Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
الطيب
المسألة الحادية عشرة: الطيب هل للصائم أن يتطيب أو يشم الورد، والياسمين، والرياحين، ويشم الأشجار أم لا؟
له ذلك إن شاء الله فإنه لم يرد نفي منه ﷺ ، ولم يرد تحريم لهذا، ولا أنه من المفطرات فتبقى على أصلها، وليست الرائحة إن شاء الله مفطرة إنما ما يؤكل وما يشرب هذا الذي يفطر أو يصل إلى الحلق أو إلى المعدة.
стр. 2557
الدهن
المسألة الثانية عشرة: الدهن للصائم:
للصائم أن يدهن بشرط ألا يصل الدهن إلى حلقه، كأن لا يأكل من الدهن أو يستعمله في أنفه حتى يدخل إلى حلقه، وأما أن يدهن وجهه ورأسه فلا بأس به، لأن بعض أهل الفقه قالوا: إذا دهن أقدامه بدهن يسمونه دهن الحنظل، فإنه قد يصل إلى حلقه وهذا يفطر، ومن أين للأقدام منفذ؟! هذا ورد في كثير من الحواشي الفقهية والصحيح أن الدهن للصائم أن يدهن بما فتح الله عليه من دهون.
стр. 2558
الحجامة
المسألة الثالثة عشرة: الحجامة
هل للصائم أن يحتجم؟ وإخراج الدم، وإسعاف المرضى، والجرحى هل هذا وارد أن يسحب دم من الصائم أم لا؟
هذا كثر الكلام في الحجامة وهي من المسائل التي تكسرت النصال فيها على النصال، وتساقطت فيها عمائم الأبطال من أهل العلم، مرة تسمعون في جمعة من الجمع قبل سنة: أنها لا تفطر وسوف تسمعون الليلة أنها تفطر، وهذا يظهر بالأدلة والاستقراء واستماع كلام أهل العلم والمحققين، ورد فيها أحاديث منها: حديث في البخاري عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: ﴿احتجم ﷺ وهو محرم واحتجم ﷺ وهو صائم﴾ هذا لفظ حديث ابن عباس في البخاري قال الإمام أحمد: لا يصح أنه احتجم ﷺ وهو صائم، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري الجهبذ النحرير العلامة الداهية المحدث: لا يصح أنه احتجم ﷺ وهو صائم.
إذاً: فالحديث فيه وهم، ولو كان في البخاري ففيه غلط، لفظة وهو صائم غلط، أثبت المحدثون أنها وهم في صحيح البخاري، والصحيح أن الحجامة تفطر لقوله ﷺ : ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ فيما رواه الخمسة وغيرهم إلا الترمذي وقوله ﷺ لما مر بحاجم يحجم صائماً: ﴿أفطر هذان﴾ فهذه بارك الله فيكم الأدلة؛ يقول السيوطي: بلغ هذا الحديث درجة التواتر، فهو صحيح لا يعارض به حديث آخر، وفي الدارقطني بسند قوي قال: ﴿نهى ﷺ عن الحجامة للصائم ثم احتجم ﷺ ﴾ وهذا لا يثبت لأن الأحاديث الصحيحة عارضته وهي أقوى منه، وهذا حديث فيه كلام.
إذاً: فالحجامة تفطر الصائم ولا يسحب من المسلم دم ولا من المسلمة وهما صائمان لأنه يقاس على الحجامة، لأن الحجامة أخذ دم، الله أعلم بالسر في ذلك، لكن هذه خلاصة المسألة، وهو رأي كثير من أهل العلم منهم ابن القيم في زاد المعاد.
стр. 2559
القبلة
المسألة الرابعة عشرة: القُبْلة للصائم:
هل للصائم أن يُقَبِل زوجته وهو صائم أم لا؟
ورد في الصحيح من حديث عائشة ﴿: أن الرسول ﷺ كان يُقَبِل وهو صائم وكان أملككم لإربه﴾ الإرب قيل: العضو وقيل: الشهوة وجموح النفس، وورد عن عمر ﵁ وأرضاه أنه سأل الرسول ﷺ عن القُبْلة للصائم قال: ﴿أرأيت في المضمضة بأس للصائم قال: لا يا رسول الله قال: فمه إذاً﴾ يعني سواء بسواء ولكن عند الحاكم في المستدرك: ﴿أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة السلام وهو شيخ فسأله عن القُبْلة فلم ير بها بأساً، وأتاه شاب فسأله عن القُبْلة فلم يرخص له﴾ فكأن حسم المسألة أن من حركت شهوته القبلة، أو خاف على نفسه أنه لا تجوز له، وأما الشيخ الكبير فإنها تجوز له، ولكن الأولى والأحسن والأصوب ترك القُبْلة للصائم، هذا حسم المسألة إن شاء الله.
стр. 2560
الاحتلام في النهار
المسألة الخامسة عشرة: الاحتلام في النهار:
إنسان احتلم في نهار رمضان، نام في الظهيرة ثم قام فإذا في ثيابه بلل، فماذا يفعل هل ينتقض عليه صومه ويقضي أم ماذا يفعل؟
هذا عليه أن يغتسل وأن يتم صومه فصومه صحيح وما خدشه شيء، وهذا ليس في مستطاعه بل أتاه وهو ليس مكلف في حالة النوم، فعليه أن يتم صومه، وأن يغتسل ويصلى، وصومه والحمد لله صحيح.
стр. 2561
الأكل والشرب ناسياً
المسألة السادسة عشرة: من أكل أو شرب أو جامع ناسياً:
أو هذه مسائل المفطرات -الأكل والشراب والجماع-بالسنة والكتاب والإجماع، فمن أكل أو شرب ناسياً فليس عليه شيء، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: ﴿من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه﴾.
وجاء رجل إلى الحسن البصري وكأنه متنفل فقال: يا أبا سعيد! قال: نعم، قال: نسيت الصباح اليوم وأكلت خبزاً وأنا صائم قال: ما عليك، قال: ثم دخلت على أهلي فقدموا لي لبناً فشربت، قال: ما عليك، قال: ثم خرجت فوجدت ماءً فشربت -ضمئت فشربت- قال: يا بني أنت لم تتعود الصيام.
يعني المسألة فوضى بعد كل ساعة تأكل وجبة، ولو حدث أن إنساناً نسي فأفطر، ثم فتح الله عليه فنسي فتغدى، ثم أكل بعد العصر، ثم شرب شاي ثم قهوة ثم تناول تمراً فماذا عليه؟ نقول: أنت ناس ما عليك شيء في رمضان؛ لأن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: قد فعلت.
فالناسي والمكره والجاهل ليس عليهم شيء، فمن شرب أو أكل وهو ناس فالله قد عفا عنه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، لأن الله هو الذي كتب عليه النسيان ليأكل وليشرب وصيامه صحيح.
ومن جامع ناسياً، كإنسان عنده أربع زوجات جامعهن في نهار رمضان ناسياً، ثم أتى إلى القاضي فقال: نسيت وجامعت أهلي أربع مرات هل هذا صحيح ينسى؟ بعض أهل الفقه يقولون: هذا لا يمكن أن ينسى؛ لأن هذا ليس من الأكل والشراب، ولذلك يقولون: لابد من الكفارة.
وابن تيمية يقول: لا، الناسي ليست عليه كفارة ولا قضاء، ويلحق بالآكل والشارب، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، فإن الله عفا عن الناسي والجاهل في الأكل والشرب فيلحق به المجامع أيضاً، فالمجامع ليست عليه كفارة ولا قضاء؛ لأنه نسي وهذا المجامع الناسي والجاهل أما المتعمد فكفارته مرت كما سيأتي.
стр. 2562
كفارة الجماع
المسألة السابعة عشرة: كفارة من جامع في نهار رمضان: هذا وردت كفارته عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لا يقطعها إلا الأعياد مثلاً فله ذلك، أو سافر سفراً قاصداً فيقطعه ويواصل، يعني ما يستحدث صياماً جديداً بل تصح المتابعة، ولو قطعه بالسفر أو أتاه مرض وشق عليه يفطر ويكمل على الأيام الماضية فإن المرض والسفر والأعذار لا تقطع الصيام، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يستطع، سقطت عنه الكفارة، هذه كفارة المجامع.
стр. 2563
هديه في الإفطار
المسألة الثامنة عشرة: هديه ﷺ في الإفطار، وكيف كان يفطر ﷺ .
في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ معنى أفطر: يعني حل فطره سواء أفطر أو لم يفطر، ولا يجوز له أن يواصل، أي: أنه سواء أكل أو لم يأكل فقد أفطر، هذا العلامة عندنا غروب الشمس إقبال الليل وإدبار النهار وغروب الشمس فعلى المسلم أن يعتبر بذلك.
لكن كيف كان يفطر ﷺ ؟ ورد من حديث سليمان بن عامر في السنن أن الرسول ﷺ قال: ﴿ليفطر أحدكم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه له طهور﴾ فالفطر على التمر من السنة فإن لم تجد تمراً فعلى ماء، وعند أبي داود وغيره عن أنس قال: ﴿كان رسول الله ﷺ يفطر على رطيبات، فإن لم يجد فعلى تميرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء عليه الصلاة السلام﴾ فالرطب أولى وأفضل، فإن لم تجد فتمراً، فإن لم تجد فماءً، ولا يأتي أحد فيقول: ما دام أن رسول الله ﷺ فعل ذلك أو قال ذلك، فلو أفطر على شربة أو خبز؛ قال: بطل صيامك فاستغفر الله وتب إليه، لا هو الجائز لكن السنة في ذلك والأولى والأحسن والأخير والأقرب.
قال ابن القيم: في ذكر التمر سر من الأسرار، لأن الجائع أحسن ما يواجه بطنه أو يقابل بطنه الحالي؛ لأن الحالي أحسن لديه، فعليه أن يفطر على رطب أو تمر فإن لم يجد فماء، وورد عنه ﷺ أنه كان يقول: ﴿اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾ هذا الحديث رواه أبو داود وهو مرسل فيه ضعف.
ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روى راو فقط
المرسل: الذي سقط منه الصحابي، مثلاً أبو هريرة سقط من السند وابن المسيب تابعي قال: قال رسول الله ﷺ ، أين الصحابي الذي في أول السند سقط، هذا مرسل، فالمرسل: ما سقط منه الصحابي وهذا الحديث مرسل وبعضهم يحسنه بطرقه لكن الصحيح أنه ضعيف لهذه العلة.
وورد عنه ﷺ في سنن أبي داود وفي غيرها أنه يقول: ﴿ذهب الظماء وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله﴾ إذا شرب ﷺ وأفطر، وفي أثر بمجموعه يصل إلى درجة الحسن أن الرسول ﷺ قال: ﴿للصائم دعوة ما ترد﴾ وورد في حديث: ﴿ثلاثة لا ترد دعواتهم منها الصائم قبل أن يفطر﴾ فالله الله في الاجتهاد في الدعوات قبل الفطر، فإنها دعوة مستجابة إن شاء الله، ووقت استجابة فأكثر قبل أن تفطر من الدعاء خاصة إذا اقترب وقت الإفطار.
стр. 2564
هديه ﷺ في السحور
المسألة التاسعة عشرة: وأما هديه ﷺ في السحور يقول ﷺ : ﴿ما يزال الناس بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور﴾ أو ﴿ما عجلوا الفطور وأخروا السحور﴾ متفق عليه من حديث سهل بن سعد، فالسنة أن تعجل الإفطار إذا غربت الشمس، والسنة أن تؤخر السحور حتى إلى قبل طلوع الفجر، قيل لـ زيد بن ثابت: كم كان بين صلاته ﷺ الفجر وبين سحوره؟ قال: ﴿مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية﴾ رواه البخاري، فقدر أنت هذا القدر وهذا هو السنة، وأما لو تقدمت فتسحرت مع عشائك لجاز، ولو بقيت بلا سحور لجاز، ولو تسحرت حتى تسمع الأذان لجاز، لكن السنة أن تؤخره حتى تبقى فترة وجيزة بين السحور وبين صلاة الفجر، يقول عليه الصلاة السلام كما في حديث عمرو بن العاص الصحيح: ﴿فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر﴾ أهل الكتاب: يعني اليهود والنصارى، ويقول عليه الصلاة السلام: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ متفق عليه من حديث أنس.
وبركة السحور تأتي بثلاثة أمور أولها: أنك تقوم في وقت يتجلى الله للناس على سماء الدنيا فينادي فيقول: ﴿هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له﴾ فتكون من المستغفرين.
ثانيها: أنك أحييت سنة من سنن المصطفى ﷺ وهي سنة السحور.
ثالثها: أنك استعنت بالسحور على صيام النهار، وهذا من بركة السحور التي ذكر عليه الصلاة السلام.
стр. 2565
الإبر للصائم
المسألة العشرون: الإبر للصائم:
الإبر بأنواعها ما حكمها للصائم؛ إذا أخذ إبرة أو تعالج فرأى الأطباء أن يتناول إبرة، هل تفطره وهو صائم أم لا؟ هذا على قسمين:
الأول: إن كانت مغذية تصل إلى حلقه، أو يجد طعمها، أو تغذيه فهذه مفطرة.
الثانية: إن لم يكن لها أثر، ولا تغذي، ولا تصل إلى حلقه، فلا بأس بها وهي مسألة عصرية ليس فيها أدلة وإنما هذا التقسيم كأنه المطلوب والأقرب عند أهل العلم إن شاء الله.
стр. 2566
ذوق الطعام للحاجة
المسألة الحادية والعشرون: ذوق الطعام للحاجة: هل للصائم أن يذوق الطعام من أجل أن يتذوق ملح الطعام، ويرى جودة الطعام.
ورد عند البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: [[لا بأس للصائم أن يذوق الطعام للحاجة]] رواه البيهقي، وأورده صاحب السلسبيل في تعليقه على زاد المستقنع، فلا بأس للصائم أن يذوق الطعام للحاجة؛ لأنه ليس بأكل وإنما يصل إلى لسانك، وحاسة الذوق في أول اللسان، لكن من يتذوق المطعومات أكلاً فيذوق العنب كيف حاله، والموز، وشيء من التفاح، وشيء من الشربة، وما يأتي المغرب إلا وهو شبعان ريان، بات يطعمه ربه ويسقيه، فهذا ليس بوارد وقد أخطأ من فعل ذلك، لكن الذوق في أول جلدة اللسان، ولمن أراد أن يراجعه في السنن فليراجع الذوق فلا بأس به إن شاء الله ذوق الطعام.
стр. 2567
شتم الصائم
المسألة الثانية والعشرون: ماذا يقول الصائم إذا شتم؟
إنسان شتمك -نسأل الله العافية- أو سبك أو انتهك عرضك وأنت صائم، هل تقول: اللهم إني صائم فتذهب إلى بيتك فتأخذ هراوة، فتأتي تضربه؟ وتقول: مادام أن الرسول ﷺ نهى عن الشتم والمسابة فالهراوة أجدى سبيل وأحسن وألين، هذا من باب قول بعضهم في الآية: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] قال: أما الأف فلا تقول لكن الضرب ما ورد في الآية، فالله لا يقول في الآية: لا تضرب والديك، لكن يقول: "لا تقل لهما أف" فأين الضرب؟ لو كان الضرب وارداً لقال سبحانه: ولا تضربهما، فقالوا: هذا قياس مخروم، وهو من ضعف العقل وضعف الاستنباط.
فالمقصود الشتم وما فوقه كالملاكمة والضرب على الوجه والضرب بالهراوة وكذلك يدخل فيها المشعاب، إذا علم هذا بارك الله فيكم فإذا شتم فما الحكم هل يقول: إني صائم بلسانه أو بقلبه؟ اختلف أهل العلم؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: ﴿فإذا سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم﴾ فهل يقول بقلبه إني صائم أو بلسانه، إنسان كلما أصبحت أخذ بتلابيب ثوبك في رمضان، وجرجرك وشتمك ماذا تفعل تقول بنفسك: إني صائم؟ يختار ابن تيمية أن تقول بلسانك: إني صائم وهذا هو الصحيح، وكلمة فليقل يعني باللسان، وعقد القلب لا يسمى قولاً إلا في المجاز، وقوله: فليقل إني صائم لها فوائد منها:
الأمر الأول: أن تذكره أنك صائم لعله أن يخشى الله ويتقيه فيك، يعني كأنك تقول: جائع وتعبان وحالي ما يتحمل الضرب اتركنا حتى نفطر ونصلي التراويح ثم اضرب جزاك الله خيراً، فإذا قلت: إني صائم فلعله أن يرحمك.
الأمر الثاني: كأنك تقول: إني صائم تذكر نفسك أنت لا تعتدي، فهذا الصحيح إن شاء الله وهذا ترجيح ابن تيمية.
стр. 2568
القيء
المسألة الثالثة والعشرون: القيء وخروجه على الصائم: إنسان قاء -طرش- أو قذف وسمي ما شئت فهل يفطر أم لا؟
أبو هريرة وبعض أهل العلم: يرون أنه لا يفطر، يقولون: المفطر من الخارج إلى الداخل، ولكن روى أبو هريرة عند الخمسة وغيرهم أن الرسول ﷺ قال: ﴿من استقاء فقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه﴾ انظر ما أحسن الكلمات، من يختار مثل هذا الأسلوب؟! ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥] ولذلك يقول القاضي الزبيري شاعر اليمن يمدح هذا اللفظ يقول:
ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء
الألفاظ هذه لا يستطيع أن يسوغها إلا رسول الله ﷺ .
إذاً: فتفصيل المسألة أن من استدعى القيء بأن أدخل أصابعه في حلقه فقاء فعليه أن يقضي، ويتم صيامه ممسكاً، وكذا إن شم شيئاً، عمداً أو حك حلقه، أو فعل شيئاً استدعى القيء فعليه القضاء، أما من غلبه القيء فلا شيء عليه؛ يتم صومه وصومه صحيح، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة إن شاء الله.
стр. 2569
التراويح
المسألة الرابعة والعشرون: صلاة التراويح:
صلاة التراويح سنة وهي ثابتة عنه ﷺ ، وقد صلاها في بعض الليال وتركها في حياته بعض الليالي، لئلا تفرض على الأمة، فلما جاء عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه جمع الناس على صلاة التراويح.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ﴿ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غير رمضان عن إحدى عشرة ركعة﴾ فالأولى والأقرب للسنة صلاة إحدى عشرة ركعة، وورد في الصحيح كذلك من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس: ﴿أن الرسول ﷺ كان يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة﴾.
فكيف نوفق بين إحدى عشرة وثلاثة عشرة؟ كثير من الناس عندنا الآن على المذهب يصلون ثلاثة عشرة ركعة، وبعض المحدثين يرى أن تصلى إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك خلاف فالأمر فيه سعة والحمد لله، والمسألة وما فيها، أن أهل العلم توقفوا عند الحديث، منهم من قال: حسبت ركعة الفجر- مثل ابن القيم في زاد المعاد - من الثلاثة عشرة ركعة، وإلا فالأصل إحدى عشرة ركعة، ومنهم من قال: كان ﷺ يصلي مرة ثلاثة عشرة ركعة ومرة إحدى عشرة ركعة فهذه السنة فمن صلى هذا لا بأس به، ومن صلى هذا لا بأس به، والأقرب إحدى عشرة ركعة، ومن زاد على ذلك فصلى إحدى وعشرين ركعة فجاز ثلاث وعشرين، وست وثلاثين إنما وله أن يصلي ولو صلى مائة وواحدة ركعة لجاز والأمر فيه سعة ونافلة ﴿وصلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الليل؛ فأوتر بواحدة﴾.
إذاً: فالأمر فيه سعة والحمد لله، وهذه صلاة التراويح التي هي سنة من السنن وينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في جماعة، وإذا رأى أن الأفضل في حقه أن يوتر في آخر الليل ويستطيع فليرجئ الوتر إلى آخر الليل، ويصلي التراويح مع الناس، وإذا خاف فليوتر من أول الليل مع الجماعة، لكن إذا أوتر مع الجماعة ثم استيقظ في آخر الليل في السحور هل له أن يصلي أم لا؟ هو بين حالتين: إما أن يصلي شفعاً شفعاً ركعتين أربعاً ستاً ويكتفي بما صلى في أول الليل من الوتر، وإما أن يصلي ركعة توتر له ما تقدم ثم يصلي شفعاً ثم يوتر، وهذا وارد لكن الأول أحسن وهو أن يكتفي بالوتر الأول ولا وتران في ليلة ويصلي شفعاً ولا يعيد الوتر مرة ثانية.
والأمور التعبدية في رمضان أعظمها قراءة القرآن، فإني أوصي نفسي وإياكم بكثرة قراءة القرآن وأن يأخذ أحدكم مصحفه ويعاشره في هذا الشهر، ويسامره، ويجالسه، ويآنسه، ويختم ختمات كثيرة بتدبر عل الله أن يرفع درجته في عليين، فإنه لن يقرأ الحرف إلا بعشر حسنات إلى أضعاف كثيرة عند الله ﵎.
وكذلك أوصي نفسي وإياكم بكثرة الصدقة في هذا الشهر، أن يبذل أحدكم ويكون له شيء من مال ينفقه ويتصدق به، ويحرص على تفطير الصوام؛ فإن من فطر صائماً؛ فله من الأجر مثل أجر الصائم دون أن ينقص من أجر الصائم شيئاً، والتفطير يحصل بأدنى شيء، بشربة ماء أو بتمرة، فهذا يسمى تفطير، يعني ما يقتضي أن تفطره تمراً، ثم شربة، ثم تدعوه إلى كبسة، ثم تقهويه ثم تشهيه، لا، فيحصل بشربة من ماء إذا ما وجد شيئاً وعلم الله أنك ما وجدت إلا الماء، فأما أن يكون في بيتك ما لذ وطاب وتأتي بالماء تباشر على الناس في المسجد وتقول: أفطرهم فهذا يكتب لك أجر إن شاء الله لكن ليس بتفطير ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فليعلم ذلك.
ومنها بارك الله فيكم الذكر: فإني أدعوكم لكثرة الذكر في رمضان من الاستغفار، والتسبيح، والتهليل، وكثرة الصلاة والسلام على الرسول ﷺ ، ومراجعة حساب السيئات في الأشهر الماضية؛ عل الله أن يكفرها في هذا الشهر، والتبتل إليه ، ومن أعظم ما يوصى به اجتناب الغيبة، والنميمة، والشتم؛ لأنها حرام في غير رمضان، وفي رمضان أشد وأنكى وأدهى، حتى قال ابن حزم في المحلى: إن شهادة الزور والغيبة والنميمة تفطر الصائم وعليه القضاء فإن هذه أمور محرمة وهي أشد تحريماً في رمضان، وليتق الله وليحفظ لسانه وليستبدل مكان الخبيث من القول بالطيب، فإن الذي يصعد إليه الطيب من القول أو الطيب من الكلمة : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] قيل: العمل الصالح يرفعه أي: يرفع الكلم الطيب، الضمير يعود إلى الكلم الطيب أي: إليه يصعد الكلم الطيب يعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هو الكلم الطيب، والدعوة إلى الله كلم طيب، وقال الله وقال رسوله ﷺ كلم طيب يرفعه العمل الصالح، إذا صاحب عملاً صالحاً رفعه هذا، وقيل: يرفعه يعود الضمير إلى الله ، أي أن الله يرفع الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إليه ، وكلا الوجهين فيه وجاهة، ومن جمع بينهما فقد أحسن وأصاب، إذا علم هذا فإن هذا أحسن ما يوصى به.
وأوصيكم في رمضان كذلك بالاهتمام بصلاة الجماعة، فإن كثيراً من الناس يخلون بها، فصلاة الجماعة من أهم ما يوصى به جماعة المسلمين وحضورها من أول الوقت لتصلي عليك الملائكة في مجلسك.
وأوصيكم بكثرة الاستغفار، وترك المعاصي ما ظهر منها وما بطن كاستماع اللغو واللهو والغناء الماجن الرخيص، ومطالعة الصور الخليعة التي تغري بالقلب، وتشتت الفكر، وتدعو إلى الفاحشة وتسهل الزنا، نعوذ بالله من ذلك، فأدعو نفسي وإخواني إلى التوبة النصوح ظاهراً وباطناً ليقبل الله منا صيامنا، إنه على ذلك قدير.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2570
الأسئلة
هنا بعض الأسئلة حول الصيام، نجيب عليها إن شاء الله.
стр. 2571
اختلاف الغروب
السؤال
تغرب الشمس في المناطق الجبلية قبل المناطق الساحلية فما الحكم؟
الجواب
لكل بلد غروب، والذي يلزم أهل البلد أنه إذا غربت الشمس عندهم وأقبل الليل وأدبر النهار؛ فعليهم أن يفطروا، وما عليهم أن يبحثوا في المناطق الأخر، لا نقول لمن كان في المناطق الجبلية: اصعد إلى رأس الجبل، وانظر هل ترى الشمس هناك هل غربت أو لا؟ فلسنا مأمورين به، بل إذا غربت لدينا نكتفي، أما أن يذهب بسيارة أو يصعد؛ فإنه قد يجد الشمس في المناطق الساحلية أو في السهلية، لا إذا غربت الشمس فقد أفطر فإنها مثلاً تغرب في الرياض قبلنا بما يقارب ثلث ساعة أو في غيره من المدن ففطرهم لهم وفطرنا لنا، لاختلاف غروب الشمس هنا وهناك، فلكل بلد غروبه وطلوعه ومطالعه.
стр. 2572
التخلف عن صلاة التراويح
السؤال
ما حكم من لم يصل التراويح مع الجماعة ويقول: ليس علي ذنب بتركها؟
الجواب
أقول قد لا تكون واجبة، وقد لا يكون عليك ذنب، لكن ألا ترى من شعائر الإسلام أن تقف مع إخوانك المسلمين، وأن تعرف أنك كلما سجدت لله سجدة رفعك بها درجة عنده، وأن تعرف أنك تعين نفسك، أو تعين أهل الخير على نفسك في دخول الجنة، فإن الرسول ﷺ لما قال له رجل: أريد مرافقتك في الجنة فقال: ﴿أعني على نفسك بكثرة السجود﴾.
ألا تجد أنك تستمع آيات الله البينات، وأن الله قد يأتي في ليلة من الليالي والمسجد مليء بالمصلين، وأنت من ضمنهم، وقد أسرفت على نفسك في الخطايا والذنوب، أو ارتكبت معاصي كبرى، أو أتيت بفاحشة، فقال الله لملائكته: ﴿أشهدكم أني غفرت لمن في هذا المسجد فتقول الملائكة: معهم فلان بن فلان فعل كذا وفعل كذا فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ ولذلك ندعو في التراويح: وهب المسيئين منا للمحسنين، فقد تكون مسيئاً فيجعلك الله مع المحسنين ويدخلك الله في رحمته.
ألا ترى أنها قوة للإسلام أن تحضر، وانظر لنفسك، فإن كثيراً من الناس مستعد يبقى في الحفلة السامرة العاهرة الماجنة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، تراه يرقص، ويتمايل، ويضرب بأرجله، ويلعلع بصوته، حتى يصحر صوته ويتغير، ثم يرمي بنفسه على الفراش مع صلاة الفجر، لكن نقول: صلِّ التراويح قال: الدين يسر والله غفور رحيم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ما أحسنك في الأدلة! فقيه عند الحلال، ولكن عند الحرام ما تعرف في الفقه شيئاً، ولذلك يقول ابن مسعود: [[فقهاء لم يعملوا]] يقول: موجود عندهم الفقه لكن ما هناك عمل، فإذا أتى العرضة، والحفلات، واستماع الغناء، والزير، وضرب الزلفة، وما في حكمها، نسي هذه الأدلة جميعاً، ونسي شديد العقاب، ونسي الوقت وقيمته ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ونسي نعمة البصر، والسمع، والقلب، فكيف يصعب عليه أن يقف ساعة مع المسلمين ويشعر بالخمود والهمود في جسمه، لأن القلوب ما عاشت مع لا إله إلا الله وما تحركت بالإيمان.
وليست المسألة مسألة أجسام، تجد الرجل النحيف ورأيناهم وهم شيوخ في الستين والسبعين والثمانين يقفون بالعصي في التراويح والقيام وترونهم في الحرم، وتجد الشاب المتين الطويل العريض ما يتمنى على الله أن يسلم من صلاة العشاء ثم يركب سيارته، لأن قلب ذاك حي، وجسمه هامد، وجسم هذا حي وقلبه هامد، والمسألة إلى القلب ﴿إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾ فأنا أدعوك إلى صلاة التراويح، ومكاتفة المسلمين، وإعلان التضامن معهم في هذه الشعائر التعبدية.
стр. 2573
ختم القرآن في التراويح
السؤال
ما حكم ختم القرآن في التراويح؟
الجواب
ختم القرآن ما علمت فيه حديثاً، وما علمت أنه لا بد للأمة أن يختموا القرآن في رمضان، لكن استنبطوا من مثل حديث ابن عباس في الصحيحين: ﴿أن الرسول ﷺ كان يلقاه جبريل فيدارسه القرآن﴾ ولكن ما قال فيه يختم عليه القرآن ورد في حديث آخر: ﴿يعرض عليه القرآن عرضاً﴾ وعرض عليه القرآن قبل أن يموت مرتين ﵊، فإذا كان الناس يستطيعون أن يسمعوا القرآن جميعه، فالأفيد أن يسمعوه جميعاً، ولكن إذا كان الإمام حسن الصوت، طيب النغمة، وباستطاعته أن يقرأ الآيات ويتدبرها الناس؛ فيكفي من القرآن ما يسر الله ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] لو لم يقرأ إلا خمسة أجزاء أو ستة أجزاء، والمسألة ليست بالهذرمة والهد، حتى أصبحت طقوس وعادات، ويأتي إمام يلقى إماماً آخر بعد صلاة التراويح يقول: أين وصلتم الليلة في التراويح؟ قال: وصلنا إلى آية كذا وكذا قال: أبشرك نحن زدنا عليكم بعشرين آية، وإذا ختم اتصل به في التلفون قال: ختمنا الليلة وأنتم يبقى عليكم ثلاث ليالي، ليست مباراة، ولا مسابقة، إنما مسألة خشية، واتصال وفهم، وربما الإنسان يقرأ الختمة في رمضان مرة واحدة، لكن يتعقل، ويتدبر، وبعضهم يقرأ عشر ختمات وعشرين ختمة ولكن لا عقل ولا تدبر ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل أكثر عملاً.
стр. 2574
أكل العلك في نهار رمضان
السؤال
ما حكم أكل العلك من اللبان وغيره؟
الجواب
أما لغير الصائم فيجوز أن تأكل العلك بالإجماع، وأما الصائم لا يجوز له أن يأكل العلك؛ لأنه يدخل في مسمى الطعام، ولأنه قد يتفتت منه شيء، ولأنه يسلي الصائم، وقد يقوم مقام كثير من الأكل، وبعض الناس قد يتسلى بالعلك وهو جائع، فلا يجوز للصائم.
стр. 2575
ترك الصلاة
السؤال
كنت أترك الصلاة عمداً ولا أحصيها فما الحيلة؟
الجواب
يوم كنت تترك الصلاة عمداً كانت تلك الحالة -نسأل الله العافية- حالة ردة عن الإسلام، وابن تيمية يرى أن من ترك فرضاً واحداً عامداً فقد كفر في تلك الفترة، وعند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة: ﴿من ترك صلاة واحدة عامداً متعمداً فقد كفر﴾ فتركك في تلك الفترة ردة عن الإسلام، وعليك أن تتوب، ولا أعلم أنك تقضي الصلاة على الأقوال الصحيحة بل عليك أن تستغفر، وتتوب، وتصلح، وتكثر من النوافل، أما إعادة الصلاة فلا أعرف في ذلك أصل، ولو أنه قاله بعض أهل العلم، لكن الذي يظهر إن شاء الله والأقرب أنه ليس عليك إعادة، بل تكثر من النوافل وتتوب، وتستغفر؛ لأنك دخلت الآن.
стр. 2576
الإكثار من الضحك والأكل والنوم في شهر رمضان
السؤال
ما رأيك في كثرة الضحك والأكل والنوم وفي شهر رمضان؟
الجواب
هي مذموة في رمضان وفي غير رمضان وبعض الناس كما يقول الغزالي: إنهم يصومون النهار، ثم يحتسبون الوجبات التي صاموا عنها فيأكلونها في الليل، فيقول: ذهب سر الصيام، وبعضهم إذا قدم له الإفطار تذكر أنه ما أفطر الصباح، ولا تغدى، ولا تعشى فأنتصف من ظهر هذا الطعام حتى يقول يكفر، وبعضهم يأتي إلى التراويح وهو يسحب سحباً حتى يصلي العشاء وبعضهم ربما يصلي التراويح وهو جالس، فالمقصود على الإنسان أن يخفف قبل صلاة العشاء فإذا صلى التراويح، فله أن يأكل ويتعشى ولا بأس بذلك، وإن أكثر من الأكل فحسن حتى يستعين به على طاعة الله، وتلك نعمة الله إذا أوزعها العبد شكرها.
стр. 2577
الأكل والشرب وقت أذان الفجر
السؤال
إذا أكل الإنسان أو شرب والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر فما الحكم؟
الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل: إن رفعت الإناء مثلاً لتشرب فلا تضعه من يدك حتى وأنت تسمع المؤذن حتى تشرب، وإذا رفعت اللقمة وأصبحت في يدك فلا تضعها حتى تأكلها، أما إذا سمعت المؤذن فلا ترفع من جديد، لأن لهذا الحدث حديث عند أبي داود وعند الحاكم بلفظ يشبه: ﴿إذا سمعتم المؤذن وأحدكم إناؤه في يده فلا يضعه حتى يقضي نهمته﴾ أو كما قال ﷺ ، والحديث في سنن أبي داود وصححه الحاكم في المستدرك فهذا هو تفصيل المسألة إن شاء الله.
стр. 2578
ملازمة الإمام في التراويح
السؤال
هل ثبت أن الرسول ﷺ يقول: ﴿من قام الإمام في التراويح حتى ينصرف فكأنما قام الليل؟﴾
الجواب
صدق من قال هذا وهو حديث ثابت من حديث أبي ذر: ﴿من قام مع الإمام حتى ينصرف فكأنما قام الليل كله﴾ أو كما قال ﷺ .
стр. 2579
الصلاة بين السواري
السؤال
ماحكم الصلاة بين السواري؟
الجواب
سبق التنبيه أنها مكروهة، وأن الأولى عدم الصلاة بين السواري إلا من شدة زحام للضرورة، وأنا أدعوكم إلى ترك السواري فارغة، لأنها ربما تخللها بعض الفراغ ولا يكمل الصف بين السواري.
стр. 2580
حكم سماع الأغاني ومشاهدة التمثيليات
السؤال
ما تقول فيمن يستمع الغناء ويشاهد التماثيل في الإذاعة وغيرها ثم يقول: لأنها لو سمح بها تذاع لما كان فيها منكر؟
الجواب
أقول: ليس كل ما يعرض دليل على أنه حلال أو حرام، بل الحرام ما حرمه الله ، والحلال ما حلله الله ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] فالغناء والموسيقى وآلات اللهو حرام، وما ثبت في الحديث الصحيح، وأدلة التشريع من الكتاب والسنة والإجماع، وليس فيها دليل أن فعل هذا حلال ولكن الحلال ما حلله الله والحرام ما حرمه الله ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦].
стр. 2581
سماع القرآن من شريط
السؤال
هل سماع القرآن بالمسجل يعد بمثابة القراءة؟
الجواب
القراءة أفضل من سماع القراءة، فقراءتك أنت للقرآن أفضل من أن تستمع من الآخر، إلا في بعض السور؛ إذا خشع قلبك أكثر، فأفضل في حقك أن تستمع، بعض الناس إذا أخذ المصحف نعس وما تدبر وما رق قلبه، لكن إذا سمع القراءة من الذي بجنبه كان له أرق وأحسن، فهو أفضل أن يستمع، واستماعك من المسجل كاستماعك من القارئ الجالس وأنت مأجور على ذلك ويثيبك الله، وربما فتح الله عليك بسماع آية في شريط تستمعها، أو بكلمة، أو بمقالة، أو بموعظة والله الفتاح العليم، فأدعوك إلى الإكثار من سماع الخير من قرآن وغيره، وتحرم على أذنيك سماع الباطل ليجعلك الله من المقبولين عنده.
وفي الختام أتوجه إلى الله أن يجعلني وإياكم ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتساباً، وأن يجعلنا من المقبولين، ومن العتقاء في هذا الشهر، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير ورشد ربنا وربك الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2582
معالم شخصيته ﵊
إن كل أمة لا بد أن تدرس سيرة عظمائها وقوادها ليكونوا نبراساً لهم أمام أعينهم، فيقتدون بهم وإن محمداً ﷺ هو قدوة المسلمين وقائدهم، وما من عظيم من عظماء البشر إلا ويتضاءل أمام عظمة محمد ﵊.
وفي هذا الدرس قطوف من حياته ﷺ ، يتبين للناظر فيها ما في حياته من السمو والرفعة، جنباً لجنب مع الوسطية والاعتدال، ولا جرم فقد كان ﷺ معداً إعداداً خاصاً ليقود البشر -وهم بشر- ويسمو بهم دون أن يتعدوا طبيعتهم البشرية.
стр. 2583
حب النبي ﷺ وتعظيمه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بَعْد:
كما سلف في درسين من دروس التربية النبوية التي تتحدث عن جوانب شخصيته ﵊، وآثرت هذا الموضوع؛ لأن الحديث في الأحكام يطول، وقد أوعبت الأمة في هذا الجانب إيعاباً عظيماً، ولكن مما يلمح -خاصة في هذه العودة إلى الله أن جانب الآداب وجانب التربية لا زال يحتاج إلى أمور وإلى نقولات كثيرة واستنباطات من سيرته ﵊، وهذا الدرس بعنوان: معالم شخصيته ﵊، وكما ذكرت لكم في الدرس الماضي إننا لا نتحدث عن الرسول ﵊ حديثاً مجرداً عن العاطفة، أو مجرداً عن الحب، إن هذا التجرد التاريخي الذي يطالبنا به بعض الكتبة إذا تحدث عن الرسول ﵊ فهو باطل، صحيح أننا نتجرد إذا كتبنا عن إنسان غير الرسول ﵊، أما إذا كتبنا عنه ﷺ ، فمن الذي يجردنا عن حبنا وعاطفتنا؟ ومن الذي يجردنا من اتباعه ﷺ ؟ إن من يكتب أو يتكلم عنه إنما هو تلميذ يتحدث عن شيخ درس عليه وتعلم منه، أو جندي عن قائد، فكان لزاماً علينا أن نعيش هذه الروح روح الإيمان.
стр. 2584
النبي ﷺ بشر ولكنه معصوم
المسألة الثانية: أن الرسول ﵊ بشر ولكنه معصوم، فالله عصمه، وهذا عند أهل السنة هو القول المقدم، ولا عبرة بقول المعتزلة في ذلك، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].
عصمه في التبليغ لأنه لا يزال ﵊ بشر، لكي لا تدعى ألوهيته، يسقط ﷺ من على الفرس كما في صحيح البخاري فيدحش شقه، ويجرح ﷺ ، ويقول أهل العلم: ليثبت الله أنه عبد ضعيف ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
يأتيه الأعراب فيتوهمون أن له منزله فوق البشر، فيقول أحدهم: كما صح ذلك ﴿يا رسول الله! قحطت البلاد، فادع الله، فإنا نستشفع بك إلى الله ونستشفع بالله إليك، فيغضب ﵊، ويقول: سبحان الله أتدري ما شأن الله؟ إن شأن الله أعظم من أن يستشفع به إلى أحد من خلقه﴾ أو كما قال ﵊، ويقول آخر: ﴿ما شاء الله وشئت، فغضب ﵊، وقال: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده﴾.
وكان أكبر اعتراض الكفار لماذا كان بشراً؟ لماذا يأكل الطعام؟ لماذا يمشي في الأسواق ويكسب الرزق؟ فقال الله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] والله يبين أنه لا بد أن يكون بشراً ولو كان ملكاً ما استطاع، لأن البشر يعيش حياة الناس وآلامهم.
стр. 2585
من معالم شخصيته ﷺ
стр. 2586
كمال النبي ﷺ البشري
المسألة الثالثة: أن الرسول ﷺ مرت به أطوار الحياة، ولا بد أن تتنبه إلى هذه القاعدة التربوية، وقد أشار إليها أبو الحسن الندوي، لكن السلف يعبرون عنها بالأبواب، وهؤلاء المتأخرون يعبرون عنها بالأطوار.
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
فقد مرت به الأطوار ﵊، فراعي الغنم له قدوة بمحمد ﵊، فقد رعى الغنم، وصح عنه أنه قال: ﴿ما من نبي إلا رعى الغنم﴾ والتاجر له قدوة فيه ﷺ إذا اشتغل في التجارة، والجندي والإداري والقائد والمفتي والخطيب والواعظ، حتى الزواج، لعلك تفجع بشاب يرى من النسك ترك الزواج، وهذا نسك هندوكي، وليس نسكاً إسلامياً فقد وجد الرسول ﷺ شباباً من شباب أمته المباركة، أحدهم لا يأكل اللحم، ومن يقدم البطاطس على اللحم فلن يجد دليلاً من الكتاب والسنة، والثاني يرى ألا يتزوج، وهذا يرى أن ترك اللذائذ دائماً قاعدة مطردة مقربة إلى الله، والثالث: يقوم الليل ولا ينام، فالرسول ﷺ أخبر بمنهج رباني اختص به؛ لأن الناس في هذه الأبواب -في أبواب المباحات- ثلاثة أصناف: فاليهود ومن سار في منهجهم، هم أهل عبادة للشهوات، لا يعرف الواحد منهم إلا فرجه وبطنه، والنصراني قاتل للإرادات، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] فأتى ﵊ فتوسط بين الجانبين، وأعطى الروح حقها من العبادة والتبتل، وأعطى الجسم حقه من المباح، فهو وسط بين هذه الطريقة وتلك: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فرفض ﵊ هذا المنهج، وأخبرهم أنه يصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء ويأكل اللحم، فمن رغب عن سنته فليس منه ﵊، والرسول ﵊ تزوج.
وقد ورد أن الإمام أحمد سأل شاباً، هل تزوجت؟
قال: لا.
قال: ولم؟ قال: إبراهيم بن أدهم لم يتزوج، هذا الجواب ينبئ أن الطالب ما فهم الدرس، ولا عنده وعي كامل بالكتاب والسنة، فقال الإمام أحمد: أوه -وهذه الكلمة يقال بها للزجر- ويقول العرب: أوه سقطت من يديه، أوه خررت على وجهك، فقال الإمام أحمد: أوه، وقعنا في بنيات الطريق، رجعنا إلى إبراهيم وإلى فلان وعلان، ومالك بن دينار، يقول الله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
فالرسول ﵊ تزوج النساء، ولو لم يتزوج لما كان للمتزوجين به قدوة وإنما للعزاب فقط، لكنه عاش عزباً وعاش متزوجاً، وجاهد وعبد الله، وقام الليل ونام، وأكل اللحم وتقشف، وتقدم في المعركة، وسالم يوم رأى السلم هو الحل السليم مع الأعداء، إذاً فأطوار الحياة في حياته تكاملية، وغيره لا تجده يعيش مثلما عاش ﷺ في هذه الجوانب.
فإنه يحمل الأطفال -كما مر معنا- ويحضر الجنائز، ويبكي وقت سكرات الموت إذا رأى المسلم، بكى كما في حديث زينب وغيرها كثير، ويحضر الأفراح ويتبسم، ويجيد الفكاهة في وقار، وينفق المال، ويجود بنفسه في المعركة، وهذه هي معالم تربيته ﷺ ، أما الأحكام فهي تحتاج إلى كلام طويل وهي جزئيات لا تنتهي، لكن التربية لها معانٍ منها أن تحصر في دروس.
من معالم شخصيته ﷺ : العبادة، التواضع، الكرم، الصبر، الحلم، الشجاعة، الزهد، وأنا لا أسرد قصصاً فإن القصص ستطول، لكن آتي -إن شاء الله- بضوابط على هذه الأمور لتميز بين تربيته ﷺ وتربية غيره، ولذلك تجده كاملاً في هذه الأبواب، فأصحابه الذين معه ﵊ كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لا يكتملون في بعض الجوانب، وأما هو فمكتمل، خذ مثلاً: اللين، تجد عمر ﵁ وأرضاه يوصف في السيرة بالشدة، ويوصف أبو بكر بالحدة، لكن محمداً ﵊ يجمع هذه الكماليات جميعاً لأن الذي ثبته هو الله -وقد أعجبتني كلمة لـ سيد قطب ﵀، وما أدري هل قالها في سورة التحريم أو في سورة الطلاق في الظلال، يقول: إن النبي ﷺ مهيأ لقيادة البشرية، حتى جسم النبي ﷺ مهيأ، فالناس والزعماء يقولون: إن من مواهبهم الجسمانية أن يكونوا أقوياء، وهو كان من أقوى الناس في هذا الجانب، يقولون: أوتي قوة ثلاثين ﷺ ، وهل هذا عند العلماء في الجماع أو في الشجاعة، أو في غيرها؟ ورد ذلك في الجماع والظاهر أنه كان قوي الجسم ومهيأ، يقول أنصاري من الأنصار: [[عرضت لنا صخرة في الخندق، فحاولناها ونحن جمع من الناس نحفر الخندق فما استطعنا لها، فرآهم ﷺ فاقترب من الصخرة قال: فكأني أرى بياض ساعديه يوم كشف ﷺ ساعديه -وهو يعيش على شربة اللبن، وحفنة التمر، ولم يعرف ما عرفنا من المأكولات، وعاش في صحراء بني سعد- قال: فأخذ الصخرة بيديه ثم ألقاها]].
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها
فهو ﷺ يتميز بجانب القوة، وهذا استطراد جسماني، وكذلك هو متناسق الأعضاء، من يرى إلى وصفه، لا يرى أنه تربى في جزيرة العرب وفي مكة مع الشمس القاحلة والجدابة والفقر، ومع ذلك كان وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، من أجمل الناس على الإطلاق، وكان فيه بياض الله أعلم به، بل قال بعضهم: كأن الشمس تجري في وجهه، وقال بعضهم: كأن الثريا علقت في جبينه، وسئل بعضهم -وهو البراء هل كان وجهه ﷺ مثل السيف؟
قال: لا.
بل مثل القمر، وصح عن أنس قال: [[والذي نفسي بيده، لقد نظرت للقمر ليلة أربعة عشر ولوجهه ﷺ ، فكان وجهه أجمل من القمر ليلة أربعة عشر]] فأوتي ﷺ تأهيلاً من الله حتى في جسمه، يقول شوقي:
والحسن من كرم الوجوه وخيره ما أوتي القُوَّاد والزعماء
فإن بعض الناس قد يقال في ترجمته قصير قميء، أو طويل باهت، أو كانت له يد واحدة مثل عضد الدولة كانت عنده يد واحدة وهو سلطان الدنيا، ولذلك كلما ترجموا له أتوا بهذه القضية، وهذه لا تزيد العبد أو تنقصه في الآخرة، لكن الرسول ﵊ أعطاه الله الكمال في كل شيء حتى الجسماني، ولما اعترض اليهود على ملك طالوت، وأخبر نبيهم ﵇ أن الله زاده بسطة في العلم والجسم.
стр. 2587
التوسط في اللباس
وللرسول ﷺ ميزات تدرك في السيرة بالتأمل، منها: الأناقة، وقد أشار إليها سعيد حوى في كتاب الرسول ﷺ وأجاد في ذلك، وقد ذكرت أنه قارن بينه وبين نابليون وهذا خطأ، فالرسول ﷺ شيء آخر، ولا يقارن بينه وبين أحد، حتى بينه وبين أصحابه، لا يجوز أن تأتي إلى صحابي وتقارن بينه وبين الرسول ﵊، لكن من الميزات التي أشار إليها:
الأناقة: فقد كان أنيقاً في ملبسه ﷺ ، وكان جميلاً، وهذا درس تربوي، فإن بعض الناس قد يظن أن التبذل دائماً وأن الدروشة دليل على الزهد في الدنيا، وهذا لا يلزم؛ لأن بعض الناس يلبس الرخيص ولكن قلبه قلب قارون أو هامان، وإن بعض الناس قد يتدروش لكن في نفسه عزة وجبروتاً، وقالوا في ترجمة
أيوب بن أبي تميمة السختياني: كان يلبس الجميل، وكان يقال له في ذلك، قال: كانت الشهرة فيما مضى في لبس الجميل، واليوم أصبح في لبس التقشف أو كما قال، أيوب هذا الولي الكبير المحدث شيخ حماد بن زيد، الذي يقول فيه الإمام مالك: ما ظننت أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة السختياني يبكي في مسجد الرسول ﵊ حتى كادت أضلاعه تختلف، وهو سيد شباب أهل البصرة، وهو راوية في الصحيحين.
فالمقصود أن التبذل والتقشف قد تكون طريقاً للشهرة من حيث لا يدري الإنسان، وقد وجد من الناس من يلبس الرخيص المقطع وكأنه يقول للناس: أنا الزاهد، أنا العابد انظروا إلي، وعند ابن ماجة، أن الرسول ﷺ ذم لباس الشهرتين، والحديث في سنده نظر، والشهرتان عند أهل العلم: أن يلبس الغالي الذي يلحقه بالسلاطين، أو الرخيص الذي يلحقه بالشحاذين، تجد أن النووي ﵀ على زهده وتقشفه يبوب في رياض الصالحين، باب التوسط في اللباس، ولا يقتصر على ما يزري به، لماذا؟
لأنه قد تكون الأصابع تشير إلى هذا أن فيه عباده وزهداً، ولذلك لا يتميز الإنسان في العرف المباح، مثل العمامة، قد يلبسها الإنسان؛ لأنه ﷺ لبسها فيؤجر عليها؛ والنبي ﷺ جعل اللباس مطلقاً ولم يضيق على الناس فيه، فنحن لنا زي، وللمغاربة زي، وللمصريين زي، فما دام أنه في حدود الشريعة، فهو سهل وميسر وقريب، لكن لا نلبس الذهب ولا الحرير للرجال، ولا الطويل المسبل، ولا نلبس كل ما يمت إلى خرم المروءة، والمروءة تختلف بحسب المكان، فإن عندنا مثلاً في عرفنا هنا وفي مناطقنا هذا اللبس الذي نراه، فمن خوارم المروءة في العرف من يخرج إلى السوق كاشفاً رأسه.
لكن في تلك المجتمعات لو أن شاباً لبس عمامة فإنه يخاف على قلبه أن تشير إليه العيون، فكأنه يقول: أنا العبد الزاهد، أنا المتميز عن الناس انظروا إليَّ كيف لبست عمامة، وبعضهم تجده يتكيف في جلسته تكيفاً ما أتت به السنة، حتى إنه يصمت في المجلس فلا يتبسم إذا تبسم الناس، ولا يمزح ولو بمزحات سهلة مباحة إذا مزح الناس، ويظهر الخشوع، وقلبه ليس على هذا المستوى، وقد كان الإمام أحمد يتبسم إذا جلس مع أصحابه، فإذا جلس وحده خشع، وابن الجوزي أشار إلى هذه القضية في كتابه الجميل، صيد الخاطر، يقول: بعض الناس يتكلف التخشع، والصمت الكثير والقلوب تنبو عنه -تبتعد عنه- وهو صامت خاشع لكن يعلم الله أن قلبه ما طابق ظاهره، وبعض الناس يمزح ويهش ويبش، والقلوب تنهال عليه.
стр. 2588
عبادة النبي ﷺ
стр. 2589
عبادة النبي ﷺ وأصحابه تناسب أحوالهم
أبدأ بعبادته ﷺ : فمن ضوابط عبادته ﷺ التربوية، أنها كانت تناسب الأحوال، وكان يفتي بذلك، ولابد أن تكون عبادتك الحالية تناسب ذلك، وهذه فاتتنا فترى بعض الناس في هذه الصحوة المباركة لا يواكب ظرفه ولا حاله بعبادته، مثل أن تجد مهندساً تخصصه الهندسة، وبإمكانه أن ينصر الإسلام عن طريق الهندسة، فيترك تخصصه ويريد أن يكون مفتياً للناس، وهذا صاحب الشريعة منذ أن ولدته أمه وهو يقرأ أبواب الفتيا، فأتى هذا المهندس فزاحمه على الفتيا، يا فلان أنت تخصصك تخطيط معماري في كلية الهندسة، اتركنا نفتي، قال: لا.
الفتيا لها فرسان، وأنا من فرسان الفتيا، ويأتي الطبيب فيترك عيادته، ويريد أن يكون خطيباً مسقعاً من خطباء الدنيا، فيمسك المنبر ويقول: أنا أولى الناس بالخطابة، ولا يدري أن للخطابة أناساً تفرغوا لها، ونصروا الإسلام من هذا الجانب، وأنت انصر الإسلام من جانب الطب، أو تجد إنساناً يترك عمله ويأتي فيتنفل، يدخل في غرفة فيتنفل نوافل طويلة ويقرأ القرآن، فيقال له: مالك؟ يقول: قراءة القرآن أفضل من هذا العمل، لكنك أنت في عملك عابد لله ولا يعفيك خروجك للصلاة النافلة من عملك إلا في حد منضبط، فإنك تأخذ راتباً ودخلاً على هذا العمل، فلماذا تتركه؟
وكذلك لو أن رجلاً نفع الله به في جانب التدريس فيقول: لا بد أن أذهب إلى الجهاد الأفغاني، فيترك التدريس والفائدة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ذهب إلى مكان الجهاد أصبح جندياً لكنه في حال التدريس كان في مقام ألف واحد، وأنا لا أقصد التثبيط عن الجهاد الأفغاني أو غيره من جهاد المسلمين، لكن معالم يلمحها كل إنسان، لابد من إعطاء الإنسان قدره وحجمه، لأن كلاً ميسر لما خلق له.
وبعضهم يدرس إلى المستوى الخامس في الطب ثم يأتي ويبدأ من أولى في أصول الدين، فيضيع خمس سنوات، فيقال له: مالك؟ يقول: أريد أن أنصر الإسلام من هذا الطريق، أما ذلك علم لا يستنفع به!! لا.
أراد الله يوم بدأت أن تكون في هذا الجانب، ولعلك تنصر الدين في هذا الجانب، والرسول ﵊ قبل التخصصات، فما تجد صحابياً إلا وبإمكانك أن تصنفه في تخصص، أتظن أن خالد بن الوليد كان يعرف تفاصيل تقسيم الفرائض، قد يكون لا يدري، ونحن لا نتهمه بالجهل، بل هو من أذكى عباد الله ويكفيه تلك الوقفات العظيمة في الإسلام، غفر الله له ورفع الله منزلة أبي سليمان.
فإن خالداً كان مشغولاً بأعظم من الفرائض، حتى يقول بعضهم -من باب المزاح- أما خالد فيفصل الرءوس عن الأكتاف، فإذا ذبحهم قسم زيد بن ثابت الفرائض، فقسمه هو قسم العسكرية، فهو قائد عسكري، يعرف كيف يفصل الرءوس عن الأكتاف، وبهذا صنفه الرسول ﷺ ، فلم يقل لـ خالد: خالد أعظم فرضي، ولا قال: اطلبوا القرآن من خالد، ولا أعلمكم بالحلال والحرام خالد، لكنه قال على المنبر: أما خالد فسيف من سيوف الله سله على المشركين، فهذا معلم لـ خالد يعرف به بين الناس، تخصصه أن يدخل الجنة بالسيف، يدخل الجنة بما قدم لله من قربان، وبما فلق في سبيل الله من هامات.
رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
وزيد بن ثابت ماذا قال له ﷺ ؟ لم يوله قيادةً عسكرية؛ لأن مؤهلاته وتيسير الله له لم يكن عسكرياً، صحيح أنه كان يجاهد في المعركة، لكن ما كان يملك إقدام وحنكة خالد واستكشافه وصرامته، يقول ﷺ : ﴿أفرضكم زيد﴾ فكان الصحابة إذا أعضلت مسألة في المناسخات أحالوها إلى زيد بن ثابت.
وحسان بن ثابت يؤثر عنه أنه ما كان يخوض غمار المبارزة، لكن تعال إليه، يتقدم ﷺ إليه ويقدم له المنبر -في هذا درس- ويقدم إليه المنبر بيديه الشريفة ويصعد حسان على المنبر ويقول النبي ﷺ : ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾ ولذلك أما ترى شباب الصحوة ماذا يفعلون اليوم؟
أحدهم أديب يريد أن ينصر الإسلام بالقصائد وهذا مطلوب، لأنا دُخلنا في ديننا -بواسطة الحداثة المتزندقة الملحدة التي أخذت من لينين واستالين معاني لرجسها وكفرها في الساحة، فنحن بحاجة إلى طاقم من الشعراء يبيدون هذا؛ لأن أمتنا تعيش على الشعر، وتجد كتبه فغفر الله لهم وأثابهم الله.
فقد بدءوا يكتبون، وما أحسن جمال أسلوبهم وعباراتهم القوية وهم يكتبون في الصحف بإيمان؛ ليأخذوا منزلهم الطبيعي، ويقولون لغيرهم: لا مكان لكم هنا فاخرجوا من هذه الأماكن.
فكان ﷺ يؤهل أصحابه المؤهلات الخاصة بهم، فرجل الإدارة أبو بكر، وتدوين الدواوين وتجنيد الجنود عمر، والحياء والبذل عثمان، والخطابة والإقدام علي، وقد علم كل أناس مشربهم، وهذه قاعدة معروفة لا تخفى عليكم.
стр. 2590
عنايته ﷺ بجودة العبادة أكثر من كميتها
عبادته ﵊ كانت جودة أكثر من أن تكون كماً، وحسنة أكثر من أن تكون كثيرة، قال : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] وقد تطرق الإمام ابن القيم لهذه المسألة، وقال في كلام معناه، لم يقل أكثر عملاً، وضرب لهذا مثلاً برجل صلى لله ركعتين فأقبل بقلبه على الصلاة، وجاهد شيطانه في الركعتين، وحاول أن يخلص وأن يخشع، ترى أنه لا ينتهي من الركعتين إلا بكل كلفة، حتى ما يستطيع أن يزيد ركعتين أخريين، وهكذا الخاشع في الصلاة، الذي يستلهم مراقبة الله في الصلاة، ويجاهد شيطانه في الصلاة، تأتي عليه الصلاة شديدة حتى ما ينتهي إلا وهو فاتر، فقد ذكروا في ترجمة إبراهيم النخعي: أنه كان إذا صلى لله فريضة ذهب فاتكأ كالمتعب، من كثرة المجاهدة، لكن الذي لا يستحضر قلبه في الصلاة، وليس عنده خشوع ولا يطارد شيطانه فباستطاعته أن يعمل خمسين ركعة، يسلم ويقوم، ويسلم ويقوم، ويسلم ويقوم، ومثل ذلك قراءة القرآن بأنه لو ألزمت نفسك في قراءة واحدة أن تقرأ القرآن من أوله إلى آخره وتتدبر كل آية وتقف وتتأمل كل كلمة، فلن تنتهي من الختمة إلا بشق الأنفس، بل السورة الواحدة لو تأملتها وتدبرتها لطالت عليك، لكن تعال إلى الذين لا يتدبرون ولا يتأملون، يفتح أحدهم المصحف ويقرأ، حتى إن بعضهم يقرأ ستة أجزاء يوم الجمعة، إلى عشرة أجزاء قبل دخول الخطيب، لكنه في أثناء القراءة يبني عمارة، ويضارب أطفاله ويؤدبهم في البيت، ويشتري سمناً وعسلاً وهو يقرأ في المسجد، ويبيع ويفكر، حتى يطوف العالم، ولكن سُهلت عليه القراءة لأنه ما استحضر الجودة، وقد كان ﵊ أجود الناس في العبادة، وأنتم تعرفون وصفه بالخشوع ﷺ .
وفي القرن الثالث ذكروا أن بعض الصوفية كان يصلي ثمانمائة ركعة، وهذا أمر عجيب فقد كانوا يصلون النوافل حتى يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رؤي بعضهم يصلى الظهر وهو ينعس، قيل له في ذلك، قال: من كثرة ما صليت في النوافل، بقي من الصباح من طلوع الشمس إلى الظهر يصلي، فلما أتت الفريضة تعب ونعس وهو يصلي، وبعضهم يقومون الليل فإذا أصبح قبل الفجر نام عن الفريضة وهو قائم في الليل، وتجدونهم يأتون بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون أسباباً للتفاضل ما جعلها الله سبباً للتفاضل، ولا سبباً للتقدم وحده مجرداً من التقوى.
مثل البلح هذا الذي يباع في السوق، يقول أحدهم: الحمد لله، والله ما أكلت الرطب أربعين سنة، هذا ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة، ونقول له: ومن حرم عليك أكل الرطب؟ والرسول ﷺ أكل الرطب، وماذا لو أكلت الرطب وأطعت الله؟! إن الله يقول: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] ولماذا خلق الله الرطب؟ ليبقى في المتاحف أو ليرسم، أو ليحرق، لا.
بل ليؤكل، فأكله جائز بالإجماع، وتجد آخر ذكره الخطابي في كتاب العزلة، وربما مر هذا، أعطاه الله عينين فأراد هذا الرجل الذكي الأريب أن يقتصد، فأخذ لصقة ووضعها على عينه، هذه هي الهلوسة التي لا تنضبط بالكتاب والسنة، فقيل له في ذلك؟ فقال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، فتح الله عليه! إن الله يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] وأنت تقول: إسراف أن تنظر إلى الدنيا بعينين!
إن عدم الانضباط في مسألة معرفة نعم الله أو أسباب التمايز ومتى يتقدم العبد ومتى يتأخر؛ تتعب ولا تنفع؛ لأنهم ما انضبطوا مع العلم، يقولون: إذا لم تؤسس نفسك بالعلم، فأنت كالجمل الهائج في الصحراء، وما قيدوا أنفاسهم وألحاظهم بالعلم.
وانظر إلى عبادته ﵊ مثلاً، يقول ابن القيم: كان ﵊ يصلي في اليوم والليلة أربعين ركعة، لكن أولئك يصلون ثمانمائة ركعة، بل يقول الذهبي في ترجمة زين العابدين: إنه كان يصلي في الليل ألف ركعة، لكن هذه لا تدخل في العقل، فمتى يقرأ الفاتحة ويتدبر ويخشع في ألف ركعة، ولماذا؟
أما رسول الهدى ﷺ فقد كان يصلي أربعين ركعة غالباً، منها النوافل والفرائض وذلك في أربع وعشرين ساعة، لكن كل ركعة خير من الدنيا وما فيها، يقول ابن القيم: ومن طرق الباب أربعين مرة يوشك أن يفتح له، فالمسألة مسألة جودة لا مسألة كثرة، حتى تجد بعضهم يقول: ختمت القرآن في رمضان سبع مرات، وهو يشكر على ذلك، لكن هل عرفت التدبر؟ هل زاد الإيمان في قلبك مع تلاوتك؟ هل رأيت خطأً كنت ترتكبه ونبأك القرآن عليه؟ ربما يقول: لا.
فالمسألة مسألة الجودة ومسألة الحسن في العبادة، وهي معلم من معالمه ﷺ ، ومن معالمه ﷺ في جوانب العبادة: أنه كان يعطي العبادة المناسبة في الوقت المناسب، يقولون: إذا حضرت في الجبهة فجهادك قتل أعداء الله، أما أن تحضر في الجبهة وتظل تقرأ في المصحف، وتترك الجهاد وحمل السلاح فما أصبت، وإذا حضرت والناس في المسجد يصلون صلاة الجماعة، وأخذت تلقي خطبة على المصلين، فهذا هو الهوس، كان ﷺ كما قال الأول:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها
كان وقت الجهاد مجاهداً ووقت الخطابة خطيباً، ووقت الصلاة مصلياً، ووقت الإنفاق منفقاً، لأن أسهل العبادة عند الناس يقولون: ما خالف ما هم عليه.
وبعض التجار الآن لا يريدون أن تحدثهم في الإنفاق في الغالب، إنما يريدون أن تحدثهم عن قيام الليل، فأسهل شيء على التجار قيام الليل، لكن لو جاء ينفق لأتى الشيطان فقبض على يديه بأربع أيادٍ، ولذلك تراه يقول: حدثونا عن النوافل، واتركونا من المسائل الخلافية التي اختلف فيها أهل العلم، مثل الربا، وهذه الأمور، مسائل خلافية، لأن كرشه أصبح متراً بسبب الربا، وتجد طالب العلم أحياناً إذا كسل عن الدعوة يريد أن يتنفل يقول الشيطان: تنفلك في بيتك أحسن، والشيطان يعلم أنه لو خرج كل طالب علم يدعو إلى الله لانتهى الجهل في الدنيا، فيكسله عن الدعوة، ويقول الشيطان للعابد: أرى أن تدعو إلى الله، لأنه عابد جاهل ما عنده علم، قال: أرى أن تدعو إلى الله، فلذلك تجد عامياً يدعو، وتجد طالب علم قد أغلق على نفسه بثلاثة أقفال داخل البيت، حتى إن بعض الناس -ولا نتنقص من أحد- وقد بلغ في العلم منزلة عظيمة، يمنع الطلبة أن يأتوا إليه، وإذا طرق عليه طالب، قال: ماذا تريد، أي خدمة؟
خدمتنا -يا شيخ- أن تخرج لنا، خدمتنا أن تلقي علينا دروساً وفوائد، وتنهال علينا بالعلم، وأن تكون إماماً تلقي هذه الأمانة التي على كاهليك، أما أن تقطر علينا بالقطارة أو تبقى في البيت حتى يؤتى إليك ويطرق عليك الباب تستفتى، فهذه مسألة ليست بصحيحة، فيخرج حينها العامي يدعو إلى الله ، ويتكلم في القضايا الكبار حتى إن بعضهم يتكلم في أشراط الساعة وعلم الغيب بجهل، وبعض الناس الجهلة لما تكلموا في الوعظ، ما تركوا سؤالاً حتى أجابوا عليه، بعضهم يسأل هل تدور الأرض؟ قال: الأرض لا تدور، ومن قال: تدور الأرض، فهو كذاب مفترٍ على الله، والدليل على ذلك -اسمع الدليل العقلي والاستنباط-.
يقول: إنني منذ خلقني الله في المدينة التي أنا فيها ما دارت بي، هذا إشراق ولموع، وهذا فتح من الله ، وبعض الناس يورط نفسه في كل مسألة وينبغي له ألا يتدخل في مثل هذه الأمور ورحم الله امرأً ترك ما لا يعنيه.
стр. 2591
تواضع النبي ﷺ
стр. 2592
حال بعض المتكبرين
التواضع خصلة من أعظم الخصال، والعرب في الجاهلية والإسلام لا تريد المتكبر، ويقولون: من طلب الشرف فعليه بالتواضع، وأصدق من ذلك قوله الله؛ لأنه إذا جاء المثل العربي والقرآن، قلنا: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، يقول سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾ ومن الكلمات الجيدة في هذا الباب ما نقل عن أبي بكر الصديق، أنه قال لـ خالد: يا خالد! فر من الشرف يتبعك الشرف، والسادات عند العرب كانوا أكثر الناس تواضعاً، والقلوب تبغض المتكبر ولا تحبه، وتمقته وتزدريه، ويسمى في أبواب الأدباء: الأحمق، وأحمق الناس المتكبر.
من المتكبرين ما ذكر ابن الجوزي: أن أحدهم كان أميراً فأراد أن يمر على الجسر إلى خراسان، وهو جسر كان على نهر سيحون، فتوقف عند الجسر وتوقف أصحابه، وقالوا: مالك لا تمر على الجسر؟ قال: أخشى أن ينكسر الجسر من شرفي، الله أكبر، ليس من قوته ولا من حجمه ولكن من شرفه.
وأحدهم كان في الشمال وزيراً أمر الناس أن يبسطوا العمائم إذا دخل في طريقه إلى المسجد، وبعض الناس لا يفقه ولا يعقل، فأخذوا العمائم وفرشوها في الطريق، فأخذ يتبسم وينظر إلى أصحابه ويقول: لمثل هذا فليعمل العاملون، إلى غير ذلك من ألفاظ الكبر التي وردت من بعضهم حتى أبلغته في درجة الفجور والعياذ بالله.
وأحياناً قد تجد الناسك ناسكاً ولكن تجده متكبراً، لو سأله فقير أو مسكين فتراه لا يقف ولا يتحدث معه، ويرى أنك لا بد أن تزوره وهو لا يزورك، وأن الحق له دائماً، وأن عليه أن يُخاطب بلفظ يا شيخ، وسماحتكم، وفضيلتكم، فإذا قطع عن هذه الألفاظ غضب، بل روي عن بعض الناس، أنه إذا سُلِّم عليه يرخي رأسه للقبل، يعني أصبح عنده مرونة لإرخاء الرأس من كثرة تعوده، ولذلك تجد الناس لا يقبلون رأسه؛ لأنه يريد هذا ويطلبه ويجعلها من الطرق التي توصله إلى المكانة في قلوب الناس.
стр. 2593
تواضع النبي ﷺ وأصحابه
أيها الإخوة: أكثر الناس تواضعاً محمد ﵊.
جاء عند مسلم من حديث عياض بن حمار، قوله ﷺ : ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد﴾ وكانت هذه المدرسة -مدرسة التواضع- لم تعرف واضحة إلا في الإسلام، أما أهل الجاهلية فكانوا أعظم الناس كبراً وعتواً وعلواً في الأرض.
فمن كان سيجعل عمر ﵁ وأرضاه قبل الإسلام يصنع الطعام للمساكين والفقراء؟ فهل بالإمكان أن يأتي عمر ﵁ وأرضاه، ويحمل الماء للفقراء والمساكين ويطلي إبل الصدقة ويحلب الشياة؟ لا.
لكن هذبه محمد ﵊.
وأبو بكر في القصة المشهورة: [[يدخل على امرأة فيحلب شاتها، ويصنع إفطارها ويكنس كوخها ويخرج، فيأتي عمر بعد دخوله ويقول للمرأة: من هذا الذي يأتيكم؟ قالت: لا أعرفه، قال: لِمَ يأتيكم؟ قالت: يصنع لنا إفطارنا ويحلب شاتنا فيجلس عمر يبكي، ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]].
هذه منزلة في التواضع لا يعلمها إلا الله، وهذه مدرسة محمد ﷺ ومن أرادها وجدها، والتواضع يكون باللحظ وباللفظ وفي الطريق وفي المشي والكلام.
стр. 2594
صفات المتكبرين
من صيغ المتكبرين أنهم يحبون ألفاظ التفخيم مثل: نحن، وفعلت وصنعت وقلت وخرجت ودخلت، ودائماً يترجم لنفسه في المجالس، ومنها أنه بعيد عن الناس، حتى إذا سلمت عليه كأنه يتصدق عليك إذا مد إليك يده، وبعضهم لا يمد يده وإنما يعطيهم رءوس الأصابع، وبعضهم لا يرد السلام ولا يشمت العاطس، كبراً وعلواً فتراه يسقط من القلب سقوطاً عجيباً، وفي الآخرة، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يحشر المتكبرون يوم القيامة، في صورة الذر يطؤهم الناس بأقدامهم﴾ يقول ابن القيم: تجنب ثلاث كلمات: أنا، ولي، وعندي.
فأنا استخدمها الشيطان، فقال، كما حكى الله تعالى عنه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ولي استخدمها فرعون وقال، كما حكى الله عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وقارون قال كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] لكن أنا تستخدم، في مثل: أنا مقصر، مثلما يفعل ابن تيمية:
أنا الفقير إلى رب السموات أنا المسيكين في مجموع حالاتي
وعندي ذنوب وخطايا ولي تقصير ولي إساءة، إلى غير ذلك من الأحوال.
стр. 2595
التواضع يكسب قلوب الناس
التواضع -أيها الإخوة- نكسب به شيئاً عظيماً، وهو قلوب الناس، لا نكسب قلوب الناس إلا باللين والتواضع كيف نصل إلى الناس ونحن لا نتواضع، ولعلك تجد ناسكاً وعابداً ومصلياً، لكنه متكبر، ولذلك يخفق في دعوته كثيراً، وإذا وصف الناس الرجل بالكبر فلا تقبل منه القلوب شيئاً.
следующие страницы →