Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
تعريف العقوق والأدلة على تحريمه
قال: ﴿عقوق الأمهات﴾ أما العقوق -أعاذنا الله وإياكم- فإنه القطع يقال: عق الشجرة أي: قطعها، وعق الحبل أي: قطعه، فالعقوق القطع، قال سبحانه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
وقد ورد تحريم العقوق والأمر بالصلة في آيات كثيرة كقول المولى جلت قدرته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] وكقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥].
وحرَّم ﵊ العقوق في أحاديث كثيرة، ولكن لا يتسع المجال لذكرها؛ لأن المقام مقام تحذير من العقوق، وليس المقام مقام ذكر للبر والصلة، ولو أني سوف أستطرد قليلاً في بعض ما نقل عن السلف في بر الوالدين، وفي تحريم عقوق الوالدين، وقد نبه ﷺ على عظم حق الأب كثيراً حتى قال كما في الصحيح: ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ والمعنى: قاطع الرحم، وأولى من يوصل الأب والأم، فهما الوالدان، وهما باب الجنة، وكما يروى: ﴿الجنة تحت أقدام الأمهات﴾.
стр. 2487
من أشعار العرب في حب الأمهات
وبالمناسبة فقد توفيت جدة المتنبي، وكانت من أسرة طيبة المنبت، فامتدحها وأثنى عليها ورثاها، وهو شاعر العربية الذي لا يشق غباره، وإن شاء الله سيكون هناك درس بعد فترة بعنوان: (مالئ الدنيا وشاغل الناس)؛ نعيش فيه ليلة مع المتنبي.
قبل وقاة جدته أرسل لها رسالة في منبج يدعوها لزيارته في العراق، فوصلت الرسالة فقبلت رسالته وبكت، ثم أصابتها حمى فماتت، ولم تزره، فاسمع العربية والقوة والإبداع بمناسبة بر الوالدة، وهذه جدة، قال:
ألا لا أرى الأحداث مدحاً ولا ذما فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى يعود كما أبدي ويكري كما أرم
لك الله من مفجوعة بحبيبها قتيلة شوق غير ملحقها وصما
إلى أن يقول:
أحن إلى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتها وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
ولو قتل الهجر المحبين كلهم مضى بلد باق أجدت له صرما
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علما
يقول: أنا أعرف الليالي أنها تفعل كذا، فلما دهتني بجدتي ما زادتني بها خبرة، هي فقط أثبتت أنها تأخذ الأحباب.
منافعها ما ضر في نفع غيرها تغذي وتروي أن تجوع وأن تظما
ثم قال في جدته:
أتاها كتابي بعد يأس وترحة فماتت سروراً بي فمت بها غما
حرام على قلبي السرور فإنني أعد الذي ماتت به بعدها سما
تعجب من لفظي وخطي كأنما ترى بحروف السطر أغربة عصما
يقول: تعجبت من سطوري يوم كتبت لها فماتت.
وتلثمه حتى أصار مداده محاجر عينيها وأنيابها سحما
رقا دمعها الجاري وجفت جفونها وفارق حبي قلبها بعدما أدما
ولم يسلها إلا المنايا وإنما أشد من السقم الذي أذهب السقما
طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
ثم يقول:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أما
وهذا من أبياته القوية مثل بيته الأول الذي يقول:
قفي واغرمي الأولى من اللحظ مهجتي بثانية والمتلف الشيء غارمه
ومعنى البيت أيها الأحبة: لو لم يكن أبوك ماجداً أنتج مثلك للناس لكان يكفي أنك جدة لي، فهو يفتخر بها، ثم يقول: الفخر أنك جدة لي، فالفخر لك ليس لي في أبيات طويلة أنا أتركها إلى أن يقول:
فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
فهذه بعض الأبيات في رثاء الجدة.
وقد رثى بعض الأحبة -وهو شاعر منطيق قوي- أمه في أبيات، أذكر بعضها يقول:
ماذا أقول وفيما أشتكي زمني صبراً جميلاً على ما كان من زمن
أقول والعمر جاث حول مرقدها: أماه! والخوف يدنيني ويرسلني
فيما تعانين من هم ومن ولهٍ أحس تحت إهابي ما يمزقني
هل تذكرين عظامي اسمع الصورة:
هل تذكرين عظامي وهي عالقة على يديك وريقات على فنن
أو تذكرين جفوني وهي مبحرة تحت اللفائف بين الضعف واللدن
أو تذكريها وقد ذابت موسدة ضلعين من صدرك الثرثار باللبن
أم الوحيد أجيبيني قد اقتربت نفسي ولكنها في الغيب لم تحن
فأطرقت ثم أومت لي مؤشرة إلى جبيني ومالت كي تطمئنني
قالت محضتك مكنوني فكن رجلاً في العمق من جرحي كالخنجر اليمني
إلى آخر ما قال.
وأعود إلى شرح الحديث.
ممن بر والدته ابن سيرين عالم التابعين يقول: ما صعدت بيتاً منذ أن وجدت أمي خوفاً من أن أعلو أمي وهي تحتي، في المنزل! وكان إذا دنا معها في المائدة لا يرسل يده حتى ترسل يدها، يقول: أخاف أن آخذ لقمة تشتهيها فأكون عاقاً.
ووصل رجل من أهل اليمن يطوف بأمه وهي عجوز، ويحملها على منكبه في حرارة مكة، ويطوف بالبيت، وعرقه يتصبب، فرأى ابن عمر فقال: يا بن عمر أوفيتها حقها؟ أبررتها؟ قال ابن عمر: لا والله ولا بزفرة واحدة.
وتعلمون في الصحيحين قصة من انطبقت عليهم الصخرة: أولهم الرجل الذي فرجت له الصخرة بسبب أنه حلب نياقه ثم أتى إلى أبويه الشيخين، فوجدهما نائمين، فبقي واقفاً باللبن وأطفاله يتضاغون عند قدميه حتى طلع الفجر، وأطفاله يطلبون اللبن، فاستيقظ والداه فشربا اللبن، فلم يوقظهما لئلا يزعجهما، ففرجت له الصخرة بمقدار بره بوالديه.
وتعلمون أن الأم مقدمة في الحق على الأب؛ فإن لها الاحترام الكثير، والخضوع الكبير، ولها ثلاثة أرباع الرقة والعطف والحنان، فإنها مرت بأمور وبأزمات وبوقفات لا يعلمها إلا الله، والوالد لم يمر إلا بربع ما مرت به من هذه المشاكل، ومن التربية والحنان على الولد.
стр. 2488
شرح قوله ﷺ : ﴿ووأد البنات﴾
قوله ﵊: ﴿ووأد البنات﴾:
الوأد هو: دفن البنت حية، وكان الجاهليون يفعلون ذلك هروباً من عار البنت؛ فإنهم يقولون: البنت إذا ربت كانت عاراً على أهلها، وهذا منطق سخيف حرمه الإسلام، وقد جعله الله من أعظم الذنوب، فإن رزق البنت على الله، وربما كانت البنت مباركة أعظم من بركة الولد، وقد منح ﷺ من البنات أكثر من الأولاد، فحرم الله ذلك، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] قرأ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] هكذا قرأ أبو بكر ﵁ وأرضاه بسكون اللام وكسر التاء الثانية في كلمة: (قُتِلْتِ).
ويروى عن عمر والقصة ضعيفة ضعفها أهل السير، أنه كان يبكي في حياته حتى أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، فقيل له في ذلك قال: أبكاني قصة ابنتي، وكانت في الجاهلية، ذهبت بها لأدفنها حية، فلما حفرت القبر وقع الغبار على لحيتي؛ فأخذت وهي صغيرة تنفض الغبار عن لحيتي قال: فدفنتها حية وهي تبكي.
وورد عن قيس بن عاصم المنقري أنه أخذ ابنته وقد ربت ونشأت وترعرعت، فقال لأمها: حلي فلانة، فحلتها وطيبتها وغسلتها، فأخذها بيدها، فلما ذهب بها إلى بئر مطوية في بادية من بوادي بني تميم، فأشرفت على البئر، فنكسها على رأسها فماتت.
وكان قيس عاقلاً لكن الجاهلية أذهبت عقل العاقل، وإلا فإنه الذي يقال له:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] والمعنى من فقر؛ فإن الرزاق هو الله ، فليس الأب الذي يرزق أولاده، ولذلك فتحديد النسل نظرية خاطئة؛ لأنها خوف من الرزق، لا يوافقها الإسلام ولا الكتاب ولا السنة، لأن الله هو الذي يرزق؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] وما ولد مولود إلا وقد تكفل الله برزقه وبأجله، وبسعيد أو شقي، وبعض الناس يكون فقيراً وليس له ولد، فإذا ولد له أولاد وبنات رزقه الله رزقاً عظيماً، ولا تدري لعل رزقك هذا الذي يمنحك الله إياه بسبب بنت لك واحدة، فإن الرزاق حقيقة هو الله وليس العباد.
وأول من أحيا الموءودة في الجاهلية، ومنع أن توءد هو جَدُّ الفرزدق صعصعة بن ناجية، فإنه منع الموءودة أن توءد حتى يقول الفرزدق:
وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم توءد
وكان جده فارهاً في العرب يقول: أحيا بإذن الله في الجاهلية مائة فتاة ومنعهن من القتل، فكان يأتي الفتاة التي يريد أبوها ذبحها، فيأخذها ويربيها عنده حتى يزوجها: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢].
وهذه -والحمد لله- ليست موجودة في عالم الإسلام، وما يقدم عليها أحد إلا من أضل الله سعيه وما سمعنا بذلك، لكن منع النسل وحجزه وحظره وإلغاؤه هو الذي أفتى فيه أهل العلم، أما تحديده فإن في المسألة تفصيلاً، وقد تكلم فيه بعض كبار العلماء، وكتبوا فيها رسائل، فقالوا: إذا كانت المرأة مريضة، ولا تستطيع مواصلة الحمل ويضرها؛ فإن لها أن تؤجل سنوات حتى تشفى، أو كان هناك ظروف خاصة لا يعلم بها، فإن لهم أن يحددوا فترة من الزمن، أما قطع النسل فهذا هو الممنوع الذي لا يجوز.
وبعض الآباء يقول: أكتفي بطفلين أو بثلاثة، وهذا ليس في الإسلام؛ لك أن تحدد النسل، ولكن ليس لك أن تقطع النسل.
стр. 2489
شرح قوله ﷺ : (منعاً وهات)
قال ﵊: ﴿ومنعاً وهات﴾ أي: وحرَّم الله المنع، وهو أن تمنع الحقوق التي عليك، والحقوق منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالواجب كالزكاة والمستحب كالصدقة، وغيرها من الحقوق التي جعلها الله في مال العبد، وفي خلقه، وفي شفاعتة، وفي جاهه ومنصبه ومسئوليته، فالمنع محرم، ويدخل في ذلك البخل، والبخل أذم خصلة وجدت في العبد، حتى قال الله ذاماً اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] قال ابن عباس كما في تفسير ابن كثير: بخيلة، وهم البخلاء عليهم لعنه الله.
حتى إن بعض السلف من أدبه مع الله كان إذا قرأ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] كان يقرؤها باستحياء يخفض بها صوته؛ لأنها في جانب العزة والجلالة ، بل الله سبحانه هو الغني الجواد، وكل عبد يجود فهو من جوده ، خزائنه لا تنفد لو أنفق ليلاً ونهاراً: ﴿يد الله سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنها لم تغض مما في يمينه إلا كما يغيض المخيط إذا أدخل البحر﴾ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠].
стр. 2490
ذم البخل
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
التراب -وهو تراب- لو سألت الإنسان كل يوم مد تراب لمنعك، يقول: في هذا التراب سر ولعل فيه ذهباً، فالإنسان شحيح وأكرم الأكرمين هو الله، يطعم الفاجر ويسقيه ويعطيه، ويسكنه ناطحات السحاب وهو كافر.
وقرأت في ترجمة إبراهيم الخليل ﵊ أنه كان له عبدان رقيقان يرسلهما مع صلاة المغرب، ويقول: أوقدا ناراً عظيمة، وقد كان إبراهيم ﵇ كريماً، وكان عند الضيافة يروغ، قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] والضيوف قليل جاء بعجل فيقول لرقيقه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله.
فتصور حرص هذا المولى على أن يجد ضيفاً، فوجد ضيفاً كافراً فأتى به، فأدخله على إبراهيم ﵇، وصحفة إبراهيم دائماًُ مليئة بالطعام المبارك وباللحم، وقربه إبراهيم وقال: قل بسم الله! قال الكافر: ما أعرف بسم الله!
وهذا سيد التوحيد، ورئيس قسم العقيدة، يقول الكافر: ما أعرف بسم الله قال إبراهيم ﵇: والله لا تأكل لقمة، كيف لا تعرف بسم الله الذي أقام السماوات والأرض: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان:٦٠] فأخذ عصاه وخرج، فأوحى الله إلى إبراهيم، عجباً لك يا خليل الرحمن! هذا الكافر أطعمته وأسقيته سبعين سنة وأنت ما أطعمته ليلة.
من الذي أطعمه في عمره؟ الله.
فسبحان الجواد الكريم!
قال الله تعالى في البخلاء: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:٢٤] بعض الناس بخيل من درجة ممتازة، البخل مركب فيه يرثه أباً عن جد بسند قوي، فهو بخيل، وأبوه بخيل، وجده بخيل، فتجد البخل يجري في دمه، فيقول : ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:٢٤] وتجد بعض الناس يلقي محاضرات في البخل، ويوصي جيرانه وجماعته، يقول لأحدهم: عليك بحفظ المال لا تضيف هؤلاء، اتق الله في مالك، فلن ينفعك إلا درهمك الأبيض في يومك الأسود! ويضع أحاديث في هذا.
وسوف أقص عليكم بعض قصص البخلاء، وقد ألف فيه بعض الفضلاء كـ الجاحظ بعنوان البخلاء والخطيب البغدادي أيضاً بعنوان: البخلاء.
فأما الخطيب البغدادي، فأتى بآيات وأحاديث وقصص، وأما الجاحظ فجرده قصصاً أدبية، وكلا الكتابين فيهما مسرح للنظر وللفكر، ولا بأس بإيراد بعض الشيء.
قال : ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: فالذي يبخل لا يبخل إلا على نفسه لا على الله، يقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] فالبخل مقيت، قال بعض أهل الأدب: كان أعظم عيب عند العرب البخل.
стр. 2491
البخل ينافي السيادة
سأل ﵊ بني سلمة -وهم يسكنون في قباء - قال: ﴿من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس على بخل فيه، قال: وهل داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح﴾ أما هذا فليس بسيد، فخلعوه من تلك الليلة وولى عليهم عمرو بن الجموح؛ لأنه يستحق السيادة، أما البخيل فلا يستحقها.
وعند الترمذي بسند فيه كلام: ﴿السخي قريب من الله قريب من عباده، والبخيل بعيد من الله، بعيد من عباده، بعيد من الجنة﴾ أو كما قال ﵊.
وقد أسهب الجاحظ وهو يكتب عن البخلاء وعن قصصهم، ثم أتى الخطيب البغدادي المحدث الشهير فكتب كتاباً فذكر البخلاء من طبقات الناس: من بخل بخبزه، من بخل بطعامه، من بخل بوقته، لأن البخل أنواع، ومنهم من يبخل بالعلم، حتى تجده من أبخل الناس بالعلم، ومنهم من يبخل بجاهه، ومنهم من يبخل بوقته، ومنهم من يبخل بواسطته وشفاعته، والجود منحة ربانية يمنحها الله من يشاء.
وفد عبد الله بن قيس الرقيات الشاعر على عبد الله بن الزبير ﵁ فوقف عليه وابن الزبير أمير المؤمنين لمدة ست سنوات فقال:
أتيتك من بلد بعيد ناءٍ، نقبت ناقتي وكلَّ مسعاي وضمر جسمي أريد أعطية منك.
قال: أما أن ناقتك نقبت -أي أنها أصابها حفى- فخذ لها جلداً وحذها به، وأما أنت فأعطيك تمراً تأكله الآن، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك.
فقال: إن وصاحبها!
بداية وهذا شاهد في النحو ذكره ابن هشام في كتاب شذور الذهب، معناها: نعم وصاحبها، فذهب هذا وكان شاعراً فقال:
أرى الحاجات عند أبي خبيب نكدن ولا أمية في البلاد
من الأعياص أو من آل حرب أغر كغرة الفرس الجواد
يقول: يا أبا خبيب! نكدت عندك الحاجات، أين بنو أمية؟ لأنهم ينافسونه، فذهب إلى عبد الملك فأعطاه عشر نوق، وملأهن براً وزبيباً وتمراً.
فالمقصود أن العبد إذا قُصد فعليه أن يعطي، وأن تحمد الله أن جعلك مقصوداً لا قاصداً، وأن جعلك يرتادك الناس لا يرتادون غيرك أو لا تكون أنت مرتاداً لهم.
ومما ذكر: أن رجلاً أتى علي بن أبي طالب -ذكره صاحب كتاب عيون الأخبار - فقال له علي: أمسك ماء وجهك، لا تكلمني بحاجتك واكتبها، فكتبها على التراب يقول: أريد حلة يعني أريد ثوباً، فكساه علي ﵁ حلة من أجمل الحلل، قالوا: خلع حلته التي يصلي بها العيد والجمع فأعطاه، فقال الرجل:
كسوتني حلةً تبلى محاسنها لأكسونك من حسن الثنا حللا
يقول: أنت كسوتني حلة واحدة والله لأكسونك حللاً من الثناء تبقى إلى آخر الدهر، وحسن الثناء مطلوب في الإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] يكسبه الإنسان بالمعروف والكرم.
стр. 2492
من قصص البخلاء
والبخلاء قصصهم عجيبة وغريبة، منهم أبو الأسود الدؤلي النحوي كان بخيلاً بالطعام، يرفع عنه القلم إذا رأى ضيفاً، وإذا قدمت مائدته امرأته رفع عنه القلم قالوا: فإذا رأى ضيفاً احمر وجهه، واختلفت عيناه، وأصبح يضرب سوطاً من بعيد "خطر ممنوع الاقتراب" فكان إذا قدمت امرأته طعاماً له قال: أغلقي الباب، فقدمت يوماً عشاءه ونسيت الباب، فاقتحم ضيف فقير مسكين، دخل عليه وجلس معه على المائدة، فجلس يأكل، وغضب أبو الأسود الدؤلي وقامت قيامته، فلما تعشى الضيف قام أبو الأسود إلى حبل، فشد الضيف يده اليمنى برجله اليسرى، وقال: والله لا أتركك في الليل تؤذي المسلمين، فهو يعتبر العشاء هذا إيذاءً للمسلمين، فحبسه حتى صلاة الفجر، ذكره أهل العلم فيمن ذكروا.
ومنهم أحد أهل العلم رجل من أعيان المدينة كان سخياً بالمال بخيلاً بالطعام، وإذا أكلت عنده تغديت أو تعشيت استحل دمك، يقول أهل العلم: كان يستحل دم من يتعشى عنده، وكان والياً على المدينة، وهذا ذكره الخطيب البغدادي، وذكره الجاحظ وأهل الأدب، فدخل عليه ستة، ومعهم أشعب الطماع الذي يتبع الأعراس والولائم والحفلات ليأكل دائماً، وأشعب هذا يأكل أكل أربعة، فدخل مع الستة، فقال الستة بعضهم لبعض: انتبهوا لوالي المدينة لا تأكلوا عنده شيئاً، نريد غرضنا فقط، فوالله إن أكلتم لا يلبي طلبكم، ويستحل دماءكم، فجلسوا وكان غداء الوالي مازال على النار، وكان جدياً يطبخ، فجلس قال: تغديتم يريد أن يستأمن قالوا: الحمد لله، والله لا نريد شيئاً، قال: ما وراء الله مذهب، كفى بالله حسيباً من أقسم بالله بررناه، لو أنكم تركتم القسم لتغديتم معي، قالوا: لا والله تغدينا، قال: الحمد لله، فلما أتى بالغداء قال: تفضل يا أشعب -وكان يظن أنه سيقول: لا والله تغديت- قال: نعم فقام فأخذ جنب الجدي فمسحه، ثم جنبه الآخر فمسحه، ثم أقبل على الرأس فشذرمه، ووصل إلى اليد، فغضب هذا الوالي حتى أصبح يخالط في عقله، فلما انتهى قال: قبل أن تذهب يا أشعب -يريد أن يوقعه- عندنا أناس في سجن المدينة نريد أن تدخل معهم في رمضان تعلمهم القرآن لأنك تحفظ كتاب الله، والله! لتدخلن في رمضان فتصلي بهم كل رمضان، يقول أشعب: لا.
وأعاهدك بالله ألا آكل لك طعاماً بعد اليوم -وهذا مما ذكروه في هذا الباب- فأطلقه.
قوله ﷺ : ﴿ومنعاً﴾ المنع: البخل.
ومن أقسام البخل قسم عظيم خطير، وهو البخل بالعلم والفائدة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] يبخل بالدعوة وبالموعظة، يبخل بالتوجيه والتربية وهو عالم ومتعلم وعنده خير، فهو من صف البخلاء الذين لعنهم الله؛ لأن الله يقول في بني إسرائيل حين بخلوا بالعلم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] فأبخل الناس بالفائدة اليهود ومن سار على منوالهم من هذه الأمة.
الرسول ﷺ كان يستعيذ بالله من البخل ومن الجبن، وقد قسم في يوم واحد سبعة آلاف ناقة وأربعة وعشرين ألف رأس من الغنم، ثم لحقه أعراب الناس يطاردونه يريدون مالاً، فنشب كساؤه بشجرة، فقال ﷺ : ﴿خلوا كسائي أيها الناس؛ فو الذي نفسي بيده! لو كان لي عدد عضاة تهامة غنماً وإبلاً لأنفقتها؛ ثم لا تجدونني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً﴾ ﵊.
стр. 2493
ذم السؤال لغير حاجة
وقوله ﷺ : ﴿ومنعاً وهات﴾ فيه ذم السؤال، "هات" أي: الذي يسأل الناس تكثراً بلا حاجة، فقد ذمه ﷺ ، قال الله : ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:٢٧٣] وقال ﷺ في الصحيح: ﴿لأن يأخذ أحدكم حباله فيذهب إلى الجبال فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه﴾ لا يحوز لك أن تسأل تكثراً عما يغنيك، فإنه حرام، ولذلك أحذر الذين اتخذوا الشحاذة والمسألة طريقاً في جمع الأموال، بل كشف عن بعضهم فإذا هو يمتلك خمسمائة ألف، وبعضهم بلغ الملايين المملينة في البنوك، وهو يتخذ من الشحاذة طريقاً ومهنة، وسوف يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم بل عظام فقط، قال ﷺ : ﴿من يسأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر، ولا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي وجهه خدوش ليس فيه مزعة لحم يوم القيامة﴾ يأتي ووجهه مقطع لأنه ما استحيا من الله، ثم ما استحيا من خلقه، ولا تجوز المسألة للقوي الذي يكسب ويستطيع أن يزاول العمل، ولا تجوز أيضاً لمن عنده غنى وكسب.
ولذلك يفاجأ الإنسان حين يرى الأقوياء الفتيان الشباب يقفون أمام الناس، ويسأل أحدهم يا خيبتاه! شاب قوي يستطيع أن يعمل، يستطيع أن يكدح ويشتغل وينتج ومع هذا يسأل الناس، ومثل هذا لا يعطى لأنه قوي يستطيع أن يكسب.
كان رجل في عهد الرسول ﷺ يسأل الناس، فدعاه ﷺ فأعطاه درهمين، ثم قال: ﴿اشتر بهذا قدوماً أو فأساً، وخذ بهذا طعاماً لأهلك﴾ يعلمه ﷺ طريقة الإنتاج والعمل، يفتح له ورشة، وطريقاً للعمل والكسب وطلب الرزق الحلال، فذهب واشترى طعاماً لأهله، ثم أتى بفأس فأتي به في خشبة فركبه له ﷺ ليكون مباركاً وقال: ﴿اذهب بارك الله لك لا أراك شهراً﴾ فيما يروى عنه، يقول: اذهب احتطب وبع، فكان يذهب في النهار، فيقتطع من الشجر، ويبيع في أسواق المدينة حتى أصبح غنياً، فأتى إلى الرسول ﷺ فأخبره أنه أصبح غنياً، وقد أطعم أهله وكساهم وتصدق؛ قال ﷺ : ﴿لأن يذهب أحدكم فيأخذ حبالاً فيحتطب فيبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه﴾.
فالتحذير من هات هات؛ لأن بعض الناس يدمن على هذا، فيصبح وجهه صفيقاً لا حياء فيه، فيطلب الناس لغير الحاجة، حتى إن بعضهم قد يطلب لبعض الديون البسيطة التي على الناس أكثر منها، يفاجئك ويطلب يقول: علي مبلغ كذا وكذا، ولقد مات ﵊ ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعاً من شعير ولا يوجد من سلم من الدين.
ومات الخلفاء الراشدون وأكثرهم مدين، وكذلك العلماء والأخيار والأبرار، فأن يجعل الإنسان وجهه صفيقاً وهو شاب قوي قادر ليس بصحيح.
أيضاً الإسلام يعالج مبدأ العطالة والبطالة، ونحن نعيشها في بعض الصور، فقد تجد الشاب كسلان لا يشتغل، طرق العمل مفتوحة لكن لكسله يقف دائماً حائراً نائماً في بيته يتسلف ويقترض من الناس، فلا ينفع أهله ولا ينفع نفسه ولا أمته، فمثل هذا يحذر منه الرسول ﵊، وكان ﷺ يقول: ﴿اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول﴾ فاليد العليا هي اليد المعطية، واليد السفلى هي اليد الآخذة.
وقد بايع ﷺ جماعة من صحابته (ستة أو سبعة) على ألا يسألوا الناس شيئاً، ومنهم أبو بكر الصديق ومالك بن عوف، فكان يسقط سوط أحدهم في الأرض، فلا يقول للرجل: (ناولني) بل ينزل بنفسه يأخذه، فبايعهم ﷺ تكريما لهم على ألا يسأل أحدهم الناس شيئاً.
فمن كرامتك على الله أن يغنيك عمن أغناه عنك، ومن الدعاء الطيب: اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، فلا يكون لك حاجة إلى أحد؛ إنما حاجتك إلى الله ، إلا في ضرورات لا بد منها كالديات أو بعض الورطات أو الحوادث التي لا يستطيع الإنسان تسديدها.
يقول المقنع الكندي يمدح نفسه:
لهم جل مالي إن تتابع لي غنىً وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
يقول: أنا إن كثر مالي أنفقته على قومي، وإذا قل لا أكلفهم رفداً.
وإنما بلغ حاتم الطائي هذا الذكر العظيم في الناس؛ أنه كان إذا وضع الطعام بين يديه يقول لامرأته: التمسي من يأكل معي، فإني لا آكل وحدي، فيبقى الطعام موضوعاً حتى تأتي امرأته أو أبناؤه بضيف، حتى يقول في قصيدة له:
إذا ما وضعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي
وقال عروة بن الورد في قصيدة له:
أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد
أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
فإني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
وهي أبيات جميلة لا يتسع المقام لذكرها.
стр. 2494
شرح قوله ﷺ : (قيل وقال)
وقوله ﵊: ﴿وكره لكم: قيل وقال﴾ من معانيه عند أهل العلم: نقل الكلام على وجه الأذية، أو للإفساد بين متحابين، أو إثارة الفتنة بين الناس، فإن هذا مذموم، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا يدخل الجنة قتات﴾ وهو الذي ينقل الكلام، وفي رواية: ﴿نمام﴾.
وقيل: إن (قيل وقال) هو الفارغ بلا عمل الذي يجلس في مجالس الناس، ويقول: قالوا وسمعت، وقالوا وقلنا ويقولون، وقال ﷺ : ﴿بئس مطية الرجل زعموا﴾ وهي مطية كل رجل مخذول مرذول ليس له ثبات في الإيمان، وقيل: المقصود عدم التثبت، قال : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فعدم التثبت من الأخبار ونقل الشائعات أمر مرذول محرم على المسلم لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] ولذلك تجد أحدهم يصدق الشائعة وهي الكذبة تطير في الآفاق، وهؤلاء مغضوب عليهم عند الله ، وهم الذي يأخذون الكلام بغير تثبت، ولا يسندون أخبارهم، ولا يتثبتون، فيكونون هم مصدر الإشاعات وتربيتها في الناس ونشرها.
وقيل: الردود والجدل؛ وهم الذي يتشاغلون في حياتهم بالجدل، وما أعرض قوم عن كتاب الله إلا أوتوا وأورثوا الجدل، فإذا رأيت الإنسان ترك العلم الشرعي وبحث المسائل والتحقيق؛ ابتلاه الله بالجدل، فيعيش مخالفاً دائماً، وسوف يأتي كلام عن المعضلات، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه﴾ فإذا تركت مالا يعنيك كفاك الله ما يعنيك، وساعدك في أمورك وأيدك وسددك، أما إذا تشاغلت بشيء لا يعنيك ابتلاك الله فما قمت بما يعنيك.
وقد قال ﷺ لـ معاذ كما في الترمذي وأحمد ﴿كف عليك هذا.
قال: وإنا لمؤاخذون -يا رسول الله- بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾.
ويروى: ﴿من صمت نجا﴾ ولا ينجو العبد إلا إذا أمسك لسانه عن فضول الكلام وعن الغيبة والنميمة والزور ونقل الشائعات، وعن الافتراء والتعرض للمسلمين، قال ﵊ لـ عقبة بن عامر وقد قال له: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: ﴿كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾ رواه الترمذي وهو حديث حسن.
فكف لسانك أي: احبسه، قال ابن مسعود: [[والله ما شيء أحق بطول حبس من لسان]] وكان أبو بكر يبكي ويمسك لسانه ويقول: [[هذا الذي أوردني الموارد]] وكان ابن عباس يقف ويبكي على الصفا ويأخذ لسانه ويقول: [[يا لسان قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]].
وما أهلكنا إلا ألسنتنا، فنسأل الله أن يسدد منا القول والعمل، وأن يجنبنا وإياكم الفتن والزلل والمحن، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 2495
النهي عن الإتيان بالغرائب
ومن آداب المسلم في النهي عن القيل والقال: أن يتقي الله ولا يأتي بالغرائب، والدين هو المشهور الذي تقبله العقول والأذهان، ولا تنكره العقول ولا القلوب، فإذا رأيت الإنسان يورد العجائب والتهاويل في كلامه فاعرف أنه يريد شيئاً، ولذلك سمى الأئمة هؤلاء وضاعين كذابين قصاصين خرافيين، الذي يأتي بالغرائب مثل صاحب كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور فإنه أتى بغرائب من ضمنها يقول: ملك من الملائكة في بحر من البحار إذا جاع أخذ سمكة ورفعها إلى الشمس فقربها من الشمس وشواها وأكلها، هذا لا يقبله العقل ولم يأتِ به وحي، قال: وتحت الأرض السابعة نخلة ثمرها في السماء رطب من در، وهذا كذب، ثم يأتونك بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان لأن الذي تقبله العقول هو الدين الأصيل.
اذهب إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وانظر كيف ينتشر الإسلام عبر المحيط، واذهب إلى أوروبا وسافر إلى أستراليا فهو يبلغ مبلغ الليل والنهار؛ لأن العقول تقبله، فإنه دين أصيل يخاطب الفطرة قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ليس فيه خرافة ولا كذب ولا تدليس ولا تلبيس ولا مداجاة، بل كله حق كما يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] صدقٌ ووضوحٌ مثل الفجر.
ولذلك ألف ابن تيمية كتاب درء تعارض العقل والنقل ومما يؤثر عنه أنه قال على منبر مسجد بني أمية في دمشق: أتحدى العالم أن يوجد في الشريعة نصاً يعارض العقل أو يعارضه العقل، وألف كتابه العظيم هذا الذي قال عنه ابن القيم: ما طرق العالم مثله، فالدين تقبله العقول، أما إذا رأيت الخرافات والخزعبلات والغرائب فاتهم صاحبها.
стр. 2496
السؤال المحمود والمذموم
قال ﵊: ﴿وكثرة السؤال﴾.
السؤال قسمان: فذم ﵊ قسماً.
أما السؤال الممدوح فهو سؤال العلماء، وطلبة العلم، والدعاة، حتى يقال: سل عن دينك حتى يقول الناس: إنك مجنون، قيل لـ ابن عباس: كيف أوتيت هذا العلم؟ قال: [[بلسان سئول وقلب عقول]] فأنا أوصيك أن تسأل كثيراً، وأن تكون ملحاحاً في الأسئلة العلمية التي تنفعك في فقه الدين وفي تحقيق المسائل، واكتشاف الشريعة، فهذا يقربك من الله :
وسل الفقيه تكن فقيهاً مثله من يجر في علم فقيه يمهر
فلابد أن تسألوا ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فالواجب على المسلم أن يسأل ولا يقول: أكثرت في الأسئلة فلن أسأل كثيراً، لكن تجنب أمرين: لا تسأل عن المعضلات والألغاز، ولا تسأل بقصد أن تعجز العالم أو الداعية أو طالب العلم، لأن بعضهم يريد أن يعجز أو يضحك الناس على العالم، وبعضهم أسئلته ألغاز لا فائدة فيها، ولا مصلحة منها، مثل: ما هي الكلمة التي إذا حذفنا حرف الوسط خرج لنا اسم سيارة؟ ما هو اللفظ الذي إذا أتينا بالحرف الأول والحرف الثاني
فهذا ضياع للأوقات، نحن أمة عاملة متفقهة شاهدة، أمة وسط نعيش في علم الحياة، وهؤلاء لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجعهم بالدرة، أما أن تأتينا بحروف وخزعبلات وألغاز فوقتنا أضيق من أن يكون للألغاز.
أيضاً مسألة السؤال عما لم يقع، لأن بعض الناس يسأل عن أمور ما وقعت، يقول مثلاً: من وقف على سماء عرفة ولم يقف على الأرض ما حكم حجه؟ وهل حدث هذا؟!
وأحدهم يقول: لو قال لامرأته إذا طرتِ فأنت طالق فطارت المرأة فوقعت هل طلقت أم لا؟
فهذه الأسئلة لا توقعها ولا تأتِ بها، اسأل عن شيء وقع أو مثله يقع في الناس على قياسك.
وأما نهيه ﷺ عن كثرة السؤال فهو يلحق بالأول إما أنها السؤالات العلمية كقول مالك: "هي السؤال عن المعضلات" كمن يسأل عن مسألة فرضية ما وقعت إنما قصده أن يكبت العالم أمام الناس، أو يسأله عن أشياء قرأها هو وفهمها، ويريد أن يكتشف قوة هذا، فيريد أن يحرجه أمام الناس، فهذا لا يبارك الله في علمه ويطفئ نوره؛ لأنه أراد إحراج الناس صراحة وما أراد خيراً بالأمة، أو يسأل عن أمور ما وقعت كما قلت.
ويلحق بكثرة السؤال الذين يسألون تكثراً في الأموال فوق الحاجة، أما الحاجة الملحة فيجوز للإنسان أن يسأل بالطرق المشروعة أما أكثر فمحرم.
стр. 2497
حكم إضاعة المال
ثم قال: ﴿وإضاعة المال﴾ فكره الله لنا إضاعة المال، وهو صرفه على وجه الإسراف والتبذير قال : ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩].
فعلى العبد التوسط بالإنفاق في أمور الخير كما أخبرنا بذلك ، فلا يكون مبذراً بذخاً ولا يكون مقتراً بخيلاً.
стр. 2498
من ورع الصحابة في الإنفاق
ومنها أن العبد لا ينفق في الطيبات إسرافاً، قال : ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] وفي سيرة جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه أنه اشترى لأهله لحماً من السوق، وذلك مرة في الأسبوع.
فما بالك بالأسر التي تعيش كل يوم على لحم، وبعض الناس لا يجدون اللحم في السنة مرة.
عمر كان يعيش عيشة متقشفة، وهو خليفة يحكم اثنتين وعشرين دولة من طنجة إلى السند، ومع ذلك يبل الشعير في الزيت ويأكله، ويقرقر بطنه، ويشكو الجوع، ويخور ويبكي فقال لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله! لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] فهذا عمر.
فخرج عمر إلى السوق، فلقيه جابر، وجابر قد اشترى لحماً، فخاف من عمر -انظر الرعية يشترون من أموالهم- فجعل اللحم تحت إبطه قال عمر: ما هذا؟ وكان عمر ﵁ وأرضاه بازاً قارحاً ذكياً داهيةً كما قال ابن عباس، قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت؟! والذي نفسي بيده! إني لأعلمكم بأحسن الأكل وأطايب الطعام، ولكني أخشى أن أقدم على الله يوم القيامة فيقال لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠].
لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
هذا شيء.
стр. 2499
من إضاعة المال صرفه في المعاصي وكثرة البناء
وقال بعضهم: هو صرف الأموال في المعاصي، أو في محاربة الحق، فمثل من يصرفها في المعاصي كمن يفتح مكاناً لتسجيلات الغناء، فيستأجر عاملاً، ويصرف الألوف المؤلفة في إغواء أجيال الأمة، ويصرف الغناء بأشرطة ويدخلها البيوت على الناس، أو محل الفيديو المهدم أو ترويج الفاحشة، أو المجلة الخليعة أو غير ذلك، وقد قال عنهم : ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] هم ينفقونها صراحة لكنها سوف تكون عليهم حسرة، سوف يذوقون الغصص لأنهم حاربوا الله بهذا المال.
أيضاً من يصرفها في المعاصي كمن يسافر ليعصي الله ولا يتصدق ولا ينفق ولا يبني المساجد ولا يساهم في الخير، فهؤلاء يلحق بهم قول الله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
ومن وجوه الإسراف كثرة البناء، قال خباب بن الأرت: [[يؤجر العبد إلا ما وضع في هذا التراب]].
قيل: في البناء الزائد عن الحاجة، فإن بعض الناس هوايته البناء، حتى تجد رجله في القبر أي بلغ السبعين والثمانين وهو يلاحق المؤسسات، والعمال، والإسمنت، والحديد والماء، وهو مبهذل الليل والنهار كم تعيش؟!
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
دار أذن الله من فوق العرش بخرابها: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] وكتب عليها الفناء:
كتب الموت على الكل فكم فل من جيش وأفنى من دول
حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا
وتجد الإنسان في السبعين -وهي من سبعين الاستغفار والتوبة والبكاء ولبس الكفن- مغرماً بالعمارات والبناء قال سفيان الثوري: "من بلغ الستين فليلبس كفناً فقد أعذر الله إليه" قال الله في لافتة لهؤلاء: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ؟
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ
وقد نظم الشعراء في ذلك أبياتاً جليلة وقصائد، ولولا الإطالة لذكرتها، ولأسهبت في ذكرها، ولكن على كل حال هذا تحذير من إضاعة المال في بناء وكثرة العمارات لغير مصلحة، إلا لمصلحة شرعية أو مقاصد من تنمية المال ليسهم به في وجوه الخير، وينسب إلى إبراهيم الصولي أنه قال:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
دارك التي تسكن وتنزلها غداً هي التي بنيت الآن.
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
سبحان الواحد الأحد! يموت أحدهم ولا يأخذ إلا الكفن ويترك عشرات القصور، وعشرات البساتين، يقول : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
قال الإلبيري:
وما يجديك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمتا
تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررتا
وتشفق للمصر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمتا
стр. 2500
خير الأمور الوسط
قال ابن عباس وهذا الحديث في الترمذي مرفوعاً عند بعض أهل العلم: ﴿كل واشرب وتصدق من غير سرف ولا مخيلة﴾ وهذا لا يعني أنا نحرم على الناس الطيبات؛ فإن الله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ففي حدود الاقتصاد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
مأذون للعبد أن يشرب وأن يسكن وأن يأكل في حدود التعقل والاقتصاد بلا كبر ولا رياء ولا مخيلة، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧].
ثم هناك مسألة وهي أنه لا بأس بجمع المال، ولا بأس بتحصيله من الوجوه الشرعية لتحفظ به ماء وجهك، ولا تترك أسرتك عالة يتكففون الناس، وفي الأثر: ﴿ما عال من اقتصد﴾ وقال ﵊ في الصحيح لـ سعد: ﴿إنك أن تترك ذريتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس﴾ أي: يسألون الناس، قال الشاعر:
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد
فبين الإسراف وبين البخل منزلة أمرنا بها الله .
هذا حديثه ﵊: ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ هنا لك أن تقرأه على السكون والوقف: ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات وكره لكم: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال﴾.
اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث، وأنا أرى أن يحفظه من أراد أن يخطب به للناس، لأنه عناصر، ولأن في لفظه ﵊ بركة.
وسبحان الله! لا يأتي العبد إلى ألفاظه ﵊ ليشرحها على الناس إلا فتح له بإذن الله وسهل أمره وسدد.
ما بقي من الوقت سوف أعالج به قضايا إن شاء الله، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، أسأله بأسمائه الحسنى أن يصلحنا ظاهراً وباطناً، وأن يرعانا ويحفظنا وإياكم، وأن يغفر ذنوبنا وخطايانا، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2501
الأسئلة
.
стр. 2502
حكم الاختلاف في المناهج وأساليب الدعوة
السؤال
هنا بعض القضايا يعيشها الشباب، ويعرف ذلك من يخالط الشباب ويجلس معهم، ويسمع ويقرأ رسائلهم، ويسمع أخبارهم ويستمع لهم، منها: الاختلاف في مناهج وأساليب الدعوة، فما هي نصيحتكم؟
الجواب
أولاً: الاختلاف في مناهج الدعوة أو في أساليبها وكلٌ فيها مجتهد، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فلا تثريب على من خالف في الأسلوب إذا كان شرعياً.
فإن بعض الناس يرى في أسلوب الدعوة أن الموعظة هي الكفيلة بإصلاح الناس، وبعضهم يرى أن دعوة الناس فرداً فرداً هو الأصلح، وبعضهم يرى أن تأليف الكتب هو أمكن وأمتن، وبعضهم يرى أن الفتيا باب عظيم في نفع الناس، فيؤجر صاحب الفتوى، وصاحب الموعظة، والخطيب، والداعية والذي يربي الناس، كل على اجتهاده وعمله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].
فلا داعي للتحقير من جهود الناس؛ لأن بعض الناس حتى ولو كان داعية إذا سلك طريقاً أو أسلوباً وأعجبه أخذ ينكر الأسلوب الآخر، وأخذ يعترض على الأسلوب الآخر، وهذا لا يحق له.
فالله هيأ ذاك لهذا الأسلوب، وهو لا يستطيع إلا أن يكون خطيباً، وأنت لا تستطيع إلا أن تكون مفتياً؛ فاعذره يا أخي! وتعاون معه، واشكر له سعيه، وادع الله أن يسدده، وأن يسهل أمره، لأن الأمة لابد أن تتكاتف، فالأمة كلها لا يستطيع الأفراد فيها أن يقوموا بالدعوة، فلا يستطيع الفرد في وقت واحد أن يكون أديباً، وخطيباً، وكاتباً، ومفتياً، وواعظاً، ومربياً، ولذلك وزع الله على الناس المهمات ليقوموا بها جميعاً.
стр. 2503
الفجوة بين العلماء وطلاب العلم
السؤال
توجد فجوة بين العلماء وطلبة العلم.
الجواب
هذه بدأت تتلاشى بإذن الله، والآن هناك اتصال بين طلبة العلم والعلماء، وإني من هذا المكان أتشرف أن أوجه الجيل إلى عالم الأمة سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن باز، في أن يسمعوا كلامه وخطبه ومواعظه وكتبه؛ فإنه العالم الرباني، ولا أعلم عالماً الآن في العالم الإسلامي -وهم كثير- من بلغ هذه المنزلة إلا هو، أسأل الله أن يبارك في عمره، وقد سبق قبل سنة ونصف محاضرة لي بعنوان: الممتاز في مناقب الشيخ ابن باز، ولعلي بعد فترة أجمع معلومات جديدة عن سماحة الشيخ ممن يقرب منه من محبيه وطلابه وأبنائه بعنوان: الداعية الإنسان، إن شاء الله يكون فيها الجديد في الطرح.
فالآن الحمد لله الدعاة قريبون من الشيخ لسماع مواعظه ونصائحه وتوجيهاته وتربيته، وأمثاله من العلماء الأفاضل كفضيلة الشيخ: محمد الصالح العثيمين، وفضيلة الشيخ الدكتور: صالح الفوزان، وفضيلة الشيخ: عبد العزيز آل الشيخ والشيخ: صالح اللحيدان والشيخ: عبد الله بن غديان والشيخ الجليل: عبد الله بن جبرين، والشيخ الجليل: عبد الله بن قعود، والشيخ: عبد الرحمن البراك، فهؤلاء علماء أهل السنة والجماعة في هذا العصر، ومعهم علماء كثير في العالم الإسلامي فليس العلم حكراً عليهم، لكن الذين نقترب منهم كثيراً ونجالسهم ونتصل بهم هم هؤلاء الذين سميت في هذه الجلسة وغيرهم كثير.
стр. 2504
نصيحة لشباب تائبين
السؤال
حضر معنا هذه الليلة شباب عائدون تائبون لله، ولأول مرة يحضرون هذه الدروس، فأرجوك أن تقدم لهم نصيحة ثمينة غالية، وأرجوك أن تدعو الله لهم، حفظكم الله ورعاكم.
الجواب
الأخوة العائدون إلى الله الذين حضروا هذا الدرس، ومن أجلهم كتب هذا السؤال، نتشرف بهم هذه الليلة فما نحن إلا إخوة، وليس فينا معصوم، وكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون، فتبنا إلى الواحد الأحد وعدنا إليه، ونسأل الله أن يغفر لنا ولهم وأن يتقبلنا فيمن تقبل، فهنيئاً لهم عودتهم إلى الله ، وأرفع لهم آية من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦].
стр. 2505
آخر كتاب لعائض القرني
السؤال
ما هو كتاب هذا الأسبوع؟
الجواب
كتاب هذا الأسبوع بعنوان (ثلاثون علامة للمنافقين) وهو موجود، وأكثر ما هو متوفر في الرياض وجدة، لكن المهم أنه كتيب يقع في ستين أو في خمس وستين ورقة بعنوان: (ثلاثون علامة للمنافقين).
стр. 2506
ظاهرة الإقليمية عند طلاب العلم
السؤال
أرجو أن توضح الإقليمية عند بعض طلبه العلم.
الجواب
الإقليمية تعني أن يعيش الإنسان محصوراً في منطقة أو مكان أو زمان خاص، فلا يتسع نظره للمسلمين عامة في بلاد الإسلام، ولا يعيش قضايا المسلمين، وقد وردت أسئلة الليلة عن أخبار البوسنة والهرسك.
وسبق الحديث عنهم في خطبة بعنوان (وا إسلاماه) وسمع طرف من ذلك، وأنتم تسمعون أخبار العالم كيف ارتج لهذه الجمهورية المسلمة، لأنها هي الوحيدة في أوروبا فيما أعلم مسلمة، ولذلك تكالب عليها الكروات الصرب من الصليبيين والمسيحيين، وكرواتيا والصرب كانوا يقتتلون فلما كان القتال ضد المسلمين اجتمعوا ضد المسلمين، فالشكوى إلى الله.
وآخر ما سمعت من أخبارهم كما سمعتم البارحة أنه رحل خمسة آلاف طفل في شاحنة كبيرة، فاعترضها الصرب، وفي الأخير أطلقت بعد أن كاد الأطفال يشرفون على الموت، ونفذ ما عندهم من الحليب، فهي أزمة ليس لها من كاشف إلا الله سبحانه، فنسأل الله أن يفرج الكربات عن المسلمين.
стр. 2507
علاج قلة الاطلاع
السؤال
الشباب يقولون: نشكو من قلة الاطلاع عندنا، فما نصيحتكم لهم؟
الجواب
هم بأنفسهم تسببوا في قلة الاطلاع، وهذا كأنه داء عصري في العرب، حتى نقل عن بعض الناس أنه قال: العرب أمة لا تقرأ إلا القليل، فأنا أوصيهم بأن أحسن ما يمكن أن يقدموا لأنفسهم ويثقفوا أنفسهم أن يقرءوا باستمرار، قراءة كثيفة وغزيرة ومتأنية وعميقة، وخاصة العطلة الصيفية وقد أقبلت، أرى ألا يقل طالب العلم في اليوم والليلة عن ثمان ساعات قراءة، يقرأ في كل ما لذ وطاب من الشريعة المحمدية وكتب أهل العلم وما ينفعه في الدنيا والآخرة.
стр. 2508
سلبية عدم التأثير في حياة بعض المشايخ
السؤال
السلبية في حياة كثير من الأساتذة المشايخ هو عدم التأثير، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
نعم، يسمى الانطوائية، وهي أن ينطوي الإنسان على نفسه ولا يؤثر ولا يتكلم ولا يدعو، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ويعيش في ذاته، فهو مهموم بعندياته وخصوصياته في اليوم والليلة، وهذا أمر واقع؛ فإن الملتزمين كثير، والدعاة كثير، وطلبة العلم كثير، والمثقفين كثير، ولكن أين تأثيرهم؟ أين مددهم؟ أين مزاولتهم للدعوة؟ وقد قال رسول الله ﷺ ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ وقال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾.
стр. 2509
ظاهرة الجدل البيزنطي
السؤال
الجدل العقيم الذي يسمى: البيزنطي الذي لا يترتب عليه فائدة، ما هو تعليقكم على هذا؟
الجواب
وهذه قضية، فإنهم يتجادلون في أمور أنهاها العلم التجريبي أو العلم الشرعي، كقول بعضهم: هل الأرض كروية أو لا؟ فيقفون ليلة يختصمون في هذا المبدأ، تدور أو لا تدور؟ وهذا لا ينفع لأنه جدل عقيم، وهم مخفقون في مسائل الشرع والتفقه في الدين.
стр. 2510
الفظاظة في الدعوة
السؤال
الفظاظة والغلظة في الدعوة
الجواب
هي عند البعض وليست عند الكل، فالحمد لله الكثير من الدعاة نجد فيهم انبساطاً وبشاشة وحسن خلق وتواضعاً للناس، لكن البعض يوجد فيه فظاظة وغلظة في التعامل، والله يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فتجد بعضهم ليس عنده إلا إصدار الأوامر للناس، هذا حلال وهذا حرام، اجتنبوا هذا، وهذا إلى النار، فيقنط الناس من رحمة الله التي وسعت كل شيء، فعليه أن يكون ليناً في الأسلوب قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 2511
ظاهرة عقوق الوالدين
السؤال
هنا يقول: بعض الشباب ينتشر فيهم عقوق الوالدين، فما هي النصيحة التي توجهها لهم؟
الجواب
وهذا صحيح؛ لأنه قد شكى كثير من الآباء والأمهات من عقوق أبنائهم، ولا أدري ما معنى الصلاة عند هؤلاء، ما معنى قراءة القرآن؟ ما معنى الدعوة؟
إذا كان الإنسان عاقاً لوالديه كيف تصلح أموره وتستقيم، بل وتجد بعضهم باراً بزملائه ويقدم حق زملائه وأصدقائه على حق والديه، فيخرج معهم ويستضيفهم ويضحك ويمزح، فإذا دخل على والديه قطب جبينه وغضب وأزبد وأرعد وتهدد.
وبالمناسبة تذكرت قصيدة لعربي قال الزمخشري أنها ألقيت على الرسول ﵊: رجل ربى ابنه، ولما كبر ابنه واشتد عوده وصلب جذعه أتى الابن إلى الأب فلوى يده وبكته، فأتى الوالد إلى الرسول ﷺ وبكى عنده وقال: ابني يا رسول الله تغمط حقي ولوى يدي وأغلظ لي، قال رسول الله ﷺ : هل قلت فيه شعراً؟ قال: نعم قال: ماذا قلت؟ قال: قلت فيه:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
стр. 2512
ضرورة تحضير الدروس
السؤال
نحمد الله على أننا نلتقي في كل سبت، وأصبح عندنا مساء السبت وجبة شهية معتادة، فإنا ندعوك إلى كثرة التحضير والمراجعة، فقد لمسنا ذلك في سفينة النجاة؟
الجواب
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، يقصد الأخ بقوله سفينة النجاة المحاضرة السابقة، وأنا أشعر بحب وفرح وسرور مساء السبت، والسبب أني أنظر إلى وجوهكم الغالية، فأسأل الله أن يتمم هذا الخير، وأن يجعلها حلقة وصل للتفقه في الدين والذكر، وحفوف الملائكة، ونزول السكينة، وغشيان الرحمة، وأن يذكرنا الله فيمن عنده.
فأبشروا وأملوا ما يسركم، وإن الموضوع هذا كالخطوط الحمراء بقيت أسبوع وأنا أفكر في مداخل الحديث وما يحضر له من آيات ومن أحاديث؛ لأن الداعية عليه أن يحترم جمهوره، وعليه أن يحترم من يحضر، لأني أعرف أن ممن يحضر من هو أفضل ممن يتكلم، وقد يكون أعلم وأفقه وأتقى، فما حضر إلا احتراماً، والأمة أصبحت واعية، فقد ارتفع منسوب الوعي والفهم عند الناس.
وأنا مدين بهذا الحضور وأشعر بهيبة وبرهبة وخجل يوم أجلس هنا، ولذلك تجد أحياناً في الإلقاء اندفاع بحرج؛ لأن الإنسان يتصور وهو يجلس أمام المئات من الأساتذة ومشايخ الجامعات والقضاة وطلبة العلم والصالحين والأخيار، ومن يقوم الليل، ومن يصوم النوافل، ومن يريد إعلاء هذا الدين، ومن يفقه الأمة.
والخلاصة الخالصة أنه يشعر أنه لا بد أن يلقي كلاماً مفيداً وأن يحترم عقولهم وأذهانهم؛ لأنهم احترموه بالحضور، وهذا يكون وأنا مستعد ومتقبل للملاحظات من الإخوة.
стр. 2513
ظاهرة الانتكاس
السؤال
ظاهرة الانتكاس عند بعض الشباب، فإنهم يتوبون ثم يعودون، ما تعليلها؟
الجواب
هذه لها أسباب، وقد بينت في شريط قديم بعنوان (أسباب الانتكاس) فعلى الأخ أن يعود إليه إن كان ممن يسمع الأشرطة فقد بينت هناك ما هي أسبابها.
ومنها: العواطف، كأن يربى الناس على العواطف، ومنها رفقة السوء، ومنها قلة النوافل، وقلة قراءة القرآن، وقلة الدعاء، ومنها أن البيت يكون مهدماً لا يربي على الطاعة ولا على السنة، إلى غير ذلك.
стр. 2514
ظاهرة التعالم
السؤال
يوجد في بعض الشباب ظاهرة التعالم، فما نصيحتكم لهم؟
الجواب
ظاهرة التعالم تعني التبجح بالعلم، وللشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد أثابه الله كتاباً اسمه التعالم أرشح قراءته للإخوة.
حتى إن بعضهم لا يحضر الدروس ولا الندوات، ويقول: ليس فيها جديد، وكل ما فيها عندي، مع العلم أن سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز يحضر ندوات الدعاة كل يوم خميس في الرياض، وتسمعه يصوب ويسر ويفرح، لأن هذا شيء عجيب أن تلقى عليك المعلومات وأن تسمعها، وأن تعاد عليك، وأن تكرر، وأن تسمع الفائدة، وأن تحفك السكينة، أما التعالم والتبجح والفرح بما عندك فقد قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] فهو من الكبر.
стр. 2515
ظاهرة التفرق بين الشباب بسبب الإقليمية والشعوبية
السؤال
الحزازات بين بعض الشباب بسبب الشعوبية والإقليمية والوطنية والقبلية؟
الجواب
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ليس فينا أسود ولا أحمر ولا أبيض، نحن أمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ليس عندنا تفاضل لا بنسب ولا بسبب ولا بلغة ولا بدم، بل أفضلنا أتقانا لله، أفضلنا وأكرمنا من حمل هذا الدين، وأعظمنا عند الله من أحب الله وأحب رسوله، وجاهد من أجله، وبذل النفس والنفيس، والغالي والرخيص من أجل رفع لا إله إلا الله، وأفضلنا من تولى الله وأحب الله وسجد له، ومن أخلص قلبه للواحد الأحد، فليس فينا مفضل بنسبه ولا بسببه ولا عندياته ولا بذاته.
فالله أدخل النار أبا جهل المخزومي وأبا لهب وأبا طالب عمي الرسول ﵊، وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي أدخلهم جنة عرضها السماوات والأرض.
أيضاً وطن المسلم كل أرض أشرقت عليها شمس الإسلام، وأيضاً وطن المسلم هذا الكون الفسيح
وكما سلف في القصيدة السابقة:
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على رباها بنينا العالم الفاني
في طيبة المصطفى روحي واولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني
النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان
دمي تصبب في كابول منسكبا ودمعتي سفحت في سفح لبنان
فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
أمة واحدة قبلتها واحدة، وربها واحد، وكتابها واحد، ورسولها واحد، فمن يسعى إلى تمزيق الشمل أو تمزيق الأمة فهو آثم عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] هذه هي التي يجب على العبد أن يرتفع بها ويسمو، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن يكون عالماً ربانياً كونياً شرعياً يتبع الشرع.
هذا مما يطلب في مثل هذا المقام الشريف، وقد أكد عليه كثيراً في مثل محاضرة (فن تأليف القلوب) ومثل خطبة (وألف بين قلوبهم) وقد ذكرت شيئاً في تلك المحاضرة من كلام أهل العلم بعد الآيات والأحاديث وبمشاركة الشيخ: عبدا لله بن محمد بن حميد فمثل هذا يكفي في ذاك المجال.
стр. 2516
نصيحة لحضور مجالس الذكر
السؤال
نريد الحضور ولكن المكان لا يتسع لنا؟
الجواب
إذا لم يتسع المكان فإنه يتسع القلب والصدر، تعال واجلس على قلوبنا: وصدورنا، وهذا وارد، وأنت إذا حضرت أوجد لك الله مكاناً وهيأه لك، وأنا كنت أود من الإخوة أن يتقاربوا لكن شكى بعض الإخوة يقول: إذا أقيمت الصلاة أصبح في الصف صفان، لكن إذا بدأ الدرس فليتقارب الصفوف بعضها من بعض، لأني أرى بعض الفراغات تأخذ بعض الإخوة، وهذا ليس بعذر أن يتخلف الإنسان بحجة أنه ما وجد مكاناً؛ فإني أعرف أن من يجلس في البرد أن الله يثيبه على جلوسه وعلى رباطه، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] والعبد يؤجر على حضوره.
أيضاً هذا الوقت من المغرب إلى العشاء مستهلك عند الناس، حتى أن غالب الطلبة لا يذاكرون في مثل هذا الوقت، ساعة أو ساعة ونصف، ثم لا يصلح هو أصلاً للزيارة إلا لمثل حضور فائدة أو نفع أو حضور مجلس خير مثل هذا المجلس، ثم هو يوم في الأسبوع، فعلى كل حال العبد يتغلب على كل المحبطات والملهيات والمشغلات ليكون مكسباً له في يومه وحياته.
أسأل الله لي ولكم القبول والهداية، والتوفيق والرشد والسداد، وأسأله أن يعيننا على أنفسنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2517
في ظلال لا إله إلا الله
(لا إله إلا الله) ليست قولاً فقط بل هي قول وعمل، وهي التي أدخلت عمر وعلياً وعثمان وبلال الجنة، وبسبب تركها دخل أبو لهب وأبو طالب النار -والعياذ بالله-.
فلنعش لحظات مع (لا إله إلا الله) في هذا الدرس، ولنعرف هل نحن محققون لكلمة (لا إله إلا الله) قولاً وعملاً؟ وهل نعيش تحت ظلها؟
стр. 2518
امتلاء قلوب الصحابة بلا إله إلا الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مسلمونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالكمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] من الذين سبقت لهم من الله الحسنى؟!
إنهم أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وهم الذين لا يسمعون حسيس النار ولا يخلدون فيها.
فيا أهل لا إله إلا الله! ويا حملة لا إله إلا الله! (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كلمتان يدور عليهما الإسلام، وفي مظلتهما هذا الدين، ولذلك كان عنوان هذا الحديث في (ظلال لا إله إلا الله).
ويوم يأتي المسلم ليستقرئ سيرته ﷺ يجد أنه بدأ بلا إله إلا الله وختم بلا إله إلا الله، وقف على الصفا ﵊ فجمع الناس لينذرهم فقال: ﴿يا بني هاشم! يا بني عبد مناف! يا بني كعب بن لؤي! قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا، إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ حينها آمن من آمن بلا إله إلا الله فدخل الجنة، وكفر من كفر بلا إله إلا الله فدخل النار.
يقول عمه أخو أبيه أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا! فأنزل الله قوله المحرق لهذا الرعديد الفاجر: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]
ويأتي بلال من أرض الحبشة ليؤمن بلا إله إلا الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] أما أهل الصفا، وأهل زمزم، وأهل الحرم، فقد كفر كثير منهم بلا إله إلا الله.
أما صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي، وخباب بن الأرت فقد ملئوا قلوبهم بلا إله إلا الله.
يقول الله لرسوله ﷺ قبل أن يدعو الناس وقبل أن يتكلم إلى البشر: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
إذا أردت أن تدعو الناس، وأن تبدأ في طريقك وتزاول عملك، فاعلم -أولاً- أنه لا إله إلا الله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] هل تعلم أحداً مثيلاً لله؟!
هل تعلم أعظم من الله؟! لا والله.
أتى عدي بن حاتم (والحديث حسن) إلى المصطفى ﷺ -وأبوه حاتم الطائي كريم باذل جواد، ولكنه لا يساوي ذرةً في ميزان الحق؛ لأنه لم يدخل قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، مات كافراً مشركاً فما أفاده إيمانه بالطاغوت، ولا نفعه جوده ولا كرمه؛ يقول ابنه كما في صحيح مسلم للرسول ﵊: ﴿يا رسول الله! إن أبي كان يكرم الضيف، ويحمل الكلَّ، ويعين على نوائب الحق، فهل ينفعه ذلك شيئاً عند الله؟ قال: لا.
إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ طلب الذكر، والشهرة، والرياء، والسمعة فحظه ذلك في الدنيا حتى يتراد صيته واسمه بين مجتمعاتنا ولكنه من الخاسرين.
وكريم آخر يُسأل عنه ﷺ فقال: ﴿لا.
إنه لم يقل يوماً من الأيام: رب اغفر لي خطيئتي﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ويقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ويقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
فالله يقول لرسوله ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ﴿قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني أحد قبلك يا أبا هريرة، أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه﴾ لكن ليس معنى لا إله إلا الله أن ترددها أيها المسلم بلسانك وأما واقعك وعملك فهو يخالف لا إله إلا الله، وكثير من الناس يتصور أنه إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله كفى.
لا إله إلا الله اعتقاد وقول وعمل، فإن بعض المشركين قالوا: لا إله إلا الله فما نفعهم ذلك؛ لأنهم ما اعتقدوا بمدلولها، وما أخلصوا في حملها، وما عرفوا العمل بها.
إن من يقول: لا إله إلا الله، لا تفوته الصلوات الخمس جماعة.
ومن يعتقد لا إله إلا الله، لا يتعدى حدود الله، ولا ينتهك حرماته.
ومن يقول: لا إله إلا الله، لا يجعل بيته وثناً، ولا يجعل بيته مسرحاً للمعاصي؛ والأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، واللعن، والسب، والشتم، والاستهزاء بآيات الله وبرسوله وبالإسلام الذي أتى به رسول الله ﷺ ، هذا يخالف لا إله إلا الله.
وفي ظلال لا إله إلا الله -أيها المسلمون- لتعلموا أن من أكبر قضايا لا إله إلا الله هي: الإيمان بالله ﵎، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
стр. 2519
التقوى من أعظم ثمار الإيمان
والإيمان أكبر رافد من روافده تقوى الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مسلمونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالكمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
لكن ما هي التقوى؟ ما تعريفها؟
стр. 2520
تعريف التقوى
قال علي بن أبي طالب فيما أثر عنه عن التقوى: [[الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، الرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل]].
стр. 2521
الخوف من الجليل
يقول: التقوى هي الخوف من الجليل، هل تعرفون "الجليل"؟!
هو الله الواحد الأحد، الجليل الذي يراك إذا تسترت بالجدران، الجليل هو الذي يراقب حركاتك إذا اختفيت في الحيطان.
كثير من الناس لا يعرف الجليل، يخاف من السلطة ومن القائد والقيادة أكثر من خوفه من الله الواحد الأحد، يخاف من مراقبة المسئول أكثر من مخافته للواحد الجليل ﵎، لا يخطئ ويقف بسمت حسن أمام هذا البشر الذي يموت ويعدم ويفتقر ويمرض، ولكنه لا يخاف من الله كخوفه من هذا المسئول: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [مريم:٨١] ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
الجليل هو الذي خلقك.
الجليل هو الذي صورك: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار:٦ - ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
أتيت أقول لكم اليوم: إن الجليل هو الله الذي أنزل لا إله إلا الله لتعيشوا في مظلتها.
علي ﵁ وأرضاه يقول: [[تقوى الله هي: الخوف من الجليل]]
الإمام أحمد بن حنبل؛ الإمام العالم الجليل الزاهد العابد الذي رفعه الله بالتقوى، لا بالمنصب، ولا بالشهرة، ولا بالمال.
إمام أهل السنة والجماعة يحمل الحطب على كتفيه، فيؤخذ الحطب منه ويقال له: "كيف تحمل وأنت الإمام أحمد؟
قال: نحن قوم مساكين لولا ستر الله افتضحنا".
الإمام أحمد يقول يوماً لأحد الشعراء: أتقول الشعر؟ قال: أروي الشعر.
قال: ماذا تروي؟
قال: قول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب
فقام وأغلق عليه الباب وأخذ يبكي حتى سمع بكاؤه من خارج البيت وهو يردد:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
يقول علي: " التقوى هي الخوف من الجليل.
وإذا لم تخف من الجليل فاعرف أنك لست متقياً إلى الآن، يا سبحان الله! من يراقب مسئوله في الصلاة فيصلي من أجل مسئوله ألا يخاف الواحد الأحد؟! هذا إنسان سلخت العقيدة من قلبه ومن دمه ومن شرايينه.
من يراقب السوط والسجن ويخاف منها ولا يخاف من الواحد الأحد، لا إله إلا الله ما أبعده عن الله!
стр. 2522
العمل بالتنزيل
يقول: علي بن أبي طالب: [[التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل]] العمل بالكتاب والسنة.
نحن أمة ليست مخيرة في أخذ شرائعها، وفي أخذ مناهجها ومبادئها، أمة تسير بالكتاب والسنة.
فإذا علم ذلك، فليعلم الأخ الفاضل أنه لا بد أن يعمل على ضوء الكتاب والسنة، وأن يتقي الله فيهما وأن يكون على ضوئها وهي مظلة لا إله إلا الله.
стр. 2523
الرضا بالقليل
ثم يقول ﵁: [[والرضا بالقليل]]
ما أكثر أموالنا! وما أكثر مناصبنا، وما أكثر وظائفنا! ولكن لا شيء
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] يوم تدفن لا يدفن معك إلا العمل الصالح:
﴿يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى العمل﴾.
دخل بعض الصحابة على أبي ذر الغفاري ﵁، وهو من كبار الصحابة، فوجدوا عنده شملة، وقعبٌ يتوضأ فيه، وصحفة يغتسل ويأكل فيها، وعنده عصا، فقالوا له: أين متاعك؟ قال: هذا متاعي.
قالوا: وأين فرشك وأين طعامك؟!
وأين شرابك وملابسك؟!
قال: أخبرنا رسول الله ﷺ : ﴿أن أمامنا عقبة ولا يتجاوز العقبة إلا المخف﴾
إن الذي يكثر من ملذات الدنيا وشهواتها يكون على حساب أجره عند الله : ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠].
أتى جبريل إلى رسول الله ﷺ بمفاتيح كنوز الأرض، أو أن تسير له الجبال ذهباً وفضة، فقال: ﴿لا.
أعيش عبداً رسولاً، أجوع يوماً وأشبع يوماً﴾ لأنه يعيش تحت مظلة لا إله إلا الله.
стр. 2524
الاستعداد ليوم الرحيل
ثم قال ﵁: [[والاستعداد ليوم الرحيل]] ماذا هيأنا للعرض على الله ؟!
ما هي الأعمال الصالحة التي قمنا بها وحملناها لذاك المصرع وذاك القبر؟!
أعاننا الله وإياكم على ذلك القبر!
والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
عمر ﵁ وأرضاه يدخل عليه علي بن أبي طالب وقد طعن، ودماؤه تسيل عليه، فقال: طوبى لك يا أمير المؤمنين.
قال: لا تدعني بأمير المؤمنين، فأنا اليوم لست بأمير المؤمنين، قال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة.
فبكى عمر وقال: [[يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]] كان عمر يبكي وراء الأسوار، ويجلد نفسه بالعصا ويقول: [[يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة]].
وتقول عائشة وهي تبكي: يا ليتني كنت نسياً منسياً.
إن الموقف ليس بالسهل، ماذا أعدننا أيها الأبرار، فقدنا الأجداد والأولاد، فقدنا الآباء والأمهات، فقدنا الإخوة والأخوات، إنه هادم اللذات، مفرق الجماعات، آخذ البنين والبنات
طول الحياة إذا مضى كقصيرها والعز للإنسان كالإعسار
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
стр. 2525
نداء للجندي المسلم
يا أيها الجندي المسلم: أسألك بالله أن تتقي الجليل قبل أن تتقي المسئول؛ فوالله الذي لا إله إلا هو إن الذي لا يتقي الله إنه خائن لعقيدته ولمبادئه، ولولاة الأمور، خائن لوطنه ولرتبته ومسئوليته، والمسئول القائم عليه؛ لأنه أبدى الخيانة من أول الطريق.
إن الذي لا يعرف الطريق إلى الله تحت مظلة لا إله إلا الله، سوف يبقى متخلفاً وهزيلاً فاشلاً في الحياة الدنيا والآخرة؛ لأن الله جعل على نفسه أنه من حفظه حفظه ومن ضيعه ضيعه، ولذلك كان ﵊ يلقي هذا الحديث على الناس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
يا أيها الجندي المسلم: إن الجندية تتطلب منك أن تحافظ على الصلوات الخمس وهي مظلة لا إله إلا الله، وإن الذي لا يعرف المسجد لا يعرف الفلاح والنجاة، ولا يعرف النصر والتفوق في الحياة الدنيا ولا في الآخرة.
ويا أيها الجندي المسلم: إن من أعظم اهتماماتك هذا الدين ويوم تترك الدين، فقل على الإسلام والدنيا السلام؛ لأن:
من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
следующие страницы →