← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

نماذج من الزوجات الخيرات أم سليم: يراها ﷺ في الجنة. ولقد كان أعظم مهر في الإسلام مهر أم سليم، أتاها أبو طلحة وهو مشرك يريد أن يتزوجها، فقالت: " مهري الإسلام، إذا أسلمتَ تزوجتك، فأسلم فتزوجته. لما قَدِم ﷺ المدينة، أهدت إليه ابنها أنس بن مالك، فخدمه عشر سنوات، تقبل الله منها أحسن ما تقبل من عباده. الخنساء: تحضر معركة القادسية، فلما قربت المعركة بين الحق والباطل، بين (لا إله إلا الله) والكفر، جمعت أبناءها الأربعة، وقالت: يا أبنائي! - والله - ما خنتُ أباكم، ولا نكستُ رأس خالكم، -والله - إنكم لأبناء رجل واحد، فإذا أقبلت المعركة، فيمموا قبلتها، واستقبلوا شطرها، ثم قاتلوا أبطالها، ولا أراكم أحياء في آخر اليوم، أريد أن أراكم شهداء؛ لأسعد بكم في جنة عرضها السماوات والأرض. وبدأت المعركة، وقاتل أبناؤها، وقتلوا جميعاً، وأتى الصحابة يعزونها في أبنائها، قالت: الحمد لله الذي أقر عيني بهم في جنة عرضها السماوات والأرض، وهي تضحك. أي جيل هذا الجيل؟! وأي سعادة حصلت لهم لما استقاموا على منهج الله الذي رضيه لعباده؟!

стр. 2312

التربية من حين اجتماع الزوجين, ومن حين خروجه وليداً والأمر الثاني: يحصل بذكر الله يوم أن يلتقي الرجل بالمرأة. والأمر الثالث: يوم يقع رأس المولود في الأرض: حينها يبكي صارخاً يقول فيلسوف الأدب: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

стр. 2313

هدي الإسلام عند خروج الطفل من بطن أمه يوم يقع رأس الغلام في الأرض, ماذا يفعل الإسلام به؟ ما هو هدي الإسلام للمولود؟ هديه -كما أتى في (السنن) و (المسند) - أن الرسول ﵊ لما ولد الحسن بن علي أذَّن في أذنه. يا لله! ويا لَلْعَجب! ويا لَلرَّوعة والإبداع! لينشأ الطفل على (لا إله إلا الله)؛ لينشأ على الأذان، وليغرس في قلبه معالم هذا الأذان، ولتُحَبّب إليه المساجد, والرياض الخضرة بتقوى الله وبذكر الله. أذن ﷺ في أذنه، لتهتز أذنه بالوحدانية، ولينشأ قلبه على الصمدانية، وليكون عبداً لله من أول يوم. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا دخولي تحت قولك: ياعبادي وأن صيرت أحمد لي نبيَّا وفي بعض الآثار، ونقل هذا عن عمر بن عبد العزيز أنه يُقام في الأذن الأخرى، يُؤَذَّن في اليمنى، ويقام في الأخرى. وعَقَّ ﷺ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً (كما في السنن). لكن في (السنن): يقول ﵊: ﴿كل مولود مرهون بعقيقته، يُعَقُّ عنه يوم السابع، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة﴾ وهو في (السنن) و (المسند) بسند حسن. وهذا معناه: أن تعلن رضاك بموعود الله، وبما أعطاك الله؛ فتتصدق، وكأنه في يوم عيد، يوم رزقك الله ذرية تزيد في الأمة الإسلامية، وتسبح بحمد الله، وتكون لك ذخراً. ويُحْلَق رأسُه، ويُتَصَدَّق بوزنه فضة، كما ثبت ذلك في الآثار والأحاديث الصحيحة.

стр. 2314

هدي الإسلام في الأسماء وسنّ ﷺ على الآباء: حسن الأسماء للأبناء, وفي (الصحيح): ﴿أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن﴾. ليكن اسم ابنك جميلاً، اسماً إسلامياً عربياً قوياً، لا اسماً فيه أنوثة أو تدليل أو مستورداً من الخواجات والعملاء والضُّلاَّل أبناء الوثنية السخفاء الحقراء، بل يكون اسماً قوياً: عبد الله، عبد الرحمن، عبد السلام، أحمد، محمد؛ ليكون خادماً لهذه الرسالة الخالدة، التي شق نورها المعمورة، فلا يكون اسماً مستعمراً مستورداً، ففي كتابنا وفي سنة نبينا ﷺ ما يغنينا عن هذه الأسماء. وورد عنه ﷺ : أن الناس يُدْعَون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيا معاشر الآباء! يا رواد الجيل! يا ركب الحضارة! اختاروا الأسماء الطيبة البديعة المليحة الحسنة؛ لتكون عنواناً يوم القيامة، يوم العرض الأكبر، تدعون بها أنتم وآباؤكم وأبناؤكم. وسنّ الإسلام كذلك: أن يُرَبى الطفل على تقوى الله، وأن تُغْرس في قلبه طاعة الله، وأن تُزْرع في قلبه شجرة الإيمان.

стр. 2315

تربية الطفل على الافتخار بالدين الرسول ﵊ يقول لـ ابن عباس وهو طفل كما في سنن الترمذي بسند حسن: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ انظر إلى الوصايا الخالدة التي تزرع في القلب، فتمر في الشرايين مع دفق الدم، فتكون حرارة ونوراً وتوهجاً: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. نقول: ما للمجتمعات ينشأ الأبناءُ فيها لا يحملون التشرف بالدين، ولا الافتخار بالرسول ﵊؟ لأن البيوت -إلا من رحم الله- جعلوا العظماء في البيت المغنيين والمغنيات، والماجنين والماجنات، فيظن الطفل أن عظماء الناس وقوادهم وأن فاتح بلاد الناس, هو هذا المغني, وهذه المغنية. فما طرق في أذن الطفل دائماً وأبداً مع وجبة الإفطار ومع الجلسة والغداء والعشاء وحفل السمر، محمد رسول الله: أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين علي بن أبي طالب، فهذه الأسماء اللامعة، هذه الأسماء التي من لم يَسِر على منوالها، -فوالله- إنه مهزوم, وفاشل, وحقير, ولا يساوي في عالم العدالة والإبداع فلساً واحداً، هذه الأسماء إذا لم تشتهر في البيوت، ولم تعرف سيرتُها، فمعنى ذلك أن البيت فاشل حقير مغضوب عليه. أنجعل هتلر في البيت، ونابليون وديكارت وكانت وأشباه هؤلاء القردة والخنازير, وأعداء البشرية وأعداء الشعوب؟ أم من المغنين, والمغنيات, الأحياء منهم والأموات؟! لا والله، بل تتعرف على الأنبياء والصحابة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

стр. 2316

أدب الإسلام وهديه بالأطفال ومن أدب الإسلام وهديه بالأطفال: إذا بلغ الطفل السابعة أن يؤمر بالصلاة أمراً. فيقال: صل هداك الله، صل فتح الله عليك، هذا طريق المسجد، احضر معنا، هيا بنا إلى روضة من رياض الجنة، هيا إلى رحمة الله تغشانا، وإلى الملائكة تحف بنا، وإلى الرضوان يداخلنا ونداخله، وإلى السعادة، هيا قم بنا؛ ليعرف طريق المسجد. ويوم يعرف الابن طريق المسجد فلن يعرف طريق السجن ولا الحبس أبداً، ولن يعرف طريق الخمارة ولا المقاهي اللاهية، ولا المنتزهات اللاغية، ولا جلساء السوء، ولا الليالي الحمراء؛ فالمسجد يغسله غسلاً، والمسجد يعلمه تعليماً، والمسجد يجعله هادياً مهدياً راضياً مرضياً.

стр. 2317

هدي الإسلام في من بلغ العاشرة من عمره فإذا بلغ العاشرة جاء الأمر بالتأكيد والضرب، والفصل بينه وبين إخوانه في المضاجع، لا ينام الأخ مع أخيه الذكر، ولا الأنثى مع الأنثى في فراش واحد، ولا الذكر مع الأنثى، فهذه تعاليم سماوية، ومبادئ أصيلة جليلة، لا بد أن تكتب في الصدور، لا في السطور. فإذا ما ترعرع فاستصحبه دائماً، واحضر به جلسات الخير، ومنتديات البر، ومعالم التوحيد، ومحاضرات التوجيه والتربية. لا تتركه لاعباً تائهاً في الشارع والسكك، وتأتي أنت تتعلم، فكأنك تهدم من شق, وتبني من شق، وهذا ليس فيه منفعة؛ لأن الدين ليس فيه ترقيع أبداً. للحديث بقية، ولا نريد الإطالة. (فحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق) ومن يراجع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجد الخير والبر والهداية والفلاح في الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لبناء بيوت أصيلة جليلة هادية مهدية متجهة إلى الله الواحد الأحد. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2318

الأب قدوة لأولاده الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فلا يزال الحديث متصلاً مع الآباء، مع هؤلاء الذين حملهم الله مسئولية تربية النشء، وقيادة الجيل، وهداية هؤلاء الشبيبة بعد هداية الله . ومن الأمور التي يؤكد عليها، وهي في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ : أن يكون الأب قدوة لابنه: وما فشل كثير من الآباء في تربية أبنائهم, إلا يوم ربوهم بالقول, وتركوا الفعل والعمل، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]. يريد الأب من ابنه أن يكون صادقاً بالقول, وهو فاجر كاذب, يتعدى حدود الله في القول، ويريد من ابنه أن يكون مصلياً محافظاً على الصلوات الخمس في الجماعة, وهو لا يعرف المسجد أبداً، فكيف يهتدي؟! كيف يكون الابن أميناً وأبوه خائن؟! والابن مُتَّقٍ وأبوه فاجر؟! إن الابن في مرحلة الشبيبة يقلد تقليداً تاماً. فمن الهدي والخير والسداد والمصلحة - يا عباد الله - أن نكون قدوة لأبنائنا في البيوت، نأمرهم بالخير ونأتيه، وننهاهم عن المنكر ونجتنبه؛ ليصلح الله لنا الظاهر والباطن، فإنه إذا أصلح أصلح. وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوهُ يا أيها الرجل المعلم غيره هلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

стр. 2319

أثر التعليم النافع والمسألة الثانية التي يجدر الإشارة إليها: التعليم: تعليم الأبناء تعليماً شرعياً، يعتمد على الكتاب والسنة، لا تعليماً ثقافياً ساذجاً؛ فتحشى به أذهانهم حتى تكون مثل سلة المهملات. علمٌ لا يقوده إلى المسجد، ولا يحبب إليه طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ولا يقوده إلى الخير، ولا يجنبه المعاصي والمزالق ليس بعلم. نحن نختلف تماماً عن أمم الأرض التي لا تدين بالإسلام؛ فعلمنا من فوق سبع سماوات، وعلمهم من الطين والتراب، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. فهذا الابن لا بد أن تسكب في قلبه العلم؛ وأعظم العلم أن تحفظه كتاب الله من يوم يبدأ في السادسة, أو في السابعة وتلقنه السور العظيمة والآيات الكريمة، وتدخل كتاب الله في قلبه، ليستدرج النبوة بين جنبيه؛ غير أنه لا يوحى إليه؛ ليكون شافعاً له، لتنور صدره، لتزيل همومه وغمومه وأحزانه وكربه بالقرآن, لتجعله راضياً مرضياً, سعيداً في الدنيا والآخرة. فالله الله! في تحفيظ أبنائنا كتاب الله.

стр. 2320

أثر التعليم السيء ويوم أتت بعض الأسس التربوية من الغرب، وقالت: هذا ليس بسِنِّ حفظ، وإنما يُحفَّظ معلومات ونماذج من كتيبات، وعندها تركنا القرآن وحفظ القرآن، أخفق الأبناء، فما نجحوا في هذه العلوم, ولا في هذه العلوم. وأصبحوا مذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فالعلم النافع الذي يعتمد على: قال الله وقال رسوله ﷺ . وأؤكد مبدأً أصيلاً, أن أي داعية, أو أي مصلح يهون من شأن العلم ومن شأن التحصيل العلمي بحجة الدعوة في سبيل الله, فإنما هو يهدم الإسلام بمعوله، ويعادي الرسالة المحمدية، علم أم لم يعلم.

стр. 2321

أسس ينبه عليها الآباء ومن الأسس التي أريد التنبيه عليها للآباء كذلك: جلساء الخير والرفقة الصالحين. الله الله فيهم، وفي إبعاد أبنائنا من الرفقة السيئة، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. ومن معالم الولاء والبراء كما ثبت في الأحاديث الصحيحة: ﴿أن تحب العبد، لا تحبه إلا لله﴾ ﴿ورجلان اجتمعا في الله وافترقا عليه﴾. فحبب ابنك إلى الأخيار، والعلماء، وطلبة العلم، والدعاة، والمصلحين، والأخيار الصالحين، فوالله لا يكسب منهم إلا نفعاً في الدنيا والآخرة. أما المردة والفجرة وعصابة السوء والإجرام والإفساد, فهم والله الجناة على البشرية، والجناة على البلاد والعباد، ولا يكسب منهم إلا عاراً وشناراً ودماراً وناراً في الدنيا والآخرة. يقول الشافعي: أحب الصالحين ولستُ منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

стр. 2322

متابعة الأبناء أمِن المعقول - يا أيها الآباء الأخيار الأبرار - ألاَّ يُدْرَى عن الابن أين يذهب؟ ومع مَن يمشي؟ ومع مَن يلعب؟ ومع مَن يجلس؟ ومع مَن يسافر؟ أهذا من العقل ومن النُّبْل بمكان؟! لا والله، هذا جهلٌ، وسفه في التربية، نترك أبناءنا هكذا شذر مذر، فيقعون في حمأة الرذيلة، فيُحبسون ويجلدون ويتردَّون، ويتعاطون المعاصي، ثم نقول: لقد كتب الله عليهم هذا! والله يهدي من يشاء ويُضِل! وهذا صحيح؛ لكنها كلمة حق أريد بها باطل؛ أين سببك؟ أين كسبك؟ أين تربيتك؟ أين ملاحظتك وتوجيهك؟ لو حدث هذا ما حدث ذاك. فأوصيكم ونفسي بهذه الأمور للأبناء؛ لأن لهم حقوقاً عليكم، كما أن لكم حقوقاً عليهم. حينها تسعدون بهم، ويكونون في ميزان حسناتكم، ويكونون بررةً بكم، ويدعون لكم قبل الموت وبعد الموت، وتتشرفون بهم في الدنيا والآخرة. أقر الله عيوننا وعيونكم بأبناء بررة، نجباء أخيار، وصرف الله عنا وعنكم السوء. عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة, صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن الأصحاب الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق, أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم تب عليهم، وأصلح بالهم، وكفر عنهم سيئاتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك في كل مكان. اللهم انصر المجاهدين في كل أرض من بلادك، يا رب العالمين! اللهم أيدهم بروح منك، واكتب لهم النصر على عدوك وعدوهم، يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2323

شهيد المحراب الفاروق عمر هو الرجل الذي أعز الله به الإسلام، وأذل به أهل الكفر والشرك والإلحاد، هذا الرجل الذي ملأ الأرض عدلاً، ونشر الله به الدين، وأذل به الروم وفارس، ولأنه كان كذلك قبل الله دعاءه وجعله من الشهداء في مدينة رسول الله ﷺ ، وفي مسجده ومحرابه.

стр. 2324

منزلة الفاروق في الدين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أشهد أن الدين خالص، وأن الرسول خاتم، وأن الكفر خاسر. أيها الناس! يا أتباع محمد ﵊! يا حملة المبادئ الخالدة! عنوان هذه الخطبة: (شهيد المحراب). من هو شهيد المحراب؟ الزمن: صلاة الفجر. المكان: مسجد الرسول ﵊. المقتول: عمر بن الخطاب. القاتل: أبو لؤلؤة المجوسي. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عليهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. من منكم لا يعرف عمر؟ مَنْ مِنَ الناس لم يسمع بـ عمر؟ السلام عليك يا عمر بن الخطاب يوم الجمعة، السلام عليك في هذه الساعة المباركة، السلام عليك يوم أسلمت، ويوم توليت، ويوم قتلت، ويوم تبعث حياً. تردى ثياب الموت حمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضر ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعةٌ غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر الرسول ﷺ ، يترجم لـ عمر ثلاث رؤى في المنام، كلها لـ أبي حفص، وكلها صحيحة كالشمس: الأولى: قال ﵊: ﴿رأيت الناس البارحة يعرضون عليَّ وعليهم قمص -الأمة كلها تعرض عليه، وعليها قمص ثياب- منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجره، قالوا: ما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ دينه مسبلٌ عليه، يغطي جسمه، ويقفو أثره. يقول ﵊: ﴿أتيت بلبن، فشربت منه، حتى أني أرى الريَّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: ما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ فهو دَينٌ عالم بعلم الكتاب والسنة، العلم الأصيل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]. يقول ﵊: ﴿دخلت الجنة البارحة، فرأيت قصراً أبيض في الجنة، فقلتُ: لمن هذا؟ وأردت أن أدخله، قالوا: لـ عمر بن الخطاب، فذكرت غيرتك يا عمر، فلم أدخل القصر، فبكى عمر وقال: أمنك أُغار؟!﴾ أُغار منك وأنا تلميذٌ من تلاميذك، وحسنةٌ من حسناتك؟!

стр. 2325

جيل محمد ﷺ هذا هو عمر الذي قتل في المحراب، والعظماء يقتلون، إما بالخناجر أو الرصاص؛ ليعلم الله أنهم عظماء، فتعيش الأمة على دمائهم نغماً زكياً تحيا به في شرايين قلوبها، وتبني على جماجمهم مكرمات ما كان لها أن تبنى لو لم تكن تلك الجماجم، وتجعل من أشلائهم تحفاً للتاريخ. يقول أحد المسلمين، وهو من أتباع محمد ﵊، من الشباب الذين قتلوا في بدر، أو أحد، أو القادسية، أو اليرموك، أو حطين، أو عين جالوت، وليس هو من الشباب الذين قتلوا يوم التزلج على الثلج، أو قتلوا في ساعات السهر، أو تدحرجت بهم مسارح الفن، فوقعوا على رءوسهم. يقول هذا الشاب: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما فهذا هو جيل محمد ﵊، هذه المدرسة التي قدمها للتاريخ، فذلك الرعيل الذي ما سمع الناس بمثله، عاش فيه عمر مع الرسول ﵊، أسلم بـ (طه) وكان أجمل من الشمس في ضحاها، وأوضح من القمر إذا تلاها، تولى الأمة فرعاها، وقاد المسيرة وحباها، وتولى بعدل وآواها، فمرحباً بـ عمر، أسلم لما سمع: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عليكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:١ - ٥]. أسألكم بالله! هل هناك إنسان يفهم هذا الخطاب ثم لا يسلم ولا يذعن؟ هل هناك إنسانٌ يفهم كلام رب البشر، ثم لا يسري هذا الكلام في ذرات دمه؟ وقد فهم عمر هذا الخطاب، لأنه عربيٌ قُح، فسرى في دمه، فانتشر تيار الإسلام، في كل جزئيةٍ من لحمه ودمه، فأسلم ووضع كفه في يد محمد ﵊، ولكن على ماذا؟ على الاستيلاء على أموال الناس؟! على توسيع القصور والدور؟! على بناء الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء؟! على استذلال البشر؟! على إيجاد مستعمرات من التعذيب؟! لا. بل على العدل والحق والميزان ولا إله إلا الله.

стр. 2326

عمر مع النبي ﷺ وبعده فكان عمر في كف محمد ﵊ سيفاً مصلتاً يهزه للحادثات، يقول العقاد: الفرق بين أبي بكر وعمر، أن أبا بكر عرف محمداً النبي، وأن عمر عرف النبي محمداً. فـ أبو بكر عرف الرسول ﵊ في جاهلية أبي بكر وبعد إسلامه، وعمر لم يعرف الرسول ﵊، إلا في ساعة ميلاده يوم أسلم، يوم وضع كفه في كف الرسول ﵊، كلما رأى حدثاً، أو رأى زنديقاً أو منافقاً قال: يا رسول الله! إئذن لي أضرب عنقه! ولو أذن له، لقتل العشرات، ووالله! لا يتورع لحظة، إذا سمع الأمر المحمدي إلا أن ينفذه ولوسبح في دمه هو. ويموت ﵊ كما يموت الناس، وكان عمر قوي الجثة، وصلب الجثمان، ومتين الهيكل، وشديد العضلات: قد كنتَ أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها فهذا الرجل يأخذ الدنيا في ساعة، يستولي على امبراطورية كسرى في يوم ويسلمها للفقراء في يوم، وهذا الرجل تأتيه الموائد من الذهب والفضة على الجمال، وتدخل المدينة وهو يصلي في الناس، وفي بردته أربعة عشر رقعة من الفقر والعوز، وهذا الرجل يفتح دولة هرقل، ويدكدك عاليها بسافلها ولا يجد خبز الشعير الذي يأكله مع فقراء المسلمين، هذا هو عمر! لما مات الرسول ﵊ -كما سبق معنا- قام بالسيف وقال: [[من قال أن محمداً قد مات، ضربت عنقه بهذا السيف]] فلما سمع الخبر وتأكد من النبأ، سقط على وجهه مغمى عليه حتى رش بالماء. أين العضلات؟! أين الجثمان؟! أين القوة؟! تولى أبو بكر فكان عمر بجانبه وزيراً ومستشاراً! وأتت سكرات الموت لـ أبي بكر فكتب كتاباً بولاية العهد لـ عمر، فكان مبكياً حقاً، واسمع الكتاب:

стр. 2327

كتاب أبي بكر بخلافة عمر [[بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر إلى عمر بن الخطاب، وأنا في أول أيام الآخرة، وفي آخر أيام الدنيا، فقيراً لما قدمتُ، غنياً عما تركتُ، أمَّا بَعْد: فيا عمر بن الخطاب! قد وليتك أمر أمة محمد ﵊، فإن أصلحت وعدلت، فهذا ظني فيك، وإن اتبعت هواك فالله المطلع على السرائر، وما أنا على صحبة الناس بحريص، يا عمر! اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي، والسلام]]. وصل الكتاب إلى عمر، فبله بالدموع! وتولى أمر الأمة، وبحث عن ميراث أبي بكر، فإذا هو ثوبان وبغلة، بقيت من بيت المال، فبكى حتى جلس عمر وقال: [[يا أبا بكر! أتعبت الخلفاء بعدك]]

стр. 2328

خلافة عمر فتولى عمر وألقى خطبةً ما سمع الناس بمثلها، بين لهم سياسته، ماذا يريد أن يفعل في الأمة؟ فسار بهم سيرةً عمرية، ضرب الدهر بها المثل، السيرة التي ما سمع الناس بمثلها!!

стр. 2329

معاملة عمر لرعيته فهذا عمر يطوف في المدينة! وهو رجل الأمة الأول، وهكذا يعنون له الفضلاء، ينام الناس في العاصمة ولا ينام، ويشبعون ولا يشبع، ويرتاحون ولا يرتاح. إذا هدأت العيون ونامت وتلألأت النجوم، أخذ درته وجاب سكك المدينة يتفقد، هل من مريض؟ هل من أرملة؟ هل من مجرمٍ يؤدبه؟ وفي ليلةٍ من الليالي: سمع امرأة في خيمة وهي في النفاس، فسمعها تصرخ من ألم الولادة فبكى، وذهب إلى بيت المال وحمل شحماً وزيتاً وزبيباً وبراً على كتفه فقال أسلم مولاه: أنا يا أمير المؤمنين! أحمل هذا، قال: لا. إنك لا تحمل أوزاري يوم القيامة، ودخل الخيمة وصنع الطعام وقدم العشاء للمرأة، فقالت: والله إنك خيرٌ من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ودمه وإيمانه وإخلاصه. ذهب عمرو بن العاص إلى مصر أميراً فاتحاً، فتسابق ابنه محمد ومصريٌ على فرسين، فسبق المصري محمد بن عمرو بن العاص وهو ابن الأمير، فنزل ابن عمرو، فضرب المصري على وجهه، لماذا؟ أهذا نهج الإسلام؟! أهذه العدالة المنشودة التي أتت من فوق سبع سماوات؟! أهذا ميثاق: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أن يمتهن الإنسان ويضطهد؟! فذهب المصري إلى عمر فأخبره، فدعى عمر عمرو بن العاص وابنه محمداً، والجماهير من الأمة ملء الأرض، فلما قدم عمرو وهو لا يدري ما الخبر وبيده ابنه محمد، وقبل أن يسلم على عمر، قام عمر بالدرة التي إذا ضرب بها أحداً من الناس؛ أخرج وساوس الشيطان من رأسه! قال للناس: والله لا يحول بيني وبين عمرو وابنه أحد، ثم أخذ عمراً فبطحه أرضاً. كل بطَّاحٍ من الناس له يومٌ بطوحُ ثم أتى بابنه محمد فنكسه عليه، وأخذ يضربهم ضرباً مبرحاً، فيقول عمرو: الله الله يا أمير المؤمنين فيَّ! الله الله فيَّ! فيقول عمر: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]]. متى كانوا عبيداً؟ متى كان هذا الإرهاق والاضطهاد والتبعية؟! ما فائدة الإسلام في الأرض إذاً؟! فما نفع الميزان والكتاب والسنة؟ وتمشي المسيرة، ويأتي عام الرمادة، عام ثمانية عشر للهجرة، فتأخذ الأخضر واليابس، ويموت الناس جوعاً، فيكتب عمر للأقاليم، أن يحضروا عنده في المدينة، فنصب لهم خياماً، وقال: [[إن حييت، فالحياة حياتي، وإن متُ ماتوا معي]] كان يأخذ الطعام في الصباح في الصحاف على رأسه ورءوس أبنائه ويوزعه في الخيام، كان يجلس فيبكي ويقول: [[الله يا عمر كم قتلت من نفس!]] لماذا قتلت؟ من قتلت؟ وأنت تحيي النفوس ولا تقتلها! وفي عام الرمادة، حلف ألا يأكل سميناً ولا ينبل في سمن، حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وقف على المنبر يوم الجمعة، ببرده المرقع -طيلة الخلافة- ليس معه إلا هو، والله! لو أراد أن يبني بيته من الذهب الخالص لاستطاع، ووالله! لو أراد أن يمشي من بيته إلى المسجد على الحرير والاستبرق لاستطاع، ووالله! لو أراد أن يجعل أسوار المدينة من الزبرجد الذي كسبه من كسرى وقيصر لاستطاع. يقف في أثناء الخطبة، فتقرقر بطنه وأمعاؤه تلتهب من الجوع، رجل لا يأكل ثلاثة أيام إلا كسرة خبز من شعير! فيقول لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] هل لنا تاريخ غير عمر؟ هل معنا تاريخ غير تاريخ عمر؟ وبماذا نتكلم مع الأمم؟ وبماذا نفتخر؟ وبماذا نتصدى للهجومات البشعة على الإسلام إلا بمثل عمر؟! أذعن له الكفار قبل المؤمنين. يقول مايكل هارف الدكتور الذكي الأمريكي: في كتابه الأوائل، (ص:١٦٤): "هذا وكان لـ عمر بعد محمد ﵊ أعظم الأثر في فتوحات الإسلام، فلولاه -هكذا يقول: ونحن نقول: لولا الله- لما انتشر الإسلام هذا الانتشار الفظيع السريع في الأرض". يصلي عمر بالناس صلاة الاستسقاء، فلا يدرون ماذا يقول من البكاء، وهو يسأل الله ألا يجعل هلاك الأمة في ولايته، فينهل الغيث وهو في المصلى!! ويسير الماء غدقاً تحيا به النفوس والقلوب وتعود الحياة إلى العاصمة.

стр. 2330

شهادة الأعداء لعمر يريد عمر أن يعاهد الكفار، بعد أن اجتاحهم، ونسف دولتهم تماماً، لكن أبقى لهم مستعمرة، ريث ما يهيئون غروبهم من بلاد الله، فيأتي الهرمزان قبل معركة القادسية، وهو مستشار كسرى، يأتي لابساً تاجاً من ذهب وزبرجد وعليه الحرير، يدخل المدينة ومعه الحرس، فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: لا قصر له، قال: أين بيته؟ قالوا: تعال نريك بيته، فذهبوا فأروه بيتاً من طين -من هذه البيوت الطينية التي تكلم للعالم منها، ونشر الضياء في الكون- قال: أهذا بيته؟! قالوا: نعم. قال: أين حرسه؟ قالوا: لا حرس له، يقول شوقي: وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمانُ فطرق الباب، فخرج ابنه، قال: أين أبوك؟ قال: التمسوه في المسجد نائماً، أو في ضاحيةً من ضواحي المدينة -وقت ضحى- فذهبوا إلى المسجد فما وجدوه. وهو ينام في الضحى ساعتين، وكان لا ينام في الليل ولو ساعة! تقول له زوجته: [[لمَ لا تنام الليل، ولا تنام النهار إلا قليلاً؟ قال: لو نمتُ النهار ضاعت رعيتي، ولو نمتُ الليل ضاعت نفسي!!]] فكان يصلي ويستغفر في الليل ويحكم ويعدل في النهار. ذهب الهرمزان فما وجده في المسجد، فالتمسوه فوجدوه تحت شجرة من سَلَم، وضع درته بجانبه، وبردته المرقعة عليه، وقد توسد ذراعه في أنعم وأهدأ نومة، والأمة تعيش في هدوء وعدل وسكينة. هذا الذي فتح الدنيا ودوخ الملوك!! هذا الذي داس جماجم الخونة ينام تحت شجرة!! فانذهل الهرمزان وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت. قال حافظ إبراهيم: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عقلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردةٍ كاد طول العهد يبليها فقال قولة حقٍ أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهمُ فنمت نوم قرير العين هانيها

стр. 2331

محاكمة الفاروق وفي آخر ولايته، قدم نفسه للمحاكمة! في آخر جمعة خطبها، قدم جسمه للقصاص، وقدم أمواله للمحاكمة، فإن كان منه خداع، أو غش، أو ظلم، أو سفك فهذا جسمه. فماذا رد الناس عليه؟ تراد المسجد كله بالبكاء. من يحاكم عمر؟ من يقتص من عمر؟ من يستطيع أن يقف أمام عمر، ويقول: أخذت مالي، أو سفكت دمي، أو نهبت عرضي، أو أهنتني؟! لا يستطيع أحد. فنزل واستودع الله الأمة إلى لقاء، وهذا هو الاغتيال في المحراب، الذي سوف أذكره. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2332

حب الشهادة في سبيل الله الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. يقول الإمام الأعظم ﵊ -وهو المعصوم وقائد المسيرة-: ﴿والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ هذا الشيخ فكيف يكون التلاميذ؟! وهذا الأستاذ فكيف يكون الطلاب؟! هذا القائد فكيف يكون الجنود؟! يكونون لهباً من العزة والتضحية، وقذائف من البذل والعطاء، هذا الذي يتمنى الشهادة دائماً -محمد ﵊ أعطاه الله الشهادة، قال ابن كثير: وقد مات ﵊ مسموماً فجمع الله له بين الرسالة والشهادة. وكان عمر يسمع كلام الرسول ﵊، فحج بالناس في حجة الوداع -أعني عمر - ووقف يوم عرفات، فخطب الناس خطبةً عظيمةً باهرة، ثم استدعى أمراء الأقاليم -أمراء الأقاليم جميعاً استدعاهم أمامه كالمحافظين- وقد كان يحكم اثنتين وعشرين دولة، فأخذ يحاسب كل أميرٍ أمام الناس، والرعية تدعي والأمير يجيب، وعمر بالدرة فوق رأسه.

стр. 2333

إحساس عمر بقرب أجله وبعد أن انتهى ذهب ليرمي الجمرات، فرماه أحد الحجاج بحصى في رأسه فسال دم عمر، فقال عمر: [[هذا قتلي]] معناه أني سوف أقتل!! علوٌ في الحياة وفي الممات فهو لا يموت بل يقتل، لا كما يموت الذين يموتون بالتخم في غرف الباطنية من كثرة ما أكلوا وشربوا وما قدموا شيئاً. لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم هوى إلى بابك الخرمي ينتسبُ فلما انتهى من مناسك الحج جلس بـ الأبطح واتكأ على يده اليسرى ثم رفع يده اليمنى مع اليسرى، وقال: [[يا ربِ! شابت شيبتي، ورق عظمي، ودنى أجلي، وانتشرت رعيتي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرطٍ ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]]. علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزاتِ ومالك تربةٌ فأقول تسقى لأنك نصب هطل الهاطلات ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرماتِ أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات رجع إلى المدينة وهو يتمنى الشهادة، قالت له ابنته حفصة: [[يا أبتاه! موتٌ في سبيل الله، وقتلٌ في مدينة رسول الله! إن من أراد أن يقتل فليذهب إلى الثغور -إلى الحدود- قال: هكذا سألت الله، وأرجو أن يلبي ربي لي ما سألت]] هذا السخاء والبذل أن تجود بدمك إلى الله، كان أصحاب الرسول ﵊ إذا حضروا المعارك، لبسوا الأكفان من تحت الثياب. أكفانهم بدماء البذل قد صبغت الله أكبر من سلسالها رشفوا في كفك الشهم من حبل الهدىطرفٌ على الصراط وفي أرواحنا طرفُ لا شهداء الوطنية والماركسية والضياع والإلحاد. وصل عمر إلى المدينة، ورأى في المنام أن ديكاً ينقره نقرتين أو ثلاثاً، فعرض الرؤيا، فقالوا: [[يقتلك رجلٌ من العجم]] فقام وخطب الناس وأخبرهم أنه لن يستمر، وأنه سوف يغادر إلى غير هذه الدنيا، إلى أين؟ إن شاء الله إلى مقعد صدقٍ عند ملكٍ مقتدر، إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض. تأخرت عن وعد الهوى يا حبيبنا وما كنت عن وعد الهوى تتأخرُ سهرنا وفكرنا وسالت دموعنا وشاخت ليالينا وما كنتَ تحضرُ أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقُصرُ وليمون يافا يابسٌ في حقوله وهل شجرٌ في قبضة الظلم يثمرُ صلَّى الجمعة ونزل، واستمر في الحياة ساعات، ودَّعَ الدنيا، وليس عنده شيءٌ من الدنيا يقسمه، فعنده بيت من الطين وفراشٌ من حصير وجبة وعصا، هذه دنيا عمر. فأين السجلات؟ حسناتٌ عند الله! وأين الميراث؟ عقيدةٌ خالدة! وأين التركة؟ مبادئ رشيدة تثبت ثبوت الدنيا!. صلى الفجر وأتاه أبو لؤلؤة عليه لعنة الله، مجوسي مجرم ما سجد لله سجدة، فقد دبر المجوس قتل عمر لينهوا هذا الطود الشامخ. مولى المغيرة لا جادتك غاديةٌ من رحمة الله ما جادت غواديها مزقت خير أديمٍ حشوه هممٌ في ذمة الله عاليها ودانيها >> أتى وعمر يصلي، وقد بدأ عمر بعد الفاتحة بسورة يوسف، وكان يحب سورة يوسف، وكان في صوته صحل يخرج من قلبه، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] انهد يبكي، فبكى الناس جميعاً حتى سمع النشيج من آخر الصفوف، ثم قال: الله أكبر، وهذه التكبيرة كانت آخر تكبيرةٍ له في الحياة، ركع، فتقدم أبو لؤلؤة بالخنجر المسموم، فطعنه ست طعنات ثلاث ضربات فوقع عمر وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلتُ، وهو رب العرش العظيم!!]. وتقدم ابن عوف، وما أخلت الصفوف وما خرج أحد من الصف، لأن هذه الأمة كانت تصلي والسيوف تضرب على رءوسها في المعركة: نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا فهي أمة تصلي ورءوسها تقطع في الأرض؛ لأنها تحب الله. تقدم ابن عوف فأكمل الصلاة سريعاً، وعاد الناس إلى عمر، وقد فقدوا صوته. أين صوتك؟! أين صوت الحاكم؟! أين صوت الحبيب؟! أين صوت العادل؟! أصبح في سكرات الموت، ماذا يقول؟ يقول: من قتلني؟ قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجلٍ ما سجد لله سجدة. لا إله إلا الله! لك الحمد يا رب أن زكيت المحراب بدم عمر، وزكيت دم عمر بالمحراب! رفعوا جثمانه، فكان يفتح عينيه، وهو يقول: هل صليت -أي هل أكملت الصلاة؟ - قالوا: لا. قال: الله المستعان! كل أمنياته أن يكمل الصلاة ليلقى الله وقد صلى صلاة الفجر، لم يسأل عن ولاية أو ولد، ولا عن بلد أو زوجة أو ميراث!! كانت دماؤه تسيل طاهرةً على الثياب، يقول بعض الصحابة: ظننا أن القيامة قامت يوم مات عمر!! من لجسمٍ شفه طول النوى ولعينٍ شفها طول السهر جسدٌ لُف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد

стр. 2334

حال عمر عند الاحتضار وضعوه في البيت، وأحضروا له مخدة، فنزعها، وقال: [[ضعوا رأسي على التراب لعل الله أن يرحمني]] ومرغ وجهه بالتراب، وهو يبكي ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من زال ملكه. من الذي لا يزول ملكه؟ إنه الواحد الذي يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عليهَا﴾ [مريم:٤٠] والذي يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عليهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] والقائل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. يقول عمر: أنا يا ربِ خلعت اليوم! أنا يا ربِ ذهبت! أنا يا ربِ عبد أتيت! زال ملكي، وملكك لا يزول فارحمني!! وسلاطينهم سل الطين عنهم والرءوس العظام صارت عظاماً قال عمر: أدخلوا علي أطفال المسلمين، يريد أن يودع الرعية، وقد أكمل الصلاة بحمد الله، فشرب لبناً فخرج اللبن من جوفه، قال: الله المستعان! أدخلوا علي أطفال المسلمين، فدخل الأطفال يبكون، لمن يبكون؟ يبكون الوالد والزعيم العادل والأب الحنون! فقبلهم واحداً واحداً ومسح على رءوسهم، ودخل الشباب فحياهم ورأى شاباً في ثوبه طول، وعمر في سكرات الموت، دمه يخرج من بطنه وأضلاعه، فيقول: [[تعال يابن أخي! فيأتِ الشاب]] من منا يستطيع أن يتكلم في إسبال الإزار، وروحه تقعقع في صدره؟! يقول أحد الفضلاء: أمير المؤمنين يأمر بالمعروف وينهى المنكر وهو في سكرات الموت، فقال: [[تعال يابن أخي! ارفع إزارك]] أي: قصر ثوبك، أمة كل دينها لباب، فليست الثياب من القشور، ولا اللحى من القشور، ولا الغناء من القشور، بل كله لباب، قال: [[ارفع إزارك، فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] فذهب الشاب وهو يبكي لموت عمر. ودخل علي بن أبي طالب؛ ليُلقي آخر كلمة أمام عمر: كلمة الوداع، كلمة ما رأيت أصدق منها إذا ودع الحبيب حبيبه. اتكأ علي بن أبي طالب على عبد الله بن عباس، وأخذت دموع علي تفيض ويقول لـ عمر: [[يا أمير المؤمنين! فقال عمر: لستُ للمؤمنين اليوم بأمير. ذهبت الإمارة، قال: يا أبا حفص! والله! لطالما سمعت الرسول ﵊ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، قال عمر: يا ليتني أنجو كفافاً لا لي ولا علي]]. وقد عزاه الناس، ثم أخذ يقول: [[الله الله في الصلاة!]] وترك الخلافة في الستة الذين بقوا من العشرة المبشرين بالجنة. وحملوا جثمانه ليدفن إلى جوار صاحبيه.

стр. 2335

دفن عمر بجانب صاحبيه أين يدفن؟ قالوا: ندفنك مع الرسول ﵊، قال: [[لا أزكي نفسي، ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين، استأذنوا عائشة في ذلك]] فذهبوا إلى عائشة زوجة رسول الله ﷺ ، فطلبوا منها الإذن -أن يدفن مع صاحبيه- ليكون ثالث الثلاثة، قالوا لـ عائشة: [[ندفن أمير المؤمنين مع صاحبيه؛ قالت: والله! لقد هيأتُ هذا المكان لنفسي، ولكن والله لأوثرن اليوم عمر بهذا المكان، ادفنوه مع صاحبيه]] فدفنوه مع صاحبيه، فجزى الله عمر عن الإسلام خير الجزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون، سلامٌ على ذاك العدل، وعلى ذاك الإمام، وجمعنا الله به في دار الكرامة، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، هذه شخصيةٌ من شخصيات العالم الإسلامي، التي قدمها محمد ﵊ للناس، هذا خليفة راشد، وإمامٌ عادل، يقول علي وعمر مكفن قبل أن يُصلى عليه: [[والله! ما أريد أن ألقى الله بعمل رجل إلا بعمل رجل مثلك]] كعملك وصدقك وعدلك. اللهم أرنا وجه عمر، وأجلسنا مع محمد في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، اللهم إنا قد أحببنا ذاك الرعيل فيك فهبنا يوم القيامة لأحد منهم، وشفعهم فينا يا رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم على النعمة المسداة، وعلى اليد المعطاة، محمد ﷺ ، وعلى خلفائه الراشدين، والأئمة العادلين، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك. اللهم تولنا فيمن توليت، واهدنا فيمن هديت، وبارك لنا فيما أعطيت. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2336

عقدة البقرة اشتهر بنو إسرائيل بكثرة مسائلهم لأنبيائهم والتعنت عليهم, ولما كثرت منهم شدد الله عليهم, وقصة البقرة من أبرز الأمثلة على ذلك, والشيخ حفظه الله تكلم عن هذه القصة, وذكر بعض الفوائد والدروس المستفادة منها, ثم أنهى كلامه بذكر شيء من اللطائف والفوائد حول البقرة, وحول هذه القصة.

стр. 2337

ضرب الأمثال في القرآن الكريم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أشهد أن الله حق, وأن النبيين حق, وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن محمداً ﷺ حق، وأشهد أن النبي خاتم، وأن الدين خالد، وأن الكفر خاسر. أيها الناس! تعنت العقل البشري أمام الوحي، وخاصم الإنسان الفاجر ربه، واعترض العقل على خالقه، واليوم معنا صورة من اعتراض البشر الضعفاء على الله، ومعنا سورة البقرة، وإن شئت سمها عقدة البقرة, التي تعقد فيها بنو إسرائيل، واضطربوا وسألوا، وناقشوا وشددوا؛ فشدد الله عليهم. كان يقرأ ﵊ هذه السور؛ سورة النحل والنحلة حشرة، وسورة النمل والنملة حشرة، وسورة البقرة والبقرة حيوان، وسورة العنكبوت وهي حشرة، فقال كفار قريش: محمد يستهزئ بكم، يأتينا بقرآن ويقول: هو وحي. وهو يتكلم عن عالم الحيوانات والعجماوات، وعن عالم الطيور والحشرات، فما دخل الطير والبقر والنحل، والكلاب والحمير بهذا الوحي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] فالذي خلق البعوضة هو الله، والذي خلق الفيل هو الله، والذي صور البقرة هو الله، والذي ركب الحمار هو الله، قال ابن القيم: " وفي الناس على ضروب أشباههم شبه من الحيوانات " ففي الناس من طبيعته كطبيعة الخنزير تماماً لا يقع إلا على القاذورات, يسمع المحاسن ويسمع الجميل فكأنه ما سمع، فلا يلقط إلا الخطأ والعثرة، قال ابن تيمية: " في الناس كأمثال الذباب كثير, لا يقع إلا على الجرح أما على الجسم السليم فلا يقع " فيقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ [البقرة:٢٦] ومن يمنعه أن يضرب الأمثال؟ ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٦] أي: أما حملة (إياك نعبد وإياك نستعين) , أما المتوضئون ورواد لا إله إلا الله ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] ثم يضرب الله قصة البقرة, ويسمي أكبر سورة في القرآن باسم البقرة, فتعرف بين الناس من أجل خمس آيات فيها بهذا الإسم، فلا يعرف المسلمون هذه السورة إلا بسورة البقرة، وثلث السورة نسف وإبادة لبني إسرائيل، وثلثها أحكام شرعية وقواعد منطقية وعقلية يفهمها اللبيب.

стр. 2338

قصة البقرة قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] لماذا؟ ما هو وجه التكليف أن يذبحوا بقرة؟ أتى بالصلاة، والصيام، والحج فلماذا ذبح البقر؟ السبب بعدها، قالوا: قدم الله سورة البقرة ثم أتى بالقصة في الآية التي تليها.

стр. 2339

معاندة بني إسرائيل للرسل كان رجل من بني إسرائيل غنياً ثرياً، فعدى عليه ابن أخيه في الليل فذبحه! اغتيال رهيب في ليلة ظلماء! وأتى هذا القاتل المجرم إلى موسى ليخفي جريمته، ويبعد التهمة عن نفسه, فبكى بين يدي موسى ﵇، قال له: مالك؟ قال: عمي قتل البارحة وأنت المسئول عنه، فأنت النبي وبيدك الحكم؛ سل الله من قتل عمي، فجمع موسى بني إسرائيل وقال: من قتل عم هذا الرجل؟ قالوا: لا ندري، إن كنت يا موسى نبياً فسل ربك، فهم يقولون: ادع لنا ربك، قال أحد المفسرين: قبحهم الله وفضحهم، أليس بربهم؟! لماذا لم يقولوا: ادع ربنا، وإنما قالوا: ربك؟ فابتهل واستقبل القبلة وبكى وقال: اللهم أخبرنا من هو القاتل. فقال الله: يا موسى! مر بني إسرائيل أن يأخذوا بقرة فيذبحونها, ثم يأخذوا عضواً منها فيضربوا الميت؛ فإني سوف أحييه بإذني؛ فيتكلم فيخبر بمن قتله، قال الله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣] فقال موسى: اذبحوا بقرة، قال ابن عباس: [[لو أخذوا بقرة من عرض البقر لأجزأتهم]] لكن تعنت البقر, أمام قصة البقر، لأن العقول التي لا تهضم معلومات الوحي تعترض، والعقل الجامد أمام النور الخالد يعترض، الله يقول: اذبحوا بقرة فاعترضوا، ففي كل شئونهم اعتراض، أنزلهم في واد فيه منٌّ وسلوى, حمام مشوي وعسل فقال: كلوا، قالوا: لا ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١] أخرجهم من البحر وأقدامهم مبتلة بالماء, فلما خرجوا وذهب يكلم ربه عبدوا العجل، وقالوا: ظمئنا أين الماء؟ فضرب الصخرة بالعصى فانفجرت اثنتي عشرة عيناً، قالوا: أين ربك؟ قال: أكلمه، قالوا: اذهب فكلمه. فذهب فلما أتى وجدهم قد أخذوا هذا العجل وسجدوا له، فتاب إلى الله وبكى موسى منهم، قال: يا رب! ما توبة بني إسرائيل؟ قال: خذ من خيارهم سبعين رجلاً والقني بـ طور سيناء , فإذا لقيتموني فاسجدوا لي؛ لأتوب عليكم، ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٥٥] فاختار من خيارهم سبعين، فمضى بهم إلى طور سيناء وقال: لا تتكلموا فإن ربي سوف يكلمني، فإذا كلمني فاسجدوا وابكوا، قالوا: نعم، فلما كلمه الله لم يسجدوا، فالتفت إليهم وقال: ما لكم؟ قالوا: أرنا الله جهرة. قال: اسجدوا لله قالوا: أرنا الله جهرة. فأنزل الله عليهم صاعقة فقتلت السبعين جميعاً, فوقف موسى باكياً وقال: يا رب! أعود لبني إسرائيل فيقولون لي قتل السبعين من خيارنا, فماذا أقول لهم؟ قال الله: سأحييهم لك. فأحياهم الله، وقالوا: يا موسى أحيانا الله فأرنا آية؟ فنتق الله الجبل فوق رءوسهم ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧١] قال: أصدقتم؟ قالوا: لا.

стр. 2340

تعنت بني إسرائيل في الأسئلة قال الله تعالى على لسان نبيه موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة:٦٧] هذه هي كلمة أبي جهل وكلمة الخونة العملاء، أمام العلماء والدعاة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, قالوا: أتتخذنا هزواً وتضحك علينا؟ نسألك عن القتيل فتقول اذبحوا بقرة! تقول له زيداً فيسمعه عمراً ويكتبه بكراً ويقرؤه فهراً قال: بل اذبحوا بقرة، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] قال أهل العلم: من سخر بالوحي فقد جهل, ومن عبث في التعليم فقد جهل، ومن أتى بالهزل في موطن الجد فقد جهل. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨] شددوا فشدد الله عليهم، وهذا مثل ما يفعل الذين يأتون إلى الدين فيتصورون أنه جامد وأن فيه التزمت وأنه متطرف, فتثقل عليهم التكاليف كالصلاة والسجود وأبسط الأشياء, وتسهل عليهم أمور الدنيا والمعصية، حتى أن أحدهم يستطيع أن يراهن بأمواله ويسافر إلى بلاد المعصية وتثقل عليه حجة أو عمرة. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] ليست بالكبيرة المسنة ولا بالصغيرة البكر، ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة:٦٨] فضيقوا الدائرة عليهم, ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] وإلا فالله لم يسألهم عن اللون، ولم يشترط عليهم لوناً خاصاً ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] وهذا أجمل لون؛ كشعاع الشمس الذهبي عند الغروب، قال الحسن البصري: " يعني سوداء " قال أهل العلم: ليست بسوداء وإنما هي صفراء فاقع لونها، فإنه يقال: للأسود قاتم، وللأصفر فاقع، وللأحمر قاني، وللأخضر باقع، وللأبيض يقق, قال: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] فاجتمعوا في مجلس مغلق ثم عادوا إليه: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠] فيتدخل رسولنا ﵊ عند هذه الكلمة فيقول: ﴿وأيم الله! لو لم يقولوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠] ما وجدوها أبداً﴾ ولكن استدركوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠]. قال موسى: ما دام أنكم سألتم، وعرضتم الإشكال، وتشددتم، فلا بد لكم من تشديد، ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] قال المفسرون: ليست مهيأة للحرث ولا للزرع، ويسمونها معززة أي لم تحرث ولم تزرع، لا تثير الأرض زراعة ولا تسقي الحرث, مسلمة قالوا: أي سليمة من العيوب، لا فيها مرض، ولا هي عوراء ولا هتماء ولا عضباء، إلى غير تلكم العيوب. لا شية فيها, قال: بشرط ألا يكون فيها بقعة تخالف لون الأصفر الفاقع، وهذا التشديد؛ كما يشدد الكهنة والسحرة في أوصافهم عندما يريدون الضحك على عقول الناس وتعجيزهم, فيشترطون ألواناً للتيوس التي تذبح, أسود قاتم، أو أحمر قانئ، أو أصفر فاقع، فإذا علموا أنها انتهت التيوس السود من الأسواق انتقلوا إلى الصفر فالحمر فالبيض. قال: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] قال أهل العلم: كأنهم يقولون أما قبل الآن فما جئت بالحق. فقد كان يضحك عليهم إذن، ويسخر ويستهزئ بهم في ظنهم. ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] [البقرة:٧١] متى ذبحوها؟ طافوا مدن بني إسرائيل وقراهم قرية قرية؛ فوجدوا هذه البقرة عند عجوز تحلبها وتعلفها، والعجوز علمت أنهم بأشد الشوق إلى هذه البقرة فبالغت في الثمن، قالوا: كم ثمنها؟ قالت: لا أبيعها. قالوا: اطلبي ما شئت من المال. قالت: إذا ذبحتموها وسلختموها فاملئوا جلدها ذهباً فهذا ثمنها. قالوا: سمعاً وطاعة. فقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي يقول بعض العلماء: مثل بني إسرائيل الذين ردوا أوصاف البقرة حتى وقعوا في الثمن, أمثالهم في الأمة كمن رفض التكاليف, بل ليست تكاليف, إنما هي عبادات سهلة ميسرة؛ حتى تخللت أقدامه النار يوم العرض الأكبر، وكان ﷺ يشير إلى هذا فيقول: ﴿أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار﴾ قال أهل العلم: فمن لم يتحمل مشقة الماء البارد ليسبغ الوضوء؛ حمله الله نار جهنم في عقبيه، وقس على ذلك. ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] فلما ذبحوها ملئوا جلدها ذهباً فأخذته العجوز, وأخذوا الغضروف فضربوا به الميت؛ فانتفض من قبره حياً بإذن الله فإذا به واقف, قال موسى: من قتلك؟ قال: ابن أخي هذا. هذا هو المجرم الذي أتى يسأل عمن قتل عمه، فقتله موسى. هذه هي القصة.

стр. 2341

البقر في المنام وتأويل البقر في المنام خير، قال أهل العلم: إذا رئيت وهي تذبح فشهداء، وإذا رؤيت واقفة فأخيار صالحون مؤمنون، وهذا في صحيح البخاري , فقد جاء أن النبي ﷺ صعد على المنبر قبل أحد بليلة يلقي بياناً عسكرياً حاراً، يقول: ﴿رأيت البارحة في المنام أن سيفي ثلم ثلمة -قيل انكسر ذبابه، وهو رأس السيف ذو الفقار- قال: ورأيت بقراً تنحر, ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة. قال الناس: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: أما ثلم سيفي فرجل من أهل بيتي يقتل -وكان حمزة - وأما البقر التي تنحر فالمؤمنون الشهداء. ثم دمعت عيناه وقال: والله خير -فقتل سبعون من أجلِّ المسلمين- وأما يدي في الدرع الحصينة فآوي إلى المدينة منتصراً﴾ قال بعض المعلقين على قصة بقرة بني إسرائيل وهذه الرؤيا: " يا بني إسرائيل! يا حثالات العالم! يا حملة الجريمة! يا أعداء لا إله إلا الله! بخلتم بذبح بقرة فتشرطتم على موسى, وأصحاب الرسول ﵊ حضروا بدراً وأحداً فقالوا: ماذا تريد منا يا رسول الله؟ قال: أريد منكم النصر. قالوا: فما لنا إذا نصرناك؟ قال: لكم الجنة فقدموا أرواحهم وهي أغلى من البقر". ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى أمَّن رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبراً

стр. 2342

مقارنة بين صحابي جليل وبين بني إسرائيل نقف عند قصة عمير بن الحمام، وقصة بني إسرائيل عند البقرة، صحابي لا يحفظ إلا عشر سور، أتى بدراً فكسر غمد السيف على ركبته، فقال ﵊: ﴿يا أهل بدر! إن الله اطلع عليكم اطلاعة فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. يا أهل بدر! والله ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة﴾ فألقى عمير بن الحمام بتمر في يده وكسر غمد السيف على ركبته وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى بخٍ بخٍ، وقاتل حتى قتل، أيهما أكثر تصديقاً؟ هذا هو الصنف الخالد الذين قدمهم ﵊. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] أبو بكر الصديق , يقول ﵊ لقريش: ﴿أسري بي البارحة إلى بيت المقدس فقالوا: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت، فقال: وعرج بي فقالوا: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت، قال: وفرض علي خمسون صلاة قالوا: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]﴾ فـ أبو بكر هو الذي جاء بالصدق وأمثاله إلى قيام الساعة، وهناك طراز ومدرسة اسمها مدرسة أبي بكر الصديق، هذه المدرسة تحترم الوحي، ومدرسة أبي جهل وأصحاب البقرة مدرسة تهاجم الوحي، فلا تريد للوحي أن يستقيم في حياة الناس أن يتبع، أو أن يُسمع صوته، أو ينشر، أو يفهم أو يدرس، أو يربى الناس عليه، أو يدخل إلى البيوت، بل تقف هذه الفئة -فئة أبي جهل والوليد بن المغيرة وأصحاب البقرة- حجر عثرة في وجه أتباع موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ولابد من هذا قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].

стр. 2343

دروس مستفادة من هذه القصة والمقصد من هذه القصة أمور ثلاثة: الأول: لا يحق للعقل أن يعترض على الوحي، ويوم يبدأ بالاعتراض والتشكيك، تبدأ اللعنة تنصب عليه من السماء. الثاني: على المسلم أن يتلقى هذه الرسالة باستسلام, وأن يسلم وجهه، وأن يطوع قياده، وأن يسجد برأسه، وأن يعلن انكساره وفقره أمام الله. الثالث: فضل الأمة المحمدية التي سارت على منهج رسول الهدى ﵊, بالمقارنة مع بني إسرائيل، مع اليهود. ونستنبط -أيضاً- أن الاعتراضات، والتهجمات، والسخريات، والأطروحات الكالحة، والهجوم المكشوف؛ الذي يعانيه أتباع الرسول ﷺ ، سوف يستمر ويستمر، ولكن: رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 2344

استحالة اجتماع المسلمين مع اليهود الحمد لله ولي الصالحين, ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقائد الغر المحجلين, وشفيع المؤمنين ومحجة السالكين, وعلى آله وصحبه والتابعين. يقول بعض المفكرين المعاصرين: من الاستحالات المنطقية اجتماع إسرائيل مع المسلمين، فلا تجتمع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله مع النجمة السداسية أبداً، قال: ووقع ما فعل أجدادهم مع موسى في شأن البقرة, وقع في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، القرار الذي يدعو إلى انسحاب أبناء القردة والخنازير من أرض المعراج, ومن أرض المؤمنين, ومن أرض عمر بن الخطاب وصلاح الدين؛ ينص على الانسحاب من الأراضي المحتلة، ومعنى ذلك: أن تطهر البلاد منهم، فأتوا وقالوا: لا, ليست الأراضي, وإنما هي من أراضٍ محتلة. فحذفوا (ال) التعريف كقولهم في البقرة, وقالوا: لا يمكن, ومعنى أرضٍ: أي أرض، ولو بقعة محدودة، يكفي أن نخرج من سيناء وطابة أو شيء من الجولان، ووقف العرب أمامهم بين (أل) التعريف , ولم يقفوا كما وقف صلاح الدين بالسيف. تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن في العالم اليوم أطروحة تسمى أطروحة التعايش السلمي، نبذ الأديان التي تفرق بين الشعوب، والتعايش السلمي بين الدول والشعوب، قالوا: وسبب الانزعاج والإزعاج هو الدين، فما فرق الأمم إلا مسلم، ويهودي، ونصراني، إذن نلغي هذه الأعلام والألقاب والأوسمة، ونبقى في تعايش سلمي تحت مظلة الإنسانية، وهذه هي مبادئ الماسونية , والله بعد قصة البقرة بآيات يحذرنا ويقطع علينا خط الرجعة؛ ألا نطمع في بني إسرائيل في اليهود، فلا تلد الحية إلا حية، ولو نسيت الكلاب نباحها، والخيل صهيلها، والغنم غثاؤها، والحمام هديره؛ لما نسي اليهودي عداءه للرسول ﵊، فقد نكت في دمائهم الخيانة، وقلة الأمانة، وعداء لا إله إلا الله، ويتبعهم أهل مدارسهم الذين تشبعوا بأفكارهم، وحملوا مدرستهم, شعروا أم لم يشعروا، قال الله بعد هذه القصة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] أتظنون أنهم سوف يسالمونكم ويؤمنون لمبادئكم ويكونون إخواناً لكم؟ ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة:٧٥] لا، وقبل هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] أطعمهم الله المن والسلوى، ونجاهم من البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنقذهم من فرعون، وسقاهم وأراهم الآيات، وأنزل عليهم الصحف، ثم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].

стр. 2345

لطائف وفوائد في قصة البقرة لطائف أذكرها للاستملاح كما ذكرها أهل العلم: قيل لإمام أهل السنة والجماعة: (أبي عبد الله أحمد بن حنبل): أتذبح البقرة أم تنحر؟ لأن البخاري في الصحيح في كتاب الحج قال: باب هل تذبح البقر؟ قال الإمام أحمد: بل تذبح. قالوا: وما الدليل؟ قال: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] والشاهد في هذا فقه الأئمة, هذه العقول المدركة التي رفعت مستوى الثقافة عند المسلمين، فشرفنا أحمد بن حنبل، وتاريخنا ابن تيمية، ومجدنا مالك، وسؤددنا الشافعي، هذا ميراثنا فليرينا العملاء الخونة ميراثهم، إما وَتَر أو بلوت، أو ضياع أو موسيقى حالمة، لكن هذه استنباطات الأئمة, وضعوا عقولهم في مدرسة الوحي فأنتجت طلاباً كالنجوم, وغرسوا أفكار أشجارهم في حديقة لا إله إلا الله فآتت أكلها كل حين بإذن ربها. ومنها: جواز بيع السلم. انظر إلى عقل الإمام مالك كيف طارت به أشواقه حتى وقع على قصة البقرة، قال: فمن باع غرضاًً بصفة كصفة بقرة بني إسرائيل جاز بيعه بصفة معلومة؛ لأن هذه البقرة وصفت لهم من الله فبحثوا عنها فوجدوها. ومن ذلك أن المسلم لا يتعنت أمام المسائل الشرعية، ولا يفحم العلماء, وقد نهى ﷺ عن الأغلوطات، ونهى عن إفحام أهل العلم، بل عليك أن تطلب العلم لوجه الله، ويكون غرضك من المسألة أن تعمل بها لا أن تعنت وتعجز هذا العالم، وهذه تربية للتلاميذ في المدارس والجامعات؛ أن يتقوا الله في الأساتذة؛ فلا يفحموهم بالمسائل العويصة والأغلوطات, فإن من فعل ذلك فقد تكلف، ومن تكلف فليس منا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ [المائدة:١٠١ - ١٠٢]. قال أهل العلم: ويؤخذ من هذه القصة أيضاً أن الدين يسر، وأن الله إذا أمر بأمر فهو على ظاهره، فلا يدور المسلم حول أمر الله بل ينفذه سمعاً وطاعة. قالوا: ويؤخذ منها أن من امتثل الأمر في أول شيء وقام به في أول وقته فهو المأجور، فمن صلى الصلاة في أول وقتها أجر لا كمن صلاها في آخر الوقت، وعند البخاري، وعند الترمذي وابن خزيمة: أن ابن مسعود قال للرسول: أي الاعمال أفضل؟ قال: ﴿الصلاة في أول وقتها﴾ ويروى: ﴿الصلاة في أول وقتها رضوان الله﴾ وكذلك من حج في أول عمره، ومن تاب في أول عمره أفضل ممن ترك المتاب والعودة إلى الله حتى بلغ الستين والخمسين. تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررت وتشفق للمصر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمت مشيت القهقرى وخبطت عشوا لعمرك لو وصلت لما رجعت ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتى قال ابن تيمية في هذه القصة: ويؤخذ منها -أيضاً- أن من أخر التوبة وفعل الأفعال الشنيعة على كبر عمر فإنه قد أساء إساءتين: إساءة المعصية، وإساءة عدم الإعذار من الله، ولذلك قال ﵊: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وذكر منهم أشيمط زاني﴾ شيخ يأتي يوم القيامة ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم، لا حجة له، وقال ﵊ كما في الصحيح: ﴿أعذر الله إلى امرئ بلغه ستين سنة﴾ معنى الحديث عند أهل السنة: أي قطع الله عليه الحجة يوم القيامة فلا حجة له، إذا أتى وعمره ستون فيقول الله له: لِمَ لم تتب؟ قال: يا رب لو أمهلتني لتبت. أبعد الستين مهلة؟! ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قال ابن عباس: [[النذير الشيب, ومن عمّره الله ثماني عشرة سنة فقد أعذر إليه]] هذا عند كثير من المفسرين ولكن الحديث أصح. فالبدار البدار، لا نصبح كبني إسرائيل نسمع الموعظة فنقول: غداً أو بعد سنة، أو ماذا يراد من هذا الكلام؟ أو ما هو المطلوب منا؟ بل علينا أن نمتثل. والعقول الملتوية المنحرفة هي مدرسة شامير، وموشي ديان، على مر تاريخ الإنسان, وهم أناس ربما يوجدون في قلب الأمة الإسلامية, وهم كالجراثيم تجتث، ولكنها لا تضر هذا الجسم الطاهر, ولذلك نقول في كل صلاة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قال سفيان بن عيينة ﵀: [[من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى]] والأمة اليوم وقع فيها مدرسة تشابه مدرسة النصارى ومدرسة اليهود, في أفكارها وفي التوائها وفي محاربتها، وفي أطروحاتها وأقلامها، وأدبها وغزلها وغنائها، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يلهمنا وإياكم رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].

стр. 2346

قصة عائد إلى الله هذه قصة عائد إلى الله، عرف طريقه المستقيم إلى الله بعد أن كان شارداً على الله، فقد مرت عليه السنوات وهو يعيش في ظلام كما يعيش كثير من الشباب المعرضين عن الله. ولما أراد الله هدايته لمست مسامعه كلمات داعية عملاق، فأصغى لها، فوصل الصوت إلى قلبه، فإذا به ينهد باكياً ثم يسلك سبيل الهداية.

стр. 2347

قصة تائب الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ هدى الله به البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، صلى الله عليه ما اتصلت عينٌ بنظر، وما تألقت أذنٌ لخبر، وما هتف ورقٌ على شجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضرٍ يحلُّ بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ الله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. هذه قصة أرويها هذا اليوم قصة عائد إلى الله قصة تائب عرف طريقه المستقيم إلى الله، رجلٌ يعيش ولا يزال يعيش على قيد الحياة، رجلٌ نيَّف على الخمسين من عمره؛ عابدٌ من العباد وليٌ من الأولياء، نحسبه والله حسيبه، لا أذكر اسمه فقد سألني بالله ألا أسمي اسمه للناس يوم أروي هذه القصة، يعيش في مدينة من مدن بلادنا. هذا الرجل قصته عجيبة! تروي قصة الإنسان يوم يعيش حياتين، وفترتين، ومرحلتين، يوم يعيش في أول عمره الضياع، والهيام، والضلال، والشرود، والتمرد على أمر الله ﵎، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].

стр. 2348

حياته قبل التوبة هذا الرجل كان يعمل جندياً -حارساً- يتولى نوبته ببندقيته لكنه لا يعرف الله، يقول: مرت بي تلك الفترة والله ما سجدت لله سجدة إلا رياءً ومجاملة للناس. كانت تمر به الأشهر الطويلة لا يغتسل من الجنابة لا يركع ركعة لا يتلو القرآن لا يذكر الواحد الديان شاردٌ عن الله ميت بمعنى الكلمة. ليله يسهر مع الغناء الماجن، مع رفقة السوء، مع شلل الإجرام، مع عصابات التمزق والفشل والانهزام، مع الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً. فإذا أدركه النوم؛ نام بلا طهارة كالجثة الهامدة، ميت، لا يعرف مواقيت الصلاة؛ لأنه لا يصلي، وإذا استيقظ استيقظ متى يريد بلا طهارة، بلا ذكر بلا وضوء بلا عبادة. نهاره ذهابٌ وإياب يوم يترك نوبته في الحراسة، والعجيب في أمره! أنه قوي البنية؛ لكنه ضعيف القلب آنذاك، صلب المراس لكنه مهزوم الإرادة، متحرك الأعضاء لكنه فاني العزيمة والإقبال على الله ﵎. كان يُشْعِل السيجارة بعد الأخرى، وإذا رأى أهل التدين والالتزام استهزأ بهم، يرى أن الإسلام رجعية، وأن الدين تخلف، وأن السنة سخف، وطالما زاره بعض الدعاة مما رأوا من إجرامه وفساده ووعظوه وحذروه وأنذروه، فكان يردد كلمته المشهورة: كفرٌ صراحٌ ولا دينٌ مُخَشْخَش؛ يعني: نفاقٌ صلبٌ عَمْدٌ وفجور، ولا دين أتلبس به أمام الناس. قاطَع والدَيه؛ وهما على بعد ثلاثمائة كيلو متر منه هجرهم، وسبهم، وشتمهم، كان يجلس مع رفقته فيستهزئ بالصالحين، ويستهزئ بالسنن، ولا إله إلا الله كم يتمرد القلب على الله إذا لم يعرفه! ولا إله إلا الله كم يهدم كيان الإنسان إذا لم يهتدِ هذا الإنسان! ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٠] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣]. واستمرت السنوات بعد السنوات وهو يعيش في ظلام، كما يعيش اليوم كثير من الشباب المعرضين عن الله؛ يأكلون، ويشربون، ويطبِّلون، ويزمِّرون، ويرقصون؛ لكنهم لا يعرفون الله. مساكين! الذين يتصورون أن الحياة دفٌ، وطبلٌ، ونايٌ، ووتر. مساكين! الذين جعلوا الحياة لذةً، وشراباً، وأكلاً كالبهائم. مساكين! الذين ما عرفوا حلاوة الإيمان، وطعمه ولذته. واستمرت الليالي والأيام بهذا الرجل وهو في حراسته يحمل بندقيته، يسمع النداء الخافق العالي بالأذان فلا يجيب داعي الله، ويرى الصالحين يتوجهون إلى المسجد فلا يشاركهم أبداً.

стр. 2349

أسباب توبته ولقد قيض الله لهذا الرجل داعيةً عملاقاً؛ هذا الداعية وإن كنت لا أعرفه، لكن يعرفه كثير من العلماء وطلبة العلم في هذه المنطقة وغيرها، اسمه: محمد بن حمود اليمني؛ رجلٌ ما ذَكَرَتْهُ الكتب لكن ذَكَرَتْهُ القلوب، وما عَرَفَتْهُ الصحف لكن عَرَفَتْهُ الأرواح، وما سُجِّل بالجرائد لكن سَجَّله الله في الخالدين. حُدِّثْنا بتواترٍ عنه أنه كان يأخذ القلوب فيسافر بها إلى الله، فأقف مع هذا الرجل، وأقف في قصة حدثنا بها بعض الصالحين؛ قصة بين هذه القصة، تتحدث عن هذا الداعية، يقول الرجل الصالح: "رأيت في المنام رسول الله ﷺ ، رأيت كأنني في سوق وقد اجتمع الناس في هذا السوق، فلما ارتفعت الشمس، وأخذ الناس يتبايعون ويتشاورون في السوق، وإذا برسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- يرتقي إلى منبر السوق، وإلى مكانٍ عالٍ في السوق فيعظ الناس، ويبكي ويُبكي الناس، قال: حتى رأيت بعض الناس سقطوا مغمىً عليهم من التأثر، فرشوا بالماء وحملوا من السوق -هذه رؤيا منام- قال: وفي الصباح نزلت إلى سوق البلدة فوقفت مع الناس، فلما احتمت الشمس وارتفع النهار واجتمع الناس، وإذا بهذا الداعية، يصعد منبراً مرتفعاً في السوق يكبر ويهلل، وتتساقط دموعه قبل الكلمات إي والله! قال: فرأيت الناس يتساقطون من التأثر ويرشون بالماء، ويحملون إلى الظل، فكان هذا تأويل رؤياي من قبل". نعود إلى قصة هذا الرجل الأول، قال: وفي أثناء ما كنت في نوبتي آخذاً بندقيتي بجانب مسجدٍ في هذه البلدة، والناس يصلون وأنا لا أعرف الصلاة، وإذ بهذا الداعية يرتفع صوته بعد صلاة العصر؛ منذراً، ومحذراً، ومذكراً، وهو يتلو قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ثم أخذ يشرح الموقف والعرض الأكبر، ويصف الجنة والنار. وقد سلم هذا الرجل قلبه لهذا الداعية، ووصل صوته إلى قلبه قبل أن يصل إلى أذنيه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب. قال: فاستأسر قلبي بين يديه، ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]. قال: وانتقلت من البلدة بروحي فما أدري أين أنا، وأصابني من الإعياء والبكاء والإغماء ما الله به عليم، حتى ما استطعت أن أتحامل على رجلي فجلست على الأرض. قال: وكان صوته ينفذ إلى القلب مباشرة؛ وهو يتحدث عن الحشر والنشر ومواقف الحشر وكأن ربي بارزٌ على عرشه يوم العرض الأكبر. قال: واستمريت في البكاء إلى قبيل المغرب حتى سلمت نوبتي لزميلي، وذهل الناس مني واجتمعوا عليَّ مالك مالك؟ قلت: لا شيء، أتوب إلى الله أستغفر الله أعود إلى الله، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وهكذا يفعل الداعية المخلص بالقلوب يفتح مدناً من القلوب بالكلمات لا تفتحها الجيوش المجيشه، ولا الجنود المجندة. وقام هذا الرجل وذهب فاغتسل من الجنابة التي مكثت عليه أشهراً طويلة، وغير ملابسه فقد غير قلبه، وقام يستغفر ويتوب ودموعه تتساقط مع قطر ماء الوضوء. إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى قال: وأول صلاةٍ صليتها صلاة المغرب، فلما صليت وإذا أنا بالداعية، فسلمت عليه، فهش وبش في وجهي، وكأنه اشتراني وأعتقني -والله- وعانقه في نفس الوقت؛ وهذا هو السحر الحلال، وهو: تبسم أهل الفضل والنبل والعلم؛ ليشتروا القلوب ويبيعوها بجنة عرضها السماوات والأرض. يقول الله لرسوله ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. قال: فذهب بي هذا الداعية إلى بيت يجاور المسجد، وسألني: لماذا أبكي؟ فقصصت عليه حياتي، فشاركني في البكاء، وقلت: الآن أولد مولداً جديداً، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].

стр. 2350

التائب حَفِظَ القرآنَ في أربعة أشهر قال: أخذ هذا الداعية يحدثني عن الهداية، وعن طريق الجنة، وثواب الله للصادقين، وجزائه للتائبين، وعن إقباله على المقبلين. قال: وسألني كم أحفظ من القرآن؟ قلت: لا أحفظ شيئاً، قال: سبحان الله! وكيف صليت معنا آنفاً، قال: وقفت هكذا، حتى الفاتحة لا أحفظها؛ لأنه قد يبلغ ببعض الناس التمرد والإعراض إلى أن يفهم كل شيء إلا الإسلام، ويعرف كل شيء إلا القرآن، ويحب كل شيء إلا الدين، بل وجد في مجتمعاتنا وأوساطنا ومدننا من يحفظ مئات الأغنيات ولا يحفظ سورة، هذا موجود وحاصل، وهكذا يفعل المعرض والشارد عن الله . قال: فقام فعلمني الفاتحة وسوراً أخرى، ثم ألزمني برجلٍ من أهل القرية عنده صلاح، وقال: حفِّظه كتاب الله، قال: والله الذي لا إله إلا هو -الرجل يروي قصته- ما أخذت أنام من الخوف؛ من خوف الله في الأربع والعشرين ساعة إلا ساعتين، وحفظت القرآن كله حفظاً عن ظهر قلب في أربعة أشهر؛ لأنه أحب القرآن، وأقبل على الواحد الديان، وعرف طريقه إلى جنة الرضوان. هذا الرجل استمر في الهداية، وأصبح عابداً، وأعرف أنه يقرأ القرآن ويختمه في كل ثلاثة أيام، ويصوم كثيراً من الأيام، ولا يتمالك عينيه إذا قرأ القرآن إلا أن ينهد باكياً. يحدث بقصته هذه فيبكي؛ لأنها قصة عجيبة، تمر بنا كثيراً، وهي قصة النجاة من النار، وقصة العودة إلى الواحد القهار، وفي أولها حرمانٌ وفي آخرها رضوان، أولها لعنة وشقاوة وآخرها رحمةٌ وحسنٌ وإقبالٌ على الله الواحد الأحد. فيا من عاش حياة الإعراض! ويا من أدبر طويلاً في أيامه! ويا من جعل ليله ونهاره مسارح للمعاصي! أَقبِلْ على الله وتعال إليه، وضع يمينك في حبل محمدٍ ﵊، ليصلك بالله الواحد الأحد. هذا نموذجٌ من حياة كثيرٍ من الناس، وعندنا من هذا وعند كثيرٍ من الإخوة عشرات النماذج؛ من الذين أعرضوا ثم أقبلوا، من الذين عاشوا الخذلان والحرمان ثم عرفوا الطريق إلى الواحد الديان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
следующие страницы →