← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الخوف من الجليل يقول: التقوى هي الخوف من الجليل، هل تعرفون "الجليل"؟! هو الله الواحد الأحد، الجليل الذي يراك إذا تسترت بالجدران، الجليل هو الذي يراقب حركاتك إذا اختفيت في الحيطان. كثير من الناس لا يعرف الجليل، يخاف من السلطة ومن القائد والقيادة أكثر من خوفه من الله الواحد الأحد، يخاف من مراقبة المسئول أكثر من مخافته للواحد الجليل ﵎، لا يخطئ ويقف بسمت حسن أمام هذا البشر الذي يموت ويعدم ويفتقر ويمرض، ولكنه لا يخاف من الله كخوفه من هذا المسئول: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [مريم:٨١] ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. الجليل هو الذي خلقك. الجليل هو الذي صورك: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار:٦ - ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢]. أتيت أقول لكم اليوم: إن الجليل هو الله الذي أنزل لا إله إلا الله لتعيشوا في مظلتها. علي ﵁ وأرضاه يقول: [[تقوى الله هي: الخوف من الجليل]] الإمام أحمد بن حنبل؛ الإمام العالم الجليل الزاهد العابد الذي رفعه الله بالتقوى، لا بالمنصب، ولا بالشهرة، ولا بالمال. إمام أهل السنة والجماعة يحمل الحطب على كتفيه، فيؤخذ الحطب منه ويقال له: "كيف تحمل وأنت الإمام أحمد؟ قال: نحن قوم مساكين لولا ستر الله افتضحنا". الإمام أحمد يقول يوماً لأحد الشعراء: أتقول الشعر؟ قال: أروي الشعر. قال: ماذا تروي؟ قال: قول الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب فقام وأغلق عليه الباب وأخذ يبكي حتى سمع بكاؤه من خارج البيت وهو يردد: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب يقول علي: " التقوى هي الخوف من الجليل. وإذا لم تخف من الجليل فاعرف أنك لست متقياً إلى الآن، يا سبحان الله! من يراقب مسئوله في الصلاة فيصلي من أجل مسئوله ألا يخاف الواحد الأحد؟! هذا إنسان سلخت العقيدة من قلبه ومن دمه ومن شرايينه. من يراقب السوط والسجن ويخاف منها ولا يخاف من الواحد الأحد، لا إله إلا الله ما أبعده عن الله!

стр. 2522

العمل بالتنزيل يقول: علي بن أبي طالب: [[التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل]] العمل بالكتاب والسنة. نحن أمة ليست مخيرة في أخذ شرائعها، وفي أخذ مناهجها ومبادئها، أمة تسير بالكتاب والسنة. فإذا علم ذلك، فليعلم الأخ الفاضل أنه لا بد أن يعمل على ضوء الكتاب والسنة، وأن يتقي الله فيهما وأن يكون على ضوئها وهي مظلة لا إله إلا الله.

стр. 2523

الرضا بالقليل ثم يقول ﵁: [[والرضا بالقليل]] ما أكثر أموالنا! وما أكثر مناصبنا، وما أكثر وظائفنا! ولكن لا شيء ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] يوم تدفن لا يدفن معك إلا العمل الصالح: ﴿يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى العمل﴾. دخل بعض الصحابة على أبي ذر الغفاري ﵁، وهو من كبار الصحابة، فوجدوا عنده شملة، وقعبٌ يتوضأ فيه، وصحفة يغتسل ويأكل فيها، وعنده عصا، فقالوا له: أين متاعك؟ قال: هذا متاعي. قالوا: وأين فرشك وأين طعامك؟! وأين شرابك وملابسك؟! قال: أخبرنا رسول الله ﷺ : ﴿أن أمامنا عقبة ولا يتجاوز العقبة إلا المخف﴾ إن الذي يكثر من ملذات الدنيا وشهواتها يكون على حساب أجره عند الله : ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠]. أتى جبريل إلى رسول الله ﷺ بمفاتيح كنوز الأرض، أو أن تسير له الجبال ذهباً وفضة، فقال: ﴿لا. أعيش عبداً رسولاً، أجوع يوماً وأشبع يوماً﴾ لأنه يعيش تحت مظلة لا إله إلا الله.

стр. 2524

الاستعداد ليوم الرحيل ثم قال ﵁: [[والاستعداد ليوم الرحيل]] ماذا هيأنا للعرض على الله ؟! ما هي الأعمال الصالحة التي قمنا بها وحملناها لذاك المصرع وذاك القبر؟! أعاننا الله وإياكم على ذلك القبر! والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ عمر ﵁ وأرضاه يدخل عليه علي بن أبي طالب وقد طعن، ودماؤه تسيل عليه، فقال: طوبى لك يا أمير المؤمنين. قال: لا تدعني بأمير المؤمنين، فأنا اليوم لست بأمير المؤمنين، قال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة. فبكى عمر وقال: [[يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]] كان عمر يبكي وراء الأسوار، ويجلد نفسه بالعصا ويقول: [[يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة]]. وتقول عائشة وهي تبكي: يا ليتني كنت نسياً منسياً. إن الموقف ليس بالسهل، ماذا أعدننا أيها الأبرار، فقدنا الأجداد والأولاد، فقدنا الآباء والأمهات، فقدنا الإخوة والأخوات، إنه هادم اللذات، مفرق الجماعات، آخذ البنين والبنات طول الحياة إذا مضى كقصيرها والعز للإنسان كالإعسار يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

стр. 2525

نداء للجندي المسلم يا أيها الجندي المسلم: أسألك بالله أن تتقي الجليل قبل أن تتقي المسئول؛ فوالله الذي لا إله إلا هو إن الذي لا يتقي الله إنه خائن لعقيدته ولمبادئه، ولولاة الأمور، خائن لوطنه ولرتبته ومسئوليته، والمسئول القائم عليه؛ لأنه أبدى الخيانة من أول الطريق. إن الذي لا يعرف الطريق إلى الله تحت مظلة لا إله إلا الله، سوف يبقى متخلفاً وهزيلاً فاشلاً في الحياة الدنيا والآخرة؛ لأن الله جعل على نفسه أنه من حفظه حفظه ومن ضيعه ضيعه، ولذلك كان ﵊ يلقي هذا الحديث على الناس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. يا أيها الجندي المسلم: إن الجندية تتطلب منك أن تحافظ على الصلوات الخمس وهي مظلة لا إله إلا الله، وإن الذي لا يعرف المسجد لا يعرف الفلاح والنجاة، ولا يعرف النصر والتفوق في الحياة الدنيا ولا في الآخرة. ويا أيها الجندي المسلم: إن من أعظم اهتماماتك هذا الدين ويوم تترك الدين، فقل على الإسلام والدنيا السلام؛ لأن: من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح

стр. 2526

كيفية عرض الرسول ﷺ لـ (لا إله إلا الله) أيها الإخوة الأبرار: يوم أتى رسول الله ﷺ يعرض (لا إله إلا الله) عرضها بثلاثة نماذج من العروض:

стр. 2527

لا إله إلا الله والآيات الكونية أولاً: عرض الآيات الكونية للناس، والله يخاطبك تحت مظلة لا إله إلا الله بالآيات الكونية. يقول : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] مالهم لا يتفكرون! مالهم لا يفهمون! لماذا يحملون أدمغة الحمير ويريدون الحياة وهم لا يفهمون أفعال الواحد الجليل؟! ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]. من خلقها؟! من سواها!؟ من عدلها!؟ ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] لا إله إلا الله. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد جاء في تفسير ابن كثير في سورة البقرة أن الإمام أحمد سئل: ما هو دليل قدرة الواحد الأحد الباري ﵎؟ قال: "هذه البيضة بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما داخلها فذهب إبريز، تُفقس فيخرج منها حيوانٌ سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟!! إي والله. والشافعي يُسأل: ما هو دليل القدرة؟ قال: "هذه الورقة تأكلها الغزال فتخرج مسكاً، وتأكلها النحلة فتخرج عسلاً، وتأكلها دودة القز فتخرج حريراً، أفلا تدل على السميع البصير؟!! " وقيل للإمام مالك: ما دليل القدرة؟ فدمعت عيناه وقال: اختلاف الأصوات، وتعدد اللهجات، وتباين الكائنات، تدل على فاطر الأرض والسماوات ". قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا؟! قل للمريض نجا وعوفي بعد ما عجزت فنون الطب من عافاكا؟! والنحل، قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاَّكا؟! وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد لله الجليل لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاَّكا أين يذهب الإنسان الضعيف من قدرة الله؟! يا أيها العبد! أنقذ نفسك. إن المتكلم قد يتكلم بإنقاذ نفسه، لكن ماذا فعل السامع في إنقاذ نفسه؟ إنها حياة مصير وليست حياة محدودة، إن مصيرك يتوقف على إيمانك وعودتك إلى الله. الرسول ﷺ كان يعرض (لا إله إلا الله) تحت مظلة (لا إله إلا الله) في الكائنات. يخبر الناس بخلق الله، وبديع صنعه وآياته. فلا إله إلا الله ما أجحد الكافر! ولا إله إلا الله ما أظلم الكافر! إن أظلم من وجد على سطح الأرض هو الكافر يوم تنّكر الحقائق يستنشق الهواء، ويشرب الماء، ويمشي في الضياء، ويستظل بالسماء، ويعيش في صفاء، ثم لا يعرف الواحد الأحد الذي أنزل الكتاب على الأولياء. سبحان الله!!

стр. 2528

لا إله إلا الله والعمل ومما عرضه ﷺ من (لا إله إلا الله) أنه عرضها بالعمل؛ بالصلوات الخمس، وبالنوافل، وبالصيام، وبالصدقة، وبين أن (لا إله إلا الله) يوم تتخلى عن العمل تصبح كلمة جوفاء لا تنفع ولا تنجي صاحبها. فالرسول ﷺ يوم يعرض (لا إله إلا الله) عرضها بالعمل، يقول: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله﴾. لا إله إلا الله كلمة بلا صلاة ولا زكاة ولا صيام لا تنفع، بلا حب وولاء لله وتبرؤ من أعدائه لا تنفع.

стр. 2529

عرض لا إله إلا الله بالتوبة إلى الله وعرض ﷺ (لا إله إلا الله) لغرض التوقف عن الذنوب والتوبة إلى الله الواحد علام الغيوب. إن الذي يقول: (لا إله إلا الله) يراجع حسابه مع الله، إن الذي يشهد أن لا إله إلا الله ويعتقدها، يفتح باب التوبة على الله ؛ ليدخل جنة الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار إذا انغمست في الخطيئة إلى مشاش رأسك فعد إلى الواحد الباري فإنه التواب، وإذا أظلم قلبك من الذنب والمعصية، فعد إلى الباري فإنه هو التواب، وإذا كثرت عليك الفتن والمحن والزلازل والابتلاءات؛ فعد إلى الباري فإنه هو الذي يكشفها . باب التوبة هو من أبواب (لا إله إلا الله) وتحت مظلة (لا إله إلا الله) ولذلك كان ﷺ يفتح باب التوبة للناس، ويخبرهم أن من مقتضيات (لا إله إلا الله) التوبة، بل يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أرفع منزلة عند أهل السنة والجماعة هي: منزلة التوبة. ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] هذه بعد غزوة تبوك، وهي في آخر العصر النبوي، ذكر الله أنه تاب عليه بعد الجهاد، وبعد إسالة الدماء وبذل النفس، يقول الله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله﴾ [التوبة:١١٧]. عاش الرسول ﷺ في آخر نفس من حياته وفي آخر أنفاسه يوم عاش حياة الجهاد والجِلاد والتضحية والبذل والعطاء، يقول الله له قبل الموت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. لا تظن أنك قدمت شيئاً، الفضل لله، والمنة له، والعطاء والخير من الله، فاستغفر الله كأنك ما قدمت شيئاً؛ ولذلك أمرنا أدبار الصلوات أن نقول كلما سلمنا: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: إذا انتهيت من الحج فاستغفر الواحد الأحد، فكأنكم ما قدمتم شيئاً: ﴿يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا علي إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] لا تمن إسلامك وصلاتك على الله، بل الله يمن عليك أن هداك وأدخلك الجنة؛ لأن الله اشترى نفسك منك، وإن كنت مسلماً فقد اشتراها الله منك. نعم. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عليهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] لا أحد: ومن أصدق من الله؟ لا أحد. ومن أوفى من الله؟ لا أحد. فإذا بعت نفسك فاعلم أن السلعة هي الجنة، وهذا العقد نزل به جبريل، والذي ضمن العقد هو الله، والذي وقَّع على العقد هو محمد ﷺ ، والسلعة الجنة، والثمن أرواح المؤمنين. فهل من بائع لنفسه في طاعة الله؟ إن البيعة العظيمة تقتضي منك أن تفتح لنفسك باب التوبة. يا أيها الجندي المسلم: إذا ظللت في الخطأ فعد إلى الواحد الأحد، وتبرأ من خطئك وتب إلى الله . صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون الله فيغفر لهم﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والله إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ أو كما قال ﷺ . وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده، لو كنتم كما تكونون عندي -وفي حلق الذكر- لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة﴾ وصح عنه ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: ﴿يقول الله ﵎: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا، يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله ﵎: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت خطاياك وذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾.

стр. 2530

العيش تحت مظلة (لا إله إلا الله) فيا عباد الله: الله الله في التوبة والاستغفار ومحاسبة النفس، ولابد من العودة إلى الواحد الأحد ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] الذي يلحظ حركاتك وسكناتك، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ويقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. فأين يذهب العاصي عن الله؟! وأين يذهب المتمرد على الله؟! يا من ترك الصلوات الخمس! إنك اقترفت أكبر جريمة في تاريخ الإنسان يا من أدخلت على قلبك الملهيات والمشغلات والمعاصي ثم لم تعرف ربك! إنك اقترفت ذنباً خطيراً على نفسك يا من ظل في بيته ولم يرب أسرته، ولم يعلم أبناءه الإسلام، ولم يدل زوجته على طريق الجنة! إنك ظلمت زوجتك وبيتك وأهلك وأبناءك، يا من نصبه الله على ذريته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عليهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]! إنك تؤخذ بالناصية إن لم تتب وتراجع حسابك مع الله. إنه والله موقف صعب، فأنا ألقي هذه الأمانة من ذمتي إلى ذممكم، ومن عاتقي إلى عواتقكم اللهم فاشهد أنا جلسنا نخبر بآياتك وكلام رسولك ﷺ ليصل البلاغ إلى أهل البلاغ، وتصل الدعوة إلى أمة الدعوة، فلم يبق هناك جهل؛ لأننا نعيش في مظلة (لا إله إلا الله). إن من يعيش تحت مظلة (لا إله إلا الله) لا تفوته الصلوات الخمس، إن من يعيش تحت مظلة (لا إله إلا الله) لا يتناول مسكراً، إن من يعيش تحت مظلة (لا إله إلا الله) لا يزني، إن من يعيش تحت مظلة (لا إله إلا الله) حياته لله ومماته لله. اللهم يا رب، هذا الجمع اجتمع لسماع كلامك وكلام رسولك، اللهم لا تعده إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور. اللهم فارحمنا واغفر لنا وتب علينا واهدنا وسددنا، من يغفر لنا إذا لم تغفر لنا؟! من يرحمنا إذا لم ترحمنا؟! ومن يتولانا إذا لم تتولنا يا رب العالمين؟! قلوبنا قاسية، وعيوننا جافة، وأيدينا بخيلة، فرد إلينا من فيضك، وأسبغ علينا من نعمائك، ووفقنا لسلوك طريقك يا رب العالمين. أنت يا ربنا! أنت المقصود، وأنت المطلوب، وأنت النافع والضار، وأنت الخالق الرازق. سبحانك، سبحانك لا إله إلا أنت، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ويقول: ﴿كُلُّ مَنْ عليهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وأسأل الله أن يتقبل منا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2531

الأسئلة

стр. 2532

حكم تارك الصلاة السؤال ما حكم تارك الصلاة؟ وهل يجوز أن أجلس معه، وآكل معه، وأنا مجبور على ذلك؟ سؤال آخر: ما حكم التكاسل عن أداء الصلاة بغير قصد، أو الصلاة في غير وقتها؟ الجواب الحمد لله. تارك الصلاة مما علم من النصوص أنه كافر، وهذا أمر نص عليه الرسول ﷺ في أكثر من حديث، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وكان ﵊ يقول: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ فإذا تركها العبد عامداً متعمداً فقد كفر بالله العظيم. والرسول ﷺ يقول في الحديث: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم﴾ فمفهوم المخالفة: أنهم إذا لم يفعلوا ذلك لم يعصموا دماءهم، وكان له ﷺ الحق في قتالهم، ولا يقاتل إلا كافراً. إذا علم هذا؛ فمن تركها عامداً متعمداً فقد كفر. أما من تركها تكاسلاً فالصحيح في ذلك أنه يكفر، وليس هناك دليل لمن قال: هناك فرق بين التكاسل والعامد المتعمد لا. إنه لا يصل إلى درجة أن يترك الصلاة متكاسلاً إلا لأنه تركها عامداً. وأما من صلاَّها في غير المسجد فهو فاسق؛ لأنه خالف النصوص التي تربوا على ثلاثة عشر نصاً صحيحاً عن الرسول ﷺ أن الصلاة في المساجد.

стр. 2533

التوبة بابها مفتوح السؤال ما حكم الذي لم يترك أي جريمة إلا وارتكبها ما عدا القتل والسرقة، هل له توبة وهل له كفارة؟ مع العلم أنه يصلي ويصوم؟ الجواب أما التوبة فلم تحجب عنك ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو ما لم تغرغر أنت. فبالنسبة إلى كل العالم إذا طلعت الشمس من المغرب انتهت التوبة، وبالنسبة لك ما لم تغرغر لكنك لا تسوف في التوبة، واعلم أن أي ذنب يغفره بالتوبة، يقول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿كان فيمن كان قبلكم رجل أسرف على نفسه في الخطايا فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا مت، فأحرقوني بالنار -يعني جثمانه- ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم ذي ريح، فلما مات أحرقوا جثمانه بالنار، وسحقوه وذروه ظناً أن الله لن يجمعه كما بدأه أول مرة، فأخذته الريح في كل مكان، فجمعه الذي أنشأه أول مرة ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عليمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فلما أصبح أمامه، قال: يا عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: خفتك وخشيت ذنوبي. قال: فإني قد غفرت لك﴾ هذا مذنب أخطأ خطأً بيناً، حتى يقول ابن تيمية: إن من أعظم خطاياه: أنه شك في القدرة. من أعظم خطايا هذا الرجل أنه شك في قدرة الله، الذي من شك فيها دخل شكه في المعتقد، لكن مع ذلك لما خاف لقاء الله، وأظهر التوبة والجزع عند الموت تاب الله عليه، وهو من عصاة الموحدين، فلا يفهم أنه كان لا يحمل توحيداً. ماعز بن مالك زنى وأتى إلى الرسول ﷺ وطلب التطهير، فطهره ﷺ ، فبعض الصحابة سب ماعزاً، فقال ﷺ : ﴿لا تسبه. فوالذي نفسي بيده، إني أراه ينغمس في أنهار الجنة﴾. والمرأة الغامدية التي زنت طهرها النبي ﷺ ، فسبها بعض الصحابة وقال: "لو استترت" فقال ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم﴾ وفي لفظ: ﴿لو تابها صاحب مكس. -قيل: شرك، وقيل: مبتاع بالمكس- لقبل الله توبته﴾. وأنت إذا أذنبت فعد إلى الواحد الأحد. رجل قتل تسعةً وتسعين نفساً، فأتى إلى راهبٍ متخلف في صومعته فقال: هل لي من توبة؟ وهذا الراهب ليس عنده علم، فقال: ليس لك توبة. فقتله فوفى به المائة. ثم قال: دلوني على عالم، فدلوه على عالم. فقال له: هل لي توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، تب إلى الله، فتاب وقال له: اذهب إلى أهل هذه القرية فإنها صالحة، أهلها يعينونك على الصلاح، فذهب، فمات في الطريق ولم يعمل صالحاً بعد، وما تقرب بشيء ولكنه تاب، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إليهم أن قيسوا ما بين المسافتين، فقال الله لتلك القرية: تقاربي، ولهذه: تباعدي، حتى يكون أقرب إلى القرية الصالحة، فوجدوه أقرب إليها فرحمه الله. من يمنعك من التوبة؟ باب الله مفتوح، ونواله ممنوح، وعطاؤه يغدو ويروح. لكن إذا كان هناك من شروط فشروط التوبة: أولاً: أن تعزم على عدم العودة. الأمر الثاني: أن تندم على ما فات منك. الأمر الثالث: أن ترد حقوق الناس إليهم؛ لأن حقوق الناس مبنية على المشاحة، وحقوقه مبينة على المسامحة. إن أخذت مالاً فمع التوبة أعد ذاك المال إلى صاحبه أو تصدق به على نية صاحبه، إن خفت من الضرر الأعظم من عودة هذا المال، وإن اعتديت في ممتلكات الناس فأعدها، وإن سببت رجلاً فلك أن تستبيح منه أو تستغفر له في ظهر الغيب. هذه هي التوبة، وهنيئاً لك إذا تبت إلى الله الواحد الأحد.

стр. 2534

الإنسان مخيرٌ أم مسير ؟ السؤال فضيلة الشيخ: هل الإنسان مخير أم مسير؟ وسائل آخر يقول: أنا أحاول دائماً أن أكون من المصلين في المسجد، وأتجه إلى الله وأقبل على الله أياماً، ولكن أنقطع عن ذلك وأنا غير راض أو غصباً عني كما يقال فماذا تنصحني؟ الجواب أما بالنسبة للسؤال الأول، وهو: هل الإنسان مخير أم مسير؟ أنتم تعرفون أن للعبد مشيئة ولكنها تحت مشيئة الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] العبد مسير من جهة ومخير من جهة، فله مشيئة ولكن مشيئته تحت مشيئة الله. فلا يصح أن نقول: مخير. ولا يصح أن نقول: مسير. من قال: إن العبد مسير فهو من أهل الجبر، وأنه مجبور على فعل المعصية، وأنه لا حجة لمن أجبره على ذلك -نعوذ بالله من الخذلان- وإن قالوا: مخير؛ فهم نفاة القدر (القدرية) الذين قالوا: يفعل العبد ما شاء متى ما شاء بدون سابق قدر، وقد أخطئوا. والصحيح: أن له مشيئة تحت مشيئته ، وأنه لا يفعل شيئاً إلا بإذنه ﵎ في سابق علمه. وكثير من الناس اليوم يجعلون المعصية جبراً ويجعلون الطاعة قدراً، تقول: لماذا لم تصلِّ الفجر؟ وهي عمل ومزاولة، فيقول: قدر الله علي ألا أصلي الفجر. وتقول: لماذا تشرب الخمر؟ فيقول: كتب الله عليَّ أن أشرب الخمر. فهو جبري في الفعل لكنه قدري في الترك. وهذه مسألة ليس هذا بسطها، وإنما قلت هذا كنموذج؛ لأن معتقد أهل السنة والجماعة أن للعبد مشيئة وله مشيئة أعلى من ذلك.

стр. 2535

كيفية المسح على الخفين والجبيرة السؤال أرجو من فضيلتكم شرح كيف يكون المسح على الخفين والجبيرة؟ الجواب المسح على الخفين سنة من سننه ﷺ ، بل قال بعض أهل العلم: إنه ورد في القرآن الدليل الظني عليها: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] قالوا: قد يقتضي من هذا أنه المسح على الخفين، فدلالة الآية على المسح والغسل. وعن علي ﵁ في صحيح مسلم قال: ﴿جعل لنا ﷺ على المسح على الخفين يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر﴾ وعن ثوبان في سنن أبي داود قال: ﴿أرسل رسول الله ﷺ سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين﴾ وهي: الخفاف والعمائم. وعن المغيرة في الصحيح قال: ﴿هويت لأنزع خفي الرسول ﷺ فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين﴾ ويمسح على الخف بشروط: أولها: أن تدخل رجليك في خفك أو جوربيك وهما طاهرتان بعد أن توضأت وضوءاً كاملاً، ومعنى طاهرتان: أنك تكون متوضئاً ثم تدخل الخفين. الشرط الثاني: أن يكون الخف ساتراً، فلا يظهر البشرة؛ لأن الخف في اللغة العربية ما ستر، سواء كان قائماً بنفسه أو بغيره، المهم أن يكون ساتراً. الشرط الثالث: أن تستبقي استدامته لمدة المسح؛ لأنك إذا خلعته -على الصحيح- فقد انتهت مدة المسح، إلا عند الحسن البصري، وهذا ليس مجال الخلاف، لكن الصحيح أنك إذا خلعت الخفين فإنك قد أنهيت مدة المسح، ثم تحدد لك المدة إن كنت مقيماً فيوم وليلة من الظهر إلى الظهر -مثلاً- إلا إذا استدمت الطهارة أول حدث تخلعه، وإن كنت مسافراً فثلاثة أيام. هذه أحكام باختصار في المسح على الخفين. أما الجبيرة فهي الشيء أو اللفافة من أي شيء طاهر أو من قماش أو نحوه يوضع على الجرح أو الكسر، فإن كان في مواطن الوضوء فهذا الذي له حكم، أما إن كان في غير مواطن الوضوء فحكمه عند الغسل. والجبيرة إذا وضعتها فعليك أن تمسح عليها وأن تتيمم لها إذا كانت في مواضع الغسل؛ لحديث أبي داود في صاحب الشجة، أن الرسول ﷺ أمره أن يمسح عليها﴾ وقال: ﴿قتلوه قتلهم الله، إنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم لها﴾ وفي لفظ: ﴿أن يمسح عليها﴾ فتمسح عليها مسحاً وتتيمم لها كتيممك للوضوء. وإذا كانت في أعضاء الوضوء فإنك تترك هذه المنطقة ولا تغسلها ثم تتيمم لها احتياطاً، فالتيمم احتياطاً والمسح وارد.

стр. 2536

حكم البيع بالتقسيط مع الزيادة السؤال فضيلة الشيخ! جزاكم الله خيراً. ما رأيك في الذي يشتري سيارة بستة وعشرين ألفاً من الريالات ويبيعها أقساطاً بخمسة وأربعين ألفاً هل هذا جائز؟ الجواب الأخ يسأل عن شراء سيارة بقيمة ثم يقسطها بقيمة أعلى، وهذا ليس فيه شيء، وإنما زيادة القيمة من أجل زيادة الأجل، وقد حقق ذلك ابن القيم. أما حديث: ﴿نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة﴾ فلا يشمل هذا؛ لأن الناس تعارفوا جميعاً أن طول المدة يقتضي زيادة الأجر. أما أن أبيع سيارة وأقول لصاحبها: إن سلمت قيمتها الآن فبعشرين ألفا، ً وبعد سنة بعشرين ألفاً خالفت مصالح الناس، والشريعة لا تأتي بخلاف المصلحة، ولا الإضرار بأموال الناس، ولا إهدارها. فالصحيح أن زيادة القيمة من أجل زيادة الأجل لا يدخلها شيء من الربا، والحمد لله.

стр. 2537

حكم دفن شخصين في قبر واحد السؤال لي ولدٌ قد توفي وصلينا عليه، ثم ذهبنا به إلى المقبرة ودفنوه مع شخص آخر في قبر واحد. هل هذا وارد؟ الجواب الدفن في القبر الواحد لا بأس للحاجة، واستحب هذا أهل العلم، بل هذا هو المؤكد، بأن يكون مع مسلم؛ لأن دفن المسلم مع الكافر فيه ضرر، ولو أني لا أعرف دليلاً يحرم دفن المسلم مع الكافر، أما دفن المسلم مع المسلم في قبر واحد فقد ورد بذلك أحاديث. منها: حديث جابر في الصحيح: ﴿كان ﷺ يوم أحد يدفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد. ويقول: أيهما المتحابون في الدنيا؟﴾ فكان يجمع بين المتحابين فيدفنهم في قبر واحد. وفي حديث أنس: ﴿فكان يقدم ﷺ صاحب القرآن. يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟﴾ فقال أهل العلم: للحاجة، كأن يكون هناك موت عام كالطاعون، أو مرض عام في الناس فماتت مجموعات من الناس ولا يستطاع أن يحفر لكل واحد منهم قبراً واحداً، فتجمع مجموعة في قبر، أو كأن يكون هناك زلزال أو فيضان. وأما لعدم الحاجة فالأحسن أن يكون لكلٍ واحد قبر، وهذا هو الوارد.

стр. 2538

حكم من ترك زكاة الفطر السؤال ما حكم من ترك زكاة الفطر، وذلك لظروف غير مادية؟ الجواب زكاة الفطر مما يعلم أنها واجبة؛ لقول ابن عمر في الصحيحين ﴿فرض ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط﴾ وفي رواية أبي سعيد: ﴿أو صاعاً من طعام﴾ فهي واجبة. فمن تركها لغير فقره، أو لغير حاجته فهو آثم. وهي لا تسقط إلا عند العجز لكنه آثم، وأرى أن يتصدق صدقة، ولكن لا تكتب له زكاة الفطر. قال ابن عباس فيما صح عنه: [[فمن أخَّرها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات]] وقيل في لفظ لـ ابن عباس: [[فمن أخر لغير يوم العيد فهي صدقة من الصدقات]] لكنها لا بد أن تخرج قبل الصلاة لتكون ممحية لهذا الفرض الذي هو واجب زكاة الفطر، أما تأخرها فهي صدقة من الصدقات، فعليه أن يتصدق لكن لا تكتب له زكاة فطر.

стр. 2539

حكم الحج لصاحب الدين السؤال هل يجوز الحج للمديون الذي عليه الدين؟ الجواب الدين قسمان: قسم يطالب صاحبه في هذه الفترة في فترة أيام الحج فعليك أن تعطيه حقه؛ لأن حقوق الناس كما أسلفت على المشاحاة، وحقوقه مبنية على المسامحة، فإن كان يطلبك في هذه الأيام وفي هذا الوقت فادفع له حقه ولو عطلك عن الحج، وإن كان الأجل يستمر ولك أن تحج في هذه الفترة فقدم الحج. وقد نقل عن الحسن البصري أنه أنكر فتوى سعيد بن المسيب لما قال: لا يحج مديون، وقال: لو توقف الناس لعدم الدين ما حج أحد. لأنه ما سلم من الدين أحد، بل الصحابة حجوا وعليهم ديون، ومن بعدهم من السلف الصالح، فلابد من هذا التقسيم.

стр. 2540

حكم العقيقة والمولود السؤال هل يجوز أن تذبح التميمة للمولود في اليوم الثالث؟ الجواب لا تسمى هذه تميمة لكنها تسمى عقيقة. وقد كره النبي ﷺ تسميتها بالعقوق فقال: ﴿أكره العقة في الإسلام، وأكره العقوق﴾ كما في الموطأ. والسنة فيها كما في سنن أبي داود وغيره، أنها تذبح في اليوم السابع، وعند البيهقي إن فات اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر، فإن فات ففي يوم الحادي والعشرين. هذه ثلاثة مواعيد وأوقات للعقيقة. فالسنة ذبحها في اليوم السابع ولا تقدم على ذلك، فإذا فات السابع ففي الرابع عشر، فإذا فات في الرابع عشر ففي اليوم الواحد والعشرين. والعقيقة تكون كبشان -ذبيحتان- عن الذكر المولود، وذبيحة عن الأنثى، ويؤذن في أذن المولود، وأما الإقامة في الأذن اليسرى فتحتاج إلى تصحيح والرواية فيها ضعيفة.

стр. 2541

حكم أكل الأرنب السؤال هل أكل الأرنب حلال أم حرام؟ الجواب أكل الأرنب حلال والحمد لله. ففي صحيح البخاري عن أنس قال: ﴿أنفجنا أرنباً بـ مر الظهران -أنفجنا أي: طردنا- فأدركتها فذبحها أبو طلحة وقدم وركها للرسول ﷺ ﴾ فيجوز أكلها. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2542

الضيف الكريم إن مما يجب على المسلم أن يكون متفقهاً في أمور دينه التي يمارسها كل من دخل في هذا الدين، كالصلاة والصيام، وما دام أن شهر رمضان قد أوشك على المجيئ، فلابد للمسلم أن يفقه أحكامه حتى يعبد الله على بصيرة، ولذا وجب كل مسلم أن يعلم ما هي الأشياء التي تبطل صومه، والأشياء التي يجوز فعلها، ويعلم كيف كان هدية ﷺ في رمضان، في السحور، في الإفطار ليكون صومه صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة.

стр. 2543

نماذج من إجاباته ﷺ على الأسئلة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. روى البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: ﴿كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ فجاء رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في رمضان فقال عليه الصلاة السلام: أتجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا يا رسول الله -يعني كلها لا يستطيع- ثم جلس ﵁ وأرضاه فأوتي ﷺ بعرق -أي: بمكتل فيه تمر- فقال: قم فخذ هذا فتصدق به، قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! والله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أهل بيت أفقر من بيتي فقال ﷺ فخذ هذا العرق -أو المكتل- فأخذه، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه﴾ روى هذا السبعة واللفظ هذا لـ مسلم ﵀ رحمة واسعة. هذا الحديث سوف يأتي فيه قضايا، ولكن هذا الحديث من المجالس العامرة التي عاشها ﷺ يوم عاش موجهاً للأمة ومعلماً لها عليه الصلاة السلام طيلة حياته حياة الرسالة، فبعد أن أرسله الله بعد الأربعين كان يقف مفتياً ومعلماً، وهو مستعد لأي إجابة أو طلب إجابة من أي سؤال يصدر، سأله اليهود -كما سوف نعرض نموذجاً لذلك- والنصارى والمشركون والنساء والأطفال والأعراب، فكان عليه الصلاة السلام يجيب الجميع وهو متهيئ في مجلسه ليستقبل كل إنسان ويجيبه بكل ما يرد من سؤال، يجلس معه الصحابة الأخيار من المهاجرين والأنصار، ويجلس معه المشركون والمنافقون، واليهود والنصارى، والنساء والأطفال. أما المشركون: فإنهم أكثروا من الأسئلة على الرسول عليه الصلاة السلام، ودخلوا مرات عديدة في مجلسه فما كان يعبس في وجوههم، بل يستقبلهم ﷺ باللين؛ عل الله أن يهديهم. دخل العاص بن وائل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد كان مشركاً رعديداً، يقول الله فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] دخل بعظم بيده فقال: يا محمد أتزعم أن ربك يحي هذا بعد أن يميته أو يرده حياً؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿نعم ويدخلك النار﴾ ففتت العظم ثم نفخه أمام الرسول عليه الصلاة السلام، فكان الرد من السماء قوله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] بعد أن كبر، وترعرع، واشتد ساعده؛ نسي خلقه ونسي صورته، ونسي من خلقه ورزقه، ثم انظر كيف التفت إليه بالغيبة فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨]. أتى اليهود في مجلسه ﷺ ، فعرضوا له عشرات الأسئلة، منها ما يجيب عنه في الحال، ومنها ما يطلب وقتاً من الزمن حتى يأتيه الوحي من السماء، يقول ابن مسعود: ﴿كنت مع رسول الله ﷺ وبيده عسيب من نخل قال: فمررنا على يهود فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوا الرسول ﷺ عن الروح، فتوقف قليلاً ثم طلب منهم وقتاً ليخبرهم في هذا الوقت، فلما نزل عليه جبريل بقوله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا﴾) [الإسراء:٨٥]﴾ وسألوه عن عدد أهل الكهف، فطلب منهم مهلة يوم، فأتى جبريل ﵇ فأخبره، فأخبرهم بالخبر فوجدوه مكتوباً عندهم في التوراة. وأتى ابن سلام ﴿فسأله عن ثلاث: عن أول علامات الساعة، وعن أول ما يأكل أهل الجنة، وعن علامة الطفل يوم يشبه أباه أو يشبه أمه، فأخبره وقال: أخبرني بذاك جبريل آنفاً، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله والله لا يعلم ذلك إلا نبي﴾. وأتى النصارى في مجلسه عليه الصلاة السلام -نصارى نجران: - ﴿فسألوه عن مريم وابنها ﵉؟ فأخبرهم ﷺ بذلك، فكأنهم لم يقتنعوا فدعا أهله وقال: تعالوا نبتهل أنا وإياكم -أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة- فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ فما استطاعوا أن يباهلوه. وجاء المنافقون وقالوا: نشهد إنك لرسول الله، فأخبره الله أنهم كاذبون وأنهم أظهروا ما لم يبطنوا. وجاء الأعراب إليه ﷺ وله معهم صولات وجولات؛ لأن الأعراب أقل الناس أدباً؛ ولأنهم لم يتعلموا الأدب، وفي أثر يقول ﷺ : ﴿من بدا جفا﴾ أي: ليس عنده أدب، فأتى رجل منهم فقال: ﴿يا رسول الله! أسمع بالدجال فما الدجال هذا؟ قال عليه الصلاة السلام: ضال مضل، يخرج وعنده جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، وعنده خبز وثريد يقدمه للناس؛ يستغوي الناس به، أو كما قال عليه الصلاة السلام، فقال الأعرابي: والله يا رسول الله لأضربن في ثريده حتى أشبع، ثم أقول له آمنت بالله وكفرت بك، يظن أن المسألة على الفكر، وعلى الرأي فتبسم عليه الصلاة السلام ولم يقل شيئاً﴾. ﴿وجاءه أعرابي آخر -كما في الصحيحين - فصلى معه في الصف الأول، بجانب أبي بكر وعمر فلما انتهوا إلى التحيات قال في آخرها: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم ﵊ سأل: من قال هذا الكلام؟ قال: أنا يا رسول الله! ولم أرد إلا الخير قال: لقد حجرت واسعاً -أي: ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء- ثم لم يلبث هذا الرجل أن ذهب في طرف المسجد وأراق الماء -بال- فقام الصحابة ليضربوه وليطرحوه الأرض فقال ﷺ : دعوه ثم أتي بذنوب من ماء فصب على بوله﴾ في قصة طويلة فرضي هذا الأعرابي وأصبح داعية من دعاة الإسلام. وكانت النساء يسألنه ﷺ في أقل شئونهن وهي مسائل الطهر والحيض، وفي أكبرهن وهي الحياة مع الله ، ثم الحياة مع الزوج، فكان يفتي ولا يتلعثم عليه الصلاة السلام، فهو للطفل أب ﵊، وللشاب أخ، للكبير ابن وأوسع الناس خلقاً، وأوسع الأمة علماً، قادها إلى بر الأمان، هو المجاهد، والقائد، والداعية، والإداري، والمربي، والمفتي، والخطيب، ورب الأسرة، ولذلك كانت حياته عظيمة أبهرت العقول؛ حتى يقول سيد قطب ﵀ في الظلال كلاماً ما معناه في سورة التحريم: إنك أمام نبي تبهرك طلائعه، إنه قوي الإحساس، حي العاطفة، متوقد الذهن، يملأ ساعات حياته بالجد والعمل فعليه أفضل الصلاة السلام.

стр. 2544

شرح حديث سلمة بن صخر هذا المجلس يجلسه ﷺ بين الناس، وحوله الصحابة فيدخل هذا الرجل واسمه سلمة بن صخر البياضي، ومن عادة الصحابة أنه إذا كان في القصة أمر لا يحمد، وليس فيه جميل من الفعل لا يذكرون الاسم، وهذا أدب لك ولكل مسلم، إذا سمعت بقصة وكان بطل هذه القصة رجلاً سيئاً فلا تذكره للناس؛ ستراً على المسلمين، تقول: سمعنا عن رجل أنه فعل كذا وكذا، إذا كان في القصة مصلحة أما أن تسميه باسمه وبسكنه، وبعنوانه وحارته، فهذا ليس عند المسلمين، ولكن الصحابة إذا كان هناك مواقف بطولية، وكان هناك بذل وتضحية وعطاء قالوا فلان بن فلان. يقولون: يوم أحد طلحة بن عبيد الله الذي فدى الإسلام، ويقولون: بارزه علي بن أبي طالب ويقولون: فدفع عثمان أمواله في سبيل الله، ووقف ثابت شاعراً خطيباً يدافع عن الإسلام، وحسان ذب عن رسول الله ﷺ ، أما مسائل زنا أو خطأ أو ذنب، أو عيب أو جفى، فلا يدخلون الاسم ستراً على صاحبه، وهذا أدب عظيم، والله ستر أهل المعاصي في القرآن، لكن أنكى سبحانه ببعض الأسماء في القرآن، كفرعون وقارون وهامان وأبي لهب ليشهر أسماءهم بالفضيحة كما اشتهروا بها في الدنيا. بينما الرسول ﵊ جالس مع الناس، إذ وفد هذا الرجل يدلف قد فعل فعلة في رمضان قال: يا رسول الله هلكت، وفي هذه اللفظة دليل، وفيها فائدة أن هذا الرجل يعلم أن هذا هلاك، أي: ليس بجاهل ولا بناسي؛ لأن الذي لا يعرف حكم الجماع في نهار رمضان لا يقول هلكت، يأتي يقول: يا رسول الله! وقعت على أهلي فما الحكم؟ لكن هذا علم أنه هلك منذ أتى، ففيه دليل على أنه ليس بناسٍ ولا جاهل؛ لأنه لو كان ناسياً لما قال: هلكت يا رسول الله؛ لأن الله عفا عن الناسي ولو كان جاهلاً؛ لأن الجاهل لا يعرف الحكم فقال: ﴿هلكت يا رسول الله، فقال ﷺ : وما أهلكك؟﴾ أي: أنت صحيح معافى، مشافى، طويل عريض، وما نرى عليك آثار الضرب والهلاك، فماذا أهلكك؟ وفيه جواز استفتاء المفتي أنه إذا سألك عن سؤال أن تطلبه بالقوائم والسياقات. قال: ﴿وقعت على أهلي في رمضان﴾ هذا لفظ مسلم وفي هذا اللفظة جواز إطلاق رمضان على الشهر بدون شهر رمضان؛ لأن بعض أهل العلم كرهوا أن يقال رمضان؛ لأنه في القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ولكن هذا في جواز إطلاق رمضان على الشهر فلك أن تقول: رمضان أو شهر رمضان. قال: ﴿وقعت على أهلي في رمضان﴾ ومعناه أنه في النهار؛ لأنه لو كان في الليل ما استفتى، فنازله عليه الصلاة السلام بالكفارات الثلاث قال: ﴿هل تجد رقبة تعتقها؟ -يعني مؤمنة، وهذا يفهم بما قيد في أحاديث أخرى أو آيات- قال: لا والله يا رسول الله! قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله﴾ وفي لفظ صحيح: ﴿وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام﴾ يقول: أنا ما استطعت أن أتم صوم يوم، حتى وقعت على زوجتي، وتريد مني أن أصوم شهرين! ويظهر أن هذا السائل فيه روح خفيفة، وفيه دعابة مما ورد في الحديث، فقال ﷺ : ﴿فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا والله يا رسول الله﴾ فجلس الرسول ﷺ ما تكلم وما قطع المسألة، وما فض المجلس ولكن سكت ﵊، حتى وصل معه إلى النهاية فسكت النبي ﷺ وأعرض عنه. فلما أعرض أوتي النبي ﷺ بعرق -وهو المكتل أو زنبيل كبير فيه شيء من تمر- أهدي إلى الرسول عليه الصلاة السلام، فقال له الرسول ﷺ : ﴿خذ هذا فتصدق به -يعني يكفر به زلته، ومع ذلك-قال: على أفقر مني يا رسول الله﴾ يريد أن يأخذ التمر أيضاً، يقع على امرأته في رمضان، ولا يجد كفارة، ويأخذ التمر زيادة جائزة على هذا الفعل ﵁ وأرضاه! قال: ﴿على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أفقر مني، فضحك حتى بدت نواجذه عليه الصلاة السلام﴾ وهي الأنياب، لأنه إذا تبسم ظهرت الثنايا كأنها البرد، يعني كالبرد يقول الرواة: كأن ثناياه البرد. أولاً: أصلح خلقه وخلقه، أراد أن يكون كاملاً في الصورة والمعنى، فهو من أجمل الناس حتى كان كما تقول عائشة: ﴿كانت أسارير وجهه تبرق﴾ أرأيت البرق في الظلام؟ كانت أسارير وجهه عليه الصلاة السلام تبرق. وكان عرقه إذا تصبب كأنه عقد الجمان أي اللؤلؤ المنظوم، إذا كان في عقد يتسكب من على جبينه، فيوم يتبسم كان غالب تبسمه تخرج الثنايا وما قاربها، لكن هذا الأمر أحوج رسول الله ﷺ إلى أن يضحك حتى بدت نواجذه فقال ﷺ : ﴿أطعمه أهلك﴾ يحق لحديثي هذا أن يكون في مناسبة شهر رمضان، وإقبال شهر رمضان، وفي هذا الحديث وفي غيره من درس رمضان مسائل ربما تصل إلى ثلاثين مسألة، نتدارسها نحن وإياكم، ونسأل العلي العظيم التواب الرحيم أن يجعلنا وإياكم من المقبولين في هذا الشهر، وأن يجعلنا من العتقاء من النار، وأن يمنَّ علينا بتوبة نصوح، إنه على كل شيء قدير.

стр. 2545

مسائل تتعلق بشهر رمضان هذه المسائل ينبغي للمسلم أن يعرفها وهي مسائل بالدليل، وربما نتعرض لبعض الخلاف الذي لا يستطرد فيه إن شاء الله.

стр. 2546

صيام رمضان برؤية الهلال المسألة الأولى: يحب صيام رمضان بمجرد رؤية الهلال. نحن أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، ولا نعتمد على علماء الهيئة، ولا على علماء الفلك، ولا الرصد الجوي ولا نلتفت لهؤلاء سواء قالوا: زاد الشهر أو نقص فنحن أمة أمية، أمة صحراء، إذا رأينا الهلال في السماء صمنا، وإذا رأينا هلال شوال أفطرنا، وإذا شهد عندنا أعرابي أتى من الصحراء وهو يؤمن بالله ورسوله، قلنا: على العين والرأس، ولكن إذا أتى علماء الهيئة فقالوا: فنحن لا نتعامل مع أجهزة، نحن أمة بعثنا من الصحراء حتى يقول عليه الصلاة السلام في الصحيحين: ﴿نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا﴾ معناه يقول: عشرة زائد عشرة زائد تسعة، يساوي تسعة وعشرون يوماً، لأن هذه الحسابات كانت عند فارس والروم واليونان وكانوا أمماً حسابية، أي: فغلب عليها التفكر العقلي، أما نحن أمة بدهية ذكية عجيبة. ولذلك يقول ابن تيمية: إن اسم العرب مشتق من الفصاحة والنبل والعروبة، فالله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] يقول أهل فارس: كيف لا يكون منا الرسول؟ أو يكون من سلالة أنوشروان كسرى، وتقول الروم: كيف ما يكون من سلالة هرقل، ويقول اليهود: كيف لا يكون منا والنصارى كذلك، فيقول الله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فاختار الله هذه الأمة، ليكون منها الرسول ﷺ ، وهي أمة ذكية، يمر الأعرابي يسمع القصيدة الواحدة من مائة وعشرين بيتاً فيحفظها لأول وهلة. ويأتي الأعرابي يصعد على الجماهير من القبائل فيخطب عليهم خطبة ما يلحن ولا يتلعثم في حرف، لا في الحرب ولا في السلم، فلذلك الرسول الله ﷺ يقول: ﴿نحن لا نكتب ولا نحسب إذا رأينا صمنا، وإذا رأينا أفطرنا﴾ والله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] والرسول ﷺ لا يكتب ولا يقرأ، لكن القرآن في صدره، ومعارف المعارف التي سقاها الله قلبه محفوظة عنده ﷺ . إذاً قال : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فإذا شهد أحد من الناس، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وشهد لدينا صمنا، ووجب على الناس الصيام لا برؤية الرصد الجوي، ولا بأهل الهيئة، ولا بعلماء الفلك، فليس لهم دور في هذا، إنما هو من مسئولية الرؤيا، وكان العرب في الصدر الأول إذا كانوا يريدون رؤية الهلال يضعون ماءً صافياً في مكان مرتفع، فربما عكس لهم رؤية الهلال، فيرون هل هو ابن ليلة أو ابن ليلتين. ومن ضمن الطرائف أن أحد الأعراب يقول: رأيت الهلال ابن ليلتين فقال رجل له أظنه عامر الشعبي: لا. أنت لم تر الهلال -لأن عمر هذا الرجل ثمانين سنة- ومثلك لا يرى الهلال؛ لأن بصرك ضعيف، ولكن كان على حواجبك شعر ضعيف فكأنك تصورت أنه الهلال فبحث الرجل فوجد على حاجبه شعرتين خفيفتين كالهلال، فرأى أن الهلال ابن ليلتين، ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين وفي كتاب الأذكياء ذكره عن عامر الشعبي أو عن رجل آخر من الأذكياء لما عرف هذا، وسمى في كتاب الأذكياء. وفي السنن أيضاً أن الرسول ﷺ جاءه أعرابي -والحديث عن ابن عباس - فقال: يا رسول الله! رأيت الهلال قال: ﴿أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله، قال: نعم. قال: يا بلال مُرِ الناس بالصيام -أو بالإمساك-﴾ أو كما قال عليه الصلاة السلام وهذا حديث يقبل التحسين، ولو أنه تكلم في سنده. فما قال له ﷺ : أأنت تصلى الضحى؟ وتوتر في آخر الليل؟ وتسبح بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين؟ وتتسوك مع كل صلاة؟ لا. سأله عن الخط العريض في الإسلام الذي يدخل به دين الله، ولذلك ينبغي للمسلم أن يقبل المسلمين على ظاهرهم، إذا رأيت وعلمت أنه مسلم في بلاد مسلمة فصدق كلامه، ومثلاً: تريد أن تأخذ من رجل لحماً فلا تقول: هل أنت تصلي الصلوات الخمس؟ وتصوم رمضان؟ وتحج البيت؟ وتعتمر وتغتسل من الجنابة؟ لست مأموراً بهذا في الإسلام، والناس بما ظهر لك منهم، حتى يظهر لك ما يبين أنه لا يصلي؛ كأن تراه في وقت الظهر لا يصلي ويقول: أنا لا أصلي فهذا تيقن لديك. قال ابن عمر: ﴿تراءى الناس الهلال على عهده ﷺ ، فأخبرت الرسول عليه الصلاة السلام أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بالصيام﴾ إذاً: يكفي عندنا في الرؤية رجل واحد مسلم وقالوا: يكفي أنثى وبعضهم يقول: امرأتان كما اشترط للشهادة، أما الأحاديث فوردت في الرجال، فرجل واحد يكفي وإن زاد على رجل فأحسن وأحسن.

стр. 2547

اختلاف المطالع المسألة الثانية: هل على الأمة الإسلامية في جميع أقطار الأرض أن تصوم دفعة واحدة؟ أم عليها أن تصوم باختلاف المطالع؟ مطلع أهل الشام مثلاً يختلف عن أهل الجزيرة، وأهل اليمن عن أهل العراق، وهل الذي في أمريكا مثلاً يصوم بصيام الذي في الجزيرة هنا في بلادنا أم ماذا؟ لأهل العلم رأيان في هذه المسألة: رأي يقول عنه: على الناس جميعاً أن يكون صيامهم واحد، وإفطارهم واحد، واستدلوا في ذلك بحديث في الترمذي يقول: حديث حسن ﴿الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس﴾ فقالوا: لا بد للناس أن يصوموا جميعاً وأن يفطروا جميعاً. والرأي الثاني: لكل أناس مطلعهم، وهذا هو الصحيح، فكل أناس إذا رأوا الهلال عليهم أن يصوموا، ويفطروا إذا رأوا الهلال من شوال، والدليل على ذلك ما رواه مسلم في الصحيح عن كريب مولى ابن عباس وقد سافر إلى دمشق في الشام إلى معاوية ﵁ وأرضاه، ثم قدم على ابن عباس، فقال له ابن عباس: [[متى رأيتم الهلال، قال: ليلة الجمعة، قال ابن عباس: ونحن ما رأيناه إلا ليلة السبت في مكة، فلا نزال نصوم ثلاثين يوماً أو نرى الهلال]] فعلم من هذا أن ابن عباس أخذ برؤية أهل مكة ولم يأخذ برؤية أهل الشام وقال: [[لا نزال نصوم ثلاثين يوماً أو نرى الهلال]] فالصحيح اختلاف المطالع؛ لأن بعض البلاد تقدم يوم عن يوم، وبعض البلاد بينما نعيش نحن الليل هنا هم يعيشون النهار هناك وهكذا، فلكل بلد مطلعه، ولا يلزم بلد بلداً إلا أن يكون مطلعهم واحداً، أن يكونا متفقين في المطلع ومتقاربين في المدن، فهذا يشملهم مطلع واحداً، ولا فارق بالوقت بينهم؛ فإذا كان الفارق نصف ساعة أو ما يقاربها فليس هذا بفارق، إنما المقصود الفارق الزمني الطويل الذي تختلف به المطالع.

стр. 2548

شهادة اثنان للفطر وواحد للصوم المسألة الثالثة: قلت اثنان للفطر وواحد للصيام، يعني: لا نصوم حتى يشهد لنا مسلم واحد أنه رأى الهلال أو يتم شعبان ثلاثين يوماً، فإذا تم شعبان ثلاثين يوماً، فلا ننتظر حتى نرى الهلال؛ لأن آخر الشهر عدده ثلاثين يوماًَ، ولا يكون واحداً وثلاثين يوماً إلا في الميلادي، فنصوم، أو يشهد لدينا رجل أنه رأى الهلال، على أن يشهد في يوم تسعة وعشرين، أما إذا صمنا أو إذا جعلنا شعبان ثلاثين يوماً، فأتى رجل فقال: أشهد بالله أني رأيت الهلال، نقول: انتهى الأمر. أو صمنا رمضان ثلاثين يوماً فيقول: أشهد أني رأيت الهلال، وقد أكملنا ثلاثين يوماً، ولا يكون الشهر واحداً وثلاثين يوماً، وأما الفطر فلا بد من شاهدين، لحديث الحارث بن حاطب أمير مكة قال: ﴿أمرني ﷺ ألا أفطر حتى يشهد رجلان مسلمان برؤية الهلال﴾ روى هذا الحديث أصحاب السنن والبيهقي والدارقطني وغيرهم.

стр. 2549

الذين يجب عليهم الصوم المسألة الرابعة: من هو الذي يصوم وما هي شروط الصيام؟ أولاً: أن يكون مسلماً لأن الله لا يقبل من كافر عملاً، قال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ولكنه يسأل يوم القيامة عن تركه للصيام سؤال توبيخ وتأنيب، قال : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٥] فلا بد من الإسلام، والكافر لا يقبل صيامه. ثانيا: المكلف البالغ: لأن الصغير مرفوع عنه القلم، ولكن يؤمر مع ذلك بالصيام، تدريباً له، كما فعل السلف الصالح بأبنائهم حتى يتعودوا على الصيام. ثالثاً: أن يكون عاقلاً: لأن المجنون كذلك مرفوع عنه القلم. رابعاً: أن يكون قادراً: والقادر يخرج المريض، فإن الله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: المريض الذي يضره الصيام، أما أن يأتيه زكام فيقول: الحمد لله الذي جعل لنا في الفطر رخصة ثم يترخص، أو يحتر جسمه في النهار فيقول: الله المستعان، لابد لنا من فطر فيأخذ هذه الرخص، يقولون: المريض هو الذي يتعبه الصيام فيدخل عليه المشقة، بالنسبة للمرض فهذا غير مستطيع. خامساً: المسافر: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وحَدُّ السفر ما سمي في اللغة سفراً، ولا يتحدد بمسافة، بل ما سمي سفراً فهو سفر، أما إنسان يرتحل إلى أماكن قريبة مثل الخميس أو غيرها، ويقول: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، فإذا وصل حجلة نزل فتغدى ومشى قليلاً ثم تعشى وقال: الحمد لله الذي جعل لنا رخصة في هذا الدين، ما أيسر هذا الدين! فنقول له: أخطأت الفهم، وأسأت وتعديت بل السفر ما سمي سفراً، أما تحديده بثمانين ميلاً فنقول: من أين ثمانين ميلاً؟ ليس في الكتاب لا في سورة الأنفال، ولا الأعراف ثمانين ميلاً ولا في صحيح البخاري ولا مسلم وإنما هو تخرص، وبعض الناس قد يدور بالمدينة ثمانين مرة فيصبح ثمانين ميلاً، أو يذهب ويأتي من إشارة إلى إشارة ومن شارع إلى شارع فيمكن يمشي مائة كيلوا متر، فالمقصد أنه ما يسمى سفراً إلا إذا خرج من الحي ومن المدينة، فله أن يبسط سفرته وأن يأكل ولو يرى البيوت أمامه، لما ورد عن دحية الكلبي بـ ذي الحليفة أنه خرج من المدينة وهو يرى البيوت فبسط سفرته وأكل وقال: ﴿كنا نفعله مع الرسول ﷺ ﴾ وسافر ثلاثة أميال لأنه يسمى سفراً فأكل، فالمقصود أن المسافر إذا سافر فله الفطر سواء شق عليه الصيام أو لم يشق؛ لأن بعض الناس يقول: كيف الآن نسافر ونحن في سيارات مكيفة، وفي طائرات، ونفطر، لا. الواجب أن نصوم يقول الله : ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ما قال سفراً يضره الصيام، أو سفراً يجوع، أو سفراً يظمأ فيه، وتعليق الفطر بالمشقة ليس مذكوراً في الآية ولا في الحديث. إذاًَ: إذا سافرت فلك أن تفطر ولك أن تصوم شق عليك السفر أو لم يشق عليك، لكن أنت مخير إذا لم يشق عليك، أما إذا شق عليك فالأولى أن تفطر، ثم مر أن القادر أخرج بذلك المريض وأخرج المسافر. وهناك الحائض والنفساء فإنهما لا تصوما ويحرم عليهما الصيام؛ لما ورد عن عائشة ﵂ أنها سألتها معاذة فقالت: ﴿ما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت -يعني أنت من الخوارج لأن الخوارج يأمرون الحائض أن تقضي الصلاة والصوم- كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم لا بقضاء الصلاة﴾ فالحائض والنفساء لا تصوم ولا تصلي، لكنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، وحد النفساء ليس له حد صح فيه حديث، ومن حدد أربعين ليس بصحيح، بل إذا طهرت النفساء ولو في يوم واحد أو يومين؛ تغتسل وتصلي وتصوم ولا عليها.

стр. 2550

صيام الحامل والمرضع المسألة الخامسة: صيام الحامل والمرضع. الحامل والمرضع لها صورتان: إذا لم يشق عليها الصيام فتصوم، سواء كانت حامل أو مرضع والله يتقبل منها. وإن شق عليها الصيام فهي في صورتين: خافت على ولدها الرضيع ولم تخف على نفسها وهي حامل؛ فتفطر وتقضي، وتطعم عن كل يوم مسكيناً، لحديث ابن عباس عند البيهقي وأصله في أبي داود: ﴿إذا خافت المرضع والحامل على ولدها أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً﴾. وإذا خافت على نفسها فإنها تفطر وتقضي ولا تطعم، هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله، وبعض أهل العلم يقول: لا تقضي، وبعضهم يقول: تقضي -يعني من خافت على ولدها- ولا تطعم مسكيناً، لكن الصحيح هذا التفصيل الأول إن شاء الله، إن خافت على ولدها تقضي وتطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن خافت على نفسها سواء كانت حامل أو مرضع، فإنها تقضي ولا تطعم.

стр. 2551

النية في الصوم المسألة السادسة: تبييت النية من الليل، أمرنا أن نبيت النية من الليل لصيام الفريضة. لابد أن تعرف أن غداً رمضان، ولابد أن تستصحب النية وتنوي بصيامك غداً فريضة، هذا من أول الشهر تستصحبها. وهل يكفي نية من أول الشهر؟ أما أصل النية فلابد منها لكن عليك أن تستصحب النية كل ليلة، ولا يجب عليك وجوباً أن تنوي قبل الفجر أو مع السحور أنك تصوم غداً؛ لأن كثيراً من الناس قد ينامون حتى يؤذن الفجر، فلا يجدون وقتاً للنية ولاستحضار النية فما هو الحل إذاً؟ الصحيح هو أنه يبيت النية من الليل، ويستحضر في ذهنه أن يصوم غداً من رمضان سواء تسحر أو قام بالليل أو نوى أو لم ينو لحديث حفصة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿من لم يبيت الصيام من الليل -أو نية الصيام من الليل- فلا صيام له﴾ رواه الخمسة، وهذا أوقفه النسائي ولكن حسنه كثير من أهل العلم، والمقصود في الحديث هو صيام له، يعني صيام الفريضة، لابد أن تعرف أن غداً من رمضان، وهذا هو الوارد والصحيح في المسألة.

стр. 2552

صيام النافلة المسألة السابعة: أما صيام النافلة فلك أن تنوي من وسط النهار أو من بعد الزوال، أتيت يوم من الأيام ولم تأكل شيئاً ولما حانت صلاة الظهر رأيت أن تكمل هذا اليوم صائماً وأنت ما نويت من الليل، ولا من أول النهار، فلك أن تصوم هذا اليوم نافلة ليس فريضة، لا قضاء ولا صيام نذر ولا فريضة لكن نافلة لك، دل على ذلك حديث عائشة في مسلم قالت: ﴿دخل علينا رسول الله ﷺ يوماً من الأيام فقال: عندكم شيء فقلنا: لا يا رسول الله قال: فإني صائم﴾ نافلة، دليل على أنه لم ينو قبلها ﷺ بقوله: عندكم شيء لأنه لو كان عندهم شيء لأكل، قالت: ﴿ثم دخل علينا يوماً آخر وهو صائم -يعني متنفل- فقال: عندكم شيء قالت: نعم عندنا حيس يا رسول الله -طعام- فأكل ﷺ ﴾ ففي النافلة لك أن تنوي من النهار أو قبل الزوال أو بعد الزوال سيان.

стр. 2553

المضمضة والاستنشاق المسألة الثامنة: هل للصائم أن يترك المضمضة والاستنشاق؛ خوفاً من وصول الماء إلى حلقه، أم عليه أن يتمضمض ويستنشق بإطلاق؟ الصحيح في هذ المسألة إن شاء الله: أن له أن يتمضمض ويستنشق من دون مبالغة، ولا يترك المضمضة والاستنشاق؛ لأنها واجبة في الوضوء، وبعضهم عده فرض من فروض الوضوء، والدليل على ذلك حديث لقيط بن صبرة في السنن قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً﴾ فدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق ولا يتمضمض كثيراً، فلا يرجرج الماء حتى يروى من الماء ويقول: هذه سنة الوضوء، ليس بوارد هذا فلا يترك المضمضة والاستنشاق ولا يبالغ فيهما وهذا حسم المسألة إن شاء الله.

стр. 2554

السواك المسألة التاسعة: السواك للصائم تردد في أوساط كثير من الناس أن الصائم له أن يتسوك أول النهار، وأمَّا بَعْد الزوال فلا يتسوك فهل هذا صحيح أم لا؟ هذا رأي للشافعية قالوا: له أن يتسوك أول النهار، وأما آخر النهار فلا، واستدلوا بدليلين دليل تنظيري استنباطي، ودليل نقلي، أما الدليل النقلي فقالوا: روى ابن ماجة أن الرسول ﷺ قال: ﴿استاكوا أول النهار ولا تستاكوا آخر النهار﴾ هذا دليل نقلي -نص- واستدلوا بدليل آخر تنظيري استنباطي وقالوا: قوله ﷺ : ﴿لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ قالوا: فإذا أتى الصائم وأزال الخلوف -يعني رائحة الفم بالسواك- ما أصبحت هناك رائحة مسك. ولكن يرد عليهم بثلاثة أدلة: أولها: قوله ﷺ : ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتم بالسواك عند كل وضوء﴾ وفي رواية ﴿مع كل صلاة﴾ هاتان الروايتان صحيحتان، فعموم الحديث يقتضي في رمضان وفي غير رمضان ولم يقل ﷺ : ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء﴾ في غير رمضان، فلما عمم عليه الصلاة السلام دل على أنه مع كل صلاة في رمضان وفي غير رمضان ومع كل وضوء. الدليل الثاني: ما رواه الترمذي وغيره وهو معلق في صحيح البخاري عن عامر بن ربيعة قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي ولا أعد يتسوك وهو صائم﴾ فدل على أنه أول النهار وآخر النهار. والدليل الثالث: أنه يقال: الخلوف هذا الذي ذكرتم ما يأتي من الفم، والسواك ما يزيله، إنما يأتي من المعدة، فلا أثر للسواك هذا في الخلوف؛ لأنه يأتي من معدة الصائم. وأما حديثهم في ابن ماجة الذي يقول: ﴿استاكوا أول النهار ولا تستاكوا آخره﴾ فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، إذاً: حسم المسألة إن شاء الله أن الصائم يتسوك أول النهار، وآخر النهار بسواك رطب أو يابس، والسواك من أفضل خصال الصائم، لا يتركه عند كل وضوء ومع كل صلاة.

стр. 2555

الكحل المسألة العاشرة: الكحل هل للصائم أن يكتحل في عينيه أم لا؟ ورد في ذلك أحاديث منها حديث في ابن ماجة عن أنس ﵁ وأرضاه قال: ﴿كان رسول الله ﷺ يكتحل وهو صائم﴾ هذا سنده ضعيف، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، قال الترمذي: وكره أحمد وسفيان وإسحاق الكحل للصائم، وقال الأعمش: لا بأس بالكحل للصائم وكان يكتحل أصحابنا، والصحيح أنه لا بأس بالكحل للصائم أن يكتحل، فإن العين ليست منفذ. وهناك حديث ضعيف أيضاً في الترمذي أمر رسول الله ﷺ بالإثمد عند النوم وقال: ﴿ليتقه الصائم﴾ ولكن لا يصح النفي ولا يصح الإثبات، والمسألة تبقى على أصلها وأنه لا بأس بالكحل للصائم إن شاء الله.

стр. 2556

الطيب المسألة الحادية عشرة: الطيب هل للصائم أن يتطيب أو يشم الورد، والياسمين، والرياحين، ويشم الأشجار أم لا؟ له ذلك إن شاء الله فإنه لم يرد نفي منه ﷺ ، ولم يرد تحريم لهذا، ولا أنه من المفطرات فتبقى على أصلها، وليست الرائحة إن شاء الله مفطرة إنما ما يؤكل وما يشرب هذا الذي يفطر أو يصل إلى الحلق أو إلى المعدة.

стр. 2557

الدهن المسألة الثانية عشرة: الدهن للصائم: للصائم أن يدهن بشرط ألا يصل الدهن إلى حلقه، كأن لا يأكل من الدهن أو يستعمله في أنفه حتى يدخل إلى حلقه، وأما أن يدهن وجهه ورأسه فلا بأس به، لأن بعض أهل الفقه قالوا: إذا دهن أقدامه بدهن يسمونه دهن الحنظل، فإنه قد يصل إلى حلقه وهذا يفطر، ومن أين للأقدام منفذ؟! هذا ورد في كثير من الحواشي الفقهية والصحيح أن الدهن للصائم أن يدهن بما فتح الله عليه من دهون.

стр. 2558

الحجامة المسألة الثالثة عشرة: الحجامة هل للصائم أن يحتجم؟ وإخراج الدم، وإسعاف المرضى، والجرحى هل هذا وارد أن يسحب دم من الصائم أم لا؟ هذا كثر الكلام في الحجامة وهي من المسائل التي تكسرت النصال فيها على النصال، وتساقطت فيها عمائم الأبطال من أهل العلم، مرة تسمعون في جمعة من الجمع قبل سنة: أنها لا تفطر وسوف تسمعون الليلة أنها تفطر، وهذا يظهر بالأدلة والاستقراء واستماع كلام أهل العلم والمحققين، ورد فيها أحاديث منها: حديث في البخاري عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: ﴿احتجم ﷺ وهو محرم واحتجم ﷺ وهو صائم﴾ هذا لفظ حديث ابن عباس في البخاري قال الإمام أحمد: لا يصح أنه احتجم ﷺ وهو صائم، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري الجهبذ النحرير العلامة الداهية المحدث: لا يصح أنه احتجم ﷺ وهو صائم. إذاً: فالحديث فيه وهم، ولو كان في البخاري ففيه غلط، لفظة وهو صائم غلط، أثبت المحدثون أنها وهم في صحيح البخاري، والصحيح أن الحجامة تفطر لقوله ﷺ : ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ فيما رواه الخمسة وغيرهم إلا الترمذي وقوله ﷺ لما مر بحاجم يحجم صائماً: ﴿أفطر هذان﴾ فهذه بارك الله فيكم الأدلة؛ يقول السيوطي: بلغ هذا الحديث درجة التواتر، فهو صحيح لا يعارض به حديث آخر، وفي الدارقطني بسند قوي قال: ﴿نهى ﷺ عن الحجامة للصائم ثم احتجم ﷺ ﴾ وهذا لا يثبت لأن الأحاديث الصحيحة عارضته وهي أقوى منه، وهذا حديث فيه كلام. إذاً: فالحجامة تفطر الصائم ولا يسحب من المسلم دم ولا من المسلمة وهما صائمان لأنه يقاس على الحجامة، لأن الحجامة أخذ دم، الله أعلم بالسر في ذلك، لكن هذه خلاصة المسألة، وهو رأي كثير من أهل العلم منهم ابن القيم في زاد المعاد.

стр. 2559

القبلة المسألة الرابعة عشرة: القُبْلة للصائم: هل للصائم أن يُقَبِل زوجته وهو صائم أم لا؟ ورد في الصحيح من حديث عائشة ﴿: أن الرسول ﷺ كان يُقَبِل وهو صائم وكان أملككم لإربه﴾ الإرب قيل: العضو وقيل: الشهوة وجموح النفس، وورد عن عمر ﵁ وأرضاه أنه سأل الرسول ﷺ عن القُبْلة للصائم قال: ﴿أرأيت في المضمضة بأس للصائم قال: لا يا رسول الله قال: فمه إذاً﴾ يعني سواء بسواء ولكن عند الحاكم في المستدرك: ﴿أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة السلام وهو شيخ فسأله عن القُبْلة فلم ير بها بأساً، وأتاه شاب فسأله عن القُبْلة فلم يرخص له﴾ فكأن حسم المسألة أن من حركت شهوته القبلة، أو خاف على نفسه أنه لا تجوز له، وأما الشيخ الكبير فإنها تجوز له، ولكن الأولى والأحسن والأصوب ترك القُبْلة للصائم، هذا حسم المسألة إن شاء الله.

стр. 2560

الاحتلام في النهار المسألة الخامسة عشرة: الاحتلام في النهار: إنسان احتلم في نهار رمضان، نام في الظهيرة ثم قام فإذا في ثيابه بلل، فماذا يفعل هل ينتقض عليه صومه ويقضي أم ماذا يفعل؟ هذا عليه أن يغتسل وأن يتم صومه فصومه صحيح وما خدشه شيء، وهذا ليس في مستطاعه بل أتاه وهو ليس مكلف في حالة النوم، فعليه أن يتم صومه، وأن يغتسل ويصلى، وصومه والحمد لله صحيح.
следующие страницы →