولا نوح، ويعرف أنك من أمته بالوضوء، علامة الوضوء تتلألأ عليك: توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانية قيل: ﴿يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأت من أمتك بعد؟ قال: أرأيت إنساناً عنده خيل بهم بها خيل بلق ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل﴾ أنت من بين الملايين، فيعرفك النبي ﷺ أنك من أمته وينظر إلى تطاير صحفك ويقول: ﴿اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم﴾ يخاف أن يؤخذ أحد من أمته إلى الشمال، إذا أخذ أحد إلى الشمال فلا إله إلا الله: فليت شعري يرى الأخبار قد نشرت على الصراط وكان الهول في ظلم إلى آخر ما قاله عبد الله بن المبارك. الموطن الثاني: عند الميزان: إذا لم تجدني في المكان الأول فسوف تجدني عند الميزان، ميزان الحسنات والسيئات، وقد ذكرها حيث قال: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] وقال سبحانه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] حبة الخردل، والذرة من الحسنة والسيئة توزن، والرسول ﷺ واقف يقول: ﴿اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم﴾ يراك وأنت توزن. الموطن الثالث: عند الصراط: الصراط هو آخر عبور إما هنا أو هناك وهو ينظر، والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم بجوار بعض على حافتي الصراط، موسى بجانب الرسول ﷺ ، وكذلك نوح وإبراهيم وعيسى ألوف مؤلفة من الأنبياء، حتى أنه في بعض الروايات أن الأنبياء يقاربون أربعمائة ألف، أي مثل بعض سكان الدول الآن، يقفون حول الصراط الذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، فيمر الناس وأول من يمر أمة محمد ﷺ : بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم فيقف وينظر إلى الناس وهم يمرون ويقول: ﴿اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم﴾ وتجد التصادم والخدش على الوجوه والعياذ بالله من الخذلان والحرمان. وورد أنه ﷺ يقف على الحوض كذلك وهي من العلامات المميزة، فيأتي قوم من أمته بهم من العطش ما لا يعلمه إلا الله، يأتون أفواجاً فتأتي الملائكة معها مرازب ومعها سياط من حديد فتضرب هؤلاء، فيقول ﷺ لله : ﴿يا رب! أمتي أمتي، أمتي أمتي، قال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقا﴾ يعني هلاكاً هلاكاً. أما بلَّغ؟ نشهد والله أنه بلغ الرسالة وقد وصل العذراء في خدرها من دعوته ما وصل علماء الصحابة رضوان الله عليهم، وأصبحت دعوته كالشمس فبلغت دعوته كل إنسان، ولا يعذر من بلغه شيء من دعوته إلا أن ينقذ نفسه من غضب الله ولعنته وسخطه .

стр. 2187

أهمية الخشوع في الصلاة ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] هناك تساؤل أثاره أهل العلم: كيف تكون الصلاة كبيرة على الذي لا يخشع في صلاته كالفاجر، وتكون خفيفة على المؤمن، مع العلم أن المؤمن يخشع ويلاحظ سكونه في الصلاة، ويلاحظ حضور قلبه في الصلاة فيعاني مشقة عظيمة من جرائها، وأما الفاجر فقد يصلي، ولذلك تجد بعض الناس قد يصلي عشر ركعات، ولا يدري هل صلى عشراً أم لا، لكن المؤمن إذا قام يصلي ركعتين وجل وخاف، وشقت عليه من كثرة استحضاره، فكيف تكون كبيرة على ذاك، وخفيفة على هذا؟ مع العلم أن هذا يعاني مشقة، أما الفاجر لا يعاني مشقة؛ لأنه يتسلى؛ لأنه ربما إذا طول الإمام في القراءة ذهب فكره وعقله في أمور الدنيا، في أفعالها وأقوالها، وفي بيعها وشرائها. حتى ذكروا أن تاجراً صلى وراء إمام فسلم الإمام من ثلاث، فقال التاجر: ما صليت إلا ثلاثاً، قال: لا، بل صليت أربعاً قال: لا. والله ما صليت إلا ثلاثاً، قال: كيف علمت، قال: أنا دائماً إذا صليت أربع أبدأ معك في السفر أخرج من بوابة الظهران في الركعة الأولى، وبعدما أجتاز خريص في الركعة الثانية، وأدخل إلى الخرج في الثالثة، وما أصل الرياض إلا في الرابعة، وأنت سلمت بي وأنا في الخرج، لذلك بعض الناس تجده يبيع ويشتري أو يصمم عمارة، أول ما يضع القواعد في الركعة الأولى، ويرفع الهيكل والعظم في الثانية، والتلييس في الثالثة، والفرش والأثاث في الرابعة ثم يسلم وقد انتهى من العمارة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] ما سمعنا بأرخص من هذا السعر إنسان يخطط ويعمر وينتهي فلا عمار ولا شيء. كما قيل: إن أحد الحمقى رأى في المنام أن عنده تيساً، فقالوا: اعطنا تيسك بعشرة دنانير، قال: لا، بعشرين، قالوا: بعشرة، فنازلوه إلى خمسة عشر فرفض، فصحا من المنام فلم يجد لا تيساً ولا دنانير فغمض عينيه، وقال: هات الخمسة عشر! لكن هذه لا شيء، إنها أحلام الإنسان الذي يضيع أحلامه في الصلاة، ولذلك لا يسلم إلا مع الإمام مهما حاول أن يستعجل أو مهما حاول أن يفر، سوف يقيده الإمام فلا يسلم إلا معه. فليتق الله هذا في صلاته! والمقصود بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] قالوا: الكبيرة بمعنى ثقيلة على نفسه أي لا يحبها، وأما الخاشع فإنه يحب الصلاة؛ فلذلك تجد الخاشع إذا أذن المؤذن، قال: الله أكبر ثم تابعه، وتجد الخاشع ينظر إلى ساعته متى يؤذن؟ كم توقيتكم هنا؟ من مؤذنكم؟ قلبه معلق بالمساجد، فهذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إذا سمع الأذان ذهب إلى المسجد، أما هذا الفاجر، أدهى وأبخس فلا يسمع الأذان، ولذلك يقول ﷺ : ﴿وقلبه معلق بالمساجد﴾ والحبيب يرتاح إلى ذكر حبيبه: وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد ولا يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بـ ليلى طائراً كان في صدري استشهد به ابن رجب عند ذكر الصلاة، هذا مجنون ليلى يقول: كنت أنا في منى أمشي وليلى في العراق، فسمعت إنساناً ينادي عن اسم ليلى فطير قلبي. فالرجل المسلم إذا سمع: الله أكبر، ذكره بالله الواحد الأحد، قال سعيد بن المسيب: [[الحمد لله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد]] تصدقون أنه في عصرنا الآن بعض الناس ما يصدق أن هناك عباداً بلغوا درجة عالية ومرتفعة بسبب ما يرى من المفاسد، وكثرة ما يرى نعوذ بالله من الربا وكثرة التفلت، شيكات مصرفية، وربا فائق، وغناء ماجن، ومجلة متكدسة، ونظر طافح، وقسوة قلوب، وذنوب وخطايا حتى يظن المجتمع أنه هلك، ويقول: هلك الناس وهو أهلكهم، لا، الناس فيهم خير. في بعض المناطق التي حدثنا عنها إلى هذا الوقت وإلى هذا الزمن، أنه يوجد عباد كبار السن في جهة نجد وقد حدثني بذلك بعض الثقات من طلبة العلم، قال: يجلسون بعد صلاة الفجر يوم الجمعة فيفتح المصحف من الفاتحة ويبدأ يقرأ ويأتي إلى سورة الناس ويختم المصحف قبل أن يدخل الخطيب بوقت بسيط. وهناك رجل قالوا عنه: والله لو قيل له إن القيامة تقوم غداً، ما استطاع أن يزيد على عمله، عابد انصرف عن الدنيا، حتى ذكر أحد الكتاب -لا أحب أن أذكر اسمه- عن بعض العباد في ضواحي الرياض شيئاً عجيباً، تصور أن هناك شيوخاً كباراً في السن في بعض القرى يجتمعون، قد تعاهدوا وتعاقدوا على الخير والصلاح، وأن يختموا أعمارهم بخير ماذا يفعلون؟! قالوا: يصلون الفجر فإذا صلوا الفجر جلسوا في المسجد يذكرون الله حتى تطلع الشمس، ثم قاموا يصلون إلى أن يرتفع الضحى عشرات الركعات، ثم ذهبوا إلى بيوتهم فإن كانوا صائمين واصلوا وإلا أكلوا وجبة، ثم أتوا قبل صلاة الظهر يذكرون الله ويقرءون القرآن إلى أن يدخل وقت صلاة الظهر، ثم يصلون الظهر ثم يتنفلون ويعودون إلى بيوتهم في قيلولة، ثم يعودون من العصر ويقرءون إلى صلاة المغرب، ومن المغرب إلى العشاء ثم يعودون إلى العَشاء فينامون ثم يستيقظون وسط الليل، هل بقي وقت للمعصية؟! نحن لا نطالب الناس بمثل هذا لكن فاتقوا الله ما استطعتم، فإن الله علم أن الناس منهم موظفون ومهندسون وتجار ومسئولون ورعاة وبناة، فلذلك اتقوا الله ما استطعتم لكن انظر إلى البقية لعل الله أن يرحم بهم الناس. وهناك قرية من القرى، قالوا: دخل مرض الجدري كل القرى إلا هذه القرية؛ لأنه كان فيهم رجل عابد يقوم الصباح بعد صلاة الفجر فيصلي في مسجده، ثم يطوف بالقرية ويقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، قالوا: والله الذي لا إله إلا هو ما سلمت قرية في تلك المقاطعة من الجدري ذكوراً وإناثاً وأطفالاً إلا هذه القرية، ما أصابها حبة جدري بصلاح هذا الرجل الصالح، ولذلك ورد في أحاديث أن الله يرحم أهل الحي بصلاح رجل واحد، وأن الله يضيف الناس بصلاح الصالح. ولذلك تجد بعض الناس إذا سافر إلى أماكن يسألونه عن المدن، يقولون له: كيف وجدت الناس؟ قال: والله نعوذ بالله فجر الناس، لأنه نزل على أمثاله: وفي السماء طيور إسمها البجع إن الطيور على أمثالها تقع زار مثله وأمثاله الذين يتركون الصلاة، زار أهل الموسيقى والليالي الحمراء وأصحاب المجلات الخليعة، فجلس معهم فما رأى إلا هؤلاء، لكن أسأل بعض الأخيار الآن إذا سافر كيف وجدت الرياض وجدة ومكة والطائف، قال: ما شاء الله صحوة عارمة، وإقبال إلى الله، وتوبة نصوح، واستقامة ومجالس ذكر؛ لأنه زار من أمثاله وأقرانه فرأى خيراً، فلذلك ينبغي على الإنسان أن يتخذ عند الله وسيلة من العمل الصالح.

стр. 2188

نداء لبني إسرائيل ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٤٦ - ٤٧] وهذا نداء لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل استحوا على وجوهكم، ويا من هم على أمثال بني إسرائيل فالخطاب عام قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] في الآية قضايا منها النداء، وكانوا إذا أرادوا أن يهيجوا الرجل قالوا: يابن فلان، يابن المكارم. يا أبا المجد يا بن ماء السماء يا سليل النجوم في الظلماء طاغية من الطغاة حبس سبعين قاضياً اتهمهم أنهم يريدون قتله في ناحية من النواحي، فحبسهم وحلف أن يقتلهم جميعاً يوم الجمعة، فلما بقي ليوم الجمعة أربعة أيام ذهب هؤلاء القضاة، فأرسلوا رسائل إلى عالم من العلماء ولا بأس بهذا العالم، عالم جليل، فركب بغلته ونظم قصيدته إلى هذا الملك، ودخل على هذا السلطان المتجبر فقال له: يا أبا المجد يابن ماء السماء يا سليل النجوم في الظلماء فأجرني كـ المطعم بن عدي حين قال النبي في الإسراء فقال السلطان: لقد أطلقتهم لك وعفوت عنهم. لماذا؟! لأنه يمدحه يقول له: أنت ابن فلان أنت ابن الأخيار، فلذلك ينبغي للمسلم أن تكون هذه الكلمات في الدعوة على لسانه، يا فلان، يابن الأسرة الجليلة، يابن العابد، يابن الخاشع تفعل بنفسك هذا، أمَّا أن تقول: يا فاجر يا ابن الفاجر لماذا لم تصل؟! سوف يترك الصلاة ثم يكفر والعياذ بالله، هذا ليس بأسلوب قال الله لموسى ولهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قالوا: كنياه يا أبا مرة مرر الله وجهه في النار. المقصود قال: يا بني إسرائيل يعني: يا بني الرجل الصالح يعقوب ﵇، واسمه إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] اذكروا نعمتي ليس ذكر اللسان، بعض الناس يقول: أنعم الله علينا بنعم ظاهرة وباطنة، فلله الحمد، لكن أعماله مخالفة وهذا ليس من الشكر وشكر النعم يكون بثلاث: الأولى: باللسان: أن تعلنها في الناس قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. الثانية: بالجنَاَن: تعلم أنها من عند الله . الثالثة: بالفعل: تجعلها في مرضاة الله وتعطي منها في سبيله ﵎.

стр. 2189

تفسير قوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) وأني فضلتكم على العالمين قيل (في العالمين) هنا مسائل: قيل: فضلهم على عالم زمانهم وهو الصحيح. وقيل: فضلهم ببعض الأمور على العالم كله، وهذا رأي ضعيف، لكن الصحيح على عالم زمانهم، يقال للعالم عالم وقته، وزاهد عصره، والعالم أو شيخ الإسلام في عهده فهذا في عالم زمانه، أما هم فليسوا أفضل من أمة محمد ﵊، لا والله لا نقولها تعصباً ولكن الله أخبر بهذا الأمر حيث قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] إذاً في عالم زمانهم كانوا سادة، ولذلك قال على لسان موسى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٠] حيث كان لديهم أنبياء كثر.

стр. 2190

تفسير قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كان يوجد في الوقت الواحد في بني إسرائيل عدد كبير من الأنبياء والملوك، وكانت هناك أسر كاملة هي ملوك، ولكن ما رضوا، وما استحقوا خلافة الله فسلبهم الله : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٧] النعمة في القرآن أطلقت في القرآن نِعمة ونَعمة، بفتح النون وكسرها قال : ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل:١١]. والسؤال هنا: ما الفرق بين النِّعمة والنَّعمة؟ الجواب النَّعمة بفتح النون معناها: ما نتعيش به في الحياة، نعمة الدواب والحمير والسيارات وغيرها، فهذه نعمة ولذلك قال : ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل:١١]. والنِّعمة قالوا: ما استفاد بها العبد في مرضاة الله ﵎، فالنَّعْمة: نعمة المعايش، ومن قال: الكفار في نعمة، ولكن المسلمين في نِعْمة من الله، فهذا كلام صحيح فهم تقووا بالنعمة في مرضاته أما بعض النعيم فليس بنعيم فقد يظن بعض الناس أنها نعم. يقول أبو تمام: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم بعض الناس يظن أنها نعمة عليه وهي لعنة والعياذ بالله، فبعضهم يستدرجه الله بزيادة المال، وبعضهم بكثرة الولد، وبعضهم بالمنصب حتى يرديه والعياذ بالله. لكن النِّعمة: هي ما أوصلتك إلى رضوان الله ﵎: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٧] لأن النعمة من عنده ، ثم قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٧] ليختصهم من بين الناس، (وأني فضلتكم على العالمين) ولكن لما لم يقوموا بهذا الفضل، ولم يقوموا بالخلافة؛ مسخهم الله ولعنهم وجعلهم شر طائفة أخرجت للناس، ولذلك لا تجد في العالم أشر من اليهود، وإذا وجدت يهودياً ووجدت بقعة فابسط على اليهودي ولا تبسط على الأرض. اليهود هم الذين يدبرون الخيانات والعمليات اللعينة والجرائم والفواحش والسيئات في كل شبر من الأرض: تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية قوم غضب الله عليهم، كيف نثق بهم؟! قوم لعنهم الله، كيف نرضى عنهم؟! قوم قطع الله الحبل بينه وبينهم، كيف نصل حبالنا بهم؟! هذا أمر لا بد أن يعرف، وسوف يمر معنا أخبار كثيرة عن اليهود. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].

стр. 2191

الأسئلة

стр. 2192

حال حديث: (إن الله إذا غضب على عبد أعطاه مالاً) السؤال ما مدى صحة حديث: ﴿إن الله إذا غضب على عبد أعطاه مالاً، فإذا زاد الله عليه الغضب أمد له﴾ أو كما قال ﵊؟ الجواب هذا الحديث لا يصح من كلامه ﵊، فليس زيادة المال أو إعطاء المال علامة الغضب أو الرضا، قال : ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] ففيهم من إذا أعطي مالاً طغى، وقال : ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] يقول: من الناس من إذا أعطاه الله رزقاً ومالاً، قال: ربي أكرمني لمنزلتي عند الله، وهذا ليس بصحيح قد يكون فاجراً، ومنهم من إذا ابتلاه الله وقلل رزقه عليه وأفقره، قال: لحطتي عند الله وعدم قيمتي عنده، وهذا ليس بصحيح قد يكون ولياً من أولياء الله .

стр. 2193

حكم قضاء الصلاة الفائتة السؤال من فاتته الصلاة، فنسيها ثم تذكر هل يصليها مع الصلاة التي هو فيها، أم يصليها مع الصلاة التي تماثلها، يعني نسي الظهر هل يصليها إذا تذكرها في أي وقت أم يتركها ويقضيها وقت الظهر في اليوم التالي؟ الجواب الصحيح أن يصليها متى ذكرها؛ لأنه ﷺ قال في حديث أبي قتادة: ﴿من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها﴾ ولو في وقت النهي، أو وسط الليل، أي وقت يصليها متى ذكرها، ولا تنتظر إلى نفس الوقت الذي تركت فيه الصلاة.

стр. 2194

السفر لحضور المحاضرات هل هو من شد الرحل المنهي عنه ؟ السؤال إني وفقت لهذا الدرس، وأتيت من مكان بعيد، من وراء ستين كيلو متراً عن أبها، فهل هذا يدخل في شد الرحال الذي نهى عنه النبي ﷺ ؟ الجواب أولاً: شكر الله لك مجيئك وسوف تجده في ميزان حسناتك، لكن احتسبه عند الله، واعلم أنك حصلت على أمور وهي: أولاً: لعلك سمعت كلمة ينفعك الله بها ما دامت السماوات والأرض. ثانياً: لعل الله نظر إليك في هذا الحشد المكرم؛ فقال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، لأن الملائكة يقولون: ﴿يا رب كيف تغفر لفلان وليس منهم، وإنما أتى هكذا، يقول الله: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، أشهدكم أني غفرت لهم﴾. ثالثاً: لعلك أدركت رحمة تنزلت من السماء في هذه الجلسة، فإن من أعظم الجلسات عند الواحد الأحد جلوس الذكر، فإن هذا المجلس من أعظم ما يباهي الله به ملائكته في السماء. رابعاً: ثم لعل رحمة الله أدركتك والسكينة وقعت عليك. أما شد الرحال فلا، بل أنت مأجور ومسافر لطلب الخير، ومقصود الحديث: ﴿لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد﴾ المقصود من المساجد أو من الأماكن التي قد يذهب إليها للعبادة، أما زيارة الصالحين فواردة، والرحلة في طلب العلم واردة بل مندوبة، بل قد تجب إذا لم يتعلم الإنسان ما يلزمه، قال البخاري في الصحيح: باب السفر في طلب العلم، وسافر موسى ﵇ في طلب العلم وقال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] فستين كيلو متراً أتيتها وأنت مرتاح في سيارتك ما تعادل نصب الصحابة، سافر جابر شهراً كاملاً إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، فكيف أن تأتي من مسافة خمسمائة كيلو متر أو مثلها أو أمثالها، لا أنت أكثر أجراً ممن كان قريباً من المسجد، وكل بحسب نيته، فأثابك الله في هذا.

стр. 2195

الكلب يلهث دائماً السؤال لماذا الكلب يلهث سواء حملت عليها أم لا؟ الجواب أن الكلب يلهث سواء حمل عليه أم لا، لأن الله خلقه هكذا، الكلب من علاماته أنك إذا أدخلته في الظل مد لسانه ولهث، فإذا أخرجته في الشمس مد لسانه ولهث، ليس هناك فائدة سواء ظللته أم لا، فالله وصف العالم الذي ما استفاد بعلمه كالكلب جاهل مخطئ، وعالم مخطئ، إذاً ما الذي يصلحه؟ مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، وهذه من أسرار الله في خلقه في الحيوانات، فإن في الحيوانات أسراراً عجيبة لا يعلمها إلا الله. أثبت الطب أن الكلب عنده حاسة شم يدرك بها الصديق من العدو، ولذلك تجده في البيت من وراء مسافة طويلة يعرف أن سيده أو ابن سيده أو صاحب البيت أقبل فلا ينبحه، ولكن يعرف أن الرجل أجنبي فيقوم بالنباح من قبل مسافات، هذا من الأسرار، إذا أتى الطب وجاء بشيء حقيقي قلنا على العين والرأس، وإذا خالف الطب القرآن وضعنا الطب تحت أقدامنا ودسناه بأرجلنا؛ لأن القرآن قواعد ثابتة وكذلك الحديث، فما دام أن مثل هذه الإشراقات ظهرت فالحمد لله، هذه فائدة نستفيد منها مثل الذباب يقال: يغمس جناحه فإن فيه دواء وفي الآخر داء، ثبت في الطب أن عنده إفرازات، إذا أفرز الدواء على الداء ذهب الداء بإذن الله .

стр. 2196

حكم ترك ما يعتاد عليه الإنسان من نوافل السؤال تعودت أن أصوم من شهر شعبان ثلاثة أيام من كل سنة؟ فهل علي إثم إذا تركت هذه السنة؟ الجواب ليس عليك إثم، أنت متطوع أمير نفسك، لك أن تصوم ولك أن تفطر، فإذا تنشطت فأكثر من الصيام، وإذا كسلت فلا إثم عليك، فاتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 2197

أحب الأسماء إلى الله السؤال ما أفضل الأسماء عند الله ورسوله؟ الجواب أحب الأسماء في الحديث الصحيح (عبد الله) و (عبد الرحمن) أما حديث: ﴿أفضل الأسماء ما عبد وحمد﴾ فلا يصح فهو موضوع، لكن هناك الحديث الصحيح: ﴿أحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها همام وحارث﴾ والعرب تكثر من التسمي بـ همام وحارث، فهمام بنيته فالعبد دائماً يهم، وحارث: يزاول بيده، فالعرب كانت تختار الأسماء القوية مثل: صخر. يقول: كنا علاقم في فم الأعداء، ومر في حلوقهم، لما كانت أسماؤنا علقم ومرة، وكنا صخوراً وجنادب، لما كانت أسماؤنا صخراً وجندباً، فأصبحنا ذلالاً لما أصبحت أسماؤنا دلالاً، ولذلك العرب لا تريد أسماء إلا مثل: صخر، مرة، حرب، حمزة، طلحة، حنظلة، دائماً أسماؤهم قوية، أما دلال، ودعد، ودعد اسم امرأة لكنه قد يطلق في بعض الأحيان على رجل فهذه الأسماء ترخي العزائم.

стр. 2198

فضل صيام أيام البيض السؤال الرجاء التنبيه على صيام الثلاثة الأيام البيض؟ الجواب يقول أبو هريرة في الصحاح أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ﴿صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام، وركعتي الضحى﴾ وثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وهي صيام رسولنا ﵊ وإبراهيم ﵇.

стр. 2199

عودة من ترك الصلاة لمدة ثلاثة أشهر السؤال رجل كان يصلي فترك الصلاة لمدة ثلاثة أشهر ثم تاب، فهل يقضي الصلوات التي فاتته خلال مدة الشهور الثلاثة؟ الجواب الصحيح أن يتوب إلى الله ويعود إلى الإسلام، ولا يقضي ما فات، لأنه كان في تلك الفترة كافراً. فإنه لا يطالب بالصلاة في حالة كفره بل يتوب إلى الله.

стр. 2200

من صلى وهو جنب ناسياً السؤال رجل صلى الفجر وكان في الليل قد احتلم، فما تذكر أنه احتلم إلا بعد صلاة الفجر بثلاث ساعات، فهل يغتسل ويعيد الصلاة؟ الجواب نعم يغتسل ويعيد الصلاة إذا رأى البلل، أما إذا احتلم وما رأى بللاً في ثيابه ولا شيئاً فلا غسل عليه، ولا إعادة.

стр. 2201

حال حديث: (اسأل عن دينك حتى يقال: إنك مجنون) السؤال ما معنى حديث: ﴿اسأل عن دينك حتى يقال: إنك مجنون﴾؟ الجواب هذا لا يصح بهذا اللفظ لكن في حديث فيه كلام ﴿اذكر الله حتى يقال إنك مجنون﴾ وبعض العلماء صحح هذا الحديث أو حسنه لكن ﴿اسألوا عن دينكم حتى يقال مجنون﴾ هذا من الأمثال في الحث على الإكثار من السؤال في الدين حتى تكون على بصيرة حتى يقولون خبل الرجل من يسألنا في كل مسألة هذا مثل ولكن لا يصح كلام المعصوم ﵊.

стр. 2202

شفاعة الرسول ﷺ لأمته السؤال هل ينفع النبي ﷺ أمته؟ الجواب الرسول ﷺ له الشفاعة الكبرى، وله المقام الأعظم حين يسجد تحت العرش وكل الأمم راضخون في الموقف -نسأل الله العافية- وذلك حين تدنو الشمس منهم، ويشتد الكرب، ويضيق بهم الحال حتى يقولون: من يشفع لنا، حتى تصل النوبة إلى محمد ﵊: واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذا الموقف وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها فهو يشرف على أمته وله الشفاعة العظمى ولا يمنع أثناء جلوسه أن ينادي الله ، أتدري من أول من يكسى كما في الحديث الصحيح؟! هو إبراهيم ﵇. شرفه الله بالكسوة؛ لأن الناس كلهم عراة فأول من يكسى إبراهيم. من أول من يستفيق من الصعقة ولا يدري هل صعق أم لا؟! إنه موسى ﵇، يقول ﵊: ﴿يستفيق الناس وأكون أول من يستفيق فأجد موسى باطشاً بالعرش أي ماسكاً به، فلا أدري هل كفاه الله الصعقة في الدنيا أم أفاق قبلي﴾ ولذلك يقول: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] هذه ميزات لبعض الأنبياء.

стр. 2203

حقيقة عري الناس يوم القيامة السؤال إن أول من يكسى إبراهيم ﵇ هل كانوا عراة ثم يكسون؟ الجواب من مفهوم هذا الحديث أنهم كانوا عراة فيكسون، فإن أول من يكسى هو إبراهيم ﵇ وذلك عند دخول الجنة، ولو أن رسولنا ﷺ أفضل بلا شك ثم إبراهيم.

стр. 2204

ثبوت صفة الغضب لله السؤال ما مدى صحة غضب الله سبحانه في المحشر قبل الشفاعة في الفصل؟ الجواب ثبت في الصحيحين أن ربنا تعالى يغضب غضباً لم يغضبه من قبل، فيستدرك كل إنسان عن الغضب حتى الأنبياء يقولون: نفسي نفسي قد غضب الله غضباً لم يغضب مثله لا قبله ولا بعده، حتى يأتي رسول الهدى ﷺ فيخر تحت العرش ساجداً، ثم يثني على الله بمحامد ما كان يعرفها فينزلها الله عليه، فيقول: ارفع رأسك وسل تعط، فأول شفاعة هي في الفصل بين العباد، فيتنزل ويفصل بين الناس، وهذا هو اليوم الحق: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً * وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٧]. نسأل الله تعالى أن يسهل علينا وعليكم ذاك اليوم، وأن يتولانا وإياكم يوم تزل الأقدام، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 2205

وفي أنفسكم أفلا تبصرون تطرق الشيخ في هذه المادة إلى آخر الاكتشافات التي تدل على بديع صنع الله؛ كتقسيم العقل البشري إلى أربعة أقسام، وأشار إلى تأثر بعض أهل العلم من النصارى بهذه الاكتشافات وإسلامهم، وبيّن الشيخ أن الكفار يعلمون أن القوة العظمى هي قوة الله، ولكن كفروا بها واستيقنتها أنفسهم. ثم تطرق في الخطبة الثانية إلى فوائد معرفة آيات الله .

стр. 2206

عظمة الله وبديع صنعه الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام ولاح، وما شدى بلبلٌ وصاح، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون: إن آيات الله في كتاب الكون ظاهرة، والله يتجلى في عصر العلم، ويحدثنا عن نفسه بآياته؛ بالليل والنهار، وبالسماء والأرض، وبالماء، والضياء، وبالأشجار، والأنهار، والأزهار، فهل قرأنا كتاب الكون؟ هل تدبرنا وتفكرنا في آيات الله؟!! وكتابي الفضاء أقرأ فيه سوراً ما قرأتها في كتابي قبل زمن قصير أتى رجل من الصالحين بورقة نخلة إلى عالم من العلماء -لا زال حياً يرزق إلى اليوم- مكتوبٌ عليها -بقدرة الله-: الله، ورقة النخل بنفسها كتبت، والله أملاها، وسخرها لتكتب على ظهرها: الله، وعلى بطنها مكتوبٌ: الله، بالخط العربي الكوفي الجميل، فقُطفت من غصنها، وأُتي بها إلى هذا العالِم، وعرضها على الجماهير؛ فرأوا اسم الله على ظهرها وبطنها، وهي تقول بلسان حالها: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]. انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضره من شادها من بذرة حتى استقامت شجره انظر إلى النحلة في بستانها منقعره من الذي علمها مصَّ رحيق الثمره انظر إلى الليل غفا من هزه وأظهره انظر للوح الكون مَنْ ذا زانه وسطّره انظر إلى الأموات مَنْ يحييهمُ من مقبره ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدره فلا إله غيره سبحانه ما أقدره نشرت جريدة الشرق الأوسط صباح هذا اليوم آخر اكتشاف علمي وصل إليه العالم، اكتشفوا قدرة الواحد الأحد، وأن لا إله إلا الله، وأن لا مدبر، ولا صانع، ولا حكيم، ولا منفذ إلا الله الواحد الأحد: فما لهم لا يؤمنون؟!

стр. 2207

العقل البشري يتكون من أربعة أقسام كتب بحث: أن علماء أمريكان توصلوا إلى علم دقيق في آخر علومهم؛ هذا العلم يتحدث عن الدماغ الذي خلقه الله في رأس الإنسان، واكتشفوا أنه يتكون من أربعة أقسام، أو أربع غرف: أما القسم الأعلى الأيمن: فهو مكانٌ للتفكير؛ خصصه الله وأوجده ليفكر به الإنسان، فهو قسم خاص مكون من خلايا تأخذ المعلومة فتهضمها، وتتأملها، وتتفكر فيها، وتدرسها دراسة مستفيضة، وقد سموا هذا القسم بقسم الدراسة. وأما القسم الأعلى الأيسر: فهو قسم النطق والكلام؛ وهذا القسم عبارة عن غرفةٌ من الخلايا تجمع كلام الإنسان، وماذا يريد أن يتحدث به، وترتب كلامه، وحروفه، حتى ينطق بما يريد التكلم به، فإذا أراد أن يقول: محمداً فلا يقول: علياً، وإذا أراد أن يقول: (ب) فلا يقول: (ر) وهذا دليلٌ على ألوهية وقدرة الواحد الأحد. أما القسم الأسفل الأيمن: فهو قسم خاصٌ بعواطف الإنسان، وأمزجته؛ من حبٍ، وبغضٍ، وسخطٍ، وانشراحٍ، وميلٍ، فإذا أحب الإنسان شيئاً انطلق هذا الجهاز يسلط حبه على هذا الشيء، وإذا أبغض شيئاً انطلق هذا الجهاز يرسم له بغض هذا الشيء. وأما القسم الأسفل الأيسر: فهو قسم التحكم، قالوا: وهو جهازٌ إداريٌ عصبي، يتحكم في المعلومات، والحروف، والنطق. وقالوا: فإذا اختلَّ جهاز التفكير؛ اضطرب الإنسان فأصبح مجنوناً، أو معتوهاً. وإذا اختلَّ جهاز النطق القسم الأعلى الأيسر؛ أصبح الإنسان ثرثاراً لا يتحكم في كلامه. وإذا اختلَّ جهاز العواطف الجانب الأيمن الأسفل؛ فمعنى ذلك: أن يصبح الإنسان إما قاسياً بارداً، وإما ملتهباً حاراً، والمتوسط من توسط مزاجه. وإذا اختلَّ جهاز التحكم الأيسر الأسفل؛ فمعنى ذلك: أن الإنسان ينهار فلا يتحكم في طاقته، ويصاب بشلل. حينها عرضوها للعالم؛ ليشهدوا على أنفسهم بالكفر، ويشهدوا بأن لا إله إلا الله، فأسلم بعضهم بمثل هذه النظريات وكفر بعضهم. ونحن نقول لأنفسنا: أما نزل علينا قرآنٌ يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].

стр. 2208

آيات الله تدل عليه من هو الذي يتفكر ويتدبر؟!! ومن الذي يقرأ كتاب الكون؟!! أهو المغني والمطرب، أو المزمر والضائع، أو صاحب المخدرات، أو عبد الأغنيات؟ لا. بل هو الذي يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه؛ هو الذي يقرأ كتاب الكون، ويتأمل في أسرار الحياة: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وأنا أنقل كلام الغرب: والحق ما شهدت به الأعداء والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنَّى وجدها. وأنقل من كلامهم مسألتين: المسألة الأولى: كلام ربنا، وكلام رسولنا معروف لديكم. المسألة الثانية: لنقول: اسمع إلى المجرم والخواجة، فإن الله يشهد على هذا الصنف أنه يؤمن بباطنه ويكفر بظاهره؛ فإن فرعون يعلم أنْ لا صانع، ولا مدبر، ولا رازق إلا الله، ولكن كفر بلسانه، قال موسى له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. يقول الأمريكي، الكاتب اللماع، الذي أسلم، صاحب كتاب الإنسان لا يقوم وحده: تأملت النحلة كيف تذهب آلاف الأميال عن خليتها ثم تعود من وراء البحار والقفار فلا تغلط وتدخل في خلية غير خليتها؛ من الذي دلها وعلمها؟!! وكان يعتقد أن لديها هوائياً أو جهازاً إخبارياً يطلق ذبذبات، فقال له علماء الإسلام: لا. ما عندها جهاز إخباري ولا هوائي ولكن الله يقول: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] وأوحى أي: ألهم. فنطق هذا الأمريكي وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٦٨ - ٦٩] فما لهم لا يؤمنون!! ما لهم لا يسلمون!! أفلا يصلون!!، ويتجهون إلى الله!! وهذه هي قاصمة الظهر، وإذا أصبح من المسلمين من اشتغل بالكمنجة، والكوبة، والعود، والبلوت، والسيجارة، والأغنية، والخمر، والمرأة، وأعرض عن الله؛ فهذه هي قاصمةٌ أخرى، وهذه مصيبةٌ دهياء، وصالعةٌ صلعاء. فيا مسلمون! الكفار والمخترعون اليوم أقبلوا يؤمنون ويدخلون في هذا الدين، وفي المقابل أخذ بعض شبابنا ينسحب من هذا الدين، فسبحان الله! ثمانية عشر رجلاً من الأمريكان ألفوا كتاب الله يتجلى في عصر العلم وكلٌ أتى بحقيقة تثبت وجود الله وعظمته وكبرياءه.

стр. 2209

قوة الله هي العظمى سفينة تضررت بعدما أبحرت في المحيط الأطلنطي، فأصبح أهلها في ظلام الليل واليم، وفي شباك الموت، وفجأة انقطع الجهاز المرسل -الهوائي- عن السفينة المبحرة الأخرى التي أتت لإسعافهم؛ فانقطعوا من البر، والبحر، والجو، والجبال، والوهاج، وانقطعوا من كل شيء، ولم يبق إلا إرسال الله. يقول راوي القصة وهو أمريكي، كان معهم وهو مكتشف ومخترع وذكيٌ من أذكياء العالم قال: فلما أبحرنا أظلمت بنا الدنيا، فحاولنا الاتصال فأخفقنا وفشلنا، فانقطع اتصال الهوائي، وفي الأخير اتصلت قلوبنا بالله؛ يقول الله عن كفار قريش، وعن كل مشرك: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] إذا هاجت الريح، وتلاعبت بالسفينة الأمواج، وانقطعت اتصالاتهم بالناس اتصلوا بالله، وهذا كفعل يونس بن متى ﵇؛ عندما انقطع البشر عنه، وانقطع اتصاله بالناس، وأصبح في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة اليم، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، فقال في الظلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فأنجاه الله. قال الأمريكي: فأخذنا ننادي -يعني: بلغتهم- الله الله! يعني: انتهت كل الاتصالات فلم يبق أمامهم إلا الله، وانتهت قوى الأرض العظمى ولم يبق إلا الله؛ فنجاهم الله إلى البر، وفي الأخير أعلنوا إسلامهم، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وآخر النظريات التي اكتشفها سوخاروف، وهو عالم روسي في موسكو: اكتشف أن للنبات ذبذبات يطلقها على النبات الآخر وللحشرات، وهذا دليل على قوة عظمى ليست بقوة بشر، قلنا له: يا ملحد! إنها قوة رب البشر، لا إله إلا الله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] سبحان الله! كيف أعطى دواب وحيوانات القطبين جلوداً من فراء، وأعطى حيوانات الصحراء أربع أرجل، وأعطى الطير في السماء أجنحة، وأعطى السمك في الماء مجاديف، فما أحكمه! وما أعظمه! وما أقدره! وهذا الشعور ينبغي أن يتحول إلى إيمان لا إلى مجرد علم فحسب، فلا يكفي إن لم يتحول إلى عمل، وقد قال الله عن أهل الكفر: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2210

معرفة آيات الله الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها المسلمون! أرسل الله محمداً ﵊، فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وفي أول تكليم مع موسى من الله قال له: يا موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤]. وهذه النصوص والأحداث التي تحدثنا عنها، إذا لم يستفد الإنسان منها أموراً فلا فائدة له منها، وتخزين العلم في الذهن دون خشية الله والإيمان به، والعمل على مرضاته، إنما يكتب عليك حجة تلقى بها الله، وتَقذِفُ العبيدَ في النار. والذي نستفيده من هذه الأصول، والأسس، والآيات البينات في الكون، والاكتشافات العلمية ثلاث فوائد: أولاً: مطالعة أسماء الله وصفاته في الكون؛ فهو حكيم، ومدبر، وخالق، ورازق: أحسن كل شيء خلقه، فلا تجد في خلقه تفاوتاً، صنع الله الذي أتقن كل شيء، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. فكل شيء يدلك على الله، انظر إلى جسمك، وحركاتك، وكلماتك، وانظر إلى اندفاعاتك، ومشاعرك، وخواطرك، أنت عالم من العوالم، أنت كونٌ وفيك اختفى الكون الأكبر، فلماذا لا تتفكر في نفسك ومن خلقك؟!! لتكون عبداً لله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. فأول ما نستفيده: مطالعة أسماء الله وصفاته في الكون؛ فإذا رأيت الزهرة الحمراء فقل لي: من صبغها ولونها؟! من جملها وبهاها؟! من كساها وحلاها؟! إنه الله لا إله إلا هو، ومن جعلها بألوان مختلفة وهي متقاربة؟! إنه الله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد:٤] وهذا يُخرِجُ ثمرةً غير هذا، والماء واحد، ولهذه عمرٌ، ولهذه حياة، ولهذا لون، فلا إله إلا الله ما أعظم الله!. ثانياً: أن يتحول هذا الشعور، وهذا الإدراك، والفهم إلى إيمان. ماذا ينفعك أن تعرف أن الذي خلق الزهرة هو الله وأنت لا تصلي، ولا تزكي، ولا تسبح، ولا تذكر الله؟ إن المجرم الخواجة المخترع يعرف أن هذا صنع الله لكنه لم يؤمن بالله، ولا ينفع التفكر إن لم يتحول إلى إيمان، إقامة لصلاة الفجر في جماعة، وإلى استقامة في البيت. كلما حاولت أن تخلو بمعصية نظرت إلى السماء، والأرض، والجبال؛ فراقبت الذي خلقها، وأبدعها، وصورها: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني مراقبة وإيمان، وخشية وخشوع، وهذا الأصل من دراسة هذه الكائنات. ثالثاً: أن تذكر الله في آياته. حين تركب سيارتك وتنظر إلى كتاب الكون الذي عرضه الله لك، وأشهدك على آياته، فتنظر إلى الشجرة فتقول: سبحان الله! وإلى الجبل فتقول: سبحان الله! وتنظر إلى الماء، والضياء، والسماء، والأرض، والجبال، فتقول: سبحان الله! نزل القرآن على محمد ﵊، فكان أول خطاب له: (اقرأ) وهو أمي، عاش عمره في البادية، لم يقرأ ولم يكتب ولم ينظم حرفاً، ولم يسطر مقالة، ولم يخطب خطبة، ولم يدرس كتاباً، ولم يطالع صحيفة، ولم يعرف خطاً ولا حرفاً واحداً: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] لكنه ﵊ كان يخرج إلى غار حراء فيخرج رأسه من الغار ليقرأ في صحيفة الكون؛ في النجوم الساطعة، والشمس الطالعة، وفي الماء النمير، والجدول والغدير، وفي الأنهار، والأشجار، فيقول الله له: (اقرأ) قال أهل العلم: اقرأ في الكون، وقرأ ﵊، وعرف بإذن الله الذي علمه، وأنتج أمةً تعبد الله ولا تشرك به شيئاً. فذكر الله في آياته ألا يكون أحدنا إمّعة، ولا يكن أحدنا بليداً يعيش بشخصية الغافل المعرض، الذي يخرج إلى الحدائق فينظر إلى تهييء البشر وتجهيزهم وينسى صنع رب البشر، وينظر إلى الكون ولكن لا يتدبر ولا يعقل، ويصف الحدائق وصفاً ساذجاً بليداً غبياً. يا مسلم! الكون أمامك يدلك على الله، فقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تزود بالإيمان، واستقرئ معالم الكون، وحاول أن تذكر الله صباح مساء، وعش مع آيات الواحد الأحد: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وخليلك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، ووفقنا لكل خير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم أصلح شباب المسلمين، ووفقهم، وارض عنهم. اللهم كفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →