← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

دخول كعب على النبي ﷺ أتى كعب بن مالك ووضع يده بكف المصطفى ﵊ قال: فتبسم ﵊، تبسم المغضب. وما رأيك بسيد الخلق ﵊ تجلس أمامه ويتبسم تبسم المغضب. ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم قال: يا كعب! أما ابتعت ظهرك؟ قال كعب: يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو، لو جلست عند أحد من أهل الدنيا غيرك لاستطعت أن أخرج من بين يديه بحجة، إني شاعر وقد أوتيت جدلاً. وكان كعب بن مالك من أفصح الناس على الإطلاق، بل هو من شعراء الدعوة المطاليق المناطيق المصاقيع. قال: يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو، لو جلست عند أحد من أهل الدنيا لاستطعت أن أخرج من بين يديه بحجة إني رجل شاعر وقد أوتيت جدلاً، لكن والله الذي لا إله إلا هو يا رسول الله! لقد علمت لو أني كذبتك الآن؛ ليوشكن الله أن يغضبك، ثم يغضب الله عليَّ، وإن صدقت اليوم على شيء تجده عليَّ، إني أرجو من الله أن يرضيك عني. والله يا رسول -اسمع العذر- ما كان لي من عذر، والله ما كنت أكثر مالاً وأكثر قوة مني حين تخلفت، فما لي من عذر. ثم أتى صاحبه الثاني والثالث فاعتذرا كعذره، فقال: قوموا. قال: فلقيني بنو سلمة -أسرته وقبيلته- عند الباب فقالوا: ما لك ما استطعت أن تعتذر، والله ما رأينا أهون منك اليوم. قال: فوالله ما زالوا بي حتى كدت أرجع فأكذب نفسي، وهؤلاء بعض الجلساء يوشون الإنسان ويحدثونه عن نفسه حتى ينسوه الله . قال: فثبتني الله فما عدت، قلت: لا. قد صدقت رسول الله ﷺ وأرجو أن يرضيه الله عني، وأن يرضى الله عني، قلت: هل تخلف معي أحد من الناس كان عذره كعذري؟ قالوا: نعم. قلت: من؟ قالوا: هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري. قال: فذكروا لي رجلين من أهل بدر، وكلمة أهل بدر هي عند الزهري، قال ابن القيم ﵀: وهما لم يحضرا بدراً لكن أوردتها لأنها في الصحيحين، والصحيح أنهما لم يحضرا بدراً لكنهما من أفضل الناس، ذاك شيخ عابد كبير زاهد، وهذا شاب يتقطع حرارة لنصرة لا إله إلا الله. قال: فذكرا لي رجلين صالحين لي بهما أسوة، وذلك مما يسلي في المصائب على الإنسان؛ أن يكون له شركاء، حتى يقول ابن القيم: إن مما يسهل المصائب رؤية المصائب في الدنيا، ففي كل واد بنو سعد. أي: ما من إنسان إلا دخلت على قلبه وعلى بيته مصيبة، في جسمه أو في عرضه أو في دينه أو في كل شيء. سبب هذا المثل: (في كل واد بنو سعد): أن رجلاً من العرب من هوازن، ذهب يبحث عن جملٍ له، فكلما نزل وادياً قال: من القوم؟ قالوا: بنو سعد، فنزل في الوادي الآخر فقالوا: بنو سعد، والآخر قالوا: بنو سعد، قال: في كل وادٍ بنو سعد. فيقول ابن القيم: في كل واد بنو سعد من المصائب. والخنساء يوم بكت صخراً بكته حتى خيف عليها الموت، فوعظتها عائشة ﵂، فقالت: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكين مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تقول: مما يسهل عليَّ المصيبة، أني أرى عجائز يبكين على أولادهن، ولكن لا يبكين مثل أخي، لكن التأسي لا بأس به. قال: فذكرا لي رجلين لي بهما أسوة وقدوة، قال: فأقامنا ﷺ حتى يقضي الله في أمرنا. ولم يبت فيهم ﷺ ، وبتَّ في الأولين، وأما هؤلاء أرجع أمرهم إلى الله من فوق سبع سماوات.

стр. 2417

الأمر بهجر المتخلفين كان أول مرسوم اتخذه ﷺ تجاههم؛ ألا يكلمهم الناس ولا يبايعونهم ولا يشارونهم، ولا يواصونهم، مقاطعة وحضر عام، انظر ما أعظم المصيبة والكارثة! إنسان يعيش في المدينة بين المهاجرين والأنصار، بين الأطفال والأحبة، يصلي مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والسادات والأجلة، وبين عشية وضحاها يؤمر هؤلاء جميعاً ألا يكلمه حتى القرابة، إخوانه ممنوعون من الكلام، والسلام، والزيارة، والمواصلة، مقاطعة في ذات الله ، هؤلاء عصاة، ولذلك يبوب البخاري باب: مجافاة أهل المعصية، فوقفوا في بيوتهم وكما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨] يقول كعب بن مالك: والله إن الأرض التي كنت أراها ما كانت الأرض التي أعرفها، النخل ليس بالنخل. ولذلك الحزن والمصائب تغير الأنظار، وتجدد تغير الطبيعة في عينك إذا أصابتك كارثة، قال: فقاطعنا الناس، نسلم فلا يردون ولا يسلمون علينا، ونبتاع فلا يبيعون، يأتي إلى الرجل في السوق يقول: أريد هذا السمن فلا يكلمه الرجل، يحمل السمن يسحب السمن من يده؛ لأن الرسول ﵊ إذا قال كلمة معنى ذلك أن الدنيا سوف تتوقف وتصغي. وكعب بن مالك بن زهير الشاعر هجا الرسول ﵊ بثلاثة أبيات أو أربعة، فقال ﵊ لقبائل العرب: ﴿من وجد منكم كعب بن مالك بن زهير فليقتله﴾ فأصبح يمشي في الليل، وينام في النهار، ضاقت عليه الدنيا أين يذهب؟ لا كهف يأوي إليه ولا قبيلة تنصره، كل القبائل ممنوع أن تحمي هذا الرجل. وفي الأخير نظم قصيدة، ودخل على أبي بكر في بيته قال: يا أبا بكر! ضاقت عليّ الدنيا بما رحبت، وأخرج أصابعه حتى أظفاره لم يقلمها، وأراه جوعه وهزاله ومرضه وضعفه، فماذا ترى؟ قال أبو بكر وكان رجلاً حصيفاً عاقلاً- أعندك أبيات؟ والعرب كانت تتوسل بالأبيات في العظماء. قال: نعم. قال: إذا صلى الرسول ﷺ الفجر فألقها عليه، فصلى الرسول ﷺ الفجر، فتقدم كعب، فأتى بتلك القصيدة كأنها انتزعت من قلبه. يقول: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول إلى أن يقول: نُبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول انظر ما أحسن الكلام: مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت في الأقاويل ثم وصف حالته في الصحراء يقول: لقد أقوم مقاماً لو يقوم به يرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لأن قلب الفيل مثل الحجر يقول: من خوفك وتهديدك لي والله لو كان الفيل مكاني لانهار الفيل فكيف بي أنا، حتى قال: حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قيله القيل فالمقصود: أن الرسول ﷺ إذا قال قولاً انتهى الأمر، ويأتي كعب بن مالك، يسلم على أقاربه فلا يسلمون عليه ولا يكلمونه، وأصبح في عزلة، وفي الأخير قال: تسورت الحائط على ابن عمي أبي قتادة، أبو قتادة ابن عمه، فارس الإسلام، فارس رسول الله ﷺ ؛ لأن الباب مغلق، لو طرق الباب لا يفتح أبو قتادة يقول: من؟ قال: كعب بن مالك، قال: لا. في الأخير اقتحم المنزل من على السور، قال: فلما تسورت عليه الدار دخلت عليه، وقلت: يا بن عمي! هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فما أجابني، قلت: أسألك بالله أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فما أجابني، قلت: أسألك بالله أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم. حتى الجواب ضعيف، ولم يأتِ إلا في آخر لحظة، وليس جواباً شافياً، قال: فدمعت عيناي وتسورت الحائط وعدت.

стр. 2418

البلاء يزداد على المتخلفين قال كعب: فخرجت إلى سوق المدينة -خرج متفرجاً، وإلا لا يبايع أحداً ولا يشاري أحدا، ً ولا يكلمه أحد، ولا يسلم عليه أحد- وبينما أنا أدور في السوق، وإذا أنا بنبطي أتى من الشام -حادثة من الحدائث، ومصيبة من المصائب وتتجمع بعض المصائب على بعض الناس في فترة واحدة- قال: وإذا هو بورقة بيده يقول: أين كعب بن مالك؟ والناس لا يتكلمون مع كعب ولكن يقولون: انظر إليه هناك. قال: فأخذ الناس يشيرون إليَّ، فأتى وأعطاني رسالة، قال: وكنت قارئاً وكان وقليل من الصحابة من يقرأ، أمة أمية، لكن قلوبهم تقرأ؛ لأن بعض الناس يقرأ ويصدح، ولكن ليس له قلب، العين هي التي تقرأ والعين هي التي تتعلم، أما القلب فلا تعلم قال الله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فليست المسألة مسألة الثقافة، بعضهم معه سبع لغات ويدخل النار من سبعة أبواب. يقول: كنت قارئاً ففتحت الرسالة فقرأتها، فإذا هي من ملك غسان -في الشام ملك من ملوك الدنيا، لم يجد فرصة يدخل بها إلا في هذه الأزمة- فقرأ الرسالة فإذا فيها: إلى كعب بن مالك من ملك غسان، إني سمعت أن صاحبك جفاك -قاطعك- ولم يجعلك الله بدار هوان- انظر ما أحسن ذاك، وسيرة ذاك، وخلق ذاك المنافق الكبير -فالحق بنا نواسك. الحق بنا نسعدك ونعطك من المال وتتكلم معنا، وتزورنا ونزورك، أما هذا الحال فما يصلح، يدخل من نقاط الضعف، وكان كعب رجلاً مؤمناً بالله ورسوله واليوم والآخر قال: قلت وهذه أيضاً من البلاء، قال: فتيممت بها التنور فسجرتها -أحرقها في التنور في النار- قال: وكنت أصلي مع المسلمين، وكنت أجلد القوم، أما الرجلان الآخران فانهارا من كثرة البكاء، يقوم أحدهم يصلي في المسجد، وعظامه تتخاذل لا يستطيع، فانهار في البيت. هذه المسألة ليست بالسهلة، تصور أن الرسول ﷺ تعيش معه أو يعيش معك، ثم يقول: يا أيها الناس -في يوم الجمعة- لا تكلموا فلان ابن فلان ولا تسلموا عليه، ولا تزوروه ولا تبايعوه، ولا تشاروه، ولا تشاوروه، أي مصيبة كهذه المصيبة، الموت ولا هذا الأمر. قال: كنت أخرج، وكنت أجلد القوم فأشد عليَّ ثيابي -كان شاباً ما يقارب ٣٥ عاماً- قال: فأصلي مع الناس، فكنت آتي والرسول ﷺ جالس، فأسلم عليه فوالله ما أدري أيسلم عليَّ أم لا، إما من كثرة الحزن، وإما أن الرسول ﷺ لا يرد، أو يرد رداً خفياً. قال: والله لا أدري هل يرد عليَّ السلام أم لا؟ قال: فكنت إذا أقبلت إلى صلاتي سارقني النظر ﵊. فإن كعب بن مالك يدري أن رسول الله ﷺ يسارقه النظر، إذا كبر وأصبح في دعاء الاستفتاح نظر إليه النبي ﷺ ، ينظر إليه ويعرف أنه كعب، قال: فإذا سلمت أقبل ﷺ على نفسه ولا ينظر إلي، وهذا جفاء تتقطع له القلوب.

стр. 2419

الأمر باعتزال النساء قال كعب: فلما مضت أربعون ليلة من الخمسين أرسل إلينا ﷺ أن اعتزلوا نساءكم. كل يوم تأتي داهية دهياء. حتى كأني للحوادث صخرة بصفا المشقر كل يوم تقرع وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع قال: فأرسل إلينا أن اعتزلوا نساءكم، قال: فأرسلت أأطلق امرأتي أم لا؟ قال: لا. اعتزلها فقط ولا تطلقها. قال: فذهبت امرأة هلال بن أمية -وكان شيخاً كبيراً قد عمي من كثرة البكاء- إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله! أتأذن لي أن أخدم هلال بن أمية -أي: أصنع له الطعام، أقرب له طعامه وشرابه- قال: نعم. ولكن لا يقربك. يقول ﷺ : لا يقربك، وهذا جزاء ونكال وتعزير، قالت: يا رسول الله! والله ما به من حراك، مازال يبكي من ذلك اليوم إلى اليوم، ليل نهار. لا ترقأ له دمعة، انهار تماماً. ولذلك بعض المصائب تطم على الإنسان، حتى يبقى ليله ونهاره بكاء، يعقوب ﵇، وهو من الأنبياء الذي آتاهم الله العصمة وقوة القلوب، أصبح يبكي ليل نهار حتى ابيضت عيناه، يقولون: إن الملائكة كانت تبكي لبكائه، ويقولون: جبريل كان يزوره فيجلس معه يبكي، وكان يغطي يعقوب بيده على فمه ويقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:١٨] وكلما سأله بعض جيرانه من الشامتين وهم يدرون بالقصة قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [يوسف:٨٦]. ولذلك كان أبو بكر إذا صلى بالناس صلاة الفجر وقرأ سورة يوسف وبلغ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [يوسف:٨٦] انهار من شدة البكاء، وبكت معه الصفوف. وثبت أن عمر ﵁، كان إذا قرأ سورة يوسف وبلغ قوله تعالى: (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:٩٢] بكى وبكى معه الناس. فالمقصود: أن هلال بن أمية انهار من كثرة البكاء، قال: فاعتزلنا النساء، ومضت خمسون ليلة. خمسون كلها مرارة، لم يذوقوا المنام إلا قليلاً ولا الطعام والشراب إلا قليلاً، حياة متعبة، تغير الجو والطبيعة والأشجار والأنهار وكل شيء.

стр. 2420

توبة الله عليهم وبعدها أراد الله أن يتوب عليهم من فوق سبع سماوات، وبابه مفتوح، ونواله ممنوح، وخيره يغدو ويروح قال الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] ومن يستر العيوب إلا الله، غفران الذنب ليس بيد ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يغفر الذنب إلا الله، ولا يكشف الكرب إلا الله، الرسول له مهمة التبليغ ﵊، أما إذا اشتدت الأزمات والكوارث والمصائب فالله هو الذي يكشفها، قال الله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل:٦٢]. قال: فصليت صباح ذات يوم -وكان بيته في مزرعة بعيداً من المسجد، وربما لا يسمع الأذان- على سطح بيتي -لأنه لا يسمع الأذان- قال: فلما انتهيت من صلاة الفجر، جلست أسبح الله ، وأنا على الحالة التي ذكر الله من حالتنا، حالة يرثى لها، حالة الأسى، واللوعة، والحزن -وإذا برجلين: رجل على فرس، ورجل أقبل راجلاً يسعى، قال: وأوفى الرجل الذي على رجليه على جبل سلع، وجبل سلع بين بني سلمة وبين المدينة. ويقول أنس كما في الصحيحين: لما دخل الأعرابي يطلب من الرسول ﷺ أن يستسقي الله -وللفائدة-: إن الأعرابي دخل من باب القضاء والرسول ﷺ في شدة حر المدينة وليس هناك من السحاب ولا الغمام في السماء شيء، وكانت المدينة تتوقد بلهيب الحرارة حتى الرمضاء تحترق يقول أنس: ﴿فدخل الأعرابي فقطع خطبة الرسول ﷺ ، وهو على المنبر يفيض على الناس مما أتاه الله من الحكمة، وقال: يا رسول الله! -فالتفت ﷺ نحو دار القضاء التي شراها عمر - جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. ومباشرة لم يتلكأ، ولا فكر ولا تلعثم، رفع يديه: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: والذي نفسي بيده، ما في السماء من سحاب ولا قزع، فثارت سحابة كالترس، فأوفت على سلع قال: ثم انتشرت السماء، ثارت كالجبال في لحظة، قبل أن ينتهي ﷺ من الخطبة، وهو ما كان يخطب إلا لحظات، قال: فثارت كالجبال ثم أرعدت وأبرقت وأزبدت، ثم أنزلت الغيث، قال: فأخذ سقف المسجد يخر على وجه النبي ﷺ وجبينه الطاهر، وأخذ يتبسم إلى الجماهير، ويقول: أشهد أني رسول الله. إي والله، نشهد أنه رسول الله، في لحظات تأتي هذه الأمطار، يقول: سال الوادي. ويأتي ذاك الأعرابي أو غيره، وانظر نفس الكلام يقول: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل، فادع الله، أن يكف عنا الغيث. لماذا؟ لأنه حبسهم في البيوت، فالغنم لا تخرج والإبل والبقر أصبحوا في حظر، السماء مدلهمة على الأرض في اشتباك، واستمر المطر فأخذ النبي ﷺ يتبسم من كثرة تململ الإنسان، أمس يشكو واليوم يشكو، ولكن الإنسان لا يدعو برفع الرحمة، إذا أنعم الله عليك برحمة؛ فلا تقل اللهم خفف علينا الغيث، فقال ﷺ : ﴿اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر قال أنس: والله ما أشار إلى ناحية إلا سكب الغيث نحوها، وخرجوا من المسجد مثل الجوبة﴾ هذه في رواية البخاري، كأنهم في ثوب مفصل على المسجد وعلى الطرقات، يخرجون في الشمس، أما ناحية الطريق من هنا غيث والناحية الأخرى غيث، والمساجد والطرقات والجبال والروابي. الشاهد: أن سلعاً هذا جبل في المدينة مرتفع، يقول ﷺ : ﴿إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ معناه: إذا كثر العمار واختلط الناس، وكانت اهتماماتهم بالدنيا، فاخرج من المدينة، فلما رأى أبو ذر البناء وصل إلى سلع خرج من المدينة إلى الصحراء.

стр. 2421

استحباب تبشير المسلم قال: فأوفى ذلك الرجل وأصبح على جبل سلع، والفارس أقبل يبشر؛ لأن البشرى مطلوبة. ولذلك إذا سمعت بخبر طيب لا تتأخر، بل بشر المسلم وحث وأسرع واتصل، لا تمهله حتى تنتهي وقت البشرى، ثم تأتي مبشراً بعد انتهاء الأمر، واحرص على أن يكون لك شرف البشرى وأجر البشرى، ولذلك الملائكة بشرت إبراهيم، والله يقول: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) [الصافات:١٠١] والبشرى من أحسن ما يمكن. في الصحيح أن أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما، كانا مع النبي ﷺ ، فكانا يطوفان بعض الليالي في المدينة يستمعان القائل، ويسألان عن أخبار الناس، ومرا بمسجد الرسول ﷺ ، وإذا برجل توضأ ودخل المسجد يصلي، ثم رفع صوته بالقراءة، وكان صوته من أحسن الأصوات، وهذا هو ابن مسعود -يقول مسروق -أحد تلاميذه-: قرأ بنا ابن مسعود في صلاة المغرب في الكوفة سورة: قل هو الله أحد، فوالله ما سمعت بصنجٍ ولا نايٍ ولا وترٍ أعجب من صوته، فكان يقرأ- فرفع صوته بالقراءة، فدعا ﷺ أبا بكر وعمر يريد أن يريهما هذا التلميذ البار النجيب، الذي نبت في نبتة الإسلام، فوقفا على نافذة المسجد وأخذا ينظران وأخذت دموعهم على خدودهم من القرآن، ثم انتهى ابن مسعود ولا يدري أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يستمعون له، فرفع كفه، فقال ﵊: ﴿سل تعطه، سل تعطه، سل تعط﴾. ثم قال ﷺ : ﴿من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً فليقرأه على قراءة ابن أم عبد﴾ أي: ابن مسعود. قال عمر: فطالت عليَّ ليلتي يريد أن يصبح الصباح ليذهب إلى ابن مسعود ليبشره، وفي الصباح صلّى الفجر وذهب إلى ابن مسعود يبشره، قال: قد بشرني أبو بكر. قال: والله لا أسابق أبا بكر، كلما أتى عمر يريد المركز الأول سبقه أبو بكر، حتى يقول ابن القيم تعليقاً على هذه القصة: من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول يقول: أنت ضعيف الجسم وأبو بكر ضعيف، لكن دائماً هو الأول حتى يدخل الجنة من الأبواب الثمانية. عمر ﵁، أراد أن يفعل في الإسلام فعلة عظيمة من أعظم الجود، فأتى إلى ماله وقسم الذهب والفضة، والغنم نصفين، والبقر نصفين، والإبل نصفين فقال: أما نصف فلي ولأهلي، وأما نصف ففي سبيل الله، ثم أخذ النصف، وتوقع أن الرسول ﷺ يقول له: ما فعل فعلك من الناس أحد، فقال: يا رسول الله! هذا المال لك في سبيل الله، قال له ﷺ : ﴿أبقيت لأهلك شيئاً قال: نصف المال يا رسول الله! قال: لكن أبا بكر دفع ماله كله في سبيل الله﴾ قلت: والله لا أسابق أبا بكر أبداً، نعم دائماً: إن تبتدر غاية يوماً لمكرمةٍ تلق السوابق منا والمصلينا وفي السنن بسند جيد، أن رسول الله ﷺ جلس مع الصحابة قال: ﴿من زار منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله، قال: من شيع جنازة؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: من تصدق بصدقة؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: من أصبح صائماً؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: ما جمعها أحد إلا دخل الجنة﴾ أو كما قال ﷺ . فالمقصود: أن السبق بالبشرى هي أحسن ما يمكن أن يبشر بها المسلم، فاغتنم هذا الأجر وبشر به، فإذا سمعت ببشرى سارة لأحد: نجح ابنه، أتاه شيء يفرحه، أتاه ابن وهو غائب، فاغتنم هذا الأجر والمثوبة في إدخال السرور عليه، لكن بعض الناس بالعكس، إذا رأى مصيبة طار في جناح السرعة، اتصل بالتلفون: أبشرك مات ابنك في تمام الساعة الرابعة هذا اليوم، ورسب ابنك في ثمانية دروس، وأبشرك ابنتك الأخرى أخفقت في الامتحان. لكن لو أتت مبشرات لم يبشر، بعض الناس يدخل من هذه الجوانب، يحب الحوادث، نسأل الله العافية والستر. يقول عثمان: [[ودت الزانية أن يزنوا الناس جميعاً]] وأهل الكوارث يريدون أن يقع الناس في الكوارث، ولذلك التلميذ إذا رسب في الامتحان يأتي يتبشر في قائمة الراسبين ويقول: عسى ابن فلان ابن جيراننا معي، حتى نتشارك في المصيبة، يريد أهل القرية أن يرسبوا جميعاً، أما إذا نجحوا يأتي على المصيبة مصيبة أخرى، مصيبة أنه رسب، ومصيبة أنهم نجحوا هم، فالمقصود: اغتنام البشرى.

стр. 2422

كعب بن مالك وتوبة الله عليه قال: فأوفى الذي على سلع فأخذ يصيح؛ لأنه ليس عنده فرس، وصاحب الفرس ما صاح، وهو يريد أن يسبق، فأخذ الذي على سلع يقول: يا كعب بن مالك أبشر، يا كعب بن مالك! أبشر. يا كعب بن مالك! أبشر. ومن الأدب في الإسلام إذا بشرك أحد بشيء؛ أن تقدم له شيئاً بنسبة هذه البشرى، ليست بشرى ضئيلة ثم تكبر، لكن بنسبة هذا، قال: فكان السابق صاحب الصوت، وأتى صاحب الفرس فبشرني، وكان عليَّ ثوبان، والله ما لي غيرهما؛ قال: فخلعتهما وأخذت ثياباً من جيراني، حياة بدائية حياة فقر وعوز، وهو من أغنياء الصحابة، فما بالك بفقراء الصحابة؟ أهل الصفة كانوا لا يجدون إلا ما يواري أحدهم عورته، وهذا من الأغنياء عنده ثوبان، حتى يقول ﷺ يقترح على الناس: ﴿لو أن لأحدكم ثوب لجمعته وثوب لمهنته﴾ أو كما قال ﷺ ، وهذا من أدب الإسلام؛ أن تقدم شيئاً لمن بشرك بنجاح ابنك، أن تدعوه كذلك في البيت، أن تقدم له شيئاً بمناسبة هذه البشرى، أما ترك هذا الأمر فليس من المستحسن، لحديث كعب ﵁، قال: فاستعرت ثياباً من جيراني وشددت على نفسي ثم انطلقت إلى المسجد، أتى الآن يقابل سيد الخلق ﷺ ، كأن البشرى له ﵊؛ لأنهم تلاميذه وطلابه، وهم حسنة من حسناته. قال: فدخلت المسجد، فلما رآني ﷺ استنار وجهه كأنه فلقة قمر، تهلل حتى تقول عائشة ﵂ وأرضاها: [[إذا سر بشيء استنار وجهه كأنه فلقة قمر]] تبرق أسارير وجهه ﷺ ، وهيئته الجسمية عجيبة، جسمه كالحرير الأبيض الناصع، يقول أنس: [[نظرت إلى القمر ليلة الرابع عشر وإلى وجه الرسول ﷺ ، والله لوجه رسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة أربعة عشر]] وقيل لـ أبي هريرة: أكان وجه رسول الله ﷺ كالسيف؟ قال: لا. كالشمس. تقول عائشة وربما ذكرت قول أبي سويد حيث يقول وهو هذلي: ومبرأ من كل غُبَّر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل

стр. 2423

حكم القيام للقادم قال: فاستنار وجهه وسُرَّ وقام لي، وأخذ الناس يهنئونني، أي: من المهاجرين والأنصار، قال: ما قام لي إلا طلحة بن عبيد الله الأنصاري أخو الجود طلحة الفياض، قال: والله ما أنساها لـ طلحة، والله ما قام لي غير طلحة، قال: فمشى إلي وعانقني. وهذا من إكرام الكريم، وفيه جواز القيام للوافد إذا كان لمناسبة، وأنه ليس فيه حرج، أحد أهل الفضل كان جالساً، فقدم أحد العلماء فقام له هذا الرجل، وكان هذا الرجل وزيراً وذاك الداخل عالماً، فقام الوزير، فقال العالم: لا تقم فإنه لا يجوز القيام، قال الوزير: قيامي والإله إليك حق وترك الحق ما لا يستقيم وهل رجل له لب وعقل يراك تجي إليه ولا يقوم لا بأس بالقيام للإكرام، والرسول ﷺ قال: ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ ولما قدم جعفر الطيار، قام له ﷺ وقبله بين عينه، وقال: ﴿ما أدري بأيهما أسر، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وكلها مسرات﴾ فقام طلحة بن عبيد الله، وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أسرة أبي بكر الصديق من بني تيم، وكان يسمى الفياض، لا يمسك شيئاً من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، أكرم الناس، يعطي باليمين واليسار. وذهب يوم أحد بأكثر الأجر، حتى كلما ذكر أبو بكر يوم أحد قال: ذاك يوم ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله حتى شل يوم أحد، ضرب حتى شلت يمينه وشل نصفه هذا، فهذا طلحة بن عبيد الله الذي قام وعانق كعب بن مالك قال: ثم جلست فقال ﷺ : ﴿أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك﴾.

стр. 2424

منزلة التوبة وفيه دليل على أن التوبة أعظم منزلة في الإسلام، حتى قال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أعظم منزلة يصل إليها العبد منزلة التوبة، لن يصل إليها أحد بسهولة، فهي أعظم المنازل، لذلك يقول الله تعالى في آخر العهد: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) [التوبة:١١٧] كيف يتوب عليهم؟ لما كانت غزوة تبوك من آخر الغزوات تاب الله عليهم، فهي آخر المنازل وأرقاها، إذاً: أكبر منزلة لك هي منزلة التوبة، لذلك قال: ﴿أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك﴾. والرسول ﷺ ربما قام في مجلسه لاستقبال الناس أحياناً، للفائدة: يقول عمرو بن العاص: لما أسلمت، قدمت إلى رسول الله ﷺ مع عثمان بن شيبة بن طلحة الداري -من بني عبد الدار أهل مفاتيح الكعبة- وخالد بن الوليد وأناس، فقلت لأصحابي هؤلاء: إما تأخرتم عني أو تقدمت؛ لأن لي ذنوباً أريد أن أخبر النبي ﷺ بها -قدم مشركاً ولكن يريد الإسلام- قال: فلما رآني ﷺ ، هش في وجهي وبش وقام وعانقني. لماذا؟ لأن عمرو بن العاص ليس كغيره، أرطبون العرب، يقول عمر بن الخطاب: رمينا أرطبون الغرب بأرطبون العرب، داهية الإسلام، ومعناه: مكسب للدعوة، ولو أن الرسول ﷺ جلس في مجلسه، مع أن هذا جاء بنعرة الجاهلية، ومروءة الجاهلية وشهامتها، ربما يرجع؛ لأن بعض الاستقبال من بعض الدعاة ربما ينفر المدعو، يأتيك يسألك بسؤال، فتقول: لست لك بفارغ، يأتي يبحث معك مشكلة الهداية، كيف أهتدي؟ فتقول: أنا مشغول، حاول تبحث عن غيري، هذا ليس بأسلوب. قال: فعانقه وهش في وجهه وبش. وإكمالاً للفائدة، قال: يا رسول الله! مد يدك أبايعك، فلما بسط ﷺ يده، قبض عمرو بن العاص يده، قال رسول الله ﷺ : ﴿مالك يا عمرو، قال: أشترط -أي: لا أبايعك إلا بشرط- قال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر الله لي ذنبي. قال: أما تعلم يا عمرو، أن الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها؟ قال: فأسلمت، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ ، ووالله ما كنت أملأ عيني إجلالاً له، ووالله لو سألتموني الآن -وهو في سكرات الموت- ما استطعت أن أصفه لكم ﵊﴾.

стр. 2425

حكم الصدقة بالمال كله قال كعب: قلت: يا رسول الله! إن من توبة الله عليَّ أن أنسلخ من مالي في سبيل الله. يقول: مادام أن الله تاب عليَّ، فمالي كله في سبيل الله. فقال ﵊: ﴿ابق عليك بعض مالك فهو خير لك﴾ وفيه دليل على أن المسلم لا يذهب ماله كله، بل يستبقي لورثته ولنفسه مالاً؛ لئلا يتكففوا الناس، وقد قال هذا ﷺ لأكثر من واحد. زار سعد بن أبي وقاص فارس الإسلام، مدمر إمبراطورية كسرى التي داسها تحت قدميه، حتى كان ﵊ يقول: ﴿هذا خالي فليرني كل خاله﴾ أي: هل عندكم أخوال مثل سعد بن أبي وقاص، الأسد في براثنه؟ زاره ﷺ ، وسعد مريض قال: فما أحسست إلا برد أنامله ﷺ على صدري فاستفقت، حتى يقول سعد بعد ثلاثين سنة: والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد برد أصابع النبي ﷺ على كتفي من ذلك العهد. قال سعد: يا رسول الله! إن عندي مالاً ولا يرثني إلا كلالة، وذكر من نفسه ومن حاله، قال: أريد إنفاق مالي كله، قال: لا. قلت: يا رسول الله! فالنصف، قال: لا. قال: يا رسول الله! الثلث، قال ﷺ : ﴿الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء؛ خير من أن تجعلهم عالة يتكففون الناس﴾. قال ابن عباس: [[وددت أن الناس غضوا في الوصية من الثلث إلى الربع]] ليبقى للورثة شيء، وليس في الإسلام حرج أن تبني بيتاً لورثتك، وأن تعمر عمارة لذريتك؛ فتموت فيدعون لك بالخير، وأنك ألجأتهم إلى بيت، ووسعت عليهم مما وسع الله عليك، أما من يذهب ماله ثم يموت، فإذا أطفاله وراءه عالة يتكففون الناس، هذا ليس من الإسلام! قال ﷺ : ﴿أبقِ عليك بعض مالك فهو خير لك﴾ فأبقى له سهماً من خيبر. يقول كعب: [[فوالله ما أعلم أحداً من الناس أبلاه الله ما أبلاني بالصدق]] لأنه صدق مع الله، ولذلك لما كان الخطاب له وللتائبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] لأنه صدق فأنجاه الله . قال الإمام أحمد: ما وجدت كالصدق، الصدق لو وضع في جرح لبرأ، وقيل له لما دخل السجن: بم نجاك الله؟ أي: في فتنة خلق القرآن، محنة القول بخلق القرآن، التي كاد يذهب فيها أرواح الأمة، بل قتلوا فيها علماء كبار، مثل ابن نصر الذي دخل على أحد الأمراء فقال له: ألا تقول بخلق القرآن؟ قال: لا. قال: والله إما أن تقول بخلق القرآن أو لأقتلنك قال: والله ما نفسي عندي تساوي مثل هذه، ثم قطع زراً من جبته فرماه على الأمير، فقتله الأمير. ودخل الإمام أحمد متحري السيف، وحاولوا بكل وسيلة في الدنيا قدموها، المناصب الإغراءات كلها وهو يرفض، يقول: ائتوني بشيء من كتاب الله، أو من سنة النبي ﷺ ، وفي الأخير نجاه الله. قيل له: بم نجاك الله؟ قال: بالصدق؛ لأنه صدق مع الله قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) [محمد:٢١] فلما صدق نجاه الله. قال كعب: وإني أسأل الله أن يثبتني فيما بقي، فو الله لا أعلم أني كذبت منذ أن تاب الله عليَّ. والتحرز من الكذب من أعظم الأعمال، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ﴿لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً﴾ أي: من الصديقين الكبار قال الله: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:٦٩]. والصديق فوق الشهيد ﴿لا يزال الرجل يتحرى الكذب﴾ أي: في كلماته، في مزحه، في سؤالاته؛ لأن بعض الناس يتجوز حتى في المزاح يكذب، وإذا سأله أهله كذب، نعوذ بالله، لكن المؤمن لا يزال يتحرى الصدق حتى يكتبه الله صديقاً عنده. ﴿ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً﴾ نعوذ بالله من الكذب. فأبلاه الله بلاءً حسناً بالصدق، وتاب الله عليه وأنزل الله : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة:١١٨] فتاب الله عليهم توبة عظيمة ما سُمع بمثلها، وهذا هو الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وهو حديثنا في هذه الليلة وفيه مسائل:

стр. 2426

من فوائد حديث توبة كعب بن مالك

стр. 2427

الفائدة الأولى: عظم التوبة في الإسلام عظمة التوبة في الإسلام وأنها أعظم منزلة، وهي التي دعا الله الأولين والآخرين إليها، وهذا الحديث استدل به النووي في باب التوبة في رياض الصالحين، وغيره من العلماء، ولذلك قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:٥٣] والآن نترك الفوائد في الحديث؛ لأنها ما يقارب مائة فائدة، نتركها للإخوان ليشاركوا معنا في فوائد الحديث أو ما يستنبط من الحديث.

стр. 2428

الفائدة الثانية: فضل الصدق فضل الصدق وأنه من أفضل الأعمال، وسلف فيه أحاديث، وأن من صدق نجاه الله ، وأن أعظم مزلة هي مزلة الكذب، قال ابن تيمية: الكذب والنفاق مقرونان، ولذلك إذا ذكر الله النفاق ذكر الكذب معه، وإذا ذكر الكذب ذكر النفاق، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون:١] وقلة ذكر الله مع النفاق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء:١٤٢].

стр. 2429

الفائدة الثالثة: تقوى الله من يتق الله يجعل له مخرجاً، فإنه ما حفظ الله العبد إلا وجعل له مخرجاً من كل ما ضاق على الناس، فلما حفظ كعب بن مالك ربه، وصدق معه واتقاه جعل الله له مخرجاً من هذه الكارثة والمحنة، وجعل مخرجه التوبة.

стр. 2430

الفائدة الرابعة: الحث على البشرى بالخير الحث على البشرى بالخير وأن المؤمن دائماً مبشر، وأنه يواسي، وأن واجب المؤمن أن ينزل الناس منازلهم، وأن يقف مع المؤمنين في مواقفهم. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها فواجب على المسلم إذا دخل على الناس مفرحات أن يشاركهم الفرحة والسرور، وواجب عليه إذا دخل عليهم الحزن أن يشاركهم حزنهم، وهذا من صفات المؤمنين الذين يريدون الله والدار الآخرة قال ﵊: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾. فالبشرى واردة في الخير، وأعظم ما يبشر به المؤمن بالاستقامة، ولابد من حث الناس على الاستقامة، لا تترك أمور التربية مسدولة مضيعة هكذا، تجد إنساناً يصلي في المسجد خمس صلوات في اليوم والليلة، لك أن تذهب إليه وتقول له: إني أحبك في الله، وأبشرك بالخير وبالسداد وبالتوفيق قال الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:٥٨].

стр. 2431

الفائدة الخامسة: الدفاع عن أعراض المسلمين الدفاع عن أخيك في المجلس إذا ذكر وانتهكت حرماته، وفي ذلك بعض الآثار، وهو حديث لكن لا يحضرني درجة صحته: ﴿من ذب عن مؤمن في ظهر الغيب؛ قيض الله من يدافع عنه﴾ أو كما قال ﷺ . فالمقصود: أن واجب المسلم ألا يترك الأمر هكذا، لا يدافع إلا عن أبيه أو أخيه، كل مؤمن واجب عليك أن تذب عنه إذا انتهكت حرماته، إلا أن يكون فاجراً -والعياذ بالله- مجاهراً بالفجور فاتركه. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام لكن إنسان فيه وفاء وإخلاص، وحسناته أكثر من سيئاته، وإلا لو ذهبنا في انتقاص الناس لذنوب الناس ما خلا أحد، يقول سعيد بن المسيب: [[ما يخلو فاضل ولا شريف ولا نقيب من الذنب والخطأ، لكن من الناس من يغفر]] تجعل سيئاته لحسناته، فهؤلاء الذين كثرت حسناتهم على سيئاتهم تجعل سيئاتهم لحسناتهم. لذلك يقول بشار بن برد: إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه والآخر يقول: تريد مبرأً من غير عيب وهل عود يفوح بلا دخان فالمقصود: أن الناس أهل ذنوب، والكامل من كثرت حسناته ومناقبه على سيئاته، فإذا وجد في مجلس أو منتدى أنه نيل من شخص، فواجب عليك أن تقوم وتقول: لا. لكن ليس بقوة وعنف، تقول: لا. ما علمت فيه إلا خيراً، وهو من أهل المسجد والجماعة، ومن أهل الصدق والصلاح، ومن أهل الخير، ومن الذين يريدون الله والدار الآخرة، حينها يقيض الله لك من يذب عن حرماتك.

стр. 2432

الفائدة السادسة: الصبر في الكوارث الصبر عند نزول الكوارث والمصائب؛ يؤخذ من قصة كعب قال: فقلت: أصبر فإن الصبر من أفضل الأعمال، الصبر ذكره الله تعالى في أكثر من تسعين آية، والصبر على ثلاثة أنواع: ١ - صبر على الطاعات. ٢ - صبر عن المعاصي. ٣ - صبر على المصائب. وأعظمها الصبر على الطاعات، والصبر جعله الله من أركان الإمامة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:٢٤] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:٢٠٠] فالصبر الصبر، فلا علاج للعبد إلا بالصبر، ومن صبر جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل كربٍ فرجاً.

стр. 2433

الفائدة السابعة: الولاء والبراء الولاء والبراء، الحب في الله والبغض في الله، أتى هذا مما فعله المهاجرون والأنصار مع كعب، فإنهم لما رأوه جَانَبَ الصواب وأتى بهذه المعصية؛ بغضوه في الله ، وكان بغضهم لله ، فتركوا السلام عليه، والزيارة له والمواصلة، من أجله ، قال ﵊: ﴿من أبغض لله، وأحب لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان﴾ والحديث عند أبي داود بسند صحيح. وهذه هي أركان الولاية، وهي من أعظم القضايا التي تحدث عنها شيخ الإسلام، مسألة الولاء والبراء، وهي على درجات، فلا يصح للمسلم أن يكون الناس عنده سواء، الفاجر والبار، والمصلي والتارك للصلاة، وبار الوالدين وعاق الوالدين، وواصل الرحم وقاطع الرحم، والله ما جعلهم سواء، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] في أي العقول، وفي أي الشرائع والأسس والقيم يكون هذا الصالح كالطالح؟! إذا فعلت الأمة هكذا انهارت القيم، وضاعت التعاليم السماوية والشرعية، وأصبح صاحب الخير مضطهداً، إذا كان يجهد جهداً وليس له قيمة، وقيمة الفاجر أكبر منه، بل يبلغ في بعض الأماكن أن يقدم الفاجر على المؤمن لأسباب إضافية أو لمكانته ولثروته، فإذا أصبحت الأمة في هذا المستوى فقل ﵍. تجد بعض الناس من أولياء الله، لكن لفقره وعوزه وقلة نصرته، وضعف مقدراته ينتهي، ليس عنده إلا التراب، ولا يقدر من احترام أحد، وهذا -بارك الله فيكم- من أعظم المصائب. فلابد من أصل الولاء والبراء، ذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر ﵄ قال: [[والذي لا إله إلا هو، لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أكره أهل المعصية لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]] نعوذ بالله من النار، القلب الذي لا يحب في الله ولا يبغض في الله قلب فاجر، حتى بعض الناس تحبهم من النظر إليهم والشافعي قد أسس في هذا أبيات، وهي أبيات تربوية للدعوة وللدعاة، يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة الشافعي يقول بأنه ليس من الصالحين، وإذا لم يكن الشافعي من الصالحين فمن نحن معهم؟ الشافعي الذي كان يقوم الليل في المسجد من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ويبكي حتى يسقط مغشياً عليه، الشافعي الذي أثبت عنه أهل العلم، كأهل التراجم والذهبي في ترجمته: أنه قرأ القرآن في رمضان ستين مرة، في الليل وفي النهار مرة، بغض النظر عن سينية هذا، الشافعي الذي نسأل الله حبه يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة يقول: من حسناتي، والتي أرجو الله أن أتقدم بها، أني أحب الصالحين، ولو أني لم أكن منهم، لأني مذنب مقصر، لعلي أن أنال بهم شفاعة عند الله. وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة يقول كل عاصي في قلبي أكرهه؛ لأنه يعصي الله، يتعدى حدود الله وينتهك محارم الله، فلذلك يثور قلبي عليه، وهذا من الحسنات، فإن بعض الناس ولو كان مقصراً، لكن من توفيق الله له أنه يكره المعاصي، ويكره الفجرة، لكن بعض الناس يبلغ من عناده وفجوره وخبثه؛ أن يحب الفجرة والعصاة. وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة ثم يقول: تعمدني بنصحك بانفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة يقول: إذا أردت أن تنصحني وأنا مذنب فخذني وحدي، وأَسِر إلي بالخطأ، لا تأتي يوم الجمعة وتقول: فلان ابن فلان، الذي يسكن في حارة كذا ورقم تلفونه كذا، فعل وفعل. فهذه فضيحة وليست نصيحة، وهذه تنفر القلوب، ولذلك بعض الناس يتخذ أسلوباً في المجالس، يقول: يا فلان! الله يهدي أبناءك، إنهم فعلوا وفعلوا الواجب عليك أن تنصحهم، هذا فضحهم أمام الناس. يقول الشافعي: تعمدني بنصحك بانفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة ولذلك أرسلت هذه القصيدة للإمام أحمد بن حنبل وهو في السجن، قيل: في السجن وقيل في غيره، ويظهر أنه لم يكن في السجن، فكتب إليه الإمام أحمد: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة الشافعي من أُسرة النبي ﷺ ؛ لأن الشافعي ينتمي إلى جد الرسول ﷺ الخامس أو السادس. فيقول: الشفاعة تأتي من بيتكم، لا تأتي من بيت آخر، هذا هو المقصود. رسالة: بعض الإخوة يذكر ويقول أني ذكرت كعب بن زهير في القصة لـ كعب بن مالك، وأنا أوردت هذه القصة عمداً؛ لشدة قوله ﷺ وتأثيره في الناس. أحد الإخوة قبل أن نستكمل الفوائد يذكرنا وإياكم بفضل صيام يوم عاشوراء، وهو صوم اليوم العاشر من هذا الشهر، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على صيامه، والسنة صيام يوم قبله أو يوم بعده وسئل عنه ﷺ ، فقال: ﴿إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية﴾ فلما قدم ﷺ إلى المدينة رأى اليهود يصومونه، قال: ﴿لماذا تصومونه؟ قالوا: هذا يوم نجا الله فيه موسى ﵇، قال: نحن أولى بموسى منكم﴾ فصامه ﷺ وأمر الناس بصيامه، وندب ﷺ أن يصام يوماً قبله ويوماً بعده، وهو على ثلاثة أقوال: ١ - إما أن تصوم اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر. يوماً قبله واليوم هو ويوماً بعده. ٢ - وإما أن تصوم يوم عاشوراء ويوماً قبله. ٣ - وإما أن تصوم يوم عاشوراء ويوماً بعده. وهذا من أحسن ما يكون، ولكن بعض أهل العلم يقول: يجوز إفراده، لكن الأحسن والأولى والأفضل -ولو أنه يجوز إفراده- لمن عنده مشقة، أو امرأة حامل لا تستطيع الصوم صيام يوم قبله أو يوم بعده.

стр. 2434

الفائدة الثامنة: معاملة الناس بالظاهر في الحديث معاملة الناس بظواهرهم ونكل سرائرهم إلى الله، وهذا يؤخذ من أن الرسول ﷺ عفا عن المنافقين، لما سمع كلامهم فوكل سرائرهم إلى الله، ونحن ما بعثنا لنشق عن قلوب الناس، يتكلم الإنسان بحسن، نقبل منه الحسن ونوكل سريرته إلى الله، يطبق السنة؛ نثني عليه ونمدحه، ولا نقول مثل بعض الناس إذا رأوا الملتزم قالوا: ليس بالصادق! لم يرب لحيته وما قصر ثوبه إلا لأمر. هذا تشكيك في الناس وسوء ظن فيهم، هذا معناه ضرب للقاعدة الإسلامية، وإظهار الجرح في شعور المسلمين، من أدراك أنه على باطل؟ وهل أمرت بالتفتيش عن قلوب الناس؟ بل احمل الناس على السلامة وحسن الظن، وما يفعل هذا - التشكيك بالناس الأخيار - إلا من ساء عمله مع الله. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته فأصبح في ليل من الشك مظلمٍ

стр. 2435

الفائدة التاسعة: حكم تسور المنزل لا يجوز للشخص أنه يتسور حائط القريب للحاجة؛ لأن كعب بن مالك من الصحابة وفي ظرف طارئ، والسنة ما جاء عن النبي ﷺ بأمر أو بإقرار أو وصف، والرسول ﷺ لم يسمع في حديث على أنه أقره على هذا العمل، وتسور الحيطان منهي عنه، وهو الولوج بدون استئذان، إلا في بيتك أنت، إذا رأيت أن هناك مأمناً، وأنك ما استطعت أن تدخل إلا بهذه الطريقة بعد أن تشعرهم، فيظهر أن كعب بن مالك أمن من فتنة النظر إلى أجنبية، وأنه رأى بالظروف والاحتياجات والحادث الذي يعيشه؛ أنه ليس هناك مشكلة أو أمر منهي عنه فتسور، أما أن نأخذها فائدة فأنا أتوقف عن هذا.

стр. 2436

الفائدة العاشرة: العزلة في الإسلام فضيلة العزلة: وهذه فائدة عرضاً، ما جاءت في نص الحديث، عندما ذكرنا أبا ذر ذكرنا أن العزلة كانت تناسبه والناس ليس كلهم تناسبهم العزلة، ابن تيمية سئل عن العزلة والخلطة فقال: لا يمكن أن يكون فيها جواباً عاماً، لكن العزلة لا تمدح مطلقاً والخلطة لا تمدح مطلقاً، إنما تخالط الناس بقدر ما تصيب، في مجامعهم، في صلواتهم، في مجالس الخير، في الدعوة، وتجتنبه في فضول المباحات، التي لا طائل من ورائها ولا فائدة.

стр. 2437

الفائدة الحادية عشرة: الثبات على المبادئ الشيخ عبد الله بن حميد يذكرنا بفائدة جليلة، وهي فضل الثبات على المبادئ الأصيلة، والمبادئ الجليلة، والمبادئ الأصيلة في هذا الدين من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فإن الله يثمر عاقبتها عفواً وخيراً، فهذا الرجل لما قدمت له عروض تافهة سافلة رخيصة من الدنيا وعرض الدنيا ما باع ذمته ولا باع دينه وشرفه، بل بقي على مبدئه، بقدر ما تحمل من الجفاء واللوعة والأسى والفرقة، فكيف أبدله الله عزاً في الدنيا والآخرة، وأكسبه التوبة ورفع رأسه، وشرح صدره. ولذلك من قدم عرض الدنيا على الدين، سلب الله عليه الدنيا والآخرة، أحد العلماء من بني إسرائيل اسمه: بلعام بن باعوراء تناسب هذه القصة، أسلم وكان مع موسى ﵇، وحفَظَّه الله ما شاء من العلم، فقدمت له بعض الأعراض الدنيوية ليرتد عن بعض مبادئه الأصيلة الجليلة القويمة، فارتد فمسخه الله ، وأخزاه وأذله، ونزع بركة العلم ونور العلم منه، وقال فيه آيات تتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. وابن تيمية دخل على أحد السلاطين في دمشق فقال له السلطان: يا ابن تيمية! يقول الناس: إنك تريد ملكنا، فضحك ابن تيمية بقوة وشجاعة وقال: والله ما ملكك وملك أجدادك وآبائك يساوي عندي فلساً. مطلب ابن تيمية أكبر من هذا كله، وأكبر من الدنيا ومن ذهبها، رضا الله ، وجنة عرضها السماوات والأرض: خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا هذا القاضي الجزائري. وهذا واجب المؤمن حتى يقول ربعي بن عامر لما قال له رستم: أتريدون شيئاً من المال، فإنا كنا نعطيكم بعض الأموال فتعودون عنا من أطراف الجزيرة، فكأنها تأخرت عنكم النفقة هذا العام فأتيتم تطلبونا؟ قال: لا. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. محمود بن سبكتكين، قائد سلجوقي كبير صائم مصلي، من أزهد وأعبد السلاطين، كان يملك ملكاً لا يملكه إلا القليل من ملوك الإسلام، كان في الشمال وكان له جيش جراراً، أتدرون كم جيشه؟ يقول بعض المؤرخين: وصل إلى مليون (ألف ألف). ففي جيشه مليون شهم كـ عنتر، وأمضى وفي خزانه ألف حاتم هذا محمود بن سبكتكين، قام عليه أحد العلماء يعظه في يوم مهرجان ويوم انتصار، فوعظه فبكى السلطان محمود حتى سقط على وجهه في الأرض، دخل بلاد الهند ففتحها، واجتاح ألف صنم، وكل صنم طوله كالسارية، منصوب كله ذهب، فأتى ملك الهند فقال: يا محمود بن سبكتكين! لا تقاتلنا ولا نقاتلك، خذ هذا الألف الصنم لك وعد عن ديارنا ونحن نعطيك الجزية في كل عام، قال محمود سبكتكين: تريد أن يدعوني الله يا بائع الأصنام، والله لأحرقنها ولأكسرنها، ليدعوني الله يوم القيامة يا مكسر الأصنام، فأتى على الأصنام فأحرقها وكسرها، فيقول محمد إقبال لأنه من جماعته، هذا باكستاني وذاك سلجوقي: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاًَ وصاغ الحلي والدينارا محمود مثل إياز قاما كلاهما لك بالعبادة تائباً مستغفرا العبد والمولى على قدم التقى فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى والمقصود: أن الدنيا هينة، وأن مطلب المسلم أعظم من ذلك.

стр. 2438

الفائدة الثانية عشرة: وجوب الالتزام بأمر النبي ﷺ وجوب الالتزام بأمر النبي ﷺ : وهذا يؤخذ من أن النبي ﷺ أمرهم بالمقاطعة فقاطعوا، وأمرهم بالتسليم فسلموا، وهذا الأمر لا أخرج منه، يقول الإمام أحمد: أخشى أن يصيب من ترك السنة الزيغ؛ لأن الله ذكره في آخر سورة النور، والزيغ هي الفتنة. فمن خالف أمره ﷺ ؛ أصابه الله بالزيغ، وكل شيء من السنة لا يستهين به العبد، وأثر عن عبد الله بن رواحة أنه أقبل من السكة يريد دخول مسجده ﷺ ، فسمع النبي ﷺ يقول لأهل المسجد: يا أيها الناس! اجلسوا، فجلس في الشارع في الشمس، فخرج الصحابة فإذا هو جالس فقالوا له: مالك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اجلسوا وأخشى أن أكون مخاطباً، فما أردت أن أمشي فجلست، هذا هو الأمر وعبد الله بن رواحة كان من أصدق الناس ﵁ وأرضاه، وهذا هو الامتثال العظيم، حتى ورد من الامتثال أمور عظيمة ذكرت عن ابن عمر أنه كان يطوف بناقته في مزدلفة، قالوا: مالك؟ أضيعت شيئاً؟ قال: [[لا والله، لكن رأيت ناقة النبي ﷺ تدور في هذا المكان، فأردت أن يوافق خفٌ خفاً]] ﵁ وأرضاه.

стр. 2439

الفائدة الثالثة عشرة: هجر أصحاب المعاصي على قدر الذنوب من الفوائد مشروعية: هجر أصحاب المعاصي بقدر ذنوبهم، فمن أتى بمعصية، نظرة إلى حرام، لا يهجر كمن ترك الصلاة في المسجد، قال تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق:٣]. صاحب الكبائر لا يهجر مثل صاحب الصغائر إنما يهجر أكثر، الكافر هجره عظيم وطويل، ومقاطعة تامة إلا أن ترى أنك تؤثر عليه، وبعض الناس بحجة أنه يؤثر على الناس، ولو كان شاباً بارداً؛ تراه يخالط أهل المعاصي، فإذا قلت له: مالك تصلي معنا وتحضر وتخالط هؤلاء؟ قال: أريد أن أُؤثر عليهم. ولا يؤثر عليهم إلا من هو أكثر منهم عدداً وعدة وفكراً وعلماً، فينتبه الإنسان من مخالطة هؤلاء فهم أولاً: يهونون عليه شأن المعاصي، والأمر الثاني: أنه يغضب الله ، الأمر الثالث: أنه لم يعرف الولاء والبراء إلا أن يدعوهم.

стр. 2440

الفائدة الرابعة عشرة: المكافأة على البشرى آداب البشرى أن تكافئ من أحسن إليك، قال ﵊: ﴿من صنع إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تجدوا ما تكافؤه به، فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتموه﴾ والإمام أحمد يقول: ما أهدي له هدية إلا كافأت عليها؛ لأن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها، أي: إثابة بقدر الهدية. وفي ختام هذه الجلسة: نتوجه إلى الله أن يتقبل عنا صالح الأعمال، ويتجاوز عنا وعنكم سيئها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2441

مع التركي الشهيد من هو هذا التركي الشهيد؟ وما هي حياته؟ وما هي سيرته؟ وما هي فتوحاته؟ ومن أين هو؟ ماذا قدم للدين؟ لماذا سمي بالحاكم الراشد السادس؟ هل هو مجاهد أم عابد أم زاهد؟ أم كلها مجتمعة فيه؟ كل هذا ستعرفه في هذا الدرس، وسترى العجب العجاب من حياة هذا التركي العظيم!

стр. 2442

قضايا يجب أن يفهمها الناس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أصحاب الفضيلة العلماء! أيها الأساتذة الكرام! أيها الإخوة الحضور! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، قبل أن أبدأ في هذه المحاضرة، التي هي بعنوان: (مع التركي الشهيد) أريد أن أبين قضايا هامة عسى أن يفهمها الناس:- أولها: أن الدعاة يعرفون واجبهم نحو ولاة الأمر في البلاد، وهم أحرص الناس على حق الراعي؛ لأنهم أعرف الناس بالشريعة، فلا يتوهم واهم أو حاسد أو منافق أنه بإمكانه أن يوجد هوة بين الدعاة وولاة الأمر مهما فعل من الإغراءات والدعاوى؛ لأن هذه البلاد قامت على المصحف والسيف. ثانيها: أن الدعاة هم حملة الأمن والأمان، وهم ضد الفوضى والفتنة، وهم يرفضون كل ما يعكر أمن البلاد واستقرارها وسكينتها، ولا يسمحون لكل طائف أن يوجد فرقة أو إساءة إلى ولي الأمر أو إلى أحد من المسلمين. ثالثها: أن الدعاة في بلادنا لهم مصدر علمي وهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وأصحاب الفضيلة من رؤساء المحاكم والقضاة، فهم يسيرون الدعوة، وهم المستشارون، والناصحون الأمناء، والدعاة لا يخرجون في أي مقاطعة، أو إقليم أو منطقة، عن مشاورة رئيس المحاكم والقضاة. رابعها: أن الدعاة والحمد لله لا يتدخلون فيما لا يعنيهم، وليس لهم مطالب إلا نشر كتاب الله ، وتعليم الجاهل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهم مقتدون في ذلك بالرسول ﷺ ، وهم دائماً يسألون الله لولاة الأمر الاستقامة والسداد، وأن يريهم الله الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، ويريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه، متذكرين قول الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة: لو أن لي دعوة مستجابة، لجعلتها لإمام المسلمين.

стр. 2443

أسباب اختيار موضوع مع التركي الشهيد أيها الإخوة! اخترت هذه العنوان وهذا الموضوع لسببين اثنين: - السبب الأول: أن هذا التركي الشهيد نور الدين محمود الذي أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن القيم أبناء عمومته الأكراد اليوم يحصدون بالأسلحة الكيماوية على يد المجرم صدام حسين، فكان من المناسب أن أُذكر المسلمين بأبناء نور الدين في كركوك وفي السليمانية، وفي شمال العراق، وهم يصرعون بالآلاف يومياً، وأخبرهم ماذا فعل نور الدين، وماذا قدم هو وصلاح الدين لـ (لا إله إلا الله) و (إياك نعبد وإياك نستعين). السبب الثاني: أن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] والقصص له تأثير في القلوب، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول: إن القصص جند من جنود الله يرسلها على من يشاء، وقال في رواية أخرى عنه: قصص الرجال أحب إلينا من كثير من مسائل الفقه. فإذا علم هذا، فأحب أن أعرض سيرة نور الدين محمود وأن نعيش سيرة هذا الإمام الشهيد الذي سماه الذهبي: ليث الإسلام، وملك الشام، والمجاهد الصنديد، والعابد الشهيد، وسوف نرتحل معه، ومعنا ومعه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعسى الله أن يجمعنا به في دار الكرامة: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أخذنا بأقطاب السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع

стр. 2444

من مواقف نور الدين محمود وبعض صفاته وأخلاقه نور الدين محمود بن زنكي، تركي ليس بعربي، والعرب إذا تولت عن حمل لا إله إلا الله؛ وكل الله بها الأكراد أو الأتراك، أو الأفغان، أو الهنود أو الأحابيش: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] فلما اعتنق آباؤه الإسلام رسخوا في الدين، وسجدوا لرب العالمين، وهو حنفي المذهب، ولكنه يراهن بجمجمته كل يوم مع لا إله إلا الله، وضد من يحارب لا إله إلا الله، وسوف أسوق أخباره ومراجعي في ذلك سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي ومرآة الجنان للسبط ابن الجوزي ووفيات الأعيان لـ ابن خلكان والبداية والنهاية، (ابن كثير) وسيرته أيضاً وهي الروضتين، وترجمة له ضافية، والتجديد لـ محمد العبده، مع الكامل لـ ابن الأثير، ومع ما كتب عن دولة الأكراد وعسى الله أن يهدني وإياكم سواء السبيل. وأنا لن أعتني بالقصص التاريخي لكن أسمعكم العبر، واعلموا أن من اقترب من الله إنما يقترب بالطاعة، وقد كتب عمر الفاروق إلى سعد بن أبي وقاص، يقول له: [[يا سعد! - سعد بن مالك بن وهيب - لا يغرنك قول الناس، إنك خال الرسول ﵊، فإن الناس ليس بينهم وبين الله نسب، إنما أقربهم إلى الله أطوعهم له]] فلما أطاع محمود زنكي الله أحبه أهل العلم ودعوا له في المساجد، وأكثروا من ذكره، وبكت عليه الأمة الإسلامية بكاء عظيماً، وجمعت مراثيه في مجلد، ونحن ما نزال نذكره ونترحم عليه، وسوف أذكر لكم أبياتاً نظمها كثير من الشعراء في الثناء عليه. يقول أبو اليسر وهذا في السير: سمعت نور الدين محمود ساجداً قبل السحر يبكي ويقول في السجود: اللهم احشرني يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير. - ما معنى الكلام؟ معناه: إذا قتل الناس على الفرش، وإذا قتلوا تخمة من الطعام، فاقتلني في سبيلك، حتى تشبع مني الكواسر والطيور، واحشرني من بطونها، وفي الصحيح أن الرسول ﵊ وقف على حمزة وعلى الشهداء السبعين في أحد وبكى وهو ينظر لـ حمزة وقال: ﴿والذي نفسي بيده! لولا جزع صفية أختك لتركتك حتى تشبع منك الطيور والسباع﴾ فكان يقول: اللهم إني أسألك أن تحشرني يوم العرض الأكبر من بطون السباع وحواصل الطير، وهذا علامة الصدق مع الله .

стр. 2445

من مواقفه في الجهاد وقال القطب النيسابوري: رأيت نور الدين محمود في المعركة، قد خلع درعه، ثم استقبل القبلة، ثم بكى ومرغ وجهه في التراب، وقال: اللهم لا تخذل أمة محمد على يدي، قال له أحد الجنود: بالله لا تخاطر بنفسك يا محمود! فإن أصبت في معركة، فإنه لا يبقى أحد للمسلمين مكانك، فبكى وقال: من محمود؟ إن الله هو الذي نصر الدين قبل محمود ونصر الدين بعد محمود وحفظ الله الدين بلا إله إلا الله. ولما اصطف الناس أمام الفرنجة الصليبيين في دمياط في أرض مصر، خرج ثم التفت إلى السماء وقال: اللهم نصرك، اللهم نصرك، اللهم نصرك، فابتدأت المعركة بسهم أطلقه صليبي فوقع في عين أخيه نصر الدين فذهبت عين أخيه، فالتفت إلى أخيه وقال: أحسن الله عزاءك في عينك، والله! لو علمت الأجر لتمنيت أن تذهب الثانية. ويذكرني هذا بقصة قتادة بن النعمان التي ذكرها ابن القيم في زاد المعاد أنه لما حضر يوم بدر، ضربت عينه بالسيف فنزلت على خده فأتى ﵊ فردها بيده فصارت أجمل من العين الأخرى، فكان ابنه يقول: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد ووقف نور الدين محمود في المعارك، قال الذهبي: خاض أكثر من خمسين معركة، وافتتح أكثر من ثمان وعشرين قلعة، وكانت دولته تمتد من تركيا في الشمال إلى اليمن، وهو الذي قضى على الرافضة والباطنية والإسماعيلية وشردهم كل مشرد. وامتدت دولته -أيضاً- من بلاد مصر إلى جبال القوقاز، وهو مربي صلاح الدين الذي فتح الله على يديه في حطين يروي المكارم أكرم الجدين عن أشجع الشجعان نور الدين .

стр. 2446

تعلم نور الدين محمود أما نور الدين فقد تعلم الفقه على المذهب الحنفي وكان يدرس كتب الحديث وقال عنه الحفاظ: كان قبل المعركة يقرأ سورة الأنفال ويبكي ثم يستمع لموطأ الإمام مالك قبل أن يبدأ الهجوم. قال العماد الأصبهاني الكاتب الشهير: حضرت مجلس نور الدين محمود فتحدثنا في طيب هواء دمشق، يعني أحاديث المجالس الجو الأمطار الغيم، قال: وكان واجماً لا يتحدث، والوزراء والأمراء حوله يتحدثون، فقالوا: مالك أيها الأمير! لا تتحدث؟ قال: أما أنا فو الله لا يهدأ بالي ولا يرتاح حالي حتى يدخلني الله الجنة. ما دمشق؟ وما هواؤها وما طيبها أمام جنة عرضها السموات والأرض؟ يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها هذا هو المطلب.

стр. 2447

من مواقفه أمام القضاء قال الذهبي: أتى رجل إلى قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري لله دره، وهذا القاضي حنفي، وهو من أشهر القضاة في الأرض بالعدل، وكان يحفظ كتاب الله، وكان لا يهاب أحداً، جلس للحكم فأتاه رجل من الرعية، قال: لي خصم، قال: من خصمك؟ قال نور الدين محمود قال: الله أكبر! هو خصمك، قال: إي والله، قال: ماذا فعل؟ قال: أخذ أرضي بـ حمص، فأرسل رسالة إلى نور الدين محمود، قال: ما رأيك لقد خاصمك أحد الرعية؟ قال نور الدين: أتستأذنني؟! أحضرني معه عندك، واكتب لي رسالة، وادعني فيها لأحضر!! فدعاه الشهرزوري وهو أديب وهو الذي يقول فيه الأستاذ علي الطنطاوي: ما قرأت في الأدب العربي أجمل من قصيدته، التي يقول فيها: لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي وحار الدليل فتأملتها وفكري من البين عليل وطرف عيني كليل وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ذاك الغرام الدخيل وهي ما يقارب خمسين بيتاً، فأتى نور الدين وقبل أن يصل أرسل للقاضي رسالة، قال فيها: إذا أتيت فلا ترفع مجلسي، ولا تصافحني أمام الناس، وأجلسني مع خصمي على البساط. فدخل نور الدين فقال الشهرزوري: اجلس هنا، فجلس أمامه وهو حاكم الإقليم الذي ذكرت لكم من جنوب اليمن إلى شمال تركيا، هذه يحكمها الآن اثنتان وعشرون دولة، فجلس أمامه، فادعى نور الدين أن الأرض له، وأتى بشهود وأخرج عريضة تثبت ذلك، فقال الخصم: صدق، ظننت أنها لي واختلط علي الأمر، وحدثني فلان أنها من الميراث، فمادام أنه أشهد فلاناً فهي له وهو صادق، قال نور الدين محمود: وأنا أشهدكم أن الأرض له.

стр. 2448

تبسم نور الدين وحرصه على محاربة المنكر يقولون: ما تبسم نور الدين قط، وقد ذكر ذلك الذهبي، قالوا: وهم يتلون حديث الرسول ﵊ المسلسل بالتبسم، ومعنى المسلسل بالتبسم: أنه تبسم ﷺ ثم تبسم الراوي من الصحابة، ثم التابعي، وهذا هو المسلسل بالتبسم. فلما وصل إليه التبسم، قال له المحدث: يا نور الدين تبسم قال: كيف أتبسم وبيت المقدس في يد الصليبين؟ قال الذهبي: لو تبسم لكان أحسن؛ لأن التبسم صح عن معلم الخير ﵊. فقد تبسم ﷺ وقال في الحديث الصحيح: ﴿وتبسمك في وجه أخيك صدقة﴾ وقال جرير بن عبد الله في الصحيح: ﴿ما رآني ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾ وكان يقوم في السحر كما ذكر الحفاظ، ويقول: اللهم إني أسألك مسألة، أن تقتلني شهيداً في سبيلك. وكان إذا قام الإمام في المحراب للصلاة، قال: اللهم خذ من دمي حتى ترضى. فهل سمعتم صدقاً كهذا الصدق؟ وهل هناك أغلى من الدم؟ اللهم خذ من دمي حتى ترضى. وأنقل لكم قصيدة من البداية والنهاية ذكرها ابن كثير ومدحه فيها وأثنى عليه، وكان كلما كتب أسطراً ترحم عليه، وسأل الله له المغفرة. عمل نور الدين مهرجاناً في دمشق استعرض فيه جيشه المسلح ليغزو عكا ويافا، ويطهرها من الصليبين ويخرج الفرنجة، فاستعرض الجيش كله وحضر الأمراء والوزراء والعلماء ووجوه الناس، وأصبح يوماً من أيام الله، وفي أثناء ذلك العرض خرج عليهم الواعظ أبو عثمان المنتخب بن أبي محمد الواسطي وهو من علماء الأمة وكان زاهداً، يقولون: كان لا يملك من الدنيا إلا قعباً وصحفةً وعصاً وجبة عليه، وما كان يأخذ المال من نور الدين أبداً؛ بل كان يرفض، فخرج وقطع الحفل عليهم، ووقف أمام نور الدين وقد سمع أن هناك خمراً يباع في شمال سوريا، فأراد أن يخبر السلطان. قال: يا نور الدين! عندي قصيدة. قال: قل. فوقف أمام الناس وقال: والقصيدة في البداية والنهاية صفحة (٣٠٢) من المجلد الثالث عشر- يقول: مثل وقوفك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين رحت مسلماً فاحذر بأن تبقى وما لك نور يقول: احذر يوم القيامة أن تأتي ولا نور لك. أَنَهيت عن شرب الخمور وأنت في كأس المظالم طائش مخمور كانوا يسمونه الملك العادل على مر التاريخ، ويقول أحد المؤرخين المتأخرين، وذكره أبو الأعلى المودودي وغيره، يقول: عدول الإسلام ستة: الخلفاء الراشدون الأربعة، وعمر بن عبد العزيز ونور الدين محمود، قال: أَنَهيت عن شرب الخمور وأنت في كأس المظالم طائش مخمور عطلت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور ماذا تقول إذا نقلت إلى البلى فرداً وجاءك منكر ونكير ماذا تقول إذا وقفت بموقف فرداً ذليلاً والحساب عسير وتعلقت فيك الخصوم وأنت في يوم الحساب مسلسل مجرور وتفرقت عنك الجنود وأنت في ضيق القبور موسد مقبور ووددت أنك ما وليت ولاية يوماً ولا قال الأنام أمير وبقيت بعد العز رهن حفيرة في عالم الموتى وأنت حقير وحشرت عرياناً حزيناً باكياً قلقاً وما لك في الأنام مجير أرضيت أن تحيا وقلبك دارس عافي الخراب وجسمك المعمور أرضيت أن يحظى سواك بقربه أبداً وأنت معذب مهجور مهد لنفسك حجة تنجو بها يوم المعاد ويوم تبدو العور قال: فبكى السلطان بكاء شديداً حتى أغمي عليه ورش بالماء، ثم قام بعد أن رشوه بالماء وأرسل جيشه ألا يبقى مقس ولاعشَّار ولا مكان للخمر ولا للربا إلا ينهى ويباد، ويرفع له بذلك مذكرات ليطمئن، هذه من ابن كثير.

стр. 2449

طلبه للرزق وقيامه لليل أما دخله فقال الذهبي والسبط ابن الجوزي: كان له ثلاثة دكاكين بـ دمشق إيجاراها في السنة عشرون ديناراً، لا يأكل إلا منها، ولا يرضى أن يأكل من إيجار غير هذه الدكاكين الثلاثة، وقال السبط ابن الجوزي: استأجر نور الدين محمود سلطان الدنيا وسلطان المشرق عجوزاً، وقال: اصنعي لي الكوافي، وبيعيها والفائدة لي وأجرتك عليّ، فكانت تبيع الكوافي، وذكر ذلك صاحب كتاب سير أعلام النبلاء في المجلد الحادي والعشرين. فكانت العجوز تصنع له الكوافي وتبيعها في السوق فإذا أتت سلمها الأجرة وسلمته قيمة الكوافي، فيتعيش بها وأهله. أما قيامه في الليل، فقد فرض على الجيش أن يقوموا قبل الفجر بساعة، فإذا حضر قبل الفجر بساعة ضربت الطابلانخات، هكذا سماها ابن كثير، وهي أشبه شيء بالمدافع، أو بالزِّيرة التي تخرج منها أصوات. فإذا ضربت استيقظ الجيش جميعاً من الثكنات واستيقظ حرسه وأهله وحاشيته واستيقظ هو فصلوا حتى يطلع الفجر. أتظن أن هذا ينهزم؟! كيف ينهزم ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] قال: وكان يقوم الليل كثيراً ويدعو الله بالنصر للمسلمين، وكان يكثر من البكاء، وربما صلى في بيته داخل الإيوان، وربما خرج أحياناً فصلى في الثكنة، وكان يمر على الجنود قبل صلاة الفجر ويقول: آه النار النار! يعني: النار يوم العرض الأكبر. قال الناظم فيه: جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب ومعنى المحراب: الشجاع المقدام المقاتل، والمحراب معناه: محراب الإمام في المسجد. قالوا: وكان إذا ركب راحلته قرأ القرآن وهو يسير، ويأتيه بعض الشعراء يقول: نريد أن ننشدك، قال: كفاني كتاب الله سميراً وأنيساً، وقد سمع الحديث، وكان إذا أراد أن يسمع الحديث جلس على ركبتيه كما جلس جبريل ﵇ عند رسول الله ﷺ ، يوم قال: فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه.

стр. 2450

التزامه بسنة الرسول ﷺ وخرج مرة يستعرض جيشه قبل إحدى المعارك مع الصليبين، وكان الأكراد هؤلاء أبناء عمومة التركمان، والأتراك ليسوا بعرب يلبسون السيوف عرضاً كالجنابي، وهذا ذكره ابن كثير والذهبي، فخرج نور الدين محمود في الصباح يستعرض جيشه، وقد عرض سيفه وعرض الأكراد أبناء عمومته كـ أسد الدين شيركوه وصلاح الدين ونصر الدين كلهم، فمروا بالجيش فوقف أحد العلماء من الأحناف، وقال: يا نور الدين! وجدنا أن الرسول ﵊ كان يلبس سيفه في الطول ولا يلبسه في العرض، قال: بالله عليك؟ قال: إي والله، قال: إنما نحن خدم لمحمد ﵊، ثم نقض السيف وهو واقف، وأشار إلى الجيش جميعاً أن البسوها في الطول، فهكذا الإقتداء: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، قالوا: ولبست الأكراد إلى اليوم على هذه اللبسة، أي: قبل السلاح المتطور من عهد نور الدين. وكتب كتباً في المساجد يطلب السماح قبل موته من الرعية، فقرأت بعد صلاة الجمعة في كل مسجد من مساجد العالم الإسلامي قام الخطباء بعد الصلاة ونص الكلمة من نور الدين محمود العبد الفقير إلى المسلمين أجمعين. أمَّا بَعْد:- أشهد الله وملائكته، ثم أشهدكم أني ما تعمدت ظلمكم ألا فالعفو والسماح والغفران. قالوا: فبكى الناس في المساجد ودعو له ﵁ وأرضاه.

стр. 2451

رؤيته للنبي ﷺ في المنام ذكر الأسنوي في رسالته، وذكر السمهودي في وفاء الوفاء، الكتاب المشهور، أن نور الدين محمود نام ليلة من الليالي وهو في دمشق العاصمة، وفي وسط الليل رأى الرسول ﵊ في المنام وبجانبه رجلان عليهما زي مغربي، فيقول ﷺ : أنقذني يا محمود! قال: فقام وصلى ركعتين ورجع فنام، فرأى الرسول ﷺ قال: أنقذني يا محمود! فعاد ثلاثة، فقال: فرآه وهو يقول أنقذني يا محمود! فقام وبعد صلاة الفجر جمع العلماء، وجلس في الإيوان، وما كان يجلس إلا ضحى، أي جمعهم بعد الفجر مباشرة وقال: ماذا ترون رأيت كذا وكذا؟ قال أهل العلم: نرى أن الرسول ﵊ يؤذى في قبره فنرى أن تذهب ونذهب معك الآن لنرى ماذا أتاه في قبره، بأبي هو وأمي ﵊. قال: فأعلن حالة الاستنفار في جيشه وتحرك بالجيش الذي يداهم به الصليبيين حوله إلى المدينة، قال: ومشى هو في أول الجيش ونزل قباء -المكان المعروف- ثم طوق المدينة، وأمر بعدم دخول داخل أو خروج خارج من المدينة، ثم عمل وليمة غداء للناس واستدعاهم، وقال لجنده: فإذا أصبحنا على الطعام وبدأنا نأكل اذهبوا في بيوت المدينة ومن تخلف فتعالوا به، فذهبوا فوجدوا الناس قد حضروا مأدبته، إلا رجلين مغربيين في الروضة يسبحان ويصليان، فعادوا وقالوا له: أتى الناس إلا رجلين رفضا أن يأتيا، قال: عليّ بهما، فأتي بهما، فإذا هما اللذان رأى في المنام، قال: ما قصتكما؟ قالا: نحن نعبد الله ونسبحه ونذكره في الروضة، قال لجنوده: مسوهما بعذاب، يعني: خذوهما بتحقيق، فذهب مع الجنود فجلدوهما فاعترفا، فقالوا: نحن أرسلنا ملك عكا الصليبي من الفرنجة، وأنزلنا في قارب في جدة، وركبنا من هناك، لنأخذ جثمان الرسول ﷺ ، ونذهب به إلى عكا، قال: يا كلبان! ما كان لكما ذلك، ثم أمر السياف أن يضرب رءوسهما، فضرب رءوسهما، ثم نكسهما عند مدخل قباء، ثم ذهب وأتى إلى القبر، فوجد أنه يحفر من تحت البساط وقد اقتربوا من القبر، فأمر بصب ما حول القبر من الرصاص، وقيل بين الرصاص وبين القبر صبة فضة، فرضي الله عنه ورحمه، وأعلى منزلته في الجنة، وهذا هو الوارد، قال ابن كثير: لما مات نور الدين فرح المجنة -يعني: الماجنون- وفرح أهل الخلاعة، وفرح أهل الطرب، لأن دولتهم ماتت في دولته، فأهل الفن، وأهل العود والوتر، ماتت دولتهم في دولته، لا يحب إلا العلماء، وما يكرم إلا الدعاة، وما يعلي إلا أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما أهل الضياع فما لهم سوق عنده أبداً. قال: فقام مغنٍ يرقص في السوق، ويقول: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وهذه القصيدة لـ أبي نواس، وهذا المغني لما سمع بموت نور الدين، نزل السوق يرقص، ويقول: ألا فسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر قالوا: وكان الشعراء يقفون ببابه، قال: أنا لا أعطي شاعراً، إنما أعطي العلماء؛ لينشروا دين الله والمجاهدين؛ لينصروا دين الله، والفقراء للحاجة، والمساكين للعوز، أما غيرهم فليس لهم في بيت المال لهم شيء هكذا قال. فقال أحد الشعراء في نور الدين ﵀، لما أتى إلى نور الدين فمدحه بقصيدة، فلم يعطه شيئاً، قال: أنت لست بعالم تدعو، ولا بمجاهد ينصر بك الدين، ولا فقير ولا مسكين، فقال الشاعر: سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا له فكل عن الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة من المعاصي وفيها الجوع والعطش الجوع والعطش للمتمردين وهؤلاء الهامشيين، الذين ليس لهم مكانة ولا أثر في الأمة، ولا ينبغي أن ينزلوا إلا منزلة من المنازل التي يستحقونها.

стр. 2452

اشتهاره بالعدل وخوفه على الإسلام كان مضرب المثل في العدل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فانظر كيف نصر الله نور الدين وصلاح الدين على قلة العدد والعدة، مع كثرة العدو وذلك لأنهم أقاموا العدل في الأرض، ثم قال: إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، وإن الله يدمر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، انتهى كلامه في المجلد الثاني. وكان نور الدين محمود يلعب بالكرة على الخيل، قال له أحد الناس: مالك تلعب بالكرة، أليس هذا من اللهو؟! قال نور الدين محمود: يقول ﵊: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ وأنا والله ما لعبتها إلا لأتقوى بها على الجهاد في سبيل الله. قال: ونامت زوجته ولم تقم الليل، فغضب هو وغضبت زوجته، ومن ثم أنشأ الطابلانخات لتحدث الأصوات ليقوم الناس، وكانت زوجته عابدة مصلية، وهي بَنَتْ كثيراً من المدارس وأوقفت كثيراً من الوقوف، قال ابن كثير: فألبس الله هاتيك العظام وإن بُلين تحت الثرى عفواً وغفرانا سقى ثرى أودعوه رحمة ملأتَ مثوى قبورهم روحاً وريحانا وهو يستحق والله! وقيل له: اذكر لنا من بعض أيامك، قال: لما نازلت الفرنجة في دمياط، قال: خرجت بجيش قليل، وإذا بجيش الفرنجة كثير قد اجتمعوا من فرنسا وانجلترا وغيرها كل هذه الدول اجتمعوا ضده، فلما رأى جيشه قليلاً وجيشهم كثيراً، طلب المهلة عشرين يوماً، قال: فصام العشرين يوماً كلها لا يفطر إلا على ماء وقليل خبز حتى ضمر جسمه، وكان يقوم الثلث الأخير، ويقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي. قال: فنام ليلة، فرأى الرسول ﵊، يقول له: لا تيأس يا نور الدين محمود! من نصر الله، أما نصرك يوم حارم؟! قال: فلما صلى الفجر أتاه القاضي يحيى قاضي دمياط، فصلى معه وقد رأى القاضي يحيى رؤيا كرؤيا نور الدين، فسلم عليه وقال: رأيت رؤيا البارحة، فتبسم نور الدين محمود قال: لعلك رأيت الرسول ﷺ يقول: قل لـ نور الدين محمود لا ييأس من نصر الله، فإنه نصره يوم حارم؟ قال: إي والله رأيت هذه الرؤيا، قال: وأنا رأيتها، قال: فأسألك بالله ما يوم حارم؟ قال: لما نازلت الفرنجة في حارم العام الأول، كان عددهم أكثر من هذا العدد، فلما ترجلت عن فرسي، أنست من نفسي الهزيمة، فمرغت وجهي في التراب، وقلت: اللهم انصرني فنصرني ربي، فهذا يوم حارم. فيقول ﷺ : الذي نصرك يوم حارم ينصرك اليوم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] قال الذهبي: وكان نور الدين حامل راية العدل والجهاد، وجمع غباره، الذي على قلنسوته وثيابه، ووجد على سرج فرسه، فجمع مقدار لَبِنَة، ثم صنعت لبنة، ثم قال: ضعوها عند رأسي إذا وضعتموني في القبر، فجمعوا هذا الغبار، وجلعوها لبنة ووضعت عند رأسه، قال الذهبي: قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها وبقي بها عشرين سنة، وافتتح أولاً حصوناً كثيرة، وأقام الإسلام ونصر الدين، وارتفعت في عهده لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبنى المدارس بـ حلب وحمص ودمشق وبعلبك والجوامع والمساجد، وكان إذا أذن المؤذن قام مسرعاً لا يتأخر. يقول بعض المؤرخين: كان أول من يدخل المسجد القريب مسجد الجيش؛ نور الدين محمود، وكان يمر على الجنود وكان فيه مزح، يمزح أحياناً ويسلم عليهم ويوقظهم للصلاة، فإذا جد الجد لا يتبسم أبداً، قال الذهبي: وكان بطلاً شجاعاً، وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يبكي في مجلس العلماء إذا تلي عليه كلام الرسول ﵊، وكان يحضر مجالس الحديث بنفسه في المسجد، وربما خرج في الليل متنكراً لا يُعرف، ليرى أحوال الفقراء، وأحوال العامة، وسمع أن أحد المترفين اعتدى على ملك رجل آخر فاستدعاه، وبطحه بالكرباك بيده؛ لأن هذا يقولون: ظالم، قال: وكان يتعرض للشهادة دائماً وأبداً، وبنى دار العدل، وأنصف الرعية، ووقف مع الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخرج العين بأحد التي دفنها السيل، وفتح درب الجهاد، وقال: أسأل الله أن ألقاه يوم القيامة، ولا يسألني عن درهم ولا دينار.

стр. 2453

خوفه من الله وكان يفكر ملياً، فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أخشى من الله أن ينجي الأمة وأن يدخلني النار -نعوذ بالله من النار- وكانت الفرنجة قد استضرت في عهده ضرراً بالغاً، وألحق بها هزائم فادحة عبر التاريخ، وكان نور الدين مليح الخط، كثير المطالعة، يخلو قبل أن ينام بكتب العلم فيطالعها، وكان يصلي كل الصلوات في جماعة ولا يعذر أحداً من الجيش بترك الصلاة، وكان يصوم حتى في المعركة. يقول ﷺ في صحيح مسلم: ﴿من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾ قال: وكان يتلو ويسبح الله كثيراً، ويتحرى في القوت، ويتجنب الكبر، وكان يتشبه بالعلماء والأخيار، وكان إذا دخل عليه العلماء أقام الوزراء وأجلسهم مكانهم، وقال لهم: أنتم ميراث محمد ﵊، وكان إذا تكلم قال للعلماء: تكلموا يا من استشهدهم الله على وحدانيته: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. وكان كل من رآه، شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، وكان على وجهه نور من كثرة صلاته بالليل، وكان متواضعاً جد متواضع، وربما مر بالأطفال الأيتام فمسح على رءوسهم، فرضي الله عنه وأرضاه، ورفع منزلته. قال أبو الفرج ابن الجوزي: جاهد وانتزع من الكفار نيفاً وخمسين مدينة وحصناً، وارتفعت كلمة التوحيد في عهده، وكان سادس الخلفاء أو الأئمة على مر الإسلام، وربما سبع بعضهم بـ أورنك زيب ملك الهند في العدد. وقال عنه موفق عبد اللطيف صاحب التاريخ: كان نور الدين لا ينشف له لبِد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، وربما نسخ كتب الحديث وباعها، ويعمل أغلافاً تارة، وربما عمل أغلافاً للمصاحف وجلوداً لها، ويلبس الصوف ويلازم السجادة والمصحف، وكان حنفياً يراعي مذهب الشافعي ومالك، ويحترم الخلاف، ولا يرى أن يثار الجدل في مجلسه، وقد عزر كثيراً من علماء المنطق وأهل الكلام، وقال: إنما الإسلام قال الله وقال رسوله، وهؤلاء علماء الفوضى علماء الكلام الذين يقول فيهم الإمام الشافعي: رأيي في علماء الكلام أن يطاف بهم في العشائر والقبائل وأن يضربوا بالجريد وبالنعال ويقال: هذا جزاء من ترك قال الله وقال الرسول ﵊، فهم أشبه شيء بعلماء الفكر الضائع الضال الذين لا يهتدون بنور من الله ولا بصيرة.

стр. 2454

أوصاف نور الدين ذكر ابن الأثير في الكامل أوصافه فقال: وكان أسمر، له لحية في حنكه، وكان واسع الجبهة، آثار السجود بادية عليه من كثرة صلاته، وكان حلو العينين، طالعت السير فلم أر فيها -يقول ابن الأثير - فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة منه، وهو أولى بقصيدة أبي تمام الشهيرة التي قالها في محمد بن حُميد الطوسي الذي قتل شهيداً: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر إلى آخر ما قال، قال: فهو أولى بها.

стр. 2455

مجالس نور الدين كان يحاسب عماله، وله في كل جمعة أربعة مجالس: المجلس الأول: للعلماء، يجلس معهم ويستفتيهم، ويسألهم، وربما تدخل في بعض القضايا، وكان يحفظ كثيراً من الأدلة. المجلس الثاني: لأمراء الأقاليم وكان يتحرى معهم. المجلس الثالث: للفقراء والأيتام. المجلس الرابع: للنساء وكان يجلس وراء ستار، ويسمع شكاوى النساء، وربما أخر مجلس النساء وأرسل من ينوب عنه من القضاة ليسمعوا الشكاوي. قال الذهبي: كان دينا تقياً، لا يرى بذل الأموال إلا في نفع، وكان كما مر معنا، أدمن الكر والفر حتى أثر ذلك في جسمه.
следующие страницы →