← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

التحاق الشيخ عائض بالكلية وتخرجه منها وصلت إلى كلية أصول الدين، وارتحت مع إخوة وأساتذة ومشايخ فيهم خير كثير، وكان من الشخصيات المحببة إلى قلبي عميد كلية الشريعة وأصول الدين الدكتور: عبد الله المصلح وكثير من الفضلاء معه ممن أثروا في منهجي التعليمي، وفي تشجيعي على الدعوة، وعلى مشاركة الإخوة في الكلية، وكنت في النشاط الخطابي والثقافي لا بأس بذلك. أما المخيمات فقد حضرت ما يقارب سبعة مخيمات للإخوة، وكان يغلب عليَّ طابع المزح والهزل في الأرجوزات وحفل السمر، حتى إن بعض الإخوة خفت عليهم أن ينفجروا من كثرة الضحك، وبعضهم كان يترنح برجله، وبعضهم دمعت عيناه على لحيته من كثرة ما ضحك، وقالوا: سوف تأخذ فينا ذنباً، ولا أزال أحفظ بعض هذه المقطوعات وهي مسجلة عند بعض الإخوة في أشرطة قديمة. ثم أعان الله بعد التخرج على دراسة السنة التمهيدية في الرياض إلى الدراسات العليا، وكان من الأساتذة الشيخ: أحمد معبد، والشيخ الدكتور: الذيب الصالح، والشيخ: عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ: عبد الوهاب البحيري إلى غيرهم من العلماء الذين استفدنا -حقيقة- منهم فائدة طيبة. ثم عدت إلى أبها، وحضرت الماجستير في البدعة وأثرها في الدراية والرواية، وقد حصلت عليه -والحمد لله- وأنا أعمل اليوم محاضراً في أصول الدين، وإمام وخطيب جامع أبي بكر الصديق، وأنا أتحرى من الله أن يغفر ذنبي وذنب كل مسلم، وأن يزيدنا من عنده، وأن يغفر لنا تقصيرنا وخطايانا وزللنا.

стр. 2382

بداية التزام الشيخ عائض السؤال تمر على الشاب فترات يتقلب فيها بين الصلاح وغيره، فمتى كانت بداية التزامك ومن أثَّر عليك؟ الجواب الذي أعرفه من نفسي أنني عادي في أموري، عادي في الذكاء والالتزام، وعادي في الحماس وفي التوجه، ولكن مجتمع القرية -على كل حال- أسلم بكثير من مجتمع المدن قبل سنوات لا توجد امرأة فيما أعلم متبذلة مع أن الحجاب عندهم كان هو هذا الحجاب الذي هو رأي لبعض أهل العلم ألا يغطى الوجه، لكن الآن أصبح يغطى الوجه والكفان، فلم تكن امرأة متبذلة مع أنَّ عند بعض النساء قلة دين؛ لكن هناك مروءة، ونخوة قبلية، وأنفة، وكذلك لم يكن هناك مغريات وأجهزة إعلام تنساب بهذا الركام وهذا الزيف، ولم يكن هناك صور خليعة، ولا جلسات البلوت ولا الباصرة، ولا مقاهي تستضيف حملة السيجارات ولا الأغاني، إنما كان عندنا المسجد والبيت والمزرعة، فكنا بين هذه الثلاثة وربما اجتمعنا مع أهل القرية في جلسة سمر أو جلسة في العصر يتذاكرون ما لذ من الأخبار وأخبار الآباء والأجداد، وما جرى بين القبائل وقصائد وأشعار وأسمار ومن هذا القبيل. فبدأت على هذا المنوال، ولكني لما وصلت إلى الرياض تأثرت ببعض الإخوة وببعض الأساتذة، وأكثر ما أظن أنه أثر في مساري كثرة القراءة في كتب السلف وخاصة تراجم السلف الصالح يوم طالعت تراجم الصحابة مثل: كتاب رجال حول الرسول لـ خالد محمد خالد، وأنا يعجبني هذا الكتاب ولي عليه ملاحظتان: في ترجمة أبي ذر ملاحظة، وفي عدم توثيق النصوص أخرى، لكن أسلوبه عجيب وأخاذ، وقد أثر فيَّ تأثيراً بالغاً حتى كأني أعيش مع الصحابة، ولا بأس أن يطالع ويستفاد منه لأسلوبه العظيم ولطرحه العجيب، وكذلك بعض التراجم، فأظن أن من ما أثر فيَّ التراجم، ثم ولعت وبصراحة بسيرة الرسول ﷺ ، وهذا شرف لي، وطالعت في كتاب الرسول ﷺ لـ سعيد حوى ولي عليه ملاحظات، وقد استفدت منه كثيراً، ثم طالعت السيرة لـ ابن هشام، وأحسن ما أعجبني في هذا الباب زاد المعاد لـ ابن القيم، فإنه من أحسن ما دبجت يد مسلم، فغفر الله لذاك الإمام العظيم، وأنا أنصح بهذا الكتاب. وعلى كل حال؛ فسيرته ﷺ وافية حتى كنت أفرح -والله- إذا ذكر في المجلس، وإذا ذكره بعض المشايخ، وقد كنت أصلي في الرياض وأنا في السنة التمهيدية وأنا مع الشيخ: محمد الراوي فكان إذا ذكر شيئاً من السير لا أملك دموعي وأنا جالس بين المصلين، خاصة إذا ذكر الرسول ﷺ ، وعظمته، وزعامته، وإصلاحه في العالم ونوره، وإشراقه، وتعجبني لفتات سيد قطب إذا ذكر الرسول ﵊ في الظلال أيما عجب! لأنه يعرضها بأسلوب عصري بديع، ثم يعطي الرسول ﷺ بحرارة، وبشوق، وبلوعة، هذا مما أظن أنه في بداية الالتزام، وأنا أسأل الله أن يزيدني وإخوني التزاماً وتوفيقاً وهداية ورشداً، وأن يثبتنا حتى نلقاه.

стр. 2383

حفظ الشيخ عائض للقرآن وما حفظ من السنة السؤال كما تعلم أن القرآن والسنة زاد الداعية، فكم تحفظ من القرآن؟ وهل تحفظ كتاباً في السنة؟ وكم كررته؟ الجواب بدأت في المهد أحفظ في القرآن، وقد حفظت في المهد ما يقارب من ثمانية أجزاء، ولما عدت إلى الكلية، قلت: لا بد من حفظه جميعاً، فمن بداية أولى أصول الدين بدأت في حفظه حتى انتهيت إلى الثالثة في نهاية حفظه، ولكني أقول: أنا لا أحفظ القرآن جميعاً حفظاً ترضى به النفس، ويطمئن إليه القلب، لأن الحافظ هو الذي يقرأ من أي مقطع في أي وقت كان ويستذكر، أما أنا فالمقطع الذي أريد أن أصلي به في الناس لا بد أن أكرره قبل الصلاة في الغالب، فقد حفظت القرآن؛ ولكني أحتاج إلى مراجعته، وأحتاج إلى أن أعود إليه وأن أثبته؛ لأني شغلت عنه وإن كان لي ورد يومي ولكنه لا يكفي؛ فإن المشاغل كثيرة، وبعض الطلبات، والمحاضرات، والجلوس مع الأحبة، وأشغال الدنيا تلهي عنه، فعندي منه خير، والذي يهمني كثيراً في القرآن أن أعمل به، وأطبق تعاليمه، وأن أعيشه في حياتي وسلوكي. وأما الحديث؛ فالحمد لله يعلق بذهني شيء كثير، ولو أني ما تعمدت حفظ كتاب بعينه، حاولت في الجمع بين الصحيحين واللؤلؤ والمرجان مرة، ولكن ما اصطبرت على ذلك، ولكن -والحمد لله- يعلق بالذهن كثيراً من كثرة ما أراجع وكثرة ما أُحَضِّر؛ لأني ألزمت نفسي بدرس كل صباح -من قريب- مع بعض الإخوة في شرح المسند، فهذا ينفع كثيراً في تذكر الأحاديث، والتدريس في الكلية كله في متون الأحاديث، والمحاضرات لا بد أن يعاد إلى الأحاديث قبل إلقائها قبلها، وكثرة القراءة في الحديث، ولذلك يعلق بالذهن كثير ولله الحمد والمنة.

стр. 2384

بداية تأليفه الشعر وأول قصيدة قالها السؤال عرفك الناس شاعراً، فيا ترى كيف كانت بدايتك في الشعر؟ وما هي أول قصيدة قلتها وهل تذكر منها شيئاً؟ الجواب الحمد لله، أنا أقول الشعر، والشعر قد يكون نعمة أو نقمة، نعمة: إذا قُصِدَ به طاعة الله وكان في مرضاته ، ونقمة: إذا كان مجوناً وسخفاً وعبثاً ولعباً -والعياذ بالله- وإذا كان زندقة فهذا كفر. فأنا أقول الشعر وأهواه وأحبه كثيراً، وأحفظ فيه من أجمل المقطوعات، وأنا أعزم مع بعض الأحبة -إن شاء الله- جمع بعض الأشرطة والكتيبات اسمها من أعذب الشعر، أو الأدب الذي نريده، ليكون عوضاً عن هذه السخافات والركام الذي في الساحة التي رزحت به، ركام يعرض وركام يستمع إليه وركام يطالع، يقول أحدهم في قصيدة حداثية: أنا ذبابة ليمون أطير من شجرة إلى شجرة قلنا: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم لا تضلنا بعد إذ هديتنا، اللهم لا تزغ قلوبنا. والآخر نبطي يقول: يا ونتي الونيت يوم صليت ونت وطارت وراء حمامة قلت: أين هذا؟ وأين هذه المدلولات من أبيات الشعراء ومقطوعاتهم التي رأيناها في كتبهم ودواوينهم التي تستحق الإجلال؟ فليتها تفضى على الناس، وليتها تفرغ لتعيها القلوب، ويحفظها الخطباء، ويتهدرون بها على المنابر، وتذكر في الجلسات، ويحفظها الشباب في المخيمات لكانت لهم بعد القرآن والسنة زاداً. وعلى كل حال؛ فإن لكل بداية نهاية فإن العبرة بتمام النهايات لا بنقص البدايات، بدأت في معهد الرياض في أولى متوسط وثاني متوسط ببعض القصائد، وفي ثاني متوسط أذكر أنه جاءنا معهد لعله معهد الجوف زيارة، فكلفوني بنظم قصيدة، فنظمت قصيدة فجعلتها مثل فهرس، توفي الأمير فيصل ﵀ في تلك الفترة فرثيته في القصيدة، ورحبت بمعهد الجوف، وأثنيت على معهد الرياض، ودعوت الشباب إلى الالتزام، وذكرت العلم والعلماء، فكانت شبه فهرس، وهي ضعيفة البنية سقيمة المعاني، لكن أوهمني الأساتذة في معهد الرياض أني متنبي العصر!! فظننت أنني كما قالوا، وهم يريدون تشجيعي فمنها. لك يا معهدي الأجل سلامي عامر الود والتحايا أمامي جئتك اليوم نافضاً عن إهابي أسأل الجهل والأماني أمامي فكان أهم شيء أن تختم بالميم، وأما المعاني فيضحك منها عجائز نيسابور!

стр. 2385

أول موعظة ألقاها الشيخ عائض السؤال هل تذكر أول موعظة قلتها وفي أي مسجد كانت؟ الجواب أول موعظة فيما أذكر في مسجد في حي المرقب في الرياض، وكان معي في النشاط الشيخ: صالح السحيباني، وهذه الموعظة في وفاته ﵊، واكتشفت فيما بعد أن الموعظة مكذوبة وموضوعة وليست بصحيحة، قرأتها من كتاب مكذوب، فقمت أمام الناس بعد صلاة المغرب فقبضت المكرفون وأخذت أتحدث، وأخذت أرجلي ترتعش بجانب الإمام؛ لأنها أول مرة، والمسجد كبير، والمصلون مزدحمون، فكنت أتكلم وأنظر في السقف وما نظرت إلى مصلِّ حتى انتهيت من شدة الخوف والوجل، وكانت أي كلمة تخرج من لساني أخرجها بحول الله، فأتيت إلى قصة عكاشة أو عكَّاشة -واللفظان صحيحان- فأتيت بها فاضطربت مرةً أقول: عكاشة، ومرة بلال، ومرة معاوية؛ فأصبح الناس في حيص بيص ما يدرون بماذا يخرجون؟ لكن كنت أتعمد رفع صوتي؛ لأنني ظننت أن الموعظة هي الصوت، حتى انتهيت وأنا وجل خائف خوفاً لا يعلمه إلا الله ، والعرق يتصبب، وما أدري ماذا قال الناس؟ لأنني ما التفت إلى أحد، ثم خرجت من الباب الجانبي للمسجد.

стр. 2386

المواقف المحرجة السؤال يمر على الإنسان مواقف محرجة، فهل تتذكر موقفاً من تلك المواقف؟ الجواب أذكر موقفاً محرجاً واحداً كنت في مخيم جامعة الإمام في حجلى أول مخيم تربوي، وكان كبيراً، وحضره كثير من طلبة العلم والمشايخ والأساتذة، منهم الشيخ: علي جابر إمام الحرم، وكان هو في أسرته أسرة محمد الفاتح، فكلفوني أن أقول قصيدة في الحفل الكبير، فجهزت قصيدةً ونظمتها وصححتها، ولكن لما جلسنا في الخيمة قبل الحفل طلب مني أحد الإخوة محمد حجر من الطوال ومن جهة سامطة أن ينظر في القصيدة؛ فأعطيته القصيدة لينظر فيها ونسيتها معه، فنزل عند أمه في خميس مشيط قبل الحفل، وظننت أنها في جيب البنطلون؛ لأنا كنا في لباس كشافي رياضي، فلما أتى الحفل، وأتت الشخصيات ووجهاء المنطقة، وبدئ بالحفل، وكنت أنتظر فقرتي، فنودي بي على رءوس الأشهاد أن ألقي قصيدتي، فقمت فلما أصبحت أمام المكرفون، وقدمت للقصيدة، وأخبرت بالدافع لي على هذه القصيدة وما هي نواياي، فتحت الزرار لآخذ القصيدة، فإذا الجيب فارغ، حاولت في الجيب الثاني فتذكرت في الحال أن الأخ نزل بها، فقلت المعذرة يا جماعة الخير! نزل الأخ محمد حجر -ببساطة أريد أضحكهم- نزل بقصيدتي في الخميس، وإن شاء الله سوف يعود بها الليلة، لأنه سار يسلم على أمه بالسيارة، فارتج الحفل بالضحك!! وخرجت والعرق يتصبب مني، ثم تمددت داخل الخيمة، وقلت: حسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2387

إمامته لبعض المساجد السؤال يرى في الساحة عزوف كثير من الشباب عن إمامة المساجد، فكم مسجد أممت وفي أي مكان تقع؟ الجواب لما أتيت إلى أبها في المعهد العلمي كنت في مسجد صغير في شمسان أصلي فيه إماماً -أحياناً- ثم في مسجد آخر بجانبه، وكنت أقرأ عليهم في كتاب بعد صلاة الفجر، ثم ذهبت إلى مسجد محمد بن عبد الوهاب الذي بناه التاجر محمد بن عبد الوهاب قابل، فصليت به فترة أظنها سنتين أو ثلاثاً، ونفعتني تلك الفترة؛ لأني كنت أكتب الخطب وأعود إليها، وأهتم بها كثيراً لما أرى من إقبال طلبة العلم، فكنت أهتم بالخطب، وربما حفظت بعض المقاطع منها ارتجالاً، ثم ذهبت إلى الرياض وعدت، فعينت إماماً في جامع أبي بكر الصديق ولا أزال إماماً فيه إلى الآن والله الموفق والمعين.

стр. 2388

قصائد الشيخ عائض وأفضل أشرطته السؤال حبذا فضيلة الشيخ لو تذكر للأخ المستمع أفضل ثلاث قصائد قلتها، وكذلك من الأشرطة ثلاثة من التي تنصح بها كل مسلم؟ الجواب أما ثلاث قصائد مما قلتها فمنها مقطوعة في الرسول ﵊، قلت فيها: صوت من الغور أم نور من الغار أم رمضة الفكر أم تاريخ أسراري يا عيد عمري ويا فجري ويا أملي ويا محبة أوطار وأعماري تطوي الدياجير مثل الفجر في ألق تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري البدر والشمس في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ فما لقومي بلا وعي قد انتكسوا أصغوا لصيحات عربيد وخمار شادوا الدنانير هالات مزخرفة جماعها لا يساوي ربع دينار يبيع ذمته المأفون في وثن والدين ينهار منه في شفا هار لو بيع في السوق ما حازوا له ثمناً ولو شروه لكان الغبن للشاري جمع الطوابع من أسمى هوايته ذو همة بين خباز ونجار إلى آخرها، وقصيدة الذرية في أبي ذر منها: دمعة الزهد فوق خدك خرسا ووجيب الفؤاد يحدث جرسا أنت من أنت يا محب وماذا في حناياك هل تحملت مسَّا إلى آخر القصيدة وهي موجودة في ديوان لحن الخلود وديوان واإسلاماه، ومنها قصيدة للمجاهدين الأفغان منها: مروا بقلبي فقد أصغى لي البان لي في حمى الحب أصحاب وجيران نعم لك الله ما قتلت من وله أما لكم صاحبي صبر وسلوان إلى آخر القصيدة، وقصيدة في سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز منها: قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي إلى آخر القصيدة وبعض القصائد الأخرى. أما الأشرطة التي أرى أنها مفيدة وهي من أشرطتي لعل الله أن ينفع بها، ويجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم فشريط (احفظ الله يحفظك، ورسالة إلى المغنين والمغنيات، وقتل المجرمين عدالة، وصفات المرأة المسلمة، ورسالة إلى مسئول، وأسباب انشراح الصدر).

стр. 2389

مقومات الخطابة عند الشيخ عائض السؤال ما هي مقومات الخطابة في نظرك يا شيخ؟ الجواب من أحسن الكتب التي كتبت في هذا الفن: كتاب لـ أبي زهرة اسمه: الخطابة، ولكن من مقومات الخطابة فيما أرى: أولاً: الإخلاص لله ، وأن يقصد بعمله وجه الله في كل عمل يعمله. ثانياً: أن يكون صاحب جرأة -أي: شجاع القلب- مستعد أنه يواجه الجماهير، لا يهاب، ويكون عنده رباطة جأش؛ لأن الموقف صعب، شيب رءوس كثير من العظماء، حتى يقول عبد الملك بن مروان لما قال له أبناؤه: نراك شبت، قال: من صعود المنابر كل يوم جمعة أعرض عقلي على الناس. ثالثاً: أن يكون عنده تدرج، بأن يبدأ بالمساجد الصغيرة، وبالمجمعات الصغيرة والقرى والأرياف، ثم يتهيأ لخوض المدن وحضور الجماهير في المدن الحاشدة. رابعاً: أن يكون عنده علم، وأن يكون كثير الاطلاع، لأن الكلمات تسعفه، فتسعفه الأبيات، والآيات، والأحاديث، والقصص، والمواقف، والنكت والطرائف، فيكون عنده مادة؛ لأن الذي عنده جرأة وليس عنده مادة كالرجل عنده شجاعة ولكن ليس لديه سيف، فلا بد من مادة. خامساً: أن يتهيأ قبل الخطبة، كما قال عمر -لما حضر سقيفة بني ساعدة رضوان الله عليهم-: [[زورت كلاماً]] أي: هيأت كلاماً، فيعرف ما هو الموضوع الذي سوف يتكلم فيه، وماذا سوف يقول، ويحفظ الآيات والقصص ويرتبها في ذهنه ويعنصرها في ذاكرته ثم يتكلم، وإذا كتب فعليه أن يعتني بحسن الأسلوب وجمال العبارة، وأن يكرر المكتوب، وألا تقيده الورقة عن الناس. ثم أوصي الخطباء ألا يطيلوا على الناس، وأوصيهم أن يعيشوا الواقع، وأن يزودوا خطبهم بالآيات والأحاديث الصحيحة. وأوصيهم أن يجملوا العبارة بالأسلوب الطيب الرائق، لأن أهل الباطل غلبونا بأساليبهم، فلا بد أن نعرض الخطابة في ثوب جميل يقبله الناس، وأوصيهم كذلك أن يعملوا بما يقولون: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].

стр. 2390

دواوين وكتب ألفها الشيخ عائض السؤال اذكر لنا بعض الدواوين والكتب التي ألفتها، وما هو آخر كتاب سينزل في السوق؟ الجواب أما الدواوين فمنها: ديوان لحن الخلود وديوان واإسلاماه، وديوان نسمات من الجنوب، وديوان هدايا وتحايا). ومنها كتاب: (شباب عادوا إلى الله، وكتاب الحركات الإسلامية المعاصرة، وكتاب أمريكا التي رأيت، وكتاب همسة في سحر ونسمة في سمر، وكتاب سيرة الأبطال) وهي مطبوعة جميعاً وسوف يصدر قريباً -إن شاء الله- ضوابط الصحوة الإسلامية، وكتاب كيف تطلب العلم، وكتاب الغزالي في ميزان الاعتدال، وكتاب دروس للصائمين وسوف يصدر -إن شاء الله- رسالة وهي البدعة وأثرها في الدراية والرواية، وشجو الحمام في أدب السلام وغيرها من الكتيبات، والله المعين.

стр. 2391

سبب تأليفه في الإيمانيات وترك الأحكام السؤال فضيلة الشيخ: لماذا لا تؤلف في الأحكام؟ الجواب أنا أحب الأحكام وأعتني بها، بل أدرِّسها كثيراً وأكثر ما أدرِّس الأحكام، حتى لا أدرس في المصطلح ولا في أي مادة أخرى، لكن الأحكام لأني محتاج إليها في علم الفتيا؛ ولاحتياج الناس والعامة ومن يجلس معه الداعية فأفرؤها، لكن التأليف قد رأيت كثيراً ممن أغدقوا في الساحة وكفوا هذا الجانب، وتكلموا كثيراً في البرامج، مثل: الإذاعة، والأشرطة، والكتيبات، والرسائل، والكتب، فرأيت أنه ينقصنا كثيراً في الإيمانيات ورد الناس إلى الإيمان ليتلقوا الأحكام، فالأحكام بلا إيمان لا يتقبلها الناس، وقد يفهمها حتى المعرض، لكن أريد أن يصل الإيمان وأن يربى الناس على الإيمان حتى يتلقوا الأحكام، ولا ينقصنا جانب الأحكام؛ لكن ينقصنا الإيمان كيف نرد الناس إلى هذا الدين؟ وكيف نحبب الناس في هذا الدين وفي رسول هذا الدين ﵊.

стр. 2392

أهم الشخصيات التي قابلها السؤال من أهم الشخصيات الإسلامية التي قابلتها؟ الجواب قابلت بعض الشخصيات الشهيرة، واستفدت منهم ولو في مجلس واحد، فإن من أفادك حرفاً فقد أفادك، منهم من أعجبني ولا يزال يعجبني دائماً أحبه حباً جماً سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز متع الله بحياته، ونفع بأنفاسه، وأمد في عمره، جلست معه مجالس، وحضرت له بعض الدروس، واستفدت من كلماته، ومن بعض أشرطته وكتيباته. ومنهم الشيخ العلامة الذكي: محمد الصالح العثيمين زرته مرات في بيته، واستفدت من أشرطته وكتبه وحضرت له بعض المحاضرات والدروس. ومنهم الشيخ الأستاذ العلامة المحدث الكبير: محمد ناصر الدين الألباني لقيته مرة واحدة في مكة هذا الزمن المنصرم، وجلست معه ما يقارب ثلاث ساعات ولي فيه قصيدة، ولي في الشيخ عبد العزيز بن باز أيضاً قصيدة اسمها: "البازية" ذكرتها قبل قليل، وفي الشيخ ابن عثيمين أبيات منها: إذا بريدة بالأخيار قد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها وفي الألباني أبيات منها: هاكم سلام الله يا إخواني قولوا رعاك الله يا ألباني يا جامعاً سنن الرسول بعصره كـ الترمذي أو أحمد الشيباني يا دار قطني الشريعة إنني أهفو إليك وحبكم أشجاني إلى آخر القصيدة. وقابلت الدكتور عبد الله عزام ﵀، والأستاذ العلامة المفكر الكبير محمد قطب، وزرته قريباً قبل ما يقارب أسبوعين، والشيخ الأستاذ العلامة عبد المجيد الزنداني واستأنست برؤيته والجلوس معه، وكثير من الأحبة، ومن الدعاة الموفقين كالداعية الأستاذ أحمد القطان، والداعية عصام البشير وغيرهم من المشايخ.

стр. 2393

إجابات سريعة السؤال ماذا يقول عائض القرني عما يحدث للمصلين في مسجدك، فإنهم يصلون في خارج المسجد؟ الجواب أقول: يتقدمون مع ركاب الدرجة الأولى، وذلك بتبكيرهم في الساعة الأولى، ولا يبقوا حتى لا يجدون فرخة ولا دجاجة ولا بيضة. السؤال ما سبب نحالة جسمك؟ الجواب من الجلوس مع الثقلاء. السؤال: ما رأيك في زوجة ثالثة؟ الجواب: إذا ماتت زوجتاي اللتان معي تزوجت الثالثة. السؤال: نجيب ضرب مقره في كابل؟ الجواب: ضل وله حصاص. السؤال: ما رأيك في قتل عزام؟ الجواب: طعنة في قلب كل مسلم. السؤال: ما رأيك في سيَّاف؟ الجواب: بطل من الدرجة الأولى. السؤال: تعليق على موسكو والانفتاح؟ الجواب: عير انقطع رباطه. السؤال: رأيك في ابن باز؟ الجواب: ابن باز رجل كـ جبل أحد يحبنا ونحبه. السؤال: رأيك في الحداثيين؟ الجواب: رؤيتهم تنقض الوضوء، وحدثهم حدث أكبر. السؤال: رأيك في صغار ينقمون على الألباني؟ الجواب: يقول المثل: مائة إبرة لا تساوي فأساً. السؤال: قولك في التوبة؟ الجواب: طريق التائبين والمستغفرين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. السؤال: أناس يقولون: قليل من الوقت للبلوت؟ الجواب: ما أسكر كثيره فقليله حرام. السؤال: بعض الفضلاء عليهم ملاحظات؟ الجواب: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. السؤال: ما هو عنوان رسالتك في الماجستير؟ الجواب: البدعة وأثرها في الدراية والرواية. السرال: ماذا يضايقك؟ الجواب: يضايقني فراغٌ كثير عند كثير من الشباب، لا يستغلونه في طاعة الله، ولا في العلم الشرعي، ولا في التحصيل. السؤال: حدث أبكاك؟ الجواب: موت الدكتور عبد الله عزام، وقبله موت أبي الأعلى المودودي. السؤال: هل هناك أديب أعجبك؟ الجواب: من المعاصرين في أدبه على الطنطاوي بارك الله فيه. السؤال: هل لك لحظة ندم؟ الجواب: إذا تذكرت ذنوبي وتقصيري مع الله، وكثرة نعم الله علي ندمت. السؤال: هل هناك شاعر أعجبك؟ الجواب: المتنبي.

стр. 2394

البرنامج اليومي في حياة الشيخ برنامج حياتك اليومي في هذه الأيام؟ الجواب أصلي الفجر، وبعد الفجر إذا كنت في أبها درس في مسند الإمام أحمد يستمر ما يقارب ساعة إلا ربع، ثم ركعة الإشراق، ثم أذهب إلى البيت فالإفطار، فإن كان عندي محاضرة في الكلية في أيام الدراسة ذهبت وإلا نمت ما يقارب ساعة، ثم أقوم فأكتب أو أطالع إلى ما يقارب الظهر، ثم صلاة الظهر، ثم العودة، فمطالعة أو كتابة، وغالباً هذا الوقت للاتصال بالهاتف وسماع بعض أصوات الأحبة، ثم الغداء، ثم القيلولة التي أحافظ عليها كثيراً إلا في بعض الأوقات، ثم صلاة العصر، وبعد العصر هذا الوقت الدسم عندي للمطالعة في المكتبة ويتخلله اتصال بالهاتف، وبعد المغرب في الغالب زيارة الأحبة، وسماع بعض الأسئلة من الإخوة والاستفادة من الجلوس معهم، وعرض بعض المشاكل، وبعد العشاء مطالعة أهم شيء في الواقع، مجلات إسلامية، صحف إسلامية، وسماع الأخبار أحياناً، وما يدور في الساحة، ثم الوتر ثم النوم.

стр. 2395

تكرار المادة العلمية في بعض المحاضرات السؤال فضيلة الشيخ! يرى بعض طلبة العلم أن بعض المادة العلمية تكرر سواء أكانت في الخطب أم المحاضرات أم الدروس التي تلقيها فماذا تقول؟ الجواب أقول: أما مبدأ التكرار فليس بعيب؛ فالقرآن كرر كثيراً من القصص، فهذه قصة موسى عرضت في القرآن طولاً وقصراً ما يقارب ثلاثاً وعشرين مرة، ونحن معنا مادة وهي موجودة لا يزاد فيها ولا ينقص القرآن والسنة، إذا بدأنا من الفاتحة انتهينا إلى الناس ثم نعود من الفاتحة وهكذا، وهذه قضيتنا ودائماً هذه رسالتنا حتى يعرفها الناس، وقضية أن المتكلم أو الداعية يأتي كل يوم بشيء جديد، فهذا ليس بوارد، لابد أن يجدد مادته، وأن يأتي من الكتاب والسنة بالجديد الذي ما سمعه الناس إلا قليلاً، لكن أن يستهدف كل وقت؟ هذا متعسر وليس الداعية فنان يأتي كل يوم بأغنية أو مسرحية، أو يأتي بفرقة تغير أصواتها، هو دائماً داعية يضرب على نقاط وعلى مسائل لا بد أن يكررها حتى يعيها الناس، وهل عمل الناس بالمسائل التي قلناها حتى نأتي لهم بجديد؟ وهل نحن هواة نقل كلمة، إنما نريد هذه القضايا أن تنفذ؟ وأنا أقول -ولو قال الإخوة أنه تكرار- ليس تكرارً مطلقاً، صحيح أن القصة ممكن تتكرر في خمسة أشرطة وفي عشر محاضرات وفي عشرين لكنها تعرض بقوالب وفي أساليب، مرة طولاً ومرة قصراً، مرة بأسلوب علمي، ومرة بأسلوب وعظي، ومرة بأسلوب أدبي ومرة مناقشة فهذا ليس كذاك. وقال الأول: قالوا: تكرر قلت: أحلى علماً من الأرواح أغلى فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلاً وقال الثاني: كرر العلم يا كريم المحيا وتدبره فالمكرر أحلى فأنا أحاول الآن الاقتصار في بعض المحاضرات، وإعادة بعض المحاضرات القديمة بنفس المادة لكن بأسلوب آخر.

стр. 2396

سبب ضعف المادة العلمية في بعض المحاضرات السؤال فضيلة الشيخ! بعض المحاضرات يلاحظ فيها ضعف المادة العلمية، فيا ترى لمن يرجع هذا؟ الجواب هذا أولاً لا بد منه مهما بلغ الإنسان لا بد أن يضعف في بعض الجوانب، وأنا أعرف نفسي أني ضعيف مقصر، لكن أحياناً قد تكون المادة من علم الواقع، أو من مسائل الواقع التي ما تظفر بنصوص من الكتاب والسنة إلا نصوصاً عامة؛ لأن القرآن جاء فيه صلاح العباد في الدنيا والآخرة، فأحياناً أضطر أن أكثر من علم الواقع، ومن أطروحات في الواقع، ومن مسائل مرت في الساحة فتنقصها النصوص، والشباب متعودون على أنه لا بد من مادة دائماً تكون محفوفة بالنصوص، وأحياناً قد تكون كلمات مرتجلة فتسجل، أذكرها في بعض المواقف لأنه لكل مقام مقال إما اجتماعاً مع بعض الأحبة، أو حفلة، أو كلمة مفاجئة، أو طرفة نادرة فتسجل فيقولون: هذه ما حُضِّر لها وهو الصحيح. على كل حال؛ لا بد من الضعف والقوة والإبداع والقدم والغرابة، ولا بد من الضعف والله يغفر لنا ولكم زللنا.

стр. 2397

نصيحة للتسجيلات الإسلامية طلب: قبل الختام فضيلة الشيخ! بماذا تنصح التسجيلات الإسلامية بما فيها تسجيلات البيارق؟ الجواب أنا أولاً: أشكر التسجيلات الإسلامية شكراً جزيلاً على ما قدمته للأمة الإسلامية شكراً لا انتهاء له، فقد أثرت الساحة بالشريط الإسلامي، وقدمت الطيب والجديد من القرآن الكريم، والمحاضرات، والفتاوى، والدروس، والخطب، وما قدمته من الأمسيات، والأناشيد، وقد أجادت كل الإجادة، هذا في غالب التسجيلات لا في العرض فقط بل في الإنتاج، والابتكار، والإبداع، والتوزيع، واستقبال المشتري، فجزاهم الله خيراً، ولكن لي معهم وقفة!! أولها: إني أطلب منهم أن يقصدوا بعملهم هذا وجه الله، ويجعلوا هذه المادة ثانوية، أي: طلب المال من هذا الطريق؛ لأنهم ينفعون وينشرون الدين بهذه الطريقة، الشريط إذا دخل البيت كأن داعيةً دخل البيت، كم من غاوٍ، وكم من ضال، وكم من مارد، وكم من فاجر، سمع شريطاً فاهتدى وعاد. إنكم -أيها الإخوة- من أهل التسجيلات الإسلامية دعاةً في الحقيقة ولو لم تتكلموا، أو تحاضروا، أو تخطبوا في الناس ولو لم تعظوا، أدخلوا الشريط قلوب الناس وبيوتهم وسياراتهم هدية، فأطالبهم أولاً بالإخلاص. ثانياً: بحسن التسجيل، أن يكون التسجيل مبتكراً صافياً طيباً، لأنني لاحظت بعض التسجيلات تسجيلها ضعيف حقيقة، على ما تطور به العلم الحديث، وعلى الأجهزة والأساليب، وعلى ما أجاد الله به من مال، ومع ذلك سمعت مرة شريطاً لي أنكرت صوتي، قلت: أنا هذا! ما هو صوتي حتى اكتشفته من بعد -والحمد لله- دلني الله على أنه صوتي! فهل يعقل أن هذه تسجيلات في هذا العصر؟ لكن غالب التسجيلات تعتني. ثالثاً: أوصيهم بأن يساعدوا الناس خاصة إذا كانوا بعض الطلبة والمحتاجين، أو الفقراء الذين لا يملكون المادة، أن يخفضوا في قيمة الشريط، أو أن يتصدقوا فإنه في ميزان الحسنات. رابعاً: أن يعتنوا بالابتكار والإبداع وحسن الدعاية في سبيل الله ، لأن أهل الباطل في تسجيلاتهم وفي إبداعاتهم يعتنون بالدعاية والنشر والإعلان حتى يعرف الناس أن هناك مادة، وهذا ليس من باب الرياء والسمعة؛ لكن من باب إظهار الحق ونصرته. وأما تسجيلات البيارق فأشكرهم على هذا اللقاء، وأتمنى لهم مزيداً من الخير، وأوصيهم وصايا منها: أن يختاروا المكان الطيب والعرض الطيب، وإن عرضهم طيب -والحمد لله- ولا زال بعضنا يوصي بعضاً وينصح بعضاً، ولكن لهم مني الدعاء الخالص بالتوفيق، ولكل تسجيلات إسلامية نفع الله بها وزادها توفيقاً ورشداً وهداية.

стр. 2398

كفى بالموت واعظاً إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا إما أن يكون غارقاً في شهواتها ولذاتها حتى تنسيه الدار الآخرة. وإما أن يجعل الدنيا دار ممر ويجعل همه الأكبر الدار الآخرة، ويجعل الموت وما بعده نصب عينيه. وهذه المادة تتناول أمراً عظيماً ومهولاً ألا وهو تذكر الموت وسكراته وخنقته، ويتخلل ذلك نتف من قصص الأنبياء والصالحين عند الموت وحالهم عند تذكره.

стр. 2399

حال الناس عند سكرات الموت ودخول القبر الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومن واجب أهل الفضل علينا أن نشكر لهم فضلهم، ومن واجب أهل الإحسان أن نشكر لهم إحسانهم، فنشكر مدير هذه الثانوية بالغ الشكر، والأساتذة أيضاً، ونشكركم أيضاً لحسن استماعكم وتواضعكم لاستماع هذه الكلمات، ونسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم. أمَّا بَعْد: فقد كانت هذه الكلمة ربما تدور حول الموت، وحدد موضوعها، وحينما أخبرت بهذا الموضوع تذكرت أبياتاً للشاب العالم الزاهد/ حافظ الحكمي - رحمه الله تعالى- في الموت، إذ يقول: والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحدٍ براءه وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضةٌ من الجنان أو حفرةٌ من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ تالله لو علمت ما وراءك لما ضحكت ولأكثرت بكاءك من هذا المنطلق، ومن هذه الذكرى يمر الإنسان في قافلة الموت، ويتذكر هذا المصير المحتوم، وهذه الساعة المقضاة من الله على ابن آدم، ساعة الموت التي يذل فيها الجبار، ويذعن فيها العاصي، ويعود فيها المتمرد، ويتوب فيها المذنب. ساعة الموت هذه الأليمة التي يمر بها الملك والمملوك، والرئيس والمرءوس، والغني والفقير. وكان من الجميل بنا أن نذكر بعض قصص المحتضرين وأخبارهم وأنبائهم علنا أن نتذكر هذا المصرع الذي لا يفوتنا أبداً، وسوف نمر به ولو طالت أعمارنا، ولو تمتعنا بالشباب والصحة، ولو زهدت لنا السيارات والعمارات، ولو سكنا في الشقق الفاخرة، ولو لبسنا الثياب الفاخرة الجميلة، ولو تمتعنا بالمطاعم، وجلسنا على الموائد، وتزاورنا وضحكنا كثيراً، إنها سوف تمر بنا هذه الساعة التي تنسي ما قبلها، والتي يتذكر فيها الإنسان حسابه مع الله، ماذا فعل، وماذا قدم؟ ما عمل بتلك الساعات التي أفناها بالقيل والقال، واللهو واللعب، والجلوس الذي لا طائل من ورائه، ومرافقة أقران السوء، وأصحاب الانحراف الذين ما زادوه إلا ضلالاً وإعراضاً عن الله. تلك الساعة لا بد أن نحسب لها حسابها من الآن، ولا بد أن نقف معها وقفةً طويلةً جداً لنتذكر بماذا سوف نلقى الله في هذه الساعة؟ وبماذا سوف نرد على الملكين؟ وماذا سوف نقول إذا طرحنا في القبر وتلك الحفرة التي تعرفونها؟. التي يتجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا من الأعمال الصالحة، فيتجرد من المنصب، فيدخل في قبره بلا منصب، وبدون: يا صاحب الفخامة! ويا صاحب المعالي! ويا صاحب السماحة! وإنما يدخل جثماناً في قطعٍ بيضاءٍ، فيوسد في هذه الحفرة، ويتولى عنه الناس. يدخل بلا سيارة، ولا إخوان أو خلان، وبلا زوجة أو صاحب أو قرين إلا الله ، ولو نجا أحد من الناس من ساعة الموت، لكان الجدير أن ينجو محمدٌ ﷺ ، ولكنه والله ما نجا، فمر بها كما يمر بها الإنسان، ووقف معها كما يقف الإنسان، وهو أشرف الخلق على الله ﵎، وهو أكرم الناس على رب الناس، لكنه تلقاها برحابة صدر، لأنه أحسن العمل مع الله.

стр. 2400

النبي ﷺ يعالج سكرات الموت يروي البخاري ومسلم في صحيحيهما: أنه لما احتضر ﷺ وضع خميصته -وهي قطعة قماش- على وجهه الشريف من شدة الكرب، وروحه تنتزع من بين جنبيه، وهو يقول: ﴿لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت، اللهم خفف علي سكرات الموت، تقول عائشة: بأبي هو وأمي! والله إنه كان يضعها في الماء، فيبلها -أي: الخميصة- ثم يضعها على وجهه، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت﴾ ثم يقول ﷺ وهو في السياق: ﴿بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى﴾ قال الصحابة: إنما قال ذلك ﷺ لأنه خيِّر بين أن يمد له في عمره، وأن ينسأ له في أجله، أو يلقى ربه، فقال: بل الرفيق الأعلى. أي: أريد اللقاء الآن، أريد الرحيل من هذه الدنيا الآن، أريد الموت في هذه الساعة، لأنه يعلم ﷺ أنه مهما طال عمره، ومهما امتد أجله، فإنه سوف يلقى هذا المصرع، فمن الآن إذا كانت هذه الحياة نهايتها هذه النهاية، فبدون كلفة، وبدون مشقة وهموم وغموم، الآن آخذها وأجرع كأس الموت، وأرتاح من هذه الحياة. وتوفي ﷺ كما يتوفى الناس، ومات كما يموت بنو الإنسان، لكنه بقي ذكره أبد الآبدين؛ لأنه أحسن العمل مع الله، والإنسان يطمع في طول العمر، وامتداد الأجل، لأن بعض الناس يرى هذه الحياة متعة، سكنى، ومطعم، وملبس، وزواج، وترقي، ومناصب، فيرى أن هذه الحياة أحسن من الحياة الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة:٨٦] أولئك الذين ضلت أعمالهم، أولئك الذين حبط مسعاهم، أولئك الذين خسروا الصفقة مع الله، يريدون هذه الحياة فحسب.

стр. 2401

موسى يصارع ملك الملك وقف موسى ﵇، فقال: يا رب! أريد عمراً طويلاً، قال الله : اختر ما شئت، وجاء ملك الموت -بلا شك وأنتم تعرفون ذلك في قصة صحيحة- فضربه موسى ﵇ ففقأ عينه، فعاد ملك الموت إلى الله، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، ففقأ عيني، فرد الله عليه عينه، وعاد ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه، قال: يا موسى! تمنى ما شئت من العمر، قال: ثم ماذا؟، قال: ثم تموت، قال: الآن إذن، فقبض روحه، ولذلك يقول أبو العتاهية: نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح فإذا كان هذا العمر، ولو عمر نوح، فلا بد من النهاية، ولا بد من المصير المحتوم.

стр. 2402

قصة أبي بكر ومعاوية عند الموت روى أهل السير أن أبا بكر ﵁ وأرضاه لما احتضر، دخلت عليه ابنته عائشة، فسلمت عليه، وبكت طويلاً، ونظرت إليه وهو خليفة المسلمين، ورفيق الرسول ﷺ في الغار، وصديق الإسلام يموت في ثوبين متواضعين مجرداً من الدنيا، لا يملك إلا بدنة، وبيتاً متواضعاً من طين وفراشاً واحداً، يموت وهو يملك العالم الإسلامي تحت إدارته وخلافته، فتشتد سكرات الموت عليه، فأنشدت عائشة بعض الأبيات وهي تعزيه في روحه ﵂، والتفت إليها، مؤنباً ومعارضاً لها بهذا الاستشهاد، كذب الشاعر وصدق الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا الموقف ليس موقف قول شعر، وليس موقف محاضرات، وليس موقف مرادات، بل هذا موقف قول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. ما معنى تحيد؟ أي: تتصرف كلما أتاك المرض، ذهبت إلى المستشفى والعيادة، وعرضت نفسك على الطبيب علك تمتع، لكن إذا جاء الموت، انتهى كل شيء. ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا ما كنت منه تتصرف، وتحاول أن تلف وتعرض، ولكن الآن لا منجا وملجأ من الله إلا إليه، انتهى كل شيء. دخلوا على معاوية ﵁ وأرضاه في الملك، وهو على سرير الموت، وهو في دمشق عاصمة الإسلام، فلما أتاه الموت، قال: أنزلوني على التراب، فقالوا: يا خليفة المسلمين! ويا أمير المؤمنين! نرى السرير أرفق لك، قال: أنزلوني لا أبا لكم، انتهى السرير، وانتهى الملك، فأنزلوه، فلما وضعوه في التراب كشف الفراش، ووضع خده، وبكى طويلاً على التراب، قال: صدق الله في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] فنسي كل شيء، نسي جيشه وجنده، ونسي ملكه وقصوره، وما كان يعد، وانتهى الأمر إلى هذا الموقف، وهذا المصير المحتوم. وأنتم تعرفون أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الآخر، لما حضرته الوفاة، بكى طويلاً، وقال: يا ويلتاه! ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، يا ليتني كنت راعي غنم، يا ليتني كنت زبالاً، يا ليتني كنت غسالاً، فبكى الناس حوله من كلامه هذا، فلما بلغ كلامه سعيد بن المسيب ﵀ -عالم المسلمين- قال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت، ولا نفر إليهم]] لأنهم لا يستيقظون إلا وقت الموت، ولا يتنبهون إلا في هذه الساعة، وإذا الأمر خرج من أيديهم، وإذا العمر ليس معهم، فيفيقون ويتذكرون، فإذا ما بأيديهم حيلة. ولذلك الذكي كل الذكي الذي يعد لهذه الساعة، ولا يغتر بالشباب والصحة، لا تقل: إني شاب وسوف أتخرج، وسوف أحضر بعض الرسائل، وسوف آخذ بعض المناصب، ثم أستعد للموت، فإن هذا هو الغباء كل الغباء، وهذه البلادة كل البلادة، ومن أعطاك عهداً من الله أنك سوف تستمر في هذا العمر؟ ومن أعطاك من الله خبراً ميقناً أنك سوف تعيش حتى تتخرج؟ لا والله. إن الموت معك، وإن ملك الموت ليصاحبك، ولكن يقول : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: إن الموت معك، لكن المعقبات تحفظك حتى يأتي أمر الله، فإذا أتى أمر الله، تولى عنك هذان الملكان الحافظان، فقد يأتي أجلك وأنت في الطيارة في الجو، أو في السيارة، أو وأنت على كرسي الدراسة تستمع، وكلك آذان صاغية لما يقول الأستاذ، وإذا بك تفاجأ وأنت تنتقل إلى الدار الآخرة.

стр. 2403

عمر ومعاذ عند الموت فهذا عمر ﵁ وأرضاه - وأنتم تعرفون من عمر - الذي قضى حياته كلها في الجهاد وقيام الليل والصلاة والذكر والزهد, والعدل ﵁ وأرضاه, خرج على المسلمين يوم الجمعة، فصلى بهم، ثم بكى في الخطبة بكاءً عظيماً، ثم قال: [[أيها الناس! إني رأيت في منامي أن ديكاً رومياً ينقرني ثلاث نقرات، وقد عرضت هذه الرؤيا على أسماء بنت عميس -زوجة جعفر - فأخبرتني أن رجلاً من الموالي سوف يطعنني ثلاث طعنات، فإذا أنا طعنت، فالله خليفتي عليكم، وأوصيكم بتقوى الله، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه]] ونزل ﵁ وأرضاه من تلك الجمعة، وعاد في فجر يوم السبت ليصلي بالناس، وكان من هديه ﵁ وأرضاه أن يقرأ سورة يوسف، وابتدأ فيها حتى بلغ قوله تعالى حكايةً عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] فضج بالبكاء ﵁ وأرضاه، وقطع صوته في القراءة، وبكى الناس خلفه، ولما ركع، تقدم إليه ذاك المارد الفاجر أبو لؤلؤة المجوسي بخنجره الذي يحمل حدين مسمومين وطعنه ثلاث طعنات، ولما طعن، قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم هوى صريعاً في المحراب، شهيداً في سبيل الله ﵎، وجاء عبد الرحمن بن عوف، فأكمل الركعة الثانية ﵁ وأرضاه وصوته يقطعه البكاء، لأنه علم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد انتهى من الحياة، وفر أبو لؤلؤة يطعن الناس يمنةً ويسرةً حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، وبقي ستة جرحى. وبعد ذلك حمل الناس عمر ﵁ وأرضاه ودماؤه الطاهرة تنسكب على مناكبهم وتنهمر على أكتافهم، وهم يأخذونه إلى بيته ﵁ وأرضاه، يعزونه في نفسه، وقد انتهى من الحياة، ولما وضعوه على فراشه وسريره في بيته، تقدم الصحابة يعزونه - اسمع إلى التعازي، اسمع إلى الكلمات الصادقة، وإلى حرارة الإيمان في تعازي الصحابة بعضهم لبعض- يتقدم ابن العباس ﵁ وأرضاه، فيقول: [[السلام عليك يا أمير المؤمنين! فيقاطعه عمر، ويقول: لست للمؤمنين بأمير، إنني أصبحت من أهل الدار الآخرة اليوم، فيقول: السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد أسلمت فكان إسلامك نصراً لله ولرسوله وللمؤمنين، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك عدلاً، فبكى عمر ﵁ وأرضاه من هذه الكلمات، وقال: إليك عني يا ابن عباس! والله لوددت أني أنجو من هذه الدنيا كفافاً لا لي ولا علي]] فانحرف ابن عباس يبكي ﵁ وأرضاه. ثم تقدم علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، فقال: ﴿السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد كنت أسمع رسول الله ﷺ في حياته يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك﴾ فبكى وكأنه ارتاح لهذه الكلمة. ثم قال للناس: أيها الناس! أستودعكم الله وأوصيكم بتقوى الله، وقال وهو في السياق: إني ما أكملت الفجر الصلاة الصلاة، وعيونه تترقرق بالدموع، وأُتي له بلبن فشرب، فخرج اللبن من كبده ومع دمه ﵁ وأرضاه، فقام وأكمل الركعة، وهو يومئ إيماءً، وفي تلك الساعة الحرجة التي ينسى الحبيب حبيبه، والخليل خليله، وينسى الإنسان كل شيء إلا هذه الساعة؛ يتقدم إليه شاب وهذا الشاب مطيل لثوبه يجر إزاره في الأرض، فسلم على عمر ﵁ وأرضاه وقبل رأسه، وقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين! أحسن الله عزاءك في نفسك، فقال عمر: [[يا ابن أخي! ارفع إزارك -يوصيه برفع الإزار وتقصير الثوب في تلك الساعة- يقول: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك، فيقول: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فيقول عمر: بل جزى الله الإسلام عني خير الجزاء]] ثم ينتقل إلى الدار الآخرة. هؤلاء الأعلام لا بد أن نجلس معهم ساعات، ونخلو معهم سويعات ولحظات، ونعطيهم الوقت الغالي من أعمارنا لنعيش معهم؛ لأن الذي يبقى مع الرثاة، ومع الناس الذين نجاورهم ونعيش معهم -ونحن مثلهم- سوف يبقى خامداً هامداً لا يتذكر الموت أبداً، ولا يستعد ولا تتغير حياته، ولا ينقلب له منقلب، ولا يحسن العمل، لأنه يظن أن هذه الحياة أكل وشرب، وأنها جلوس وزيارة، وأنها شهادة ومنصب، وأنها مال وولد، وهذا مغرور والله. فهذا معاذ -وأنتم تعرفون معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه- أتته سكرات الموت مع الفجر، فقال: [[اللهم إني أعوذ بك من صبيحة يوم إلى النار، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لبناية القصور -لكن لماذا تحب الحياة إذاً- قال: لكني والله كنت أحب الحياة لثلاثة خصال: لصيام الهواجر -أي: صيام الأيام الحارة التي تشتد فيها الحرارة- ولقيام الليل -لله دره من عابد وعالم! ما أنبله! وما أحسنه! وما أجمله! حينما عرف الحياة ثم يقول- ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر]] أما غيرها فما كنت أحب الحياة بأمر سوى هذه الثلاث، أما نحن لو سئلنا، لقلنا: كنا نحب الحياة لنزور فلان وعلان، ولنركب السيارة الفاخرة، ونسكن في الشقة الوفيرة، ولنتمتع بالمطاعم والملابس، ولنتقلد المناصب ونجمع الأموال، ولنعتز بالأولاد. هذه حياتنا التي لا تفرق عن حياة البهائم إلا في أننا ننطق ونعرف ونتكلم، لذلك وجب علينا أن نعود إلى السلف لندرس حقيقة الموت، وفلسفة الموت مع السلف الصالح، كيف استعدوا للموت؟ وكيف عاشوا معه؟.

стр. 2404

عمرو بن العاص وسفيان الثوري عند الموت روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه قال: حضرته الوفاة في مصر، وكان والياً على مصر، وفاتح مصر، ومعلم أهل مصر وهو أرطبون العرب، وداهية الإسلام، الذي دوخ ملوك الكفر حتى دخلوا في هذا الدين. حضرته الوفاة، فإذا هو متجرد من دهائه وذكائه، وإذا هو متجرد من منصبه وأمواله وأولاده، ذهب المنصب والمال والأولاد، وإذا هو متجرد من كل شيء إلا من العمل، وكان معه أناس من وزرائه وأولاده وأصحابه، فحول وجهه إلى الحائط وبكى بكاءً طويلاً، فجاء ابنه عبد الله بن عمرو الزاهد العابد، فقال: يا أبتاه! ما لك تبكي -وأراد أن يحسن ظنه بالله يا أبتاه! أما صحبت الرسول ﷺ ، أما ولاك غزوة ذات السلاسل؟ أما مدحك؟ أما صحبت أبا بكر وعمر؟ أما فتحت مصر؟ أما جاهدت؟ أما فعلت؟ فلما طال كلام ابنه عبد الله، وطال بكاء عمرو، التفت عمرو إلى الناس، فقال: أيها الناس! إني عشت حياتي على طباق ثلاث -وسوف أعرضها لكم، وهو في سكرات الموت، يتكلم عن سجل حياته ويعيد لهم التاريخ مرة ثانية من يوم ولد إلى أن يلقى الله في هذه الساعة. اسمع إلى أنبائه وأخباره- يقول: [[إني عشت حياتي على ثلاث طباق كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، وكان أبغض الناس إلي رسول الله ﷺ ، والله لو تمكنت منه لقتلته غيلة، ولو مت على تلك الحالة لكنت من أهل النار، ثم رزقني الله الإسلام، فهاجرت من مكة إلى المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في مسجده، فلما رآني، هش وبش في وجهي بأبي هو وأمي واستقبلني، وقال: حيهلا يا عمرو! قال: فصحبته وأحسنت صحبته، ووالله ما كنت أملأ نظري منه ﷺ حياءً منه، والله لو سألتموني الآن أن أصفه لكم- أي: أصف رسول الله ﷺ لما استطعت، فيا ليتني مت على تلك الحالة، ولو مت على تلك الحالة، لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم تخلفت بعده ﷺ فلعبت بي الدنيا ظهراً لبطن، فوالله ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة فأنا من السعداء، أو يؤمر بي إلى النار فأنا من الأشقياء، لكن ليس معي من العمل إلا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قبض يده على لا إله إلا الله، قال ابنه عبد الله: فأتينا لنغسله، وفتحنا أصابعه، فما استطعنا أن نفتحها وبقيت مضمومة، قال: فأدخلناه في كفنه وأصابعه مضمومة وأدخلناه في قبره وأصابعه مضمومة ﵁ وأرضاه]]. فالعدة كل العدة أن تستعد لهذا المصرع، والحزم كل الحزم أن تحفظ وقتك، وأن تستعد بعمل صالح لهذا المصرع، والذكاء كل الذكاء أن تحفظ هذه السويعات التي تمر بك مرَّ الرياح، أو البرق الخاطف أن تستغلها فيما يقربك من الله. الله الله لا يغتر الإنسان بشبابه وفراغه وصحته، فإن الله إذا أخذ؛ فإنه يأخذ أخذ عزيز مقتدر، وأنتم رأيتموهم ورأيناهم، شباب مترفون أقوياء مصطحون منعمون أهل أموال وثروة خرجوا من بيوت أهلهم، وما ودعوا أمهاتهم، ولا آباءهم، وعادوا أمواتاً وجثثاً هامدةً حتى ما استطاعوا أن يقولوا: السلام عليكم أيها الأهل والجيران، وإلى اللقاء، ما استطاعوا أن يقولوا: وداعاً وعادوا وقد انتهوا من هذه الحياة. فالله الله لا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور! أعدوا ما استطعتم من العمل الصالح، فهذه الدقائق تقول لك: إن الموت قد حصل. دقات قلب المرء قائلةً له إن الحياة دقائق وثوان وكان سفيان الثوري ﵀ إذا جلس مع الناس، يجلس قليلاً، وهو يسبح، ثم ينتفض، وإذا هو واقف، فيقولون له: ما لك يا أبا سعيد؟ قال: والله ذكرت الموت. وإذا أردتم ترجمة سفيان فعليكم بـ" حلية الأولياء " لـ أبي نعيم، اقرءوا كيف كانوا، وكيف كانوا يتذكرون الموت، وكيف يعدون له، كان يتذكر الموت وهو في مجلس الحديث، فيقطع التحديث، والفتوى، والموعظة، ويبكي حتى يقولون: كأنه يصرع من البكاء، ثم يقول بأبيات الصلتان السعدي: أشاب الصغير وأفنى الكبير كرُّ الغداة ومرُّ العشي إذا ليلةٌ حرمت يومها أتى بعد ذلك يومٌ فتي نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجةً ما بقي يسألونه ويقولون: يا أبا سعيد! ما حكم كذا وكذا؟ فيقول: والله! ما أدري ماذا تقول أيها السائل، قال: كيف لا تدري وأنا أتكلم بالعربية؟ قال: والله! لقد أنساني الموت كل شيء. ولذلك يقول الذهبي: كان سبب موت سفيان الثوري أنه ذكر الموت فتفتت كبده حتى عرض ماؤه على الطبيب، قال: هذا الرجل لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. فهذا رجل فتت ذكر الموت كبده، قرأ سورة "ألهاكم التكاثر" بعد صلاة العشاء، فبقي يرددها ويبكي حتى الصباح، كان يبكي أهله وجيرانه من بكائه ﵁ وأرضاه، لأنه علم علم اليقين. يقول الله : ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] لأن علمنا الآن في الآخرة علم ظني ليس علم يقين، ندري أنا سوف نموت، وندفن الأجداد والآباء والأمهات والإخوان، لكنه علم ظني وعلم نظري، ما تعمق في قلوبنا، وإلا لو تعمق في قلوبنا لكنا أقبلنا على الله، وتجردنا إلى الله وأتينا بهمة وعزيمة إلى الله، وحفظنا أوقاتنا مع الله، لكنه علم نظري، فنحن نعرف أننا مسلمون، وأننا سوف نموت، ويقولون: هذه حياة، والله غفور رحيم، وهذه كلمات جوفاء، وهذه كلمات أصدرتها البلادة، وأصدرتها عدم المبالاة مع الله ، وإلا لو ذكرنا الموت لكانت حياتنا غير هذه الحياة. فالله الله يا إخوتي في ذكر الموت دائماً وأبداً. ميمون بن مهران الزاهد العابد التابعي حفر قبراً في حضيرته -بجانب داره- وسواه، وجعل فيه صفائح. فدخل القبر وجعل يقرأ أجزاءً من القرآن، وبكى بكاءً طويلاً، ثم يعود ويخرج من القبر، ويقول: يا ميمون! خرجت من القبر، فاعمل عملاً صالحاً. وبعضهم كان يأخذ كفناً ويفصله ويعلقه في سقف بيته، كلما أصبح نظر إلى الكفن وبكى، وقال: أواه! ولذلك من حسن الإنسان وذكائه أن يذكر الموت.

стр. 2405

أسباب تذكر الموت ومن أسباب تذكر الموت أمور سوف ألخصها لكم في ثلاثة أسباب، وفي ثلاثة أمور:

стр. 2406

زيارة القبور أن تزور القبور، وأن تكثر من زيارة القبور، فلا تلهيك الأسواق والمعارض والقصور والدور والحفلات، والأشجار والحدائق عن زيارة القبور، اجعل من هذه العشر الزيارات للحدائق والقصور اجعل زيارة واحدة للقبور، ثم قف قليلاً وتذكر أين زملاؤك الذين عاشوا معك؟ أين الذين عرفتهم وعرفوك؟ أين الذين ضاحكتهم وضاحكوك؟ والذين آنستهم وآنسوك وزرتهم وزاروك؟ أين هم؟ وماذا فعلوا؟ وهذا عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الخليفة الزاهد صلى العيد بالناس -وكان خليفة لاثنتي وعشرين دولة من دول الإسلام، من سمرقند شرقاً إلى طنجة غرباً، ومن طاشقند شمالاً إلى إفريقيا جنوباً، وهو الخليفة الوحيد في هذه المعمورة- صلى العيد بالناس وخرج ﵁ وأرضاه، فلما مر بالمقبرة، وقف وبكى بكاءً طويلاً، ثم قال: يا أيها الناس! هذه قبور الأحبة من بني أمية، هذه قبور آبائي وأجدادي وإخواني وجيراني، هذه قبور أصدقائي أتدرون ماذا فعل بهم الموت؟، ثم بكى، فقال الناس: ماذا فعل يا أمير المؤمنين؟ قال: يقول يا عمر! إنني فقأت الحدقتين، وأكلت العينين -أي: الموت- وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكتفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين، وفصلت كل شيء على حدة، ثم بكى فبكى الناس جميعاً البار والفاجر. وهذه المواعظ التي تقف عندها تعطيك دروساً لا تنساها أبداً، فتقف عند المقبرة، ولو في الأسبوع مرة واحدة لعشر دقائق تتذكر أباك وجدك وعمك وخالك وأمك وجدتك، تتذكر من صرعوا في هذا المصرع، هل تميز قبر غني من فقير؟ هل تميز قبر ملك من مملوك؟ أين ذهبوا؟ لا بد أن تقف هذه الوقفات، وأن تخصص هذه الزيارات.

стр. 2407

قراءة القرآن وتدبره أن تقرأ كتاب الله بتدبر، وتخلو بنفسك، فتتباكى إذا لم تبك، وإذا لم تجد دموعك وقحطت عيناك، فحاول أن تعصر نفسك وأن تتباكى، يقول عمر: إذا لم تبكوا فتباكوا، يعني: تشارك فقط في البكاء عل الله أن يرحمك ويرزقك عينين هطالتين بالدموع، لأن الله حرم على النار عيناً بكت من خشية الله وعيناً باتت تحرس في سبيل الله، فقف وخذ المصحف واقرأ سورة (ق) أو (النجم) أو (الواقعة) أو (الرحمن) فهذه السور التي تنصبُّ آياتها كأنها قذائف على الإنسان، اقرأ وقف قليلاً وتدبر عل الله أن يرزقك إنابة، وأن يعيدك إليه ﵎.

стр. 2408

صحبة الصالحين والأخيار صحبة الصالحين: وقد كانوا إذا عدوا قليلاً وقد صاروا أقل من القليل لا تجلس مع بعض الناس، أو مع بعض الزملاء الذين يبعدونك عن الله، فأنت تريد أن تقرب من الله وهم يبعدونك عنه أميالاً، تريد أن تقترب من الجنة، فيقربونك من النار، تريد أن تقترب من الهداية، فيأخذونك إلى الغواية. فعليك أن تجلس مع الصالحين، وعند الجلوس مع الصالحين تتنزل الرحمات من السماء، وتحفك السكينة، ويغشاك الله بفيض من رحمته، ويذكرك الله فيمن عنده. ولذلك تمر الملائكة، ثم يصعدون إلى الله، فيقولون: ﴿يا ربنا! جلس أولئك القوم يذكرونك وفيهم فلان ليس منهم، قال الله : اغفروا لهم جميعاً، وله فاغفروا، قالوا: إنه ليس منهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾. فمثل هؤلاء يرحمك الله برحمتهم، ولو كنت بعيداً عنهم، ويدخلك الله معهم. الرسول ﷺ كان يلقي خطبة في مسجده الميمون المبارك، والناس كلهم آذان صاغية لسماع خطبته، وفي أثناء الخطبة يدخل أعرابي فيقطع الحديث على الرسول ﷺ ، ويقول: ﴿يا رسول الله! متى تقوم الساعة؟ -فلم يقطع ﷺ خطبته، بل استمر في كلامه كالسيل المنحدر- فلما انتهى، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: ما أعددت للساعة؟ -يعني: العمل ليس أن تسأل عن الساعة ومتى تقوم، وما يهمك أن يدمر العالم، إذا كان موتك بعد لحظات، أو أسابيع، أو سنوات، ما يهمك أن تقوم الساعة، فإذا مت فقد قامت ساعتك- قال: فماذا أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها من كثير عمل، ولا صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا عمرة، لكني أحب الصالحين، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت، قال أنس ﵁ وأرضاه -راوي الحديث- فوالله ما فرحنا بكلمة سمعناها من رسول الله ﷺ فرحنا بهذه الكلمة، فنحن نحب رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، ولو لم نعمل بعملهم﴾. فالله الله في الجلوس مع الصالحين، والابتعاد عن الفسقة، والمردة، والمتهاونين بهذا الدين، والمتهاونين بالوقت والحياة، ابتعدوا عنهم الجهد، وانفروا عنهم، ولو كانوا الإخوة الأشقاء من الأم والأب. يقول الشافعي ﵀: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة ثم يرد عليه الإمام أحمد، فيقول: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم كم تلقينا الشفاعة فأحب الصالحين، واجلس مع الصالحين، وعليك بهذه الأسباب، وتقرب إلى الله بما استطعت من النوافل، لأننا أصبحنا قوماً كما يقول محمد إقبال: علفنا الأكل. كان السلف الصالح علفهم الذكر، على مفهوم فلسفة محمد إقبال، وكان قربتهم إلى الله وموائدهم القرآن, والصيام والصلاة وأصبحنا الآن نعتلف, علفنا الموائد الشهية، أكل وشرب وضحك وزيارات، إنهاء للوقت، وضياع للمعلومات وللصالحات، فهذه حياته. ولذلك قلّ من تراه من المسلمين من يصلي ركعتي الضحى التي هي ركعة الأوابين، والتي تعادل ثلاثمائة وستين حسنة، والتي ينظر الله إليهم في الضحى، وهم يتململون في الضحى والناس في أعمالهم ومشاغلهم، فيغفر الله لهم. وقل من تراه منا يقوم في آخر الليل ساعة السحر حينما يخلو الله بأحبابه، وبالخواص من عباده فيناجيهم ويناجونه، ويدعونه ويستغفرونه. وقل من تراه يتوضأ ويصلي ركعتين. وقل من تراه يختم القرآن، ويتعاهد القرآن كل أسبوع، أو على الأقل كل شهر. وقل من تراه يزور المقابر ويجلس مع الصالحين في كتب التراجم والأولياء ويزور الصالحين ويستزيدهم إنما نشكو حالنا إلى الله . نسأله أن يبدل حالنا بأحسن منها، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يتولانا فيمن تولى، وأن يحلينا بالإيمان وبحلية اليقين والإحسان، وأن يذكرنا المصير المحتوم، وأن يجعلنا ممن يستعد له الاستعداد الطيب، وأن يحفظ علينا أوقاتنا وأعمارنا وحياتنا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2409

أروع يوم في حياة مجاهد إن حديث كعب بن مالك هو من الأحاديث الطوال التي تمتزج فيها العاطفة بالمعاناة، مثله في ذلك مثل حديث أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك. وهو يشكل صورة حية متكاملة للمجتمع المسلم حال تنزل القرآن، ويكشف عن التغيير العميق والنقلة الهائلة التي أحدثها القرآن الكريم في تلك الثلة المختارة، والتي يعتمل في نفسوها ما يعتمل في نفوس البشر غير أن الله تكرم عليها بعنايته، وسددها بكلماته، وزكاها بتربية نبيه، فكانت قمة سامقة على مدار التاريخ.

стр. 2410

غزوة تبوك إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الأبرار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. معنا في هذه الليلة حديث، اتفق الشيخان: البخاري ومسلم على إخراجه، وهو من أطول الأحاديث عند البخاري ومسلم، وهو حديث يبكي العين والقلب، ويفرح العين والقلب، هو حديث توبة، وحديث بشرى ومأساة، حديث ذنب، وانكسار العبد عند الله ، هذا الحديث طويل، وفيه من الحكم ما يربو على مائة حكمة أو مائة فائدة. وهو حديث كعب بن مالك يوم تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك ويروي الحديث بنفسه، وهذا الحديث شرحه الحفاظ، وأعظم من شرحه ابن حجر ﵀. غزوة تبوك -كما تعرفون- كانت من أواخر الغزوات في حياته ﷺ ، سمع أن الروم يريدون الإجهاز على الجزيرة العربية، فجهز ﵊ جيشاً قوامه اثني عشر ألفاً، وقيل: عشرة آلاف، والأول الصحيح، ولما تهيأ الناس للغزوة، كانوا في شدة الحر، وقد طابت الثمار، ودنت الظلال، وعكف الناس على زروعهم وعلى ثمارهم، وهم في مجاعة لا يعلمها إلا الله ، حينها يمحص الله أهل الإيمان بإيمانهم، ويدحض أهل النفاق بنفاقهم. والرسول ﵊، كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها؛ ليكتم خبره عن الناس، فكان إذا أراد مكة قال: كيف طريق غطفان في نجد، وكيف ماء غطفان، ليظهر للناس أنه يريد تجاه نجد وهو يريد مكة، ليعمي خبره على الناس، والحرب خدعة، إلا معركة تبوك، فأعلنها ﷺ إعلاناً عاماً في الناس، ليتجهز الناس، ووقف ﵊ بعد أن أعلن أنه متهيئ، وأنه يريد تبوك قام المنافقون يعتذرون. يأتيه الجد بن قيس الذي طبع الله على قلبه بالنفاق، من أغنياء المدينة، يقول: يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني قال: ولِمَ؟ قال: أنا رجل إذا رأيت بنات بني الأصفر -أي: بنات الروم- أفتتن، فأنا لا أريد الخروج، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. فر من الموت وفي الموت وقع، فر من فتنة ظنية كذب فيها، ولكنه وقع في فتنة النار التي تلظى، وأتوا يعتذرون بالحيل، فعذرهم ﷺ . ووقف ﵊ في يوم الجمعة وخطب خطبة ما سمع الناس بمثلها ألهب فيها الحماس، ورفع فيها الإخلاص، ودعا إلى التبرع وتجهيز هذه الغزوة، وكان الجيش ضخم لا يستطاع أن يجهز بمال قليل، فقال: ﴿من يجهز الجيش وله الجنة؟ فتوقف الناس فأعاد، فتوقف الناس فأعاد، وتوقف الناس فأعاد، فقام عثمان ﵁ وأرضاه، فقال: أنا أجهز الجيش يا رسول الله!﴾ بسلاحه، وبدوابه، وبرواحله في سبيل الله، فدمعت عيناه ﷺ . تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وقال: ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾ يد بيضاء لا تنسى عند الواحد الأحد، يوم لا تضيع الودائع عنده ﵎، ثم نزل ﵊ فتهيأ وسار الجيش.

стр. 2411

تخلف كعب بن مالك أما صاحبنا هذه الليلة فهو: كعب بن مالك الأنصاري ﵁، الشاعر المشهور، فلم يكن له حظ لأن القضاء الكوني والقدر كتب عليه ألاَّ يرافق الناس، والعبد يبحث ويكتسب ويتسبب لكن ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥]. يقول كعب: والله ما كنت أيسر منها في غزوة من الغزوات، ووالله ما كنت أريح نفساً من تلك الأيام، قال: ولم تفتني غزوة من الغزوات إلا غزوة بدر، فإنها فاتتني؛ لأن النبي ﷺ لم يتهيأ لها، وإنما خرج على عجالة، يريد مبادرة كفار مكة، وعذر من تخلف ﵊ عن غزوة بدر، أما غزوة تبوك فلم يعذر أحداً ﵊؛ لأن الإعلان كان من قبل شهر، والخبر سرى في الجزيرة العربية، والجيش ما خفي أمره على الناس. قال: شهدت بيعة العقبة، وهي في نفسي أرفع من غزوة بدر، ولو كانت بدر أذكر في الناس. قال فخرج ﷺ بالجيش: قال: وتلبثت قلت: أتهيأ اليوم، أتهيأ غداً، أتهيأ بعد غدٍ، حتى تفارط الغزو، وخرج الناس بجيشهم، فلما أصبحوا على مسيرة ثلاثة أيام؛ أردت أن أتهيأ ودخلت على زَوْجَتَّي -وكان له زوجتان- وقد فرشتا لي في العريشين، وهما في المزرعة، مزرعة متدلية الأغصان من الفواكه والرطب والظلال والماء البارد، والرسول ﷺ في الصحراء. ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد بنا ولا أن تسروا كاشحاً فينا ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع وهل من الحب أن تترك خليلك في الرمضاء وأنت في الظلال الوارفة؟ قال: فوقفت حزيناً على الباب، ثم عدت لأتجهز، فتفارط الغزو ولم أتمكن من اللحاق بهم -حكمة الله وقدرته فلم يذكرني ﷺ حتى اقترب من تبوك. ولما اقترب ﷺ نزل هناك في تبوك، وأخذ يتفقد أصحابه، ولم يكن هناك ديوان -لم تكن الأسماء مسجلة- وإنما يعرف رسول ﷺ وجوه الناس والمهاجرين والأنصار، ومن هم من طلبة العلم، ومن المجاهدين الأخيار والأبرار، الذين عرّفوا بأنفسهم في الصفوف الأولى؛ لأن بعض الناس يعرفه الناس بمناقبه في الإسلام، بصلاته بصيامه، بصدقه مع الله، أما بعض الناس لا يذكر لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 2412

أبو ذر ﵁ يلحق بالنبي ﷺ في غزوة تبوك قال: فجلس ﵊، وكان مجلسه عند تبوك قال: من تخلف؟ قالوا: كعب بن مالك، قال: ومن؟ قالوا: فلان وفلان وعدوا رجالاً، فجلس ﵊ ساكتاً، وإذا برجل يقتلع خطاه من الصحراء، أعياه جمله، ضرب الجمل وحاول أن يمضي مع الجمل فما استطاع، فأخذ متاعه وجعله على كتفه، وأتى يقتلع أقدامه من الصحراء في حرارة الشمس التي يكافؤه الله بها بظلال الجنة. فقال ﵊: ﴿كن أبا ذر، اللهم اجعله أبا ذر﴾ فاقترب الرجل، وكان كالصقر في آخر الصحراء، وكلما اقترب كبر هذا الجسم، حتى اقترب وقال الناس: أبو ذر، فقال ﵊ وأبو ذر وما يزال بعيداً: ﴿رحمك الله يا أبا ذر، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك﴾ وعاش وحده ﵁، فإنه في آخر حياته أخذ زهابه -شملة- وعصا وصحفه -هذا تراثه من الدنيا جميعاً- وعاش وحده: دولتي جعبتي وكنزي يقيني فإذا ما وصلت فالكل ينسى لاطفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى وحسى أركبوني نزلت أركب عزماً أنزلوني ركبت في الحق نفسا خرج إلى الربذة ﵁، وأقام يرعى الماعز، من أكبر صحابة النبي ﷺ صدقاً وإخلاصاً وتضحية، حتى يقول الذهبي في بعض الآثار: إنه يحشر يوم القيامة مع عيسى بن مريم. من أزهد الناس، كان يجلس في الصحراء ليسلم عليه دينه ولما رأى القصور بدأت في عصر التابعين تشمخر في المدينة، ورأى الحدائق، والأنهار كان يقوم بعصاه في المجامع العامة، ويقول: ما هذه الدنيا؟ نحن جئنا لإنقاذ الناس وإخراجهم من الظلام إلى النور، وهذه تعطلكم عن الآخرة، إن وراءنا عقبة كئودة يا عباد الله! ويصيح ولكن في أذن من؟ جاءت الدولة الأموية، ورأت فارس والروم، ورأت القصور والأرائك والطنافس والكنبات -كما حدث فينا الآن- فأكلوا وشربوا وتمتعوا، فضاع قيام الليل، وضاعت حلقات الذكر، والأمة إذا استرخت مع الرفاهية ومع النعمة، وأصبحت أمة ملاعق وصحون وبطون، تنسى الله إلا من رحم الله.

стр. 2413

الشاهد من قصة كعب الشاهد: أن رسول الله ﷺ قال: ما فعل كعب بن مالك؟ فقام رجل بينه وبين كعب بعض الحزازات ليشهد. وبعض الناس لا يدعى ولا يستشهد، لكن يدلي بشهادته قبل أن يستشهد، حتى إذا ذكر بعض الأخيار في بعض المجالس، ترى بعض الأعداء كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] قال ابن تيمية: هادياً يهديه، وناصراً ينصره، فالهادي بصيرة، والنصر إما شيخ أو سلطان، والله يجعل للأولياء إما هدى بصيرة، وإما سلطان يدفع عنهم، وكفى بسلطان الله من سلطان. فترى إذا ذكر بعض الأخيار وبعض الذين لهم قدم صدق، ينبري لهم من يتنقصهم في المجالس، ويتهكم بهم في نقاط الضعف التي لا يخلو منها البشر، وينسى حسناتهم التي كالجبال، قام الرجل فقال: يا رسول الله! ألهى كعب بن مالك نظره إلى برديه، واشتغاله في أهله. وقام معاذ بن جبل الداعية الإمام، الذي يتقدم يوم القيامة قبل العلماء برتوة ويدخل الجنة، قائد العلماء إلى الجنة، قام يدافع عن الرجل، وإذا لم يدافع المؤمنون بعضهم عن بعض، يدافع عنهم ربهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج:٣٨] قال: يا رسول الله! والله ما علمت في كعب إلا خيراً، وأثنى عليه. وانتهى ﷺ من الغزوة. قال كعب يروي القصة والمأساة، مأساة وجرح في حياته لا ينساه، لكن ضمدته التوبة، وداواه بلسم السماح من الله ؛ فإذا رضي الله فما عليك ممن غضب وممن شرق أو غرب: فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب رغم أنوف الناس إن غضبوا إذا رضي الله عليك ، وأنت لا تطلب رضا الناس فإن عند ابن خزيمة وأصل الحديث عند أبي داود، يقول ﵊: ﴿من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله، ﵁ وأرضى عنه الناس﴾.

стр. 2414

رجوع النبي ﷺ قال كعب: فلما أقبل ﵊ قافلاً إلى المدينة حضرني بثي وحزني، وتذكرت كل حجة أخرج بها بين يدي رسول الله ﷺ ! ماذا يقول؟ يقول: كنت مريضاً فيكذب على الله! يقول: كنت مسافراً وهو موجود! يقول: انكسرت رجلي وهي ما انكسرت! يقول: أنا شيخ وهو شاب! يقول: أنا فقير وهو من أغنى أهل المدينة! قال: فحضرني بثي وحزني، والبث أشد الحزن، يقول يعقوب ﵇: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [يوسف:٨٦] قال بعض العلماء -ينسبه إلى الرسول ﷺ : لو علم يعقوب بقوله : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة:١٥٦] لقال هذه الكلمة وما قال: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) [يوسف:٨٤] ولم يقل إنما أشكو بثي، وإنما قال: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة:١٥٦]. قال: وأخذت أستشير كل ذي رأي من أهلي. يذهب إلى أعمامه فيقول: ماذا أقول؟ الرسول ﷺ سوف يقدم إلى المدينة، وسوف يسألني لماذا تأخرت؟ وبين يدي مَن؟ بين يدي ذي نقمات قوله القيل. حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قوله القيل الذي يعلمه الله علم الغيب، يعلم الكذب من الصدق ﵊، قال: فأخذت قرابتي، بماذا أخرج به بين يديه ﷺ . يذهب إلى عمه فيستشيره، إلى أخيه إلى قرابته. قال: فلما قدم ﵊ المدينة، دخل الموكب الكريم، والوجه الطلق، الذي أحيا الله به المدينة المنورة، فأصبحت لؤلؤة في جبين التاريخ، استفاقت على صباح جديد، ملأ آذانها أذان بلال. المدينة التي كانت تئن بالأوثان والأصنام، استفاقت بلا إله إلا الله.

стр. 2415

استقبال الناس للنبي ﷺ الصحيح عند كثير من أهل السير والمحدثين أن الأطفال والجواري استقبلوا الرسول ﷺ بقولهم: (طلع البدر علينا) يوم أتى من تبوك لا من الهجرة، وبعضهم يرجح ذلك ويميل إلى هذا. وكان إذا أقبل ﷺ إلى المدينة أسرع السير ﵊، وقال للناس: ﴿إني متعجل، فمن شاء منكم أن يتعجل فمعي، ومن شاء أن يتأخر﴾ يسمحهم لأنه القائد الأعلى، وأخذ يقول: ﴿آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون﴾ وسمعت المدينة، فخرجت بأطفالها وفلذات أكبادها، والجواري على أطراف السكك والطرقات، يستقبلون معلم الخير، الأب الحاني، المربي الكبير، الذي جعله الله رحمة لكل إنسان. حتى الكافر هو رحمة له، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:١٠٧] (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال:٣٣] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:١٢٨] وانطلقت الهتافات: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع وأخذ ﷺ يستقبل الأطفال، وتسابق الحسن وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير إلى ناقته ﵊، فجعل أحدهم أمامه والاثنين خلفه، تركوا آباءهم، وأتوا إلى أبيهم الحقيقي المعلم الأكبر ﷺ . يقول كعب: فلما أفل إلى المدينة زاح عني الباطل، والحجج والحيل التي لا تنفع، أي: تلاشت، لم يبق إلا الصدق قال: فأجمعت صدقه. يقول: قلت في نفسي لا يمكن أن أخرج إلا بكلمة صادقة، قال: فكان ﵊ يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه إذا دخل ضحى، قال فبدأ ﵊ بالمسجد. ترك أهله ليستقبل بيت الله ، وليتفاءل بركعتين تقربه إلى الحق، وهو أقرب الناس إليه ، فدخل ﵊، ونزل وخلع السلاح عنه، وصلى ركعتين، ودخل البواسل من جنود أبطال الإسلام، أهل الفتوح، الذين تركوا اسم الله مرفوعاً بسيوفهم: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم مناراً فصلى ﵊ وأخذ الناس يسلمون عليه، والمنافقون الذين تخلفوا ما يقارب الثمانين منافقاً، لكن الثلاثة صادقون الذين خلفوا، جلس ﵊، هذا يسلم ويذهب قال كعب بن مالك: فتقدم المنافقون فاعتذروا، فعذرهم ﷺ ، فيقول هذا: أنا مرضت يا رسول الله، ويأتي الآخر ويقول: أصابني زكام وقت الغزوة، فيقول له: اذهب وذاك يفعل، وكلها كذب، حتى يقول الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]. يقول : لماذا لم تصبر قليلاً؟ فقال الله: عفا الله عنك، حتى يطمئن الرسول ﷺ . ثم إذا سكت القارئ وقال: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] علم النبي عتاب الله له، وعلم أن الله قد عفا عنه؛ لذا قدم العفو على العتاب حتى لا يخاف ﵊، لكن تلطَّف الله وروَّح عن رسوله ﷺ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]. لكن أذن لهم ﷺ ، فهو معفو عنه، فلما أذن لهم خرجوا يتضاحكون، فأهل الباطل يفرحون بباطلهم، يكذبون ويفرحون، فيقولون لأسرهم وعشائرهم: ألا ترون إلى جدلنا وإلى قوة حجتنا، خرجنا من بين يديه، اعتذرنا بكذب وصدقنا.

стр. 2416

دخول كعب على النبي ﷺ أتى كعب بن مالك ووضع يده بكف المصطفى ﵊ قال: فتبسم ﵊، تبسم المغضب. وما رأيك بسيد الخلق ﵊ تجلس أمامه ويتبسم تبسم المغضب. ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم قال: يا كعب! أما ابتعت ظهرك؟ قال كعب: يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو، لو جلست عند أحد من أهل الدنيا غيرك لاستطعت أن أخرج من بين يديه بحجة، إني شاعر وقد أوتيت جدلاً. وكان كعب بن مالك من أفصح الناس على الإطلاق، بل هو من شعراء الدعوة المطاليق المناطيق المصاقيع. قال: يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو، لو جلست عند أحد من أهل الدنيا لاستطعت أن أخرج من بين يديه بحجة إني رجل شاعر وقد أوتيت جدلاً، لكن والله الذي لا إله إلا هو يا رسول الله! لقد علمت لو أني كذبتك الآن؛ ليوشكن الله أن يغضبك، ثم يغضب الله عليَّ، وإن صدقت اليوم على شيء تجده عليَّ، إني أرجو من الله أن يرضيك عني. والله يا رسول -اسمع العذر- ما كان لي من عذر، والله ما كنت أكثر مالاً وأكثر قوة مني حين تخلفت، فما لي من عذر. ثم أتى صاحبه الثاني والثالث فاعتذرا كعذره، فقال: قوموا. قال: فلقيني بنو سلمة -أسرته وقبيلته- عند الباب فقالوا: ما لك ما استطعت أن تعتذر، والله ما رأينا أهون منك اليوم. قال: فوالله ما زالوا بي حتى كدت أرجع فأكذب نفسي، وهؤلاء بعض الجلساء يوشون الإنسان ويحدثونه عن نفسه حتى ينسوه الله . قال: فثبتني الله فما عدت، قلت: لا. قد صدقت رسول الله ﷺ وأرجو أن يرضيه الله عني، وأن يرضى الله عني، قلت: هل تخلف معي أحد من الناس كان عذره كعذري؟ قالوا: نعم. قلت: من؟ قالوا: هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري. قال: فذكروا لي رجلين من أهل بدر، وكلمة أهل بدر هي عند الزهري، قال ابن القيم ﵀: وهما لم يحضرا بدراً لكن أوردتها لأنها في الصحيحين، والصحيح أنهما لم يحضرا بدراً لكنهما من أفضل الناس، ذاك شيخ عابد كبير زاهد، وهذا شاب يتقطع حرارة لنصرة لا إله إلا الله. قال: فذكرا لي رجلين صالحين لي بهما أسوة، وذلك مما يسلي في المصائب على الإنسان؛ أن يكون له شركاء، حتى يقول ابن القيم: إن مما يسهل المصائب رؤية المصائب في الدنيا، ففي كل واد بنو سعد. أي: ما من إنسان إلا دخلت على قلبه وعلى بيته مصيبة، في جسمه أو في عرضه أو في دينه أو في كل شيء. سبب هذا المثل: (في كل واد بنو سعد): أن رجلاً من العرب من هوازن، ذهب يبحث عن جملٍ له، فكلما نزل وادياً قال: من القوم؟ قالوا: بنو سعد، فنزل في الوادي الآخر فقالوا: بنو سعد، والآخر قالوا: بنو سعد، قال: في كل وادٍ بنو سعد. فيقول ابن القيم: في كل واد بنو سعد من المصائب. والخنساء يوم بكت صخراً بكته حتى خيف عليها الموت، فوعظتها عائشة ﵂، فقالت: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكين مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تقول: مما يسهل عليَّ المصيبة، أني أرى عجائز يبكين على أولادهن، ولكن لا يبكين مثل أخي، لكن التأسي لا بأس به. قال: فذكرا لي رجلين لي بهما أسوة وقدوة، قال: فأقامنا ﷺ حتى يقضي الله في أمرنا. ولم يبت فيهم ﷺ ، وبتَّ في الأولين، وأما هؤلاء أرجع أمرهم إلى الله من فوق سبع سماوات.

стр. 2417

الأمر بهجر المتخلفين كان أول مرسوم اتخذه ﷺ تجاههم؛ ألا يكلمهم الناس ولا يبايعونهم ولا يشارونهم، ولا يواصونهم، مقاطعة وحضر عام، انظر ما أعظم المصيبة والكارثة! إنسان يعيش في المدينة بين المهاجرين والأنصار، بين الأطفال والأحبة، يصلي مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والسادات والأجلة، وبين عشية وضحاها يؤمر هؤلاء جميعاً ألا يكلمه حتى القرابة، إخوانه ممنوعون من الكلام، والسلام، والزيارة، والمواصلة، مقاطعة في ذات الله ، هؤلاء عصاة، ولذلك يبوب البخاري باب: مجافاة أهل المعصية، فوقفوا في بيوتهم وكما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨] يقول كعب بن مالك: والله إن الأرض التي كنت أراها ما كانت الأرض التي أعرفها، النخل ليس بالنخل. ولذلك الحزن والمصائب تغير الأنظار، وتجدد تغير الطبيعة في عينك إذا أصابتك كارثة، قال: فقاطعنا الناس، نسلم فلا يردون ولا يسلمون علينا، ونبتاع فلا يبيعون، يأتي إلى الرجل في السوق يقول: أريد هذا السمن فلا يكلمه الرجل، يحمل السمن يسحب السمن من يده؛ لأن الرسول ﵊ إذا قال كلمة معنى ذلك أن الدنيا سوف تتوقف وتصغي. وكعب بن مالك بن زهير الشاعر هجا الرسول ﵊ بثلاثة أبيات أو أربعة، فقال ﵊ لقبائل العرب: ﴿من وجد منكم كعب بن مالك بن زهير فليقتله﴾ فأصبح يمشي في الليل، وينام في النهار، ضاقت عليه الدنيا أين يذهب؟ لا كهف يأوي إليه ولا قبيلة تنصره، كل القبائل ممنوع أن تحمي هذا الرجل. وفي الأخير نظم قصيدة، ودخل على أبي بكر في بيته قال: يا أبا بكر! ضاقت عليّ الدنيا بما رحبت، وأخرج أصابعه حتى أظفاره لم يقلمها، وأراه جوعه وهزاله ومرضه وضعفه، فماذا ترى؟ قال أبو بكر وكان رجلاً حصيفاً عاقلاً- أعندك أبيات؟ والعرب كانت تتوسل بالأبيات في العظماء. قال: نعم. قال: إذا صلى الرسول ﷺ الفجر فألقها عليه، فصلى الرسول ﷺ الفجر، فتقدم كعب، فأتى بتلك القصيدة كأنها انتزعت من قلبه. يقول: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول إلى أن يقول: نُبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول انظر ما أحسن الكلام: مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت في الأقاويل ثم وصف حالته في الصحراء يقول: لقد أقوم مقاماً لو يقوم به يرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لأن قلب الفيل مثل الحجر يقول: من خوفك وتهديدك لي والله لو كان الفيل مكاني لانهار الفيل فكيف بي أنا، حتى قال: حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قيله القيل فالمقصود: أن الرسول ﷺ إذا قال قولاً انتهى الأمر، ويأتي كعب بن مالك، يسلم على أقاربه فلا يسلمون عليه ولا يكلمونه، وأصبح في عزلة، وفي الأخير قال: تسورت الحائط على ابن عمي أبي قتادة، أبو قتادة ابن عمه، فارس الإسلام، فارس رسول الله ﷺ ؛ لأن الباب مغلق، لو طرق الباب لا يفتح أبو قتادة يقول: من؟ قال: كعب بن مالك، قال: لا. في الأخير اقتحم المنزل من على السور، قال: فلما تسورت عليه الدار دخلت عليه، وقلت: يا بن عمي! هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فما أجابني، قلت: أسألك بالله أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فما أجابني، قلت: أسألك بالله أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم. حتى الجواب ضعيف، ولم يأتِ إلا في آخر لحظة، وليس جواباً شافياً، قال: فدمعت عيناي وتسورت الحائط وعدت.

стр. 2418

البلاء يزداد على المتخلفين قال كعب: فخرجت إلى سوق المدينة -خرج متفرجاً، وإلا لا يبايع أحداً ولا يشاري أحدا، ً ولا يكلمه أحد، ولا يسلم عليه أحد- وبينما أنا أدور في السوق، وإذا أنا بنبطي أتى من الشام -حادثة من الحدائث، ومصيبة من المصائب وتتجمع بعض المصائب على بعض الناس في فترة واحدة- قال: وإذا هو بورقة بيده يقول: أين كعب بن مالك؟ والناس لا يتكلمون مع كعب ولكن يقولون: انظر إليه هناك. قال: فأخذ الناس يشيرون إليَّ، فأتى وأعطاني رسالة، قال: وكنت قارئاً وكان وقليل من الصحابة من يقرأ، أمة أمية، لكن قلوبهم تقرأ؛ لأن بعض الناس يقرأ ويصدح، ولكن ليس له قلب، العين هي التي تقرأ والعين هي التي تتعلم، أما القلب فلا تعلم قال الله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فليست المسألة مسألة الثقافة، بعضهم معه سبع لغات ويدخل النار من سبعة أبواب. يقول: كنت قارئاً ففتحت الرسالة فقرأتها، فإذا هي من ملك غسان -في الشام ملك من ملوك الدنيا، لم يجد فرصة يدخل بها إلا في هذه الأزمة- فقرأ الرسالة فإذا فيها: إلى كعب بن مالك من ملك غسان، إني سمعت أن صاحبك جفاك -قاطعك- ولم يجعلك الله بدار هوان- انظر ما أحسن ذاك، وسيرة ذاك، وخلق ذاك المنافق الكبير -فالحق بنا نواسك. الحق بنا نسعدك ونعطك من المال وتتكلم معنا، وتزورنا ونزورك، أما هذا الحال فما يصلح، يدخل من نقاط الضعف، وكان كعب رجلاً مؤمناً بالله ورسوله واليوم والآخر قال: قلت وهذه أيضاً من البلاء، قال: فتيممت بها التنور فسجرتها -أحرقها في التنور في النار- قال: وكنت أصلي مع المسلمين، وكنت أجلد القوم، أما الرجلان الآخران فانهارا من كثرة البكاء، يقوم أحدهم يصلي في المسجد، وعظامه تتخاذل لا يستطيع، فانهار في البيت. هذه المسألة ليست بالسهلة، تصور أن الرسول ﷺ تعيش معه أو يعيش معك، ثم يقول: يا أيها الناس -في يوم الجمعة- لا تكلموا فلان ابن فلان ولا تسلموا عليه، ولا تزوروه ولا تبايعوه، ولا تشاروه، ولا تشاوروه، أي مصيبة كهذه المصيبة، الموت ولا هذا الأمر. قال: كنت أخرج، وكنت أجلد القوم فأشد عليَّ ثيابي -كان شاباً ما يقارب ٣٥ عاماً- قال: فأصلي مع الناس، فكنت آتي والرسول ﷺ جالس، فأسلم عليه فوالله ما أدري أيسلم عليَّ أم لا، إما من كثرة الحزن، وإما أن الرسول ﷺ لا يرد، أو يرد رداً خفياً. قال: والله لا أدري هل يرد عليَّ السلام أم لا؟ قال: فكنت إذا أقبلت إلى صلاتي سارقني النظر ﵊. فإن كعب بن مالك يدري أن رسول الله ﷺ يسارقه النظر، إذا كبر وأصبح في دعاء الاستفتاح نظر إليه النبي ﷺ ، ينظر إليه ويعرف أنه كعب، قال: فإذا سلمت أقبل ﷺ على نفسه ولا ينظر إلي، وهذا جفاء تتقطع له القلوب.

стр. 2419

الأمر باعتزال النساء قال كعب: فلما مضت أربعون ليلة من الخمسين أرسل إلينا ﷺ أن اعتزلوا نساءكم. كل يوم تأتي داهية دهياء. حتى كأني للحوادث صخرة بصفا المشقر كل يوم تقرع وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع قال: فأرسل إلينا أن اعتزلوا نساءكم، قال: فأرسلت أأطلق امرأتي أم لا؟ قال: لا. اعتزلها فقط ولا تطلقها. قال: فذهبت امرأة هلال بن أمية -وكان شيخاً كبيراً قد عمي من كثرة البكاء- إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله! أتأذن لي أن أخدم هلال بن أمية -أي: أصنع له الطعام، أقرب له طعامه وشرابه- قال: نعم. ولكن لا يقربك. يقول ﷺ : لا يقربك، وهذا جزاء ونكال وتعزير، قالت: يا رسول الله! والله ما به من حراك، مازال يبكي من ذلك اليوم إلى اليوم، ليل نهار. لا ترقأ له دمعة، انهار تماماً. ولذلك بعض المصائب تطم على الإنسان، حتى يبقى ليله ونهاره بكاء، يعقوب ﵇، وهو من الأنبياء الذي آتاهم الله العصمة وقوة القلوب، أصبح يبكي ليل نهار حتى ابيضت عيناه، يقولون: إن الملائكة كانت تبكي لبكائه، ويقولون: جبريل كان يزوره فيجلس معه يبكي، وكان يغطي يعقوب بيده على فمه ويقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:١٨] وكلما سأله بعض جيرانه من الشامتين وهم يدرون بالقصة قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [يوسف:٨٦]. ولذلك كان أبو بكر إذا صلى بالناس صلاة الفجر وقرأ سورة يوسف وبلغ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [يوسف:٨٦] انهار من شدة البكاء، وبكت معه الصفوف. وثبت أن عمر ﵁، كان إذا قرأ سورة يوسف وبلغ قوله تعالى: (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:٩٢] بكى وبكى معه الناس. فالمقصود: أن هلال بن أمية انهار من كثرة البكاء، قال: فاعتزلنا النساء، ومضت خمسون ليلة. خمسون كلها مرارة، لم يذوقوا المنام إلا قليلاً ولا الطعام والشراب إلا قليلاً، حياة متعبة، تغير الجو والطبيعة والأشجار والأنهار وكل شيء.

стр. 2420

توبة الله عليهم وبعدها أراد الله أن يتوب عليهم من فوق سبع سماوات، وبابه مفتوح، ونواله ممنوح، وخيره يغدو ويروح قال الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] ومن يستر العيوب إلا الله، غفران الذنب ليس بيد ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يغفر الذنب إلا الله، ولا يكشف الكرب إلا الله، الرسول له مهمة التبليغ ﵊، أما إذا اشتدت الأزمات والكوارث والمصائب فالله هو الذي يكشفها، قال الله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل:٦٢]. قال: فصليت صباح ذات يوم -وكان بيته في مزرعة بعيداً من المسجد، وربما لا يسمع الأذان- على سطح بيتي -لأنه لا يسمع الأذان- قال: فلما انتهيت من صلاة الفجر، جلست أسبح الله ، وأنا على الحالة التي ذكر الله من حالتنا، حالة يرثى لها، حالة الأسى، واللوعة، والحزن -وإذا برجلين: رجل على فرس، ورجل أقبل راجلاً يسعى، قال: وأوفى الرجل الذي على رجليه على جبل سلع، وجبل سلع بين بني سلمة وبين المدينة. ويقول أنس كما في الصحيحين: لما دخل الأعرابي يطلب من الرسول ﷺ أن يستسقي الله -وللفائدة-: إن الأعرابي دخل من باب القضاء والرسول ﷺ في شدة حر المدينة وليس هناك من السحاب ولا الغمام في السماء شيء، وكانت المدينة تتوقد بلهيب الحرارة حتى الرمضاء تحترق يقول أنس: ﴿فدخل الأعرابي فقطع خطبة الرسول ﷺ ، وهو على المنبر يفيض على الناس مما أتاه الله من الحكمة، وقال: يا رسول الله! -فالتفت ﷺ نحو دار القضاء التي شراها عمر - جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. ومباشرة لم يتلكأ، ولا فكر ولا تلعثم، رفع يديه: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: والذي نفسي بيده، ما في السماء من سحاب ولا قزع، فثارت سحابة كالترس، فأوفت على سلع قال: ثم انتشرت السماء، ثارت كالجبال في لحظة، قبل أن ينتهي ﷺ من الخطبة، وهو ما كان يخطب إلا لحظات، قال: فثارت كالجبال ثم أرعدت وأبرقت وأزبدت، ثم أنزلت الغيث، قال: فأخذ سقف المسجد يخر على وجه النبي ﷺ وجبينه الطاهر، وأخذ يتبسم إلى الجماهير، ويقول: أشهد أني رسول الله. إي والله، نشهد أنه رسول الله، في لحظات تأتي هذه الأمطار، يقول: سال الوادي. ويأتي ذاك الأعرابي أو غيره، وانظر نفس الكلام يقول: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل، فادع الله، أن يكف عنا الغيث. لماذا؟ لأنه حبسهم في البيوت، فالغنم لا تخرج والإبل والبقر أصبحوا في حظر، السماء مدلهمة على الأرض في اشتباك، واستمر المطر فأخذ النبي ﷺ يتبسم من كثرة تململ الإنسان، أمس يشكو واليوم يشكو، ولكن الإنسان لا يدعو برفع الرحمة، إذا أنعم الله عليك برحمة؛ فلا تقل اللهم خفف علينا الغيث، فقال ﷺ : ﴿اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر قال أنس: والله ما أشار إلى ناحية إلا سكب الغيث نحوها، وخرجوا من المسجد مثل الجوبة﴾ هذه في رواية البخاري، كأنهم في ثوب مفصل على المسجد وعلى الطرقات، يخرجون في الشمس، أما ناحية الطريق من هنا غيث والناحية الأخرى غيث، والمساجد والطرقات والجبال والروابي. الشاهد: أن سلعاً هذا جبل في المدينة مرتفع، يقول ﷺ : ﴿إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ معناه: إذا كثر العمار واختلط الناس، وكانت اهتماماتهم بالدنيا، فاخرج من المدينة، فلما رأى أبو ذر البناء وصل إلى سلع خرج من المدينة إلى الصحراء.
следующие страницы →