← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عظمة الله وبديع صنعه الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام ولاح، وما شدى بلبلٌ وصاح، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون: إن آيات الله في كتاب الكون ظاهرة، والله يتجلى في عصر العلم، ويحدثنا عن نفسه بآياته؛ بالليل والنهار، وبالسماء والأرض، وبالماء، والضياء، وبالأشجار، والأنهار، والأزهار، فهل قرأنا كتاب الكون؟ هل تدبرنا وتفكرنا في آيات الله؟!! وكتابي الفضاء أقرأ فيه سوراً ما قرأتها في كتابي قبل زمن قصير أتى رجل من الصالحين بورقة نخلة إلى عالم من العلماء -لا زال حياً يرزق إلى اليوم- مكتوبٌ عليها -بقدرة الله-: الله، ورقة النخل بنفسها كتبت، والله أملاها، وسخرها لتكتب على ظهرها: الله، وعلى بطنها مكتوبٌ: الله، بالخط العربي الكوفي الجميل، فقُطفت من غصنها، وأُتي بها إلى هذا العالِم، وعرضها على الجماهير؛ فرأوا اسم الله على ظهرها وبطنها، وهي تقول بلسان حالها: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]. انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضره من شادها من بذرة حتى استقامت شجره انظر إلى النحلة في بستانها منقعره من الذي علمها مصَّ رحيق الثمره انظر إلى الليل غفا من هزه وأظهره انظر للوح الكون مَنْ ذا زانه وسطّره انظر إلى الأموات مَنْ يحييهمُ من مقبره ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدره فلا إله غيره سبحانه ما أقدره نشرت جريدة الشرق الأوسط صباح هذا اليوم آخر اكتشاف علمي وصل إليه العالم، اكتشفوا قدرة الواحد الأحد، وأن لا إله إلا الله، وأن لا مدبر، ولا صانع، ولا حكيم، ولا منفذ إلا الله الواحد الأحد: فما لهم لا يؤمنون؟!

стр. 2207

العقل البشري يتكون من أربعة أقسام كتب بحث: أن علماء أمريكان توصلوا إلى علم دقيق في آخر علومهم؛ هذا العلم يتحدث عن الدماغ الذي خلقه الله في رأس الإنسان، واكتشفوا أنه يتكون من أربعة أقسام، أو أربع غرف: أما القسم الأعلى الأيمن: فهو مكانٌ للتفكير؛ خصصه الله وأوجده ليفكر به الإنسان، فهو قسم خاص مكون من خلايا تأخذ المعلومة فتهضمها، وتتأملها، وتتفكر فيها، وتدرسها دراسة مستفيضة، وقد سموا هذا القسم بقسم الدراسة. وأما القسم الأعلى الأيسر: فهو قسم النطق والكلام؛ وهذا القسم عبارة عن غرفةٌ من الخلايا تجمع كلام الإنسان، وماذا يريد أن يتحدث به، وترتب كلامه، وحروفه، حتى ينطق بما يريد التكلم به، فإذا أراد أن يقول: محمداً فلا يقول: علياً، وإذا أراد أن يقول: (ب) فلا يقول: (ر) وهذا دليلٌ على ألوهية وقدرة الواحد الأحد. أما القسم الأسفل الأيمن: فهو قسم خاصٌ بعواطف الإنسان، وأمزجته؛ من حبٍ، وبغضٍ، وسخطٍ، وانشراحٍ، وميلٍ، فإذا أحب الإنسان شيئاً انطلق هذا الجهاز يسلط حبه على هذا الشيء، وإذا أبغض شيئاً انطلق هذا الجهاز يرسم له بغض هذا الشيء. وأما القسم الأسفل الأيسر: فهو قسم التحكم، قالوا: وهو جهازٌ إداريٌ عصبي، يتحكم في المعلومات، والحروف، والنطق. وقالوا: فإذا اختلَّ جهاز التفكير؛ اضطرب الإنسان فأصبح مجنوناً، أو معتوهاً. وإذا اختلَّ جهاز النطق القسم الأعلى الأيسر؛ أصبح الإنسان ثرثاراً لا يتحكم في كلامه. وإذا اختلَّ جهاز العواطف الجانب الأيمن الأسفل؛ فمعنى ذلك: أن يصبح الإنسان إما قاسياً بارداً، وإما ملتهباً حاراً، والمتوسط من توسط مزاجه. وإذا اختلَّ جهاز التحكم الأيسر الأسفل؛ فمعنى ذلك: أن الإنسان ينهار فلا يتحكم في طاقته، ويصاب بشلل. حينها عرضوها للعالم؛ ليشهدوا على أنفسهم بالكفر، ويشهدوا بأن لا إله إلا الله، فأسلم بعضهم بمثل هذه النظريات وكفر بعضهم. ونحن نقول لأنفسنا: أما نزل علينا قرآنٌ يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].

стр. 2208

آيات الله تدل عليه من هو الذي يتفكر ويتدبر؟!! ومن الذي يقرأ كتاب الكون؟!! أهو المغني والمطرب، أو المزمر والضائع، أو صاحب المخدرات، أو عبد الأغنيات؟ لا. بل هو الذي يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه؛ هو الذي يقرأ كتاب الكون، ويتأمل في أسرار الحياة: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وأنا أنقل كلام الغرب: والحق ما شهدت به الأعداء والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنَّى وجدها. وأنقل من كلامهم مسألتين: المسألة الأولى: كلام ربنا، وكلام رسولنا معروف لديكم. المسألة الثانية: لنقول: اسمع إلى المجرم والخواجة، فإن الله يشهد على هذا الصنف أنه يؤمن بباطنه ويكفر بظاهره؛ فإن فرعون يعلم أنْ لا صانع، ولا مدبر، ولا رازق إلا الله، ولكن كفر بلسانه، قال موسى له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. يقول الأمريكي، الكاتب اللماع، الذي أسلم، صاحب كتاب الإنسان لا يقوم وحده: تأملت النحلة كيف تذهب آلاف الأميال عن خليتها ثم تعود من وراء البحار والقفار فلا تغلط وتدخل في خلية غير خليتها؛ من الذي دلها وعلمها؟!! وكان يعتقد أن لديها هوائياً أو جهازاً إخبارياً يطلق ذبذبات، فقال له علماء الإسلام: لا. ما عندها جهاز إخباري ولا هوائي ولكن الله يقول: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] وأوحى أي: ألهم. فنطق هذا الأمريكي وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٦٨ - ٦٩] فما لهم لا يؤمنون!! ما لهم لا يسلمون!! أفلا يصلون!!، ويتجهون إلى الله!! وهذه هي قاصمة الظهر، وإذا أصبح من المسلمين من اشتغل بالكمنجة، والكوبة، والعود، والبلوت، والسيجارة، والأغنية، والخمر، والمرأة، وأعرض عن الله؛ فهذه هي قاصمةٌ أخرى، وهذه مصيبةٌ دهياء، وصالعةٌ صلعاء. فيا مسلمون! الكفار والمخترعون اليوم أقبلوا يؤمنون ويدخلون في هذا الدين، وفي المقابل أخذ بعض شبابنا ينسحب من هذا الدين، فسبحان الله! ثمانية عشر رجلاً من الأمريكان ألفوا كتاب الله يتجلى في عصر العلم وكلٌ أتى بحقيقة تثبت وجود الله وعظمته وكبرياءه.

стр. 2209

قوة الله هي العظمى سفينة تضررت بعدما أبحرت في المحيط الأطلنطي، فأصبح أهلها في ظلام الليل واليم، وفي شباك الموت، وفجأة انقطع الجهاز المرسل -الهوائي- عن السفينة المبحرة الأخرى التي أتت لإسعافهم؛ فانقطعوا من البر، والبحر، والجو، والجبال، والوهاج، وانقطعوا من كل شيء، ولم يبق إلا إرسال الله. يقول راوي القصة وهو أمريكي، كان معهم وهو مكتشف ومخترع وذكيٌ من أذكياء العالم قال: فلما أبحرنا أظلمت بنا الدنيا، فحاولنا الاتصال فأخفقنا وفشلنا، فانقطع اتصال الهوائي، وفي الأخير اتصلت قلوبنا بالله؛ يقول الله عن كفار قريش، وعن كل مشرك: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] إذا هاجت الريح، وتلاعبت بالسفينة الأمواج، وانقطعت اتصالاتهم بالناس اتصلوا بالله، وهذا كفعل يونس بن متى ﵇؛ عندما انقطع البشر عنه، وانقطع اتصاله بالناس، وأصبح في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة اليم، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، فقال في الظلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فأنجاه الله. قال الأمريكي: فأخذنا ننادي -يعني: بلغتهم- الله الله! يعني: انتهت كل الاتصالات فلم يبق أمامهم إلا الله، وانتهت قوى الأرض العظمى ولم يبق إلا الله؛ فنجاهم الله إلى البر، وفي الأخير أعلنوا إسلامهم، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وآخر النظريات التي اكتشفها سوخاروف، وهو عالم روسي في موسكو: اكتشف أن للنبات ذبذبات يطلقها على النبات الآخر وللحشرات، وهذا دليل على قوة عظمى ليست بقوة بشر، قلنا له: يا ملحد! إنها قوة رب البشر، لا إله إلا الله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] سبحان الله! كيف أعطى دواب وحيوانات القطبين جلوداً من فراء، وأعطى حيوانات الصحراء أربع أرجل، وأعطى الطير في السماء أجنحة، وأعطى السمك في الماء مجاديف، فما أحكمه! وما أعظمه! وما أقدره! وهذا الشعور ينبغي أن يتحول إلى إيمان لا إلى مجرد علم فحسب، فلا يكفي إن لم يتحول إلى عمل، وقد قال الله عن أهل الكفر: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2210

معرفة آيات الله الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها المسلمون! أرسل الله محمداً ﵊، فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وفي أول تكليم مع موسى من الله قال له: يا موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤]. وهذه النصوص والأحداث التي تحدثنا عنها، إذا لم يستفد الإنسان منها أموراً فلا فائدة له منها، وتخزين العلم في الذهن دون خشية الله والإيمان به، والعمل على مرضاته، إنما يكتب عليك حجة تلقى بها الله، وتَقذِفُ العبيدَ في النار. والذي نستفيده من هذه الأصول، والأسس، والآيات البينات في الكون، والاكتشافات العلمية ثلاث فوائد: أولاً: مطالعة أسماء الله وصفاته في الكون؛ فهو حكيم، ومدبر، وخالق، ورازق: أحسن كل شيء خلقه، فلا تجد في خلقه تفاوتاً، صنع الله الذي أتقن كل شيء، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. فكل شيء يدلك على الله، انظر إلى جسمك، وحركاتك، وكلماتك، وانظر إلى اندفاعاتك، ومشاعرك، وخواطرك، أنت عالم من العوالم، أنت كونٌ وفيك اختفى الكون الأكبر، فلماذا لا تتفكر في نفسك ومن خلقك؟!! لتكون عبداً لله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. فأول ما نستفيده: مطالعة أسماء الله وصفاته في الكون؛ فإذا رأيت الزهرة الحمراء فقل لي: من صبغها ولونها؟! من جملها وبهاها؟! من كساها وحلاها؟! إنه الله لا إله إلا هو، ومن جعلها بألوان مختلفة وهي متقاربة؟! إنه الله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد:٤] وهذا يُخرِجُ ثمرةً غير هذا، والماء واحد، ولهذه عمرٌ، ولهذه حياة، ولهذا لون، فلا إله إلا الله ما أعظم الله!. ثانياً: أن يتحول هذا الشعور، وهذا الإدراك، والفهم إلى إيمان. ماذا ينفعك أن تعرف أن الذي خلق الزهرة هو الله وأنت لا تصلي، ولا تزكي، ولا تسبح، ولا تذكر الله؟ إن المجرم الخواجة المخترع يعرف أن هذا صنع الله لكنه لم يؤمن بالله، ولا ينفع التفكر إن لم يتحول إلى إيمان، إقامة لصلاة الفجر في جماعة، وإلى استقامة في البيت. كلما حاولت أن تخلو بمعصية نظرت إلى السماء، والأرض، والجبال؛ فراقبت الذي خلقها، وأبدعها، وصورها: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني مراقبة وإيمان، وخشية وخشوع، وهذا الأصل من دراسة هذه الكائنات. ثالثاً: أن تذكر الله في آياته. حين تركب سيارتك وتنظر إلى كتاب الكون الذي عرضه الله لك، وأشهدك على آياته، فتنظر إلى الشجرة فتقول: سبحان الله! وإلى الجبل فتقول: سبحان الله! وتنظر إلى الماء، والضياء، والسماء، والأرض، والجبال، فتقول: سبحان الله! نزل القرآن على محمد ﵊، فكان أول خطاب له: (اقرأ) وهو أمي، عاش عمره في البادية، لم يقرأ ولم يكتب ولم ينظم حرفاً، ولم يسطر مقالة، ولم يخطب خطبة، ولم يدرس كتاباً، ولم يطالع صحيفة، ولم يعرف خطاً ولا حرفاً واحداً: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] لكنه ﵊ كان يخرج إلى غار حراء فيخرج رأسه من الغار ليقرأ في صحيفة الكون؛ في النجوم الساطعة، والشمس الطالعة، وفي الماء النمير، والجدول والغدير، وفي الأنهار، والأشجار، فيقول الله له: (اقرأ) قال أهل العلم: اقرأ في الكون، وقرأ ﵊، وعرف بإذن الله الذي علمه، وأنتج أمةً تعبد الله ولا تشرك به شيئاً. فذكر الله في آياته ألا يكون أحدنا إمّعة، ولا يكن أحدنا بليداً يعيش بشخصية الغافل المعرض، الذي يخرج إلى الحدائق فينظر إلى تهييء البشر وتجهيزهم وينسى صنع رب البشر، وينظر إلى الكون ولكن لا يتدبر ولا يعقل، ويصف الحدائق وصفاً ساذجاً بليداً غبياً. يا مسلم! الكون أمامك يدلك على الله، فقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تزود بالإيمان، واستقرئ معالم الكون، وحاول أن تذكر الله صباح مساء، وعش مع آيات الواحد الأحد: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وخليلك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، ووفقنا لكل خير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم أصلح شباب المسلمين، ووفقهم، وارض عنهم. اللهم كفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2211

ذكر الموت والتوسل بالقبور قال ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فيجب على المسلمين أن يعملوا بوصية نبيهم محمد ﷺ ويكثروا من ذكر الموت وما بعده، فإن ما بعد الموت أشياء عظيمة، وأموراً جسيمة، والقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، فيجب على المسلم أن يتزود بالطاعات والأعمال الصالحة لكي تكون له نوراً في قبره، وأن يكثر من ذكر لا إله إلا الله قبل أن يحال بينه وبينها، وأكثر شيء يحتاجه الميت في قبره هو الدعاء. والمقصود من زيارة القبور تذكر الآخرة من أجل الاستعداد لها بالأعمال الصالحة وليس ما يفعله بعض الجهلة الذين يذهبون إلى القبور للتبرك بها والذبح لها، والدعاء عندها.

стр. 2212

ذكر الموت الحمد لله القائل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٤]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، شهادة أدخرها وإياكم إلى يوم العرض على الله، ندخرها إلى يوم الفتنة في القبور، يوم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:

стр. 2213

كفى بالموت واعظاً أيها الناس! ألا ترون أنكم تشيّعون كل يوم غادياً ورائحاً إلى الله، قد ترك الأحباب، وفارق الأصحاب، ووسد التراب. غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدم انتهى أمله وأجله وعمله، وتبعه أهله وماله وعمله، فعاد أهله وماله وبقي معه عمله. وسد التراب، وفارق الأحبة والجيران، وهجره الأصحاب والإخوان ما كأنه فرح مع من فرح، ولا كأنه ضحك مع من ضحك، ولا كأنه ارتاح مع من ارتاح فلما وسد تلك الحفرة أتى يبحث عن عمله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].

стр. 2214

دعاء النبي ﷺ للأموات كان ﵊ أرحم ما يكون بالميت من المسلمين إذا مات، وأشفق ما يكون بالميت من المؤمنين إذا مات؛ لأن الميت أحوج الناس إلى الدعاء والترحم. يقول عوف بن مالك ﵁: ﴿صلى بنا رسول الله ﷺ على جنازة رجل من الأنصار، فلما صففنا خلفه تخطيت الصفوف حتى وقفت بجانبه وهو يصلي على الجنازة، فسمعته ﷺ يبكي وهو يقول: اللهم اغفرله، اللهم اعف عنه، اللهم ارحمه، اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس قال عوف: فوالله لوددت أني أنا الميت من حسن دعائه ﷺ ﴾. بل كان ﵊ يذهب في الليل البهيم والظلام الدامس فيقف على مقبرة بقيع الغرقد في المدينة، فيبكي بكاءً طويلاً، ويدعو دعاءً طويلاً؛ لأنهم أحوج ما يكونون إلى الدعاء، وأحوج ما يكونون إلى الترحم؛ ولأنهم كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]. كان ابن عمر ﵁ وأرضاه إذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] يبكي ﵁ وأرضاه حتى يكاد يغمى عليه، ثم يقول: [[اللهم لا تحل بيني وبين ما أشتهي. قيل له: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أقول لا إله إلا الله، فيحال بيني وبين لا إله إلا الله]] وأهل القبور حيل بينهم -والله- وبين لا إله إلا الله، فلا يستطيعون أن يقولوها. فهل سمعتم بميت يصلي في قبره؟ وهل سمعتم بميت يصوم في قبره؟ وهل سمعتم بميت يذكر الله في قبره؟ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤] كما فعل بأشياعهم من المجرمين، وأضرابهم من المنافقين، وأشباههم من الفاسقين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤].

стр. 2215

قصة مطرف ودعاؤه للأموات يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير: كنت آتي كل ليلة جمعة إلى البصرة لأصلي الجمعة فيها، وكنت في طريقي أمر على أهل القبور، فأدعو الله لهم وأترحم عليهم، إلا ليلة من الليالي مررت فلم أقف؛ لأن الجو كان بارداً، فدخلت بيتي ونمت، فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلاً من أهل القبور يقول: يا مطرف! حرمتنا دعاءك الليلة، والله! إن الله لينور علينا قبورنا بدعائك ودعاء إخوانك من المؤمنين أسبوعاً كاملاً. قال: فتوضأت وذهبت ودعوت الله لهم، فلما عدت كنت أقول في طريقي: لا إله إلا الله أقف بها في حشري لا إله إلا الله أقضي بها عمري لا إله إلا الله يغفر بها ربي ذنبي لا إله إلا الله أدخل بها قبري. فسمعت كأن قائلاً يقول: تزود يا مطرف! من لا إله إلا الله، فوالله لقد حيل بيننا وبينها. فدعاؤنا للأموات نور ورحمة تنزل عليهم. يقول ﵊: ﴿إن الله يرحم أهل القبور بدعائي لهم، وينور عليهم قبورهم بصلاتي عليهم﴾ أي: بدعائي لهم.

стр. 2216

صفة القبر فيا عباد الله! تأملوا وتفكروا في تلك الحفر الضيقة الموحشة في بيوت اللحود، وفي بيوت الهوام والدود، يقول مجاهد ﵀: [[يقول القبر: أنا بيت الوحشة أنا بيت الظلمة أنا بيت الدود أنا بيت مفارقة الأحباب ومضايقة اللحود أنا بيت من يوطَّى فيه على الخدود أنا بيت فراق الأهل والأموال أنا بيت فراق الدور والقصور أنا بيت فراق اللذات والأولاد والبنات والشهوات]]. فيا عباد الله! رحم الله امرءاً قدم من الصالحات لتلك الحفرة. ورحم الله امرءاً أعد الحسنات لذاك القبر. ورحم الله امرءاً حاسب نفسه قبل أن يوضع في مكان ضيق لا أنيس فيه إلا العمل الصالح، ولا حفيظ فيه إلا الله، ولا مجازي ولا محاسب إلا الحي القيوم. يقول عمر بن عبد العزيز ﵁ لجلسائه: [[أرقت البارحة -أي سهرت فلم أنم حتى الفجر- قالوا: ما أسهرك يا أمير المؤمنين؟ قال: لما أويت إلى فراشي ووضعت لحافي علي تذكرت القبر، وتذكرت الميت بعد ثلاث ليال، حينما يتركه أهله وأحبابه وجيرانه وإخوانه، فيتغير ريحه، وتتمزق أكفانه، ويسري الدود على خدوده، فليتك ترى يا فلان تلك الرائحة المنتنة بعد الطيب في الدنيا، وتلك الأكفان الممزقة بعد الثياب الجميلة في الدنيا]]. نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر هل رأيت قبر غني من فقير؟ هل رأيت -أي: هل ميزت- بين قبر أمير من حقير؟ تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضى معتبر

стр. 2217

قصص الصالحين وحالهم عند ذكر الموت يقول علي ﵁ وأرضاه: ﴿خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس ﷺ على شفير القبر وجلسنا حوله، فنكس رأسه وأخذ ينكت الأرض بمخصرة في يده، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل من لحيته ﷺ ، ثم قال: أيها الناس! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾. والله لو نعلم كما يعلم رسول الله ﷺ لضحكنا قليلاً ولبكينا كثيراً، لكننا أكثرنا من الضحك وأقللنا من البكاء، قست قلوبنا بالمعاصي والشهوات، وقست قلوبنا بالترهات، وقست قلوبنا بالبعد عن فاطر الأرض والسماوات، لما انغمرنا في الشهوات، والله ينادينا فيقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ ويل لعبد لم يتهيأ لتلك الحفرة ويل لعبد لم يتهيأ لذاك القبر ويل لعبد لم يتهيأ بالعمل الصالح ويل لمن صد عن سبيل الله ويل لمن قاطع بيوت الله ويل لمن هجر كتاب الله. مر عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه فرأى المقبرة فبكى، ثم توضأ وصلى ركعتين، فقال له أصحابه: لِمَ صليت الآن ركعتين؟ قال: تذكرت قول الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، الذي قال لابنه لما حضرته الوفاة: يا بني! ألبسني أكفاني وشد علي أكفاني؛ فإني مخاطب في قبري، وإني أخاف إذا قمت للفتان في قبري أن تسقط من على أكتافي أكفاني. فلما أتته سكرات الموت بكى وحول وجهه إلى الحائط. وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن الذين فتح الله على أيديهم الفتوح، فقد فتح الله على يديه مصر، ودوَّنَ دواوينها وجند أجنادها. فلما أتاه اليقين، وأتته سكرات الموت بكى بكاءً طويلاً، فقال له ابنه يحسن ظنه بالله ويحسن رجاءه في الحي القيوم: يا أبتاه! أنت من أصحاب رسول الله فلا تخف، أما فتحت مصر؟ أما جاهدت في سبيل الله؟ أما تقربت إلى الله؟ فالتفت إليه أبوه وقال: يا بني! لقد عشت حياتي على أدوار ثلاثة: كنت في الجاهلية قبل الإسلام، وكان أبغض الناس إلي رسول الله ﷺ والله لو تمكنت منه لقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من جثي جهنم، ثم أسلمت وأتيت رسول الله ﷺ في المدينة، فلما رآني رحب بي وهش وبش في وجهي وقال: ﴿حيهلاً بك يا عمرو! فبسطت يدي لأبايعه فبسط يده، فلما بسط يده قبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟ قلت: أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر الله لي ذنبي. قال ﷺ وهو يتبسم في وجهي: أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها﴾ فوضعت كفي في كفه ويميني في يمينه، وبايعته على لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فكنت معه، إذا حل حللت معه، وإذا سافر سافرت معه، وإذا أقام أقمت معه والله! ما كنت أستطيع أن أملأ عيني من وجهه حياء منه والله لو سألتموني أن أصفه لما استطعت أن أصفه والله ما كنت أنظر إليه إجلالاً له، فلو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم تخلفت بعده فلعبت بي الدنيا ظهراً لبطن، فوالله! ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار، لكن عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله، هي لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، ثم قبض يمناه على هذه الكلمة العظيمة. قال ابنه عبد الله: فلما أتينا لنغسله فتحنا كفه فانقبضت على لا إله إلا الله، وجئنا ندخله في كفنه ففتحنا يده فانقبضت على لا إله إلا الله، فدخل في القبر بلا إله إلا الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فَحَواه لحد ضيق خرص إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق يقول ابن عوف ﵁: [[خرجت مع عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فلما وقفنا على مقبرة بقيع الغرقد اختلس يده من يديه -وكنت قابضاً على يده- ثم وضع نفسه على قبر وبكى بكاءً طويلاً، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة فأعضد! أنسيت يا بن عوف هذه الحفرة؟! قال: فأبكاني والله]]. فالله المستعان على ذاك المقام، وعليه التكلان أن يثبتنا وإياكم يوم يثبت أهل طاعته فلا يخذلون، ويوم يثبت أهل البر من عباده فلا ينسون، ويوم أن يلهمهم رشدهم عند سؤال الفتان في القبور؛ فينطقون بلا إله إلا الله قوية من قلوبهم، نسأله التثبيت لنا ولكم ولكل مسلم، فمنه التثبيت ومنه العون ومنه السداد. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2218

زيارة القبور الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وسلام على صفوة خلق الله، محجة عباد الله، وقدوة الناسكين من أولياء الله، والحجة على أعداء الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس! فواجبنا نحو أمواتنا من المسلمين الزيارة والترحم والدعاء لهم، لأن الله ينور عليهم قبورهم بدعائنا لهم فما أحوجهم إلى دعائنا! ولكن نحن لا نحتاج إلى أحد منهم، فإنهم كما قال تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. والزيارة الشرعية أن يزور المسلم -الرجل لا المرأة- القبور ليتذكر الوقوف بين يدي الله، والعرض عليه، ويزهد فيما سوى الله، ويقلل متاعه من هذه الدنيا التي تشغله عن الله، ولذلك ثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿زوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة﴾.

стр. 2219

حكم التوسل بالقبور إن المقصود من زيارة القبور هو التذكير بالآخرة، لا التوسل بأصحابها كما يفعله الوثنيون المبتدعون المشركون في بعض البلاد الإسلامية؛ فإنهم يذهبون إلى تلك القبور، وقد يكون أهلها من الصالحين، فيتوسلون بهم إلى الله، ويتبركون بتلك القبور وهؤلاء الذين يزورون القبور ويفعلون هذا الفعل قد حبط عملهم في الدنيا والآخرة إن لم يتوبوا إلى الله ويراجعوا حسابهم مع الله. وإذا سألتهم: لِمَ تفعلون هذه الأفاعيل الشركية الوثنية والأمور الجاهلية؟ قالوا: نحن لا نعبدهم، وإنما نتبرك بهم ونتوسل بهم إلى الله. وهذا منطق أهل الجهل والشرك والوثنية، فإنهم كانوا يقولون كما قص الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. ولذلك يقول ﷺ : ﴿اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾ ومعنى (وثناً يعبد) أي: يتوسل إليه، ويتبرك به، ويعتقد أنه ينفع ويضر بعد موته. هذا وهو رسول الله ﷺ ، فكيف بغيره الذي ما بلغ مرتبته من الناس؟ كيف يتوسل به إلى الله ويتبرك به وبالدعاء عنده؟! إن هذا هو الشرك بعينه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] فالذين يتوسلون بالقبور في أي بلد وفي أي مكان وفي أي زمان، ويتبركون بالدعاء عندهم، ويعتقدون نفع الأموات أو ضرهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٩]. يقول ﷺ وهو في سكرات الموت، وهو يصارع الموت في آخر لحظة من لحظات الدنيا: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات﴾ ثم يقول: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا فبور أنبيائهم مساجد﴾ يحذر منهم ﷺ ومن فعلهم. ووقع ما فعله أولئك من اليهود والنصارى في أمة محمد ﷺ ؛ ففي كثير من البلاد الإسلامية يشركون بالله بتقربهم إلى القبور، وبعكوفهم عليها، وبتوسلهم بأصحابها؛ فوقعوا في الغلو الذي وقع فيه من كان قبلهم، يقول الله ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠] فقاتل الله كل من اتخذ من دونه إلهاً يعبد، أو توسل إلى الله بغير ما شرع في جلب منفعة أو دفع مضرة. يقول ابن تيمية ﵀: الرسل عليهم الصلاة والسلام وسائط هدى وتبليغ للرسالات من الله إلينا، ولا نتوسط بهم في العبادات بيننا وبين الله. فمن توسل بأحد أو تشفع به وهو ميت في قبره، أو تبرك بالدعاء عند قبره فقد خسر عمله.

стр. 2220

آداب الزيارة الشرعية فالزيارة الشرعية أن نزور القبور لتذكرنا الآخرة، وأن ندعو لأهل القبور بالرحمة كما دعا لهم ﷺ . ومن أدب الزيارة: عدم الجلوس على القبر، فإنه ﷺ منع من الجلوس عليها، كما صح في صحيح مسلم من حديث بثينة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها﴾ ويقول ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿لأن أجلس على جمرة فتحرق ثيابي حتى تنفذ إلى جسمي خير لي من أن أجلس على قبر﴾. ومن آداب الزيارة: ألا يصلى على القبور إذا زارها الزائر، وصحيح أنه يصلى على الميت إلى شهر كما في صحيح البخاري، لكن هذا في صلاة الجنازة، أما أن تصلى الفريضة على القبر؛ فهذه من الأمور المبتدعة، والصلاة منهي عنها هناك. ومن الأمور التي تجب علينا لأصحاب القبور: إكرام قبورهم من المرور عليها، فلا يمر على القبر ولا يمتهن، ولا يبنى عليه، فقد جاء في صحيح مسلم: عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: ﴿أرسلني رسول الله ﷺ على ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته﴾ سويته: أي سويته بالأرض، فلا يبنى عليها، ولا يعكف عندها، ولا يتبرك بها، ولا يجلس عليها، ولا يمر عليها، وإنما هي تذكرنا بلقاء الله، وبالقدوم عليه، فما أوعظ القبور وما أوعظ أحاديثها! وما أرقها للأفئدة التي قست من المعاصي كأفئدتنا! [[كان عثمان ﵁ وأرضاه إذا رأى القبور بكى حتى يغشى عليه، فقال الصحابة: يا أمير المؤمنين! تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتذكر القبر فتبكي؟! فقال: القبر أول منازل الآخرة، من نجا فيه نجا مما بعده، ومن هلك فيه هلك فيما بعده]]. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين على ما تحبه وترضاه. اللهم وحد بين صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق وارفع رايتهم يارب العالمين. اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور واهدهم سبل السلام، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه، إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لجميع أموات المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، وأبدلهم دوراً خيراً من دورهم، وأهلاً خيراً من أهاليهم، وأزواجاً خيراً من أزواجهم، ولقهم الجنة وقهم عذاب النار. اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحبه وما ترضاه يا رب العالمين، اللهم اهدهم رشدهم، وألهمهم توفيقهم، إنك على كل شيء قدير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم انصر عبادك المجاهدين الموحدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في أفغانستان وفلسطين وفي كل صقع من بلاد المسلمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2221

مولد الهادي البشير تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن مولد النبي ﷺ ونشأته وما أظهر الله على يديه من المعجزات الباهرة، ثم عرج على بعثته وقيامه بواجب الدعوة والبيان حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتشر دينه في الأرض، ودانت له البشرية، مشيراً إلى الحكمة العظيمة من كونه ﷺ بشراً، يتيماً، أمياً، ثم نبه على أهمية محبته واتباعه.

стр. 2222

إطلالة على السيرة النبوية الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أحيا به الله القلوب، وأنار به العقول، وأسمع به الآذان، وبصر به العيون، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 2223

تعلق الأمم برموزها الأمم اليوم تتعلق برموزها، فتنصب لهم صوراً تذكارية، وتطوف بهم وتقدسهم، وتردد الثناء عليهم صباح مساء، ونحن لا رموز لنا، لا قداسة أرضية، ولا طقوس، وليس عندنا إلا رجل واحد جعله الله إماماً لنا، ولكنه معصوم، وقدوة لنا لكنه صادق، ومعلماً لنا لكنه فاتح، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. أمي لا يقرأ ولا يكتب، ما حمل قلماً ولا كتاباً ولا دفتراً، لكن أفاض الله الوحي على قلبه، فحفظ القرآن كله، والسنة كلها. وعند الناس رموز؛ لكنهم سفكة للدماء، وطغاة في الأموال، ومعتدون على الأعراض، وعندنا رجل لكنه يحمل العفاف والطهر والنزاهة والعدل والحق. تجلى مولد الهادي وعمت بشائره البوادي والقضايا وأهدت للبرية بنت وهب يداً بيضاء طوقت الرقابا لقد ولدته وهاجاً منيراً كما تلد السماوات الشهابا

стр. 2224

مولده ﷺ ونشأته تقول آمنة: حملته فما أحسست بالحمل، ولما ولدته ولدته ساجداً على الأرض، ومن أول لحظة وهو يسجد لله الواحد الأحد، وقبل أن تلده بليلة رأت كأن نوراً خرج منها فأضاءت له قصور الشام، وقبل أن تلده مات أبوه فنشأ يتيماً، واستمرت معه فترةً ثم ماتت، فبقي اليتيم ﵊ في اليتم والفقر والظمأ والجوع؛ ليتعلق بالله، وذهبت به حليمة السعدية إلى بادية بني سعد، قالت حليمة: كنا في فقر مدقع، وفي سنة مجدبة والله ما أمطرت علينا ذاك العام قطرة، ولا نبتت في مراوحنا نبتة، فما وصل ﵊ وهو طفل إلى ديار بني سعد، إلا وغمامة ملأت السماء فأمطرت حتى سالت الأودية، وامتلأت الأودية عشباً أخضر، وحلبوا حتى ملئوا الآنية، وكانوا في رغد من العيش. وإن الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء تقول حليمة وقد أسلمت ﵂: كان إذا أظلم الليل، خرج ﷺ من الخيمة وهو طفل عمره سنتان، ينظر ويتفكر في النجوم، لا إله إلا الله! طفل عمره سنتان يتفكر في النجوم والسماء في الليل، سبحان من علمه! وسبحان من أحكم إرادته! وسبحان من أنبته نباتاً حسناً! ترده إلى الخيمة، فيخرج وسط الليل لينظر في السماء، من خلق السماء؟ ومن خلق النجوم؟ ومن أبدع الكون؟

стр. 2225

حادثة شق الصدر تقول حليمة: وخرج مرة من المرات مع أخيه من الرضاعة يرعى البهم. وراعي البهم هذا سوف يرعى الأمم، في ثلاثة أرباع الدنيا، هذا الراعي دخل قواده فصلوا وسبحوا في قرطبة والبرتغال والسند والهند، هذا الراعي أخرج الأمة الضعيفة المسلوبة المظلومة من الجزيرة، فصلت في ضفاف دجلة والفرات، وأذنت في صنعاء وكابل. قالت: فلما خرج يرعى البهم أتاه رجلان، فبطحاه أرضاً وشقا صدره، وأخذا علقة من قلبه! من هم الرجلان؟ أرسل الله ملكين اثنين، فأخذا طستاً من ذهب مملوءاً حكمة وعلماً، فأتوا إلى المصطفى ﵊، فأضجعوه على ظهره وشقوا صدره الكريم. ولذلك يقول بعض المفسرين في قوله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] أي: يوم شققنا صدرك، ثم وسعناه فكان واسعاً حكيماً حليماً رحيماً، فلما شقا صدره، أخذا العلقة السوداء- وما منا إلا وفيه علقة سوداء، يجتمع فيها الحسد والحقد والخيانة والغل فقطعوها، وأخرجوها، ثم غسلوا قلبه بماء زمزم، ثم ملئوا -بإذن الله- قلبه حكمةً وإيماناً، ثم ردوا صدره وخاطوه؛ حتى يقول أنس كنت أرى أثر الشق والرسول ﵊ في الستين من عمره. ثم أقاموه، وأتى وهو خائف إلى أمه من الرضاعة حليمة، وأخبرها الخبر، فردته إلى مكة. وعاد -وهو صبي- يتدرج في الكرامة والعزة والرفعة، ما سجد لصنم، ولا شرب خمراً، ولا خان، ولا سرق، ولا كذب، ولا غش، وفي صحيح مسلم: ﴿كان يمرُّ في وديان مكة، فيراه الحجر فيقول الحجر: السلام عليك يا رسول الله! ويراه الشجر فيقول الشجر: السلام عليك يا رسول الله﴾ قبل النبوة، يسلم عليه الشجر والحجر، فيفزع ويخاف وينظر فلا يرى شيئاً. وينشأ ﷺ يتيماً، صبوراً فقيراً محتسباً، لم يقرأ ولم يكتب، ويبلغ الخامسة والعشرين من عمره، فيكون مضرب المثل في مكة حياءً وأمانة ووقاراً وعفافاً، ولكن بعد أن نبئ خونوه، وقالوا: ساحر، وقالوا: شاعر، وقالوا: كاهن، ورموه في عرضه، والله يقول: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] ما باله بالأمس أمين صادق وفي مخلص، واليوم أصبح مجنوناً كذاباً خائناً ساحراً؟ بالأمس كان مضرب المثل فيكم واليوم أصبح عدواً لكم؟! سافر في الخامسة والعشرين من عمره، فنزل في بصرى في الشام فجاءت غمامة تظلله من الشمس وهو مع النوق والإبل، وهناك شجرة، بجانب صومعة بحيرى، يقول عنها أهل العلم من أهل الكتاب: لا يجلس تحتها إلا نبي، فترك الشجر كله وجلس تحتها، حكمة بالغة، وقدرة نافذة.

стр. 2226

اختصام قريش في الحجر الأسود اختصمت قريش في وضع الحجر، وكانت قد هدمت الكعبة قبل الرسالة، واختصمت في من يضع الحجر؟ ومن يحمل الحجر؟ وكانوا أربع قبائل، كل قبيلة تقول: هي التي تضع الحجر، وأتى بنو هاشم، فملئوا صحفة دماً، ثم وضعوا أيديهم وتعاهدوا وتعاقدوا ألا يضع الحجر إلا هم أو يقتلوا عن بكرة أبيهم، ثم اصطلحوا على أن أول من يدخل الحرم هو الذي يحكم في القضية، ودخل البشير النذير، ودخل النبي المعصوم، قبل أن يوحى إليه، ووقف عليهم فأخبروه، فأخذ الحجر ووضعه في كساء، وقال: لتحمل كل قبيلة طرفاً من الكساء، فلما قربوه من موضعه وضعه هو بيده الشريفة، فهو الذي وضع الحجر الأسود مكانه الآن.

стр. 2227

بعثته ﷺ واستمر به الحال ﵊ فلما بلغ الثلاثين أنكر وضع الدنيا، فإن العالم يعيش على خطأ، وأخذ يبحث عن الصواب، وسوف يأتي به جبريل من رب الأرباب. كان يخرج من مكة إلى غار حراء يتعبد، فكان يتحنث ويتوجه بقلبه إلى الله، يعرف أن للكون إلهاً خالقاً رازقاً وأنه يستحق العبادة، ولكن ما عنده مصحف يقرأ فيه، ولا يعرف الصلاة، قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ويقول الله فيه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ومكث في الغار، يظل الأربع الليالي والخمس يتعبد، ثم ينزل إلى خديجة فيمتار ميرةً ويعود، وفي أثناء ذلك، أتاه جبريل وله ستمائة جناح، كل جناح قد سد ما بين المشرف والمغرب، فدخل عليه وقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. كفاك بالعلم في الأمي معجزةً في الجاهلية والتأديب في اليتم قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فأخذه فألصقه على صدره ثم غطه، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣] فانطلق يقرأ، ثم أطلقه، فذهب ونزل من الغار، وأخذ ينظر في السماء، كلما نظر في ناحية من السماء، إذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض، ووصل إلى خديجة، إلى الحكيمة العاقلة، إلى الزوجة العاقلة البديعة الرائعة قال: زملوني! زملوني! لقد خشيت على نفسي. ثم أخبرها الخبر، فنطقت الصدق، وكلمات الواقع، وكلمات العدل والحق وقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، لماذا؟ ألمنصبه؟ ألأسرته؟ ألماله؟ ألشهرته؟ لا، قالت: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزي أهل المعروف. وانطلق ﵊ يدعو قومه إلى الله، انطلق ﵊ يخرج الأمة من الظلمات إلى النور، حتى أصبح أتباعه اليوم -في الجملة- ملياراً ودينه اليوم يعلو وينتصر. الشيوعية كان لها مليار، فانسحقت قبل سنوات، ولعنت على ألسنة البشر، لماذا؟ لأن الحق هو الذي ينتصر والباطل ينمحق، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] لقد قال: ﵊: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ ونحن لا نطريه، وإنما نقول: هو عبد الله رسوله، ولكن من واجب الأمة علينا أن نلفت أنظارها إلى رسول الله ﵊، لماذا؟ لأن الأمم والشعوب لم تلفت أنظار الناس إليه، فكان من مسئولية العلماء والدعاة أن يذكروه على المنابر، وأن يشيروا إلى شيء من عظمته ورسالته؛ لأن البشر -في العموم- استبدلوا بعظمته عظمة أناس لا يساوون الغبار الذي على قدميه، ولا جلد حذائه الذي كان يمشي به ﵊. نور من الغار أم صوت من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار تطوي الدياجير مثل الفجر في ألق تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار شادوا الدنانير هالات مزخرفة جماعها لا يساوي ربع دينار ويبقى رسول الله ﵊ إماماً، لكن ليس إلا لمن أراد أن يكون إمامه ﷺ ، فيكون إماماً لأهل الصلوات الخمس، وللصادقين، والمخلصين، وإماماً لأولياء الله، أما الأشقياء فلهم أئمة، وأما الأدعياء فلهم قادة، وأما الحقراء الصغراء، فلهم زعماء: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] وإمام الأخيار محمد ﵊، يقول أحد الصالحين وقد ذكر إمامته: إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وكان ابن تيمية يزيد ويقول: وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا فنسأل الله أن يثبتنا على منهجه، وأن يجعلنا من أتباعه، وأن يسقينا من حوضه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يغمرنا في زمرته، وأن يهدينا سنته، وأن يوقظنا من غفلتنا باتباعه ﵊. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2228

دروس وعبر من سيرة النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2229

الحكمة من كونه بشراً يتيماً أمياً أيها الناس: فيما مر دروس، نستفيدها من سيرته ﵊ قبل النبوة، والدروس هذه هي أن الرسول ﵊ رجل يتيم أمي، ثلاث قضايا: بشر، وأمي، ويتيم. فأما كونه بشراً، فهي حكمة من الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩] أي: لو كان ملكاً من الملائكة، ما استطعنا اتباعه، وما استطعنا أن ننهج منهجه، وما كان في مقدورنا أن نحتذي سيرته، لكن جعله الله بشراً، يعيش آلامنا، يجوع كما نجوع، ويظمأ كما نظمأ، وينام كما ننام، ويتزوج النساء، ويرضى ويغضب، ويضحك ويبكي، فهو بشر مثلنا فنتبعه. وأما الكفار فاعترضوا على أنه بشر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٧ - ٨]. يقولون: كيف يكون هذا رسولاً وهو يأكل الطعام كما نأكل، ويجلس معنا كما نجلس، ويبيع ويشتري في الأسواق؟! هذا لا يصح، فأخبر الله أن الحكمة كل الحكمة في جعله بشراً نستطيع أن نتبعه، فبعض الصحابة أرادوا أن يصلوا في العبادة حداً لا يبيحه لهم الشارع، يقول أحدهم: أنا لا أتزوج النساء، والثاني يقول: وأنا لا آكل اللحم، ويقول الثالث: وأنا أصوم ولا أفطر، فأُخْبِرَ ﵊ فقال: ﴿أما أنا فأتزوج النساء، وآكل اللحم، وأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] إذاً: فالحكمة هي: في كونه بشراً لا ملكاً. المسألة الثانية: يتيم، ليس عنده عوامل أرضية، تجعله يسود على العرب، ولذلك قال هرقل: لو كان أبوه ملكاً لقلت: رجل يطلب ملك آبائه. لقد اختاره وهو يتيم، ليس وجيهاً في قومه، ولا عنده منصب، ولم يكن ملكاً ولا صاحب ثروة، بل يتيم يخرج من مكة، لا يملك كسرة الخبز وقطعة الثوب، ثم يسيطر على ثلاثة أرباع العالم، فالحكمة هي في كونه يتيماً. والأمر الثالث: أنه أمي، يقول: مايكل هارف، وقالها جولدزيهر المجرم يقول: أنا لا أعجب من محمد كونه نبياً، فإن الله قد بعث أنبياء كثر، لكن العجب أن يبعث بعد الأربعين أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فيكون أخطب خطيب وأفصح فصيح. فيبعث ﵊ لا يقرأ ولا يكتب، كان يذهب إلى خباب بن الأرت وخباب بن الأرت، كان حداداً يصنع السيوف -يصقلها على كير- فيعلمه ﵊ الرسالة، فيقول كفار قريش: انظروا إلى محمد يذهب إلى خباب الأعجمي يتعلم منه القرآن! سبحان الله، العجم يعلمون القرآن! فيكون الرد صارخاً قوياً: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]. ذهبت مشرقة وسرت مغرباً شتان يبن مشرق ومغرب خباب أعجمي لا يستطيع نطق الحروف العربية إلا بكلفة، ومحمد عربي، وقريش تقول: يتعلم محمد من خباب القرآن، يذهب إليه ليدعوه في الصباح وبعد الغروب، في هدأة الليل، وبعد الفجر، فقال: كفار قريش: يتعلم في الصباح والمساء، ويأتي يخبرنا بهذه الأساطير من خرافات الأولين قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:٥ - ٦] لا يقرأ ولا يكتب، ولكن ما خرم من القرآن حرفاً واحداً، نزل القرآن مباشرةً على قلبه، وكذلك كان يرتجل الخطبة، ولا يلحن في كلمة، ولا يتلعثم في حرف، وهذه الكتب والعلماء والدعاة كلها ميراثه ﵊، كان يصلي بالناس، فيقول: ﴿استووا ولا تختلفوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري﴾. كان يكتشف الصفوف ويراها من وراء ظهره، ينام الليل كله، فلا ينتقض وضوءه ويقول: ﴿يا عائشة! إنها تنام عيناي ولا ينام قلبي﴾.

стр. 2230

حقيقة اتباع النبي ﷺ ومحبته هذا الرسول ﵊ يجب علينا أن نعيش معه عيشة الصادقين، لا عيشة أرباب الدنيا والأمم المتفلتة، يوم تقدس عظماءها، فإذا ماتوا لعنتهم، لكن نحن نعيش معه في أسماعنا وأبصارنا وحياتنا، يعيش معنا رحيماً قدوةً إماماً، حتى في أقل أعمالنا، وشعائرنا التعبدية نراه ﵊، نقلم الأظافر، فإذا هو القدوة، نعفي اللحى، نقصر الثياب، نقتدي به في أدب الحديث والمشي والكلام والزيارة، وأدب العيادة والدعاء، في كل ذلك يكون إمامنا هو محمد ﵊. أيها الناس: باستطاعتنا أن نحيي محبته باتباعه، لا كما يفعل بعض الجهال، يوم أحيوا ذكره في الزوايا بالغلو والرقص والنشيد، ولكن أماتوا سيرته وسنته في الواقع، أحيوا حبه ولكن أماتوا سنته ﵊، يقولون عند القبر في المدينة، كما يقول أحدهم وعنده من الخرافة والشرك ما الله به عليم: يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما وهذا شرك وخرافة، لا يريدها الله ولا رسوله ﵊، بل نحيي سيرته بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبنشر العلم في الناس، والصبر على الأذى، وبالوقوف في ساعة الردى، وبنشر الفضيلة، وقمع الرذيلة، وبنشر السنة في المجالس. فهذه هي معالم محبته ﵊. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2231

سعد بن أبي وقاص هل تعرفونه؟ رجلٌ دخل في الإسلام مبكراً، جاهد مع النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يحبه، بل وفداه بأبيه وأمه، وله من الكرامات الكثيرة منها إجابة دعوته، ومنها معركة القادسية وعبوره النهر، كان رجلاً شجاعاً اعتزل الفتنة ليلقى الله عبداً تقياً خفياً نقياً هل عرفتموه؟! إنه سعد بن أبي وقاص ﵁.

стр. 2232

ترجمة سعد بن أبي وقاص الحمد لله الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٦]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم﴾ والقائل: ﴿لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه﴾ ﵃ وأرضاهم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً أمَّا بَعْد: فمعنا اليوم: صاحبٌ من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، هذا الصاحب، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد أهل بدر الذين قال الله لهم: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ وأحد أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، فقال الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. هو خال رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿هذا خالي فليرني كلاً خاله﴾ هو سعد بن أبي وقاص، هو أبو إسحاق، مدمر امبراطورية كسرى، ومبيد جيوش الضلالة من دولة المجوس، عبدة النار، ورافع راية التوحيد على الرافدين، على دجلة والفرات. فسلامٌ على سعد بن أبي وقاص، يوم أسلم لله، وسلامٌ عليه يوم توفي ومضى لله، وسلامٌ عليه يوم يبعث حياً، وإنما المقصد من سيرة هؤلاء الامتثال، وأن يتوجه شباب الأمة وشيبها إلى التأسي بمثل هؤلاء الأبطال، فـ سعد ﵁ وأرضاه، من أولئك النفر البررة السعداء، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه: أسدٌ يقدم في يوم الوغى لا يخاف الموت إن خاف الأسد جسدٌ لفف في أسماله رحمة الله على ذاك الجسد كان ثالث ثلاثة في الإسلام، ترتيبه في الإسلام الثالث، أسلم وعمره سبع عشرة سنة، ووضع يده في يد النبي ﷺ فعاهده على أن يرفع لا إله إلا الله، وأن يعيش لا إله إلا الله، وأن ينصر لا إله إلا الله، حتى يلقى الله، فلما أسلم، غضبت أمه العجوز، الذي ما فهمت رسالة الله، ولا أتقنت ولا عرفت ما هي لا إله إلا الله، وحاولت أن تصده عن الإسلام، ولكنه رفض أن يعود خائباً إلى دين الوثنية، بعد أن بصَّره الله بالإسلام، فأضربت عن الطعام والشراب، ورفضت أن تأكل وتشرب، وأقسمت بلاتها وعزاها ألاَّ تأكل حتى تموت، فقال لها: [[يا أُماه، والله لو أن لك مائة نفس، فخرجت النفس بعد النفس ما عدتُ عن ديني حتى تموتي، فكلي أو دعي]] فلما رأت الصدق أكلت!! لقد كان ﵁ وأرضاه صادقاً مع الله، فأتى إلى رسول الله ﷺ ، ومن أول يومٍ عده ﷺ ثلث الإسلام، يقول: ﴿يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له ﷺ : يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾. إن المطعم الحلال، هو الذي يجعل المؤمن طيباً في كلامه، وصلاته، طيباً في دعائه وعبادته مع الله، ثم قال ﵊: ﴿اللهم أطب مطعمه اللهم أجب دعوته، وسدد رميته﴾. فكان إذا رمى بسهمٍ في سبيل الله لا يخطئ هذا السهم، حتى يقول علي ﵁ وأرضاه: [[رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد، والحرب تستعر، وهو يشرف على الأعداء وعلى الكفار، وسعد يرمي بالسهام، فتقع في نحور الكفار، فيقول: ارمِ سعد فداك أبي وأمي]]. فما فدى ﷺ أحداً كما فدى سعداً، فأخذ يهيل لهم، ويرميهم حتى هزمهم الله، وردهم الله على أعقابهم خائبين خاسرين، لقد عاش الجوع في أول الإسلام، يقول عن نفسه: [[والله لقد مرت عليَّ ليالٍ ثلاث، ما أكلتُ فيها أكلة، ولقد بحثتُ عن أوراق الشجر، فأكلنا ما حولنا من أوراق الشجر مع رسول الله ﷺ ، ووالله لقد ذهبتُ ليلةً دامسة ظلماء أبحث عن طعام، فما وجدت إلا جلد ميتة، فأخذت الجلد، فأحرقته على النار، ثم سحقته، ثم خلطته بماءٍ وشربته]]. ويقول ﵁ وأرضاه: [[لما توفي ﷺ ما نفضنا التراب عن قبره حتى أنكرنا قلوبنا]]. عاش وفياً مع رسول الله ﷺ ومع صاحبيه، أبي بكر وعمر، وكان ﷺ إذا رآه تبسم، وقال للصحابة: ﴿هذا خالي فليرني كلٌ خاله﴾. ولما تولى عمر ﵁ وأرضاه، خلافة الإسلام سمع أن المجوس وآل كسرى، يعدون العدة لاجتياح الجزيرة العربية، كان قصدهم إبادة الإسلام، والهجوم على عاصمة الإسلام، فنادى عمر ﵁ وأرضاه، في الصحابة وفي المسلمين استنفاراً عاماً وجهاداً في سبيل الله، وتضحيةً لرفع لا إله إلا الله، فاجتمع المسلمون، وخرج عمر ﵁ وأرضاه من المدينة ليقود الحرب الطاحنة مع فارس، وخيم حول المدينة، وخلف على المدينة بعده أبا الحسن علي بن أبي طالب فلما نزل عمر ونزل معه المسلمون في المخيمات، جلس ﵁ وأرضاه يستشير الناس، وإذا بـ علي يقدم من المدينة، فيقول عمر: [[ما أقدمك يا أبا حسن، قال: يا أمير المؤمنين! إنك إن ذهبت وقتلت في أرض فارس يوشك أن يأخذ أهل فارس بيضة الإسلام، وأن يدخلوا عاصمة الإسلام، فأرى أن تولي رجلاً بعدك يقود المعركة وأن تبقى في المدينة، فاستأنس عمر لهذا الرأي، واستشار الصحابة، فأجمعوا على رأي علي ﵁ وأرضاه، فقال عمر: فمن أستخلف إذاً؟ فذهب كل إنسانٌ في خيمته يفكر، وإذا بـ عبد الرحمن بن عوف يرفع صوته ويولول، ويقول: يا أمير المؤمنين! وجدت الأسد في براثنه، سعد بن أبي وقاص، فيقول عمر: صدقت حياً بك أهلاً وسهلاً]] فيأخذ الراية ويسلمها لـ سعد، ويوصيه بتقوى الله ويتباكى هو وسعد رضوان الله عليهم عند الفراق، ويقول له: [[ملْ معي الطريق يا سعد]]! فيميل معه، فيتباكيان فيقول ابن عوف: مالكما؟ قال عمر: تخلفنا عن رسول الله ﷺ فنخشى أن نهلك، أو أن نفتن، أو أن نرتد على أعقبانا، ثم قال له عمر: [[يا سعد! يا سعد بن وهيب! يا سعد بن أبي وقاص! لا يغرنك قول الناس: إنك خال رسول الله ﷺ ، فإن الله ليس بينه وبين أحد من عباده نسب، فاتقِ الله يا سعد! في جيش المسلمين، واتقِ الله في خاصة نفسك]] فأغض سعد ﵁ وأرضاه رأسه وطرفه وقال: [[سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين!]]. وخرج ﵁ وأرضاه معه جنود الله، مهللةً مكبرة، ليخوض القادسية وللقادسية حديثٌ آخر، ومقامٌ آخر.

стр. 2233

مواقف وعبر من القادسية ولكن نأخذ منها بعض النماذج عن أولئك النفر:

стр. 2234

مواقف عزة المؤمن لما حضر ﵁ وأرضاه خطب جيشه وكانوا ثلاثين ألفاً، وقال: [[إن العدو لا ينتصر علينا إلا بالمعاصي، فالله الله اتقوا الله وذروا المعاصي، فإنَّا إن عصينا الله غضب علينا ثم أهلكنا]] وخيَّم رستم وراء دجلة، ومدت الجسور، ليعبر أحد الجيشين، لتكون النهاية المحتومة، بين جيش لا إله إلا الله، وبين جيش الضلالة، بين الذين يريدون أن تنصر راية الله، وبين من يريد أن ينصر الباطل، ولكن أرسل رستم في الصباح، قائداً فارساً، أرسله إلى سعد: أن أرسل إليَّ أحد أصحابك، فأرسل سعد ﵁ وأرضاه ربعي بن عامر، شابٌ كالسيف، صادق كالفجر، قويٌ كالحق، عميقٌ كالصدق، وقال: [[اذهب إليهم ولا تغير من هيئتك شيئاً]]. أي: اذهب في ثيابك وفي صدقك، وفي وضوحك، ولا تغير ولا تدين لهم بكلمة، فذهب ربعي على فرسٍ هزيلٍ ضعيف عليه أسمالٌ بالية، ومعه رمح مثلم: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبالِ وربما صرنا على موج البحارِ بحارا فقدم ربعي ودخل على رستم، وإذا تيجان الذهب على رأس رستم ووزرائه، فلما رآه رستم ضحك، وقال لـ ربعي جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وبهذا الرمح المثلم، وبهذه الثياب البالية؟! فقال ربعي ورفع صوته، وأخذ صوته يدوي كالصاعقة: [[إي والله إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. وفي الصباح بدأت المعركة، ونصر الله جنده، ومدت الجسور، وأخذ سعد ينادي الكتائب أن تعبر إلى أعداء الله، فلما عبرت أول كتيبة، كان من دهاء أهل فارس عبدة النار، أن قطعوا الجسور، فوقعت أول كتيبةٍ في النهر، فغرق كثير منهم، فلما رأى سعد هذا المشهد، رفع صوته، والتفت إلى السماء، وقال: [[اللهم كن سندنا ومددنا وعضدنا، حسبنا الله ونعم الوكيل]] يا خيل الله اعبري، فلما سمعت الخيول دعاء سعد بالعبور، أخذت تتوجه وتقتحم بأنفسها في النهر، وأخذ الجيوش ينزلون فجمد الله لهم نهر دجلة، فإذا هو ليس بالثلج الذي تنزلق عليه الأقدام، وليس بالماء الذي تغوص فيه الأقدام أيضاً، فأخذوا يلتفتون ويبتسمون بعضهم في بعض، وأخذ قائدهم من ورائهم يسوقهم ويقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] فما أن وصلوا إلى عبدة النار، المجوس، إلا وعملوا فيهم بسيوف الله، فأخذ أولئك يتساقطون وراءهم في النهر ويذعنون ويُقتَلون، ويهربون ويفرون، وارتفعت لا إله إلا الله. ومضى سعد إلى مدينة المدائن عاصمتهم، فلما رأى قصر كسرى، قصر الضلالة والجهالة والبطالة والعمالة، قال سعد ودموعه تهراق تواضعاً لله: [[الله أكبر ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ * ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ * ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ * ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين﴾) [الدخان:٢٥ - ٢٨]]]. وعاد ﵁ وأرضاه فكَّوف الكوفة، وبنى تلك المدينة، وولاه عمر أميراً عليها، فكان من خيرة الأمراء، يخاف الله في رعيته، لا يشبع حتى يشبعون، ولا يرتاح حتى يرتاحون، ولا ينام حتى ينامون، يتفقدهم، ويأوي إلى ضعيفهم، وينصف مظلومهم، ولكن أهل الكوفة قومٌ غشمة ظلمة، مشاغبون، شكوه إلى عمر رضوان الله عليه وأرضاه، وقالوا: هذا سعد ظالم، لا يحسن حتى يصلي، فتبسم عمر ﵁ من هذه الكذبة التي لا تدمغها الأدمغة، ولا تهضمها واستدعى سعداً، وقال: [[يا سعد!. يا أبا إسحاق، إن أهل الكوفة، يقولون: إنك لا تحسن أن تصلي]] وتبسم الصحابة وتبسم سعد، وإذا لم يحسن سعد الصلاة، فمن يحسن الصلاة إذاً؟ وإذا لم يعرف الفقه في الدين فمن الذي يفقه في الدين إذاً؟!! فقال سعد: [[يا عجباً لأهل الكوفة!! يعيرونني بأنني لا أحسن الصلاة، والله لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا]] وصدق ﵁، فقد أدخلهم بسيفه كما تدخل قطيع الضأن في الإسلام، ولكن لما علم الله أنهم ظلمة، ابتلاهم بظالمٍ مثلهم، فابتلاهم بـ الحجاج بن يوسف الثقفي: ﴿ الجواب =٦٠٠٠٩١٧> وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]. وأرسل عمر ﵁ وأرضاه لجنةً من الصحابة يستقصون الحقائق، ويبحثون عن النتائج، فمروا بمساجد الكوفة مسجداً مسجداً، يسألون عن الصادق من الكاذب، يسألون عن سعد عن سيرته وعدله، وكلهم يثني عليه خيراً، وكلهم يمدحه، ويدعوا له، إلا رجلاً واحداً، ومع أنه كبير في السن، إلا أنه ظالمٌ غاشم، قام فقال للصحابة: أما إن سألتمونا عن سعد، فإنه لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يخرج في السرية ". فقام سعد ومد يديه إلى السماء إلى علام الغيوب، وقال: [[اللهم إن كان هذا الشيخ كاذباً قام رياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] فاستجاب الله دعوة المخلص الصادق، الذي أطاب مطعمه مع الله، والذي حصن مدخله ومخرجه مع الحي القيوم. قال أحد الرواة: والله لقد رأيت ذاك الشيخ -وهذا في صحيح البخاري - وقد أطال الله عمره، وأطال فقره، ورأيته يتعرض للجواري في سكك الكوفة، يغمزهن وقد سقط حاجباه على عينيه ويقول: شيخٌ مفتونٌ أصابتني دعوة سعد. فقد كان مستجاب الدعوة ﵁ وأرضاه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ثم خرج من المسجد، وإذا بالناس مجتمعين على رجل، فقال: ما لهم، قالوا: هذا الرجل يسب علي بن أبي طالب، فالتفت إليه سعد وقال: لا تسب أخي علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول له: ﴿أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي﴾ فقال الرجل: والله لأسبنه، فقال سعد: والله لأدعون عليك، قال: ومن أنت حتى يجيب الله دعاءك؟! فتوضأ سعد، وصلى ركعتين، ورفع يديه، وقال: [[اللهم أرنا فيه عجائب صنعك]] وما انتهى من دعائه إلا بجملٍ شرود أقبل من الكوفة لا يلوي على شيء، كأنه يبحث عن شيء، والناس يفرون من طريقه، حتى أتى إلى هذا الرجل، فضربه برجله، فإذا هو ميت. فقال سعد: [[الحمد لله الذي أرانا فيه آيته الظاهرة]].

стр. 2235

موقف المؤمن من الفتن وعاد ﵁ وأرضاه إلى المدينة بعد أن توفي عمر، ولما بدأ الخلاف بين الصحابة، في عهد علي ومعاوية رضوان الله عليهم جميعاً، اعتزل الفتنة، وخرج إلى الصحراء ﵁ وأرضاه، ترك الدنيا وهي مقبلةٌ إليه، ترك زينتها وزخرفها، وترك كل ما يمت إلى الدنيا، وقد أدى مهمته في الحياة ورسالته، ونصب له خيمةً في الصحراء، أما نهاره فصيام، وأما ليله فقيام، يسبح الله في الصباح والمساء، لا يفتر عن ذكر الله، معه قطيعٌ من الغنم، استغنى بما عنده من التقوى والزهد وعبادة الله عن الدنيا، وترك الفتنة لأصحابها والباحثين عنها، وجاءه ابنه عمر وقال: [[يا أبي يتقاتل الناس على الملك، وأنت في هذه الصحراء، قال: يا بنيَّ! والله إني أولى بالخلافة مني ببردي هذا، ولكني تركتها خوفاً من الله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي﴾]]. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً فإني أعظمكم ثروةً وإن خلتموني وحيداً سليباً وأتاه الموت في الصحراء، فمات كما يموت الناس، ولكن عمله محفوظ عند الله!!: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠] يجد عمله وإخلاصه وصدقه عند الله، الذي لا تضيع ودائعه، عند علام الغيوب، الذي يثيب بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة. وحضرته الوفاة، واقتربت ابنته عائشة منه، وكانت تبكي وتقول: [[يا أبي!! أتموت هنا وحدك في الصحراء بعد صحبة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر؟!! فقال لها: لا تبكي علي فوالله إني من أهل الجنة]]. قال الذهبي معلقاً: صدق ﵁ وأرضاه، فهنيئاً له، ومريئاً، نُشهد الله ونُدين الله بأنه من أهل الجنة، وارتفعت جنازته إلى المدينة ليصلى عليها هناك، وخرج الصحابة يتباكون، ويقولون: رضي الله عنك يا أبا إسحاق! عشت حميداً، ومت حميداً وتلقى الله يوم القيامة سعيداً، وخرج أزواج رسول الله ﷺ متحجباتٍ من الحجرات يبكين، ويقلنَ: [[مروا بـ سعد علينا سقى الله سعداً من سلسبيل الجنة نصلي عليه]] فمروا به عليهن بعد أن صلوا عليه، فصلين عليه كذلك ودعون له، ووقف أحد الصحابة على جثمان سعد، وهو في أكفانه وقال: [[والله ما أعلم أشجع منك، والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ كعملك، ذهبت عن الفتنة نظيفاً سليماً رضي الله عنك وأرضاك]] رضي الله عنكم يا أصحاب محمد ورضي الله عنكم يا من اتبع محمداً ﷺ : كن كالصحابة في زهدٍ وفي ورعٍ القوم هم مالهم في الناس أشباهُ عبادُ ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه وأسدُ غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2236

دروس وعبر من حياة سعد بن أبي وقاص ﵁ الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، ورسول رب العالمين، وحجة الله على الناس أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أمَّا بَعْد: فمن سيرة هذا الإمام الكبير نأخذُ دروساً في الحياة: أولها: من موقفه مع أمه يوم رفضت أن تسلم، وأضربت عن الطعام والشراب، فرفض هو أن يعود عن دينه، نأخذ من ذلك ألا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وأن بر الوالدين شيء، وطاعة الله شيءٌ آخر، وأنه لا يطاع مخلوقٌ في معصية الله، مهما كان هذا المخلوق، من أبٍ أو أمٍ أو مسئولٍ أو معتمد، فإن الله ، هو الذي يطاع بحقٍ، فلا ينبغي لأحدٍ من الناس أن يطيع والديه في معصية الله، بل يصاحبهما في الدنيا معروفاً، ويحسن صحبتهما، ولكن لا يتبعهما على ما أرادا من ضلالةٍ أو معصية، أو مخالفة، فعلى المسلم أن يكون دائماً ثابتاً، كما فعل سعد بن أبي وقاص مع أمه، وقال لها: [[والله لو كان لك مائة نفس، فخرجت الواحدة تلو الأخرى ما رجعت عن ديني فكلي أو دعي]]. والدرس الثاني: أن المطعم الحلال هو من أسباب إجابة الدعوة، وأن الله ، لا يقبل دعاء رجلٍ إلا إذا أحسن مطعمه، وكان مطعمه حلالاً، ولذلك ذكر ﷺ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: ﴿الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له﴾. أي: كيف يستجيب الله له وقد دنس مطعمه، نأخذ ذلك من قوله ﷺ لـ سعد: ﴿أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾ فاللقمة الحلال هي من أسباب إجابة الدعاء وإصلاح الذرية والنية والطوية، ولذلك يقول ﵊، كما في صحيح مسلم عن جابر: ﴿لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم في الإثم سواء﴾ لأن عمله مردودٌ عليه، ونأخذ من موقفه ﵁ وأرضاه في الفتنة، واعتزاله للفتنة، وتركه الخوض فيما خاض فيه غيره من الناس، موقفاً ودرساً، وفائدةً لا ينساها المسلم وهو أن من علامات المسلم ومن خصائصه أنه إذا حدث حادثٌ في الناس أو وقع اختلافٌ بين الأمة، أو وقعت مشاكل وحوادث، لا تخدم الدين، وإنما تشتت كلمة المسلمين وتفرق جمع المؤمنين، أن على المسلم أن يعتزل هذه الحوادث، والمشارب، وهذه المشاكل، وليبق في بيته، وليكن حلساً من أحلاس بيته، لا يخرج إلا لصلاة، أو لجمعٍ مبارك، أو لفائدة يستفيدها، فـ سعد ﵁ وأرضاه اعتزل الفتنة لما رأى الحوادث المدلهمة والفتن التي تعم الأمة، وتركها وجلس في بيته ﵁ وأرضاه، فإن الذي يحب الفتن، ويستوشي الأخبار والحوادث، ويحب الزعازع والقلاقل، رجلٌ فيه نفاق، مريضٌ قلبه، مريضةٌ روحه، لا يربو ولا يعشعش ولا يفرخ إلا على الكوارث والحوادث، أما سليم القلب، والذي يريد الخير للمسلمين فإن كان هناك جمعٌ مبارك، ونصرة، وتأليفٌ للكلمة شارك، وإن كان هناك خلاف، وحدثٌ وزلازل ومحن اعتزل، وهذا هو المؤمن الحق. عباد الله فبمثل أصحاب محمد ﷺ اقتدوا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] وعلى منهاجهم سيروا، وبأخبارهم نفسوا وعطروا مجالسكم، وعلى ضوءٍ من سيرتهم استضيئوا، في ظلام الحوادث الدامس، وفي ليل الفتن المدلهم، نسأل الله لنا ولكم الثبات والاستقامة حتى نلقاه. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة، صلَّى الله عليه بها عشرا﴾ اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع رايتك وانصر كتابك، وأيد سنة نبيك ﷺ ، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ألهمه رشده، وخذ بيده لما تحبه وترضاه يا رب العالمين! اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاةُ خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنةٍ مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي الفلبين، وفي كل بلاد من بلادك يا رب العالمين! اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم أفض عليهم روحاً من روحك، ويقيناً من يقينك، ووفقهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين! ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2237

سؤالات واستفسارات عن الرسالة والرسول إن من دلائل رسالة الإسلام شهادة العقلاء على أنه حق، ومما يستوقف الناظر في صحيح البخاري حديث المحاورة الشهيرة بين هرقل وأبي سفيان التي تصل القمة في روعتها عند قول هرقل: (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) والحق ما شهدت به الأعداء، وفي هذه المادة تفصيل وبيان لهذه المحاورة الجميلة.

стр. 2238

هرقل يحاور أبا سفيان الحمد لله القائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٧ - ١١٢]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس: فهذه مناظرة حارة ومقابلة ساخنة بين أبي سفيان؛ قائد المشركين في حروبهم مع رسول الله ﷺ ، وبين هرقل؛ ملك الروم، وعظيم الروم. عنوان هذه المحاضرة: سؤالات واستفسارات عن الرسالة والرسول ﷺ . ولنستمع إلى أبي سفيان وهو يروي القصة وهي في صحيح البخاري، كتاب الإيمان. يقول: كنا في المدة التي ماددنا فيها رسول الله ﷺ -يقصد الصلح الذي وقع في الحديبية سنة ٦هـ- فخرجنا تجاراً إلى الشام، وبينما نحن في تجارتنا في سوقٍ من أسواق الشام، وإذا بجنود هرقل يطلبوننا، وهم يسألون في السوق: هل هنا في السوق أحدٌ من العرب؟ فدلهم الناس علينا، فألقوا القبض علينا وذهبوا بنا وأدخلونا على ملك الروم، وإذا حوله البطارقة والقساوسة والوزراء وقواد جيشه وقد اكتظ بهم المكان. قال أبو سفيان: فقال هرقل: من منكم أقرب الناس نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ -يقصد الرسول ﷺ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً. -وهذا الكلام يجري عن طريق الترجمة، والمترجم يترجم العربية لـ هرقل ويترجم لغة هرقل لـ أبي سفيان - قال: اجلس أمامي، قال: فأجلسني أمامه. ثم دعا برفقتي فأجلسهم خلفي، ثم قال لهم: إني سائل هذا الرجل عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه يقول هرقل: إن افترى عليَّ ودجل فكذبوه حتى يعرف الكاذب. وقد صدق أنه من أقرب الناس نسباً لرسول الله ﷺ ؛ فهو من عبد شمس والرسول ﵊ من بني هاشم. فقال أبو سفيان: فوالله لولا أن يتحدثوا عني بالكذب لكذبت عليه؛ لأنهم لن يكذبوه وهو منهم وهو سيدهم. فسأله السؤال الأول: كيف نسبه فيكم؟ أي: الرسول ﵊. قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. وصدق فما هناك في العرب، بل في المعمورة، بل في الكرة الأرضية، أرفع نسباً، وأطهر محتداً، وأشرف مولداً من الرسول ﵊. ثم قال: هل كان من آبائه ملكاً؟ أي: على العرب. قال: لا. وصدق أبو سفيان فليس من آبائه ﷺ من ملك، ولكنهم سادة كرماء أشراف. قال: فهل قال أحدٌ هذا القول قبله منكم؟ قال: لا. وصدق فإنها لا تعرف هذه المقالة في العرب. فقال هرقل: أأشراف الناس يتبعونه على دينه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: أيرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً عليه؟ قال: لا، لا يرتد أحدٌ منهم بعد أن يدخل دينه. فقال: أقاتلتموه؟ قال: نعم، قاتلناه. قال: كيف قتالكم معه؟ قال: يدال علينا ونديل عليه، فالحرب سجال، مرةً يغلبنا ومرةً نغلبه. قال: فهل يغدر؟ قال: لا، ونحن منه في مدة لا ندري هل يغدر أم لا. قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل بها عليه إلا هذه الكلمة، فهو يريد أن يقدح في الرسول ﵊، لأنهم أعداء؛ ولكنه ما استطاع، وما وجد فرصة في القدح فيه ﷺ . ثم قال هرقل: بم يأمركم؟ قال: يأمرنا بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. قال: فهل جربتم عليه كذباً؟ قال: لا.

стр. 2239

استنتاجات هرقل انتهت هذه الأسئلة؛ وهي أحد عشر سؤالاً من أعظم الأسئلة في الرسالة، دلت على عظم عقل ذاك الملك الذي سألها، ودلت على صدق أبي سفيان الذي أجاب عليها فإليكموها بالتفصيل، والذي يفصلها هرقل. ثم قال لهم: إني سألتكم عن نسبه، فقلتم: إنه فيكم ذو نسب، والله عزوجل يبعث الأنبياء في نسب من قومها. فنسبه ﷺ أرفع نسب: نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً قال: وسألتك: هل قال أحد هذه المقالة قبله؟ فقلتَ: لا، فقلتُ: لو أنه قال أحد هذه المقالة لقلت رجلٌ يقلد غيره. وقلت لي: إنه ليس في آبائه من ملك؛ فلو كان من آبائه ملك، لقلت: رجلٌ يطلب ملك آبائه، ومجدهم وتراثهم. فلم يكن من آبائه ملك؛ لأن العرب في الجاهلية تطلب ملك آبائها ومجدها؛ حتى تريق في ذلك الدم الأحمر، أما سمعتم ل امرئ القيس يوم قال: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي أي: أنه يطلب ملك آبائه. ثم قال هرقل: وسألتك: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلت: ضعفاؤهم؛ فعلمت أنه دين من عند الله، فإن الضعفاء أتباع الرسل. وأول من يستجيب لدعوة الله هم الضعفاء والمساكين، وأول من يعادي الرسل هم المترفون؛ لأن فيها إضراراً بمصالحهم ودكتاتورياتهم في المجتمعات، فهم ينصبون لها العداء وهذا الدين للمستضعفين وللسادة سيان، فهو يساوي بين الأحمر والأسود، وبين الغني والفقير، وبين الكبير والصغير، وميزانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] يرفع بلال بن رباح العبد المولى، فيجعله سيداً من سادات المسلمين، ويبني الله له قصراً أبيض كالربابة في الجنة، ويخسئ هذا الدين أبا جهل؛ وهو فطحلٌ، صنديد من صناديد المشركين، ويخسئ أبا لهب؛ عم رسول الله ﷺ ؛ لأنه عارض هذا الدين. إذاً: فهو يقرب الضعيف لتقواه، ويرفع المسكين لمحبته لربه ومولاه، ويخسئ الفاجر المتكبر ولو كان صدراً وسيداً في قومه. ثم قال: فقلت لك: أيزيدون أم ينقصون؟ فقلت لي: بل يزيدون؛ فعلمت أن هذا الدين سوف يستمر، وأن اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام يزيدون. ثم قلت لك: هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقلت لي: لا؛ وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب. إنه دينٌ تحبه القلوب، وترتاح له الأرواح. إنه دينٌ محبوب، إذا أدخله الله في قلب العبد، فلو أعطى له كنوز الدنيا، وخزائنها ذهباً وفضة على أن يعود عن دينه ما عاد طرفة عين؛ إذا ذاق حلاوة الإيمان، لا يعود عن دينه ولو يقذف في النار، فبشاشة الإيمان إذا دخلت في القلب لا ينتكس صاحبها، ولا يشتري الضلالة بالهدى، ولا الغي بالرشاد، ولا الظلام بالنور: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وقوله عز من قائل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. ثم قال: وسألتك: هل جربتم عليه كذباً؟ فقلت لي: لا؛ فوالله ما كان له أن يدع الكذب عليكم ويكذب على الله. فهو ليس كذاباً، وما وجهه بوجه كذاب، بل هو صادق: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. ثم قال: وسألتك: هل قاتلتموه؟ فقلت: نعم، تُغلبون تديلون وتدالون؛ وكذلك الرسل تبتلى حتى تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ قلت: لا؛ وكذلك الأنبياء لا تغدر. ومحمد ﷺ لا يكذب ولا يغدر. وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها فهو لا يكذب لأنه شجاع، ولا يجبن لأنه صادق. قال: وسألتك: بماذا يأمركم؟ فأخبرتني أنه يأمركم بعبادة الله، وبالصلاة والصدق والعفاف والصلة؛ وهذه دعوة الرسل. ثم قال هرقل لـ أبي سفيان: وقد كنت أعلم أنه سوف يملك مكان قدمي هاتين. وصدق هرقل فما هي إلا خمسٌ وعشرون سنة، وإذا بكتائبه ﷺ تتدفق كأمواج البحر، عليها قيادة أبي سليمان؛ سيف الله المسلول، خالد بن الوليد يخوض المعركة، ويرفع لا إله إلا الله، وإذا بـ هرقل يولي الأدبار، وينظر إلى قصره في الشام، ويقول: سلامٌ عليك يا سورية، لا لقاء بعد اليوم. ويدخل خالد، ويجلس على سريره ويقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٨]. قال هرقل: ولو كنت أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه أي لسافرت إليه في المدينة لكنه يخاف من قومه ومن شعبه ومن دولته أن يقتلوه. وقال: ولو كنت عنده؛ لغسلت الغبار عن قدميه.

стр. 2240

نص رسالة النبي ﷺ إلى هرقل ثم توقف أبو سفيان وتوقف هرقل، وسكتت البطارقة والقساوسة، وخفض القواد والوزراء رءوسهم في صمت، وإذا بطارق يطرق القصر، فخرج أحد الحجبة وقال: من أنت؟ قال: أنا دحية بن خليفة الكلبي، أحد أصحاب رسول الله ﷺ ، معي رسالة من رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم. قال أبو سفيان: فأدخلت الرسالة، وتناولها القواد سريعاً حتى وصلت إلى هرقل، فنظر فيها ثم دفعها إلى الترجمان، قال: اقرأها علينا. قال فرفع صوته وقرأ، وهذا نص الرسالة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم؛ السلام على من اتبع الهدى، أمَّا بَعْد: فأسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]﴾ فلما انتهت الرسالة وترجمت، قال أبو سفيان: كثر اللغط، وارتفعت الأصوات، واحتدمت الضجة، واختلط الناس، فأخرجنا الجنود من القصر، فقلت في نفسي: لقد أَمِرَ -أي: قوي- أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر أي: ملك الروم. وعاد أبو سفيان، وأسلم بعض الروم بهذه الرسالة، وارتفعت دعوته ﷺ .

стр. 2241

ما يستفاد من المحاورة ويؤخذ من هذه المقابلة والمحاورة أمور: الأول: أن هذه الرسالة صادقةٌ صدقها الأعداء قبل الأصدقاء,. شهد الأنام بفضله حتى العدا والحق ما شهدت به الأعداء الأمر الثاني: أنه لا هداية، ولا نور، ولا فلاح إلا فيها، ومن اعتقد الفلاح في غيرها؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. الأمر الثالث: أنها عامة، وأنها عالمية، من لم يدخل فيها فلا قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا فتح له أبواب الجنة. الأمر الرابع: أن الأتقى هو الأشرف في الرسالة، وهو الأقدم والأوسم والأعظم، فلا ميزة لغني عن فقير، ولا لنسيب عن مسكين، وإنما الميزة لمن عمل بهذه الرسالة واتقى الله فيها. الأمر الخامس: أنه ينبغي تبليغها للناس كافة؛ ملوكاً ومملوكين، كباراً وصغاراً، أغنياء وفقراء، لأنها رسالة لأهل الأرض جميعاً. الأمر السادس: أن على المسلم أن يتذوق حلاوة الإيمان؛ ليثبت الله الإيمان في قلبه، ويؤيده بروح منه، ويكتب هذا الدين في فؤاده ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. الأمر السابع: أن الله نشر هذه الدعوة كما نشر الليل والنهار، فصارت مشرقة ومغربة، فانطفأت بشموسها أقمار ضلالة الأصنام، ونجوم عملاء الضلالة إلى أن تهاون المسلمون برسالتهم: من الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2242

واجبات المسلم تجاه رسالته الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، وقدوة السالكين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله: من أراد أن ينقذ نفسه من الضلالة، وأن ينقذ نفسه من غضب الله ولعنته ومقته فليقبل على رسالة محمد ﷺ ، ويدمن النظر في سطورها، وليتعلمها ويتفقه فيها، فإن واجب المسلم نحو رسالته ﷺ ثلاث واجبات: الواجب الأول: أن يعتقد أنها صادقة، وأنها حق وصحيحة، وأن النجاة والفلاح فيها لا في سواها؛ ومن اعتقد أن الخير في سواها فهذا رجل ختم الله على سمعه، وطبع على قلبه، وأخزاه ولعنه ومقته، وجعله من أهل النار، ولا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً يوم القيامة. أوصد الله أبواب الجنة وأغلقها فلا تفتح لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ إلا من طريقه، فمن اعتقد أن غير طريقه سليمة، ومؤدية إلى رحمة الله؛ فقد ضل وشقي وخسئ في الدنيا والآخرة، عليه الخزي من الله والعار والشنار والنار. الواجب الثاني: أن يعمل وأن يعتقد أنها شرف له؛ فيطبقها في حياته، ويأخذ السنة بحذافيرها، فلا يأخذ شيئاً منها ويدع شيئاً آخر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]: يا مدعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطِّرحها وخذ رجس الشياطينا فواجب المسلم أن يأتي إلى هذه السنة، فيطبقها في بيته وفي نفسه ظاهراً وباطناً، فهذا هو النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وأن يتشرف بأنه ينتسب إلى رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. الواجب الثالث: أن ينشرها بين الناس، وأن ينصرها ويوزع هدايتها في بيوت الناس، وفي أنديتهم ومحافلهم، وأن يفرح أن السنة تُعلَّم، وتُدرس، وتُنشر، وإذا لم يكن ناصراً للسنة فلا يكن عدواً لها ولا حجر عثرة في طريقها، ولا واقفاً ضدها، بل يتشرف بأنها تدرس وتعلم وتفقه، فهذا واجب المسلم.

стр. 2243

قصة جذع النخلة ودلالتها جاء في صحيح البخاري عن جابر ﵁ وأرضاه، قال: قال ﵊ لامرأة من الأنصار: ﴿مري غلامك النجار أن يصنع لي منبراً أخطب الناس عليه. فصنع ذاك الغلام له ﷺ منبراً، فأتى ﵊، وهجر الجذع الذي كان يخطب عليه سابقاً -جذع نخلة- وأخذ هذا المنبر، فلما رقى على هذا المنبر وصعد عليه، وترك ذاك الجذع؛ حنَّ ذاك الجذع وبكى، قال جابر: والله لقد سمعنا له صوتاً كصوت العشار -أي: النوق- وقال أنس: والله لقد سمعنا له بكاءً كبكاء الأطفال في المسجد -شهد هذه القصة أكثر من ألف من صحابة رسول الله ﷺ ثم نزل ﵊ من على منبره، وقطع خطبته، وأتى إلى الجذع فوضع يده عليه يقرأ عليه، ويسمي عليه، ويدهده عليه كما يدهده على الأطفال حتى سكت﴾ قال الحسن البصري: [[يا عجباً لكم! جذعٌ من نخلة يحن لسنة رسول الله ﷺ وأنتم لا تحنون لسنته]]. إن واجبنا في الرجوع إلى الله في هذه الأيام -وفي عودة المسلمين- أن نأتي بحرارة إلى كتب السنة بعد القرآن، ونترك تلك الثقافات الدخيلة التي شوشت قلوبنا، ولعبت بعقولنا، وضيعت أوقاتنا الثقافات التي صدرها نابليون في حملاته، وكانت وديكارت؛ فأخرجت جيلاً ليسوا بجيلٍ كجيل الصحابة، وثقافات مشوهة فلابد أن نعود إلى المنبع العذب الصافي؛ منبع محمد ﷺ . نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا فلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولم نلقاكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم اقطع دابرهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، والعنهم لعنة تدخل معهم في قبورهم يا رب العالمين. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتأخذ بيده إلى الصواب. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك؛ في برك وبحرك. اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي الفلبين وفي كل بلد من أرضك يا رب العالمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2244

المرأة المثالية (لا بد أن تتحرر المرأة بأن تخرج إلى الأسواق وتخلع الحجاب وتشارك الرجال في كل شيء). هذا ما ينادي به أهل الفجور والإلحاد، ينادون بهذا الكلام الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. والدين الإسلامي يريد من المرأة أن تكون درة مصونة، لا تعبث بها الأيادي القذرة. وعلى المرأة أن تدعو إلى الله في حدود ما تستطيع وما هو جائز لها، وعليها أن تحافظ على شرفها.

стр. 2245

المرأة مربية الأجيال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكن ورحمة الله وبركاته، فرصة طيبة، ولقاء سانح أن يتكلم المسلم مع أخواته، مع أمهات الجيل مربيات الأبطال والشهداء والأدباء والعلماء، فالمرأة المسلمة يوم تعي خطاب ربها وما يراد منها في الحياة الدنيا تكون امرأة مثالية، والمرأة المثالية عنوان كلمتي هذا اليوم التي توجه إلى كل أم وأخت وقريبة مسلمة. المرأة المسلمة في القرآن ذكرها مع الرجل، فهن شقائق الرجال، قال الله لما ذكر الصالحين والصالحات: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] وذكر النساء بعد الرجال فقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الآيات ِ) [الأحزاب:٣٥].
следующие страницы →