Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
قصة عائد إلى الله
هذه قصة عائد إلى الله، عرف طريقه المستقيم إلى الله بعد أن كان شارداً على الله، فقد مرت عليه السنوات وهو يعيش في ظلام كما يعيش كثير من الشباب المعرضين عن الله.
ولما أراد الله هدايته لمست مسامعه كلمات داعية عملاق، فأصغى لها، فوصل الصوت إلى قلبه، فإذا به ينهد باكياً ثم يسلك سبيل الهداية.
стр. 2347
قصة تائب
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ هدى الله به البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، صلى الله عليه ما اتصلت عينٌ بنظر، وما تألقت أذنٌ لخبر، وما هتف ورقٌ على شجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضرٍ يحلُّ بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ الله
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
هذه قصة أرويها هذا اليوم قصة عائد إلى الله قصة تائب عرف طريقه المستقيم إلى الله، رجلٌ يعيش ولا يزال يعيش على قيد الحياة، رجلٌ نيَّف على الخمسين من عمره؛ عابدٌ من العباد وليٌ من الأولياء، نحسبه والله حسيبه، لا أذكر اسمه فقد سألني بالله ألا أسمي اسمه للناس يوم أروي هذه القصة، يعيش في مدينة من مدن بلادنا.
هذا الرجل قصته عجيبة! تروي قصة الإنسان يوم يعيش حياتين، وفترتين، ومرحلتين، يوم يعيش في أول عمره الضياع، والهيام، والضلال، والشرود، والتمرد على أمر الله ﵎، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
стр. 2348
حياته قبل التوبة
هذا الرجل كان يعمل جندياً -حارساً- يتولى نوبته ببندقيته لكنه لا يعرف الله، يقول: مرت بي تلك الفترة والله ما سجدت لله سجدة إلا رياءً ومجاملة للناس.
كانت تمر به الأشهر الطويلة لا يغتسل من الجنابة لا يركع ركعة لا يتلو القرآن لا يذكر الواحد الديان شاردٌ عن الله ميت بمعنى الكلمة.
ليله يسهر مع الغناء الماجن، مع رفقة السوء، مع شلل الإجرام، مع عصابات التمزق والفشل والانهزام، مع الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً.
فإذا أدركه النوم؛ نام بلا طهارة كالجثة الهامدة، ميت، لا يعرف مواقيت الصلاة؛ لأنه لا يصلي، وإذا استيقظ استيقظ متى يريد بلا طهارة، بلا ذكر بلا وضوء بلا عبادة.
نهاره ذهابٌ وإياب يوم يترك نوبته في الحراسة، والعجيب في أمره! أنه قوي البنية؛ لكنه ضعيف القلب آنذاك، صلب المراس لكنه مهزوم الإرادة، متحرك الأعضاء لكنه فاني العزيمة والإقبال على الله ﵎.
كان يُشْعِل السيجارة بعد الأخرى، وإذا رأى أهل التدين والالتزام استهزأ بهم، يرى أن الإسلام رجعية، وأن الدين تخلف، وأن السنة سخف، وطالما زاره بعض الدعاة مما رأوا من إجرامه وفساده ووعظوه وحذروه وأنذروه، فكان يردد كلمته المشهورة: كفرٌ صراحٌ ولا دينٌ مُخَشْخَش؛ يعني: نفاقٌ صلبٌ عَمْدٌ وفجور، ولا دين أتلبس به أمام الناس.
قاطَع والدَيه؛ وهما على بعد ثلاثمائة كيلو متر منه هجرهم، وسبهم، وشتمهم، كان يجلس مع رفقته فيستهزئ بالصالحين، ويستهزئ بالسنن، ولا إله إلا الله كم يتمرد القلب على الله إذا لم يعرفه! ولا إله إلا الله كم يهدم كيان الإنسان إذا لم يهتدِ هذا الإنسان! ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٠] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
واستمرت السنوات بعد السنوات وهو يعيش في ظلام، كما يعيش اليوم كثير من الشباب المعرضين عن الله؛ يأكلون، ويشربون، ويطبِّلون، ويزمِّرون، ويرقصون؛ لكنهم لا يعرفون الله.
مساكين! الذين يتصورون أن الحياة دفٌ، وطبلٌ، ونايٌ، ووتر.
مساكين! الذين جعلوا الحياة لذةً، وشراباً، وأكلاً كالبهائم.
مساكين! الذين ما عرفوا حلاوة الإيمان، وطعمه ولذته.
واستمرت الليالي والأيام بهذا الرجل وهو في حراسته يحمل بندقيته، يسمع النداء الخافق العالي بالأذان فلا يجيب داعي الله، ويرى الصالحين يتوجهون إلى المسجد فلا يشاركهم أبداً.
стр. 2349
أسباب توبته
ولقد قيض الله لهذا الرجل داعيةً عملاقاً؛ هذا الداعية وإن كنت لا أعرفه، لكن يعرفه كثير من العلماء وطلبة العلم في هذه المنطقة وغيرها، اسمه: محمد بن حمود اليمني؛ رجلٌ ما ذَكَرَتْهُ الكتب لكن ذَكَرَتْهُ القلوب، وما عَرَفَتْهُ الصحف لكن عَرَفَتْهُ الأرواح، وما سُجِّل بالجرائد لكن سَجَّله الله في الخالدين.
حُدِّثْنا بتواترٍ عنه أنه كان يأخذ القلوب فيسافر بها إلى الله، فأقف مع هذا الرجل، وأقف في قصة حدثنا بها بعض الصالحين؛ قصة بين هذه القصة، تتحدث عن هذا الداعية، يقول الرجل الصالح: "رأيت في المنام رسول الله ﷺ ، رأيت كأنني في سوق وقد اجتمع الناس في هذا السوق، فلما ارتفعت الشمس، وأخذ الناس يتبايعون ويتشاورون في السوق، وإذا برسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- يرتقي إلى منبر السوق، وإلى مكانٍ عالٍ في السوق فيعظ الناس، ويبكي ويُبكي الناس، قال: حتى رأيت بعض الناس سقطوا مغمىً عليهم من التأثر، فرشوا بالماء وحملوا من السوق -هذه رؤيا منام- قال: وفي الصباح نزلت إلى سوق البلدة فوقفت مع الناس، فلما احتمت الشمس وارتفع النهار واجتمع الناس، وإذا بهذا الداعية، يصعد منبراً مرتفعاً في السوق يكبر ويهلل، وتتساقط دموعه قبل الكلمات إي والله! قال: فرأيت الناس يتساقطون من التأثر ويرشون بالماء، ويحملون إلى الظل، فكان هذا تأويل رؤياي من قبل".
نعود إلى قصة هذا الرجل الأول، قال: وفي أثناء ما كنت في نوبتي آخذاً بندقيتي بجانب مسجدٍ في هذه البلدة، والناس يصلون وأنا لا أعرف الصلاة، وإذ بهذا الداعية يرتفع صوته بعد صلاة العصر؛ منذراً، ومحذراً، ومذكراً، وهو يتلو قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ثم أخذ يشرح الموقف والعرض الأكبر، ويصف الجنة والنار.
وقد سلم هذا الرجل قلبه لهذا الداعية، ووصل صوته إلى قلبه قبل أن يصل إلى أذنيه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب.
قال: فاستأسر قلبي بين يديه، ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤].
قال: وانتقلت من البلدة بروحي فما أدري أين أنا، وأصابني من الإعياء والبكاء والإغماء ما الله به عليم، حتى ما استطعت أن أتحامل على رجلي فجلست على الأرض.
قال: وكان صوته ينفذ إلى القلب مباشرة؛ وهو يتحدث عن الحشر والنشر ومواقف الحشر وكأن ربي بارزٌ على عرشه يوم العرض الأكبر.
قال: واستمريت في البكاء إلى قبيل المغرب حتى سلمت نوبتي لزميلي، وذهل الناس مني واجتمعوا عليَّ مالك مالك؟ قلت: لا شيء، أتوب إلى الله أستغفر الله أعود إلى الله، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
وهكذا يفعل الداعية المخلص بالقلوب يفتح مدناً من القلوب بالكلمات لا تفتحها الجيوش المجيشه، ولا الجنود المجندة.
وقام هذا الرجل وذهب فاغتسل من الجنابة التي مكثت عليه أشهراً طويلة، وغير ملابسه فقد غير قلبه، وقام يستغفر ويتوب ودموعه تتساقط مع قطر ماء الوضوء.
إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى
قال: وأول صلاةٍ صليتها صلاة المغرب، فلما صليت وإذا أنا بالداعية، فسلمت عليه، فهش وبش في وجهي، وكأنه اشتراني وأعتقني -والله- وعانقه في نفس الوقت؛ وهذا هو السحر الحلال، وهو: تبسم أهل الفضل والنبل والعلم؛ ليشتروا القلوب ويبيعوها بجنة عرضها السماوات والأرض.
يقول الله لرسوله ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
قال: فذهب بي هذا الداعية إلى بيت يجاور المسجد، وسألني: لماذا أبكي؟ فقصصت عليه حياتي، فشاركني في البكاء، وقلت: الآن أولد مولداً جديداً، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
стр. 2350
التائب حَفِظَ القرآنَ في أربعة أشهر
قال: أخذ هذا الداعية يحدثني عن الهداية، وعن طريق الجنة، وثواب الله للصادقين، وجزائه للتائبين، وعن إقباله على المقبلين.
قال: وسألني كم أحفظ من القرآن؟ قلت: لا أحفظ شيئاً، قال: سبحان الله! وكيف صليت معنا آنفاً، قال: وقفت هكذا، حتى الفاتحة لا أحفظها؛ لأنه قد يبلغ ببعض الناس التمرد والإعراض إلى أن يفهم كل شيء إلا الإسلام، ويعرف كل شيء إلا القرآن، ويحب كل شيء إلا الدين، بل وجد في مجتمعاتنا وأوساطنا ومدننا من يحفظ مئات الأغنيات ولا يحفظ سورة، هذا موجود وحاصل، وهكذا يفعل المعرض والشارد عن الله .
قال: فقام فعلمني الفاتحة وسوراً أخرى، ثم ألزمني برجلٍ من أهل القرية عنده صلاح، وقال: حفِّظه كتاب الله، قال: والله الذي لا إله إلا هو -الرجل يروي قصته- ما أخذت أنام من الخوف؛ من خوف الله في الأربع والعشرين ساعة إلا ساعتين، وحفظت القرآن كله حفظاً عن ظهر قلب في أربعة أشهر؛ لأنه أحب القرآن، وأقبل على الواحد الديان، وعرف طريقه إلى جنة الرضوان.
هذا الرجل استمر في الهداية، وأصبح عابداً، وأعرف أنه يقرأ القرآن ويختمه في كل ثلاثة أيام، ويصوم كثيراً من الأيام، ولا يتمالك عينيه إذا قرأ القرآن إلا أن ينهد باكياً.
يحدث بقصته هذه فيبكي؛ لأنها قصة عجيبة، تمر بنا كثيراً، وهي قصة النجاة من النار، وقصة العودة إلى الواحد القهار، وفي أولها حرمانٌ وفي آخرها رضوان، أولها لعنة وشقاوة وآخرها رحمةٌ وحسنٌ وإقبالٌ على الله الواحد الأحد.
فيا من عاش حياة الإعراض! ويا من أدبر طويلاً في أيامه! ويا من جعل ليله ونهاره مسارح للمعاصي! أَقبِلْ على الله وتعال إليه، وضع يمينك في حبل محمدٍ ﵊، ليصلك بالله الواحد الأحد.
هذا نموذجٌ من حياة كثيرٍ من الناس، وعندنا من هذا وعند كثيرٍ من الإخوة عشرات النماذج؛ من الذين أعرضوا ثم أقبلوا، من الذين عاشوا الخذلان والحرمان ثم عرفوا الطريق إلى الواحد الديان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2351
قصة تائب آخر
الحمد لله رب العالمين؛ ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الإخوة الكرام! فإن قصص التوبة والإقبال على الله عزوجل تملأ التاريخ، ومن يقرأ سير الصحابة والسلف الصالح يجد كل واحدٍ منهم مر بفترتين في الغالب؛ فترة الإعراض والظلام وفترة الإقبال على الله.
ومما حُفِظ عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه- أنه قال: لا بد لكل عبدٍ أن يولد مولدين اثنين: المولد الأول: يوم أتت به أمه، وهذا يشترك فيه الناس حتى البهائم، فإن كل مخلوقٍ له هذا المولد، ويعيش هذه الحياة، ويحس بهذا الميلاد الكافر والمؤمن البهيمة والدابة الطائر والحشرة، كلهم يولدون هذا المولد.
أما المولد الثاني: فلا يذوقه إلا المؤمن، ولا يحسه إلا المؤمن؛ وهو الميلاد الثاني الذي ذكره سبحانه بقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] ما معنى ذلك؟ هل معناه: أنه كان ميتاً لا يتحرك، ولا يأكل، ولا يشرب؟ لا.
إنما معناه: أنه كان ميت القلب والإرادة والعزيمة، ميت السير إلى الله، يأكل ويشرب؛ ويُطَبِّل ويُزَمِّر ويُغَنِّي؛ ويتمرد ويفسق، لكنه ميت، قال الله: ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: بالإيمان، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: بالعلم، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فالميلاد الثاني قال: هو ميلاد الإنسان في الإسلام، يوم يخلع كل شرك وشبهة ونفاق ومعصية ويأتي فيسلم نفسه إلى الله، ويشتري نفسه من الله، ويعتق رقبته من النار، هذا هو الميلاد الثاني، وهذا الميلاد ذاقه الصحابة رضوان الله عليهم ولا يزال كثير من الناس يعيشونه في هذا العصر وبعد هذا العصر.
سلامٌ على التائبين جملةً الذين عرفوا الطريق إلى الله.
أحد العلماء في مدينة الرياض حدَّثنا بقصة وقعت لقريب له؛ هذا القريب يقول: كان جندياً من جنود إبليس.
وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي
يقول: كان متمرداً على الله حتى وصل الحال به إلى أن دعت عليه أمه بالهلاك، وأن يريح الله العباد والبلاد منه.
يذهب في الليل فلا يأتي إلا في ساعة متأخرة، يأتي وهو محشوٌ من حبوب المخدرات ومن السكار والخمر، أما المسجد فما دخله أبداً، وربما لو دخل المسجد لنجسه.
стр. 2352
مع الدعاة إلى الله
قال: واستمر على هذه الحال حتى تأذى منه جيرانه وشكوه، وحاول بعض الدعاة معه محاولة فوصلوه إلى بيته، ووعظوه بالله، وسألوه بأسماء الله الحسنى أن يتوب، وعلى الأقل أن يمسك على الناس شره، وصل البلاء به المواصيل، وما بقي إلا توبةٌ نصوحٌ، أو قاصمةٌ من الله يوم يأخذ الظالم فلا يفلته أبداً.
قال: وبينما نحن نعظه، بكى، وظننا أنه تاب، وأنه أحس بالعودة إلى الله، ولكن دون جدوى عاد كما كان، بل أمَرَّ مما كان، وكان يستهزئ ويسخر بنا في رسائل وجلسات، وكان عنده أصحاب يدعونه إلى الردى والغواية.
قال: واستمر به الحال، فكتبنا له رسائل، وحاولنا أن نتوسط ببعض الناس، شفعُنا فيه أن يهتدي فرفض.
تذكرنا طريقةً مبتكرة للهداية؛ وهي طريقة ناجحة، طريقة إهداء الشريط الإسلامي، أن يصل إليه، وأن يستمع إليه، وأن يُوْدَعَ في بيته وفي سيارته.
قال: فاشترينا مجموعة من الأشرطة ووضعناها في سيارته، قلنا: هذه آخر محاولة، وبعدها ندعو الله أن يريح العباد والبلاد منه؛ لأنه سبب في غواية كثير من شباب الحي والحارة.
قال: وقدر الله، والله له أزمنة يقدر فيها الهداية فلا يستعجل على أمره، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١].
قال: سافر هذا الرجل إلى مدينة الدمام، وفي أثناء الطريق سمع الغناء حتى ملَّ، وسمع البذاء والسخف حتى كَلَّ وسئم، وقبل أن يصل إلى مدينة الدمام بمراحل حاول أن يسمع هذه الأشرطة الموجودة؛ ليسمع ما يقول هؤلاء البشر السخفاء في نظره الحقراء في فكره، هل يتكلمون كالناس؟! هل عندهم شيء؟!
قال: ففتح شريطاً يتحدث عن اليوم الآخر، قال: وتأمل وألقى سمعه، وتحدث الشريط عن حياة الإنسان وعن رحلته، وعن ضعفه، وعن موقف الإنسان يوم العرض الأكبر، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
قال: وبدأ التأثر، وانتهى الشريط، وأخذ شريطاً آخر يتحدث عن الجنة، وبدأ التأثر والبكاء منتهاه -وهو يتحدث عن نفسه- حتى يقول: ما كدت أتحكم في إطار السيارة وفي قيادتها حتى دخلت المدينة، ومع دخوله المدينة أدخل الله الهداية قلبه.
وأول ما وصل وصل إلى مكانٍ فتوضأ فيه، وجدد وضوءه، وبدأ بالمسجد وصلى ركعتين، وأعلن توبته وهو يبكي أمام الله، وصلى مع الناس، وعاد إلى الله وأكمل سماع هذه الأشرطة التي زادته عمقاً وإيماناً وبصيرة.
عاد إلى أهله بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به؛ وجه الإيمان وجه النور والهداية وجه الإقبال على الله عزوجل، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
ليسو كقومٍ إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري
تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري
مَن تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
стр. 2353
الأهل والجيران يفرحون بتوبته
وصل إلى بيته وأخبر والدته فانصدعت بالبكاء من الفرح، ومن الفرح ما يبكي:
طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
وأيام وإذا بالناس من الجيران يتوافدون عليه؛ يهنئونه بهذا النجاح، وهذا المستقبل، وإذا برب العباد يوزع محبته على الناس، ففي الصحيح: ﴿أن الله عزوجل إذا أحب عبداً، قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يقول للملائكة: فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض -وفي بعض الروايات: حتى إن الناس ليَشربون حبه مع الماء البارد، وإذا أبغض الله عبداً، قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم يخبر أهل السماء فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض، حتى إن الناس ليشربون بغضه مع الماء البارد﴾.
أحبوه، وواصل مسيرته مع الله، وما زال حياً وأصبح مثالاً وأسوةً: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] وهدى الله على يديه كثيراً من الناس، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].
عباد الله! جددوا توبتكم وإقبالكم إلى الله الواحد الأحد، أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين، فإن ربكم غفور شكور.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.
وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنَّا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 2354
المؤذن الأول
إن الله نظر إلى خلقه فوجد الصحابة أطهر الناس قلوباً، فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، فهم أعظم من عرفت البشرية؛ فلذلك اعتنى أهل السير والتراجم بحياتهم وتدوينها في الكتب لأخذ العبر والعظات والاقتداء بهم في هذه الحياة.
وفي هذا الدرس قصة المؤذن الأول ألا وهو بلال بن رباح، وفيها كيف كانت حياته قبل مبعث النبي ﷺ وبعد بعثته، وكيف عاشر النبي ﷺ وخدمه وأحبه، وكيف كانت حياته بعد النبي ﷺ .
стр. 2355
حياة بلال مع النبي ﷺ
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، ﷺ ما فاحت الأزهار وما تناغمت الأطيار، وما تعاقب الليل والنهار، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المؤمنون: عنوان هذه الخطبة: المؤذن الأول.
من هو المؤذن الأول؟
من هو أول من صدح بصوت الحق على منارة الحق في دنيا الحق؟
стр. 2356
الصبر على هذا الدين
إنه ذاكم المولى الضعيف المسكين الذي رفعه هذا الدين، فأصبح من ورثة جنة النعيم.
بلال بن رباح اسم يحبه المؤمنون وصوت تعشقه آذان الموحدين، ولا بد للمسلم أن يولد ميلادين اثنين وأن يعيش حياتين:
الميلاد الأول: يوم ولدته أمه.
الميلاد الثاني: يوم ولد في هذا الدين الجديد.
وبلال ﵁ وأرضاه ولد ميلادين، وعاش حياتين، وصاحب عالمين، ولد مولى، وأستأسره الجبابرة وسلطوا عليه سياط الكبر والعنجهية، فكان مولىً لا حساب له ولا تأثير في الحياة، وأخذ إلى مكة مفصولاً ومعزولاً عن أهله وأمه، وعاش في مكة.
وفجأة صدع الرسول ﵊ من على الصفا بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
وذهب ﷺ إلى سادات مكة يدعوهم إلى لا إله إلا الله، فكفروا بلا إله إلا الله، واعترضوا على رسول الله وكذبوه، وافتروا عليه وآذوه، وشتموه، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
معنى الآية: ما عليك من هؤلاء الكبار؛ فإنهم صغار عند الله، لا تعبأ بهم أبداً، ولا تعطهم شيئاً من وقتك ما دام هذا صنيعهم.
ولا تظن أن الإسلام سوف ينتصر على أكتاف المتكبرين المتجبرين، لكن اذهب إلى أناس يريدون وجه الله، من المساكين والفقراء والموالي، من الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
وذهب ﷺ يبحث عن أحبابه وأتباعه وجنده وتلاميذه، فوجدهم في أصناف من الناس، في عالم الفقر والزهد والضعف والمسكنة، ومنهم بلال.
ورأى بلال محمداً ﵊ فأحبه، والسر الذي زرعه رسول الهدى ﵊ في القلوب هو الحب، فجر أنهار الحب في قلوب أصحابه حتى كان الواحد منهم يقدم صدره أمام صدر الرسول ﵊، ويقطع أمامه بالسيف إرباً إرباً، ويقول:
نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله!!!
حب أجراه في قلوبهم، فأحبه بلال حباً استولى على سمعه وبصره وقلبه، فأصبح يتحرك في حب الرسول ﷺ ، يأكل وشخص الرسول أمام عينه، ويشرب وشخص الرسول في سمعه وبصره، ولسان حال بلال يقول:
أحبك لا تسأل لماذالأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي
أو كما قال الأول:
أحبك لا تفسير عندي لصبوتي أفسر ماذا والهوى لا يفسر
فلما أحبه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وعرض عليه الدين، فأحب هذا الدين؛ لأنه يرفض الرق، والعبودية لغير الله، ولأنه ينبز الظلم ويحارب الظلمة.
فلما أحبه، وشهد أن لا إله إلا الله، اجتمع الجبابرة على بلال، وضربوه ليعود عن لا إله إلا الله، فأبى، سجنوه وعذبوه، فأبى، ربطوه بالحبال وجرجروه على صخور مكة السوداء في الظهيرة وجهاً لبطن ليعود، فكان يتلفظ بقوة: أحد أحد.
من هو الواحد الأحد؟ إنه الذي أرسل هذا الرسول، وأنقذ الإنسان، والذي دعا قلبه ليؤمن بالواحد الأحد.
لطموه على وجهه فيرتفع صوته متأثراً ثائراً مجروحاً: أحدٌ أحد.
حب يجري في الدم لله ولرسوله، يسحبونه في الظهيرة جائعاً عارياً قد أثرت السياط في ظهره، تمزق لحمه على الصخور، وهو يقول: أحد أحد.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]
إنها إرادة تكسر الحديد! وهذه هي المعجزة الكبرى التي أتى بها رسولنا ﵊، وهي تحويل الأعراب والموالي والفقراء والمساكين إلى جيش ضارب رهيب يفتح الدنيا بلا إله إلا الله.
يقول إقبال:
وأصبح عابدو الأصنام قدماً حماة البيت والركن اليماني
يقول: إنك يا محمد! حولت عباد الأصنام إلى حماة للركن اليماني والحجر الأسود.
ولما أسلم بلال أمام هذا التعذيب الهائل مر به أبو بكر وهو يعذب، فقال أبو بكر: أشتريه منك يا أمية - أمية بن خلف المجرم- قال: خذه ولو بعشرة دنانير، قال أبو بكر: والله لو جعلت ثمنه مائة ألف دينار لاشتريته بذلك، فدفع القيمة وأخذه، فأنزل الله: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١] من هو الذي سوف يرضى؟
وهل أراد أبو بكر من بلال كلمة شكر؟
لا، بل أعتقه لوجه الله، وأتى به إلى الرسول ﵊ معذب الجسم ومنخور اللحم، السياط قد أثرت في مواضع من جسمه، فأخذه ﵊ واحتضنه كما تحتضن الأم طفلها، وقبله ودعا له، وعينه مؤذنه الأول الذي أذن في فجر التاريخ، وهو أول مؤذن حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وكلما حانت الصلاة قام بلال يهتف: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
فتنتفض أجسام المؤمنين من صوت بلال كما تنتفض الأجسام من التيار الكهربائي.
المؤذن كلما اهتم الرسول ﵊ وأصابه كرب، قال: ﴿أرحنا بها يا بلال!﴾ فيؤذن، كان يتقدم أمام الرسول ﵊ بماء الوضوء والعنزة، وكان يأخذ حذاء الرسول بيده، ويرى أنها أشرف خدمة يقدمها في تاريخه.
يجلس ﵊ فيقول: أين بلال؟
كان يحبه، وهو الحب الذي سرى في جسم بلال وعوضه عن كل شيء، عن جاهه ونسبه وماله، فما دام أن الرسول ﵊ يحبه فكفى.
стр. 2357
رؤيا النبي ﷺ لبلال ﵁ في الجنة
وفي ذات يوم جلس ﵊ يخبر أصحابه في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر عن رؤيا رآها في المنام، فقال: ﴿رأيت البارحة، كأني دخلت الجنة -وهي رؤيا حق ما زاغ البصر وما طغى- فسمعت دف نعلك يا بلال، فماذا كنت تصنع﴾ إذاً فهو من أهل الجنة.
وشهد أهل السنة أن بلالاً من أهل الجنة، وقد جعل الله له الذكر الحسن في الدنيا، فمسلمو اليابان والشام والجزيرة ومصر واليمن والمغرب، وكل مسلمي العالم يعرفون من هو بلال.
قال: ﴿سمعت دف نعليك البارحة يا بلال! فماذا كنت تصنع؟ قال: يا رسول الله والله ما أنا بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بعد الوضوء ركعتين﴾ متفق عليه
كلما توضأ صلى ركعتين.
كان خفيف الجسم ممشوق القامة، أسود اللون، لكنه أبيض المبادئ.
وكَّله ﵊ أن يحرس الجيش في المعركة في غزوه من الغزوات، قال: من يوقظنا للصلاة؟
قال بلال: أنا يا رسول الله! فنام الجيش، وقام بلال يصلى طيلة الليل، فلما أقبل الفجر واقترب السحر حدث بلال نفسه، أن يضطجع قليلاً ليرتاح، فاضطجع فنام، وأتت صلاة الفجر والرسول ﵊ نائم، والجيش نائم، وطلعت الشمس والأمة نائمة، وبعد طلوعها وارتفاعها كان أول من استيقظ عمر، فرأى هذه المأساة التي يراها لأول مرة، وهي أن الرسول المعصوم نام ولم يصل الصلاة والجيش معه، وهي حكمة من الله، ليكون قدوة للناس إذا ناموا، وأن تصيبه صلة من النوم ليكون عذراً لمن غلبه النوم.
يستيقظ عمر ويقترب من الرسول ﵊، ويستحي أن يقول للمعلم الأول: قم للصلاة؛ لأن النبي ﷺ الله عليه وسلم لا يوقظ، والرواية في البخاري قال: فأخذ عمر يقول وهو بجانب الرسول ﵊: الله أكبر الله أكبر ويعيد التكبير حتى استيقظ الرسول ﵊، ودعا حبيبه، ومؤذنة، وأجلسه أمامه، فقال: ﴿يا رسول الله! أخذ بعيني الذي أخذ بعينك، فتبسم ﵊﴾ فهو يقول: العذر واحد، أنت نمت وأنا نمت، والذي غلبك غلبني، والذي انتابك انتابني، فتبسم ﷺ وأقره، وأدى الصلاة فأذن بلال بعد طلوع الشمس وصحت صلاتهم وقبلت.
стр. 2358
ارتفاع منزلة بلال بالتقوى
ويجلس بلال في مجلس، ويقول أبو ذر لـ بلال: يا بن السوداء!
هل في الإسلام حمراء وسوداء وبيضاء؟
هل هناك أسود أو أبيض أو أحمر؟
من هو الكريم عندنا في هذه الملة المشرفة؟
إنه المتقي، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
إننا لا نعترف بالألوان أو الأجناس أو البلدان، بل نعترف برجل يحمل لا إله إلا الله، هويته إياك نعبد وإياك نستعين، وغضب بلال وقال: والله لأرفعنك إلى خليلي رسول الله ﷺ ، ورفع أمره فغضب النبي ﷺ الله عليه وسلم غضباً شديداً، لأنه يؤسس منذ عشرين سنة مبدأ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فيأتي هذا بكلمة يهد هذا البناء وهذا الصرح الشامخ، لا يجوز هذا.
ويستدعي أبا ذر، قال أبو ذر ﵁: والله ما أدري هل رد علي النبي السلام أم لا من شدة الغضب، وقال: ﴿أعيرته بأمه؟ إنك امرأ فيك جاهلية﴾.
إن هذه خطيئة في الإسلام لا أكبر منها، إنها هدم للكتاب والسنة، ولكن بلالاً يزداد مع الأيام رفعه لأن الرسول ﵊ يحبه.
يصلى النبي ﷺ الله عليه وسلم صلاة العيد، ويخطب الناس، ثم يتكئ على بلال ويذهب يخطب النساء، وهو متكئ على بلال، ويرى بلال أن السعادة البشرية قد حصلت له؛ لأن رسول البشرية ومعلم الإنسانية وضع رأسه في حجره.
أي كرم؟!
وأي تشريف؟!
وأي عطاء؟!
وأي تبجيل؟!!
ويفتح الرسول ﵊ مكة في اليوم المشهود الذي حطمت فيه الأصنام، فلا معبود بحق إلا الله، فيدخل الرسول ﵊ على ناقته، ومعه عشرة آلاف من المؤمنين، أصبحت العقيدة جزءً من أجسامهم، أواضاً من جماجمهم التي على أكتافهم.
يدخل فيرى الأصنام فيطعنها برمحه فتتساقط وتتناثر، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الاسراء:٨١] وتحين صلاة الظهر، ويجلس الناس أجمعون في صرح الكعبة المشرفة في الحرم، مؤمنهم ومشركهم، ويقول ﵊: أين بلال؟
فيقول: هاأنا يا رسول الله! قال: اصعد وأذن على سطح الكعبة.
أليس هذا دين الموالي؟!
أليس هذا انتصار للفقراء؟!
أليس هذا عدل للمساكين؟!
أليس هذا رفع لرءوس المستضعفين؟!
أليس هذا هو العدل بعينه؟!
أن يقوم المولى الأسود على الكعبة السوداء وهي بيت الله ليهتف بنداء الحق.
أين أبو جهل؟!
أين أبو لهب؟!
أين أبو طالب؟!
وصعد بلال واستوى على الكعبة لكي يخاطب الدنيا بشهادة الحق إلى يوم الدين، فلما أذن بكى الناس، ومن الذي يرى المشهد، ويرى الصورة ويسمع الصوت ويعيش التفاصيل ثم لا يبكي؟!!
هل قلوبهم من الحجارة؟!
هل سدت أسماعهم وأبصارهم حتى لا يروا؟!
إنه شيء عجيب يوم الفتح الأكبر.
الفاتح: رسول الله ﵊.
الدين: الإسلام.
المؤذن: بلال المولى الأسود.
أين يؤذن؟ على سطح الكعبة.
قال: الله أكبر، وكان صوته جميلاً يسبي القلوب يأخذ الأرواح ثم لا يتركها، يشدها ثم لا يرسلها.
أول من بكى الرسول ﵊، سالت دموعه حارة؛ لأنه تذكر المعاناة، وتذكر الصدمات الهائلة، وتذكر أيام الجوع والوجع والتعذيب، وأيام الإرهاب الفكري والمعنوي والجسدي، ثم يرى أنه قطع مرحلة هائلة وأنه انتصر، وأن مولاه وحبيبه أصبح مؤذناً، ويبكي الصحابة، ويشارك النساء والأطفال في البكاء، وهذا الصوت يتلجلج في هضاب مكة وأوديتها، يسبح كالتيار في الماء.
لا إله إلا الله.
يقول أحد المشركين وكان ما يزال على شركه: ما كنت أظن أن الحياة تطول بي حتى أرى هذا الغراب الأسود، ينعق على الكعبة.
قاتلك الله! أغراب هو؟!
بل هو إنسان العيون.
стр. 2359
حياة بلال بعد النبي ﷺ
وأتت وفاته ﵊، فيموت الإمام، ويبقى المؤذن، وتصور المشهد، ولك أن تتدبر ما شئت، ولك أن تعرف رجلين متحابين، معلم وتلميذ، وإمام ومؤذن، عاشا الحياة حلوها ومرها، ليلها ونهارها، حلها وسفرها، وفجأة يموت الإمام ويبقى المؤذن.
стр. 2360
امتناع بلال عن الأذان
مات ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ولكن مبادئه لن تموت أبداً، ومع أذان الفجر قام بلال ليحاول محاولةً يائسةً عله يستطيع أن يملك أعصابه فلا تنهار ليؤذن.
أذَّن، لكن اسمع ماذا حدث.
التفت إلى قبر الرسول ﵊ أمامه، التفت وإذا المحراب خالٍ من الإمام، التفت إلى بيت الرسول ﵊ وليس فيه الأب! كيف يؤذن؟
كيف يستطيع أن يواصل بصوته؟
بأي عبارة يؤدي؟
أين بصره؟
أين سمعه؟
أين قلبه؟
أين كيانه؟
وقف على المنارة مع أذان الفجر، فقال: الله أكبر وتشجع وزاد وقال: الله أكبر وشجع نفسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولكن أتت قاصمة الظهر، أتت المسكتة المبكية التي لا يستطيع بعدها أن يؤدي كلمة واحدة، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فبكى وبكت النساء معه في عقر البيوت في المدينة، مع أذان الفجر، وقامت المدينة تبكي كلها، الأطفال يبكون مع الفجر ماذا حدث؟
بكى المؤذن.
أشهد أن محمداً رسول الله ثم ولا كلمة، اختنق صوته وتلعثم، فمن يؤذن؟
نزل وهو ينحب في الدرج حتى وصل ورمى بجسمه في المسجد!!
أين الإمام؟
مات الإمام وبقى المؤذن.
أين الحب؟
ذهب الحب فلا حب حتى نلتقي، يوم تعيش هذه الأبصار والأسماع حياة أخرى تجمعها بمن تحب، وحضر الصحابة ليشاهدوا المنظر أمامهم، منظر المؤذن وهو ملقي على الأرض كالثوب.
أتاه أبو بكر الخليفة، قال: مالك؟
قال: والله! لا أؤذن لأحد بعد رسول الله، سبحان الله! وحمل إلى بيته:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2361
مواقف من حياة بلال
الحمد لله رب العالمين، وولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
الحديث والحب مع بلال، والذكر لـ بلال، انتهى هذا الفصل، وأعفاه أبو بكر من الأذان تماماً، وتفتح الفتوح، ويذهب ليشارك بجسمه، وروحه، ودمه في إعلاء لا إله إلا الله، ويصل إلى الشام وهناك يجاهد، ويقاتل بسيفه، ويرفع علم التوحيد، ويعلم الناس، يجاهد وينتظر المنية لتلحقه بالإمام في جنة عدن عند مليك مقتدر، ولكن هناك مواقف مؤثرة توقف التاريخ، تجعل التاريخ منصتاً واقفاً أمامها.
стр. 2362
أذان بلال في بيت المقدس
يذهب عمر بجمله ومولاه ليفتح بيت المقدس، فلا موكب ولا جنود ولا حراسة ولا حشم ولا دنيا، يذهب بالدين، لكنه يذهب وهو يحمل الدنيا في يديه، كما قال حافظ إبراهيم:
قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
يأخذها في ساعة ويعطيها في ساعة.
وأتى عمر ودخل بيت المقدس بثوبه الممزق المرقع، وهو في ثوبه وفي هيكله وفي جسمه يصف العدل، ويمثل الرحمة والصرامة، ويجتمع المؤمنون في فتح بيت المقدس، الصحابة وكبار الصحابة، وأهل العهد المكي، وبقية العشر، وأهل بدر وأهل بيعة العقبة، وكلهم احترق من داخله بموت الإمام.
وتحين صلاة الظهر مرة ثانية، فيقول عمر: أسألك بالله يا بلال
أن تؤذن لنا، قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: أسألك بالله أن تذكرنا الأيام الأولى في حياتنا، فلكل إنسان ذكريات، وذكريات الصحابة محمد ﵊، وحبهم وتاريخهم وتعاليمهم وفجرهم وليلهم ونهارهم محمد ﵊، يريد عمر أن يطوي أربعين أو ثلاثين سنة في جلسة واحدة، قال الصحابة: يا بلال اتق الله سألك أمير المؤمنين، فقام بلال يتحامل على جسمه، وقد أصبح شيخاً كبيراً، وارتفع صوته، فإذا بصوت عمر يسابقه بالبكاء أسرع من صوت بلال بالأذان، وتَنْهَدُّ أكتاف عمر، وقد أصبح كالطفل الرضيع يبكي، وبكى كبار الصحابة، وبكى الجيش الفاتح الذي مع عمر، الجيش والواحد منهم كالأسد الضرغام، لا ينهزم ولا يغلب، ولكن غلبوا في ساحة الحب، أصبحوا صرعى من البكاء، وتردد المسجد الأقصى بالبكاء، لماذا؟
لأن الأذان ذكرهم تاريخاً وذكريات تنهال على الإنسان من كل حدب وصوب.
فلا إله إلا الله ما أعظم الذكريات! ولا إله إلا الله ما أجل الحياة! وما أشرف الأوقات مع أولئك الذين رفعوا دين الله في الأرض والبحار والفلوات!
стр. 2363
رؤية بلال للنبي ﷺ في المنام وزيارته له والوداع الأخير
وبعدها يعود بلال إلى الشام، وانقطع عن المدينة المنورة فترةً طويلة، انقطع لأن السفر مضن، وبلال أصبح شيخاً كبيراً أشرف على الشيخوخة، ونام ليلة من الليالي؛ وفي أثناء النوم زاره طيف محمد ﵊، زاره وجه الرسول ﵊ النوم، والرسول ﵊ -كما في الصحيحين - يقول: ﴿من رآني في المنام، فسوف يراني، فإن الشيطان لا يتمثل بي﴾ رأى حبيبه وشيخه، رأى الإمام بصورته، ورآه بنوره، وبشاشته أمامه يحاسبه، ويعاتبه ويقول له: هجرتنا يا بلال! أما تزورنا؟
ما أعظمها من كلمات! وما أقوى العتاب!
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
أو كما قال المتنبي:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همُ
هجرتنا يا بلال، ألا تزورنا في المدينة!
واستيقظ بلال باكياً وسط الليل، وتوضأ وصلى ركعتين، وأسرج راحلته، أبعدها يتأخر؟!
دعوةٌ مقدمةٌ من الإمام الأعظم إلى المؤذن في الشام أن يزوره في المدينة.
والرسول ﵊ حرم الله على الأرض أن تأكل جسده، كلما سلم عليه مسلم رد الله عليه روحه ليرد السلام، ركب الناقة وذهب، وطوى القفار وكأنها سويعات، سويعات قصيرة حتى يصل إلى المدينة.
جزى الله الطريق إليك خيراً وإن كنا تعبنا في الطريق
فوصل قبل صلاة الفجر، لتكون ملحمة من البكاء أيضاً، فوجد الناس نياماً، وأتى إلى الروضة فسلم، وبكى ما شاء الله له أن يبكي، ووقف هناك في عالم الذكريات، والحياة، وعالم العبر، والدروس التي لا تنتهي أبداً.
وحان أذان الفجر وتأخر المؤذن -مؤذن المدينة تأخر ونام- حكمةً من الله وتحرج بلال، فدينه لا يسمح أن يذهب، وينام الناس، ويذهب وقت الأذان، فصعد المنارة وأذن، ولما أتى إلى محمد رسول الله خنقه البكاء، وقام الناس من المدينة، قام الصحابة كأنهم بعثوا من القبور يبكون مع بكاء بلال.
الله أكبر! كيف تتكرر المشاهد التي لا تنتهي والصور التي تحمل الأحاسيس والذكريات والمشاعر، وأتوا إليه، وأتى المؤذن وأذن من جديد ووقف بلال يعانقهم ويعانقونه، ويبكون ويبكي:
ولما تلاقينا تباكت قلوبنا فممسك دمع عند ذاك كساكبه
ولكن بلالاً بعدها ودَّع الصحابة؛ لأنه أتى لمهمة خاصة، ولإجابة دعوة خاصة لحبيب خاص، فعاد وفي الشام أتته المنية، فأخذ ينشد وهو في سكرات الموت: [[غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه]].
ومن الذي لا يفرح كفرح بلال، وهو يتصور أنه بعد لحظة سوف يلقى محمداً ﵊، وأبا بكر وعمر وخيار الناس؟!
ولفظ أنفاسه، ومات قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨].
стр. 2364
دروس وعبر من قصة بلال
وفي قصة المؤذن الأول دروس:
أولها: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فالقرشي الذي أعرض عن الرسالة في نار تلظى، والحبشي الذي آمن بالرسالة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والإسلام لا يعترف بالفروق التي تجعل للناس تمايزاً غير تمايز الدين.
الثاني: أن هذا الدين لا يأتي لأهل المناصب ولا لأهل الشارات والجاه والأموال، ولكن هو يبقى مكانه ليأتي إليه من يحبه ويعشقه لذاته هو، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] يقول أبو جهل: كيف يهتدي بلال وأنا سيد بني مخزوم وهو عبد حبشي؟
قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] ويقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] فالدين لمن أتى حباً لذات الدين وحمله بشرف وعزة وإباء وتضحية.
الثالث: معرفتة ﵊ للفروق الفردية بين أصحابه، واستعداد الصحابة، ومواهبهم الشخصية، فقد أعطى الأذان بلالاً، لأنه يصلح أن يكون مؤذناً، ولأنه المؤذن الأول الناجح، والراية لـ خالد في المعركة، والخلافة لـ أبي بكر، وعلم القافية والأدب لـ حسان، ومدرسة الفرائض وتوزيع المواريث لـ زيد بن ثابت، والقضاء وهيئة الاستشارة والعدل، لـ علي بن أبي طالب، (قد علم كل أناس مشربهم) وهذه لا يستطيع لها إلا الرسول ﵊ وحده، لأنه قرأ نفوس أصحابه ودرس مواهبهم واستعداداتهم وهذا أمر يفوت على كثير من المربين والمعلمين والدعاة.
الرابع: أن مبائدنا تبدأ من بلال، وأنها تعلن صريحة من فوق المنابر، فلا عندنا أسرار، ولا شيء نتكتم عليه، ولا شيء نغطيه؛ فمبادئنا واضحة، تعرض صافيةً نقيةً، كصفاء الماء ونقاء الصحراء وكعرض الأرض والسماء، فمبادئنا كما قال بعض الكتبة: جمعية كبرى، أفرادها كل خير في الأرض، مبادئها تعلن من فوق المنابر والمنائر، فليس عندنا أسرار ولا كواليس نضع فيها أخبارنا، أو نغطي فيها أسرارنا، بل نحن واضحون تماماً، وهذا درس يعيه من يعيه.
الخامس: أن من أراد أن يهدي الناس لا بد أن يزرع في قلوبهم الحب، فإذا زرع الحب في قلوبهم، فليشرق بهم مع هذا الدين وليغرب بهم، فهم أحبابه السامعون له، ومن تصور أنه سوف يهدي الناس بالعصا، وسوف يردهم بالضرب والركل والشتم، فقد أخطأ سواء السبيل، وقد خسر منهجه، وقد ضل سعيه، وقد أفلت الناس من يديه، يقول تعالى مخاطباً نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فالذي يستطيع أن يزرع الحب في قلوب الناس وفي أسماعهم وأبصارهم فقد نجح نجاحاً باهراً في جذبهم إلى الهداية، وهذا هو السر الأعظم في نجاح دعوته ﵊، وهو أنه جعل الناس كأبنائه بل أحب إليه من أبنائه، فأحبوه حباً تقطعت قلوبهم لحبه، وعاشوا بحبه الليل والنهار.
عباد الله: صلوا على الإمام، وترحموا على المؤذن، أسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.
اللهم اعرض صلاتنا وسلامنا على محمد هذه الساعة المباركة، اللهم بلغه منا أشرف السلام وأزكى التحيات، وعلى آله وصحبه والتابعين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه.
اللهم اهدنا سبل السلام.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم اهد قلوبهم إلى الحق، اللهم فقههم في الكتاب والسنة، اللهم حبب إليهم العلماء والدعاة والصالحين، وبغض إليهم المردة والمرتدين والمنافقين والزنادقة.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2365
كرامات الأولياء
في هذه المادة تحدث الشيخ عن الذكر وفضائله، وحث عليه، وبين من هو الذاكر لله كثيراً، وما هي العلاقة بين ذكر الله ومقام الولاية، وذكر أمثلة على كرامات الأولياء من سلفنا الصالح الزاخر بالعباد والزهاد والأولياء.
стр. 2366
الذاكرون الله كثيراً
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنة فانقادت لاتباعها وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اتصلت به أنوار الهدى بعد انقطاعها، وارتفعت به حصون التوحيد في سموها واتساعها، صلى الله على صاحب العز المنيف والطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، معلم الإنسانية، وهادي البشرية، ومزعزع كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، واعلموا أن أحلى ساعات العمر، وأسعد أيام الحياة، وأرغد دقائق العصر، معايشة رسول الهدى ﷺ في أقواله، وأعماله، وأحواله.
من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرةٍ والكف عن صلة ٍ والقلب عن جابر والسمع عن حسن
وأي حياة يعيشها الذين يعيشون على غير ركبه ﷺ ، وأي لذة يجدونها الذين يتلذذون بمعصيته ﷺ ، وأي سمو وأي ارتفاع يناله الذين يتنكبون سيرته وهديه ﵊!
إن أعظم ما يقود المسلم في الحياة ويرغبه في مرضاة الله، هو ذاك الأسوة العظيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام ولا علينا
ولما نلقكم لكن ذكراً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
стр. 2367
الحث على ذكر الله
إن ذكر الله في حياته ﷺ جانب مشرق وكبير فياض، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: كان هديه ﷺ في الذكر أنه كان ذاكراً لله دائماً، فكلامه وأنفاسه وأقواله وأحواله كلها كانت ذكراً منه لربه ﵎، كان يذكر ربه قائماً وقاعداً وعلى جنبه، كان لا يتحرك إلا بذكر الله، ولا يسكن إلا بذكره، إن خطب فبذكر الله يخطب، وإن تحدث فبذكر الله يتحدث، وإن أفتى فبذكر الله يفتي؛ ولذلك كان متمثلاً لأمر الله ﵎، يقول الله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فانظر كيف قال: (خيفة) في الذكر، وقال في الدعاء: (خُفية) يقول : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥].
وقال الجهبذ النحرير شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما ذكر الله الخوف مع الذكر، وذكر الإخفاء مع الدعاء، لأن الذكر يورث الانبساط والفرح، فربما أدى بالعبد إلى الطغيان في حد العبودية؛ فألزم الله الذاكر أن يخافه ﵎، أما الدعاء فكان نعمة جليلة، فخوف الحسد على العبد من دعائه لربه، ألزمه الله بإخفاء دعائه بينه وبين مولاه، والله يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وهذا مصداق الحديث الصحيح الثابت عنه ﷺ أنه قال: ﴿قال الله ﵎: من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم﴾ وفي الأثر القدسي أن الله قال: ﴿أنا جليس من ذكرني﴾.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
يقول الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] قال أحد السلف: والله إني لأعلم متى يذكرني ربي، قالوا: متى؟ قال: إذا ذكرته، يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال جلَّ من قائل: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وذكر الله هنا قيل: القرآن، وقيل: مطلق الذكر، وهو الصحيح إن شاء الله، تطمئن القلوب من خوفها وفزعها وهلعها وجزعها وانهزاميتها وفشلها وحزنها ويأسها، ولا تطمئن القلوب إلا إلى الحي القيوم.
اسمه الله الذي تأله إليه القلوب وتأوي إليه، وتحبه وتسكن إليه ﵎.
стр. 2368
من هو الذاكر لله كثيراً ؟!
يقول : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ولقد تفنن ابن الصلاح في بيان متى يسمى العبد ذاكراً؟ وما حد الكثرة في الذكر وما حد القلة؟
قال: "من حافظ على الأذكار الواردة المأثورة صباح مساء وأدبار الصلوات، وفي كل ميقات، فهو من الذاكرين الله كثيراً".
ويقول ابن عباس ﵄: [[الذاكر كثيراً من يذكر الله في قيامه وقعوده، وفي حله وترحاله، وفي صحته ومرضه]] ويرى ابن تيمية أن الذكر الكثير هو أن يرطب لسانك بذكر الله على حديث عبد الله بن بسر عند الترمذي، قال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ والله يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
ونادي إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون ابن متى
стр. 2369
الذكر في الصلاة
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] قال ابن تيمية: " هذه الآية أخطأ فيها جمٌ غفيرٌ من المفسرين، ومقصود الآية: أن للصلاة معنيين وفائدتين ومقصودين:
أولهما: أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وثانيهما: أن الصلاة يقام فيها ذكر الله.
قال: وإقامة ذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر ".
وهذا معنى قوله ﵎: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
وفي ليلة بطيئة النجوم هادئة السحر باردة النسيم، عاشها ابن عباس ﵄ مع رسول الهدى ﷺ يروي قصتها البخاري ومسلم، قال ابن عباس ﵄: ﴿بت ليلة في بيت خالتي ميمونة -أي: بنت الحارث، زوج رسول الله ﵊ في ليلتها الذي يأتيها فيها رسول الهدى ﷺ ، قال: فدخلت بيتها بعد صلاة العشاء، فنمت في عرض الوسادة، فدخل رسول الله ﷺ ، فرآني فظنني نائماً وأنا متناوم -شاب عمره (١٠) سنوات يريد أن يرى هدي الرسول ﵊ في الليل، يريد أن يرى ماذا يفعل من الذكر والمناجاة والدعاء والإخبات- قال: فقال لـ ميمونة: نام الغليم؟ -وهو تصغير تحبيب- قالت: نعم، قال: فأتى ﷺ فجلس على فراشه فهلل، وكبره، وذكره، ودعاه، ثم نام حتى سمعت -غطيطه وفي لفظ البخاري: خطيطه وهو صوت يحدث النائم إذا استغرق في النوم- قال: ثم استيقظ، وانظر إلى الغليم ما هدأت جفونه، وما داعبه الكرى، ولا ساهده المنام، استيقظ ﷺ ، قال: فأخذ يفرك النوم من عينيه، ويقول: لا إله إلا الله، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] الآيات، حتى ختم العشر الآيات من أواخر سورة آل عمران.
ثم قام ﵊ فلحقه ابن عباس بماءٍ من شنٍ، فوضعه عند الباب، وعاد ﵊، فوجد الماء ولم يجد من وضعه، فتساءل في نفسه! من وضع لي الماء؟ ثم قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، ثم أتى فتوضأ ﵊، وأخذ السواك واستقبل القبلة -وابن عباس هو الذي تشرف بحفظ الحديث هذه الليلة- فقال: فسمعته يقول:
اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، ومحمد ﷺ حق، والنبيون حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت.
ثم قال -وهذا عند مسلم تفرد به-: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ وهذا امتثال لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥] ولقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] والله طلب من رسوله ﷺ أن يسبحه بالغدو والآصال.
الغدو مع أنسام الفجر، ومع إطلالة الصباح، ومع برود هذا الفجر البهي على القلوب، ومع تفتح الأرواح، وإشراق الأفراح، وتغريد الحمام على الغصون، وانسياب الريح الهادئة، على المسلم أن يبدأ بذكر الله وتسبيحه.
стр. 2370
فضل الذكر
في صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت﴾ إن الذي يذكر الله حيٌ، والذي لا يذكر الله ميتٌ، فتدبر أي حياة لهذا، وأي حياة لذاك.
وعند مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لنا: سيروا هذا جمدان -وهو جبل بين مكة والمدينة - سبق المفرِّدون -وضبطها بعض أهل اللغة بالمفرِدون على التخفيف- قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه، ولو كانت كزبد البحر﴾ هذا حديث سنده كنجوم السماء، فانظر إلى قلة الجهد المبذول، وإلى عظيم الأجر الحاصل.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومه مائة مرة: كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به يوم القيامة إلا رجل عمل بعمله، أو زاد عليه﴾.
وفي صحيح مسلم عن سعد وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾.
وعند الترمذي بسند حسن: ﴿من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة﴾.
وعند البخاري من حديث أبي موسى، قال: ﴿كنا نصعد ثنية مع رسول الله ﷺ والناس يرفعون أصواتهم بالتكبير، فلحقني ﷺ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: يا عبد الله بن قيس -اسم أبي موسى - قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: أتدري أن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة﴾ أو كما قال ﵊.
وعند ابن حبان بسند صحيح، قال أبو ذر: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثمان، وذكر منها: وأن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة﴾.
وفي سنن الترمذي -وقد سلف- من حديث عبد الله بن بسر، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني عن شيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد العاشر من الفتاوى يوم سأله أبو القاسم المغربي عن أفضل عمل بعد الفرائض يتقرب به إلى الله، قال ﵀: " لا أعلم بعد الفرائض أعظم من ذكر الله ".
وهو شبه إجماع بين أهل العلم أن الذكر أفضل العمل بعد الفرائض، قال: ومدلول ذلك نظراً وخبراً وعقلاً وحالاً محشوشٌ، أو كما قال.
والذاكرون الله كثيراً من الصحابة والسلف جمٌ غفيرٌ، لا يأتي المقام على ذكرهم.
стр. 2371
قصة أبي مسلم الخولاني
ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم: أن أبا مسلم الخولاني كان لا يفتر لسانه من ذكر الله، دخل على معاوية، وهو يتمتم بالذكر، فقال معاوية: أجنون هذا يا أبا مسلم؟ قال: بل حنون يا معاوية.
حنون إلى رضوان الله، حنون إلى عطاء الله، حنون إلى الاتصال بالله.
والذهبي يذكر عن أبي مسلم هذا الذاكر، أن له قصة عجيبة كادت تودي بحياته، لكن الله حفظه يوم أكثر من الذكر، يوم أكثر من الاتصال بالله، ذلك أن أبا مسلم دخل على الأسود العنسي الكذاب الدجال في اليمن الذي ادعى النبوة في صنعاء، فقال له الأسود: هل تشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: هل تشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً، فأعاد عليه الكلام، فأعاد عليه الجواب، فجمع له حطباً وأجّجه، فلما صارت ناراً عظيمةً ذات سعير، قال لجنوده: ألقوه في النار، فأخذوه بتلابيب ثيابه وأكتافه ومجامع جسمه، فلما حملوه في الهواء تذكر الواحد الأحد، تذكر الركن.
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
يا واهب الآمال أنت حفظتني ومنعتني
وعدى الظلوم عليَّ كي يجتاحني فنصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني
قال وهو في الجو: حسبي الله ونعم الوكيل، وهي كلمة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، وكلمة محمد ﷺ لما قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فلمَّا وقع في النار، حولها الله برداً وسلاماً، وذلك في خلافة أبي بكر الصديق، وارتحل من اليمن واستقبله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وعمر والصحابة، وقال عمر: [[مرحباًَ بالذي جعله الله في أمة محمد كالخليل إبراهيم ﵇]] وما ذلك إلا لكثرة اتصاله وذكره للواحد الأحد.
أيها الناس! أوصيكم ونفسي بكثرة الذكر، فإن فوائده جليلة أوصلها ابن القيم إلى ما يقارب الثمانين، وقال: لا يأتي الحصر عليها منها: طرد الشيطان، وإرضاء الرحمن، وإذهاب الوسواس، والرضا بمقدور الله، والاطمئنان إلى الله، والقضاء على الفراغ، والهم والغم والحزن، وجمع الجهد، والقوة، والنظرة، والمهابة، والحلاوة، والطلاوة، والملاحة التي يكسبها الله العبد، والأجور الحاصلة، وتكفير السيئات، ومن أعظمها أن يسكن القلب إليه .
أيها الناس! اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم وفي بيوتكم، وفي طرقاتكم ومراكبكم وسياراتكم، وفي مكاتبكم، اتصلوا به ، فإنه يصل من وصله، ويهدي من استهداه، ويرزق من استرزقه، توبوا إليه، وأنيبوا إليه، والجئوا إليه.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الذاكرين الله كثيراً، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 2372
وسطية هذه الأمة
الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
стр. 2373
معنى (أمةً وسطاً)
يقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فما معنى الوسط؟ وما مدلولها؟ وما حدها ومقدارها؟
الجواب
الوسطية: مدار دلالتها عند أهل التفسير على ثلاث معانٍ:
قيل: العدول.
وقيل: الخيار.
وقيل: المتوسطون في أمورهم.
وكأن المعنى الأخير، وهو التوسط في الأمور هو المقصود، أو القريب من المقصود إن شاء الله، فنحن أمة وسط.
وسط في المعتقد، فلسنا بالأمة التي تلغي اعتقادها، ولا تؤمن بإله كأهل الإلحاد والوثنية، وأهل الفكر العفني المتخلف الذين كفروا بالإله، لا إله إلا هو ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥].
ولسنا بالأمة التي ضاهت أهل الحلول والاتحاد، فجعلت كل مطعوم ومشروب ومحبوب ومنكوح ومرغوب إله كما فعل ابن عربي في فتوحاته وفصوصه، وأتباعه قاتلهم الله أنى يؤفكون، بل نحن نشهد أن لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله، ولا معبود إلا الله، ولا محبوب، ولا مرغوب، ولا مرهوب، ولا مطلوب إلا الله، فلا إله إلا هو، هو إلهنا ، فنحن في المعتقد وسط بين الفريقين وبين الواديين، ووسط في الفن والجمال.
فلسنا بالأمة البليدة الغبية، التي تتنكر للحب والجمال، والله جميل يحب الجمال، جمَّل الكون، وجمَّل المخلوقات، ولسنا بالأمة المفتونة التي ترقص على الجمال، وتعبد الجمال، وتسجد للجمال! إننا أمة تحب الجمال إذا سقاها هذا الحب إلى مرضاة الله ﵎ حب حلال مباح، يقوم مقدرات العبد في الحياة، ويرغبه فيما عند الله .
ونحن أمة وسط، وسط في التفكير، فلسنا بالأمة التي تعيش مع الخيال، فلسفية الفكر كـ سقراط وبقراط ومن سار في ركبهم.
ولسنا بالأمة التي لا تؤمن إلا بالمحسوس! فنحن أمة نفكر ولكن في نصوص، ونتدبر ولكن في قال الله وقال الرسول ﷺ ، وأمة تستقرئ وتستنبط، لكن في كلام وحي يوحى من الله ﵎.
وأمة وسط في الزمن، فلسنا بالأمة التي تقدمت وأتت في أول مسيرة التاريخ، فكانت عرضة للتجارب الضحلة، عديمة الاستقراء، قليلة العلم! لا، ولسنا بالأمة الأخيرة التي كانت خاتمة للأمم، فلم يكن بعدها جيل يستفيد من ركبها، لكن توسطنا الزمان نستفيد من القديم ونبني عليه، ونبني للمستقبل ونعطيه ونبذل له.
العجيب والطريف أننا وسط في المكان، فما عشنا وراء المحيطين، ولا وراء القطبين، بل عشنا وسط الدنيا، ووسط الكرة الأرضية من أم القرى التي سماها الله في القرآن أُماً، والأم هي: المتوسطة للأشياء توزع الهداية للناس، ونحن في وسط الدنيا.
стр. 2374
نحن وسط بين المرجئة والخوارج
ونحن وسط في العمل والإيمان، فلسنا بـ المرجئة الذين أبطئوا العمل، وقالوا: الإيمان قول واعتقاد فحسب، فالمصلي والتارك مؤمنين سيان، وهذا خطأ، ولسنا بـ الخوارج الذين كفَّروا الناس بالذنوب، وأخرجوهم بالكبائر من دائرة الإسلام، بل نقول: من شهد أن لا إله إلا الله، وقام بمقتضاها، فهو مؤمن ولو ارتكب الكبائر، لكنه يجازى ويعاقب على هذه الكبائر، فنحن أمة الوسط.
ووسط كذلك في أمورنا، وفي عبادتنا، وسط بين الكسالى في العبادة، وبين المتشددين المتعمقين الذي شقوا على أنفسهم، نؤدي الفرائض ونتحبب إلى الله بالنوافل على قاعدة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيكتم عن شيء فاجتنبوه﴾ أو كما قال ﵊.
عباد الله: الوسط يدخل في تعامل العبد في علاقاته، وتحصيله، وقراءاته، وزيارته، وعيشه، ولباسه، وتناوله للأمور، وحديثه.
وهنا حديث لكنه ضعيف: ﴿خير الأمور أواسطها﴾ والخطابي يضبطها: أوساطها، هذا أو ذاك، فالوسط هو المطلوب.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣].
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
стр. 2375
سيرة الشيخ عائض القرني الذاتية
إن طلب العلم قضية كبرى، ومنزلة عالية، ورتبة بعيدة المنال لكل صاحب همة ضعيفة، فمن يريد أن يبلغ هذه المرتبة، وينال هذا الفضل العظيم، والشرف النبيل لابد أن يكابد ظمأ الهواجر ويسهر الليالي، ويصبر على التعلم، وعلى آلم الفقر، وهذا الدرس يتناول سيرة شيخ داعية إلى الله، وعالم ركب الصعاب، وصبر على العقبات في سبيل طلب العلم، فيها ترجمته ونشوءه على طاعة الله، وطلبه للعلم حتى صار شيخاً يشار إليه بالبنان، إنه الشيخ: عائض بن عبد الله القرني.
стр. 2376
ترجمة موجزة للشيخ عائض القرني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الله: عائض بن عبد الله القرني من مواليد بـ القرن بالجنوب، عام (١٣٧٩هـ) نشأت هناك في قرية ريفية حالمة، تقع على مشارف شفى تهامة، تحف بها من جنبتيها شجر العرعر، وهي عليلة النسيم، طيبة الأنداء، وارفة الظل، نشأت مع أطفال القرية، قليلة حضارتنا هناك، وقليلة معداتنا وأدواتنا، ولكنَّا نشأنا على كل حال -والحمد لله- في التزام لا بأس به، مع والدين وأناس يصلون، ويصومون، ويذكرون الله كثيراً، وأهل القرية يتعاودون المسجد كل يوم خمس مرات، وعندهم خير كثير، وهم على الفطرة ولو أنهم يحتاجون إلى علم شرعي كثير.
رعيت الغنم، وضاعت مني غنيمات، وكم بكت عيني من ضياع الغنم لا من خشية الله، وأنا أستغفر الله من تقصيري، ولكن مهما يكن فالعظماء قد رعوا الغنم، فكيف بالمقصرين من أمثالنا؟!
стр. 2377
بداية دراسة الشيخ عائض
درست في مدرسة آل سليمان الابتدائية، وبدأنا من الصف الأول، وكنا نتلقى ضربات بالعصي لو ضرب بها بعض الحمير لمرض! ولكن هكذا جعلوا من العلم شدة وقسوة، وجعلوا من العصي طريقاً إلى التفهيم، وهذا خلاف ما كان ينهجه ﵊.
وإني بالمناسبة أوجه درساً لأساتذة الابتدائية وما يقاربها أن يتقوا الله في هؤلاء الطلاب، وأن يعلموا أن العصي لا تُعلِّم وإنما تهذب، فمهمتها أن تكون مهذبة ومربية ومعزرة، لا أنها مفهمة ومدرسة ومعلمة، وانتقلنا في مدرسة ابتدائية إلى مراحل وأكثر ما استفدت تعليم الخط والإملاء، وفي الأولى: درس وزرع ووزن.
وفي الرابعة: طه والطبلة، كان لطه طبلة يضرب عليها ووددنا أنهم جعلوا بدل الطبلة ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:١ - ٤] وحفظت أناشيد كثيرة، ولكنها ضاعت؛ لأنها في الحقيقة هزيلة، لم تكن تؤدي الغرض المقصود، ولم تكن مستعدة لأن تعيش معنا كثيراً.
والعجيب أنني كنت آخذ في أولى في الترتيب الرقم (٢٠) وفي الفصل (٨٠) طالباً، فلما أتيت في الثانية أخذت المرتبة الـ (١٥) وفي الثالثة -أظن- الـ (٨) أو ما يقاربها، وفي الرابعة إلى الخامس، فلما وصلت السادسة أصبحت أزاحم على الأول، فما أدري ما هذا الذكاء الذي أتى فجأةً والحمد لله رب العالمين.
стр. 2378
بداية طلب الشيخ عائض للعلم
انتقلت إلى معهد الرياض مع قرابة وأعمام لي، وسكنت هناك، وارتحت في المعهد كثيراً في الصف الأول والثاني والثالث، إذ درست المتوسطة هناك مع رفقة طيبة، وأذكر من زملائي -بعض الأخيار- منهم الشيخ: عبد الرحمن السديس إمام الحرم، والشيخ: عبد العزيز الدخيل وهو داعية موفق، وكذلك الشيخ: عائض فدغوش الحارثي وهو داعية في الحرس الوطني، وكثير من الأحبة والإخوة، ومنهم الشيخ: علي المقحم داعية كذلك وموفق.
وإنما كنت -والحمد لله- مرتاحاً لأسلوب التدريس في المعهد، وللفوائد التي نتلقاها، ولكثافة العلم الشرعي الذي نستفيده كل يوم، ولجودة الأساتذة، ولو أنا لا نخلو بعض الأيام من بعض الضربات، خاصة من أستاذ الرياضيات سامحه الله على ما قدمه لنا من ضرب شائق وشائك في مادة الجبر التي هي أعقد من الحديد إذا اختلط بعضه ببعض.
ثم ذهبت إلى أبها في الثانوية ودرست هنا، وأول من لقيته من الأساتذة الشيخ الداعية إبراهيم سير -حفظه الله- فكان له أعظم الأثر في توجيهي إلى طلب العلم، وإلى الاستزادة من المعرفة، وإلى إلقاء الكلمات والمواعظ، وقد كتب لي كلمةً أول ما وصلت إلى أبها، وقال: ألقها على الطلاب، وأنا لا أزال أذكر بعض هذه الكلمة، أحفظها؛ لأنه كتبها بيده وهي كلمة بليغة جداً، يقول في أثناء هذه الكلمة: أين يسير شباب هذه الأمة؟
ما هو هدفهم؟
ما هي غايتهم؟
أي حياة يعيشونها؟
وأخيراً: من المسئول عنهم؟
تساؤلات كثيرة إلى آخر ما قال، فقرأت الكلمة على الطلبة وأعجب الطلبة، ثم بدأت ألقي بعض الكلمات في الأندية، وكنت أظن أن العلم الموجود في الساحة هو علم أدب وشعر، وأنه لم يكن هناك علماء إلا أبو تمام والمتنبي والبحتري وامرؤ القيس وأحمد شوقي!
ولكن الشيخ عبد الله الأفغاني الداعية الموفق والأستاذ العجيب، والقرآني الفريد، أتى وأخذني، وقال: إني أرى فيك ذكاءً، ولكن أرى أن تميل إلى علم الحديث؛ لأنه العلم الذي ينفعك ويقودك ويهديك -إن شاء الله- إلى سواء الصراط المستقيم وكلام مثل هذا، فأخذت أطالع في صحيح البخاري فرأيت في أول السند: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، وأنا متعود على خفة المعلومات وعلى قلتها عن طريق الأدب، فقلت: متى أصل إلى الفائدة بهذه الطرق؟ ولكن الله فتح، فأخذت مختصرات الحديث وراجعتها، وأذكر أنني راجعت مختصر البخاري للزبيدي ست أو سبع مرات، ثم أخذت صحيح البخاري، فقرأته بالسند ما يقارب ثلاث مرات، ثم رجعت إلى الفتح فقرأته ما يقارب مرة، وبعض المواضع فيه من باب التحدث بنعمة الله قرأتها إلى ما يقارب عشر مرات، إلى اثني عشر مرة، إلى إحدى عشر مرة، أما بلوغ المرام فأعرف أنني ألزمت نفسي أن أكرره فكررته أكثر من ثنتين وخمسين مرة، ولو أني حفظت بعضه لكن بعضه أستذكره استذكاراً لا حفظاً.
стр. 2379
قراءة الشيخ عائض للكتب
ثم تفضل الله عليَّ بمكتبة كانت رائدة، وكانت الكتب المشهورة موجودة، فطالعت الأمهات الست مروراً، ثم عدت إلى جامع الأصول فقرأته ما يقارب مرتين، والثالثة وقفت في المجلد الرابع، ثم قرأت العقد الفريد مرتين، والبداية والنهاية ما يقارب مرتين والثالثة إلى أول الثامن، ثم البيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار كذلك، وفي ظلال القرآن مررت به وفتح الباري كما ذكرت، والمغني أخذت منه ما يقارب ثمان مجلدات، أما التفسير فطالعت ابن كثير وبعض المجلدات من ابن جرير، وطالعت المحلى -والحمد لله- ثم في المجموع ما يقارب مجلدين، ومن الثالث ما يقارب خمسين صفحة، والرازي طالعت من تفسيره بعض المجلدات، ونظرت في الخازن ولم أكثر منه، وأما الكشاف فأكثرت في مواضع منه وكررته كثيراً؛ لأنني أعجبتني عبارته في الأدب والبلاغة، وأكثرت -حقيقة- من مطالعة الشعر والأدب، فكان عندي أكثر من اثنين وعشرين ديواناً، وبالخصوص ديوان المتنبي، ومختارات الأدب للبارودي، وطالعت منها بعض القصائد أو حفظتها على كل حال.
وأما في جانب الحديث، فكانت هي مادتي المرغوبة وهي المقدمة والمفضلة جداً، فكنت أطالع المختصرات وأكررها، وأطالع شروح الأحاديث، وأخذت على نفسي أني إذا أخذت من المختصرات أن أكرره ولو ثلاث أو أربع مرات حتى يرسخ، كـ رياض الصالحين وبلوغ المرام كما تقدم، ومختصر مسلم للمنذري ومختصر البخاري للزبيدي والمنتخب من الصحيحين للنبهاني وجامع الأصول كما تقدم، ومشكاة المصابيح للتبريزي إلى غيرها من الكتب والرسائل، فكان وقت القراءة سعيداً، ومن باب ذكر التحدث بنعمة الله طالعت سير أعلام النبلاء للذهبي ثلاث مرات، ونظرت في كثير من كتبه كـ ميزان الاعتدال وكررت بعض المواطن فيه، وكان إذا أعجبتني بعض الأبيات دونتها أو أعجبتني أحاديث أو طرف جعلته في الحواشي أو في مسودات صغيرة؛ لأكررها عند الطلب أو أحفظها، وكان الوقت عامراً بالقراءة، ولو مُنِّيت أو خيرت أن أجلس مع أي أحد ما اخترت إلا الكتاب كما قال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
وفي العطلة الصيفية كنت أسكن في القرية، فكانت قليلة المشاغل لا هاتف ولا سيارات متحركة ولا أسواق ولا فتن ولا أمور تستدعي الشغل، فكنت أجلس بعد صلاة الفجر وأطالع إلى الثامنة ثم أنام ما يقارب ساعة، وأطالع إلى الظهر -والحمد لله- ثم بعد الظهر كذلك ثم أنام قبل العصر، ثم أطالع من العصر إلى المغرب، وقد جعلت في البرنامج أن يكون الصباح دائماً في القرآن والتفسير، وأمَّا بَعْد نومة الصباح إلى الظهر ففي الحديث غالباً، وأما في الظهر فللتاريخ وأغلب ما أقرأ فيه، وأما العصر ففي الفقهيات وبعض ما كتب من مؤلفات حديثة، وأما في المغرب فأدب، وبعد العشاء كنت أطالع في كتب الجاحظ أو لـ ابن قتيبة أو ما يقارب ذلك.
стр. 2380
شخصيات من العلماء قرأ لهم الشيخ عائض
أكثر شخصية قرأت لها فيما أعلم ابن تيمية، وقد قرأت في الفتاوى والحمد لله، وكررت منه بعض المجلدات ثلاث أو أربع مرات، وبعض المجلدات ما قرأته إلا مرة، وأظن أني ما فهمته إلى الآن، ودرء تعارض العقل والنقل حاولت فيه محاولات ولكنها باءت بالفشل، خاصة أول المجلد الثاني ثم أعود، فكررت في الأول كثيراً، ولكن كان قليل النفوذ إلى بعض معلوماته وكنائزه، لأنه ألفه ليرد على بعض فئات من المسلمين ويناقشهم كطوائف أهل الكلام، وعلم المنطق وهذا في الصعوبة بمكان.
وابن القيم تعجبني كتبه، ولكن العجيب كتب ابن تيمية، وأنا أنصح بها كثيراً، وأتمنى من إخواني أن يطالعوها بإسهاب، وأن يصبروا على المطالعة فإنها هي العلم، وتبين لي أن المطالعة هي ركيزة بعد فتح الله وتوفيقه أكثر من الدروس المقررة والمواد، وتبين لي أن هذه الدروس والمواد والكليات والمعاهد والثانويات إنما هي مفاتيح فحسب، ومن اقتصر عليها فلا يكون معه إلا علم قليل بإمكانه أن ينفع به الناس، أما أن يكون متوسعاً عارفاً عنده معلومات ونصوص، وإدراكات وثقافات عامة، وعنده استنباط وجودة قريحة، فلا بد أن يطالع مطالعة هائلة، وهذا معلوم بالاستقراء من سيرة العلماء فإنه بإذن الله -بعد فتح الله- لم يكن لهم إلا المطالعة.
стр. 2381
التحاق الشيخ عائض بالكلية وتخرجه منها
وصلت إلى كلية أصول الدين، وارتحت مع إخوة وأساتذة ومشايخ فيهم خير كثير، وكان من الشخصيات المحببة إلى قلبي عميد كلية الشريعة وأصول الدين الدكتور: عبد الله المصلح وكثير من الفضلاء معه ممن أثروا في منهجي التعليمي، وفي تشجيعي على الدعوة، وعلى مشاركة الإخوة في الكلية، وكنت في النشاط الخطابي والثقافي لا بأس بذلك.
أما المخيمات فقد حضرت ما يقارب سبعة مخيمات للإخوة، وكان يغلب عليَّ طابع المزح والهزل في الأرجوزات وحفل السمر، حتى إن بعض الإخوة خفت عليهم أن ينفجروا من كثرة الضحك، وبعضهم كان يترنح برجله، وبعضهم دمعت عيناه على لحيته من كثرة ما ضحك، وقالوا: سوف تأخذ فينا ذنباً، ولا أزال أحفظ بعض هذه المقطوعات وهي مسجلة عند بعض الإخوة في أشرطة قديمة.
ثم أعان الله بعد التخرج على دراسة السنة التمهيدية في الرياض إلى الدراسات العليا، وكان من الأساتذة الشيخ: أحمد معبد، والشيخ الدكتور: الذيب الصالح، والشيخ: عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ: عبد الوهاب البحيري إلى غيرهم من العلماء الذين استفدنا -حقيقة- منهم فائدة طيبة.
ثم عدت إلى أبها، وحضرت الماجستير في البدعة وأثرها في الدراية والرواية، وقد حصلت عليه -والحمد لله- وأنا أعمل اليوم محاضراً في أصول الدين، وإمام وخطيب جامع أبي بكر الصديق، وأنا أتحرى من الله أن يغفر ذنبي وذنب كل مسلم، وأن يزيدنا من عنده، وأن يغفر لنا تقصيرنا وخطايانا وزللنا.
стр. 2382
بداية التزام الشيخ عائض
السؤال
تمر على الشاب فترات يتقلب فيها بين الصلاح وغيره، فمتى كانت بداية التزامك ومن أثَّر عليك؟
الجواب
الذي أعرفه من نفسي أنني عادي في أموري، عادي في الذكاء والالتزام، وعادي في الحماس وفي التوجه، ولكن مجتمع القرية -على كل حال- أسلم بكثير من مجتمع المدن قبل سنوات لا توجد امرأة فيما أعلم متبذلة مع أن الحجاب عندهم كان هو هذا الحجاب الذي هو رأي لبعض أهل العلم ألا يغطى الوجه، لكن الآن أصبح يغطى الوجه والكفان، فلم تكن امرأة متبذلة مع أنَّ عند بعض النساء قلة دين؛ لكن هناك مروءة، ونخوة قبلية، وأنفة، وكذلك لم يكن هناك مغريات وأجهزة إعلام تنساب بهذا الركام وهذا الزيف، ولم يكن هناك صور خليعة، ولا جلسات البلوت ولا الباصرة، ولا مقاهي تستضيف حملة السيجارات ولا الأغاني، إنما كان عندنا المسجد والبيت والمزرعة، فكنا بين هذه الثلاثة وربما اجتمعنا مع أهل القرية في جلسة سمر أو جلسة في العصر يتذاكرون ما لذ من الأخبار وأخبار الآباء والأجداد، وما جرى بين القبائل وقصائد وأشعار وأسمار ومن هذا القبيل.
فبدأت على هذا المنوال، ولكني لما وصلت إلى الرياض تأثرت ببعض الإخوة وببعض الأساتذة، وأكثر ما أظن أنه أثر في مساري كثرة القراءة في كتب السلف وخاصة تراجم السلف الصالح يوم طالعت تراجم الصحابة مثل: كتاب رجال حول الرسول لـ خالد محمد خالد، وأنا يعجبني هذا الكتاب ولي عليه ملاحظتان:
في ترجمة أبي ذر ملاحظة، وفي عدم توثيق النصوص أخرى، لكن أسلوبه عجيب وأخاذ، وقد أثر فيَّ تأثيراً بالغاً حتى كأني أعيش مع الصحابة، ولا بأس أن يطالع ويستفاد منه لأسلوبه العظيم ولطرحه العجيب، وكذلك بعض التراجم، فأظن أن من ما أثر فيَّ التراجم، ثم ولعت وبصراحة بسيرة الرسول ﷺ ، وهذا شرف لي، وطالعت في كتاب الرسول ﷺ لـ سعيد حوى ولي عليه ملاحظات، وقد استفدت منه كثيراً، ثم طالعت السيرة لـ ابن هشام، وأحسن ما أعجبني في هذا الباب زاد المعاد لـ ابن القيم، فإنه من أحسن ما دبجت يد مسلم، فغفر الله لذاك الإمام العظيم، وأنا أنصح بهذا الكتاب.
وعلى كل حال؛ فسيرته ﷺ وافية حتى كنت أفرح -والله- إذا ذكر في المجلس، وإذا ذكره بعض المشايخ، وقد كنت أصلي في الرياض وأنا في السنة التمهيدية وأنا مع الشيخ: محمد الراوي فكان إذا ذكر شيئاً من السير لا أملك دموعي وأنا جالس بين المصلين، خاصة إذا ذكر الرسول ﷺ ، وعظمته، وزعامته، وإصلاحه في العالم ونوره، وإشراقه، وتعجبني لفتات سيد قطب إذا ذكر الرسول ﵊ في الظلال أيما عجب! لأنه يعرضها بأسلوب عصري بديع، ثم يعطي الرسول ﷺ بحرارة، وبشوق، وبلوعة، هذا مما أظن أنه في بداية الالتزام، وأنا أسأل الله أن يزيدني وإخوني التزاماً وتوفيقاً وهداية ورشداً، وأن يثبتنا حتى نلقاه.
стр. 2383
حفظ الشيخ عائض للقرآن وما حفظ من السنة
السؤال
كما تعلم أن القرآن والسنة زاد الداعية، فكم تحفظ من القرآن؟ وهل تحفظ كتاباً في السنة؟ وكم كررته؟
الجواب
بدأت في المهد أحفظ في القرآن، وقد حفظت في المهد ما يقارب من ثمانية أجزاء، ولما عدت إلى الكلية، قلت: لا بد من حفظه جميعاً، فمن بداية أولى أصول الدين بدأت في حفظه حتى انتهيت إلى الثالثة في نهاية حفظه، ولكني أقول: أنا لا أحفظ القرآن جميعاً حفظاً ترضى به النفس، ويطمئن إليه القلب، لأن الحافظ هو الذي يقرأ من أي مقطع في أي وقت كان ويستذكر، أما أنا فالمقطع الذي أريد أن أصلي به في الناس لا بد أن أكرره قبل الصلاة في الغالب، فقد حفظت القرآن؛ ولكني أحتاج إلى مراجعته، وأحتاج إلى أن أعود إليه وأن أثبته؛ لأني شغلت عنه وإن كان لي ورد يومي ولكنه لا يكفي؛ فإن المشاغل كثيرة، وبعض الطلبات، والمحاضرات، والجلوس مع الأحبة، وأشغال الدنيا تلهي عنه، فعندي منه خير، والذي يهمني كثيراً في القرآن أن أعمل به، وأطبق تعاليمه، وأن أعيشه في حياتي وسلوكي.
وأما الحديث؛ فالحمد لله يعلق بذهني شيء كثير، ولو أني ما تعمدت حفظ كتاب بعينه، حاولت في الجمع بين الصحيحين واللؤلؤ والمرجان مرة، ولكن ما اصطبرت على ذلك، ولكن -والحمد لله- يعلق بالذهن كثيراً من كثرة ما أراجع وكثرة ما أُحَضِّر؛ لأني ألزمت نفسي بدرس كل صباح -من قريب- مع بعض الإخوة في شرح المسند، فهذا ينفع كثيراً في تذكر الأحاديث، والتدريس في الكلية كله في متون الأحاديث، والمحاضرات لا بد أن يعاد إلى الأحاديث قبل إلقائها قبلها، وكثرة القراءة في الحديث، ولذلك يعلق بالذهن كثير ولله الحمد والمنة.
стр. 2384
بداية تأليفه الشعر وأول قصيدة قالها
السؤال
عرفك الناس شاعراً، فيا ترى كيف كانت بدايتك في الشعر؟ وما هي أول قصيدة قلتها وهل تذكر منها شيئاً؟
الجواب
الحمد لله، أنا أقول الشعر، والشعر قد يكون نعمة أو نقمة، نعمة: إذا قُصِدَ به طاعة الله وكان في مرضاته ، ونقمة: إذا كان مجوناً وسخفاً وعبثاً ولعباً -والعياذ بالله- وإذا كان زندقة فهذا كفر.
فأنا أقول الشعر وأهواه وأحبه كثيراً، وأحفظ فيه من أجمل المقطوعات، وأنا أعزم مع بعض الأحبة -إن شاء الله- جمع بعض الأشرطة والكتيبات اسمها من أعذب الشعر، أو الأدب الذي نريده، ليكون عوضاً عن هذه السخافات والركام الذي في الساحة التي رزحت به، ركام يعرض وركام يستمع إليه وركام يطالع، يقول أحدهم في قصيدة حداثية:
أنا ذبابة ليمون أطير من شجرة إلى شجرة
قلنا: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم لا تضلنا بعد إذ هديتنا، اللهم لا تزغ قلوبنا.
والآخر نبطي يقول:
يا ونتي الونيت يوم صليت ونت وطارت وراء حمامة
قلت: أين هذا؟ وأين هذه المدلولات من أبيات الشعراء ومقطوعاتهم التي رأيناها في كتبهم ودواوينهم التي تستحق الإجلال؟ فليتها تفضى على الناس، وليتها تفرغ لتعيها القلوب، ويحفظها الخطباء، ويتهدرون بها على المنابر، وتذكر في الجلسات، ويحفظها الشباب في المخيمات لكانت لهم بعد القرآن والسنة زاداً.
وعلى كل حال؛ فإن لكل بداية نهاية فإن العبرة بتمام النهايات لا بنقص البدايات، بدأت في معهد الرياض في أولى متوسط وثاني متوسط ببعض القصائد، وفي ثاني متوسط أذكر أنه جاءنا معهد لعله معهد الجوف زيارة، فكلفوني بنظم قصيدة، فنظمت قصيدة فجعلتها مثل فهرس، توفي الأمير فيصل ﵀ في تلك الفترة فرثيته في القصيدة، ورحبت بمعهد الجوف، وأثنيت على معهد الرياض، ودعوت الشباب إلى الالتزام، وذكرت العلم والعلماء، فكانت شبه فهرس، وهي ضعيفة البنية سقيمة المعاني، لكن أوهمني الأساتذة في معهد الرياض أني متنبي العصر!! فظننت أنني كما قالوا، وهم يريدون تشجيعي فمنها.
لك يا معهدي الأجل سلامي عامر الود والتحايا أمامي
جئتك اليوم نافضاً عن إهابي أسأل الجهل والأماني أمامي
فكان أهم شيء أن تختم بالميم، وأما المعاني فيضحك منها عجائز نيسابور!
стр. 2385
أول موعظة ألقاها الشيخ عائض
السؤال
هل تذكر أول موعظة قلتها وفي أي مسجد كانت؟
الجواب
أول موعظة فيما أذكر في مسجد في حي المرقب في الرياض، وكان معي في النشاط الشيخ: صالح السحيباني، وهذه الموعظة في وفاته ﵊، واكتشفت فيما بعد أن الموعظة مكذوبة وموضوعة وليست بصحيحة، قرأتها من كتاب مكذوب، فقمت أمام الناس بعد صلاة المغرب فقبضت المكرفون وأخذت أتحدث، وأخذت أرجلي ترتعش بجانب الإمام؛ لأنها أول مرة، والمسجد كبير، والمصلون مزدحمون، فكنت أتكلم وأنظر في السقف وما نظرت إلى مصلِّ حتى انتهيت من شدة الخوف والوجل، وكانت أي كلمة تخرج من لساني أخرجها بحول الله، فأتيت إلى قصة عكاشة أو عكَّاشة -واللفظان صحيحان- فأتيت بها فاضطربت مرةً أقول: عكاشة، ومرة بلال، ومرة معاوية؛ فأصبح الناس في حيص بيص ما يدرون بماذا يخرجون؟ لكن كنت أتعمد رفع صوتي؛ لأنني ظننت أن الموعظة هي الصوت، حتى انتهيت وأنا وجل خائف خوفاً لا يعلمه إلا الله ، والعرق يتصبب، وما أدري ماذا قال الناس؟ لأنني ما التفت إلى أحد، ثم خرجت من الباب الجانبي للمسجد.
следующие страницы →