Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
ما يستفاد من المحاورة
ويؤخذ من هذه المقابلة والمحاورة أمور:
الأول: أن هذه الرسالة صادقةٌ صدقها الأعداء قبل الأصدقاء,.
شهد الأنام بفضله حتى العدا والحق ما شهدت به الأعداء
الأمر الثاني: أنه لا هداية، ولا نور، ولا فلاح إلا فيها، ومن اعتقد الفلاح في غيرها؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
الأمر الثالث: أنها عامة، وأنها عالمية، من لم يدخل فيها فلا قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا فتح له أبواب الجنة.
الأمر الرابع: أن الأتقى هو الأشرف في الرسالة، وهو الأقدم والأوسم والأعظم، فلا ميزة لغني عن فقير، ولا لنسيب عن مسكين، وإنما الميزة لمن عمل بهذه الرسالة واتقى الله فيها.
الأمر الخامس: أنه ينبغي تبليغها للناس كافة؛ ملوكاً ومملوكين، كباراً وصغاراً، أغنياء وفقراء، لأنها رسالة لأهل الأرض جميعاً.
الأمر السادس: أن على المسلم أن يتذوق حلاوة الإيمان؛ ليثبت الله الإيمان في قلبه، ويؤيده بروح منه، ويكتب هذا الدين في فؤاده ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
الأمر السابع: أن الله نشر هذه الدعوة كما نشر الليل والنهار، فصارت مشرقة ومغربة، فانطفأت بشموسها أقمار ضلالة الأصنام، ونجوم عملاء الضلالة إلى أن تهاون المسلمون برسالتهم:
من الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2242
واجبات المسلم تجاه رسالته
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، وقدوة السالكين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: من أراد أن ينقذ نفسه من الضلالة، وأن ينقذ نفسه من غضب الله ولعنته ومقته فليقبل على رسالة محمد ﷺ ، ويدمن النظر في سطورها، وليتعلمها ويتفقه فيها، فإن واجب المسلم نحو رسالته ﷺ ثلاث واجبات:
الواجب الأول: أن يعتقد أنها صادقة، وأنها حق وصحيحة، وأن النجاة والفلاح فيها لا في سواها؛ ومن اعتقد أن الخير في سواها فهذا رجل ختم الله على سمعه، وطبع على قلبه، وأخزاه ولعنه ومقته، وجعله من أهل النار، ولا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً يوم القيامة.
أوصد الله أبواب الجنة وأغلقها فلا تفتح لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ إلا من طريقه، فمن اعتقد أن غير طريقه سليمة، ومؤدية إلى رحمة الله؛ فقد ضل وشقي وخسئ في الدنيا والآخرة، عليه الخزي من الله والعار والشنار والنار.
الواجب الثاني: أن يعمل وأن يعتقد أنها شرف له؛ فيطبقها في حياته، ويأخذ السنة بحذافيرها، فلا يأخذ شيئاً منها ويدع شيئاً آخر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]:
يا مدعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطِّرحها وخذ رجس الشياطينا
فواجب المسلم أن يأتي إلى هذه السنة، فيطبقها في بيته وفي نفسه ظاهراً وباطناً، فهذا هو النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وأن يتشرف بأنه ينتسب إلى رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
الواجب الثالث: أن ينشرها بين الناس، وأن ينصرها ويوزع هدايتها في بيوت الناس، وفي أنديتهم ومحافلهم، وأن يفرح أن السنة تُعلَّم، وتُدرس، وتُنشر، وإذا لم يكن ناصراً للسنة فلا يكن عدواً لها ولا حجر عثرة في طريقها، ولا واقفاً ضدها، بل يتشرف بأنها تدرس وتعلم وتفقه، فهذا واجب المسلم.
стр. 2243
قصة جذع النخلة ودلالتها
جاء في صحيح البخاري عن جابر ﵁ وأرضاه، قال: قال ﵊ لامرأة من الأنصار: ﴿مري غلامك النجار أن يصنع لي منبراً أخطب الناس عليه.
فصنع ذاك الغلام له ﷺ منبراً، فأتى ﵊، وهجر الجذع الذي كان يخطب عليه سابقاً -جذع نخلة- وأخذ هذا المنبر، فلما رقى على هذا المنبر وصعد عليه، وترك ذاك الجذع؛ حنَّ ذاك الجذع وبكى، قال جابر: والله لقد سمعنا له صوتاً كصوت العشار -أي: النوق- وقال أنس: والله لقد سمعنا له بكاءً كبكاء الأطفال في المسجد -شهد هذه القصة أكثر من ألف من صحابة رسول الله ﷺ ثم نزل ﵊ من على منبره، وقطع خطبته، وأتى إلى الجذع فوضع يده عليه يقرأ عليه، ويسمي عليه، ويدهده عليه كما يدهده على الأطفال حتى سكت﴾
قال الحسن البصري: [[يا عجباً لكم! جذعٌ من نخلة يحن لسنة رسول الله ﷺ وأنتم لا تحنون لسنته]].
إن واجبنا في الرجوع إلى الله في هذه الأيام -وفي عودة المسلمين- أن نأتي بحرارة إلى كتب السنة بعد القرآن، ونترك تلك الثقافات الدخيلة التي شوشت قلوبنا، ولعبت بعقولنا، وضيعت أوقاتنا الثقافات التي صدرها نابليون في حملاته، وكانت وديكارت؛ فأخرجت جيلاً ليسوا بجيلٍ كجيل الصحابة، وثقافات مشوهة فلابد أن نعود إلى المنبع العذب الصافي؛ منبع محمد ﷺ .
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
فلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا
ولم نلقاكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم اقطع دابرهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، والعنهم لعنة تدخل معهم في قبورهم يا رب العالمين.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتأخذ بيده إلى الصواب.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك؛ في برك وبحرك.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي الفلبين وفي كل بلد من أرضك يا رب العالمين.
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2244
المرأة المثالية
(لا بد أن تتحرر المرأة بأن تخرج إلى الأسواق وتخلع الحجاب وتشارك الرجال في كل شيء).
هذا ما ينادي به أهل الفجور والإلحاد، ينادون بهذا الكلام الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
والدين الإسلامي يريد من المرأة أن تكون درة مصونة، لا تعبث بها الأيادي القذرة.
وعلى المرأة أن تدعو إلى الله في حدود ما تستطيع وما هو جائز لها، وعليها أن تحافظ على شرفها.
стр. 2245
المرأة مربية الأجيال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكن ورحمة الله وبركاته، فرصة طيبة، ولقاء سانح أن يتكلم المسلم مع أخواته، مع أمهات الجيل مربيات الأبطال والشهداء والأدباء والعلماء، فالمرأة المسلمة يوم تعي خطاب ربها وما يراد منها في الحياة الدنيا تكون امرأة مثالية، والمرأة المثالية عنوان كلمتي هذا اليوم التي توجه إلى كل أم وأخت وقريبة مسلمة.
المرأة المسلمة في القرآن ذكرها مع الرجل، فهن شقائق الرجال، قال الله لما ذكر الصالحين والصالحات: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] وذكر النساء بعد الرجال فقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الآيات ِ) [الأحزاب:٣٥].
стр. 2246
أهم ما يطلب من المرأة
إذا علم ذلك فلا بد أيتها المسلمة! أيتها المتعلمة أيتها التي تريد الحياة السعيدة! أن تعرفي ماذا يراد منك لهذا الدين.
أول ما يراد هو الإيمان؛ كيف نحمله وكيف نعيش به، وحياة بلا إيمان إنما هي غضب وسحق ولعنة وسخط، قال عز من قائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] عاشت آسية امرأة فرعون ﵂ وأرضاها ولعن الله فرعون، عاشت في قصره، ومعه الذهب والفضة ومعه ملك الدنيا وتراثها وثراؤها، فلما رأت حياته حياة الكفر والضلال، وحياة الضياع والمعصية، وحياة اللعنة والغضب؛ أعرضت عن هذه الحياة، وملت حياة قصر فرعون وهي زوجته، فأخذت تشهد ألا إله إلا الله وأخذت تسأل الله أن يزيلها من هذا الملك الضيق إلى ملك الآخرة، وهي تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فاستجاب الله دعوتها.
يقول بعض العلماء: انظر إليها ﵍ كيف طلبت الجار قبل الدار، قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ [التحريم:١١] أي: في جوارك وفي جنتك ﴿بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فلما سمع أنها آمنت عذبها بكل عذاب، حتى ذكر أهل السير أنه بلغ من تعذيبه أن ينصب عليها الحجارة في شدة الحر، وأن يسمر كفوفها على الجدران، وكانت الملائكة تظلها بأجنحتها ﵍، وانتقلت إلى الدار الآخرة لأنها رفضت حياة الضياع؛ الحياة الباطلة الآثمة.
стр. 2247
اعتناء الدين بالمرأة
والرسول ﷺ أتى إلى المرأة أباً وزوجاً وأخاً ومعلماً ﵊، ربَّّى البنات، ورزقه من البنات أكثر من البنين، فكان ﷺ لا يسافر سفراً إلا بدأ ببناته، فيودعهن ويعيش معهن، ويلاحظ أمورهن، بل قال ﵊: ﴿من عال جاريتين فأحسن أدبهما ورباهما فهو رفيقي في الجنة﴾ أو كما قال، وقال ﷺ : ﴿الله الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم﴾ وقال ﵊: ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾.
ومما يذكر في هذا الباب كيف ربى ﷺ بنته المجيدة فاطمة الزهراء، رباها في بيت الحكمة والنبوة، تدرجت معه ﷺ فأرضعها الإسلام والدين والقرآن، ثم زوجها من علي بن أبي طالب على شيء لا يذكر من المهر، على درع حطمية مكسرة، يقول علي: ﴿وفدت على الرسول ﷺ لأخطب ابنته، فلما جلست أمامه أتى بي من الخجل ما الله به عليم، فما تكلمت، فقال: يا علي ماذا تريد؟ فسكت، قال: أتريد فاطمة، قلت: نعم.
يا رسول الله! قال: عندك مال؟ قلت: يا رسول الله! وهل من مال عندي، قال: أين درعك الحطمية؟﴾ وهي درع لا تساوي درهمين، فأتى بها ﵁ وأرضاه، وزوجه النبي ﷺ قرة عينه، فاطمة الزهراء.
يقول محمد إقبال شاعر الباكستان في فاطمة يقول:
هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها
أما أبوها فهو أشرف مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها
وعلي زوج لا تسل عنه فما أزكى شمائله وما أنداها
إيوانه كوخ وكنز ثرائه سيف غدا بيمينه تياها
وعاشت ﵂ وأرضاها في حياة الفقر والمسكنة؛ لكنها تحمل الإيمان والعمل الصالح، تعلم أن ما عند الله خير من الدنيا، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] والله يقول في هذه الحياة: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] إذا علم هذا فإنني أطالب أختي المسلمة التي تسمع هذا الحديث أن تتقي الله في حياتها وفي مستقبلها، وأن تعمر قلبها وبيتها بالإيمان:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
стр. 2248
نماذج من نساء المؤمنين
وأما في هذه الفقرة فمع طائفة من المسلمات اللواتي حفلن بطاعة الله ، وعشن في رضا الله ﵎.
أم سليم، وهي أم أنس ﵂ وأرضاها؛ التي يقول فيها الرسول ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة، فرأيت الرميصاء في الجنة﴾ أتى أبو طلحة ليتزوجها وقد أسلمت وهو مشرك كافر، فأراد أن يتزوجها فقالت: [[لا والله حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهذا مهرٌ يكفيني من الدنيا]] فأسلم معها، وكان مهرها الإسلام، فكان مهرها أعظم مهر في تاريخ الإنسان، وعاشت هذه المرأة مع رسول الله ﷺ ، أهدت له أعظم شيء في حياتها، وأحب شيء إليها وهو ابنها أنس طيبته وغسلته وعمره عشر سنوات وقالت: [[يا رسول الله! هذا أنس يخدمك، فهو هدية لك يا رسول الله]].
الخنساء النخعية، ربت أربعة أبناء لها، فلما كبروا حضرت بهم معركة القادسية، وقالت لأبنائها: "يا أبنائي والذي نفسي بيده إنكم أبناء رجل واحد، ما غدرت أباكم، ولا خنت خالكم، فإذا حضرت المعركة فيمموا أبطالها، واحضروا وطيسها وكونوا شهداء ".
وقتلوا في آخر النهار، وأتى الخبر إليها فتبسمت وقالت: "الحمد لله الذي أقر عيني بشهادتهم في سبيل الله".
هذه مكارم المرأة المسلمة:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم نبت إن تعاهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
стр. 2249
بعض الجوانب في حياة المرأة
ثم اعلمن أيتها الأخوات المسلمات! أن رسالتنا في الحياة تختلف عن رسالة الأمم جميعاً، فإن الكافرات والمنحرفات، وإن الداعرات والمومسات في العالم لهن رسالة ولنا رسالة، وهم لم يعرفوا حتى المرأة ولا صانوا كرامتها.
إن لينين واستالين وماركس وهرتزل نادوا أن المرأة شيطانة، وهذه مذكراتهم نقرؤها صباح مساء، وإن الهنود كانوا يشكون هل المرأة إنسانة أم لا؟
إن الجاهليين الوثنيين في مكة قبل الإسلام كانوا لا يورثون المرأة ولا يسمعون رأيها، ويعدونها متاعاًً ساقطاً، وإن الأمريكان والألمان زجوا بالمرأة في أتون المعامل والمصانع والحروب، تشارك الرجل فيها فأذهبت جمالها وبهاءها وروعتها.
أما الإسلام فحفظ للمرأة جمالها وأدبها وبهاءها وروعتها، لما أتى ﷺ سن للمرأة حقها في الإسلام، وجعلها شريكة للرجل، قال البخاري في الصحيح: "باب هل يجعل الرجل للمرأة أو النساء يوماً من نفسه" أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: ﴿يا رسول الله! غلبنا عليك الرجال، يحجون معك ويصلون معك ويجاهدون معك، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فأتى ﵊ فجعل لهن يوم الإثنين﴾ فكان يحضر ويعلم ويربي ويوجه.
стр. 2250
الحجاب في الإسلام
المرأة في الإسلام درة وشمس، ووردة مكنونة لا تهان ولاتداس، محترمة فمن هذا المبدأ ننفذ إلى قضية الحجاب، فالحجاب ستر أراده الله للمرأة، وسنة سنها رسول الله ﷺ ، ومعنى خروج المرأة عن الحجاب أنها تغضب المولى وتستحق اللعنة -أعوذ بالله من اللعنة- ولذلك في أثر ﴿أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيت زوجها بدون إذنه لعنتها الملائكة حتى تعود﴾.
فيا أخواتي المسلمات! أما رأيتن إلى الصور الخليعة من صور النساء الأجنبيات، المعرضات، المنحرفات، فيوم تركت المرأة دينها وعقلها وإيمانها ومراقبة ربها، وخرجت على الحجاب، ضلت سواء السبيل، وخلعت جلباب الحياء، فلذلك تحمل كثير من المجلات صورة المرأة الداعرة، وصورة المرأة التي تعرض نفسها على الأجانب، والتي ما عرفت السجود لله، ولا عرفت الوضوء ولا المصحف، ولا عرفت الاستغفار والتوبة.
ولذلك عانت كثير من الأسر العار والمسبة والدمار وقلة المروءة بسبب امرأة تهتكت ونزعت الحجاب.
إن الحجاب سنة وفريضة، وله كيفية في دين الله ، الحجاب هو ستر جمال المرأة لئلا تراها العيون، وأما من نادى بأن الوجه والكفين لا يدخله الحجاب فقد أخطأ خطأً بيناً، وغلط غلطاً فاحشاً، لا والله؛ بل الوجه يُستر ويبقى محجباً، وجه الجمال والروعة والحسن، ويوم يهتك الحجاب عن الوجه، فلا يبقى هناك حجاب ولا يسمى حجاباً، ويسمى هذا معارضة لشرع الله ﵎.
стр. 2251
مجالس النساء
ومما أحب أن أنبه عليه: قضية انتشرت بين كثير من النساء اللواتي لم يعرفن الحياة، وما ملأن قلوبهن وبيوتهن بالإيمان، وهي قضية المجالس وما يدار فيها، والرسول ﷺ حذر من كثير من المجالس التي تحضرها النساء غير المستقيمات، فأخبر ﷺ أن المرأة كثيرة اللعن والشتم والسب إلى غير ذلك، ولذلك قال: ﴿رأيتكن أكثر أهل النار، تقول امرأة: "ما بالنا يا رسول الله! أكثر أهل النار! " قال: تكفرن العشير وتكثرن اللعن، فأما كفر العشير فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط﴾.
стр. 2252
التبرج والفحش يجعل الرجال يعزفون عن المرأة
فحذار حذار من كثير من المجالس اللاتي يتخللهن الغيبة والنميمة، والزور والفحش، ولا تظن المسلمة بأنها بمغيب عن الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧].
وأنا أعلم أن هناك -والحمد لله- نساء مستقيمات بدأن في مجالسهن بالدعوة، وقراءة القرآن وذكر الله، وقراءة السيرة والحديث النبوي، والكتاب والشريط الإسلامي، فإلى تلكم الأخوات أهدي باقة من الود والسلام والدعاء أن يثبتهن الله حتى يلقينه، يوم ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ [إبراهيم:٢٧].
نحن أمة حسننا وجمالنا في ديننا، ووالله -مما أعلم من حالة الرجال عموماً- أن جمال المرأة في دينها وفي استقامتها وفي سترها، حتى الفسقة من الرجال لا يريدون المتبرجة، ولا يريدون إلا المحتشمة؛ لأن السلعة المعروضة تنبذها النفوس، يقول العربي في قصيدة له:
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
إن المرأة التي تعرض نفسها على الناس لا تشتهى ولا تراد ولا تحب، لأنها عصت الله وأغضبت المولى ﵎، ثم هي لم تعد مرغوبة عند الناس لأنهم لا يريدون إلا دراً مكنوناً، ولا يريدون إلا بضاعة محفوظة مصونة كما أرادها الإسلام.
стр. 2253
الإسراف عند النساء
فإذا علم هذا فإني أحذر من قضية الإسراف، فقد تظن المرأة أنها إذا أكثرت من الذهب والفضة، وأكثرت من الملابس والحلي والأثاث أنها أصبحت محسنة ومجيدة وجميلة ومرغوباً فيها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧].
يا أيتها المسلمة التي جعلت همها في الذهب والحلي! اعلمي أن بنت الرسول ﷺ فاطمة لم تحمل ذلك، لم تملك من الدنيا إلا ما يقوتها وهي عند الله سيدة نساء العالمين، ﵂ وأرضاها.
﴿أتت إلى بيت المصطفى ﷺ تطلب خادماً، فأتاها النبي ﷺ من الليل هي وزوجها وقد أخذا مضاجعهما فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتماني؟ قالا: بلى.
قال: إذا أخذتما مضجعكما فسبحاً ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين؛ وكبراً أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم﴾.
ما أحسن التوجيه! إن الذي ينفع العبد في الآخرة إنما هو الذي يبقى في ميزان الحسنات، وإن الخادمة والملبس والحلي، وإن البيت والسيارة الفاخرة بلا إيمان كلها غضب ومحق وانصراف عن هدي الإسلام، وزيادة من النكال الذي يستغله الإنسان على حساب حسناته في الآخرة.
الإسراف أمر معهود، ووجد كثيراً في المجتمعات، لا ترضى المرأة فيها إلا بعشرات الملابس ومئات الأشياء، وكل شيء في تجديد، فتحضر الولائم والأعراس بحلي جديدة، وملبس جديد، وشيء جديد، دائماً وزوجها في كلفة ومشقة وعنت، وتريد أن تحيا معه حياة السعادة، فتنغص عليه حياته، وتضيق عليه مستقبله، وتفقره مالياً، وتدينه مادياً، فيتحمل أموال الناس ديوناً على كاهله، ويعيش في تعاسة من أجل امرأة سفيهة في تصرفها وسفيهة في مستقبلها، وسفيهة في ملبسها؛ تظن أن الجمال وأن الوزن والقيمة في هذه الأشياء، لا والله.
стр. 2254
فتن في مجتمعاتنا
ثم إني أنعى والجبين ليندى والقلب ليوجل مما حدث في مجتمعاتنا من ظواهر نشكو إلى الله منها، ونسأل الله أن يصلح الحال، فإن الرسول ﷺ حذرنا من الفتن ﴿كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا﴾ فتن كقطع الليل، فتن يرقق بعضها بعضاً، فتن مدلهمات كالسيل الجارف، كأمواج البحر.
ومن الفتن التي حلت بالمرأة اختلاطها بالأجانب وعدم احتشامها، ونسيانها لرقابة الواحد الأحد:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨] و ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] والذي يعلم ما تكنه الضمائر وما تحويه السرائر.
стр. 2255
الخلوة بالأجنبي
وجد من النساء من تخرج مع السائق في خلوة ليس معها محرم، تجوب به المدينة، وتدخل به الأسواق، وتخترق به صفوف المسلمين، وتجرح مشاعر المؤمنين، وتخيب أمل أمتها فيها، ثم تَحدُث أمور الله أعلم بها في ظلام الليل، لكن الذي خلق الليل يعلم ما حدث فيه، والذي ستر المذنبين يعلم ما يفعلون.
فامرأة تخرج بسائقها إلى السوق وتضيع عن أهلها ساعات طويلة لا يدرى أين ذهبت، وامرأة تسافر مراحل مع الأجانب، وامرأة تذهب إلى الخياط الأجنبي الذي ليس عنده من الوازع الديني، ولا من الإيمان، ولا من مراقبة الواحد الأحد ولو ذرة، امرأة تذهب إلى الخياط تحمل فستانها وجلبابها ولباسها فتبيع دينها وعرضها، امرأة تذهب فتكلم ذاك وهذا.
ولذلك أنعى إلى أخواتي المسلمات مسألة الهاتف، وما أحدث عند اللواتي لم يحملن إيماناً ولا مراقبة من شر مستطير، وهناك كتيب سوف يصدر قريباً لإحدى المسلمات المؤمنات اسمه أيتها المسلمة احذري التلفون الهاتف ورأيت من بعض التقريرات والاستقراءات مما أحدث هذا الجهاز من مضرة، وما هتك من أعراض، وما ضيع من حشم ما الله به عليم، فنسأل الله أن يصلح الحال، ولكن حذار حذار من الخلوة بالأجنبي.
ومن الفقه الأعوج، ومن السفه أن وجد عشرات بل مئات من النساء يحضرن صلاة التراويح يردن الأجر والمثوبة، لكن تركب مع السائق الأجنبي في الخلوة فيجوب بها الشوارع ويذهب بها إلى المسجد، فأي طاعة وأي قربة وأي حسنات وأي درجات هذه، عصت الله في أول الطريق حتى وصلت إلى المسجد وأغضبت المولى ﵎ حتى وصلت إلى بيت الله تعالى متعطرة متطيبة مع سائق أجنبي في خلوة محرمة ثم دخلت المسجد لتؤدي نافلة.
والله لجلوسها في بيتها أرفع وأولى، ولمقعدها في عقر دارها أحسن عند الله مثوبة وأجراً، إنها هتكت جلباب الحياء، وأفسدت أكثر مما أصلحت، وعادت من المسجد مأزورة لا مأجورة، ومدحورة لا مشكورة، لأنها عرضت نفسها للفتن، وكم تفتن القلوب وكم تحدث في النفوس من فتنة عارمة إذا شم أحد الناس الفاسقين الطيب الذي يفوح من جلباب هذه المرأة، إذا نظر إليها أو خلا بها، فإلى الله نشكو حالنا، وإلى أخواتي المسلمات أنادي نداء حاراً أن اتقين الله في هذه الأمة؛ في مستقبلها وفي أبناء الجيل، وفي بيوت المسلمين والمسلمات.
стр. 2256
إحجام المرأة عن الزواج
ومن الظواهر التي وجدت في المجتمع إحجام كثير من النساء عن الزواج الشرعي بكلمة الواحد الأحد، وهذا الزواج هو مستقبل المرأة مع تقوى الله ، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿مسكينة مسكينة مسكينة! قالوا: من يا رسول الله؟ قال: امرأة لا زوج لها، ومسكين مسكين مسكين رجل لا زوجة له﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
وإحجام المرأة يوجد له أسباب:
إما والعياذ بالله أن هناك فسقاً وفجوراً فصدها فجورها أو فسقها عن الزواج الشرعي.
ومنها حجج ساقطة كإكمال الدراسة، أو لأجل الوظيفة ومنها أمور أخرى، وهذه مأساة، فإن الوظيفة لا تعطل الزواج ولا تعطل حياة البيت؛ إذا كانت وظيفة طيبة شرعية؛ وكذلك مواصلة الدراسة، وهذه الحجة والذريعة أفسدت كثيراً، وعطلت الكثير من المصالح، وعطلت كثيراً من الطرق، وسدت كثيراً من النوافذ.
ووجد في المسلمات من لا تريد الزواج من رجل ما، إما بذريعة الفقر أو بذريعة عدم الوظيفة أو بأمر آخر، وهذه مأساة، يقول ﷺ : ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ إن الإيمان هو المطلوب، وإن الفاجر مغضوب عليه، -والله- لو تقدم بقصور الدنيا، وملايينها، ووالله لو أتى بسيارات الدنيا وهو فاجر لا يزيده فجوره وماله إلا لعنة وغضباً من الواحد الأحد، وقد رأينا من أخواتنا المسلمات من حددت الزواج بصاحب المال ولم تنظر إلى دينه، وإنما نظرت إلى منصبه، أو جاهه أو منزلته في الناس، أو شهرته فتقدمت إليه وأغفلت جانب الإيمان، فحول حياتها من جنة إلى سعير، ومن سعادة إلى شقاوة، ومن نعمة إلى لعنة والعياذ بالله.
أتعسها في دار الدنيا وفي دار الآخرة، حتى أنني سمعت من أخواتي المسلمات عن طريق الهاتف وبعض الكتابات والأسئلة أنها تعيش في جحيم، فزوجها لا يصلي، وهذه زوجها يتناول المخدرات، وهذه زوجها يعاقر الخمر، وتلك يضربها صباح مساء، يمنعها من الصلاة ويعطلها عن زيارة والديها، يدخل عليها الفاحشة والعياذ بالله، صور عجيبة، لماذا؟ هي التي باعت نفسها، وهي التي رضيت بالفاجر، وهي التي دخلت هذا البيت الآثم المظلم، والبيت النير هو بيت (لا إله إلا الله) هو البيت الذي يعبد فيه الواحد الأحد، هو بيت الحجاب والشريط الإسلامي.
стр. 2257
الغناء الماجن والمسلسلات الخليعة
ومما أنوه به كذلك مسألة انتشار الغناء الماجن، الأغنية قد أحدثت في قلوب أمتنا وجيلنا رجالاً ونساء فسقاً وفجوراً، قال أهل العلم: "الغناء بريد الزنا" وما استمعه مسلم أو مسلمة إلا هتك دينه وضيع مستقبله وأظلم فؤاده وقسى قلبه، ولذلك كانت مصائب الغناء أربع:
أولاً: أنه يغضب المولى ﵎.
ثانياً: أن القلب يقسو، فينصرف عن القرآن والحديث والسيرة، فلا يحب الوعظ ولا الدعوة.
ثالثاً: أن الله يحرم من سمع الغناء في الدنيا غناء الحور العين، فعند أحمد في المسند عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن في الجنة جوار يغنين يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾.
يقول ابن عباس ﵄: [[إذا اشتهى أهل الجنة الغناء أرسل الله ريحاً طيبة فهزت أغصان الجنة فسمع صوت ما سمع بصوت أحسن منه]] قال ابن القيم ينظم هذه المعاني:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
إذا علم هذا فحذار حذار من الغناء فهو محرم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] ويقول عليه الصلاة والسلا: م ﴿إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة﴾ فحذار حذار من شريط الغناء، حذار حذار من المسرحية الآثمة، ومن المسلسل المجرم الذي هتك البيوت وهدمها وخرب القلوب، فما عادت تصلح لأن تعي لا إله إلا الله، وما عادت تصلح أن تحمل القرآن، وما عادت تصلح أن تسبح بحمد الله، وما عادت تصلح أن تتوجه إلى الله ، لأنها خربت والله من الغناء.
ويلحق بالغناء الموسيقى، ومهما تهتك متهتك أو تساهل متساهل فحكمها الحرمة في دين الله في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، وعلى ذلك يدخل في هذا الباب الفيديو المهدم، وما أحدث من فساد عظيم وشر مستطير، فهو إنتاج صهيوني عالمي المقصود منه تهديم بلاد الإسلام، وتولى هذا الفيديو في أول ما ظهر شركة إيطالية، وهي التي تقدم كثيراً من الأفلام وتغذيها بالمال، ويقول اليهود: إنهم نجحوا في الفيديو أكثر مما نجحوا في المعركة.
نجحوا في خراب بيوتنا وأبنائنا وبناتنا بطريق الفيديو أكثر مما نجحوا بالطائرات والصواريخ، والدبابات والقنابل، يعرضون الجنس والخلاعة، ويعرضون المجون والكفر على شاشاته وفي مسلسلاته وأدواره، فإذا رأت المسلمة هذا المسلسل وهذه الشاشة أصبحت في بعد ومنأى عن الواحد الأحد.
وعليكم بإخراجه -فليس فيه صلاح- وعدم الإنصات له، وعدم ترك البيت مسرحاً لهذا الهدم.
стр. 2258
المجلات الخليعة وما يلحق بها
ومن هذا الباب المجلة الخليعة: انظرن أخواتي في الله! إلى الأسواق وما ردحت فيها من مجلات خليعة تحمل صوراً ماجنة، صور جنس رجل مع امرأة يعاقرها في الفاحشة الكبيرة التي تغضب المولى، صورة شابة فتية جميلة متهتكة أصبحت تعرض نفسها على العالمين.
وللأسف الشديد والمأساة الملحة أن المجلة تدخل بيوت كثير من الناس، وكثير من المؤمنات الصادقات، توجد المجلة عند مخدتها وعند رأسها تقرؤها صباحاً ومساءً؛ فلا تعرف تقرأ كتاب الله ولا تخصص وقتاً للحديث، ولا تستمع الشريط الإسلامي، ولا تقرأ الكتاب الإسلامي وسيرة المصطفى ﵊، بينما القرآن يدعوها صباح مساء إلى أن تتلوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
ويعجبني أن وجد في بناتنا مستقيمات متحجبات ملتزمات، أطهر من حمام الحرم، وأزكى من ماء الغمام، لا تعرف الواحدة منهن إلا مدرستها وبيتها، ومصحفها معها، وحديث الرسول ﷺ وسيرته والشريط الإسلامي والجلوس مع الداعيات المسلمات ودعوة أخواتها، ولذلك توفرت أسباب الخير، من كثرة الدعاة وتوفر الكتاب والشريط الإسلامي، وقد استمعت إلى دعوة من التوعية الإسلامية، وقد قامت بالمناداة والدعوة لاستقبال المرأة المسلمة عصر كل يوم خميس في مقر التوعية الإسلامية لرؤية وأخذ وملاحظة الشريط الإسلامي الذي في السوق الإسلامي والحمد لله.
فأقبلن على الخير وانتهين عن الشر، فإن الله سوف يتولاكن في دار الدنيا ودار الآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وهنيئاً لمن أطاعت زوجها بعد أن أطاعت ربها وصلت خمسها، وصامت شهرها، حينها تدخل جنة ربها، كما صح عنه ﷺ .
فيا حفيدات زينب وأسماء، وعائشة وفاطمة مزيداً من التقوى، ومزيداًُ من التعقل، ومزيداً من الحرص على العرض والشرف والأسرة.
стр. 2259
مصيبة هتك العرض
هتك العرض -والله- لا تعادله لذة الدنيا، ولقد وجد من الآباء من بكى حتى خلط دمعه بدمه، بكى دماً أحمر من عينيه لما رأى بنته قد هتكت حجابها وجلبابها، وهتكت عرضها، وارتكبت الفاحشة الكبرى، -والله- لقد وجد من الآباء كما ذكر كثير من الدعاة قال: رأيت بعض الآباء أصيبوا بسكتات قلبية مما رأوا من المناظر في بناتهم، وأغمي على كثير من الآباء حتى حملوا إلى المستشفيات مما رأوا، فالعرض لا يساويه شيء من الدنيا، -والله- إن الأب المسلم يتمنى أن يقرض بالمقاريض أو يقطع بالسكاكين قطعة قطعة من رأسه إلى أخمص قدميه ولا يسمع في عرض ابنته كلمة واحدة، فكيف تتقدم المرأة المسلمة أو البنت الناشئة إلى هذا العار والدمار والشنار وتنسى عرضها، إن لم تتق الله وتستحي منه أفلا تستحي على عرضها.
أفلا تقدر أباها وأمها وإخوانها وخئولتها وأعمامها، ألا تعلم أنها في لحظة واحدة، وفي دقائق معدودة تمارس فيها لذة محرمة أو نظراً محرماً أنها تهدم مستقبلها، وتدخل أباها جحيماً من العار والدمار، ويتمنى أبوها أن يقطع تقطيعاً، حتى إني سمعت أن بعض الآباء يقول: يا ليتني ما عرفت الحياة، وبعضهم كان يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب! لم خلقتني، سبحان الله!
بلغ من الحالة ومن الأسى واللوعة، والندم والبكاء أن يقول يا ليته ما خلق ويا ليته ما عرف الحياة، لأن مريم ﵍ لما خافت أن يزور عليها المزورون ويبهتها الباهتون وهي بريئة، وهي طاهرة مطهرة ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] هكذا يقول بعض الآباء أو بعض الأمهات.
حتى إن بعض الآباء يدعو صباح مساء على ابنته، التي جعلته لا يخرج من بيته فجعلته يتقنع داخل البيت، لا يستطيع أن يدخل مع الجيران، ولا يجلس مع الإخوان والأحباب، أصبحت حياته مظلمة، وأصبح يحمل وصمة في جبينه، فهل قدَّرت البنت والأخت المسلمة هذا؟ ألا جعلت في محسوبها أن هذا فعل شنيع تكاد تنهد منه السماء والأرض، وتكاد تتدكدك منه الجبال.
اللهم أصلح شبابنا وشاباتنا، اللهم أصلح فتياننا وفتياتنا، اللهم أصلح بيوتنا وقلوبنا، اللهم اهدنا سبل السلام، اللهم إنا توجهنا إليك نريد وجهك أن تربي بيوتنا على لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم إن أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا مفرطين ولا ضائعين ولا مضلين، اللهم إنا نعوذ بك من الفاحشة والسوء والمعصية، اللهم إنا نعوذ بك من الغضب واللعنة، اللهم إنا نسألك الستر والعفاف والرغد، اللهم أدخلنا في جلباب سترك وعفوك ورحمتك، ونسألك من العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الوقت أعمه، ومن الزمن أتمه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
شكر الله لكن استماعكن، وأسأل الله أن تكون هذه الكلمة نافعة مفيدة، تقابل بالعمل وبالتأثر، وأن تكنَّ من اللواتي يستمعن القول فيتبعن أحسنه، أولئكن الراشدات المستقيمات الحافظات للغيب بما حفظ الله، نزلهن الجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2260
الأسئلة
.
стр. 2261
حكم صيام الست من شوال قبل قضاء رمضان
السؤال
الأخت المسلمة تسأل عن صيام ست من شوال وقضاء ما بقي من شهر رمضان، هل لا بأس بتقديم الستة على القضاء أم ماذا؟
الجواب
الأولى والأقرب إلى السنة أن يُقضى ما بقي من الشهر قبل صيام الست من شوال؛ لأن القضاء فريضة والست من شوال نافلة، ولا تقدم النافلة على الفريضة، لكن لو حدث أن أختاَ قدمت الست من شوال فلا بأس بذلك، لكن الأولى والأحسن والأقرب إلى الأصول أن يقدم القضاء قبل الست من شوال.
стр. 2262
حكم صيام يوم السبت وحده
السؤال
ما حكم من صام يوم السبت وحده؟
الجواب
صيام السبت وحده منهي عنه؛ لكنه غير محرم، إنما هو مخالفة للأولى، فالأحسن ألا يفرد يوم السبت ولا الجمعة بصيام، وإنما لها أن تفرد يوم الإثنين ويوم الخميس وما دام أنها صامت عن جهل، فلا بأس إن شاء الله، ولكن لا تفرد يوم السبت من الآن إنما تصوم يوماً قبله أو يوماً بعده.
стр. 2263
حكم لبس الدبلة في الزواج
السؤال
ما حكم لبس المرأة للدبلة -في الزواج- المكتوب عليها اسم الزوج؟
الجواب
إذا لبستها للزواج فلا بأس بذلك، ولا أعلم فيه نهياً إلا أن يكون مشابهة، فإن كان فيه تشبهاً بالكافرات فهو أمر محرم، فإنه لا يجوز التشبه بالكافرة.
أما إذا لبستها هكذا فلا أعرف فيه بأساً، وأما إذا كتب اسم الزوج عليها وأصبح أمراً معهوداً ومتداولاً وأصبح مقنناً فأرى أنه من باب البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأنه محرم، وأنا قصدت قبل أنها تلبسها وقت الزواج من ضمن الحلي، لكن ما دام أن لها مراسيم وأصبحت منتشرة وأصبح لها ضبط ومؤقتة ويكتب عليها اسم الزوج فهذا ما أنزل الله به من سلطان، وهي من العادات الجاهلية التي لم يأت بها الإسلام فليعلم ذلك.
стр. 2264
دعوة للتبرع
لدي الآن دعوة بمناسبة هذا الأسبوع للتبرع لأبناء فلسطين وأفغانستان، والصناديق موجودة كما أشار الدكتور في هذا الإعلان داخل الجامعة، وأنتن تعلمن أن الصدقة خاصة للمرأة باب عظيم فتحه النبي ﷺ ، وجهاد المرأة المسلمة ليس قتالاً، يقول ﷺ : ﴿جهادكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة﴾ أو كما قال ﵊.
والمرأة لا يطلب منها أن تحمل السلاح ولا أن تحضر المعركة ولا أن تشهد الغزوات إلا لمداواة الجرحى وخدمة الجيش، فدورها في الجهاد التبرع ومد اليد بالدرهم والدينار والكسوة والغذاء، ودعوة الأخوات المسلمات إلى التبرع وإلى طاعة الله، وأن تدخل الإسلام على البيوت المجاورة؛ لأن الله إذا هدى بها امرأة مسلمة كان خيراً لها من حمر النعم كما قال ذلك ﵊.
стр. 2265
حكم البقاء مع زوج لا يصلي
السؤال
امرأة مع زوج لا يعرف من الإسلام إلا اسمه -كأنه لا يصلي ومعرض عن الله طلبت من هذا الزواج الطلاق واستخارت الله ورأت في المنام كأن بيتاً يحترق، فهل تستمر معه؛ مع العلم أنه سوف يأخذ ابنه أم ماذا تفعل؟
الجواب
أقول ما دام أن هذا الزوج معرض ولا يصلي فهو كافر، وقد علمت هذه الفتيا وانتشرت، قال النبي ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وقال: ﴿الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة﴾ إذا علم ذلك فهو كافر على كل حال، فإن استطاعت أن تدعوه وأن يعلن توبته ويدخل في الإسلام من جديد فلها ذلك، وإن رأته معرضاً فلها أن تطلب الفكاك والطلاق، وألا تمكنه أبداً من نفسها فيصبح محرماً عليها لأنه كافر وهي مسلمة، وأما رؤياها في المنام بأن بيتها يحترق فهو بيت العاصي المجرم يحترق بالجريمة والكفر والعياذ بالله، فالحريق هو الكفر والإعراض عن الله ، وهو شؤم، ولا يدخل الحريق بيتاً في المنام إلا لشؤم هذا البيت، فلتنجُ بنفسها من هذا الوحش المجرم الذي أعرض عن الله ، وما عليها من الابن فالله يتولاه.
أما أن تعيش مع كافر معرض عن الله فهذا أمر عظيم لا ينبغي أن يصبر عليه.
стр. 2266
حكم البقاء مع زوج متساهل بالفرائض
السؤال
زوجي متساهل بالفرائض، فهل لي أن أطلب الطلاق منه؟
الجواب
ما دام أنه يصلي فهو على خير ولا يطلع على النيات إلا الله، لكن إذا كان فاسقاً فلا تطلب الطلاق منه، إنما تحاول أن تؤثر في حاله بالدعوة بالتي هي أحسن بإدخال الشريط والكتاب الإسلامي، بدعوته، بالتأثير عليه، بالدعاء له، فما دام أنه يصلي ولا يترك فريضة فهو مسلم، أما إن ترك ولو فريضة واحدة عامداً متعمداً فقد كفر، ولو صلى في البيت فهو فاسق لكنه مسلم.
стр. 2267
الخوف من الرياء في العمل
السؤال
أريد الدعوة إلى الله لكني أخاف من الرياء فماذا أصنع؟
الجواب
أقول لها: عليها أولاً أن تخلص العمل لله ، وعليها أن تترك هذه الوسوسة؛ لأنه لو أخذ كل إنسان رجلاً كان أو امرأة بهذه الوسوسة وأنه إذا دعا يخاف من الرياء والشهرة لما دعا أحد إلى الله، ولا تكلم أحد بكلمة، فعليها أن تترك هذه الوساوس وأن تخلص عملها لوجه الله، وأن تدعو إلى الله على بصيرة، وتعلم أنها من ورثة الأنبياء والرسل بدعوتها إلى سبيل الله ، ولكن عليها أمران:
الأول: ألا تدعو إلا أخواتها من النساء، فإنه ليس للمرأة أن تدعو الرجال أبداً إلا محارمها.
والثاني: عليها أن تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وألا تكون فظة ولا غليظة، ولا مصدرة لأحكام جارفة جائرة، بل عليها أن تدعو بالتي هي أحسن؛ باللين والهدوء والتحبب والهدايا علًّ الله أن يحببها إلى خلقه، وأن تكون مؤثرة ونافعة ويرفع منزلتها عنده .
стр. 2268
هدي الرسول ﷺ في اللباس
أمور الحياة كلها محكومة بشرع الله جل وعلا، ومن ذلك اللباس، فاللباس له أحكام، وله ضوابط لابد للمسلم أن يعرفها.
وفي هذا الدرس بيان لهدي النبي ﷺ في لباسه، وفيه عرض لبعض الأحكام؛ مثل: حكم إسبال الإزار، وحكم لبس الحرير، وما ورد من أذكار تقال عند لبس الثياب.
стр. 2269
اللباس في الكتاب والسنة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده على كل نعمة أنعم بها في قديم أو حديث، ونشكره شكراً جزيلاً، ونصلي ونسلم على معلم الخير، ومعلم البشر، ورسول الإنسانية، وهادي البشرية، ومزعزع كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السموات شيِّقات ظِماء والفضا والنجوم والأنواء
كلها لهفة إلى المصطفى الهادي وحب مبجل واعتناء
حن جذع إليه وهو جماد فعجيب أن تجمد الأحياء
معنا في هذه الليلة هديه ﷺ في اللباس،
و
السؤال
كيف كان يلبس؟ وما هو قدر اهتمامنا بلباسه ﷺ ؟ وهل أتى ليعلمنا اللباس؟ وأن نلبس غتراً وثياباً وأقمصة وسراويل لتكون محددة؟
الجواب
نعم.
أتى ليعلمنا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويعلمنا الخير، والهدي، والأدب، والسلوك، والطعام، والشراب، واللباس، فلا نلبس إلا بأمر، ونجتنب المحرم لنكون على بصيرة، فهو قدوة في كل جليلة ودقيقة ﷺ .
стр. 2270
اللباس في القرآن
ولنستمع إلى الإمام البخاري وهو يفتتح كتاب اللباس: بسم الله الرحمن الرحيم: كتاب اللباس: "باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢] " هذه الآية جاءت رداً على الذين كرهوا جمال اللباس، والتزين بنعم الله وأنكروا أن يتزين الإنسان في الحياة، فرد الله عليهم بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] فالطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وهي لهم في الآخرة ولا يدخل معهم الكفار، فالكفار يشاركون المؤمنين في هذه الحياة، بل يزيدون عليهم بالذهب والحرير، والرسول ﵊ أخبر أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢] من هذا الذي أحل وحرم غير الله وغير رسوله ﷺ ؟ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] فالتحليل والتحريم لا يأتي إلا من الكتاب والسنة، ولذلك دخل في باب التحريم والتحليل أناس ليس عندهم علم، فأفتوا الناس بأن هذا حلال وهذا حرام؛ فافتروا على الله.
فالذي يريد أن يحرم فليأتِ بدليل، والذي يريد أن يحلل فليأتِ بدليل، لا يقل: هذا الطعام حرام؛ لأن فيه كيت وكيت.
من أين لك تحريمه؟ وقد سمعنا وسمعتم، ورأينا ورأيتم من أدخلته هذه الفتيا في باب الوسوسة، حتى حرم على عباد الله ما أحل الله لهم، وحلل لهم ما حرم الله عليهم، وهو باب خطير يأتي تفصيله.
قال ابن القيم كلاماً في إغاثة اللهفان معناه: حملت هذه الوسوسة بعض الناس إلى أن حرموا طعام المسلمين، وأكلوا طعام الملاحدة والزنادقة.
فلذلك أباح الله لنا أشياء ذكرها في الكتاب، وذكرها رسوله ﷺ ، وحرم أشياء ذكرت كذلك.
стр. 2271
اللباس في السنة
قال البخاري: "وقال النبي ﷺ : ﴿كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة﴾ وهذا الحديث معلق، والمعلق هو: الذي حذف من أول إسناده رجل أو أكثر إلى الرسول ﵊ أو إلى من دونه.
فهذا الحديث معلق؛ لأن إسناده حذف من عند البخاري، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لا هي بصاحبة زوج، ولا هي مطلقة.
ومر معنا أن المرأة تقول في زوجها: العشنق إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.
فالحديث المعلق هو الذي ليس بموضوع وليس بمسند، وإنما نسب إلى الرسول ﵊.
وهذا الحديث صحيح وسوف يأتي مسنداً.
قوله ﷺ : ﴿كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة﴾ الإسراف: أن تبذر تبذيراً، وأن تتجاوز الحد في الإنفاق، فكل والبس وتصدق في غير إسراف ولا مخيلة.
والمخيلة: أن تأخذ هذا الشيء كبراً وبطراً.
إذاً المذموم في اللباس ما حملك على إحدى اثنتين أو عليهما: الكبر أو الترف والتبذير.
قال البخاري: "وقال ابن عباس: [[كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطِئَتْكَ اثنتان سرف أو مخيلة]] وهذا الحديث موقوف على ابن عباس، ولو أن بعض أهل العلم رفعه إلى الرسول ﵊.
والمخيلة من الخيلاء، وهو الكبرياء، ويستخدم في المعاني والذوات، يقال: هذا في قلبه مخيلة، ويقال في جسمه مخيلة ﴿مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] أي: قلبه يفخر، وجسمه يختال، وهذا يحدث في المعاني والذوات، فصاحب المعاني الذي في قلبه كبر يظهر على فلتات لسانه، فتراه يقول: رحت، وذهبت، وقلت، وراجعت، ودخلت، وخرجت وصاحب الخيلاء والكبرياء في الجسم يظهر على حركاته وسكناته من جلسته وتنحنحه، ومن ذهابه وإيابه؛ لأنه عمي عن الإرشاد النبوي الشريف.
قال البخاري ﵀: حدثنا وكلمة (حدثنا) معلم كبير من معالم أهل السنة والجماعة، وهي متعوب عليها، وهي تربي الرجال والأجيال، حتى يقول أحد الزنادقة -كما يقول ابن تيمية -: اتركونا من حدثنا.
قال أحد العلماء: إذا رأيت الرجل يقول: اتركونا من حدثنا؛ فاغسل يديك منه.
أي: حارب الإسلام جهاراً نهاراً، وعلم ليس فيه (حدثنا) فمعناه وسوسة، وتنميق الكلام وتصنيف الحديث
العلم ما قيل فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
(فحدثنا) لا بد أن تدخل كل بيت مسلم، ولا بد أن تربي ملكتك الذهنية وأبناءك وبيتك على تذوق (حدثنا) وهي كانت عند السلف الصالح من أروع وأحسن الكلام، قالت الصوفية: نحن نأخذ علمنا من الرزاق ما نأخذه من عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني شيخ أحمد في الحديث، قال ابن القيم في مدارج السالكين: والله الذي لا إله إلا هو لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الرزاق ولا عرفتم الخلاق، ويقول غلاتهم: علمنا علم الخرق، وعلمكم علم الورق.
ولذلك إذا رأيت إنساناً يستهزئ بالسنة أو بالسيرة أو بالكتب فاعرف أنه قد بلغ درجة من البهيمية -وهذا استطراد إنما نحن عند كلمة حدثنا- والإمام أحمد يقول: إن لم تكن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث فلا أدري من هم.
وقال الشافعي: إذا رأيت محدثاً كأني رأيت صحابياً من أصحاب محمد ﷺ .
وقالوا لـ أحمد: إلى متى تطلب الحديث؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة.
فقد كان عمره فوق السبعين وهو مريض، وقد جلد في ظهره، وهو بالمحبرة ينتقل من شيخ إلى شيخ يكتب، قالوا له: تكتب، حتى الآن؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة.
قال سهل بن عبد الله التستري: حق على المسلم أن يكتب العلم حتى يصب آخر المداد في القبر.
أي: يصب عليه في القبر إذا انتهى وذكر ابن قتيبة: أن داود قال لسليمان ﵇: "يا بني سجل العلم وقيده في ألواح قلبك".
وأخرج عبد الله بن المبارك الإمام الزاهد الكبير العالم المحدث بطاقة وهو على زبالة، فقالوا: مالك؟ قال: مرت من هنا جارية تنشد بيتاً فسجلت هذا البيت؛ لأنه درة في مزبلة.
وبلغ من حرصهم على تصيد الفوائد الشيء المذهل، يوم كانوا يعرفون وزن العلم والفائدة، والتضحية من أجل ذلك.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم، يخبرونه عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا ينظر الله إلا من جر ثوبه خيلاء﴾ وهذا الحديث بلاغ للناس، ونظر الله معناه رحمته وبره ، فالذي يجر ثوبه لا ينظر الله إليه.
стр. 2272
مسائل في اللباس
وفي اللباس مسائل، منها: اللباس الأبيَض، ومنها: ذم الشهرة في اللباس، ومنها: التوسط في اللباس، ومنها: التجمل في المناسبات كالأعياد والجمع، ومنها: حكم لبس الحرير، ومنها: جر الإزار ولبس الأحمر إلى غير ذلك من المسائل التي ننبه عليها إن شاء الله.
стр. 2273
أجمل اللباس اللباس الأبيض
المسألة الأولى: أما أجمل اللباس فهو اللباس الأبيض، قال : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧] فالبياض المعنوي أو بياض العاقبة هو علامة السعادة، لا بياض البشرة، فإن بعض الناس أسود البشرة، وهو أبيض السجل والحسنات عند الواحد الأحد، وبعضهم أبيض كالقمر، لكنه أسود الأعمال والسجل والتاريخ عند الله وعند الناس.
وما الحسن في وجه الفتى كرم له ولكنه في طبعه والخلائق
فإذا جمع الله بين الحسن الظاهر والباطن فهو الكمال، واللباس الأبيض مشرف، وكل شيء أبيض محبوب، قال ﵊ في الصحيحين: ﴿واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾ وسبب ذلك أن الثوب الأبيض صاحبه يعتني به، فيبقى دائماً نظيفاً طيباً جميلاً أمام الناس، وأدنى شيء يؤثر فيه.
وأما صاحب الثوب الأسود؛ فإنه تمر عليه الأشهر، وهو بحمد الله على حالته لا يتغير، وقد يصبح فيه من السواد والبقع والروابي والأشجار ما الله به عليم، وهو على حاله.
فحبذ أهل العلم الثياب البيض، وقد روى الإمام مالك في الموطأ في باب الأدب واللباس، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[يعجبني أن يكون القارئ ثوبه أبيض]]؛ لأن الأبيض يفتح النفس، وهو يظهر الاعتناء بهذا الدين والتجمل له، وكان ﵊ يلبس الأبيض، ووجهه أبيض كأنه القمر ليلة أربعة عشر، فإذا اجتمع حسنه على حسن الثياب فهو الكمال المطلق.
ولذلك سيد قطب يتساءل كثيراً في سورة التحريم عن هذا الرسول ﵊، يقول: إن اختياره لم يكن صدفة، إن الله هيأه ليكون رسولاً للبشرية، حتى في حياته وجسمه وأعضائه وجماله، فهو قوي العاطفة، حي الإحساس، مشرق الإدراك، متحرك مع الناس، يهش للدعابة لكن بلطف ووقار، ويمزح مع أصحابه، ويبكي في وقت البكاء، إنه الكمال البشري المطلق الذي وصل إليه رسول الله ﷺ .
وفي صحيح البخاري في كتاب اللباس: باب الثياب البيض -شرفها وفضلها- قال سعد ﵁ وأرضاه: [[رأيت بشمائل النبي ﷺ رجلين عليهما ثياب بيض يوم أحد ما رأيتهما قبل ولا بعد]] فقد نزلت الملائكة يوم بدر وأحد، يقول حسان:
وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
أشرف بيت قالته العرب في تاريخ الإنسان هو هذا البيت، فقد قيل لأحد أهل الأدب -أظنه النضر بن شميل: - ما أشرف وأفخر بيت قالته العرب؟ قال: قول حسان:
وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
والصحيح عند أهل السير أن جبريل كان تحت قيادة الرسول ﵊، وأن القائد الأعلى لقوات الإسلام في بدر هو المصطفى ﷺ ، وبعض أهل السير قالوا: لا.
جبريل قائد الملائكة -ألف ملك- والرسول ﷺ قائد الصحابة.
لكن الصحيح أن القيادة تعود إليه ﷺ .
فنزلت الملائكة في الثياب البيض لشرفها وفضلها، وهو مقدم إلا للحاجة.
стр. 2274
ذم لباس الشهرة
المسألة الثانية: ذم الشهرة.
في سنن ابن ماجة ﴿أن الرسول ﷺ لعن ذا الشهرتين﴾ الشهرة الأولى هو: الذي يلبس الغالي المرتفع ويشهر نفسه حتى يلحق بالجبابرة، والشهرة الثانية: الذي يلبس الرخيص الممزق حتى يقال: هذا زاهد وناسك.
ولذلك بعض الناس لا يزهد إلا في الثياب، يجمع من الدور والعقار والسيارات والفلل، ويلبس ثوباً بعشرين ريالاً، والدنيا كلها ساكنة في قلبه، في قلبه أسواق ومحلات ومراكز وملبوسات ومطعومات، ولكن عليه ثوب بعشرين درهماً، وبعض الناس من أزهد الناس يلبس من أحسن اللباس، لكن الدنيا خرجت من قلبه.
فاللباس ليس هو كل شيء، فإذا رأيت ثياب الإنسان ممزقة فلا تظن أنه قد بلغ إلى رتبة ثابت البناني، أو الإمام أحمد بن حنبل، أو سفيان الثوري حتى ينظر إلى عمله وأخلاقه وسلوكه فمذمومٌ أن يلبس الإنسان الشهرتين، لكن الحديث عند ابن ماجة وفي سنده نظر وفيه ضعف.
وقد سبق أن الشهرة الأولى هو الذي يلبس لباساً فاخراً دائماً، فتجده يلبس لباساً يوصله بالجبابرة، ويسبل الثياب، ويتبختر في المشية، فهذا من الجبابرة المشهرين بهم في الدنيا والآخرة، وبعض الناس يتقمص شخصية الموت، وكأنه متصوف هندي من الهندوس يلبس ثوباً ممزقاً إلى الركبة، ثم عليه من الأوساخ والأوزار ما الله به عليم، ولو أنه أحسن في نفسه لغسل ثوبه، وتطيب؛ لأن الدين دين الطيب والإبداع والروعة، وهو دين الإيمان والحب والطموح.
стр. 2275
التوسط والتجمل في اللباس
المسألة الثالثة: التوسط في اللباس.
وأحسن حل للمسلم أن يكون وسطاً من عامة الناس فلا يلحق نفسه بالكبراء، ولا ينزل إلى درجة الذين يُستزرى بهم، لكن يتوسط في اللباس ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] وفي حديث فيه ضعف: ﴿خير الأمور أوسطها أو أواسطها﴾ أورده ابن الأثير في جامع الأصول وضعفه.
стр. 2276
التجمل في المناسبات
المسألة الرابعة: التجمل في المناسبات.
فمن هدي المسلم أن يكون له مناسبات يتجمل فيها، وأحسن ما يتجمل المسلم في المناسبات يوم الجمعة وفي الأعياد ﴿أتى عطارد بن حاجب بحلة له من أرض العراق، فعرضها للبيع، فأخذها عمر وقال: يا رسول الله! خذ هذه الحلة تجمل بها، وصل بها الجمعة، وتجمل بها للوفود.
فأقر عمر على هذا، ولكن أنكر عليه أنها من الحرير، وقال: هذا لباس من لا خلاق له.
أو قال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له يوم القيامة﴾.
فمنع ﷺ لبسها لأنها من الحرير، وأقر مبدأ التجمل، وقد كان ﵊ في الأعياد يلبس الحلة الحبرة، من برود اليمن، وهي حمر مخططة، وسوف يأتي حكم اللباس الأحمر.
وقد ذهب ابن عباس إلى الخوارج في العراق في النهروان، يجادلهم ويناظرهم، فرأوا عليه بردة بألف دينار، وابن عباس كان من أحسن الناس، كان يلبس بردة بألف دينار، والدينار عشرة دراهم -أي: تعادل عشرة آلاف درهم، وهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو الذي كان يبكي من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فأتى إلى الخوارج فقالوا: أأنت ابن عم الرسول ﵊ وتلبس هذا؟! قال: أنا أعلم أم أنتم بالرسول ﵊؟ قالوا: أنت.
قال: والله، لقد رأيته في حلة من أحسن الحلل.
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
لبس ﷺ الغالي الجميل للوفود، ولبس الطيب ليوم الجمعة، ولبس البرود الحمر للأعياد، ولبس التروس والدروع في القتال، ولبس الصوف المرحل؛ لأنه كما قال : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] لم يتقيد بهيئة في اللباس أو الطعام حتى يضيق على الناس، لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
كان الإمام مالك من أغنى الناس لباساً واعتناءً، وقد ذكر بعض الناس في تراجمه: أنه كانت له عشرات الأحذية.
ذكر ذلك التونسي في ترجمة الإمام مالك، ونقلها عن ترتيب المدارك للقاضي عياض، ويقول أحد أهل العلم: دخلت في بيت مالك بن أنس في المدينة، فكأنه من بيت الملوك، الحجبة على بابه، قال: فلما جلست أخذ يلقي إلي الوسائد يمنة ويسرة من كثرتها، ولكن مع ذلك يقول عن نفسه: ما مرت به ليلة، إلا رأيت الرسول ﷺ في المنام، إلا ليلة واحدة.
وكان مجلس الحديث في مسجده ﷺ الذي يقوم به الإمام مالك مجلساً فارهاً، بهياً بديعا ًمن حسنات الدنيا، أتدرون ماذا كان يفعل قبل أن يخرج؟ كان يتهيأ الطلبة للجلوس، فيجلسون وعليهم الثياب والعمائم البيض، ويطيب المكان، ثم يستقبلون القبلة ويجلسون، وبعد قليل يغتسل الإمام مالك، ثم يتوضأ، ثم يلبس ثيابه، ثم يتطيب، ثم يلبس القلنسوة وعليها العمامة، ثم يخرج بالبرد، فتخرج المجامر -وهي المباخر- أمامه حتى يصل إلى المسجد فيجلس على الكرسي، ويبدأ يتكلم، فما يتكلم أحد وكأن على رءوسهم الطير.
حتى نسب إلى ابن المبارك أنه قال: جلست عند الإمام مالك، فكان يقرأ الحديث.
ووجهه يتغير حتى تغير وجهه ثلاث عشرة مرة، يحمر ويسود، فلما انتهى قلت: مالك؟ قال: لدغتني عقرب ثلاث عشرة مرة.
قلت: ولماذا لا تنتهي؟ قال: أقطع كلام المصطفى ﷺ من أجل عقرب.
قال: ثم قرأ بيده وتفل، فمسح رجله، فكأن ما بها شيء.
وما كان يتبسم إلا للحاجة، دخل عليه وفد من أهل اليمن، فقالوا: يا أبا عبد الله! عندنا قوم يأكلون فإذا أكلوا قاموا فرقصوا حتى يتعبوا من الرقص ومن السكار.
وهؤلاء غلاة الصوفية.
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
فقال الإمام مالك: أمجانين هم؟ قالوا: لا.
قال: أصبيان هم؟ قالوا: لا.
قالوا: فتبسم ثم دخل غرفة عنده، قال أهل المدينة: حسبنا الله عليكم ونعم الوكيل، ما تبسم إمامنا من ثلاثين سنة، وأحرجتموه اليوم حتى يتبسم.
لكن نقول: هذا فعل الإمام مالك، وقوله يعرض على صاحب تلك الشريعة الحية ﵊، فإن وافق قلنا على العين والرأس، وإن خالف ضربنا به عرض الحائط وقلنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
فهذه الأخلاق إذا نقلت لكم عن عالم أو كبير أو زاهد أو وجيه أو إمام تعرض على حياته ﷺ ؛ فإن رماها فلا تصلح، وإن قبلها وأدخلها ومشت فهي صالحة بحمد الله.
стр. 2277
النهي عن لبس الحرير
المسألة الخامسة: ومنه لبس الحرير.
وهو محرم، ولا يتساهل فيه إنسان، وقد تساهل فيه كثير من الناس، وهو من علامات الساعة، ولبس الحرير لا يجوز إلا بمقدار أربع أصابع، وأشار عمر إلى أصابعه على المنبر ﵁ وأرضاه، وذلك كحاشية الثوب، أو ما ينسج مع الثوب أن يكون لو جمع كله بمقدار أربع أصابع.
ولكن يجوز لبس الحرير في موطنين اثنين:
الأول: إذا كان من الطب والاستشفاء، وأشار الأطباء أن لباس الحرير يوافق هذا المريض فله ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس ﴿رخص رسول الله ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لباس الحرير﴾ وبعض الأمراض كالجرب والحكة يناسبها الحرير، فإذا أشار الأطباء به فيلبسه المسلم، وهذه رخصة.
الموطن الثاني: إذا اصطف الأعداء، ورأى أن عندهم قوة وبهرجان وزينة؛ فله أن يلبس هذا ليرهب الأعداء، ولذلك نقل أن معاوية كتب لأمير المؤمنين عمر ﵃: إن أهل الروم قد فتنوا المسلمين بلبس الحرير، ولبس الديباج.
فقال: ألبس المسلمين من هذا الحرير، والرسول ﵊ نهى عن مشية الخيلاء، وقال لـ أبي دجانة وهو يختال يوم أحد أمام الأعداء: ﴿إن هذه مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموقف﴾.
وأبو دجانة أحد الأنصار الكبار العظماء، أتى الرسول ﷺ قبل معركة أحد فصف الصحابة، والكفار هناك، كل إنسان ينظر بعين زرقاء يريد أن يشرب دم خصمه من المسلمين ومن الكفار، فسل ﷺ سيفه وقال: من يأخذ هذا السيف؟ فظنوه جائزة أو وساماً وتشريفاً، وقالوا: كلنا نأخذه يا رسول الله! فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ -وكلمة (بحقه) يوضع تحتها ألف خط- فنزلت الأيدي إلا يد أبي دجانة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني.
قال: أنا آخذه وأستعين بالله، فلما أخذه أخرج عصابة حمراء كان يخرجها في القتال وعصب بها رأسه، قال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت -معناه ذبح- فأخذ السيف، قال أنس: فذهبت وراءه، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيته يكسر بها جماجم الكفار.
ومع صلاة العصر عاد به وهو منحني وقال: خذ يا رسول الله! فدعا له ﷺ .
بالخير واليمن والبركة.
فهذا هو الذي اختال في هذا الموطن، وليس الاختيال للذين يختالون عند الرقص واللهو واللغو الاختيال والقوة والشجاعة تكون عند ضرب الجماجم، وعند مقارعة السيوف وحطم الرماح.
يقول الأنصاري وهو يمدح قومه:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود أزوار المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب
ويقول الأعشى قيس بن ميمون؛ أعشى القلب والبصر، أراد أن يسلم فأرشي إليه بمائة ناقة فعادت به، فلما وصل إلى داره كسرته إحداها فمات.
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
لكنه من الشعراء الكبار، يقول:
لما التقينا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بكراً فينصرفوا
قالوا البقية والهندي يحصدهم ولا بقية إلا السيف فانكشفوا
يقول: كنا ملثمين وأعداؤنا ما علموا أنا بنو بكر بن وائل، فلما حضرنا كشفنا الجماجم فلما علموا انهزموا.
وهذه مبالغة كاذبة آثمة خاطئة.
стр. 2278
حكم جر الإزار
المسألة السادسة: جر الإزار.
وهو موضع حديثنا اليوم، يقول ﵊: ﴿لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء﴾ وهنا مسألة، يقول بعض الناس: أنا لا أجر ثوبي خيلاء، إنما أسبلت هكذا، ويعلم الله أني لا أجر ثوبي خيلاء.
قلنا: وما دليلك أيها المتقي الورع الزاهد العابد المجاهد؟ قال: دليلي أن الرسول ﵊ قال لـ أبي بكر لما شكا إليه وقال: ﴿يا رسول الله! إن إزاري يرتخي لولا أن أتعاهده.
قال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء﴾ فيقول: ما دام أن الرسول ﵊ أباح لـ أبي بكر أن يجر إزاره، وقال: إنه ليس ممن يفعل ذلك خيلاء، فأنا أفعل ذلك.
قلنا له: أنت توقف أمام ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الذي زكى أبا بكر هو المصطفى ﷺ ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:٣ - ١٠] وأما أنت فتحتاج إلى من يزكيك ويشهد لك، ولن تجد مثل الرسول ﵊ مزكياً.
المسألة الثانية: يا أيها الرجل العملاق العبقري، إن المزكى هو أبو بكر الصديق
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
من يأتي مثل أبي بكر؟ أأنت في زهدك وعبادتك مثل أبي بكر؟!
لا تعرضن بذكرهم في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمعقد
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
المسألة الثالثة: نقول: لو فتح هذا الباب لأسبل الناس ثيابهم جميعاً، وقالوا: لا نفعل هذا خيلاء والإنسان يعصي الله ويجاهر في ذلك، يسرق السارق من السوق ويقول: أستغفر الله العظيم، اللهم ثبتنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا يضرب العود ويغني ويقول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا، اللهم رد هذه الأمة إليك رداً جميلاً يغني ويقولون له: ما هي أمنيتك في الحياة؟ قال: أن ينصر الله المسلمين في فلسطين أنت بعودك هزمت المسلمين، أنت الذي أخر المسلمين عشرين سنة، بمثلك دخل شامير ورابين وموشي ديان بلاد المسلمين، وقصف بلاد المسلمين، وأنت على العود مسخت الأجيال وشباب المسلمين.
إسرائيل تدرب الكتائب والجيوش المجيشة، وما عرفت الغناء وحبيبي وحبيبتي، وأنت مسخت الأجيال وتغني لهم وهم يصفقون ويتراقصون، وأما إسرائيل فإنها ما رقصت ولا صفقت، عرفت من أين تأتي، فلذلك لا يصلح هذا الورع البارد المظلم.
الإنسان يرى إلى محرمات الناس في السوق، ويقول: اللهم قنعنا بما أتيتنا، وثبتنا واهدنا سبل السلام يقرأ المجلة الخليعة، فيقال له: لماذا لا تهتدي؟ فيقول: أسأل الله أن يهديني، وهل كفرت؟! لا.
ما كفرت، لكنك تقترب من الكفر وإن الذي يقترب من الزيغ والفسق والمعاصي يقترب من الكفر، وفي الإسلام خطوط أربعة وهي الدفاعات:
الخط الأول: دفاع الإسلام وهو الفرائض.
والثاني: السنن.
والثالث: الآداب.
والرابع: المروءات.
فإذا ضرب خط المروءات دخل في الآداب، فإذا انتهت الآداب ضربت السنن والنوافل، فإذا ضربت السنن دخل الجيش على الفرائض، فإذا ضربت الفرائض دخل الإنسان في الكفر، نعوذ بالله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] يقول المتنبي:
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
стр. 2279
حكم اللباس الأحمر
المسألة السابعة: نهى ﷺ عن الركوب على المياثر الحمر.
وعن لبس اللباس الأحمر، فما هو هذا اللباس؟ بينما سوف يمر معنا بعده حديث البراء بن عازب ﴿أن الرسول ﷺ لبس بردة حمراء، أو صلى في بردة حبرة حمراء﴾ فكيف نجمع بين النهي والفعل؟
و
الجواب
أما اللباس الأحمر الخالص فلا يجوز لبسه، وهو من لباس النساء، وأما الثياب المخططة التي فيها خطوط حمر وبيض، أو خضر أو سود فلا بأس، وهذا هو الأحمر المخطط المعلَّم كما قال ابن القيم، أما الأحمر الأصم الخالص، فهذا للنساء ولا يجوز لبسه للرجال؛ لأنه من لباس النساء، وفيه من الميوعة والأنوثة، والانهزامية والفشل ما الله به عليم، ولباس الرجال لا بد أن يجمع القوة والإبداع والجمال؛ لأن هذا دين القوة، والإبداع، والجمال.
ويلحق بالجواز الغتر لأنها مخططة، ولو كانت حمراء خالصة لقلنا: هذا في الثياب، أما الغتر فيجوز.
стр. 2280
حكم اللباس الأسود
المسألة الثامنة: هل يجوز للمسلم أن يلبس الأسود أم لا؟
لبس الأسود فيه تشاؤم، لكن ورد أنه ﷺ لبس أسوداً، وقف أبو مسلم الخراساني الذي قتل ألف ألف من المسلمين، وهو مقيم الدولة العباسية، ولذلك قيل: ثلاثة نقلوا دولاً إلى دول، الاسكندر المقدوني نقل دولة إلى دولة، وبختنصر البابلي، وأبو مسلم الخراساني نقل دولة بني أمية إلى دولة بني العباس، وهو الذي أتى بأعلامها.
قام يوم الجمعة يخطب الناس وعليه ثياب سود؛ لأن شعار لباس بني العباس الثياب السود، يسمى شعار الصولة والدولة والهيبة لبسوه، لكن الإمام أحمد لم يلبسه؛ لأن الأسود مذموم دائماً، فقام أبو مسلم الخراساني فتكلم، فقام رجل من وسط الناس وقال: يا أبا مسلم! كيف تلبس الثياب السود، وقد نهى عنها ﷺ ؟ قال: حدثني فلان -الرجل صاحب حديث، وهو صادق في الحديث، كذاب دائماً إلا في هذا الحديث- عن فلان، عن فلان، عن أبي الزبير، عن جابر ﴿أن الرسول ﵊ دخل الحرم وعليه عمامة سوداء﴾ والحديث في صحيح مسلم، قال أبو مسلم: يا غلام! اضرب رأس الرجل.
فتقدم أحد غلمانه فضرب رأسه، فإذا رأسه في واد وجثمانه في واد، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة:١٣٤].
لكن الله يبتلي الظالم بأظلم منه، فرصد له أبا جعفر المنصور حتى استخرجه كما تستخرج الحية من جحرها، وكان أبو مسلم جبار من الجبابرة، معه ألوف مؤلفة من أهل خراسان العجم يمشون في موكبه، لو قال لهم: اقتلوا من شئتم لقتلوه، وكان أبو جعفر من أدهى دهاة الدنيا، فأخذ يستدرجه ويتملح له، وكان أبو مسلم من قواده لكنه خرج عن الطاعة، ومن أعظم مصائبه أنه كتب له ائتني الزكاة التي قبضتها.
فقال: لا زكاة لك عندي.
ذهب معه في الحج؛ فسبقه وأخذ يقود الحجاج وترك الخليفة، ولو قال له: اذهب إلى الشمال لذهب إلى الجنوب عصى وتمرد فأتى أبو جعفر بحنكته فلبس -وهذا في باب اللباس- فروة ممزقة وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أنزعها من على جنبي حتى أقتل أبا مسلم.
فدخل أحد وزرائه عليه، فقال: كيف تلبس هذا وأنت خليفة؟ قال:
قد يدرك الشرف الفتى وقميصه خلق وجيب قميصه مرقوع
وفي الأخير كتب إلى أبي مسلم رسالة رقيقة كأنها تسيل بالدموع وعليها الورد والياسمين، وقال: أقدم إلينا، فقد قصرنا في ضيافتك، وفي جوائزك؛ فأنت الذي فتحت الفتوح -وهو صادق- فأُرسِلَتْ الرسالة، فاستشار أبو مسلم وزراءه، فقالوا: لا تقدم فيذبحك.
فأرسل له رسالة ثانية: يا أبا مسلم! لا يغرنك حلمي، فوالله، لو وقعت في النار، لوقعت وراءك في النار، والله لو سقطت في البحر لسقطت وراءك في البحر يهدده مرة ويدغدغه أخرى.
وفي الرسالة الثالثة أرسل إليه أعمامه، وقال: تحببوا إلى الرجل وعانقوه.
وبنو العباس من أحفاد ابن عباس ترجمان القرآن وهم أهل الخلافة.
فذهب أعمامه إلى أبي مسلم، ودهدهوه، وعانقوه، ومشوا حفاة أمامه، وهو علج لا يساوي ريالين، فتكبر عليهم.
في الأخير أرسل له رسالة رابعة وقال: أقدم علي ولك الأمان.
فأعطاه الأمان، فظن أنه لا يغدر، لكنه غدر به -نسألة الله العافية- فلما أتى بالأمان مع ذلك أخذ عشرين ألفاً من الحرس، عشرة آلاف على ميمنته، وعشرة آلاف على مسيرته، ودخل بغداد، وكان أبو جعفر المنصور ذكياً فقال لأعمامه: إذا دخل بغداد فاستقبلوه في الطريق وامشوا حفاة، فاستقبلوه ومشوا حفاة، وقال لهم أبو جعفر: لا توهموه بشيء أبداً، فدخل بحرسه حتى طوَّقوا قصر الخليفة، وسلم عليه الخليفة، وحياه وعانقه عناقاً حاراً أخوياً ما سمع في التاريخ مثله، ثم أجلسه فتركه في الضيافة ثلاثة أيام.
ثم قال له: يا أبا مسلم! أما تريد أن تسبح معنا في دار الخلافة؟ -في دار السلام في بغداد - قال: نعم.
فأمر جيش الخلافة أن يوزعوا هذا الحرس في كل مكان، فأدخلوهم في الثكنات وأغلقوا عليهم، وقال: علي به في الصباح.
فأدرك أبو مسلم الموت، وقال أبو جعفر لأربعة من حراسه: أنتم وراء الستار، فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه، فلما أدرك الموت قال لعم أبي جعفر عبد الله بن علي: ادخل معي هذا اليوم استنقذني من هذا فإنه سوف يقتلني، قال: أنا أتوضأ واسبقني عنده وسوف آتيك، وكان كلما دخل في باب أغلق عليه، سبعة أبواب، حتى لا يأتي أحد بعده، والحرس عنده، حتى دخل عند الخليفة وحده، وعنده خنجر في وسطه، وهو خائف ويريد أن يقتل الخليفة، وأبو جعفر ليس عنده شيء سوى سيف تحت فراشه.
فقال أبو جعفر: أرني هذه الحربة، من أين أخذتها؟ فتوهم بعد أن مازحه، فأعطاه الحربة، فسلها وجعلها تحت الفراش، ثم قال: مالك سبقتني في طريق الحج؟ قال: فعلت كذا وكذا.
قال: مالك تخطب أختي وهي من بني العباس وأنت علج فاجر؟ قال: فعلت كذا وكذا.
قال: مالك منعتني الزكاة؟ ثم قال: الله أكبر، حق عليك يا مجرم، ثم ضرب بين يديه فخرج الحرس فقتلوه، ثم وضع في كسائه ووضع عند أرجل الناس، فدخل عبد الله بن علي ذاك الواسطة القوي الشفيع، وقال: أين أبو مسلم؟ قال: هذا هو في هذا الكساء صل عليه، ثم رمي على رءوس الناس، فكأنها ما تناطحت في قتله عنزتان.
الشاهد: أن الأسود لبسه الرسول ﷺ ، وقد جاء من حديث أبي الزبير عن جابر في صحيح مسلم، فالرسول ﷺ -بأبي هو وأمي- دخل وعلى رأسه عمامة، ذاك القائد الرباني الرحيم الرءوف، الذي سيرة كل من سار على غير منهجه تلقى ويضرب بها عرض الحائط، فليست بسيرة، وليست بأخلاق ولا أدب.
следующие страницы →