← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

التجمل في المناسبات المسألة الرابعة: التجمل في المناسبات. فمن هدي المسلم أن يكون له مناسبات يتجمل فيها، وأحسن ما يتجمل المسلم في المناسبات يوم الجمعة وفي الأعياد ﴿أتى عطارد بن حاجب بحلة له من أرض العراق، فعرضها للبيع، فأخذها عمر وقال: يا رسول الله! خذ هذه الحلة تجمل بها، وصل بها الجمعة، وتجمل بها للوفود. فأقر عمر على هذا، ولكن أنكر عليه أنها من الحرير، وقال: هذا لباس من لا خلاق له. أو قال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له يوم القيامة﴾. فمنع ﷺ لبسها لأنها من الحرير، وأقر مبدأ التجمل، وقد كان ﵊ في الأعياد يلبس الحلة الحبرة، من برود اليمن، وهي حمر مخططة، وسوف يأتي حكم اللباس الأحمر. وقد ذهب ابن عباس إلى الخوارج في العراق في النهروان، يجادلهم ويناظرهم، فرأوا عليه بردة بألف دينار، وابن عباس كان من أحسن الناس، كان يلبس بردة بألف دينار، والدينار عشرة دراهم -أي: تعادل عشرة آلاف درهم، وهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو الذي كان يبكي من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فأتى إلى الخوارج فقالوا: أأنت ابن عم الرسول ﵊ وتلبس هذا؟! قال: أنا أعلم أم أنتم بالرسول ﵊؟ قالوا: أنت. قال: والله، لقد رأيته في حلة من أحسن الحلل. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها لبس ﷺ الغالي الجميل للوفود، ولبس الطيب ليوم الجمعة، ولبس البرود الحمر للأعياد، ولبس التروس والدروع في القتال، ولبس الصوف المرحل؛ لأنه كما قال : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] لم يتقيد بهيئة في اللباس أو الطعام حتى يضيق على الناس، لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. كان الإمام مالك من أغنى الناس لباساً واعتناءً، وقد ذكر بعض الناس في تراجمه: أنه كانت له عشرات الأحذية. ذكر ذلك التونسي في ترجمة الإمام مالك، ونقلها عن ترتيب المدارك للقاضي عياض، ويقول أحد أهل العلم: دخلت في بيت مالك بن أنس في المدينة، فكأنه من بيت الملوك، الحجبة على بابه، قال: فلما جلست أخذ يلقي إلي الوسائد يمنة ويسرة من كثرتها، ولكن مع ذلك يقول عن نفسه: ما مرت به ليلة، إلا رأيت الرسول ﷺ في المنام، إلا ليلة واحدة. وكان مجلس الحديث في مسجده ﷺ الذي يقوم به الإمام مالك مجلساً فارهاً، بهياً بديعا ًمن حسنات الدنيا، أتدرون ماذا كان يفعل قبل أن يخرج؟ كان يتهيأ الطلبة للجلوس، فيجلسون وعليهم الثياب والعمائم البيض، ويطيب المكان، ثم يستقبلون القبلة ويجلسون، وبعد قليل يغتسل الإمام مالك، ثم يتوضأ، ثم يلبس ثيابه، ثم يتطيب، ثم يلبس القلنسوة وعليها العمامة، ثم يخرج بالبرد، فتخرج المجامر -وهي المباخر- أمامه حتى يصل إلى المسجد فيجلس على الكرسي، ويبدأ يتكلم، فما يتكلم أحد وكأن على رءوسهم الطير. حتى نسب إلى ابن المبارك أنه قال: جلست عند الإمام مالك، فكان يقرأ الحديث. ووجهه يتغير حتى تغير وجهه ثلاث عشرة مرة، يحمر ويسود، فلما انتهى قلت: مالك؟ قال: لدغتني عقرب ثلاث عشرة مرة. قلت: ولماذا لا تنتهي؟ قال: أقطع كلام المصطفى ﷺ من أجل عقرب. قال: ثم قرأ بيده وتفل، فمسح رجله، فكأن ما بها شيء. وما كان يتبسم إلا للحاجة، دخل عليه وفد من أهل اليمن، فقالوا: يا أبا عبد الله! عندنا قوم يأكلون فإذا أكلوا قاموا فرقصوا حتى يتعبوا من الرقص ومن السكار. وهؤلاء غلاة الصوفية. وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع فقال الإمام مالك: أمجانين هم؟ قالوا: لا. قال: أصبيان هم؟ قالوا: لا. قالوا: فتبسم ثم دخل غرفة عنده، قال أهل المدينة: حسبنا الله عليكم ونعم الوكيل، ما تبسم إمامنا من ثلاثين سنة، وأحرجتموه اليوم حتى يتبسم. لكن نقول: هذا فعل الإمام مالك، وقوله يعرض على صاحب تلك الشريعة الحية ﵊، فإن وافق قلنا على العين والرأس، وإن خالف ضربنا به عرض الحائط وقلنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فهذه الأخلاق إذا نقلت لكم عن عالم أو كبير أو زاهد أو وجيه أو إمام تعرض على حياته ﷺ ؛ فإن رماها فلا تصلح، وإن قبلها وأدخلها ومشت فهي صالحة بحمد الله.

стр. 2277

النهي عن لبس الحرير المسألة الخامسة: ومنه لبس الحرير. وهو محرم، ولا يتساهل فيه إنسان، وقد تساهل فيه كثير من الناس، وهو من علامات الساعة، ولبس الحرير لا يجوز إلا بمقدار أربع أصابع، وأشار عمر إلى أصابعه على المنبر ﵁ وأرضاه، وذلك كحاشية الثوب، أو ما ينسج مع الثوب أن يكون لو جمع كله بمقدار أربع أصابع. ولكن يجوز لبس الحرير في موطنين اثنين: الأول: إذا كان من الطب والاستشفاء، وأشار الأطباء أن لباس الحرير يوافق هذا المريض فله ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس ﴿رخص رسول الله ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لباس الحرير﴾ وبعض الأمراض كالجرب والحكة يناسبها الحرير، فإذا أشار الأطباء به فيلبسه المسلم، وهذه رخصة. الموطن الثاني: إذا اصطف الأعداء، ورأى أن عندهم قوة وبهرجان وزينة؛ فله أن يلبس هذا ليرهب الأعداء، ولذلك نقل أن معاوية كتب لأمير المؤمنين عمر ﵃: إن أهل الروم قد فتنوا المسلمين بلبس الحرير، ولبس الديباج. فقال: ألبس المسلمين من هذا الحرير، والرسول ﵊ نهى عن مشية الخيلاء، وقال لـ أبي دجانة وهو يختال يوم أحد أمام الأعداء: ﴿إن هذه مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموقف﴾. وأبو دجانة أحد الأنصار الكبار العظماء، أتى الرسول ﷺ قبل معركة أحد فصف الصحابة، والكفار هناك، كل إنسان ينظر بعين زرقاء يريد أن يشرب دم خصمه من المسلمين ومن الكفار، فسل ﷺ سيفه وقال: من يأخذ هذا السيف؟ فظنوه جائزة أو وساماً وتشريفاً، وقالوا: كلنا نأخذه يا رسول الله! فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ -وكلمة (بحقه) يوضع تحتها ألف خط- فنزلت الأيدي إلا يد أبي دجانة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني. قال: أنا آخذه وأستعين بالله، فلما أخذه أخرج عصابة حمراء كان يخرجها في القتال وعصب بها رأسه، قال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت -معناه ذبح- فأخذ السيف، قال أنس: فذهبت وراءه، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيته يكسر بها جماجم الكفار. ومع صلاة العصر عاد به وهو منحني وقال: خذ يا رسول الله! فدعا له ﷺ . بالخير واليمن والبركة. فهذا هو الذي اختال في هذا الموطن، وليس الاختيال للذين يختالون عند الرقص واللهو واللغو الاختيال والقوة والشجاعة تكون عند ضرب الجماجم، وعند مقارعة السيوف وحطم الرماح. يقول الأنصاري وهو يمدح قومه: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود أزوار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب ويقول الأعشى قيس بن ميمون؛ أعشى القلب والبصر، أراد أن يسلم فأرشي إليه بمائة ناقة فعادت به، فلما وصل إلى داره كسرته إحداها فمات. لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار لكنه من الشعراء الكبار، يقول: لما التقينا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بكراً فينصرفوا قالوا البقية والهندي يحصدهم ولا بقية إلا السيف فانكشفوا يقول: كنا ملثمين وأعداؤنا ما علموا أنا بنو بكر بن وائل، فلما حضرنا كشفنا الجماجم فلما علموا انهزموا. وهذه مبالغة كاذبة آثمة خاطئة.

стр. 2278

حكم جر الإزار المسألة السادسة: جر الإزار. وهو موضع حديثنا اليوم، يقول ﵊: ﴿لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء﴾ وهنا مسألة، يقول بعض الناس: أنا لا أجر ثوبي خيلاء، إنما أسبلت هكذا، ويعلم الله أني لا أجر ثوبي خيلاء. قلنا: وما دليلك أيها المتقي الورع الزاهد العابد المجاهد؟ قال: دليلي أن الرسول ﵊ قال لـ أبي بكر لما شكا إليه وقال: ﴿يا رسول الله! إن إزاري يرتخي لولا أن أتعاهده. قال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء﴾ فيقول: ما دام أن الرسول ﵊ أباح لـ أبي بكر أن يجر إزاره، وقال: إنه ليس ممن يفعل ذلك خيلاء، فأنا أفعل ذلك. قلنا له: أنت توقف أمام ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الذي زكى أبا بكر هو المصطفى ﷺ ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:٣ - ١٠] وأما أنت فتحتاج إلى من يزكيك ويشهد لك، ولن تجد مثل الرسول ﵊ مزكياً. المسألة الثانية: يا أيها الرجل العملاق العبقري، إن المزكى هو أبو بكر الصديق من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول من يأتي مثل أبي بكر؟ أأنت في زهدك وعبادتك مثل أبي بكر؟! لا تعرضن بذكرهم في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمعقد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. المسألة الثالثة: نقول: لو فتح هذا الباب لأسبل الناس ثيابهم جميعاً، وقالوا: لا نفعل هذا خيلاء والإنسان يعصي الله ويجاهر في ذلك، يسرق السارق من السوق ويقول: أستغفر الله العظيم، اللهم ثبتنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا يضرب العود ويغني ويقول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا، اللهم رد هذه الأمة إليك رداً جميلاً يغني ويقولون له: ما هي أمنيتك في الحياة؟ قال: أن ينصر الله المسلمين في فلسطين أنت بعودك هزمت المسلمين، أنت الذي أخر المسلمين عشرين سنة، بمثلك دخل شامير ورابين وموشي ديان بلاد المسلمين، وقصف بلاد المسلمين، وأنت على العود مسخت الأجيال وشباب المسلمين. إسرائيل تدرب الكتائب والجيوش المجيشة، وما عرفت الغناء وحبيبي وحبيبتي، وأنت مسخت الأجيال وتغني لهم وهم يصفقون ويتراقصون، وأما إسرائيل فإنها ما رقصت ولا صفقت، عرفت من أين تأتي، فلذلك لا يصلح هذا الورع البارد المظلم. الإنسان يرى إلى محرمات الناس في السوق، ويقول: اللهم قنعنا بما أتيتنا، وثبتنا واهدنا سبل السلام يقرأ المجلة الخليعة، فيقال له: لماذا لا تهتدي؟ فيقول: أسأل الله أن يهديني، وهل كفرت؟! لا. ما كفرت، لكنك تقترب من الكفر وإن الذي يقترب من الزيغ والفسق والمعاصي يقترب من الكفر، وفي الإسلام خطوط أربعة وهي الدفاعات: الخط الأول: دفاع الإسلام وهو الفرائض. والثاني: السنن. والثالث: الآداب. والرابع: المروءات. فإذا ضرب خط المروءات دخل في الآداب، فإذا انتهت الآداب ضربت السنن والنوافل، فإذا ضربت السنن دخل الجيش على الفرائض، فإذا ضربت الفرائض دخل الإنسان في الكفر، نعوذ بالله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] يقول المتنبي: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل

стр. 2279

حكم اللباس الأحمر المسألة السابعة: نهى ﷺ عن الركوب على المياثر الحمر. وعن لبس اللباس الأحمر، فما هو هذا اللباس؟ بينما سوف يمر معنا بعده حديث البراء بن عازب ﴿أن الرسول ﷺ لبس بردة حمراء، أو صلى في بردة حبرة حمراء﴾ فكيف نجمع بين النهي والفعل؟ و الجواب أما اللباس الأحمر الخالص فلا يجوز لبسه، وهو من لباس النساء، وأما الثياب المخططة التي فيها خطوط حمر وبيض، أو خضر أو سود فلا بأس، وهذا هو الأحمر المخطط المعلَّم كما قال ابن القيم، أما الأحمر الأصم الخالص، فهذا للنساء ولا يجوز لبسه للرجال؛ لأنه من لباس النساء، وفيه من الميوعة والأنوثة، والانهزامية والفشل ما الله به عليم، ولباس الرجال لا بد أن يجمع القوة والإبداع والجمال؛ لأن هذا دين القوة، والإبداع، والجمال. ويلحق بالجواز الغتر لأنها مخططة، ولو كانت حمراء خالصة لقلنا: هذا في الثياب، أما الغتر فيجوز.

стр. 2280

حكم اللباس الأسود المسألة الثامنة: هل يجوز للمسلم أن يلبس الأسود أم لا؟ لبس الأسود فيه تشاؤم، لكن ورد أنه ﷺ لبس أسوداً، وقف أبو مسلم الخراساني الذي قتل ألف ألف من المسلمين، وهو مقيم الدولة العباسية، ولذلك قيل: ثلاثة نقلوا دولاً إلى دول، الاسكندر المقدوني نقل دولة إلى دولة، وبختنصر البابلي، وأبو مسلم الخراساني نقل دولة بني أمية إلى دولة بني العباس، وهو الذي أتى بأعلامها. قام يوم الجمعة يخطب الناس وعليه ثياب سود؛ لأن شعار لباس بني العباس الثياب السود، يسمى شعار الصولة والدولة والهيبة لبسوه، لكن الإمام أحمد لم يلبسه؛ لأن الأسود مذموم دائماً، فقام أبو مسلم الخراساني فتكلم، فقام رجل من وسط الناس وقال: يا أبا مسلم! كيف تلبس الثياب السود، وقد نهى عنها ﷺ ؟ قال: حدثني فلان -الرجل صاحب حديث، وهو صادق في الحديث، كذاب دائماً إلا في هذا الحديث- عن فلان، عن فلان، عن أبي الزبير، عن جابر ﴿أن الرسول ﵊ دخل الحرم وعليه عمامة سوداء﴾ والحديث في صحيح مسلم، قال أبو مسلم: يا غلام! اضرب رأس الرجل. فتقدم أحد غلمانه فضرب رأسه، فإذا رأسه في واد وجثمانه في واد، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة:١٣٤]. لكن الله يبتلي الظالم بأظلم منه، فرصد له أبا جعفر المنصور حتى استخرجه كما تستخرج الحية من جحرها، وكان أبو مسلم جبار من الجبابرة، معه ألوف مؤلفة من أهل خراسان العجم يمشون في موكبه، لو قال لهم: اقتلوا من شئتم لقتلوه، وكان أبو جعفر من أدهى دهاة الدنيا، فأخذ يستدرجه ويتملح له، وكان أبو مسلم من قواده لكنه خرج عن الطاعة، ومن أعظم مصائبه أنه كتب له ائتني الزكاة التي قبضتها. فقال: لا زكاة لك عندي. ذهب معه في الحج؛ فسبقه وأخذ يقود الحجاج وترك الخليفة، ولو قال له: اذهب إلى الشمال لذهب إلى الجنوب عصى وتمرد فأتى أبو جعفر بحنكته فلبس -وهذا في باب اللباس- فروة ممزقة وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أنزعها من على جنبي حتى أقتل أبا مسلم. فدخل أحد وزرائه عليه، فقال: كيف تلبس هذا وأنت خليفة؟ قال: قد يدرك الشرف الفتى وقميصه خلق وجيب قميصه مرقوع وفي الأخير كتب إلى أبي مسلم رسالة رقيقة كأنها تسيل بالدموع وعليها الورد والياسمين، وقال: أقدم إلينا، فقد قصرنا في ضيافتك، وفي جوائزك؛ فأنت الذي فتحت الفتوح -وهو صادق- فأُرسِلَتْ الرسالة، فاستشار أبو مسلم وزراءه، فقالوا: لا تقدم فيذبحك. فأرسل له رسالة ثانية: يا أبا مسلم! لا يغرنك حلمي، فوالله، لو وقعت في النار، لوقعت وراءك في النار، والله لو سقطت في البحر لسقطت وراءك في البحر يهدده مرة ويدغدغه أخرى. وفي الرسالة الثالثة أرسل إليه أعمامه، وقال: تحببوا إلى الرجل وعانقوه. وبنو العباس من أحفاد ابن عباس ترجمان القرآن وهم أهل الخلافة. فذهب أعمامه إلى أبي مسلم، ودهدهوه، وعانقوه، ومشوا حفاة أمامه، وهو علج لا يساوي ريالين، فتكبر عليهم. في الأخير أرسل له رسالة رابعة وقال: أقدم علي ولك الأمان. فأعطاه الأمان، فظن أنه لا يغدر، لكنه غدر به -نسألة الله العافية- فلما أتى بالأمان مع ذلك أخذ عشرين ألفاً من الحرس، عشرة آلاف على ميمنته، وعشرة آلاف على مسيرته، ودخل بغداد، وكان أبو جعفر المنصور ذكياً فقال لأعمامه: إذا دخل بغداد فاستقبلوه في الطريق وامشوا حفاة، فاستقبلوه ومشوا حفاة، وقال لهم أبو جعفر: لا توهموه بشيء أبداً، فدخل بحرسه حتى طوَّقوا قصر الخليفة، وسلم عليه الخليفة، وحياه وعانقه عناقاً حاراً أخوياً ما سمع في التاريخ مثله، ثم أجلسه فتركه في الضيافة ثلاثة أيام. ثم قال له: يا أبا مسلم! أما تريد أن تسبح معنا في دار الخلافة؟ -في دار السلام في بغداد - قال: نعم. فأمر جيش الخلافة أن يوزعوا هذا الحرس في كل مكان، فأدخلوهم في الثكنات وأغلقوا عليهم، وقال: علي به في الصباح. فأدرك أبو مسلم الموت، وقال أبو جعفر لأربعة من حراسه: أنتم وراء الستار، فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه، فلما أدرك الموت قال لعم أبي جعفر عبد الله بن علي: ادخل معي هذا اليوم استنقذني من هذا فإنه سوف يقتلني، قال: أنا أتوضأ واسبقني عنده وسوف آتيك، وكان كلما دخل في باب أغلق عليه، سبعة أبواب، حتى لا يأتي أحد بعده، والحرس عنده، حتى دخل عند الخليفة وحده، وعنده خنجر في وسطه، وهو خائف ويريد أن يقتل الخليفة، وأبو جعفر ليس عنده شيء سوى سيف تحت فراشه. فقال أبو جعفر: أرني هذه الحربة، من أين أخذتها؟ فتوهم بعد أن مازحه، فأعطاه الحربة، فسلها وجعلها تحت الفراش، ثم قال: مالك سبقتني في طريق الحج؟ قال: فعلت كذا وكذا. قال: مالك تخطب أختي وهي من بني العباس وأنت علج فاجر؟ قال: فعلت كذا وكذا. قال: مالك منعتني الزكاة؟ ثم قال: الله أكبر، حق عليك يا مجرم، ثم ضرب بين يديه فخرج الحرس فقتلوه، ثم وضع في كسائه ووضع عند أرجل الناس، فدخل عبد الله بن علي ذاك الواسطة القوي الشفيع، وقال: أين أبو مسلم؟ قال: هذا هو في هذا الكساء صل عليه، ثم رمي على رءوس الناس، فكأنها ما تناطحت في قتله عنزتان. الشاهد: أن الأسود لبسه الرسول ﷺ ، وقد جاء من حديث أبي الزبير عن جابر في صحيح مسلم، فالرسول ﷺ -بأبي هو وأمي- دخل وعلى رأسه عمامة، ذاك القائد الرباني الرحيم الرءوف، الذي سيرة كل من سار على غير منهجه تلقى ويضرب بها عرض الحائط، فليست بسيرة، وليست بأخلاق ولا أدب.

стр. 2281

اللباس وحسن المقصد المسألة التاسعة: لبس المقاصد. هناك من يلبس المقاصد وهو مأجور، وإنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بنيتك، فإن كنت تلبس اللباس الجميل لتظهر جمال الإسلام، وجمال العلم والدعوة، فأنت مأجور مشكور وإن كنت تلبس الداني الرخيص المتبذل تواضعاً لله واحتساباً عند الله، فأنت مأجور مشكور. الكل يعرف علي بن أبي طالب، ولا ينكره أحد، والمعارف لا تعرَّف بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر قلن تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر دخل وتولى الخلافة أربع سنوات وقيل خمس، والخمس أولى، نزل الكوفة وعليه ثوب بأربعة دراهم، قطعه من أنصاف ساقيه، وركب الحمار وجعل أرجله الاثنتين على جنب الحمار، ثم دخل فلما رآه الناس قاموا، فقال: [[أنا أبو الحسن، أهنت الدنيا أهانها الله]]. وعمر بن الخطاب لبس برداً مرقعاً فيه أربع عشرة رقعة، وكان يصلي به في الناس ﵁ وأرضاه، ولا بأس أن نعيد قصة طالما أعدناها، لكن علها أن تقف في القلوب شواهد، وفي الأذهان دلائل، وفي البصائر معالم. أتى رسول كسرى من بلاد فارس ليفاوض عمر بن الخطاب، فلما دخل المدينة سأل عن عمر، فلم يجده في بيته، فذهب إلى المسجد فلم يجده، قال: أين بيت الخليفة؟ قالوا: هذا البيت. قال: ليس بصحيح، أين حرسه؟ قالوا: لا حرس له، قال: أين دنياه؟ قالوا: لا دنيا له. قال: أين أجده؟ قالوا: أبحث عنه. فذهب الصحابة يبحثون عنه، فمروا بشجرة في ضاحية من ضواحي المدينة، وإذا بـ عمر نائم تحت الشجرة ضحى، درته التي يخرج بها وسواس الشيطان من الرءوس عند رأسه -أي إنسان عنده وسوسة في رأسه، فإنه يزيلها إما بدرته، وإن لم ينفع فيستخدم سيفاً أملح- فلما رآه قال: هذا الخليفة؟ قالوا: هذا الخليفة. وإذا ثيابه ممزقه، عليه برد ممزق مرقع، فأخذ يرتجف الوزير الفارسي، وذهل. وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت. فقام عمر فذهل الرجل أكثر وأكثر، وأخذ يفاوضه، فكاد يجن الرجل من عقل عمر، ومن تفوقه وذكائه. قال حافظ إبراهيم: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عقلاً وهو راعيها رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها ذكر الغزالي أن عيسى بن مريم ﵇ أخذ حجراً ينام عليه -وسادة- فقد كان من أزهد الناس عيسى ﵇، يلبس الصوف، وينام ومخدته الحجارة، وفراشه التراب ولحافه السماء فقال له الشيطان: يا عيسى بن مريم! أما تركت الدنيا وطلقتها؟ قال: نعم. قال: فما بالك تتوسد منها؟ قال: فرمى بالحجر وتوسد ذراعه. والعهدة على حجة الإسلام محمد بن محمد أبي حامد الغزالي.

стр. 2282

رؤية الثوب الأبيض في المنام المسألة العاشرة: من رؤي في المنام وعليه ثوب أبيض رأيت حبيبك وقريبك عليه ثوب أبيض، فما هو تأويل هذه الرؤيا؟ أقرب ما يكون أنه الخير -إن شاء الله- واليمن والبركة والسعود والأجر والثواب، فتبشر بذلك خيراً. وجاء في حديث ذكره ابن حجر المكي: أن الرسول ﵊ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: ﴿رأيت عليه ثياباً بيضاء ولو كان من أهل السوء لما رأيت عليه ثياباً بيضاء﴾ فاستدل بهذا على أن الثياب البيض علامة الخير. ولا نقول: إن من رؤي عليه ثياب سود أنها علامة السوء، لا. نتوقف عند هذا، ولا يتسرع في تعبير الرؤيا والأحلام، يأتي واحد فيقول: رأيت عمي جالساً -قد مات- وهو يأكل ويشرب، ثم بكى بعد أن أكل وشرب، فما تأويل الرؤيا هذه؟ فيأتي أحد الناس ويقول: عمك -إن شاء الله- من العشرة المبشرين بالجنة، وأما علامة الأكل فهو ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وأما البكاء فهو البكاء من خشية الله. كان شيوخ القمر يجتمعون في البصرة وفي الكوفة بعد صلاة العشاء، لا يقرءون ولا يبحثون ولا يتساءلون، بل ينظرون إلى القمر ويخططون، ويقولون: يموت فلان يوم كذا، ويموت فلان يوم كذا، ويحيا فلان يوم كذا. فهؤلاء شيوخ القمر الذين يعبرون الرؤيا مثلما اتفقت.

стр. 2283

من رئي في المنام وعليه قميص يجره المسألة الحادية عشرة: إذا رأيت حبيبك أو قريبك أو صديقك وعليه ثوب يجره في المنام فهذه علامة خير، ففي صحيح البخاري أن الرسول ﵊ قال: ﴿عرض علي الناس في المنام البارحة وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾. ويُتساءل: هل يجوز للإنسان أن يجر قميصه ما دام أن عمر يجر قميصه في المنام؟ قلنا: لا. هذه أحكام منام، وهذه أحكام يقظة. وهذا مثل تصحيح الحديث عند بعض الناس في المنام، وهذا موجود أورده ابن مندة، فقد جاء بأحاديث وقال: رأيت الرسول ﷺ في المنام، فسألته عن هذه الأحاديث، فقال: هي صحيحة. وبعضهم يقول: هذا من زيادة الكذب، حتى يقول الذهبي أورد كذبة لبعضهم وقال: هكذا فليكن الكذب. الذي يكذب مثل هذه وإلا فلا، فإن بعضهم يقول: سافرت ووصلت المدينة، وصليت ركعتين ووصلت إلى القبر، فقلت: يا رسول الله! حدثني فلان عن فلان عن فلان عن فلان من الصحابة عنك أنك قلت كذا. فقال: هذا صحيح. وبعض الكذب متعوب عليه، أي: يستاهل، كذب على مزاجك، وبعض الكذب يدخل فيه شيء، لكن الكذب على المزاج يستحق أن تعرف العقول أنه كذب. وأكثر ما يصاب الكذابين بمعرفة التاريخ؛ فإن ابن مسعود ﵁ مات قبل صفين، فأتى أحد الكذابين وقال: حدثنا فلان، قال: كنا في معركة صفين فخرج علينا ابن مسعود وعليه حزام من ليف، يظن هذا الكذاب أن ابن مسعود بقي حياً إلى بعد صفين، فسمع الحديث الإمام أحمد؛ فتبسم وقال: أتظن أن ابن مسعود بعثه الله من القبر حتى حضر صفين؟! بعض الناس ينسى الوقائع والتاريخ. فالمقصود من رؤي في المنام وعليه قميص يجره فهذا علامة الخير إن شاء الله، والرؤيا أكثر ما يكذب فيها بعض الناس، وفي الحديث الصحيح: ﴿من تكلف غير ما ترى عيناه، كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بقادر﴾ فيقوم أحدهم عند الإفطار فيرى أهله ويريد أن يتحبب إلى زوجته، فيقول: رأيتك في الجنة البارحة وأنت في قصر أبيض كالربابة. فتقول ابنته: وأنا. فيقول: رأيتك على يمين الجنة عندك سبعة قصور. ويقول ولده: أين أنا؟ فيقول: تشرب من الرحيق المختوم. فهذا من الكذب. وبعضهم يموت ابن لقريبه فيريد أن يواسيه في المصيبة، فيقول: أبشر، ابنك -إن شاء الله- سعيد، رأيته البارحة في الجنة، ويقول: أين أبي وأين أمي؟ قال أهل العلم: أكثر ما يكذب في المنام، هو الأكثر كذباً في اليقظة وفي حديث صحيح ما معناه: ﴿أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً﴾ وأصدق الناس لهجة محمد ﵊، ما كذب كذبة واحدة في التاريخ، لا في الليل، ولا في النهار، ولا في الصيف، ولا في الشتاء، ولا في السماء، ولا في الأرض، ولا يقظة، ولا مناماً، ولا في أي مكان، ما كذب كذبة أبداً، فكان أصدق الناس رؤيا، يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح. يقول قبل معركة أحد: ﴿رأيت كأن ذباب سيفي كسر، وكأن أبقاراً تنحر، وكأنني أدخلت يدي في درع حصينة. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: أما إدخال اليد في الدرع فهذه المدينة المنورة، وأما كسر ذباب السيف فهذا رجل من أقاربي يقتل غداً، وأما الأبقار التي تنحر فهؤلاء الشهداء من المؤمنين، وعند الله خير﴾ وفي الصباح بدأت المعركة، وآوى المؤمنون إلى المدينة، وقتل حمزة، وقتل سبعون من الصحابة، فهذه رؤيا من الرؤى التي رآها ﷺ .

стр. 2284

التصدق بالثياب الملبوسة والمستعملة المسألة الثانية عشرة: هل لك أن تتصدق بلباسك وتخفف منها؟ هل من المروءة عند الناس أن إذا عرض لك فقير وسألك؛ أن تخلع له غترتك، وتقول: تفضل؟ أو شيئاً من لباسك الداخلي أو الخارجي؟ حدث هذا عن المصطفى ﵊، أتت امرأة فنذرت لله أن تلبس الرسول ﵊ حلة، فذهبت فنسجت حلة، وتعبت عليها والحلة من أحسن اللباس- لتكون هدية طيبة إلى المصطفى الطيب ﷺ ، فلما نسجت الحلة ذهبت بها إلى المصطفى ﷺ ، قال الصحابة: فلبسها محتاجاً إليها. كانوا في قلة من اللباس والطعام والشراب، لبسها محتاجاً إليها، فلبس الحلة ﵊ وخرج إلى الناس، فلما خرج قام رجل في الطريق، وقال: يا رسول الله! ألبسني هذه الحلة. قال: انتظر قليلاً، فذهب ﷺ إلى بيته وغير ملابسه الأولى الممزقة، وأعطاه الحلة، فأمسك الأنصار بالرجل وقالوا له: فعل الله بك وفعل، صنع الله بك وصنع، لبسها ﷺ محتاجاً إليه، وأنت تسأله وتعرف أنه لا يقول (لا). فإن كلمة (لا) ليست في قاموسه ﵊ إلا في لا إله إلا الله ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم ذكر البزار عن شيخ الإسلام ابن تيمية في الأعلام العلية، قال: كنت أرافقه فربما عرض له الفقير المسكين، فيبحث ابن تيمية فلا يجد دراهم في جيوبه، ويبحث عن الخبز فلا يجد خبزاً، فيختفي ويخلع أحد ثوبيه ويعطيه الفقير. قال: فعرض له فقير مرة فسأله سؤالاً، فما وجد ابن تيمية إلا ثوباً عليه، ولم يجد دراهم ولا خبزاً ولا شيئاً، فأخذ عمامته فقسمها نصفين وأعطى الفقير نصفها. ما هذه الأخلاق؟! إنها أخلاق الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر. وورد في الحديث عنه ﷺ : ﴿من كسا مسلماً على عري كساه الله من حلي الجنة﴾ والحديث يقبل التحسين، وفي حديث ابن عباس الصحيح: ﴿يقول الله يوم القيامة: يا بن آدم! جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم! استكسيتك فلم تكسني، قال: كيف أكسوك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان استكساك فما كسيته؟ أما علمت أنك لو كسيته وجدت ذلك عندي؟﴾.

стр. 2285

أذكار واردة عند لبس الثياب المسألة الثالثة عشرة: ماذا يقول من لبس ثوباً؟ من السنة إذا لبست ثوباً أن تقول: ﴿اللهم إني أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر من صنع له، الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في الناس﴾. اللباس من الله، والطعام من الله، والماء من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣]. إذاً: لا بد أن يعرف هذا الذكر ليقال؛ لأن أهل السنة دائماً يعتنون بالأذكار ﴿من قال هذا الدعاء ثم عمد إلى البالي من ثيابه فتصدق بها، ستره الله في هذا الثوب حياً وميتاً﴾ فمن السنة إذا لبست جديداً فاعمد إلى بالي ثيابك فتصدق بها على الناس، ولا تقل: ليس في المجتمع من يحتاج، بل في المجتمع من يحتاج إلى مزق الثياب وكسر الخبز، وهل أنت طفت العالم، ورأيت المجتمع، واستقصيت الأحوال؟ إن الذي يجلس على الموائد الشهية، ويركب المراكب الوطية، ويسكن في الفلل البهية، يظن أن الناس بهذه العيشة المرضية، لا. والإنسان إذا بحث عن الفقراء فإنه سوف يجد الفقراء والمساكين. وهذا الحديث في عمل اليوم والليلة، وهو بشواهده يقبل التحسين، والرسول ﵊ رأى عمر بن الخطاب وعليه ثياب بيض فقال: ﴿البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً﴾ فلبس عمر جديداً، وعاش حميداً، ومات شهيداً، ﵁ وأرضاه.

стр. 2286

أعظم لباس هو لباس التقوى المسألة الرابعة عشرة: أعظم لباس ﴿ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسياً فمن استتر بستر الله من الطاعات والعبادات والأخلاق الجميلة، ستره الله في الدنيا والآخرة، ولو كان في قلة من الثياب، ومن تكشف أمره بالمعاصي والذنوب والخطايا لا يستره الله ولو لبس ما في الدنيا من ثياب ﴿ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] فأحسن لباس -يا عباد الله- لباس التقوى، وإني أدعو نفسي وإياكم إلى التلبس بهذا اللباس بالأخلاق الجميلة بالتواضع بالصدق مع الله والإخلاص، لعل الله أن يلبسنا وإياكم التقوى في الدنيا والآخرة، فإن من ألبسه الله التقوى نجح في الدنيا والآخرة، ولا يخاف ظلماً ولا هضماً. قال البخاري: وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. قال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال النبي ﷺ : لستَ ممن يصنعه خيلاء﴾ مر هذا معنا وأن بعض الناس يقول: إن ثوبي طويل، وأنا لا أفعل ذلك خيلاء، فنقول: الإزار غير الثوب، فالإزار هو ما يلف بشيء، أو يربط، أو يعقد عند الأزرة، فهو يرتخي بالطبع. أما الذي يذهب إلى الخياط، فيقول: أسبله في الأرض، فهو الذي تعمد، وهو الذي أتى بهذا الخطأ وهذا الذنب، ولا يقل فيما بعد: الخياط هو الذي فعل كذا، وكثير من الناس إذا قيل له: ارفع إزارك، قال: حسبنا الله على الخياط. سبحان الله! هذا الخياط كيف تعرض للمسلمين دائماً في تطويل ثيابهم، وإذا قيل له: ربِّ لحيتك، قال: حسبنا الله على الحلاق. أصبح الخياط، والحلاق، والفران، والخباز، والغسال، المسئولين عن عقائد الناس، وعن عباداتهم وآدابهم، ومتى كانوا كذلك؟ إنما هم يفعلون ما يؤمرون، لا يعصون أبداً، فأنت إذا اتقيت الله لا يصيبك لوم. وعلى المسلم ألا يستنكف عن السنة، حتى إن بعضهم يقول: العصر لا يناسب أن نجعل ثيابنا فوق الكعب. نحن لا نقول: يرفعها كثيراً، لكن فوق الكعب، وسوف يجملك الله ولو فوق الكعب، أما أن تسحبها سحباً فإنك لست مسئولاً عن كنس الشوارع ولا الأحياء، فقد تولاها غيرك، فأنت -بارك الله فيك- لباس التقوى هذا هو لباس عباد الله الصالحين، ولباس المصطفى ﵊. عمر ﵁ طعن وهو في سكرات الموت، وأتى شابٌ يجر إزاره، فقال له: [[يا بن أخي، ارفع إزارك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] وفي بعض السير [[أتقى وأنقى وأبقى]] فهو أبقى للثوب، وأتقى لله، وأنقى للثوب من النجاسات، وهل تدلك الشريعة إلا على ما فيه خير لك في الدنيا والآخرة، وكلما علم الله أنك تريد التقيد بشرعه كلما زادك من الخير والفضل والحسن في الدنيا والآخرة، وهذه الشريعة لا يستنكف ولا يتكبر عليها. عن أبي بكرة ﵁ قال: ﴿خسفت الشمس ونحن عند النبي ﷺ ، فقام يجر ثوبه مستعجلاً حتى أتى المسجد، وثاب الناس فصلى ركعتين، فجلي عنها -أي: عن الشمس- ثم أقبل علينا وقال: إن الشمس والقمر آيتين من آيات الله، فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا حتى يكشفها﴾ أي: يكشفها الله . وهذا الحديث له قصة: مات ابن الرسول ﵊ إبراهيم، وعمره ما يقارب السنتين، فلما مات كان من قضاء الله وقدره أن يكسف بالشمس في ذلك اليوم، لا لموت ابنه، فلما كسفت الشمس في ذلك اليوم قام ﵊ من مجلسه، يجر إزاره، وفي بعض الألفاظ سقطت عمامته في الأرض خائفاً أن الساعة قامت؛ لأنه أول مرة في حياته تكسف، وما كان يعرف ﷺ أن هذا سوف يقع، فقام إلى المسجد وقام الناس وراءه، وتباكى النساء والأطفال، وثوب بالصلاة ودخل يصلي، والبكاء يقطع صوته ﷺ ، فقرأ سورة البقرة، وفي أثناء الصلاة تأخر قليلاً وتقدم قليلاً، فلما سلم قام فألقى خطبة عظيمة، لأنه سمع الناس يقولون: كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال: ﴿إن الشمس والقمر لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته، إنما هما آية من آيات الله يخوف الله بهما عباده قالوا: يا رسول الله! نراك تقدمت؟! قال ﵊: عرض علي عنقود من عناقيد الجنة، ولو أخذته لأكلته ما بقيت الدنيا، ثم رفع العنقود. قالوا: ورأيناك تأخرت؟! قال: رأيت عمرو بن لحي الخزاعي الذي سيب السوائب يجر قصبه في النار. وفي لفظ: عرضت لي النار كعرض هذا الحائط، وعرضت لي الجنة فلم أرَ كالخير والشر اليوم﴾ فما أحسن الخير وما أشد الشر! هذا مناسبة الحديث. فهو ﷺ لم يجر إزاره متعمداً، وإنما للخوف وللخشية نسي من نفسه ﷺ ، فارتخى الإزار فقام يزحف إلى المسجد ليصلي بالناس. إذاً: فالرسول لم يجر الإزار متعمداً، وليس فيه دليل لمن جر ثوبه أو إزاره، بل هذا حدث على خلاف المراد والمقصود.

стр. 2287

الأسئلة

стр. 2288

اللباس الموافق للسنة السؤال ذكرت اللباس، فما هو لباس السنة من الثوب والبنطلون وما شابه ذلك؟ الجواب اللباس -أولاً- من المصالح المرسلة، التي على الإنسان ألا يتكيف بكيفية محددة، فلم يكيفه الله ولا رسوله ﷺ ، أن يقول: يا أيها الناس! لا بد أن تلبسوا العمائم أو البنطلون، لا. إنما المقصود ألا يكون فيه محرماً أو ضيقاً أو شفافاً أو ما يكشف العورة، هذا هو المحذور، أما غير ذلك فلكل بلد، ولكل شعب، ولكل أمة لباس يتعارفون عليه، فنحن هنا في بلادنا لا نقول: هو لباس السنة وأما غيرنا فلا. فإن أهل العمائم مثل السودان وغيرهم، يقولون: نحن أقرب، وهم في العمائم أقرب، وغيرهم من أهل مصر ربما يدعون أموراً ويقولون: لباسنا أخف وأقرب متناولاً ومداولة في الأعمال، فنقول: لا. اللباس إذا كان حلالاً فما تعارف عليه الناس، ولم يخرج إلى حد الحرام فهو المطلوب، ولكلٍّ مروءة وعرف. والعرف يدار عليه بعض أحكام الشريعة، فمن العرف أن تلبس لباس بلدك الذي تعيش فيه وهو من المروءة، فإن عندنا إذا نزل أحدنا إلى السوق وليس على رأسه شيء، فهو من خوارم المروءة، مع أنه جائز، لكنه خفة وطيش، وقلة مروءة، أو يأتي أحد في فنيلة وسروال ويدور في السوق، فنقول: مالك؟ قال: من تواضع لله رفعه ومن تكبر على الله وضعه. قلنا: ما شاء الله يا هذا الورع المظلم البارد، بل هذا من قلة العقل وقلة المروءة. فلا يلام أحدٌ بأحد، ومن يلبس عندنا لباس المغاربة ويقول: هو ليس محرماً. وهو أحد رجلين: أما واهم ويظن أن هذا هو السنة، أو رجل في عقله شيء. إذاً إذا خلا اللباس من المحرم أو التشبه بالكفار قلنا بجوازه، أما إذا أتى أحد يتشبه بالكفار والخواجات، وبشيء ما أتى به الدين، قلنا كما في الحديث الصحيح: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾. إذاً فليس هناك لباس محدود، وأنت البس ما شئت، لكنك تراعي العرف العام للمجتمع وللبلد الذي تعيش فيه، البس في كل زمان ومكان وظرف ما يناسب زمانه وظرفه ومكانه.

стр. 2289

سبب قلة أحاديث أبي بكر عن الرسول السؤال لماذا كان أبو بكر أقل الصحابة حديثاً عن رسول الله ﷺ ؟ الجواب السائل صدق، أبو بكر من أقل الصحابة حديثاً، ألكثرة نومه؟ ألجلوسه في البيت؟ ألمطاردة التجارة والزراعة؟ لا. أبو بكر أقل الناس حديثاً؛ لأنه أقام الدولة الإسلامية بعد الرسول ﵊، ولأنه اشتغل بضرب جماجم الكفار، ولأنه أسس منابر العدل، ووزع الجيوش، وأقام الأعلام، ورفع الرايات، واشتغل بأمور الأمة، فكفل اليتيم، وقام على الأرملة، وأشبع الجائع، وحكم، ونصر المظلوم، وأقام العدالة، فما تفرغ ليجلس للناس ويقول: حدثنا رسول الله ﵊، فـ أبو هريرة أكثر منه حديثاً، وأبو بكر أعظم منه وأفضل منه في الإسلام وأجل، فليست المسألة مسألة حديث، لكن مسألة البلاء الحسن، والجهد والطاقة التي صرفها في سبيل الله.

стр. 2290

صلاة التسابيح السؤال هل ورد في صلاة التسابيح حديث صحيح؟ الجواب ألف ابن ناصر أحد علماء القرن السادس رسالة في صلاة التسابيح، ومن أهل العلم من صحح الحديث، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من وضعه، والصحيح أن الحديث ضعيف ولا يعمل بهذه الصلاة، ولو أن بعض العلماء حسنوه وقبلوه، وهم مأجورون؛ لأنهم اعتقدوا حسن الحديث، والصحيح أن صلاة التسابيح لا تصح فلا تصلى، وفيما صح كفاية، وياليتنا نقوم بالضحى، والوتر، ومن استطاع قيام الليل؛ حتى نخرج إلى الأحاديث الموضوعة.

стр. 2291

حديث (وبحق السائلين) السؤال ما مدى صحة الحديث ﴿وبحق السائلين﴾؟ الجواب ورد في السنن أن الرسول ﵊ كان يقول إذا خرج إلى المسجد: ﴿اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فاغفر لي ذنبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾ هذا الحديث ضعيف، في سنده عطية بن سعيد العوفي، وهو ضعيف عند أهل العلم، فضعف به السند، والحديث في معناه يمكن أن يكون، لكن في الطريق عطية وابن تيمية ضعفه ثم شرحه، قال: إن كان بحق السائلين، فحق أوجبه الله على نفسه، لم يوجبه أحد من الناس، فإن للسائل حق أن يعافيه الله ، وللمذنب إذا استغفر أن يغفر الله له، وللتائب حق إذا تاب أن يتوب الله عليه، فهو حق أوجبه الله على نفسه ولم يوجبه أحد من الناس.

стр. 2292

حديث (ما أخذ بالحياء فهو حرام) السؤال ما مدى صحة ﴿ما أخذ بالحياء فهو حرام﴾؟: الجواب هذا الحديث لا يصح، وهو من الآثار التي لا ترفع إلى الرسول ﵊، والعجيب أن الناس يحفظون الأحاديث الموضوعة، وأما الأحاديث الصحيحة فبحفظ الله ورعايته لم يحفظوا إلا القليل، أحد الناس يقول: كما يقول ﷺ ، لما قيل له: ما أخرك يا رسول الله؟ قال: أصنع لكل حق طبق. حتى الكلام ليس من كلام العرب ولا العجم ولا الفرنسيين، (طبق وحق) فهذا ليس من لفظه ﷺ . وقد سمعت أحد الإخوان من المشايخ يقول: سمع في جلسة أن أحد القصاص يقص في مجلس، فقال: ذهب رجل منا -من عسير- إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هل من ام بر ام صيام في ام سفر؟ قال: ﴿ليس من ام بر ام صيام في ام سفر يا صبي عسير﴾. فاللفظة هذه ما أحسنها! ما دخلت الكتب ولا العقول، فمثل الأحاديث الموضوعة هذه تتجنب، وحديث: ﴿ما أخذ بالحياء فهو حرام﴾ لا يصح وليس مرفوعاً إليه ﷺ .

стр. 2293

حكم رفع الثوب إلى الركبتين السؤال ما حكم رفع الثوب إلى فوق نصف الساق وإلى الركبتين؟ الجواب هذا ما يفعله أحد، هذا فنيلة وليس بثوب، فإن بعض الفنايل تصل إلى الركب، أما أن يصل إلى الركبتين فهذا ليس بساتر، إنما الثوب عند العرب أن يكون ثوباً والفنيلة فنيلة وأما إلى نصف الساق فهو السنة، والأحسن والأولى أن يلبس إلى نصف الساق، لكن من رأى أن يلبس إلى فوق الكعب فليلبس إلى فوق الكعب إذا رأى ذلك. فإن ابن مسعود شكا إلى عمر وقال: إن في ساقي حموشة، فأريد أن أنزل إزاري إلى تحت نصف الساق. فقال: افعل ذلك. فكان ينزله إلى فوق الكعب، لكن أما تحت الكعب فخطر ممنوع الاقتراب، وأما إلى الركبة فما سمعنا بهذا. وفي الختام أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأن يتقبل منا صالح ما عملنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2294

الراحمون يرحمهم الله رحمة الله تعالى بعباده واسعة وعظيمة، وهي أوسع لهم وأرجى، وفي هذا الدرس تجد بياناً لبعض مظاهر رحمة الله، التي منها ما وضعه الله من الرحمة في نبيه ﷺ ، التي من خلالها ربى النبي ﷺ أصحابه عليها، وتجد تلك التربية متمثلة في عمر، مما يدعوك إلى أهمية وفائدة تعليم الناس كيف يتراحمون.

стр. 2295

سعة رحمة الله تعالى اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإسلام، رفعت رءوسنا بالإسلام وكانت مخفوضة، وأنرت قلوبنا بالإسلام وكانت مظلمة، وشرحت صدرونا بالإسلام وكانت ضيقة. عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء رحمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، وملجأ المضطهدين، وعضد المستنصرين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، من شرحت له صدره، ووضعت عنه وزره، ورفعت له ذكره من جعلته قدوة للناس، وإماماً للمتقين من جعلته خطيباً للناس إذا وفدوا، ومتكلماً لهم إذا احتشدوا، ورافعاً لعلمهم إذا عقدوا هديت به البشرية، وأنرت به أفكار الإنسانية، وزعزعت به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2296

فضل الرحمة أمَّا بَعْد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، واعلموا أن رحمة الله عمَّت الكائنات، وأن أعظم صفات المولى ﵎ هي الرحمة، فهو رحمن رحيم، رحمن الدنيا والآخرة. والملائكة يوم تتوسل إلى ربها ومولاها ﵎ تثني عليه بالرحمة، فتقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم﴾) [غافر:٧] فرحمته تبلغ ما بلغ علمه، رحمته لا تتناهى، خلق الرحمة -كما في الصحيح- في مائة جزء، فجعل جزءاً واحداً في الدنيا، يتراحم بهذا الجزء الناس والحيوانات والعجماوات؛ حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تطأه، وأما تسعة وتسعون من الأجزاء فادخرها الله عنده يوم القيامة، والله خير الراحمين، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨]. فرحمته لا تتناهى، ولذلك طلب من عباده أن يكونوا رحماء، ومدح المؤمنين فقال عنهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. فما أعظم رحمة الله! وما أجل هذه الصفة يوم يتذكرها العبد المسلم فيكون رحيماً بعباد الله! وأبعد القلوب عن الله ﵎ القلب القاسي، فالله لا يحب الجبارين والمتكبرين، ولا الذين يحملون قلوباً قاسية لا تشفق ولا ترأف ولا ترحم ولا تلين. قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. قست قلوبهم باللعنة وهم بنو إسرائيل، وقست بقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وقست بالزنا والتناحر والتقاطع، ولذلك قال الله فيهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣]. أُتي الرسول ﷺ بسبيٍ من الكفار، وفي السبي امرأة والهة، أُخِذَ ولدُها من بين يديها وهو طفل رضيع، فأصبحت حائرةً مضطربةً، تبحث في السبي، فكلما وجدت طفلاً وضعته على ثديها وهي تبكي، حتى وجدت طفلها، فأخذت الطفل، فوضعته على ثديها وهي تبكي، وروحها تكاد يفارق نفسها فقال ﵊: ﴿أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، -والله- يا رسول الله! وهي تقدر ألا تطرح ولدها في النار، فقال ﵊: والذي نفسي بيده! لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾.

стр. 2297

عدم تعجيل العقوبة في الدنيا ومن رحمة الله: أن يرى العصاة الفجرة الجبارين المتكبرين يسفكون الدماء، ويأكلون الأموال، ويتعدون على الأعراض، ويغتصبون الأملاك، ورحمته لا تزال تكلؤهم، وستره لا يزال يغشاهم، وكنفه لا يزال يعمهم ، وهو لم يغفل عنهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤١ - ٤٢].

стр. 2298

الرحمة تشمل كل ذي كبدٍ رطبة يعلمنا الرسول ﵊ أن الرحمة لا تكون بين الناس فحسب، لا بين الرجل وزوجته، ولا بين الرجل وابنه فحسب؛ بل بين الكائنات فقد أخبر ﷺ : ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل مر يوماً من الأيام ببئر مطوية، وقد بلغ به من الظمأ ما الله به عليم، فنزل وشرب، فلما روي صعد من البئر، فرأى كلباً يلهث -والكلب من أخس الحيوانات- لكن الكلب يحمل كبداً رطبة، ويحمل قلباً يتأثر، -فقال الرجل الإسرائيلي يوم أراد الله أن يرحمه، ويتناوله بعين الرضا- قال: لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من الظمأ، فعاد إلى البئر، وملأ خفه من الماء؛ وقدمه إلى الكلب فشرب، فرضي الله عن هذا من فوق سبع سماوات، وأدخله الجنة﴾. ويخبرنا ﵊ كما في صحيح مسلم بمأساة عاشتها امرأة يهودية، كانت تحمل قلباً غليظاً، لكن على عالم القطط، وبعض الناس لا تظهر شجاعته إلا على القطط والكلاب؛ مقدام لكن على الكلاب، وشجاع وبطل لكن على القطط، وهذه المرأة الإسرائيلية أعلنت شجاعتها وبطولتها على قطة من القطط، فقد أغضبتها القطة؛ فحبستها في بيت، فأتت القطة تبحث عن الطعام، فلا طعام، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فماتت القطة، فكان جزاء هذه المرأة أن عذبها الله في نار تلظى. ولذلك كان ﷺ يرى هذا المشهد حين صلى بالناس صلاة الكسوف في المدينة، فتأخر من المحراب خطوة، ثم تقدم خطوة، فلما سلم سأله الصحابة عن ذلك، فقال: ﴿عرضت لي الجنة، فرأيتها في عرض الحائط، ورأيت عنقوداً من عنب لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، ورأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه بالنار -لأنه أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب - ورأيت امرأة تنهشها هرة تعذب في النار، لأنها حبستها في الدنيا﴾.

стр. 2299

رحمة النبي ﷺ لقد امتدح الله رسوله ﷺ بالرحمة، وأخبره أنه ألف القلوب بالرحمة، ولو كان غير ذلك لما تألفت له قبائل العرب، ولو أنفق ما في الدنيا من ذهب وفضة. فالعرب أمة مبعثرة همجية ما لم يسيطر عليها الإسلام، وهي أمة مشاغبة متمردة ثائرة، ولذلك لم يكن لها حضارة، وثقافة، ولم تكن لها دولة حتى أتى رسول الله ﷺ بلا إله إلا الله، وألف بين قلوبهم، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] فكان ﵊ يمتاز بالرحمة، حتى يقول الله ﵎ له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لو سستهم بالشدة والجبروت والسفك؛ لتفرقوا وتبعثروا وما اجتمعوا لك أبداً. يأتي الرجل يحمل من الحقد والحسد والضغينة والقتل للرسول ﷺ الأمر العظيم، فيعفو عنه ﷺ ويتبسم له، فيعود حبيباً قريباً إلى قلب المصطفى ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].

стр. 2300

رحمة النبي ﷺ بالأطفال كان يمر ﵊ في سكك المدينة على الأطفال، فيقبِّلهم، وكثير من الناس اليوم جبار متكبر، يرى أن من أحقيته وشخصيته وعلوه وسموه ألا يدنو إلى طفل في الشارع، فيمسح رأسه ويقبله؛ يقول: مالي ولأطفال الناس؟! وحضرتي تتنزل إلى هذا لأطارد الأطفال في السكك لأمسح رءوسهم وأقبلهم، لكن المصطفى ﷺ كان يدنوا منهم ويقبلهم. وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماءُ فإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمةٌ ووفاءُ فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواءُ وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ في الحق لاضعن ولا بغضاءُ وإذا سعيت إلى العدا فغضنفر وإذا غضبت فإنك النكباءُ أتى ﷺ ليصلي بالناس، فسمع طفلة -وهي ابنة بنته زينب وهو جدها ﵊ تبكي وقد أقيمت الصلاة، فهل يصلي ويترك الطفلة تبكي، أم يتشاغل بالطفلة عن الصلاة وعمرها سنتان؟ فأخذها على كتفه الأطهر الأرأف الأشرف، وتقدم الصفوف، ليُري القواد والزعماء والعلماء أنه أرحم الناس، فكان إذا سجد وضعها في الأرض، وإذا قام رفعها، فهل بعد هذه من رحمة؟! يصلي ﵊ بالناس، ومن حبابته للقلوب وقربه للأرواح يأتي الحسن والحسين عليهما رضوان الله أبناء فاطمة الزهراء البتول الراشدة المرضية، فينظران الرسول ﵊ ساجداً في صلاة الظهر، ووراءه في الصفوف الرجال والنساء والأطفال، فضاقت بهم الدنيا إلا ظهر المصطفى ﷺ ، وأعجبهما المنظر يوم سجد ﷺ وأرخى أكتافه، فصعد الحسن على ظهره، ثم صعد الحسين، وأصبح ﷺ ساكناً في سجوده وأطال السجود، فلما سلم سأله الناس: ﴿ما لك أطلت السجود يا رسول الله؟! قال: إن ابني هذين ارتحلاني فخشيت أن أوقعهما في الأرض فأوذيهما، فانتظرت حتى نزلا﴾ فمن يفعل هذا؟! إننا نتعامل مع الأطفال بالضرب والشتم والمطاردة في المسجد، حتى إن كثيراً من الأطفال أصبح يخاف من المسجد خوفاً عظيماً، لما يسمع فيه من التهديد والإرهاب والثوران، لكن المصطفى ﷺ تحبب إلى الأطفال حتى دخل ﵊ إلى قلوبهم. يذهب إلى أحد الأطفال، وكان له طائر يلعب به، فمات الطائر فأصبح موت هذا الطائر مصيبة في حياة الطفل، فيعزيه ﷺ ويقول -والحديث صحيح-: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ فما كأن المصطفى ﷺ إلا متفرغاً لهؤلاء الأطفال، مع العلم أن هموم البشرية وأحداثها تدور على كتفه ﷺ .

стр. 2301

تخفيف الصلاة رحمةً بالضعفاء وذوي الحاجات من الرحمة التي أنزلها الله في قلبه ﵊ أنه يصلي بالناس فيسمع بكاء الأطفال، فيتجوز في الصلاة، فيقول: ﴿إني أدخل في الصلاة فأريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الطفل فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه﴾ سبحان من أعطاك الرحمة! وسبحان من أنزلها في قلبك! وسبحان من علمك أن تتعامل مع الناس؛ حتى قدت البشرية إلى بر السلام! كان يغضب من التشديد على الناس، ويريد التيسير؛ أرسل أبا موسى ومعاذاً داعيين ورسولين ومنذرين ومبشرين إلى اليمن، فكان آخر ما أوصاهما به أن قال لهما: ﴿يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا﴾. وأتاه رجلٌ من الأنصار فقال: ﴿يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو إني أتخلف عن صلاة الفجر من أجل ما يطيل بنا فلان﴾ يعني معاذاً ﵁ وأرضاه، فقد قرأ بهم مرة من المرات سورة البقرة، فقسمها في ركعتين، فأتى هذا الأنصاري وكان وراءه أسرة ومتطلبات وأشغال ودواعي، فترك الصلاة وصلى صلاة خفيفة، وذهب يشتكي معاذاً إلى الرسول ﷺ ، فهل قال الرسول ﷺ أحسنت يا معاذ؟ أحسنت يوم أطلت وقرأت وأسمعت ورتلت؟ لا. بل غضب ﷺ غضباً شديداً، فلما دخل معاذ غضب ﵊ في وجهه، وقال: ﴿أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! من صلى منكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة﴾ فهذا الدين رحمة، ويسر وسهولة دين دخول إلى القلوب , وشراءٌ للأرواح. كانت عيناه ﵊ تدمعان دمع رحمة، وإلا فهو من أشجع الناس. وإذا لقيت كتيبة يوم الردى أدبت في يوم الردى أفعالها وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها وكان ﷺ يتأثر في المواقف، فقد دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فبكى حتى شهق ﷺ ، فقال ابن عوف: ﴿حتى أنت يا رسول الله؟! -أي: حتى أنت تبكي- قال: إنها رحمة ويضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله﴾. ويأتي إلى الحسن فيقبله أمام الجماهير، فيقول الأقرع بن حابس التميمي - وهو رجل تربى في البادية صلداً كالحجر قاسياً كالصحراء- قال: ﴿يا رسول الله! أئنكم تقبلون الأطفال؟! والله إن عندي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فالتفت إليه ﷺ ، وقال: أأملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟﴾. يرى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رجلاً يريد أن يذبح شاة، فقادها برجلها، فقال عمر: [[يا عبد الله! اتقِ الله، وقد الذبيحة إلى الموت قوداً جميلاً، كفى بك أن تذبحها]] ولذلك تجد بعض الناس يتعامل ببشاعة وقسوة وفتك مع الحيوانات؛ ومع الأبقار والأغنام والدجاج والقطط والكلاب؛ وكأن ليس لها قلوب ولا أكباد، والله الذي خلقها ولو لم يرد رحمتها ما خلقها . وأعظم ما نتراحم به بيننا في تعاملنا وزياراتنا وتوادنا قال ﷺ : ﴿ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء﴾. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2302

مظاهر الرحمة في قلب عمر الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: كانت مدرسته ﵊ تمتاز على مدارس غيره بالرحمة، فقد علَّم أصحابه الرحمة؛ حتى أصبح أشدهم وأقساهم قلباً من أرحم الناس، ولولا هداية الله لـ عمر ﵁ وأرضاه لما كان يرحم، ولا عرفت عيناه الدموع، فقد كان عمر من أقسى الناس في الجاهلية، كان سفاكاً فتاكاً لا يعرف المهادنة، ولا يعرف الحوار واللين والسهولة، وإنما الكلمة القوية والأخذ بالعنف، فلما سكب ﷺ إناء الرحمة في قلبه كان أرحم الناس. يقف عمر بن الخطاب يوم الجمعة فتغلبه دموعه رحمةً، فلا يستطيع أن يتكلم، يأتي يصلي بالناس فلا يسمع الناس قراءته من كثرة بكائه، أخذت الدموع في خده خطين أسودين، فمن جعل هذه الرحمة تسري في شرايينه وفي عروقه؟! فهذا أسلم مولى عمر، قال له عمر بعد صلاة العشاء: أتنام؟! فقال: نعم، قال عمر: والله ما نمت منذ ثلاث ليال، انطلق بي يا أسلم، فقد جعل الله في عنقي الأرملة والمسكين والشيخ الكبير والعجوز، وإن الله سائلي عنهم يوم القيامة، قال: فذهب معه بعد صلاة العشاء، وبيده درة -عصا- يتمشى في شوارع المدينة، يسأل عن أمنها، وراحة أهلها, يسهر لينام الناس، ويجوع ليشبع الناس، ويظمأ ليروى الناس، فاقترب من بيتٍ في ناحية من نواحي المدينة، فسمع امرأة تبكي، فوضع رأسه على صائر الباب، فإذا المرأة في الولادة، فأخذ يبكي معها، قال أسلم: مالك يا أمير المؤمنين؟! قال: هذه المرأة في الولادة، إنك لا تدري ماذا تجد من ألم الولادة يا أسلم! إني أخاف من الله أن يسألني يوم القيامة عنها، ثم انطلق إلى بيت المال، فأحضر طعاماً وصنعه لها وقدمه، فلما أصبحت تأكل وارتاحت قالت لـ١٠٠٠٠٢٩>عمر - ولم تعرفه-: والله إنك لخير من عمر بن الخطاب.

стр. 2303

تحمله الجوع ليشبع المسلمون هذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول عام الرمادة: والله لا أبتل في سمن ولا آكل سميناً حتى يجلي الله الكربة عن المسلمين؛ يأتي يوم الجمعة يخطب الناس، فيقرقر بطنه على المنبر من الجوع، فيقول لبطنه ويضرب عليه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]. حسبي وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على حقوق العلا قد نام راعيها عمر ﵁ وأرضاه يبلغ من حنانه وبره إلى أن يسأل عن الأطفال ماذا أكلوا وشربوا، وكيف ناموا؟ ثم يواصل استقصاءه للحقائق ليرتاح، فرضي الله عن ذاك الإمام الذي علَّمه ﷺ الرحمة، وعلَّمه كيف يعيش مع الناس بالرحمة، وعلمه كيف يكون رحيماً بالناس؟ إنها الرحمة التي علَّمها ﷺ أصحابه، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، وكثير من البطون اليوم تشبع، وما عليها أن يجوع آلاف المسلمين، وتكتسي بأشرف الملابس، وأرقى المعطيات، وما عليها ممن عري من الناس، وتسكن قصوراً شاهقةً والناس ينامون على الأرصفة؛ لأن الرحمة ما سكبت في القلوب كما أرادها رسول الهدى ﷺ . والتراحم الذي يريده الله هو التراحم والتواد بين المؤمنين، وأوله أن تلقى المؤمن وأنت تود له ما تود لنفسك، وهذه ضاعت من أوساطنا إلا ممن رحم الله. بعضنا لا عليه أن يسعد ولو شقي الناس، ولا عليه أن يجوع الناس إذا شبع، ولا عليه أن يتعب الناس إذا ارتاح، فأين الرحمة التي أرادها الله ؟!

стр. 2304

الرحمة التي يريدها الله من المسلمين

стр. 2305

رحمة الرجل لأهل بيته من الرحمة التي يريدها في الناس: أن يرحم الرجل أهل بيته، وأول ما يرحمهم به أن يقودهم إلى الإسلام، فوالله لرحمتك لأهل بيتك بقيادتهم إلى الإسلام أعظم من تقديم الطعام والشراب إليهم، يظن بعض الناس أن الرحمة لأهل البيت أن يشبعهم ويكسوهم ويسكنهم ويسدل عليهم الخير؛ وهذا من الرحمة، لكن أعظمها أن تقودهم إلى الجنة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:٦].

стр. 2306

الرحمة بالمساكين بتفقد مرضاهم وإطعام جائعهم أيظن الإنسان أن الله لا يسأله عن بني الإنسان؟! يوم القيامة يقررك الله بذنوبك، فيقول الله: ﴿يا بن آدم! جعت فلم تطعمني﴾ أكلت الموائد الشهية وشبعت وجاع الناس وهذا حديث صحيح من رواية ابن عباس: ﴿قال العبد: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي﴾ يجوع جارك ويمسي طاوياً يتلوى من الجوع، ترى الفقراء والمساكين يتلوون في السكك والطرقات والمنحنيات لا يجدون كسرةً يابسةً من الخبز، وأنت ترمي الأكلات في القمامة للقطط والكلاب، حتى أصيبت قططنا وكلابنا بالتخمة، فأصبحت تموت بالتخمة، وأما الأكباد الجائعة والبطون الخاوية، فأصبحت لا تجد قطعة الخبز اليابسة التي ترمى في السكك. ﴿يا بن آدم! ظمئت فلم تسقني، قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان ظمأ فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي، يا بن آدم! مرضت فلم تعدني﴾ وكثير من عيادات الناس وزياراتهم اليوم أصبحت على الوجاهة والشهرة والمناصب ومعطيات الدنيا. الفقراء يمرضون السنوات ولا يعادون، والمساكين يطرحون في المستشفيات على الأسرة ولا يجدون من يعودهم، إن كان رجل له منصب وجاه من الأغنياء وأهل الشهرة: ترى الناس أفواجاً على باب داره أطافوا على تلك الديار وسلموا تشكو عتبات الوجهاء من كثرة الزيارة لا لوجه الله، لكن لوجهه وأصبحت دعوات الناس على الطعام للوجاهة، فيدعى وجهاء الناس والفقراء يتلوون بجانب الخيام والقصور والفلل لا يدعون، لأنهم فقراء. ﴿يا بن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما تعلم أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي﴾. عباد الله! أسأل الله أن يرحمني وإياكم برحمته التي وسعت كل شيء، وأن يجعلنا رحماء مع أهلنا وجيراننا وإخواننا وأمتنا، وأن يجعل الرحمة تعاملنا، وأن يكسونا ثوب الرحمة، وأن يرحمنا سراً وجهاراً وظاهراً وباطناً، وأن يغرس شجرة الرحمة في قلوبنا، لتثمر الصدق واليقين والصراحة والوضوح. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2307

إليكم أيها الآباء ! ذكر الشيخ: أن الأبناء هبة, منّ الله بهم على الآباء, فعلى الأب أن يقدر هذه الهبة ويربيهم التربية الحسنة. ثم ذكر أموراً تحصل بها التربية الصحيحة, وتعين الأب على التربية الحسنة. وتطرق إلى هدي الإسلام في تربية الأبناء من حين أن يولدوا وقد ذكر أن الأب هو القدوة للأبناء في أفعاله وتصرفاته، فهم يأخذونها منه وإن خالفت أقواله.

стр. 2308

الذرية الصالحة من أعظم النعم الحمد لله، الحمد لله الذي جعل الأبناء لعيون الآباء قُرَّة، وجعلهم لقلوبهم مسرَّة، وجعل الأبناء في جبين السعادة دُرَّة، وأوصى بهم وبتربيتهم في الكتاب والسنة كرة من بعد كرة. والصلاة والسلام على خيرة الآباء، أبي الزهراء، سيد الأولياء، وأعظم الأصفياء، وأجل المربين النبلاء. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون الفضلاء! أيها الآباء النبلاء! إن من أعظم الهبات التي يهبها الله ﵎: أن يرزقك الله الذرية الصالحة الناصحة، والأبناء النجباء الأتقياء، حينها تسعد في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 2309

أسباب الحصول على الذرية الصالحة وهذه الهبة، وهذا العطاء الرباني يحصل بسببين اثنين: أولهما: قضاء وقدر من الحي القيوم، وهداية خَلقية أمرية منه ﵎. وثانيهما: سبب كسبي من العبد بالتربية والتوجيه والتعليم. فها هو إبراهيم الخليل يتوجه إلى الله ﵎ أن يجنب أبناءه الشرك والوثنية، يقول ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] كأنه يقول: يا رب! لا تجعل أبنائي مشركين وثنيين فجرة، حينها تُنَغَّص عليَّ الحياة، وتُكَدَّر عليَّ السعادة، وتُظْلِم الدنيا في عينيَّ. ويقول بعدها بآيات في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] يا رب! أبنائي يقيمون الصلاة فلا تضيعهم. يارب! أبنائي أتقياء أخيار؛ فلا تجعلهم ضُلاَّلاً مشركين. ويقول في سورة البقرة -يوم طلب الولاية من الله له ولأبنائه- في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]. ولو كان الأب خَيِّراً باراً سعيداً تقياً، ولكن ابنه فاجر، فلن تناله ولاية الله، فالله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، ولا واسطة، ولا شفاعة, إلا لمن ارتضى من عباده الأخيار. وزكريا ﵇ يشرف على الهرم، ويدركه الشيب، ويضمحل جسمه، فيلتفت إلى القبلة, ويرفع أكف الضراعة إلى الحي القيوم، يقول الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم:٤ - ٦] يقول: يا رب! أسألك ابناً صالحاً يرثني في الخير، يدعو لي وأنا في القبر، مُسَدَّداً، يتصدَّق. فيُحَسِّن خُلُقَه، فيكون في ميزان حسناته، سبحان الله! يا له من دعاء! يقول الله في سورة الكهف: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] حفظ الله لهما الكنز؛ لأن أباهما كان صالحاً. والله يمتن على زكريا ﵇ بالهداية لأبنائه، فيقول: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. ومدرسة التوجيه والتربية في القرآن تعتمد على الوصايا النافعة، لا على المبادئ المهزوزة الفاشلة، والتعاليم التي أُسْقِيَها أبناء المسلمين في هذا العصر، تجعل الواحد منهم ينشأ فاشلاً فاجراً إلا من رحم ربك. يقول تعالى حاكياً عن لقمان وصيته لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. أي وصية هذه؟! وأي تعاليم هذه التعاليم؟! وأي مبادئ هذه المبادئ؟!

стр. 2310

الأمور التي تحصل بها تربية الأبناء وتربية الأبناء - أيها الآباء النبلاء الفضلاء الشرفاء - تحصل بأمور؛ أفرد بعض العلماء فيها تصانيف؛ ومن أجَلِّ ما تحصل بها هذه الأمور: أولها: اختيار الزوجة الصالحة. ويوم نخفق ونفشل في اختيار المرأة الصالحة سوف ينشأ النشء غير مستقيم، ولا مسترشد. الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ الأم نبت إن تعاهده الحيا بالريِّ أورق أيما إيراقِ والرسول ﵊ يعلن الأسس التي تتزوج عليها الأمم جميعاً، فيقول: ﴿تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولنسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾. فأهل فارس: يتزوجون للجمال. والروم: يتزوجون للنسب. واليهود: يتزوجون للمال. وأما أمة محمد ﵊: فيتزوجون للدين، وللاستقامة. والأم إذا كانت صالحة مرشدة؛ نشأ أبناؤها حفظة لكتاب الله، أخياراً، أبراراً، سعداء، يتشرفون بحمل الرسالة، لا يَخْجلون إذا تلبسوا بالسنة، لا يتدسسون إذا رأوا على أنفسهم معالم الاستقامة؛ لأن بعض الناس ينكس رأسه إذا استقام، ويخجل أن يسمى سنياً؛ لأنها ما غرست في قلبه فطرة (لا إله إلا الله).

стр. 2311

نماذج من الزوجات الخيرات أم سليم: يراها ﷺ في الجنة. ولقد كان أعظم مهر في الإسلام مهر أم سليم، أتاها أبو طلحة وهو مشرك يريد أن يتزوجها، فقالت: " مهري الإسلام، إذا أسلمتَ تزوجتك، فأسلم فتزوجته. لما قَدِم ﷺ المدينة، أهدت إليه ابنها أنس بن مالك، فخدمه عشر سنوات، تقبل الله منها أحسن ما تقبل من عباده. الخنساء: تحضر معركة القادسية، فلما قربت المعركة بين الحق والباطل، بين (لا إله إلا الله) والكفر، جمعت أبناءها الأربعة، وقالت: يا أبنائي! - والله - ما خنتُ أباكم، ولا نكستُ رأس خالكم، -والله - إنكم لأبناء رجل واحد، فإذا أقبلت المعركة، فيمموا قبلتها، واستقبلوا شطرها، ثم قاتلوا أبطالها، ولا أراكم أحياء في آخر اليوم، أريد أن أراكم شهداء؛ لأسعد بكم في جنة عرضها السماوات والأرض. وبدأت المعركة، وقاتل أبناؤها، وقتلوا جميعاً، وأتى الصحابة يعزونها في أبنائها، قالت: الحمد لله الذي أقر عيني بهم في جنة عرضها السماوات والأرض، وهي تضحك. أي جيل هذا الجيل؟! وأي سعادة حصلت لهم لما استقاموا على منهج الله الذي رضيه لعباده؟!

стр. 2312

التربية من حين اجتماع الزوجين, ومن حين خروجه وليداً والأمر الثاني: يحصل بذكر الله يوم أن يلتقي الرجل بالمرأة. والأمر الثالث: يوم يقع رأس المولود في الأرض: حينها يبكي صارخاً يقول فيلسوف الأدب: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

стр. 2313

هدي الإسلام عند خروج الطفل من بطن أمه يوم يقع رأس الغلام في الأرض, ماذا يفعل الإسلام به؟ ما هو هدي الإسلام للمولود؟ هديه -كما أتى في (السنن) و (المسند) - أن الرسول ﵊ لما ولد الحسن بن علي أذَّن في أذنه. يا لله! ويا لَلْعَجب! ويا لَلرَّوعة والإبداع! لينشأ الطفل على (لا إله إلا الله)؛ لينشأ على الأذان، وليغرس في قلبه معالم هذا الأذان، ولتُحَبّب إليه المساجد, والرياض الخضرة بتقوى الله وبذكر الله. أذن ﷺ في أذنه، لتهتز أذنه بالوحدانية، ولينشأ قلبه على الصمدانية، وليكون عبداً لله من أول يوم. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا دخولي تحت قولك: ياعبادي وأن صيرت أحمد لي نبيَّا وفي بعض الآثار، ونقل هذا عن عمر بن عبد العزيز أنه يُقام في الأذن الأخرى، يُؤَذَّن في اليمنى، ويقام في الأخرى. وعَقَّ ﷺ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً (كما في السنن). لكن في (السنن): يقول ﵊: ﴿كل مولود مرهون بعقيقته، يُعَقُّ عنه يوم السابع، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة﴾ وهو في (السنن) و (المسند) بسند حسن. وهذا معناه: أن تعلن رضاك بموعود الله، وبما أعطاك الله؛ فتتصدق، وكأنه في يوم عيد، يوم رزقك الله ذرية تزيد في الأمة الإسلامية، وتسبح بحمد الله، وتكون لك ذخراً. ويُحْلَق رأسُه، ويُتَصَدَّق بوزنه فضة، كما ثبت ذلك في الآثار والأحاديث الصحيحة.

стр. 2314

هدي الإسلام في الأسماء وسنّ ﷺ على الآباء: حسن الأسماء للأبناء, وفي (الصحيح): ﴿أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن﴾. ليكن اسم ابنك جميلاً، اسماً إسلامياً عربياً قوياً، لا اسماً فيه أنوثة أو تدليل أو مستورداً من الخواجات والعملاء والضُّلاَّل أبناء الوثنية السخفاء الحقراء، بل يكون اسماً قوياً: عبد الله، عبد الرحمن، عبد السلام، أحمد، محمد؛ ليكون خادماً لهذه الرسالة الخالدة، التي شق نورها المعمورة، فلا يكون اسماً مستعمراً مستورداً، ففي كتابنا وفي سنة نبينا ﷺ ما يغنينا عن هذه الأسماء. وورد عنه ﷺ : أن الناس يُدْعَون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيا معاشر الآباء! يا رواد الجيل! يا ركب الحضارة! اختاروا الأسماء الطيبة البديعة المليحة الحسنة؛ لتكون عنواناً يوم القيامة، يوم العرض الأكبر، تدعون بها أنتم وآباؤكم وأبناؤكم. وسنّ الإسلام كذلك: أن يُرَبى الطفل على تقوى الله، وأن تُغْرس في قلبه طاعة الله، وأن تُزْرع في قلبه شجرة الإيمان.

стр. 2315

تربية الطفل على الافتخار بالدين الرسول ﵊ يقول لـ ابن عباس وهو طفل كما في سنن الترمذي بسند حسن: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ انظر إلى الوصايا الخالدة التي تزرع في القلب، فتمر في الشرايين مع دفق الدم، فتكون حرارة ونوراً وتوهجاً: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. نقول: ما للمجتمعات ينشأ الأبناءُ فيها لا يحملون التشرف بالدين، ولا الافتخار بالرسول ﵊؟ لأن البيوت -إلا من رحم الله- جعلوا العظماء في البيت المغنيين والمغنيات، والماجنين والماجنات، فيظن الطفل أن عظماء الناس وقوادهم وأن فاتح بلاد الناس, هو هذا المغني, وهذه المغنية. فما طرق في أذن الطفل دائماً وأبداً مع وجبة الإفطار ومع الجلسة والغداء والعشاء وحفل السمر، محمد رسول الله: أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين علي بن أبي طالب، فهذه الأسماء اللامعة، هذه الأسماء التي من لم يَسِر على منوالها، -فوالله- إنه مهزوم, وفاشل, وحقير, ولا يساوي في عالم العدالة والإبداع فلساً واحداً، هذه الأسماء إذا لم تشتهر في البيوت، ولم تعرف سيرتُها، فمعنى ذلك أن البيت فاشل حقير مغضوب عليه. أنجعل هتلر في البيت، ونابليون وديكارت وكانت وأشباه هؤلاء القردة والخنازير, وأعداء البشرية وأعداء الشعوب؟ أم من المغنين, والمغنيات, الأحياء منهم والأموات؟! لا والله، بل تتعرف على الأنبياء والصحابة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
следующие страницы →