← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

رؤيته للنبي ﷺ في المنام ذكر الأسنوي في رسالته، وذكر السمهودي في وفاء الوفاء، الكتاب المشهور، أن نور الدين محمود نام ليلة من الليالي وهو في دمشق العاصمة، وفي وسط الليل رأى الرسول ﵊ في المنام وبجانبه رجلان عليهما زي مغربي، فيقول ﷺ : أنقذني يا محمود! قال: فقام وصلى ركعتين ورجع فنام، فرأى الرسول ﷺ قال: أنقذني يا محمود! فعاد ثلاثة، فقال: فرآه وهو يقول أنقذني يا محمود! فقام وبعد صلاة الفجر جمع العلماء، وجلس في الإيوان، وما كان يجلس إلا ضحى، أي جمعهم بعد الفجر مباشرة وقال: ماذا ترون رأيت كذا وكذا؟ قال أهل العلم: نرى أن الرسول ﵊ يؤذى في قبره فنرى أن تذهب ونذهب معك الآن لنرى ماذا أتاه في قبره، بأبي هو وأمي ﵊. قال: فأعلن حالة الاستنفار في جيشه وتحرك بالجيش الذي يداهم به الصليبيين حوله إلى المدينة، قال: ومشى هو في أول الجيش ونزل قباء -المكان المعروف- ثم طوق المدينة، وأمر بعدم دخول داخل أو خروج خارج من المدينة، ثم عمل وليمة غداء للناس واستدعاهم، وقال لجنده: فإذا أصبحنا على الطعام وبدأنا نأكل اذهبوا في بيوت المدينة ومن تخلف فتعالوا به، فذهبوا فوجدوا الناس قد حضروا مأدبته، إلا رجلين مغربيين في الروضة يسبحان ويصليان، فعادوا وقالوا له: أتى الناس إلا رجلين رفضا أن يأتيا، قال: عليّ بهما، فأتي بهما، فإذا هما اللذان رأى في المنام، قال: ما قصتكما؟ قالا: نحن نعبد الله ونسبحه ونذكره في الروضة، قال لجنوده: مسوهما بعذاب، يعني: خذوهما بتحقيق، فذهب مع الجنود فجلدوهما فاعترفا، فقالوا: نحن أرسلنا ملك عكا الصليبي من الفرنجة، وأنزلنا في قارب في جدة، وركبنا من هناك، لنأخذ جثمان الرسول ﷺ ، ونذهب به إلى عكا، قال: يا كلبان! ما كان لكما ذلك، ثم أمر السياف أن يضرب رءوسهما، فضرب رءوسهما، ثم نكسهما عند مدخل قباء، ثم ذهب وأتى إلى القبر، فوجد أنه يحفر من تحت البساط وقد اقتربوا من القبر، فأمر بصب ما حول القبر من الرصاص، وقيل بين الرصاص وبين القبر صبة فضة، فرضي الله عنه ورحمه، وأعلى منزلته في الجنة، وهذا هو الوارد، قال ابن كثير: لما مات نور الدين فرح المجنة -يعني: الماجنون- وفرح أهل الخلاعة، وفرح أهل الطرب، لأن دولتهم ماتت في دولته، فأهل الفن، وأهل العود والوتر، ماتت دولتهم في دولته، لا يحب إلا العلماء، وما يكرم إلا الدعاة، وما يعلي إلا أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما أهل الضياع فما لهم سوق عنده أبداً. قال: فقام مغنٍ يرقص في السوق، ويقول: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وهذه القصيدة لـ أبي نواس، وهذا المغني لما سمع بموت نور الدين، نزل السوق يرقص، ويقول: ألا فسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر قالوا: وكان الشعراء يقفون ببابه، قال: أنا لا أعطي شاعراً، إنما أعطي العلماء؛ لينشروا دين الله والمجاهدين؛ لينصروا دين الله، والفقراء للحاجة، والمساكين للعوز، أما غيرهم فليس لهم في بيت المال لهم شيء هكذا قال. فقال أحد الشعراء في نور الدين ﵀، لما أتى إلى نور الدين فمدحه بقصيدة، فلم يعطه شيئاً، قال: أنت لست بعالم تدعو، ولا بمجاهد ينصر بك الدين، ولا فقير ولا مسكين، فقال الشاعر: سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا له فكل عن الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة من المعاصي وفيها الجوع والعطش الجوع والعطش للمتمردين وهؤلاء الهامشيين، الذين ليس لهم مكانة ولا أثر في الأمة، ولا ينبغي أن ينزلوا إلا منزلة من المنازل التي يستحقونها.

стр. 2452

اشتهاره بالعدل وخوفه على الإسلام كان مضرب المثل في العدل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فانظر كيف نصر الله نور الدين وصلاح الدين على قلة العدد والعدة، مع كثرة العدو وذلك لأنهم أقاموا العدل في الأرض، ثم قال: إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، وإن الله يدمر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، انتهى كلامه في المجلد الثاني. وكان نور الدين محمود يلعب بالكرة على الخيل، قال له أحد الناس: مالك تلعب بالكرة، أليس هذا من اللهو؟! قال نور الدين محمود: يقول ﵊: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ وأنا والله ما لعبتها إلا لأتقوى بها على الجهاد في سبيل الله. قال: ونامت زوجته ولم تقم الليل، فغضب هو وغضبت زوجته، ومن ثم أنشأ الطابلانخات لتحدث الأصوات ليقوم الناس، وكانت زوجته عابدة مصلية، وهي بَنَتْ كثيراً من المدارس وأوقفت كثيراً من الوقوف، قال ابن كثير: فألبس الله هاتيك العظام وإن بُلين تحت الثرى عفواً وغفرانا سقى ثرى أودعوه رحمة ملأتَ مثوى قبورهم روحاً وريحانا وهو يستحق والله! وقيل له: اذكر لنا من بعض أيامك، قال: لما نازلت الفرنجة في دمياط، قال: خرجت بجيش قليل، وإذا بجيش الفرنجة كثير قد اجتمعوا من فرنسا وانجلترا وغيرها كل هذه الدول اجتمعوا ضده، فلما رأى جيشه قليلاً وجيشهم كثيراً، طلب المهلة عشرين يوماً، قال: فصام العشرين يوماً كلها لا يفطر إلا على ماء وقليل خبز حتى ضمر جسمه، وكان يقوم الثلث الأخير، ويقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي. قال: فنام ليلة، فرأى الرسول ﵊، يقول له: لا تيأس يا نور الدين محمود! من نصر الله، أما نصرك يوم حارم؟! قال: فلما صلى الفجر أتاه القاضي يحيى قاضي دمياط، فصلى معه وقد رأى القاضي يحيى رؤيا كرؤيا نور الدين، فسلم عليه وقال: رأيت رؤيا البارحة، فتبسم نور الدين محمود قال: لعلك رأيت الرسول ﷺ يقول: قل لـ نور الدين محمود لا ييأس من نصر الله، فإنه نصره يوم حارم؟ قال: إي والله رأيت هذه الرؤيا، قال: وأنا رأيتها، قال: فأسألك بالله ما يوم حارم؟ قال: لما نازلت الفرنجة في حارم العام الأول، كان عددهم أكثر من هذا العدد، فلما ترجلت عن فرسي، أنست من نفسي الهزيمة، فمرغت وجهي في التراب، وقلت: اللهم انصرني فنصرني ربي، فهذا يوم حارم. فيقول ﷺ : الذي نصرك يوم حارم ينصرك اليوم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] قال الذهبي: وكان نور الدين حامل راية العدل والجهاد، وجمع غباره، الذي على قلنسوته وثيابه، ووجد على سرج فرسه، فجمع مقدار لَبِنَة، ثم صنعت لبنة، ثم قال: ضعوها عند رأسي إذا وضعتموني في القبر، فجمعوا هذا الغبار، وجلعوها لبنة ووضعت عند رأسه، قال الذهبي: قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها وبقي بها عشرين سنة، وافتتح أولاً حصوناً كثيرة، وأقام الإسلام ونصر الدين، وارتفعت في عهده لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبنى المدارس بـ حلب وحمص ودمشق وبعلبك والجوامع والمساجد، وكان إذا أذن المؤذن قام مسرعاً لا يتأخر. يقول بعض المؤرخين: كان أول من يدخل المسجد القريب مسجد الجيش؛ نور الدين محمود، وكان يمر على الجنود وكان فيه مزح، يمزح أحياناً ويسلم عليهم ويوقظهم للصلاة، فإذا جد الجد لا يتبسم أبداً، قال الذهبي: وكان بطلاً شجاعاً، وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يبكي في مجلس العلماء إذا تلي عليه كلام الرسول ﵊، وكان يحضر مجالس الحديث بنفسه في المسجد، وربما خرج في الليل متنكراً لا يُعرف، ليرى أحوال الفقراء، وأحوال العامة، وسمع أن أحد المترفين اعتدى على ملك رجل آخر فاستدعاه، وبطحه بالكرباك بيده؛ لأن هذا يقولون: ظالم، قال: وكان يتعرض للشهادة دائماً وأبداً، وبنى دار العدل، وأنصف الرعية، ووقف مع الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخرج العين بأحد التي دفنها السيل، وفتح درب الجهاد، وقال: أسأل الله أن ألقاه يوم القيامة، ولا يسألني عن درهم ولا دينار.

стр. 2453

خوفه من الله وكان يفكر ملياً، فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أخشى من الله أن ينجي الأمة وأن يدخلني النار -نعوذ بالله من النار- وكانت الفرنجة قد استضرت في عهده ضرراً بالغاً، وألحق بها هزائم فادحة عبر التاريخ، وكان نور الدين مليح الخط، كثير المطالعة، يخلو قبل أن ينام بكتب العلم فيطالعها، وكان يصلي كل الصلوات في جماعة ولا يعذر أحداً من الجيش بترك الصلاة، وكان يصوم حتى في المعركة. يقول ﷺ في صحيح مسلم: ﴿من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾ قال: وكان يتلو ويسبح الله كثيراً، ويتحرى في القوت، ويتجنب الكبر، وكان يتشبه بالعلماء والأخيار، وكان إذا دخل عليه العلماء أقام الوزراء وأجلسهم مكانهم، وقال لهم: أنتم ميراث محمد ﵊، وكان إذا تكلم قال للعلماء: تكلموا يا من استشهدهم الله على وحدانيته: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. وكان كل من رآه، شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، وكان على وجهه نور من كثرة صلاته بالليل، وكان متواضعاً جد متواضع، وربما مر بالأطفال الأيتام فمسح على رءوسهم، فرضي الله عنه وأرضاه، ورفع منزلته. قال أبو الفرج ابن الجوزي: جاهد وانتزع من الكفار نيفاً وخمسين مدينة وحصناً، وارتفعت كلمة التوحيد في عهده، وكان سادس الخلفاء أو الأئمة على مر الإسلام، وربما سبع بعضهم بـ أورنك زيب ملك الهند في العدد. وقال عنه موفق عبد اللطيف صاحب التاريخ: كان نور الدين لا ينشف له لبِد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، وربما نسخ كتب الحديث وباعها، ويعمل أغلافاً تارة، وربما عمل أغلافاً للمصاحف وجلوداً لها، ويلبس الصوف ويلازم السجادة والمصحف، وكان حنفياً يراعي مذهب الشافعي ومالك، ويحترم الخلاف، ولا يرى أن يثار الجدل في مجلسه، وقد عزر كثيراً من علماء المنطق وأهل الكلام، وقال: إنما الإسلام قال الله وقال رسوله، وهؤلاء علماء الفوضى علماء الكلام الذين يقول فيهم الإمام الشافعي: رأيي في علماء الكلام أن يطاف بهم في العشائر والقبائل وأن يضربوا بالجريد وبالنعال ويقال: هذا جزاء من ترك قال الله وقال الرسول ﵊، فهم أشبه شيء بعلماء الفكر الضائع الضال الذين لا يهتدون بنور من الله ولا بصيرة.

стр. 2454

أوصاف نور الدين ذكر ابن الأثير في الكامل أوصافه فقال: وكان أسمر، له لحية في حنكه، وكان واسع الجبهة، آثار السجود بادية عليه من كثرة صلاته، وكان حلو العينين، طالعت السير فلم أر فيها -يقول ابن الأثير - فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة منه، وهو أولى بقصيدة أبي تمام الشهيرة التي قالها في محمد بن حُميد الطوسي الذي قتل شهيداً: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر إلى آخر ما قال، قال: فهو أولى بها.

стр. 2455

مجالس نور الدين كان يحاسب عماله، وله في كل جمعة أربعة مجالس: المجلس الأول: للعلماء، يجلس معهم ويستفتيهم، ويسألهم، وربما تدخل في بعض القضايا، وكان يحفظ كثيراً من الأدلة. المجلس الثاني: لأمراء الأقاليم وكان يتحرى معهم. المجلس الثالث: للفقراء والأيتام. المجلس الرابع: للنساء وكان يجلس وراء ستار، ويسمع شكاوى النساء، وربما أخر مجلس النساء وأرسل من ينوب عنه من القضاة ليسمعوا الشكاوي. قال الذهبي: كان دينا تقياً، لا يرى بذل الأموال إلا في نفع، وكان كما مر معنا، أدمن الكر والفر حتى أثر ذلك في جسمه.

стр. 2456

وفاة نور الدين محمود هل مات شهيداً حيث أنه سُمي عند أهل العلم شهيداً؟ والشهادة هبة من الله ، وفي صحيح مسلم عنه ﵊ أنه قال: ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ وقد سأل الله الشهادة في كل موقعة، وقد تمنى وكان يسجد ويقول كما مر معنا: اللهم احشرني يوم العرض الأكبر من حواصل الطير وبطون السباع، ومع ذلك لله حكمة . خالد بن الوليد يقال: خاض أكثر من مائة معركة، ومع ذلك مات على الفراش -حكمة بالغة- وهذا سمي عند أهل العلم شهيداً؛ لأن مرضه أشبه بالشهادة، فقد جلس في الإيوان وكان تُرفع إليه قصاصات وأوراق الشكاوى فرفع طرفه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم احمر وجهه فسحب من المكان ورفع، فمات بعد ساعات، وأصيب بالخوانيق وهو اختناق وقليل جروح امتدت إلى بطنه فلعله من الشهداء الذين قال فيهم ﵊: ﴿المبطون شهيد﴾ قالوا: دخل الداء إلى بطنه، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي أن أبا زرعة الحافظ الكبير المحدث لما حضرته سكرات الموت أغمي عليه، فأراد تلاميذه بعد ما استيقظ أن يذكروه هذا الحديث، لأنهم استحيوا أن يقولوا: قل لا إله إلا الله، وإلا فلا حياء في مثل هذه الكلمة، بل النصيحة واردة، لكن لجلالة أبي زرعة في الإسلام، أرادوا أن يذكروه بسند الحديث ليتذكر هو الحديث، قال: فاختلفوا في سند الحديث قال بعضهم: حدثنا فلان، وقال بعضهم: حدثنا فلان، فقال: أبو زرعة، وهو في الرمق الأخير، حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، أن فلاناً حدثنا عن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم مات. ولما توفي اختلطت السلطة، وقام نائبه ففتح الإيوان للعزاء، فسمع بكاء الناس، ووقف النساء والأطفال على سطوح المنازل، ونزل الجند من الثكنات معهم الخيزرانات، يمنعون الناس من النزول إلى السكك خوفاً من الرهج، وأصاب الناس هم عظيم وحزن، ودخل في كل بيت مصيبة، وقام الناس يقرءون القرآن، ويبتهلون إلى الله أن يغفر له، وأعيدت قراءة رسائله إلى الأمة، واشتد البكاء، ونزل القضاة يصلون بالناس، وارتفعت جنازته وسار وراءها الجيش ثم العامة، وما وصلت إلى المقبرة إلا في صلاة العصر وقد مضي بها من الصباح. وتقطعت في الطريق أحذية الأمراء والوزراء، وكانت الأغطية تسقط على الناس من على سقوف المنازل والعمامات، وكان الناس يقولون: سقى الله نور الدين من سلسبيل الجنة، غفر الله لـ محمود، رحم الله محموداً، قال: وأسلم من النصارى، واليهود جمع عظيم لما رأوا جلالة الإسلام وعظمته، وقام القاضي الشهرزوري يصلي عليه فقال: الله أكبر فبكى؛ فبكى الناس. قال: وكان له رسم في حياته، يحسب ما يدخل عليه من أجرة الدكاكين ومن أجرة الكوافي ونسخ المجلدات، ويحسب ما ينفق في سيبل الله، وكانت معيشته عيشة الفقير، وكان له بعض الأموال في مزرعة في الشمال ينفقها على الفقراء.

стр. 2457

معالم من سيرة نور الدين فهذا من سيرته ﵁ وأرضاه وهذه المعالم التي أريد أن ألخص من سيرة هذا الإمام لتكون معلماً من معالم السيرة، وقد ذكرها الحفاظ كثيراً وأطنبوا في ذكرها، وكلما ذكر ابن تيمية الجهاد؛ ذكر هذا الرجل وترحم عليه، ولا نزال نترحم عليه إلى اليوم، والله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 2458

اهتمامه بالعلم ونشر السنة فقد اهتم بالعلم ونشر السنة، ولذلك أباد دولة الفاطميين إبادة ما سمع التاريخ بمثلها، وبقيت لهم بقية في مصر استحوذ عليها صلاح الدين وأنهى أمرهم، وأباد الإسماعيلية والباطنية، وكان قوي الشكيمة، ولا يسمح للمبتدعة بالحديث في المساجد. وكان يأمر بالسنة، وكان إذا صلى الناس العشاء قام أولاً يوتر بعد صلاة العشاء على مذهب الأحناف، وأنت ترى الأحناف اليوم إذا سلم الإمام حتى في الحرمين يقومون مباشرة ويسنون، ونور الدين منهم، وهو من أصلب الناس على المحافظة على السنن، ومن أقواهم حتى يروون في رواية لـ أبي يوسف ومحمد بن الحسن، أن الوتر واجب، فهم يحافظون عليه محافظة تامة، ومنهم نور الدين محمود، وكان يخلع حذاءه إذا أراد أن يدخل المسجد ويأخذها بيده أمام الجنود والناس، وكان إذا دخل المسجد تبسم للناس وتبسموا له، وسلم عليهم. وكان يحضر مبكراً لصلاة الجمعة، فيجلس أمام الخطيب، وكان يعظه الواعظ المنتخب فيبكي، وكان المنتخب يقول في الخطبة: يا محمود! اتق الله يا محمود! فيسمع نشيج محمود في الصف الأول. قال الذهبي في ترجمة القطب الواعظ الثاني الذي أتى خطيباً بعد المنتخب، فبعد أن مات المنتخب، عين نور الدين محمود القطب خطيباً بعده، فأراد أن يقلد الأول، والأول عنده صدق وعلم وقوة وزهد، فكان يقول: يا محمود! اتق الله يا محمود! قال: فيقشعر جلد محمود ولا يبكي، وبعد الصلاة قال له محمود: لا تذكر اسمي في الخطبة، فو الله إن المنتخب كان إذا قال لي: يا محمود! اقشعر جلدي وذرفت دمعتي ووجل قلبي، وأما أنت إذا قلت لي يا محمود! ضاق صدري وقسا قلبي، قال الذهبي مترجماً لـ القطب كان غائصاً في بحار الدنيا. أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها وأذكر في ذلك قصة يذكرها الحفاظ: أن عمر ﵁ وأرضاه، مر برجل مصروع أغمي عليه، فقال عمر: مه، ما هذا؟! قالوا: مصروع، عليه مس، فجلس عمر ووضع يده على صدره، وقرأ عليه سورة ق فشفي بإذن الله وأخرج الجان، وبعدما ما مات عمر أتى الجان وركب هذا الرجل، وأعاد الكرة معه، فجاء رجل من الناس -وقد حضر قصة عمر ﵁ فوضع يده على صدر هذا المصروع وقرأ سورة ق، فقال الجان: السورة هي السورة ولكن القارئ غير القارئ. فالكلام هو الكلام، لكن القارئ يختلف، فذاك عمر وهذا يختلف. فهذا وقع أيضاً، فيقول نور الدين: لا تذكرني في الخطبة مرة ثانية، اخطب وأنا أسمع، أما ذاك فذهب.

стр. 2459

إقامته للجهاد وبقي من سيرته مسألة ثانية، وهي أنه أقام الجهاد للمسلمين وفتح الله به بلاداً كثيرة، ورفع به الراية، وصنع منبراً من الخشب، وكان يضرب فيه المسامير بنفسه، قالوا: لمن هذا المنبر، قال: أصلي فيه وأخطب فيه إن شاء الله في بيت المقدس، ولكن لم يحصل. تقضون الفلك المسير دائر وتقدرون فتضحك الأقدار ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الانسان:٣٠] وفتح أحد حسناته، وهو تلميذه صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس، ولما فتح بيت المقدس الجمعة الأولى جلس في الصف الأول وقام شمس الدين الحلبي يخطب في الخطبة، وذكر نور الدين وأخذ يحيي صلاح الدين، يقول في الخطبة: الحمد لله وحده، الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، ثم التفت إلى صلاح الدين وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبنِ وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن ثم ترحموا على نور الدين، فلما صلوا قام صلاح الدين وقبل المنبر من الخشب، الذي صنعه نور الدين محمود وقال: رحمك الله، وقد تمنى أن يصلي هناك، فنسأل الله أن يكتب له أجر تلك الأمنية، وكان خاطره مكسرواً كلما تذكر بيت المقدس، وقد فتح الشمال وطرد الإفرنجة ووقف أحد أبناء نور الدين واسمه ابن معين الدين معه، فلما طرد الإفرنجة، قال لـ ابن معين الدين: الآن بردت جلدة أبيك في قبره، قال: ولمَ أبي؟ قال: لأنه صالح الإفرنجة وأنزلهم دمياط وأنا طردتهم، قال: الآن لما شاركت عسى أن تكون كفارة، أنك طردت هؤلاء الأقزام.

стр. 2460

اهتمامه بالقرآن وحملته وقد جعل لحفاظ القرآن الكريم أعطيات، وكان يسمع بنفسه على الأبناء والأطفال الذين يدخلون عليه، وكان بجيبه دائماً دنانير، فكلما أتاه طفل قبله ومسح رأسه ووضع في يده ديناراً، وكان يسأل أبناء المترفين والسادة والأمراء والوزراء هل يحفظون القرآن أم لا؟ ﵀ رحمة واسعة.

стр. 2461

نشره كتب الحديث ورفعه لمكانة المحدثين المسار الرابع في حياته: أنه ﵁ وأرضاه نشر كتب الحديث وجعل للمحدثين مكانة في الإقليم، وأمر العلماء أن يقلوا من الخلاف، وكان يردد الكلمة المشهورة، وقد رددها ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام فكان نور الدين محمود يقول: من عبد الله على مذهب أحمد فقد أصاب، أو مذهب أبي حنيفة، أو مذهب مالك، أو مذهب الشافعي، وكل يقصد الخير، فانظر إلى حسن فطنته، وإلى عقله وتمام رويته، جمعنا الله به في دار الكرامة. فهذه معالم من سيرة نور الدين محمود الذين يتعرض أبناء عمومته الأكراد أهل السنة إلى هجوم من الحزب الكافر: حزب البعث، وإبادة تامة، فنسأل الله أن يرفع عنهم هذه الضائقة وأن ينصرهم على عدوهم، وإنها والله لعبرة لنا أن نعتبر، والله قد تكفل بنصر هذا الدين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. فهذا الدين ينصر على يد من والى الله ، فإن بلالاً عبد حبشي جعله الله من أنصار دينه، وأبو طالب أصله قرشي ولكنه أعرض عن لا إله إلا الله، وسلمان فارسي وصهيب رومي، ولكن أقرب الناس إلى الله أحبهم إليه بطاعته، ولا يقترب أحد إلا بنصر هذا الدين. فانظر إليه كيف كان عجمياً تركياً ولم يكن عربياً، ثم تحمس للإسلام وتفقه في الدين، ورفع القرآن ونصر إياك نعبد وإياك نستعين، وأكرم أهل العلم وأذل أهل الكفر والبدع، ونفى الفساد، وأقام العدل والجهاد، فأصبح مرفوع العماد، ومذكوراً بين العباد على مر الأعوام والأيام والآماد: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١]. ونسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وإنما المقصود من سير هؤلاء أن نتعلم ونأخذ منهم ما تركوا لنا من علم وأدب وتواضع وحلم، فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ ويقول الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وكان ﷺ يقول: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ فنشهد الله وملائكته وحملة عرشه، ثم نشهدكم أننا أحببناه وأحببنا الصالحين، فنسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة. إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا أيها الإخوة الكرام: بقي مسألتان، المسألة الأولى: حفظكم الله تعلمون أنه قد قرب وقت إخراج زكاة الفطر وهناك الهيئة العامة للإغاثة الإسلامية، وفقها الله والقائمين عليها تتلقى زكاة الفطر، وعنوانها معروف عند الإخوة حتى تدفعوا إليها زكاتكم، وفيها فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز. الأمر الثاني: أمامكم مشروع عظيم، والواجب علينا جميعاً أن نشارك فيه، وهو والله فخر لهذه البلاد وفخر لنا جميعاً، وهو ما أوجب أن يمكن أن يدفع فيه المال، الجماعة الخيرية لتحفيظ كتاب الله تتحرى منكم الدعم، هذه الليلة وبعد هذه الليلة، وسوف تقوم بمشروع عظيم، بناء واسع للجماعة، وفيها مسجد، وفيها صالات، ومكتبات ودور وفيها أمكنة لطلبة العلم، تحمل الشهادة لكم بأنكم أنفقتم في سبيل الله، ولا يقول قائل منكم إني دفعت بالأمس، أو قبل أمس، لا. بل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] إلى التبرع هذه الليلة، بدعم سخي، على ما عودتم أنفسكم بهذا البذل، وأنا أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2462

الهداية لا بد لمن يسلك سبيل الهداية التي يتوصل بها إلى رضوان الله من أمور، منها: دعاء الله بالتوفيق للهداية. وتدبر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . والتمعن والنظر في الكون والخلق كيف هدى الله كل إنسان إلى ما هو أهل له من عمل ووظيفة وغاية. فيجدر بهذا السالك به أن يعرف أسباب الهداية وأحوالها وسبل التوصل إليها.

стр. 2463

أهمية الهداية الحمد لله القائل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:١ - ٦]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون الفضلاء! أيها الصائمون النبلاء! أيها الأتقياء الأولياء! عنوان هذه المحاضرة: الهداية. أزفها بمناسبة هذا الشهر الكريم، وأهديها لمن فكر أن يتوب، ولمن رشح نفسه أن يكون عبداً لله، ولمن فكر يوماً من الأيام أن ينقذ نفسه من الهموم والغموم والأحزان، والتمزق والفجور، والبعد عن الله، أعداء الله يشكون الظلام؛ لأنهم ما رأوا نور محمد ﵊، ويشكون الظمأ؛ لأنهم ما شربوا من نهره ﷺ ، ويشكون الجوع؛ لأنهم ما جلسوا على مائدته: أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد مشينا في ضياء الوحي حقاً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه قد شربنا من كئوس الوحي حقاً وارتوينا وكتبنا في العلا بالحق تمجيد الإله عناصر هذه المحاضرة: أولها: الهداية إلى الصراط المستقيم، وما هو الصراط المستقيم؟ وأي صراطٍ مستقيم هو؟ بين مناهج الأرض وأطروحات الأرض، وقوانين الأرض، أسباب الهداية، كيف يهتدي العبد، الهداية تزيد وتنقص، الهداية إلى الأعمال الصالحة، الهداية العامة والهداية الخاصة: أقسام الهداية، انفراد الله بالهداية وحده، لا يهدي إلا هو، الهداية لصاحبها، وليست لأحد من الناس، هل الهداية سببٌ للمخاوف؟ سؤالٌ يجاب عنه في المحاضرة الهداية بالوحي، لا بمادةٍ أخرى؛ لأن الوحي وحده أثبت أنه الطريقة السلمية إلى الله ، الهداية هي السعادة الحقيقة، الهداية المطلقة، من معالم الهداية ودنيا الهداية، شرح الصدر علامةٌ للهداية، أما العنصر الخامس عشر: فهو مع محمدٍ ﵊، ومع الهداية في السنة النبوية، من كلامه، ومن منهجه ومن مشكاته ﷺ . وقبل أن نبدأ نقول: إنما يمكن أن يشفي سقمنا ومرضنا هو الهداية وحدها، ولذلك توجه هذه الكلمة لطبقات الناس؛ للملوك وللأمراء، وللوزراء، وللعلماء، وللعامة، وللأغنياء، وللفقراء؛ لأن الله نادى الجميع فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١]. تعال يا من حاله في وبال ونفسه مغروسةٌ في عقال يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال روض النبي المصطفى وارفٌ وأنتمُ أصحابه يا رجال والذي لا يركب في سفينته لن ينجو أبداً، وسوف يدركه الهلاك وتدمر حياته ومستقبله، جرب أهل الذكاء ذكاءهم فكان إخفاقاً ولعنة، وجرب أهل المال مالهم فكان غضباً عليهم وسحقاً وفقراً، فعرفوا بالتجارب والاستقراء أنه لا يمكن أن ينجو أحد إلا في سفينة محمد ﵊، وأنا جعلت أكثر مادة هذه المحاضرة آيات من القرآن الكريم، وجمعت في هذا الموضوع أكثر من ستين آية من كتاب الله ، تتكلم كلها عن الهداية، وعن تعريف الهداية، وأسباب الهداية، وطرق الهداية، ونتائج الهداية، ومن المهتدي حقيقة، وما علامة الهداية، وكلها سوف تسمعونها.

стр. 2464

الهداية إلى الصراط المستقيم في القرآن ثلاث آيات تتحدث عن هذا المبدأ، يقول سبحانه وهو يوجه المؤمنين إلى الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وقال سبحانه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٨] وقال سبحانه: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢]. قيل: القرآن، وقيل: محمدٌ ﵊، وقيل: طريق النجاة، وقيل: الإسلام، والصحيح: أنه كل ما يهديك إلى الله فهو الصراط المستقيم، والصحيح أنه الإسلام، فهو الطريق الذي وقف في أوله ﷺ ورفع فيه راية لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ﷺ ، والطريق الذي يؤذن فيه بلال، والطريق الذي سلكه من قبل نوح وآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، هو الطريق الخالد لذاك الموكب الكريم، فهذا هو الطريق المستقيم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] وهم الأنبياء والرسل والصالحون والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، والصراط المستقيم هو أقرب موصل بين نقطتين، فليس فيه عوج ولا لبس، ولا مذاهب أرضية، ولا أطروحات بشرية، إنه مستقيم جد مستقيم يوصلك إلى الأمام. ولا تركن لغير الهداية، لا تتوقع أن منصبك أو كرسيك أو مالك أو ولدك سوف ينقذك من عذاب الله، إن لم تتشرف بحمل الهداية، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. لبيد بن ربيعة أحد شعراء العرب كان شاعراً مشهوراً، كان عنده جماهير، يصفقون له ويمدحونه، لكنه ذاق جرعةً من دواء محمد ﵊، فوجد الهداية، فاعتزل الشعر والجماهير والغناء، وقال: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا إذا وصل بك الحال إلى أن لم تكتشف في هذا القرن الخامس عشر، أن الهادي بعد الله -هداية الدلالة- محمدٌ ﵊، فإنك إذاً ما اكتشفت، ولا عرفت شيئاً. وقال سبحانه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٨] وهذه في سورة النساء، يقول الواحد الأحد: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. والخطاب لليهود، ولكل من سار على منهج اليهود، أو شابه اليهود في سيرهم، يقول: لو فعلوا بهذه السنة وهذا القرآن والوحي ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] أنا وأنت علينا ميثاق، والميثاق ختمٌ أتى به ﷺ ، فمن حمله في كتفه أداه إلى الجنة، وهذا الميثاق يقال عليه: شارة المدينة، وخرج من مسجده ﷺ ، وهو علامة لـ أهل السنة، إذا رآهم المحاسبون يوم العرض الأكبر أدخلوهم الجنة، ومن لم يحمل الختم فليس على مسيرة محمدٍ ﵊. وقال سبحانه للرسول ﵊: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] وهذه الآية من سورة الفتح التي نزلت بعد صلح الحديبية. قال أهل العلم: "كيف يهديه وقد هدي؟ واهتدى وهدى الملايين؟ لساني ولسانك، وعيني وعينك، وأنفي وأنفك، وأذني وأذنك، كلها أدواتٌ تتحرك بلا إله إلا الله، هذه الملايين اليوم التي تصوم في شعوب الأرض كلها ورقات من شجرته ﵊: أتطلبون من المختار معجزةً يكفيه شعبٌ من الأموات أحياهُ ويقول شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ يقول شوقي: إن كان عيسى أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، فأنت يا رسول الله! أتيت إلى شعوبٍ ميتة، وإلى حضارة واهية، وإلى قلوب متفلتة، فأحييتها بلا إله إلا الله!! وأعدتها إلى الله، وحركتها بلسان الحق، حتى خطبت على منابر الدنيا، قال أهل العلم: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] أي: يزيدك هداية إلى هدايتك!! وكان ﵊، إذا قام في الليل -وهذا عند مسلم من حديث عائشة كان إذا قام من الليل يقول:: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم﴾ فهداه الله هدايةً عامة، وهدايةً خاصة، وهدى به الأمم ﵊.

стр. 2465

أسباب الهداية

стр. 2466

السبب الأول: الصدق مع الله أما أسباب الهداية فاسمع إليها: أعظم سبب أن تصدق مع الله، الآن القلوب وضعت في الحرم، ففي التراويح وضعوا مهجهم أمام الله، ملوكاً وكباراً وأغنياء وفقراء، منهم الطائف، ومنهم العاكف، ومنهم الساجد، ومنهم الراكع، كلهم يستمعون القرآن والرسالة الخالدة، وكلهم يريد أن ينال المغفرة والرضوان من الله، لا أحد يشتكي على أحد، لا معاريض ولا وثائق ولا دعاوي، كل القلوب اتجهت إلى الله ، فأعظم ما يمكن أن يجعلك مهتدياً، ويرشحك أن تتوب، ويجعلك عبداً لله أن تصدق مع الله!!

стр. 2467

السبب الثاني: المجاهدة يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يقول أحد الشعراء الحكماء -وعجب ابن تيمية من قصيدته في درء تعارض العقل والنقل - وكان هذا العالم شاعراً مجيداً وكان داعياً إلى الله -يقول في قصيدة لوعة وأسى وحسرة وتبتل إلى الله: وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنتُ ممن أحبه وأفنيت جسمي في علومٍ كثيرةٍ وما منيتي إلا رضاه وقربه أما قلتمُ: من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويعذب شربه أترجم القصيدة وهي بالعربية، لكنها مناجاة الأصفياء والأخيار، يقول: وحقك يقول: "والله لو أدخلتني النار لأتكلمن إلى أهل النار وأقول: والله إني كنتُ أحب الله في الدنيا. وحب الله شيءٌ عظيم: يشرب الخمر شارب في عهد الرسول ﵊ مرات، فيجلدونه بالجريد والنعال والأحذية، ويقول أحد الصحابة عنه: قاتلك الله قال ﵊: ﴿لا تسبه فوالذي نفسي بيده، ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ ولو أنه يشرب الكأس، لكن هناك فطرة من الحب، غير أنه ما سقاها وما قواها حتى تصبح شجرة: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٥]. فيقول هذا: "يا رب! وحقك إن أدخلتني النار قلت للذين بها: قد كنتُ ممن أحبه". ويقول في آخر القصيدة: أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً أما قلت في القرآن يا رب! من جاهد فيك سوف تعظم قدره وتكرمه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] قال: أما قلتم من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويعذب شربه يا الله! يا الله! هذه الأمة اتجهت إليك، ما تريد بديلاً عن الإسلام، وهذه الصحوة العارمة جربت كل شيء، فما وجدت خلودها ولا أمنها ولا استقرارها إلا في الإسلام.

стр. 2468

السبب الثالث: الإيمان ويقول سبحانه عن المؤمنين: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩] لم يقل: بأبصارهم؛ لأن كثيراً من الناس عندهم أبصار لكنهم ما استخدموها في الهداية! عندهم عيون يرون، ويبصرون ويدركون، يلتقطون الإبرة في ظلام الليل وفي الوهج على الأرصفة، ولكنهم ما رأوا علماً مكتوباً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله مما بلغه لنا رسول الله ﵊: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩]. والإيمان هداية، الإيمان مع المادية الجدلية العصرية ومع الشيوعية الإلحادية، جُرب أنه هداية، عاش كثيرٌ من الشباب في أمريكا، فتحصنوا بالإيمان فأصبحوا كأنهم من أبناء الصحابة، وترك بعض الناس في الجزيرة الإيمان، فتردوا حتى كأنهم من ذرية أبي لهب وأمية بن خلف، فالإيمان أعظم ما يهدي العبد ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩].

стр. 2469

السبب الرابع: القرآن وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. هذا القرآن وحده مع السنة يهدي للتي هي أقوم، في العقائد، والمعاملات، وفي العبادات، وثيقة -وقد كررت هذا الكلام- أثبتت قوتها وأثبتت أنها سوف تبقى بإذن الله، كما يقول شوقي: آياته كلما طال المدى جددٌ يرينهن جلال العتق والقدمِ وقال آخر: أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبقِ والقدمِ ولم تقم منه للإنجيل قائمةٌ كأنه النوم زار الجفن في الحلمِ وثيقة ماركس اللعين عليه غضب الله انتهت في اثنتين وسبعين سنة على يدِ أذنابه وعملائه، لكن الإسلام ما زال منتصراً في الساحة، في القارات الخمس يمرُ مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، القرآن وحده: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. وانظر إلى هذا التعبير، يهدي للتي هي أقوم: للتربية، وللسلوك، وللأخلاق، وللمعتقدات، والمعاملات، لتحكيمه في حياة الناس، للسياسية الشرعية، وقال سبحانه في أسباب الهداية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] احفظ هذه الجملة ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] ولم يقل: يهدِ عينه؛ لأن العين قد تذهب، كثيرٌ من الناس عمي، ولكن قلوبهم كالشمس، وكثيرٌ من الناس مبصرون ولكن قلوبهم ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ظلمات الشهوات والمعاصي: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]. ﴿:وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال ابن عباس: [[هو العبد تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى، ويعلم أنها من عند الله، فيهدي الله قلبه]] عندنا في الإسلام المؤمن يموت ابنه فيقول: آمنتُ بالله وتموت زوجته، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويتهدم بيته ويحترق ماله، ويرى المصائب مثل الجبال، فيقول: إنا لله راجعون، فيهدي الله قلبه، ويزيده إيماناً على إيمانه، دين أقوى من الحديد، إرادات تكسر الحجر، لأنه دينٌ خالد يصل بالعبد إلى رضوان الله والسعادة.

стр. 2470

الهداية تزيد وتنقص أنا وأنت لسنا كـ أبي بكر الصديق، أبو بكر الهداية في قلبه مثل الدنيا، النور في قلبه مثل الشمس لا يصيبه ظلام أبداً؛ لأن وقته للإسلام، من أول يوم وضع يده في كف محمد ﵊ مبايعاً ومهاجراً ومجاهداً حتى أفنى كل شيءٍ عنده في خدمة هذا الدين، وأنا وأنت نطالب اليوم أن نهتدي فنصلي في المسجد جماعة، ونطالب أن نترك الغناء والمخدرات والدخان، أما أن نطالب أن نفعل مثل أبي بكر، فلا: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامةٍ يا مربع لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعدِ لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم وما بيننا وبينهم كما بين الثرى والثُريا! ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا نحن مع الصحابة مثل العُصي وهم سيوف؛ لأن الصحابة كانوا يستيقظون مع الصباح، يقول أحدهم وقد انتبه وقد استيقظت عيناه وقلبه، من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، فأول ما يفكر به كيف ينصر هذا الدين، كيف يقدم روحه، أما نحن فأول ما نستيقظ نتفكر في إفطارنا ووظائفنا وخبزنا ولحمنا وثلاجتنا وفاكهتنا، اهتماماتهم كلها للإسلام، تقطع يد أحدهم، وتتعلق بعصبة، أو بعرق، فيجعل يده بين ركبتيه، ثم يتمطى عليها حتى تنقطع لئلا تشغله عن الجهاد؛ وتقطع يد جعفر بن أبي طالب اليمنى فيأخذ الراية باليسرى، وتقطع اليسرى، فيحتضنها بين عضديه أو ليست هذه معالم الهداية؟؟!! من يصل إلى هذه الدرجة؟! أحد الصالحين كان فيه مرض، فكان يتبسم ويقول: إن كان سركمُ ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ هذا البيت لـ أبي الطيب المتنبي، رمي وهو ينشد عند سيف الدولة بدواة، فسال الدمُ من جبهته، فضحك سيف الدولة، فيقول المتنبي: يا سيف الدولة! إن كان سرك هذا الدم، فأنا لا أجد أذىً لأنه سرك. فأتى الولي الصالح، فقد رد البيت إلى من يستحقه. والهداية -أيها الإخوة- تزيدُ وتنقص، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] تعبير القرآن لا يرتقى إليه، أسلوبٌ فذ، مثل كلامنا ومثل القرآن كمثل مادة التراب، نحن نستطيع أن نصنع من مادة التراب آجراً، ونصنع منها أواني فخارية، لكن هذا التراب خلق الله منه الإنسان، والقرآن من حروف نتكلم بها، ولكن كلامنا لا يمكن أن يقارب مستوى القرآن. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧]. فهم اهتدوا من أول الطريق، الذي يصلي الصلوات الخمس يعطيه الله خشوعاً، والذي يترك الغناء يحبب الله إليه القرآن، والذي يتجه إلى ذكر الله يقوده الله إلى بر السلام: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] وفي البخاري: ﴿وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾. فمن مشى في الطريق خطوةً زاده الله هداية، المؤمن دائماً في هداية بعد هداية، والكافر والفاجر في إعراضٍ بعد إعراض، لا يخرج إلا من جرائم إلى جرائم، يضع الكأس فيحمل المجلة الخليعة، ويضع المجلة الخليعة فيعرض عن القرآن، ويعرض عن القرآن فيترك المسجد، ويعق والديه فيقطع رحمه، فهو في مصائب ومدلهمة، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] عندنا الوقود، والطاقة، يسميها سيد قطب: محطة الوقود، هذه محطات جعلها الله للمؤمنين كالمار في سيارته -ولله المثل الأعلى- كلما أوشك وقوده أن ينتهي، تزود من الطريق التي سلكها محمد ﵊، والوقود هنا هو الإيمان والذكر والقرآن والسنة وصدق التوجه إلى الله والصيام، أنتم بين موعظةٍ وصيامٍ وتلاوةٍ واعتكافٍ وعبادة، فهي وقودكم: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] عندنا الهدى نحن زدناهم من عندنا لا من عند غيرنا، وزدناهم على الجمع والتعظيم، وقوله زدناهم دليل على أن أصل النبتة موجودة في قلوبهم، أما الذي بتر الإيمان في قلبه، وأتى يطلب الشفاء، فهذا إنسانٌ ما عرف الطريق أصلاً، بتر الفطرة، ويقول سبحانه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ [مريم:٧٦] فيزيدهم بعد أن اهتدوا. ثم ذكر أن من عواملِ طاقات الهداية ومما يزيد الهداية الأعمال الصالحة الباقيات، ومن الباقيات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، نحن المؤمنون عندنا هزجٌ جميل. قرأت قبل أيام لخواجة مؤلف في علم النفس يقول: فإذا أحسست بالقلق فعليك أن تستمع إلى الموسيقى، فأقول له: خيب الله شبابك، وسود الله وجهك، وجهت الإنسان للموسيقى ليدفع القلق، وقد علمنا ﵊ ذكراً وهزجاً خالداً، علمنا أن نقول: لا إله إلا الله، وهي كلمة تنشرح لها القلوب: الله أكبر كل همٍ ينجلي عن قلب كل مكبرٍ ومهللِ يونس ﵇ في بطن الحوت في الظلام، ولما أظلمت الدنيا في عينيه قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فانقشعت من أمامه الظلمات: أين ما يدعي ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه أين هذا الظلام؟ يقول لسان حال المؤمن: أين الظلام الذي يشتكيه الناس؟ أين هذه المستشفيات النفسية التي فتحت لأهل القلق والهموم والغموم؟ أين الظلام؟ أنا لا أجد ظلاماً؛ لأنني أصلي وأحمل القرآن وأذكر الله، وأتبتل إلى الله: أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

стр. 2471

الهداية إلى الأعمال الصالحة وهناك هداية جزئية إلى الأعمال الصالحة، قال سبحانه عن المؤمنين: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤]: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:٢٤] أي: أن الله وفقهم فهداهم إلى الطيب من القول. لا إله إلا الله! هذا الإيمان عجيب، يحول الإنسان بين عشيةٍ وضحاها إلى أن يصبح نظره طاعة، وكلامه طاعة، وحركته طاعة، ومشيه طاعة، حتى كلامه يصبح ذكراً يقول سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ودل على نفسه سبحانه بالضمير لا بالاسم الظاهر؛ لأنه معروف عند المؤمن أنه إلى الله، العرب في أشعارهم كانت تعبر بالضمير تعظيماً للممدوح، يقول المتنبي يمدح كافوراً: قطعت الفيافي والشناخيبَ دونه وجبت هجيراً يترك الماء صاديا أبا كل طيب لا أبا المسك وحده وكل غمامٍ لا أخص الغواديا وترك اسم كافور، وما أعلمنا به في القصيدة، لأنه مشهور. ولو أن هذا المتنبي قطع الفيافي إلى الله وترك هؤلاء البشر لكان له عند الله شأن لكن مرة عند سيف الدولة، فإذا جفاه سيف الدولة، خرج إلى كافور، وإذا طرده كافور خرج إلى عضد الدولة لأنه ما عرف الطريق. قال: قطعت الفيافي والشناخيب دونه وجبت هجيراً يترك الماء صادياً يقول: إني جبت الصحراء وظمئت في الصحراء حتى كدت أموت لآتي إليك والشناخيب هي الجبال، والشاهد قوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] والصالحون يعرفون على من يعود الضمير في قوله: (إليه، وأنه هو الله). وورد في قصة سليمان ﵇، والقصة في تسخير الريح له، كما قال تعالى: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] غدوها شهرٌ ورواحها شهر، سخر الله له الريح، فكان إذا أمرها أن تنتقل به من مكان إلى مكان انتقلت به الريح، وأصبح في السماء، معه وزراؤه وأمراؤه وحاشيته على بساطٍ من الريح، فحجب سليمان بهذا البساط ﵇ الشمس عن فلاحٍ يزرع في الأرض؛ فنظر فوجد بساط سليمان ﵇ يخترق الجو عابراً من مكانٍ إلى مكان، فالتفت فرأى سليمان ورأى الناس معه على بساطٍ من ريح، وتعبير القرآن جميل يقول: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] أي: أنها إذا أرادت أن تهوي به فلا تهوي مرةً واحدةً فيتكسر، بل تهوي بالتدريج حتى تنزله كما تفعل الطائرة في مدرجات المطار: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] قال أهل العلم: بانبساطٍ متدرج حتى يصل، قال: فلما التفت الفلاح قال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، ولم يكن يعلم أن قوله: (سبحان الله) أعظم من ملك آل داود، فسمعها سليمان ﵇؛ لأنها اخترقت الحجب لتصعد إلى رب العالمين: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]. قال للبساط: اهبط هنا فهبطت الريح، قال للفلاح: ماذا قلت؟! قال: رأيتك فقلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: والذي نفسي بيده، لقولك: (سبحان الله) خيرٌ مما أوتي آل داود. هذه الكلمة وحدها خيرٌ من ملك الدنيا وما عليها، ويقول سبحانه: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] تعبيرٌ عجيب! وهنا أضواء دنيوية لكنها تضمحل أمام نور الله. فأنت شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب إذا أتى نور الله بطل كل نور: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. ولا يهدي الله لنوره إلا من يشاء، ومن يحب، وفي حديث أن الرسول ﵊ قال: ﴿إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب﴾ فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، ومن هداه الله فقد أحبه، أما الدنيا فأمرها سهل، يعطيها الله الكافر الوثني في أفريقيا، والملحد الأحمر في روسيا والنصراني الأشقر في أمريكا، والصيني الأصفر في بكين، فكلهم سواء، أما الهداية فلا يعطيها الله إلا لصنفٍ من الناس: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].

стр. 2472

الدعوة عامة والهداية خاصة كان هذا القرآن دعوة لكل من في الأرض، ولكن المهتدين قليل، يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] فالدعوة عامة لكل مخلوق، لكن الهداية خاصة، قال تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] صراطاً مستقيماً غير ذي عوج، فلا يهدي الله إلا من شاء ومن أحب، وما كل من دعي سوف يهتدي، لكننا نقيم الحجة على الناس، ونسمعهم كلام رب الناس، ونخبرهم بسنة سيد الناس ﵊ كما أمر الله بنيه فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس:١٠٨] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].

стр. 2473

الهداية قسمان والهداية نوعان: هداية توفيق لا يملكها إلا الله، وهداية دلالة للرسول ﵊، ودليل الأول قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] لو شاء الله، لهدى المعمورة، ولو شاء الله لأدخل الناس الإسلام، ولو شاء الله ما بقي كافرٌ على وجه الأرض، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. حرص محمد ﵊ على قرابته، وعلى أعمامه وعلى أبناء عمومته، زارهم في البيوت حاول بكى سالت الدموع على خده ليهتدوا حتى ينجوا من النار لكنهم رفضوا!! بينما جاء سلمان من أرض فارس وبلال من الحبشة وصهيب من أرض الروم، أتوا كلهم يقولون: لبيك اللهم لبيك!! وأبو طالب عند الركن لا يهتدي وأبو جهل عند المسعى والحطيم وزمزم لا يعرف الله!!: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أنت لا تملك الهداية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] عنده مفاتيح القلوب، وهو يفتح على من يشاء، متى شاء. بعض الصالحين عنده ابن مثل الشيطان، وبعض الفجرة عنده ابن كأنه حمزة، أو سعد بن معاذ، أو طلحة، أو الزبير قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. هذه هداية التوفيق لا يملكها إلا الله، أما هداية الإرشاد، وهداية الدلالة، فهي للرسول ﵊: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراكَ حاديا وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا أجتمع بالناس لكنني لا أجد لكلام الناس طعماً مثل طعم كلامك، عند البخاري ومسلم، وأجلس مع الزعماء، لكنني لا أجد زعيماً مثلك، وأسمع كلام العلماء، لكنني لا أسمع كلاماً ككلامك. وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا يقول الله عن هدايته ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ليس كمثله صراط!! لا صراط الشيوعية، ولا صراط العلمانية، ولا صراط اليهودية، ولا صراط النصرانية، ولا الماسونية وصراطه ﷺ أشد ضياءً من الضحى.

стр. 2474

انفراد الله تعالى بالهداية واختص بالهداية، لا يملك أحد أن يهدي أحداً، وهذا أمر معلوم؛ فبعض الناس لو استمع ألف محاضرة ما اهتدى، وبعض الناس يسمع القرآن من أوله إلى آخره، ولا يغير في حياته مثقال ذرة، وبعض الناس لو انتطحت الجبال بين عينيه فلن يهتدي، بل دفن بعضهم أبناءه بيده في القبر، وسمع ذكراً للموت، وآتاه الله من الوعظ ما الله به عليم، ومع ذلك يترك الصلاة!! يقول سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] أسلوب عجيب، إنني أقف عاجزاً أمام هذه الآيات، فقد فسدت لغتنا فلا نتذوق القرآن. قبل ليالٍ اهتز الحرم كما سمعتم بسورة يوسف والإمام يقرؤها، ووالله إن القلب يشهد أنه لا يستطيع أحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن، يكفي الملاحدة أن يسمعوا هذا القرآن ثم يحكموا بعقولهم، هل يستطيع أحد من البلغاء أن يقول مثل هذا القرآن؟! فإمام الحرم لم يتمالك شعوره فانفجر في الحرم باكياً، عند قول يوسف لإخوته: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]. يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] أتهديكم هذه الأصنام والزعماء والآلات والجهات التي تنتسبون إليها ولا تنتسبون إلى الله أتهديكم هي؟! هي تحتاج إلى من يهديها، فكيف أنتم تستهدون بها؟! أعمى ويقودك!! أعمى يقود عمياناً!! أصم يدل الناس بالسماع على السماع وهو لا يسمع!! مالكم؟! مالكم كيف تحكمون؟!! أفمن يهدي إلى الحق وهو الله سبحانه أحق أن يتبع وكذلك محمد ﵊. ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس:٣٥]. بحاجة إلى أن يهدى وما هدي أصلاً، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء:٩٧] الحقيقة أن من هداه الله فهو المهتدي، أما غيرُ من لم يهده الله فلو لبس كل اللباسات وادعى الدعاوي ورفع اللافتات فليس بمهتد لا توجد دعوى في الدنيا إلا أثبتت الدعايات أنها ممحوقة، فهذا لينين أتى وقال: من أجل الكادحين -والكادحون هم العمال- وأتى إستالين بذلك، وأتوا بالانفتاح، وقالوا: "نحن أتينا لنصرة حقوق البشر، وأتينا لرفع الإنسان، وأتينا لإصلاح حال الشعب، ولإغناء الفقراء، ولضم الشتات، والديمقراطية، وغيرها من هذه العبارات، والله يثبت أنهم ضلال وأنهم ولو ما ادعوا في الظاهر فإنهم ليسوا مهتدين، من يهد الله فهو المهتدي، أما غيره فليس بمهتد، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٣] إذا فاخروك فقل: إن الهدى هدى الله.

стр. 2475

الهداية لصاحبها يظن العبد إذا اهتدى أنه زاد من الإحسان لله، وفي الحديث الصحيح عند مسلم: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً﴾ والله الذي لا إله إلا هو، لو كان سكان الأرض كلهم على إيمان أبي بكر ما زاد في ملك الله ذرة، وما نفع الله ذلك، والله الذي لا إله إلا هو لو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص عند ذلك من ملك الله شيئاً، قال سبحانه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء:١٥] أنت تنفع نفسك وتنقذها حين تؤدي ما افترض الله عليك، يقول ابن القيم: لله الفضل والمنة، يعطيك الإيمان، ويعطيك الحياة، ثم يتوب عليك، فتكون المنة لله ليست لك. أتى إلى النبي ﵊ أعراب من بني أسد، قالوا: يا محمد! اشكرنا، قال: على ماذا؟ قالوا: أسلم العرب كلهم بالسيف وأما نحن فأسلمنا بلا قتال، فسكت ﵊، وما أحب أن يجرح مشاعرهم، مع أنهم دخلوا واهتدوا على يده ﷺ ثم يقول قائلهم: احمد الله احمد ربك أنني اهتديت على يديك!!، فهذا غير صحيح، ومثلهم كمثل إنسان تهديه تمراً أو رطباً، فيقول: احمد الله أني أخذت هديتك، احمد الله أني قبلت مالك. فسكت ﵊، فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. المنة لله. الفضل لله والعطاء لله أتمن على الله وهو قد هداك؟! قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء:١٥].

стр. 2476

الهداية والمخاوف هل الهداية سبب للمخاوف؟ هل يمكن أن تكون هدايتك سبيلاً للخوف، وسبباً لأن تعلق به التهم وأن تكون متزمتاً في نظر الناس كان وهو فاجر وفاسق عبداً للأغنية، وعبداً للسيجارة والبلوت، وكان في أمنٍ، وكان حسن الخلق، فلما استقام وقصر ثوبه واهتدى وسجد لله وأعفى لحيته وأحب الله ورسوله أصبح متزمتاً ومتطرفاً في نظركم، فما لكم كيف تحكمون؟!! إن هذا القول يشبه ما قاله أبو جهل وأمثاله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧] لا إله إلا الله حجة واهية يضحك الإنسان منها، يقول أبو جهل وأبو لهب: نحن لو اتبعناك تخطفنا من أرضنا وأهلكتنا العرب، وأصبحنا حرباً للناس، فاسمع الرد العجيب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧]. نحن أمناهم في الجاهلية فكيف في الإسلام؟! نحن طردنا عنهم أبرهة الأشرم وسلطنا عليه طيراً أبابيل في وادي محسر مع فيله وجيشه، وعاد خاسئاًَ حقيراً!! نحن حاربنا جيوش العالم من أجل الحرم، فلما أتيت أنت بلا إله إلا الله، قالوا: نخاف إذا اتبعناك أن نتخطف، ما تخطفوا في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟! ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧]. وما حول الحرم جبال سود لا حدائق ولا بساتين ولا مزارع ولا أنهار ولا أشجار ولا أزهار ولا ورود، حتى إبراهيم ﵇ لما ترك زوجته وولده، التفت وإذا الصخور وهي سوداء مثل الليل، والحرارة متوهجة، لا ماء ولا شجر، ولا مدر فالتفت فرفع يديه، وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. الآن ألوف مؤلفة في الحرم ما اشتكى أحدٌ منهم أنه ما وجد رطباً في السوق، أو تفاحاً أو برتقالاً أو موزاً، الأرزاق تأتي من كل أنحاء الأرض، تأتي من المشرق والمغرب ومن أوروبا وأمريكا ومن كل بلاد العالم طازجةً وجاهزةً ومثلجة وحارةً وباردة؛ لأن إبراهيم دعا!! يا خسارة على هذه العقول! ويا خسارة على هذا الأبصار!! ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧].

стр. 2477

الهداية بالوحي إن الهداية ليست بالذكاء، وليست بأساليب أخرى، إنما الهداية بالوحي، قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] يهدون بكتابنا وسنة نبينا ﵊، فيا من رشح نفسه ليكون داعية؟! ويا من فكر أن يدعو نفسه إلى الله أو بيته، وسيلتك الوحي: القرآن والسنة. لقد جرب كثير من مؤثرات الدعوة كالإعلام والدعاية والتشهير والصياح والقصص الموضوعة، لكنها كلها تنتهي، يمكن أن يبكي الناس وهم جلوس لكنهم يخرجون من المسجد فينسوها، وما وجد أشد تأثيراً من القرآن والسنة الصحيحة الثابتة: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. فالهداية تكون بالوحي: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. قد شربنا من كئوس الوحي حقاً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه والذي لا يشرب من ماء الوحي سوف يبقى ظمآناً إلى أن يرد النار، ولن يجد ما يرويه ولا يشرب من الكوثر ولا من الحوض المورود، لأنه لم يشرب شربة من الوحي، فلن يشرب شربةً من حوضه ﷺ لا يظمأ بعدها أبداً.

стр. 2478

الهداية هي السعادة السعادة الحقيقية: هي الهداية، انظر إلى أحوال الناس، كثير من الناس عنده قصورٌ كثيرة، وعنده من المال ما يمكن أن يطعم به ألوفاً مؤلفة من الناس ويعيشهم ويسكنهم، لكنه في اضطراب معقود الجبين، على جبينه مكتوبٌ عليه لا سعادة، يوشك أن يأخذ السكين وينحر نفسه، نقول له: مالك؟! عندك المال والمنصب وكل شيء؟! قال: ما رأيت السعادة، الله يجيب على هذا التساؤل فيقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦] أتاك رسول الله ﵊ وآتاك القرآن، والإيمان، وأتتك الرسالة، وأتتك لا إله إلا الله، فأعرضت عنها، لم يكن لها قدرٌ عندك في حياتك ولا ميزان، ولا أصالة، ولا اهتمام، ووالله إنا نعلم أن من الناس اليوم من يعيش ويجعل الدين في آخر اهتماماته، حتى وقت الصلاة، وتأدية الصلاة، والقيام إلى الصلاة، في آخر جدوله اليومي ثم يصلي صلاةً باردةً ميتةً سقيمةً مريضة، ويقول: أين السعادة؟؟!! نحن جربنا دينكم ما وجدنا السعادة، نقول: لو حملت الدين ذقت الدين، كما ذاقه الصالحون، عرفت طعم السعادة، وما شقيت بعدها أبداً، بإذن الله.

стр. 2479

الهداية المطلقة الله له هداية مطلقة، وهدايةٌ خاصة؛ الهداية المطلقة: يدخل فيها العجماوات والحيوانات والبهائم، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الإنسان:٣] وهذه لكل مخلوق: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الإنسان:١ - ٣]. وفرعون يقول لموسى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] اسمع إلى الجواب الصارم، يقول الزمخشري صاحب الكشاف: "لله دره من جواب أسكته!! أسكت الخبيث الغبي، إسكاتاً ما بعده اسكات: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] لو قال موسى: ربنا الله، لقال فرعون: أنا الله، ولو قال: ربنا المالك، قال: أنا المالك، لكن الجواب كان مفحماً: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، كل شيء أعطاه خلقه ثم هداه هدايةً مطلقة إلى أسباب المعايش. النملة هداها الله من هدى النملة؟! من علم النملة أن تأتي في الصيف فتكتنز للشتاء، عند النملة مخازن ومستودعات، قسم المستودعات لا يصرف منه إلا في الشتاء؛ ومن شك منكم فليبحث في جحر نملة، وهذا مثبت بالعلم التجريبي، وهناك قسم للاستهلاك المحلي اليومي، وقسم العاملات، وقسم الملكة لها مكتبٌ خاص، تجتمع في دورات سنوية بالعاملات والشغالات، هل هذا من هدي النملة من نفسها؟ لا والله، هل عند النملة دماغ تفكر في هذا المستوى؟! إن الله هو الذي هداها وإلا فهي ما تملك شيئاً. اسمحوا لي غفر الله لكم أن أورد قصةً أوردها ابن القيم في مفتاح دار السعادة يقول: ذكر أحد الصالحين أن نملةً من النمل خرجت من جحرها، والنمل يسلك طريقاً عابراً ويتخذه ويفتحه ويعبده ويزفلته، ثم لا يأخذ طريقاً آخر، وأنت انظر إليه، والنمل إذا كان هناك ماء قليل، بمستوى النملة صنع النمل جسراً من أفراده ثم يمشي بقية النمل عليه، واسألوا الواقع وانظروا. قال ابن القيم: فخرجت نملة تبحث عن رزقها من الشغالات، لأن هناك ملكة لا تخرج أبداً، وهناك عاملات تبني بيوتاً وتخزن وترصد الحبوب والقمح، وهناك شغالات تحمل الطعام، فخرجت الشغالة فوجدت رجل جرادة؛ رجل الجرادة أكبر من النملة، فحاولت أن تسحبها يميناً أو يساراً فما استطاعت، فذهبت إلى النمل فأخبرتهم؛ وبينهم لغة خاصة؛ ولغة الحيوان مثبتة. وهذا الروسي سخروف الذي توفي قبل شهرين اكتشف في مذكرات له أن للنبات لغات خاصة، وكاد أن يسلم هو، لكنها حكمة الله . يقول: للنباتات نبراتٌ خاصة من الصوتيات، والورد بينه صوتٌ خاص، والنخل صوتٌ خاص -قدرة الباري فالحيوان بقدرة الله له لغة خاصة: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] خرجت هذه النملة فاصطدمت برجل الجرادة فما استطاعت أن تحملها فأتت إلى شغالات أخرى، فأتت الشغالات معها فأتى الرجل الصالح فرفع رجل الجرادة، فأتوا فما وجدوا في المكان شيئاً، فلما رجع النمل أنزل الرجل الصالح رجل الجرادة، فأتت تسحبها فرجعت إلى الشغالات فأخبرتهم فأتى النمل فرفع الرجل رجل الجرادة فلم يجد النمل شيئاً فرجعوا ثالث مرة، فرفع الرجل، فقال النمل: قد كذبت، قال: فطوقوها ثم مزقوها قطعةً قطعة. عودوا إلى مفتاح دار السعادة، واسألوا ابن القيم في ذلك، واسألوا أهل الكتب العلمية مثل: الطب محراب الإيمان، أو كتب الأمريكان، الله يتجلى في عصر العلم واسألوا كتاب الإنسان لا يقوم وحده لـ كريسي موريسون وكتاب الإنسان ذلك المجهول لـ ألكسيس كارل فهذه حقائق شهد بها الكافر وهو كافر، فكيف بالمؤمن؟! قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] يمتن على الإنسان بالهداية وهذه هداية مطلقة، يقول: بينا له طريق الخير من الشر، التمر والجمر، دللناه على طريق الجنة وطريق النار، وقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الإنسان:٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] علمناه الطريق وأتينا بمحمد ﵊، وأنزلنا القرآن، وقلنا: هذه القبلة، وهذا الماء وهذا المسجد فتوضأ وصلِّ، وطريق الشر كذلك، وهذه الخمارة والبارة والعود والوتر والغناء والمجلة الخليعة وافعل ما شئت، أنت أبصر بنفسك، والطريق غداً: ستعلمُ في القيامة إن عُرضنا غداً عند الإله من الملوم أما والله إن الظلم شؤمٌ وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم ﴿: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].

стр. 2480

من معالم الهداية من معالم الهداية: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٩] يقول موسى: لا تتكبر علينا يا فرعون لأني راعي غنم وأنت سلطان جبار، أنا أهديك، اسلك معي، امض معي. قال: أنت لا، تكبر وطغى وكفر، قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]؟ فأجراه الله من فوق رأسه، دسه مع الضفدع في الطين حسب يناغي ويفاغر والطين مخدوشٌ في عنقه وهو يقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فكان الجواب الآن يا خسيس، آمن بالله؟! فيقول: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٩]. ومن معالم الهداية: قوله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [السجدة:١٣] لله الحكمة، وقال سبحانه في الكفار: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣] والخطاب إما للملائكة يقول: خذوهم إلى الجحيم، دلوهم الباب، افتحوا لهم أبواب جهنم، أو الخطاب إلى خزان النار، اهدوهم إلى صراط الجحيم، أما المؤمنون فقد صح عنه ﵊ قوله: ﴿إن المؤمن أهدى ببيته في الجنة منه في الدنيا﴾ لا إله إلا الله، أدنى أهل الخيم منزلة له عشرة أمثال الدنيا: أقلهم ملكاً من الدنيا ملك وعشرة أمثالها من دون شك لكنما موضع سوطٍ فيها خيرٌ من الدنيا وما عليها لكن من يهدي هذه الأمة إذا دخلت الجنة! ﴿أبواب الجنة ثمانية: بين المصراع، والمصراع كما بين أيلة (القدس) إلى صنعاء، وليأتين عليه يومٌ وهو كظيظ من الزحام﴾ فمن يهدي هؤلاء؟ قال: يمشي المؤمن في الجنة حتى يصل إلى منازله، من هدى المؤمن؟ الله سبحانه، أما الكافر فإنه يكب في النار كباً قال : ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣] نعوذ بالله من الجحيم، أسأل الله لا يرينا وإياكم النار: إن الملوك إذا شابت عبيدهمُ في رقهم أعتقوهم عتق أبرارِ وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النارِ ويقول سبحانه: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] وهذه هداية يشترك فيها الناس، بهذه النجوم يهتدي بها الكافر والمسلم، ولكن نجم النجوم محمد ﵊، والذي لا يهتدي به سوف يضل ضلالاً بعيداً، وقال سبحانه عن فرعون -ففرعون واعظ، لكنه يدرس العقيدة الباطلة- يقول: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. كذب عدو الله، فإن سبيل رشاده النار!!: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] وبعض الناس اليوم فيه نسبة من فرعون، تجد الذي يقود الشباب إلى الضلال، يقول: ما أدلك إلا على الخير، وأنا أريد لك ما أريد لنفسي، هؤلاء الدعاة لا تصاحبهم، هؤلاء المطاوعة احذر منهم، أنا لا أريد لك إلا ما أريد لنفسي، نقول له: شيخك وأستاذك فرعون يقول: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] أتى بقومه وأدخلهم النار، وقال: هذا سبيل الرشاد. ومن معالم الهداية، قوله : ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه:٧٩] يخبر الله عنه قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه:٧٩]. ومن معالمها: لما دخل موسى على فرعون، إن ترك السلام صعب، تدخل إلى نصراني تريد أن تدعوه إذا لم تقل صباح الخير أو Good morning sir، وجئت تقول: أسلم يا عدو الله! أدعوك إلى طاعة الله، فذلك غير لائق. لكن الله أعطى موسى أدب الدعوة هو وهارون فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فلما دخل القصر، قال: إن سلمت على هذا المجرم كيف أسلم عليه؟!! وإن تركت السلام فذلك أمر عسير، فقال: والسلام على من اتبع الهدى، ففهمها ذلك فظن أنه هو ممن اتبع الهدى فجلس، قال: وكنياه في المجلس، قال: يا أبا مرة! أأدعوك؟! والقول اللين عند المفسرين أنه قال: إذا أسلمت أبقى الله لك ملكك وشبابك وصحتك، فأسلم تسلم، هذا القول اللين، هذه من معالم الهداية، ثم التدرج في الهداية، فالهداية لا تبدأ من أول يوم، فبعض الشباب يهتدي لشهر، ثم يقول: أنا قلبي قاسٍ، تقولون: الإيمان فيه هداية، وأنا ما زلت في وساوس، فنقول له: اصبر اصبر. يقول ابن تيمية: "ليست العبرة بنقص البدايات، لكن العبرة بكمال النهايات" اصبر قليلاً، تزود من القرآن، اذكر الله، وادع الله، واحضر مع المسلمين، واحضر المحاضرات والدروس، وسوف تهتدي إن شاء الله، قال سبحانه في التدرج: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] اجتباه أولاً، وتاب عليه وهدى، تأتي الهداية تدريجياً مع الأيام، فالإسلام مثل النبتة تغرسها فلا تخرج غداً، هل رأيت رجلاً غرس نخلة وأتى يقطفها في النهار الثاني؟! لا، الإسلام يأتي مثل النخلة، يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]. إن شجرة الإسلام تسقى بالتراويح وبالنوافل وبالتسبيح وبالقرآن وبالذكر وبالعبادة، فتنبت، وقد تأتيها أعاصير فتميل قليلاً، يأتيك ذنب فتستغفر وتتوب، ويأتيك فتور فتستغفر وتتوب، وتتفلت مع زملائك فتستغفر وتتوب، يأتيها ريح وشمس، لكن أصلها ثابت!! ثم تصل إلى حال أن الأعاصير لا تستطيع لها، بعض الشجر عمره ألف سنة، ومهما نخر النمل ساقها فإنها تظل ثابتة، لكن لو مرت عليها بعوضة وهي في بداية نموها والنخلة مثل الإسلام، والإسلام مثل النخلة، هبطت بعوضة على نخلة، فأرادت أن تطير، فقالت البعوضة للنخلة: تمسكي أريد أن أطير، قالت النخلة: والله ما أحسست بك حين وقعت عليَّ، فكيف أحس بك حين تطيرين. ثابتاً على الحق لا يتزلزل أبداً فيصبح الشاب المؤمن المهتدي، ولذلك تجد بعض الناس لو سمع ألف أغنية فإن إيمانه مثل الجبال، ولو سمع ألف فتنة، ولو غمسته في موسكو أو في بكين فلا يتزلزل إيمانه، ولو قطع قطعة قطعة، وبعض الناس مزلزل وهو في أول الطريق!! وقال سبحانه في التدرج: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] فتأتي الهداية تاجاً، والله يدعو المؤمنين إلى أن يطلبوا الهداية، ونسأل الله أن يثبتهم على الهداية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] ربنا إن كثيراً من الناس ما صاموا وقد صمنا، وما سجدوا وقد سجدنا، وما قاموا وقد قمنا، نسألك الثبات على الإيمان، والثبات على الإسلام، والثبات على الرسالة الخالدة، حتى نلقاك وأنتَ راضٍ عنا. وذكر الله المتحسرين على الهداية فقال: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] لكن هيهات، الآن تتحسر يوم العرض الأكبر؟! ويقول سبحانه عن موسى والبحر أمامه وفرعون خلفه، والموت أمام عينيه، وأصبح كما قال المتنبي لـ سيف الدولة: وقفت فما في الموت شكٌ لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ تمرُ بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] يقولون: إن الموت أدركنا فرعون عنده ستمائة ألف مسلح وراءهم، والبحر أمامهم، فيقول موسى ﵇ والعصا بيده: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] يقول: أنا معي ربي جربتُ شرعته هداني في مناسبات، وأنقذني حتى في قصر فرعون وغلبت فرعون، وعند فرعون ستة وثلاثون ألف حارس بالسيوف وأنا وحدي ونصرني!! ونصرني في الميدان! ونصرني يوم ألقيت العصا! ونصرني يوم كَادَني ذاك!! أما الآن فمعي ربي: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فأوحى الله إليه الضرب بالعصا، يقول ابن جرير الطبري في التاريخ: اضرب بعصاك البحر، فكان موسى متأخراً قليلاً، فقال لهارون ﵇: اضرب أنت، ظن موسى أن الأمر فيه سعة، هو أو هارون سواء، فضرب هارون فما تغير البحر، بل قال ابن جرير إن البحر يقول: من هذا الجبار الذي يضربني، فقال الله لموسى: اضرب أنت!! وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزالِ فأخذ العصا وقال: بسم الله، فضرب فانفلق!! هذا من الهداية.

стр. 2481

شرح الصدر علامة للهداية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] ظلمة وضيق وفجور وبعد عن الله، وتمزق وتشتت وأسى ولوعة، عنده الأدوية والعقاقير ولكنه لم يستخدمها، ساكنٌ في مكانٍ مريح، وعنده نعم ومال لكنه لم يعرف الهداية، ولم يذقها، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].

стр. 2482

الهداية في السنة أختتم بها هذه المحاضرة التي أهديها بمناسبة هذا الشهر الكريم إلى من أعرض ونقول له: تب، وإلى من تاب نقول: استمر، وإلى من استمر نقول: واصل، وإلى من واصل نقول: اجعلها خاتمتك. يقول ﵊ يوصي علياً: ﴿قل اللهم اهدني وسددني﴾ والحديث عند مسلم، وكان يقول ﵊ كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: ﴿اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى﴾ كلمات مباركات، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وكان يقول ﵊: ﴿واهدني إلى أحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت﴾. وأختم بذاك الدعاء المشهور الذي أطلبُ منكم ومن نفسي أن نحفظه وأن نكرره في هذه الليالي المباركات، وهو في صحيح مسلم عن عائشة كما مر: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ هذه هي الهداية. وهذه هي رسالة محمد ﵊ هي معالم الخلود وهذه هي النجاة اللهم تقبل منا واصرف عنا كل سوء، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2483

الخطوط الحمراء في الصحيحين قوله ﷺ : (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات) الحديث. وفي هذا الحديث ذكر لمحظورات كثيرة منتشرة بين الناس، تعمل على تمزيق المجتمع كما أنها حالقة لدين المرء، وفي هذا الدرس شرح لهذا الحديث وذكر ما يستنبط منه من فوائد.

стр. 2484

قضايا في حديث: (إن الله حرم عليكم) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الأحباب البررة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عنوان هذا الدرس (الخطوط الحمراء). وقبل أن أبدأ أحمد الله أن شرفني بالجلوس أمامكم، وعلى أن شرفكم بحضور مجالس الرحمة والتوبة والإنابة والقرب من الله، هذه الليلة مساء السبت (٢١) من شهر ذي القعدة لعام (١٤١٢هـ). هذه الخطوط الحمراء وضعها رسولنا ﵊، وليس للعبد أن يتجاوزها، فإنه هو المعصوم ﵊ الذي يحلل ويحرم بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. إذا علم هذا فالخطوط الحمراء في كلامه ﵊ فيما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾. من يستطيع من البشر أن ينسج مثل هذه الكلمات؟ من يعبر بمثل هذا التعبير؟ من الذي يستطيع بعقله وبتفكيره وبقلمه وبمواهبه أن ينظم كلاماً في سطرين يكون قاعدة كبرى للأمة، فيحلل ويحرم، ثم يكون في أجمل أسلوب وفي أجل عبارة. إنه رسولنا ﵊. وفي هذا الحديث قضايا: أولاً: من هو راوي الحديث؟ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ولكن راويه من الصحابة المغيرة بن شعبة، وهو ثقفي من الطائف أسلم مع الرسول ﷺ ، وأحب الرسول ﵊، وعلمه ﷺ من أحاديثه وسننه الشيء الكثير، تميز من بين الصحابة بالذكاء الرهيب إلى درجة الدهاء والعبقرية، فهو مع معاوية بن أبي سفيان وزياد بن أبيه وعمرو بن العاص فهم دهاة العرب الأربعة. هذا هو المغيرة بن شعبة. تولى العراق في عهد عمر ﵁ وأرضاه، وله الحديث الطيب العطر عن الرسول ﵊. ويكفيه أنه روى هذا الحديث: ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ وقائل هذا اللفظ كان أمياً ﵊، ولكن الله علمه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] وقال : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣]. القضية الثانية: قوله ﷺ : ﴿إن الله حرم عليكم﴾ والمحرم حقيقة والمحلل هو الله، ولا يحق للإنسان أن يحرم أو يحلل من عند نفسه، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] فليس للإنسان أن يبتدع من عنده تحريم محلل أو تحليل محرم على الأمة، فإن الله سوف يحاسبه ويعاقبه. ولذلك أحذر نفسي وإخواني ممن يتكلم أو يوجه أو يربي الناس أن يقحم نفسه في تحريم حلال أو تحليل حرام؛ فإن هذا ليس لأحد إلا لله ، ثم لرسوله ﵊.

стр. 2485

نبذة حول الحرمة والكراهة في الشرع أما الفرق بين التحريم والكراهة: فالحرام في الاصطلاح: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله. وأما المكروه: فهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، هكذا عُرِّف. والرسول ﵊ ملك زمام البلاغة بيده، فانظر كيف نوع ﵊! فإنه قال: ﴿إن الله حرم﴾ ثم قال: ﴿وكره لكم﴾ فلو قال ﷺ : إن الله حرم، ثم قال: إن الله حرَّم، كان في الأسلوب تكرار ينبو عنه السمع، ولذلك تجده ﷺ يقول مثلاً: ﴿إن الله كتب عليكم خمس صلوات، وفرض عليكم زكاة﴾ فلم يقل: كتب صلاة وكتب زكاة، فهذا مكرر تمجه الأسماع، فعدل ﵊ عن التحريم في الثانيه فقال: ﴿وكره لكم﴾ أمر آخر: إن المكروهات الثلاث في قوله: ﴿وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ أقل خطورة من الثلاث الأولى التي ذكرها رسولنا ﵊. ثم قال: ﴿عليكم﴾ والمخاطب به الأمة الإسلامية، أمة الاستجابة التي اتبعته ﵊، فإن المسلمين هم المخاطبون بفروع الشريعة، والكافر لا يخاطب بفروع الشريعة في قول لأهل العلم، ولو أنه ينكل ويعذب على تركه فروع الشريعة، ولكن المقصود بـ: ﴿عليكم﴾ أي: على الأمة، والمقصود بهم الذين حضروا هذا الخطاب منه ﵊ والذين لم يحضروا بحيث كانوا أحياءً وكانوا غيباً عن مجلسه، أو كانوا في أصلاب أمهاتهم، كمثلي ومثلك الآن، فإنا أتينا بعد أربعة عشر قرناً نتبعه ونحبه ونقتدي به ﵊، فهو يخبرنا بالخبر، وما زالت ألفاظه وأوامره ونواهيه فينا حية. ثم قوله: ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات﴾ لم يقل الآباء والأمهات لأمرين: الأمر الأول: عظم حق الأمهات، فإن حقهن عظيم، ولذلك قال بعض العلماء استنباطاً كالحافظ وغيره: للأم ثلاثة حقوق، وللأب حق واحد من الآداب والوقار والعطاء، ولذلك قال ﷺ كما في الصحيح لما سأله الرجل: ﴿من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾ فجعل لها ثلاثة حقوق وجعل للأب حقاً واحداً، فهي بالنسبة للأب ثلاثة أرباع الحقوق، فأتى ﷺ بحق الأمهات؛ لأنهن أعظم حقاً وأعظم منزلة. الأمر الثاني: اتساق العبارة في السجع الجميل غير المتكلف، فأراد ﷺ أن يقف على التاء، فقال: ﴿عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات﴾ فوقف على التاء، ولو أتى بالآباء ﵊ ما وقف على سجعة، وهذا محله علم البلاغة.

стр. 2486

تعريف العقوق والأدلة على تحريمه قال: ﴿عقوق الأمهات﴾ أما العقوق -أعاذنا الله وإياكم- فإنه القطع يقال: عق الشجرة أي: قطعها، وعق الحبل أي: قطعه، فالعقوق القطع، قال سبحانه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. وقد ورد تحريم العقوق والأمر بالصلة في آيات كثيرة كقول المولى جلت قدرته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] وكقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥]. وحرَّم ﵊ العقوق في أحاديث كثيرة، ولكن لا يتسع المجال لذكرها؛ لأن المقام مقام تحذير من العقوق، وليس المقام مقام ذكر للبر والصلة، ولو أني سوف أستطرد قليلاً في بعض ما نقل عن السلف في بر الوالدين، وفي تحريم عقوق الوالدين، وقد نبه ﷺ على عظم حق الأب كثيراً حتى قال كما في الصحيح: ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ والمعنى: قاطع الرحم، وأولى من يوصل الأب والأم، فهما الوالدان، وهما باب الجنة، وكما يروى: ﴿الجنة تحت أقدام الأمهات﴾.

стр. 2487

من أشعار العرب في حب الأمهات وبالمناسبة فقد توفيت جدة المتنبي، وكانت من أسرة طيبة المنبت، فامتدحها وأثنى عليها ورثاها، وهو شاعر العربية الذي لا يشق غباره، وإن شاء الله سيكون هناك درس بعد فترة بعنوان: (مالئ الدنيا وشاغل الناس)؛ نعيش فيه ليلة مع المتنبي. قبل وقاة جدته أرسل لها رسالة في منبج يدعوها لزيارته في العراق، فوصلت الرسالة فقبلت رسالته وبكت، ثم أصابتها حمى فماتت، ولم تزره، فاسمع العربية والقوة والإبداع بمناسبة بر الوالدة، وهذه جدة، قال: ألا لا أرى الأحداث مدحاً ولا ذما فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى يعود كما أبدي ويكري كما أرم لك الله من مفجوعة بحبيبها قتيلة شوق غير ملحقها وصما إلى أن يقول: أحن إلى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وما ضما بكيت عليها خيفة في حياتها وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما ولو قتل الهجر المحبين كلهم مضى بلد باق أجدت له صرما عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علما يقول: أنا أعرف الليالي أنها تفعل كذا، فلما دهتني بجدتي ما زادتني بها خبرة، هي فقط أثبتت أنها تأخذ الأحباب. منافعها ما ضر في نفع غيرها تغذي وتروي أن تجوع وأن تظما ثم قال في جدته: أتاها كتابي بعد يأس وترحة فماتت سروراً بي فمت بها غما حرام على قلبي السرور فإنني أعد الذي ماتت به بعدها سما تعجب من لفظي وخطي كأنما ترى بحروف السطر أغربة عصما يقول: تعجبت من سطوري يوم كتبت لها فماتت. وتلثمه حتى أصار مداده محاجر عينيها وأنيابها سحما رقا دمعها الجاري وجفت جفونها وفارق حبي قلبها بعدما أدما ولم يسلها إلا المنايا وإنما أشد من السقم الذي أذهب السقما طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما ثم يقول: ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أما وهذا من أبياته القوية مثل بيته الأول الذي يقول: قفي واغرمي الأولى من اللحظ مهجتي بثانية والمتلف الشيء غارمه ومعنى البيت أيها الأحبة: لو لم يكن أبوك ماجداً أنتج مثلك للناس لكان يكفي أنك جدة لي، فهو يفتخر بها، ثم يقول: الفخر أنك جدة لي، فالفخر لك ليس لي في أبيات طويلة أنا أتركها إلى أن يقول: فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما فهذه بعض الأبيات في رثاء الجدة. وقد رثى بعض الأحبة -وهو شاعر منطيق قوي- أمه في أبيات، أذكر بعضها يقول: ماذا أقول وفيما أشتكي زمني صبراً جميلاً على ما كان من زمن أقول والعمر جاث حول مرقدها: أماه! والخوف يدنيني ويرسلني فيما تعانين من هم ومن ولهٍ أحس تحت إهابي ما يمزقني هل تذكرين عظامي اسمع الصورة: هل تذكرين عظامي وهي عالقة على يديك وريقات على فنن أو تذكرين جفوني وهي مبحرة تحت اللفائف بين الضعف واللدن أو تذكريها وقد ذابت موسدة ضلعين من صدرك الثرثار باللبن أم الوحيد أجيبيني قد اقتربت نفسي ولكنها في الغيب لم تحن فأطرقت ثم أومت لي مؤشرة إلى جبيني ومالت كي تطمئنني قالت محضتك مكنوني فكن رجلاً في العمق من جرحي كالخنجر اليمني إلى آخر ما قال. وأعود إلى شرح الحديث. ممن بر والدته ابن سيرين عالم التابعين يقول: ما صعدت بيتاً منذ أن وجدت أمي خوفاً من أن أعلو أمي وهي تحتي، في المنزل! وكان إذا دنا معها في المائدة لا يرسل يده حتى ترسل يدها، يقول: أخاف أن آخذ لقمة تشتهيها فأكون عاقاً. ووصل رجل من أهل اليمن يطوف بأمه وهي عجوز، ويحملها على منكبه في حرارة مكة، ويطوف بالبيت، وعرقه يتصبب، فرأى ابن عمر فقال: يا بن عمر أوفيتها حقها؟ أبررتها؟ قال ابن عمر: لا والله ولا بزفرة واحدة. وتعلمون في الصحيحين قصة من انطبقت عليهم الصخرة: أولهم الرجل الذي فرجت له الصخرة بسبب أنه حلب نياقه ثم أتى إلى أبويه الشيخين، فوجدهما نائمين، فبقي واقفاً باللبن وأطفاله يتضاغون عند قدميه حتى طلع الفجر، وأطفاله يطلبون اللبن، فاستيقظ والداه فشربا اللبن، فلم يوقظهما لئلا يزعجهما، ففرجت له الصخرة بمقدار بره بوالديه. وتعلمون أن الأم مقدمة في الحق على الأب؛ فإن لها الاحترام الكثير، والخضوع الكبير، ولها ثلاثة أرباع الرقة والعطف والحنان، فإنها مرت بأمور وبأزمات وبوقفات لا يعلمها إلا الله، والوالد لم يمر إلا بربع ما مرت به من هذه المشاكل، ومن التربية والحنان على الولد.

стр. 2488

شرح قوله ﷺ : ﴿ووأد البنات﴾ قوله ﵊: ﴿ووأد البنات﴾: الوأد هو: دفن البنت حية، وكان الجاهليون يفعلون ذلك هروباً من عار البنت؛ فإنهم يقولون: البنت إذا ربت كانت عاراً على أهلها، وهذا منطق سخيف حرمه الإسلام، وقد جعله الله من أعظم الذنوب، فإن رزق البنت على الله، وربما كانت البنت مباركة أعظم من بركة الولد، وقد منح ﷺ من البنات أكثر من الأولاد، فحرم الله ذلك، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] قرأ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] هكذا قرأ أبو بكر ﵁ وأرضاه بسكون اللام وكسر التاء الثانية في كلمة: (قُتِلْتِ). ويروى عن عمر والقصة ضعيفة ضعفها أهل السير، أنه كان يبكي في حياته حتى أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، فقيل له في ذلك قال: أبكاني قصة ابنتي، وكانت في الجاهلية، ذهبت بها لأدفنها حية، فلما حفرت القبر وقع الغبار على لحيتي؛ فأخذت وهي صغيرة تنفض الغبار عن لحيتي قال: فدفنتها حية وهي تبكي. وورد عن قيس بن عاصم المنقري أنه أخذ ابنته وقد ربت ونشأت وترعرعت، فقال لأمها: حلي فلانة، فحلتها وطيبتها وغسلتها، فأخذها بيدها، فلما ذهب بها إلى بئر مطوية في بادية من بوادي بني تميم، فأشرفت على البئر، فنكسها على رأسها فماتت. وكان قيس عاقلاً لكن الجاهلية أذهبت عقل العاقل، وإلا فإنه الذي يقال له: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] والمعنى من فقر؛ فإن الرزاق هو الله ، فليس الأب الذي يرزق أولاده، ولذلك فتحديد النسل نظرية خاطئة؛ لأنها خوف من الرزق، لا يوافقها الإسلام ولا الكتاب ولا السنة، لأن الله هو الذي يرزق؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] وما ولد مولود إلا وقد تكفل الله برزقه وبأجله، وبسعيد أو شقي، وبعض الناس يكون فقيراً وليس له ولد، فإذا ولد له أولاد وبنات رزقه الله رزقاً عظيماً، ولا تدري لعل رزقك هذا الذي يمنحك الله إياه بسبب بنت لك واحدة، فإن الرزاق حقيقة هو الله وليس العباد. وأول من أحيا الموءودة في الجاهلية، ومنع أن توءد هو جَدُّ الفرزدق صعصعة بن ناجية، فإنه منع الموءودة أن توءد حتى يقول الفرزدق: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم توءد وكان جده فارهاً في العرب يقول: أحيا بإذن الله في الجاهلية مائة فتاة ومنعهن من القتل، فكان يأتي الفتاة التي يريد أبوها ذبحها، فيأخذها ويربيها عنده حتى يزوجها: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢]. وهذه -والحمد لله- ليست موجودة في عالم الإسلام، وما يقدم عليها أحد إلا من أضل الله سعيه وما سمعنا بذلك، لكن منع النسل وحجزه وحظره وإلغاؤه هو الذي أفتى فيه أهل العلم، أما تحديده فإن في المسألة تفصيلاً، وقد تكلم فيه بعض كبار العلماء، وكتبوا فيها رسائل، فقالوا: إذا كانت المرأة مريضة، ولا تستطيع مواصلة الحمل ويضرها؛ فإن لها أن تؤجل سنوات حتى تشفى، أو كان هناك ظروف خاصة لا يعلم بها، فإن لهم أن يحددوا فترة من الزمن، أما قطع النسل فهذا هو الممنوع الذي لا يجوز. وبعض الآباء يقول: أكتفي بطفلين أو بثلاثة، وهذا ليس في الإسلام؛ لك أن تحدد النسل، ولكن ليس لك أن تقطع النسل.

стр. 2489

شرح قوله ﷺ : (منعاً وهات) قال ﵊: ﴿ومنعاً وهات﴾ أي: وحرَّم الله المنع، وهو أن تمنع الحقوق التي عليك، والحقوق منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالواجب كالزكاة والمستحب كالصدقة، وغيرها من الحقوق التي جعلها الله في مال العبد، وفي خلقه، وفي شفاعتة، وفي جاهه ومنصبه ومسئوليته، فالمنع محرم، ويدخل في ذلك البخل، والبخل أذم خصلة وجدت في العبد، حتى قال الله ذاماً اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] قال ابن عباس كما في تفسير ابن كثير: بخيلة، وهم البخلاء عليهم لعنه الله. حتى إن بعض السلف من أدبه مع الله كان إذا قرأ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] كان يقرؤها باستحياء يخفض بها صوته؛ لأنها في جانب العزة والجلالة ، بل الله سبحانه هو الغني الجواد، وكل عبد يجود فهو من جوده ، خزائنه لا تنفد لو أنفق ليلاً ونهاراً: ﴿يد الله سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنها لم تغض مما في يمينه إلا كما يغيض المخيط إذا أدخل البحر﴾ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠].

стр. 2490

ذم البخل ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا التراب -وهو تراب- لو سألت الإنسان كل يوم مد تراب لمنعك، يقول: في هذا التراب سر ولعل فيه ذهباً، فالإنسان شحيح وأكرم الأكرمين هو الله، يطعم الفاجر ويسقيه ويعطيه، ويسكنه ناطحات السحاب وهو كافر. وقرأت في ترجمة إبراهيم الخليل ﵊ أنه كان له عبدان رقيقان يرسلهما مع صلاة المغرب، ويقول: أوقدا ناراً عظيمة، وقد كان إبراهيم ﵇ كريماً، وكان عند الضيافة يروغ، قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] والضيوف قليل جاء بعجل فيقول لرقيقه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله. فتصور حرص هذا المولى على أن يجد ضيفاً، فوجد ضيفاً كافراً فأتى به، فأدخله على إبراهيم ﵇، وصحفة إبراهيم دائماًُ مليئة بالطعام المبارك وباللحم، وقربه إبراهيم وقال: قل بسم الله! قال الكافر: ما أعرف بسم الله! وهذا سيد التوحيد، ورئيس قسم العقيدة، يقول الكافر: ما أعرف بسم الله قال إبراهيم ﵇: والله لا تأكل لقمة، كيف لا تعرف بسم الله الذي أقام السماوات والأرض: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان:٦٠] فأخذ عصاه وخرج، فأوحى الله إلى إبراهيم، عجباً لك يا خليل الرحمن! هذا الكافر أطعمته وأسقيته سبعين سنة وأنت ما أطعمته ليلة. من الذي أطعمه في عمره؟ الله. فسبحان الجواد الكريم! قال الله تعالى في البخلاء: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:٢٤] بعض الناس بخيل من درجة ممتازة، البخل مركب فيه يرثه أباً عن جد بسند قوي، فهو بخيل، وأبوه بخيل، وجده بخيل، فتجد البخل يجري في دمه، فيقول : ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:٢٤] وتجد بعض الناس يلقي محاضرات في البخل، ويوصي جيرانه وجماعته، يقول لأحدهم: عليك بحفظ المال لا تضيف هؤلاء، اتق الله في مالك، فلن ينفعك إلا درهمك الأبيض في يومك الأسود! ويضع أحاديث في هذا. وسوف أقص عليكم بعض قصص البخلاء، وقد ألف فيه بعض الفضلاء كـ الجاحظ بعنوان البخلاء والخطيب البغدادي أيضاً بعنوان: البخلاء. فأما الخطيب البغدادي، فأتى بآيات وأحاديث وقصص، وأما الجاحظ فجرده قصصاً أدبية، وكلا الكتابين فيهما مسرح للنظر وللفكر، ولا بأس بإيراد بعض الشيء. قال : ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: فالذي يبخل لا يبخل إلا على نفسه لا على الله، يقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] فالبخل مقيت، قال بعض أهل الأدب: كان أعظم عيب عند العرب البخل.
следующие страницы →