Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
شروط العمل الصالح
لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، والعمل الصالح لا بد فيه من شرطين اثنين:
١ - أن يكون صاحبه مخلصاً قاصداً بعمله وجه الله يقول تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ويقول: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ويقول : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] , وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وعند مسلم: ﴿من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾.
٢ - الشرط الثاني: أن يكون على سنة النبي ﷺ , فهو الإمام العظيم الذي لا يجوز للأمة أن تخالف نهجه, وحرام عليها أن تأخذ إماماً غيره, أو شيخاً في الطريق سواه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
قال ﵊ في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا دخل النار﴾ فيجب اتباع سنته ﵊ وهديه:
فهو يصلي ويقول: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾.
ويحج ويقول: ﴿خذوا عني مناسككم﴾.
فأنت تقلم أظفارك وهو معك بسنته, وتقص شاربك وهو معك بسنته, في حياتك وليلك ونهارك وهو يتابعك بسنته, لكن متى؟
إذا رضيته إماماً: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] وعمل الصالحات دأب عباد الله الصالحين, ولا ينزل العبد في درجات الجنة إلا بالعمل الصالح, وهنا مسألة -يا أيها الأحباب- بحثها ابن القيم ﵀ وغيره من العلماء, وهي الجمع بين قوله ﵊ ﴿لا يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا إن يتغمدني الله برحمته﴾ وظاهر الحديث أنه لا يدخل داخلٌ جنة الله إلا برحمته مهما كان عند هذا العامل من العمل.
إذاً: فالعمل ليس له دخل في دخول الجنة, ولا يدخل الناس الجنة بسبب أعمالهم، فهذا ظاهر الحديث.
وقال : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وظاهر الآية أن الجنة يرثها عباد الله بأعمالهم, فكيف نجمع بين الحديث الذي يقول: ﴿لا يدخل الجنة أحد بعمله﴾ وبين الآية التي تقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]؟
الجواب أن يقال: أما دخول الجنة فبرحمة الله أرحم الراحمين, وأما نزول المنازل داخل الجنة وتبوّء الدرجات فبالأعمال، هذا هو الصحيح, الدخول أولاً برحمة أرحم الراحمين, أما التنزل في الدرجات وأخذ المنازل وتبوء المقاعد إنما يكون بالأعمال الصالحة وهذا هو الصحيح إن شاء الله الذي لا يعدل عنه إلى غيره.
стр. 3362
تفسير قوله تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)
من ميزة هذه الأمة أنها تتواصى, وأنها لا تدفن الأخطاء وتقول: كل شيء على ما يرام, ولا تجامل, ولا تحابي في دين الله.
إذا رأينا الخطأ مثل الجبل وقلنا: كل شيء جيد وحسن؛ فإن هذا يعتبر خيانة, وعند ابن حبان عن أبي ذر قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ أن أقول الحق وإن كان مراً﴾ فالحق مر وأحياناً يذهب الرءوس, ويزهق النفوس, ويسيل الدماء لأنه مر.
يقول أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري شيخ الإسلام الهروي: قدمت رأسي للسيف خمس مرات, كانوا يضعون السيف تحت أذني من أجل ألا أهاجم أو أسب المذاهب الأخرى فما رجعت.
وذلك لأنه يريد أن يقول الحق.
فقل الحق ولو كان مراً، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية مصفداً في الحديد في قلعة دمشق والإسكندرية , وفي كل مكان لأنه يقول الحق, أما الذي لا يقول الحق فإنه لا يؤذى.
فقول الحق والتواصي به صعب, ولا بد أن يقال ولكن بلين.
ومن صفات هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهو من التواصي, وعند البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ﴿بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وشرط عليّ والنصح لكل مسلم﴾ وعند مسلم: ﴿الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾.
والتواصي ألاَّ نسكت على الأخطاء, لأن الشر يعم والخير يخص: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦].
فسُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: فهلاّ كان منكم عصابة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟
ويقول لوط لقومه: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] , ويقول : ﴿وأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥] فما نجى الله إلا من أمر ونهى, وقد وصف ﵊ من يأمر وينهى الأمة بالسفينة التي لو ترك فيها الأشرار لخرقوها، وكذلك سفينة الأمة إذا تركت للسفهاء والأنذال والمحرومين والمخذولين خرقوا شرع محمد ﷺ وتحطمت وخسرنا هذا الدين بسبب أننا سكتنا.
والساكت عن الحق شيطان أخرس, والناطق بالباطل شيطان ناطق, والناطق بالحق على لسانه ملك يؤيده, وهؤلاء أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] وهو البلاغ الذي قال عنه ﵊ كما عند أبي داود: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ , وقال: ﴿نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع﴾.
وأكثر الناس الآن محبوسون في الشعير, هذه الأكياس التي تباع للغنم وتوزع في السيارات فيتضاربون عليها، فأكثرهم الآن محبوس في كيس شعير, أو قطعة أرض, أو في غنم أو تيوس, أو محبوس من أجل عادة أو طريق بينه وبين جاره, وهذه التضحيات وعالم الضحيات من أجل البطون والقدور, وهم شهداء الشعير الذين إذا ماتوا شهدت لهم أكياس الشعير يوم العرض الأكبر, بأنهم قدموا منهجهم من أجل أكياس الشعير, وصدق فيهم محمد إقبال إذ يقول:
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ولذلك بعض الناس الآن تعال وخذ متراً من أرضه, والله لا تستطيع، ويسيل دمك في الأرض, ويقاتلك بمسدسه الأسباني رقم تسعة، لأن الأرض أرضه.
فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
لكن يُستهزئ بالدين, يقول: للدين رب يحميه, مثل عبد المطلب أتى أبرهة ليحطم الكعبة فقال: رد لي إبلي أما البيت فله رب يحميه, فإبلي لي وأنا رب الإبل.
فالناس يقولون الشعير شعيرنا, والدين لربنا, والمساجد لله، والذي يستهزئ بالرسول ﷺ كل يلقى عمله عند الله, والذي يستهزئ بالقرآن الله يحاسبه ولا نتدخل فيه, والذي يسب الإسلام في الصحف الصباحية ويستهزئ بالدين في الملاحق الرياضية, فالله سبحانه الحسيب وهناك جنة ونار, أما الشعير شعيرنا, والأرض أرضنا والدنيا دنيانا, فلماذا لا تغضب لدين الله كغضبك على هذه الأمور؟ هذا الفارق بيننا وبين الصحابة, فالصحابة غضبوا من أجل (لا إله إلا الله) ونحن نغضب من أجل الشعير, هم قدموا مهجهم من أجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] , ونحن قدمنا مهجنا من أجل الماء والطين, فالفارق بيننا واضح.
وأكثر القتلى الآن بل ما سمعنا أن أحداً قتل من أجل لا إله إلا الله! من أجل هذه الكلمة قتل من الأنصار (٨٠%).
وهذا حنظلة الذي غسلته الملائكة -أنا لا أريد أن أذكر أباه لأنه فاسق مجرم- أتى من مكة يحرض ابنه على الارتداد عن الدين, فأخذ ابنه كفاً من التراب ولطخ به وجه أبيه وقال: اخرج يا فاسق!
لم يعد أباً له بل انقطعت هذه الأبوة وانقطع هذا النسل, الدم الضال انقطع، العرق الآثم المشئوم انفصل, أصبح حنظلة شيئاً آخر؛ فقد رباه محمد ﷺ في المسجد, تزوج حنظلة وعمره عشرون وقيل أقل, بنى بزوجته وفي الصباح سمع الهتاف الخالد في أحد والملائكة تتنزل, وكان أبو سفيان يحشد الكفر ليجتاح عاصمة الإسلام, يخرج الرسول ويعلن الحرب على أبي سفيان من على المنبر, فسمع حنظلة الصياح.
وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا
فخرج وهو لم يغتسل من الجنابة, لبس ثيابه لأن الأمر أسرع, كيف يغتسل والرسول أصبح يقود المعركة؟! الدقيقة تؤخر، فالرءوس أصبحت تقطع في سبيل الله, فأخذ سيفه بدون غمد, وذهب سريعاً إلى أحد , فقاتل وقتل قبل صلاة الظهر, والتفت ﵊ إلى السماء فأشاح بوجهه وقال: ﴿والذي نفسي بيده! لقد رأيت حنظلة بين السماء والأرض تغسله الملائكة بماء المزن في صحاف الذهب, سلوا أهله لِمَ تغسله الملائكة؟ قالت امرأته: خرج جنباً ولم يغتسل﴾ فغسلته الملائكة قبل أن يدخل الجنة.
أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا جثمان حنظلة والروح تختطف
وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف
وهذا شهيد آخر مات من أجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أتى في الصباح فلبس أكفانه, فهذا لا يريد خط الرجعة، لأن الذي يلبس أكفانه هذا لا يريد أن يعود مرة ثانية, ترك ثيابه في البيت ولبس أكفانه وتتطيب واغتسل وأخذ السيف؛ لأنه رأى في المنام أنه أول قتيل في المعركة, فلما حضر المعركة قال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فقتل, فقال الرسول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده! ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعته﴾ وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري والد جابر , فـ جابر هذا حافظ الحديث ولد هذا الذي قتل, يقول الرسول ﷺ : ﴿يا جابر! والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان -مباشرة- فقال: تمن, قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية, قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون, فتمن, قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك, قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾ فهؤلاء هم الشهداء, وهذا هو موكب الأمة, وهو جيل محمد ﷺ .
فتجد الآن أعداء الله يقدمون من التضحيات أكثر مما يقدم أولياء الله , كم قتل من العرب من أجل البعث! وكم قتل من العرب من أجل مذهب ماركس؟
ألوف مؤلفة من أجل أن يبقى مذهب لينين -"لا إله والحياة مادة"- في الأرض, والوطنيون حزب الطليعة والصاعقة.
ناصريون نصرهم أين ولى يوم داست على الجباه اليهود
ويقول الآخر:
وَحدَوِيوُّن وهذا يقول: المظلة العربية الدم العربي الأخوة العربية.
وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أشلاء
ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء
لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء
стр. 3363
بيان معنى الحق والصبر
قال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] ما هو الحق؟ وما هو الصبر؟ وهل بينهما عموم وخصوص؟ أوليس الحق صبراً والصبر حقاً.
أما الحق فهو الذي أتى به رسولنا ﷺ , فالكتاب والسنة هما الحق, وتواصوا به أي: تعلموه وعلموه الناس, وتواصوا به: تفقهوا به, وعلم بعضهم بعضاً هذا الحق, فالحق كله ما أتى به ﷺ , وكل ما أتى به الرسول ﷺ فهو الحق, وأما ما سوى ما أتى به ﷺ لا يخلو من أمرين:
إما حق, فهو في شرعه ﵊.
وإما باطل فلا نريده.
وأي أمر لا يعرف أنه حق أو باطل حتى يعرض على الكتاب والسنة, قال مالك ﵀: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﵊" , وإنما قال : الحق لتكون كلمة جامعة لكل خير, ورشد وهدى, فكل ما أتى به الرسول ﷺ حق, فلا يجوز للإنسان أن يوجب على الناس شيئاً إلا ما أوجب الله ورسوله, ولا أن يستحب لهم إلا ما استحبه الله ورسوله, ولا يجوز أن يحرم عليهم إلا ما حرم الله ورسوله, ولا أن يكره لهم إلا ما كره الله ورسوله ﵊، ولا أن يبيح لهم إلا ما أباح الله ورسوله, فلا بد من هذه القضايا الخمس.
فكلام الله ورسوله ﷺ يحتج به, ولا يحتج له, وكلام غير الله ورسوله ﵊ يحتج له ولا يحتج به, فهذه قواعد يقررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وهي قواعد تكتب بماء الذهب وتحفظ, فهذا هو الحق: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣].
والحق لا يحمل إلا بصبر, والحق لا يبلغ إلا بصبر, والصبر لا بد له من حق, فاجتمعت الرسالة التي هي حق مع وسيلتها وهو الصبر, حتى تبلغ للناس.
إذاً: من هم المبلغون؟ إنهم المؤمنون الذين عملوا الصالحات, وماذا يبلغون؟ يبلغون الحق , بأي وسيلة؟ بالصبر.
والصبر ثلاثة أقسام:
صبر على طاعته .
وصبر عن المعاصي.
وصبر على المصائب.
فأما الصبر على الطاعات فهو أشرفها وهو القول الصحيح الذي يختاره كثير من أهل العلم كالشيخين: ابن تيمية وابن القيم , فالصبر على الطاعات أشرف من الصبر عن المعاصي, وأشرف من الصبر على المصائب, ويجعل ابن تيمية المقصود من الدين إقامة الشعائر والفرائض, فإن من صلى وشرب الخمر خير ممن ترك الخمر ولم يصلِ, مع العلم أن العبد الطائع لله هو الذي يصلي ولا يشرب الخمر, لأن الخمر من الكبائر وحق على الله أن من شرب الخمر ولم يتب منها أن يسقيه الله من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار والعياذ بالله.
والصبر على الطاعات: أن تؤديها في أوقاتها بخشوعها وفرائضها وسننها, كالصبر على الصلاة, فهي تحتاج إلى صبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
والصبر عن المعاصي: أن تكف عنها, واصبر عنها وما صبرك إلا بالله, طلباً في ثواب الله وخوفاً من عقابه, لأن بعض الناس يكف عن المعاصي حفظاً لجاهه, أو خوفاً من السلطة, وهذا ليس مأجوراً.
والصبر على المصائب: هي أن تصبر على قضاء الله وقدره فيما يصيبك, وتقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
فهذه بعض معالم سورة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لنا ولكم, وأن يرحمنا وإياكم, وأن يتولانا وإياكم, وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل, وأن يخرجنا وإياكم من الظلمات إلى النور, وأن يوفقنا إلى اتباع سنة محمد ﵊, وأن يثبتنا على الإيمان حتى نلقاه, ولا يجعل فينا شقياً ولا محروماً, وأن يتولانا وإياكم ولاية عامة وخاصة.
стр. 3364
الأسئلة
стр. 3365
حكم النوم عن صلاة الفجر والعصر
السؤال
لي جار لا يصلي الفجر ولا العصر مع الجماعة, فنصحته, فأجاب بأنه ينام في هذين الوقتين، فما حكم ذلك؟
الجواب
سبحان الله! اختار الفجر والعصر والرسول ﷺ يقول: ﴿من صلى البردين دخل الجنة﴾ والبردان: الفجر والعصر, وإنما سماهما ﷺ "البردين" لأنهما يأتيان في وقت براد, واختار ﷺ لهما جزاءً الجنة لأنهما في وقت مشقة, فإن العصر يأتي بعد العمل والكسب والكدح, والفجر يأتي بعد النوم, ولا يحافظ عليهما إلا مؤمن, يقول ﵊: ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ يعني: فقد أهله وماله, وكأنما احترق بيته بأهله وفقد ماله.
أما النوم فإنه عذر إذا وقع نادراً, وأما إذا صار عادة وتعمد ووضع في موضع الصلوات فليس بعذر لصاحبه, وهذا يدل على تفريطه, فما دام يعرف أنه سوف ينام عن الصلاة, وأن من عادته أن ينام عنها فهو مسيء, وصلاة الجماعة واجبة عند أهل العلم, دلَّ على ذلك أكثر من أربعة عشر دليلاً من الكتاب والسنة منها: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ومنها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] وهذا في صلاة الخوف ففي صلاة الحضر الجماعة أولى.
ومنها قوله ﷺ : ﴿من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر﴾ رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم وصححه عبد الحق الإشبيلي وابن تيمية وهو حديث صحيح.
ومنها أن الرسول لم يرخص للأعمى وقال: ﴿أتسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم, قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة﴾ فوصيتي لك يا أخي! يا من ينام عن الفجر والعصر! أن تتقي الله وأن تُعِدَّ للقاء الله, وأن تعلم أنه سوف يكون هنالك نوم طويل, إما في روضة من رياض الجنة، وإما في حفرة من حفر النار.
فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
стр. 3366
حكم حلق اللحية
السؤال
ما حكم حلق اللحية؟
الجواب
حلق اللحية محرم بإجماع أهل العلم, وممن نقل هذه الأقوال ابن حزم في المحلى وجعل مع تحريم حلق اللحية تعزيراً, وفيه أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ يأمر بإعفائها وقص الشارب ومخالفة المجوس, فمن حلقها فقد ارتكب محرماً وكبيرة من الكبائر, ووجب أن يعفيها وأن يخاف الله .
стр. 3367
الهروي عمله خير من علمه
السؤال
هل شيخ الإسلام الهروي هذا هو الهروي الصوفي الذي رد عليه ابن القيم ﵀ في كتاب مدارج السالكين في أبيات قالها؟
الجواب
كتاب مدارج السالكين إنما هو شرح لكتاب الهروي شيخ الإسلام , الذي يسمى منازل السائرين , وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول عن الهروي ﵀: عمله خير من علمه, فإنه فيه تصوف وهو يميل إلى الشافعية والحنابلة في الفرعيات, ولكنه إمام شجاع عضلة من العضل, يخاف منه السلاطين الظلمة, فعمله خير من علمه, وهو الذي عرض على السيف, لكن رد عليه ابن القيم في أبيات يقول:
ما وحد الواحد من واحد توحيد من وحده لاحد
فمن هذه الأبيات رد عليه, لأن فيها خبط وعدم وضوح.
والهروي من ذرية أبي أيوب الأنصاري , ومن أهل القرن الخامس، لكن يخاف الجدار ولا يخاف قلب أبي إسماعيل الهروي , وكان يهد الجيوش وله صوت جهور، إذا وعظ انتفضت قلوب السلاطين.
قيل أنه أتى مرة حساده في هرات في شمال أفغانستان , وأرادوا أن يشوا به للسلطان حتى يذبحه, فأتوا بصنم ووضعوه تحت سجادة الهروي في المسجد, وذهبوا للسلطان وقالوا: يا أيها الأمير! أبو إسماعيل يعبد الأصنام من دون الله, قال: سبحان الله! قالوا: والله! إنه يعبد صنماً من نحاس تحت سجادته, فأرسل الجنود يأخذوا الصنم لتعلم أننا صادقون؟
فأرسلَ الجنود فرفعوا السجادة فوجدوا الصنم من النحاس, وهذا السلطان هو محمود بن سبكتكين , جيشه مليون -ألف ألف- مقاتل, وهذا الملك هو الذي دمر بلاد الهند وأخذ الأصنام وأحرقها في النار, وهو الذي مدحه محمد إقبال إذ يقول فيه:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
فاستدعاه محمود والوزراء والأمراء حوله, وسل السيف, وقال: متى يدخل عليّ وأجد فيه أنه فعل هذا فاذبحوه, قال: يا أبا إسماعيل! أتعبد الأصنام من دون الله؟ قال: ماذا؟ قال: وجدنا هذا الصنم من النحاس تحت سجادتك، فرفع صوته أمام السلطان وقال: سبحانك هذا بهتان عظيم! فأخذ السلطان يرتعد, وقال: تعالوا بالوشاة فجلدهم, وحبسهم, وأكرم أبا إسماعيل وأطلقه, وقد عرضه على السيف مرات, ولكن يقول هو: "ما فصل رأسي عن كتفي إلا ليقطع في سبيل الله" يعني باع نفسه من الله, فكان قوياً في ذات الله, لكن علمه تلقاه من مدرسة الشمال فأصبح فيه بعض الأخطاء نبه عليها ابن القيم ﵀, وهو صاحب هذه الأبيات المقصودة.
وأبو إسماعيل الهروي دخل على نظام الملك فقال له:
بسيفك أدرك المظلوم ثاره ومن جدواك شاد الملك داره
وقبلك هنئ الوزراء حتى نهضت بها فهنئت الوزاره
ثم أخذ يعظه حتى بكى!
стр. 3368
حكم تقبيل المصحف
السؤال
ما حكم تقبيل القرآن الكريم بعد القراءة؟
الجواب
سئل الإمام أحمد عن هذا فرآه, وقال: قبّله عكرمة بن أبي جهل , وكان يقبّله ويبكي ويقول: [[كلام ربي كلام ربي]] ولا أعلم فيه حديثاً مرفوعاً إليه ﵊, لكن أسأل الله أن من قبّل على جهة التعظيم والاحترام أن يثيبه ويأجره.
стр. 3369
السنة في إكمال الصفوف
السؤال
هناك كثير من الأخوات المسلمات إذا حضرن الدروس والمحاضرات وأقيمت الصلاة يتوزعن في أنحاء المسجد, فلا يقمن في صف, بل صف في أول المسجد وصف في آخر المسجد وصف في طرفه، فما حكم هذا؟
الجواب
إن كان هذا يحدث فهذا خلاف السنة, وعلى النساء أن يصففن صفوفاً وراء بعضها, يكملن الصف الأول فالثاني فالثالث, كصفوف الرجال تماماً, لعموم النصوص في ذلك.
стр. 3370
حكم الإسبال
السؤال
ما حكم الإسبال؟
الجواب
حكم الإسبال محرم, فمن أسبل لخيلاء لا ينظر الله إليه, ومن أسبل لغير خيلاء فما أسفل من الكعبين ففي النار.
стр. 3371
حال حديث: (من لم يؤمن بالقدر خيره وشره)
السؤال
ما صحة هذا الحديث: ﴿من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار﴾؟
الجواب
لا أعرف هذا اللفظ, والله أعلم, لكن هناك ألفاظ في القضاء والقدر, مثل قوله ﷺ في الصحيح: ﴿وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره﴾ وقول ابن عمر: [[فوالله لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقضاء والقدر]].
ويقول الشيخ حافظ حكمي ﵀:
وكل شيء بقضاء وقدر والكل في أم الكتاب مستطر
стр. 3372
حكم إظهار الزينة للحمو
السؤال
هل يجوز لزوجتي أن تكشف على أخي؟
الجواب
لا.
أخوك حمو لها, ولا يجوز الكشف على الحمو, والحمو الموت, ومحرم عليها أن تكشف عليه كما قال الرسول ﷺ : ﴿الحمو الموت﴾ لأنه أجنبي.
стр. 3373
حكم الغناء
السؤال
ما حكم الغناء؟
الجواب
الغناء محرم بالإجماع، وقد نقل الإجماع الشوكاني في نيل الأوطار , والآجري في كتاب الشريعة.
стр. 3374
حكم شرب الدخان
السؤال
الإخوة المدخنون لا يستطيعون ترك الدخان، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا.
من خاف النار ترك الدخان, ومن أطاع الرحمن ترك الدخان, ومن اتبع سيد ولد عدنان ترك الدخان.
أيها الإخوة أشكركم على إصغائكم, وإنصاتكم, وأسأل الله أن يجمعنا بكم في دار الكرامة.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3375
موقف أهل السنة من الجبرية والقدرية
الجبرية والقدرية فرقتان من فرق الضلال على طرفي نقيض، وينبغي الحذر من شبهاتهما وضلالهما.
وفي هذا الدرس يبين الشيخ بعض شبهاتهما ويفندها، ويبين موقف أهل السنة، وذلك من خلال حديث محاجة آدم وموسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
стр. 3376
حديث محاجة آدم وموسى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
معنا في هذا الدرس مناظرة بين الوالد والولد، بين الأب والابن، بين آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وقد التقيا فحصل بينهما مناظرة ومحاجة، نقلها رسول الهدى ﷺ إلينا، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم وموطأ الإمام مالك وسنن أبي داود والترمذي عنه ﷺ بألفاظ متباينة متعددة، مفادها: قال ﵊: ﴿تحاج آدم وموسى، فقال موسى ﵇: أنت آدم أبونا، وخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة -هذا كلام موسى ﵇ فقال آدم ﵇: أنت موسى بن عمران نبي بني اسرائيل، كتب الله لك التوراة بيده، واصطفاك وكلمك وقربك نبياً، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ قال ﵊: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى﴾ هذه في رواية، وفي ألفاظ مختلفة أن آدم ﵇ تكلم مع موسى ومدحه بمدح أكثر، وأن موسى مدح آدم بمدح أكثر، وهذه هي قصة الحديث.
وفي هذا الحديث مسائل سوف نعرج عليها بإذن الله، ولكن قبل ذلك نقول: ما هو بسط هذه القصة؟
الرسول ﵊ يخبرنا بهذا الحديث الذي هو أصل في باب القضاء والقدر، يقول: التقى آدم أبو البشر مع موسى ﵇ وموسى رجل جريء، كان شجاعاً مقداماً، لا يكل ولا يمل، كل سؤال في رأسه لابد أن يعرضه ويناقشه على بساط البحث، فما هاب من أبيه ووالده، بل جلس معه، ولكن انظر كيف تلطف معه بالخطاب، فهو لم يقل لماذا أخرجتنا؟ أو لماذا خيبتنا؟ أو لماذا طردتنا؟ ولكن بدأ معه بالمدح والثناء، فقال: أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده -هذا مدح- ونفخ فيك من روحه- وهذا مدح- وأسكنك جنته- وهذا مدح- فلماذا أخرجتنا من الجنة؟ هذا عتاب، فرد كذلك آدم ﵇ بعبارة طيبة للابن وكأنه يستهديه يقول: أنت من؟ قال: أنا موسى، قال: نبي بني إسرائيل، قال: نعم.
لم يقل لماذا تلومني؟ وإنما قال: أنت موسى الذي كلمك الله ، وقربك نبياً، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت الله كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: بأربعين عاماً، قال: فلماذا تلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ فسكت موسى وانقطع، قال: ﵊ فحج آدم موسى، أي غلبه.
وفي هذا الحديث سبع عشرة مسألة، أولها: أين وقعت هذه المحاجة (المناظرة) وما هو مكانها وزمانها، وعلى بساط من؟ وعلى إشراف من وقعت هذه المحاضرة وكيف التقيا؟ فذاك أبو البشر من أول البشرية، وهذا في منتصف عقد التاريخ، موسى ﵇ من أبناء أبناء الأبناء فكيف التقيا؟ وذاك قد مات منذ آلاف السنين، وهذا شب وترعرع في بني إسرائيل، فأين كان اللقاء وما هو الظرف الذي عاش فيه؟ وكيف وقعت هذه المناظرة؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: لماذا خص موسى بالمحاجة من بين الأنبياء؟ لماذا لم يتبرع رسول الهدى بهذه المناظرة، أو عيسى أو إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعاً، وإنما انتدب لها موسى من بين الأنبياء؟ هذه مسألة.
الثالثة: كيف الجمع بين قول آدم ﵇ لموسى: كتبها الله عليً قبل أن يخلقني بأربعين.
وفي صحيح مسلم أن ﵊ يقول: ﴿كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة﴾ وهنا يقول: أربعين عاماً، وبين خمسين ألف سنة وبين أربعين عاماً فرق لا يخفى، فكيف الجمع؟
المسألة الرابعة: ما هي هذه المصيبة التي شكى منها موسى ﵇، هل موسى يلوم آدم ﵇ على الإخراج من الجنة، أم يلومه على الأكل من الشجرة، أم يلومه على الكسب (أنه فعل ذنباً) أو يلومه على القضاء والقدر أم ماذا؟.
الخامسة: قوله ﷺ : ﴿فحج آدم موسى﴾ هل هي بالرفع آدمُ، أو آدمَ بالنصب؛ لأن السجزي الحافظ المحدث كان يقول: ﴿فحج آدمَ موسى﴾ وكان هذا الراوي مع أنه من المحدثين الكبار، لكن كان فيه قدر، فيستدل بهذا الحديث أنه لا قدر، وأن الحق مع موسى ﵇ وهم يجعلون موسى في هذا الحديث قدرياً ويجعلون آدم ﵇ جبرياً، فالمعتزلة يستدلون بموسى والجبرية يستدلون بآدم ﵇.
المسألة السادسة: في الحديث رد على القدرية وليس فيه دليل للجبرية، وسوف يأتي مذهب القدرية والجبرية ومذهب أهل السنة والجماعة في كتاب القضاء والقدر.
المسألة السابعة: القدر يحتج به في المصائب، ولا يحتج به في المعايب، هذه قاعدة أتى بها شيخ الإسلام ﵀.
المسألة الثامنة: هل للمذنب أن يحتج بالقدر، كمن زنا أو سرق أو شرب الخمر؟ هل له أن يقول: كيف تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض، فإذا قلنا له: أتحتج بالقضاء والقدر؟ قال: نعم، آدم احتج عند موسى بالقضاء والقدر؟ هذه مسألة.
المسالة التاسعة: غلبة آدم لموسى؛ لماذا غلب آدم موسى؟ ما هي الأمور والحجج والبراهين التي جعلت آدم يغلب موسى عليهما الصلاة والسلام.
العاشرة: ردت القدرية هذا الحديث وأبطلته بردين وسوف أذكرهما.
الحادية عشر: آدم ﵇ معذور بأمرين وسوف أذكرهما إن شاء الله.
الثانية عشر: الأدب في الحوار.
الثالثة عشر: الجنة التي أخرج منها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة غير جنة الخلد؟
الرابعة عشر: يقول آدم لموسى: (أعطاك كل شيء) عموم يراد به الخصوص، وهذا سوف يأتي.
الخامسة عشر: مناظرة العالم لمن هو أعلم منه، والابن يناظر أباه.
السادسة عشر: إثبات القدر وخلق أفعال العباد وللبخاري كتاب يسمى خلق أفعال العباد أو أفعال العباد.
السابعة عشر: سيرة موسى في القرآن ومناظرته مع الطغاة والمجرمين في الدنيا.
هذه مسائل هذا الحديث لكن قبل أن نبدأ بالعنصر الأول بهذا نأخذ العنصر الأخير وهو: سيرة موسى ﵊.
стр. 3377
سيرة موسى في القرآن ومناظرته مع الطغاة
يختار الله لكل حقبة من حقب التاريخ والزمن نبياً يناسب تلك الحقبة، فكل أمة تبرع في فن من الفنون يأتي الله بنبي يبرع في هذا الفن.
الأمة العربية أجادت في الفصاحة، فأتى الله تعالى بأفصح من نطق الضاد وهو محمد ﷺ ، وأمة عيسى ﵇ أجادوا في الطب، وفي المداواة والمعالجة، فأتى الله بعيسى وجعل معجزته الطب، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه بإذن الله، ومداواة المرضى، وموسى ﵊ برع قومه في السحر والمناظرة، فأتى به وجعل عصاه تلقف ما يأفكون، فكان انتصاره من هذا الباب.
موسى عليه الصلاة السلام، له دلائل في القرآن أولها الشجاعة، فإنه كان قوي الجسم والإرادة، من قوة جسمه أن أهل التفسير والسير والتاريخ ذكروا أنه لطم فرعون طاغية الدنيا وهو طفل صغير، لطم فرعون الذي يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] يأتي عند سريره فيقوم على فرعون فيضرب وجهه بكفه، وهذه شجاعة.
الأمر الثاني: يرد ماء مدين فيأخذ الصخرة التي لا يحملها إلا النفر من الناس.
الثالثة: أنه ينازل في الميدان بعصاه، ويقاتل السحرة وكانوا ثلاثين ألفاً.
الرابعة: يعبر البحر بالجيش ويقاتل فيما بعد حيث يقول له بني إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤].
ومن ميزه ﵇: الحياء، فكان حيياً كما قال ﵊، ولذلك فمنشأ الأمانة الحياء، تقول ابنة الرجل الصالح، قيل: إنه شعيب وقيل غيره: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] قوي يصلح للاستئجار، ومع القوة أمانة فليس كل قوي أمين، وليس كل أمين قوي، لكن من جمعهما فهو الفاضل، ولذلك فإن ابن تيمية له لطائف في هذا الباب، يقول: لما تولى أبو بكر وكان رجلاً ليناً صلح معه خالد لأنه كان قوياً، ولما تولى عمر كان قوياً فلم يصلح في قيادته خالد، وإنما صلح أبو عبيدة لأنه كان ليناً.
فالقيادة العسكرية كانت لـ خالد في عهد أبي بكر، ولذلك أبو بكر ما كان يسمع في خالد شيئاً، يقوم على المنبر وعمر يقول: اعزل خالداً، اعزل خالداً، فيقول: والله لا أغمد سيفاً سله رسول الله أو سله الله على المشركين؛ لأن الرسول ﵊ يقول: ﴿خالد سيف من سيوف الله سله على المشركين﴾.
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
قد كنت أعدا أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
ولما تولى عمر كان أول مرسوم أصدره عزل خالد، فصلح معه أبو عبيدة ﵁ وأرضاه، فذاك أمين لين، وأبو بكر أمين لين، وعمر قوي أمين، وخالد قوي أمين، فسبحان من مازج بين الأجناس والأشخاص والهيئات! وموسى جمع الأمانة والقوة، يذكر المفسرون أن ابنة شعيب لما أتت كانت تمشي على استحياء، حيث أتت إلى رجل غريب، وقد تولى إلى شجرة، سقى لهما ثم لم يتكلم معهما كثيراً، وهي مع أنها تكلمت أكثر منه في القرآن قالت: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] لكن بإيجاز ما قالت: لا نسقي إلا بعد صلاة الظهر إذا ذهب الناس بمواشيهم، لأن طول الكلام معناه شيء من الريبة، وما قالت: أبونا رجل صالح جالس في البيت أرسلني وأختي لكي نسقي الغنم، لكن قالت: وأبونا شيخ كبير، أما هو فسكت وما تكلم، فمال إلى الشجرة، فلما أتت تمشي على استحياء ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥].
فأتى معها، فلما مشى قال أهل العلم: كان يمشي أمامها، وهي تمشي وراءه، وهو يقول: دُليني على الطريق، فتقول: يميناً ويساراً حتى وصل إلى أبيها، لهذا كان ﵊ قوياً أميناً.
والمسألة الثانية: أن صراعه كان صراع مناظرة ومقاتلة، فهو تصارع مع فرعون بالحجة، فعندما دخل على بساط فرعون بادره فرعون بالكلام، والأصل أن يتكلم موسى لأن الوافد هو الذي يتكلم، لكن الخائن الخبيث المجرم بدأ بالكلام، وهذا من قلة الأدب، حتى يقول الحسن البصري: ما أطيش وما أخف عقل فرعون! الواجب أن يتأكد ويتأنى إذ وفد عليه وفد، والأصل أن الأبيات إذا دخل دارك تنظر ماذا يتكلم؟ لكن فرعون قفز من سريره، وقال: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] لكن موسى ﵇ أدبه الله بأمور وسوف نعرض إليها سريعاً، وقصة العصا معروفة، وكذلك قصة الإرسال معروفة، لكن لما وصل على البساط هو وهارون، وقد كان طلب أن يأتي معه هارون؛ لأنه أفصح منه، كما قال: ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٤].
وموسى ﵇ متخوف من أمور:
منها: أنه سيذهب إلى طاغية، ومنها: أنه قتل نفساً منهم، ومنها أن الرجل ليس بفصيح، حيث أن موسى لم يكن خطيباً مفوهاً، ولم يكن محاضراً من الدرجة الأولى، وإنما يقول: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨] يقول: يا رب! احلل عقدة من لساني عله أن يفقه شيئاً مما أقوله، لكن مع ذلك بعد أن أحل الله العقدة، لازالت اللكنة في اللسان، فذهب معه هارون وقد قال بعض المؤرخين: إنه أكبر من موسى بسنة، لكن الله فضل الله هذا على هذا، فمشيا فلما رأى القصر ورأى أبهة السلطان والصولجان والهيلمان والقوة، التجأ موسى إلى الله وقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] كأنه يعلم الله بفرعون، والله يعلم فهو الذي خلقه، لكن الخوف، قال: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أنا معكما رقيب، لا يتحرك حركة إلا وأنا وراءه فتكلما معه ولا تخافا، لكن مع ذلك لا يأخذكم الغرور والعجب، إذ علمتم أني وراءكم، وذلك كما لو قلت لابنك ولله المثل الأعلى: اذهب وأنا معك، فلا يذهب هذا الولد يطرق باب الجيران أو يضارب أبناء الناس ويقول: أبي فلان بن فلان! ولله المثل الأعلى، فذهبا فقال الله لهما حتى لا يغترا: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
لكن الرجل كان طاغية، أغلق الله قلبه، وطبع على فؤاده، ومن يدري لعل الله أن يهديه، ويشرح صدره، ومن قال لك: إن الناس قد ختم الله على قلوبهم، ولذلك من الأخطاء أن يتحدث الداعية إلى بعض المذنبين أو المجرمين ويقول: هذا لا يهديه الله ولو هدى الناس جميعاً، نعوذ بالله ومن جعل الهداية لناس دون ناس! ومن أخبرك بسابق علم الله في الناس! بل بعض الناس كان مهتدياً ثم ضل، وبعضهم كان ضالاً ثم اهتدى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] قيل لـ ابن عباس: ما هو القول اللين؟ قال: يمنياه بالشباب: قال: أي قولا: سوف يرد الله عليك شبابك، ويبقي عليك ملكك وثروتك وعزك وسلطانك ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فلما دخلا البساط، بدأ المجرم يتكلم ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] يسأل عن الربوبية، لا يسأل الخبيث عن الألوهية، هو ينكر بالظاهر، ولكن في الباطن يعلم أن الله هو الخالق ، ولكنه يضحك على الناس، الذين يصفقون له: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] ثم يقول حجة أخرى ساخرة: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥٢] يقول: أنا أفضل وأسرتي وموكبي أم موسى هذا الذي هو راعي غنم؟ ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] أي لا يفصح، فليس له لسان ولا كلام فصيح، وأنا فصيح وخطيب، قال : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] أي: حتى قومه كانوا فاسقين، فقد كان فيهم خفة وطيش وعدم تعقل، ويتبعون الهوى، فأيدوه، فلما دخل سأل عن الربوبية، وإلا فقد رد عليه في آية أخرى قال: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] أي: مقطوع الحجة.
فبدأ فقال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] فكيف يكون الرد؟ الرد في غير القرآن، أن يقول له: ربنا الله، لكن هو ينكر الله ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] إن كنت أنت أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت فأنت رب، وأما هاتان الصفتان فلا تنطبقان إلا على الواحد الأحد ، فلما حاص وانقطعت حجته سأله مسألة أخرى، ومواقف موسى كثيرة في القرآن سوف أتعرض لبعضها إن شاء الله.
стр. 3378
مكان المحاجة بين آدم وموسى
المسألة الأولى: أين وقعت المحاجة؟
اختلف أهل العلم في مكان هذه المحاجة، وذكر ابن حجر هذه الأقوال في المجلد الحادي عشر من الفتح، وابن تيمية كذلك في المجلد الحادي عشر من الفتاوى ولم يتعرض للمكان، لأن ابن تيمية شيخ الإسلام يريد دلالة الألفاظ، أما التي لا ينبني عليها كثير فائدة فلا يتبعها ﵀؛ لأنه لايهمنا أن تقع المناظرة في السماء الأولى أو الثانية أو في الثالثة، أو في السابعة، أو في الأرض، أو في القبر، لا يهمنا ولا يتركب عليها كثير علم، ولا كبير فائدة، هذه مسألة.
ومن الأقوال أنهم قالوا: وقعت المحاجة والمناظرة في السماء التي فيها آدم ﵇، وآدم في السماء الأولى، فقد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه في حديث الإسراء والمعراج أنه في السماء الأولى، فقالوا: المناظرة وقعت في السماء الأولى، وموسى في السماء السادسة، والابن يجب أن ينتقل إلى الأب وهو آدم، وأيضاً أن السائل موسى هو يحتاج أن يسأل، فلابد أن ينزل هو إلى من يجيبه لا العكس، هذا قول.
وقال البعض: لا.
بل وقعت عند موسى في السادسة، لأنه أرفع، فكأن آدم ﵇ ارتحل حتى وصل فجلس مع موسى فتناظرا هناك، لكن نقول للفريقين: ليس هناك دليل أنها في السادسة أو في الأولى وهذا تنظير عقلي، وعلم الغيب لا يثبت بهذا التخمين، ولا يثبت ذلك إلا بأدلة عن الرسول ﷺ لكننا نعلم أن هذه المناظرة وقعت في حياة البرزخ بهيئة الله أعلم بها.
وذكر بعضهم أنها وقعت في المنام، ذكر ذلك ابن حجر عن بعض أهل العلم، وقد أسرف وأخطأ كثيراً من قال: هذا مثل ضربه الله وإلا فإن الحادثة لم تقع، يا سبحان الله! الرسول ﷺ يخبرنا بأنهم تحاجوا ونحن نقول: لا.
لم يتحاجوا! مثل بعض الناس يقولون: إن الله يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [الزمر:١٣] قالوا: لم يكن هناك أصحاب قرية، لكن الله ضرب مثلاً، وهكذا يقولون في أصحاب الكهف وغيرها من الوقائع، وهذا فيه إدخال للشك والريبة، نعوذ بالله من ذلك.
فالمحاجة وقعت على الصحيح في السماء؛ لكن الله أعلم في أي سماء وقعت، وقلنا في السماء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، ومر ﵊ عليهم جميعاً وكلم بعضهم، وأكثر من تكلم معه موسى، ولذلك ورد في حديث يقبل التصحيح: ﴿أن موسى لما تجاوزه النبي ﷺ بكى، فقالت له الملائكة: مالك تبكي؟ قال: نبي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي!﴾ قال ابن تيمية: هذا من المنافسة وليس من الحسد.
وموسى دائماً جريء في الحق، ولذلك من جرأته أن طلب من الله وهو خائف على بساط القدس، وفي مقام التزكية فيقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] سبحان الله! مطلب عظيم، فيقول الله : ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وقد كان أول مرة لما سمع الصوت ولىّ هارباً وترك عصاه وحذاءه، ولكن لما آنسه الله تدرج في الخطاب حتى قرب، وبعدها يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
ومن جرأته أنه أتى بالألواح فلما أتى إلى بني اسرائيل وقد عبدوا العجل ألقى الألواح من يده، فلذلك يقول ابن تيمية: إن الله غفر له وعفا عنه بأمور لوكانت من غيره لكانت كبيرة، مثل إلقاء الألواح وفيها كلام الله ، يقول : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف:١٥٤] أتى مغضباً وأتى إلى أخيه وهو نبي من الأنبياء فأخذ بلحيته يجرجره أمام بني إسرائيل ﴿قَالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] يقول ابن القيم في مدارج السالكين:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
يقول: أتى موسى ﵇ بذنب لكن محاسن موسى وهي آلاف المحاسن شفعته، لكن المنافقين إذا أتى أحدهم بكلمة لعنه الله وأخزاه، فمثلاً أحدهم يقول للناس: إن هذا لا يقصد بصدقته إلا الرياء والسمعة، فينزل الرد مباشرة، يقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] وأحدهم يقول: يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني فإني إذا رأيت نساء الروم فتتنت، فيرد الله عليه: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] لا يعفو ولا يسامحه لأنه خبيث.
أما الصادق فإن الله يعفو عنه، ولذلك كان في عمر شبه بموسى ﵇؛ في الحديبية يعترض على الرسول ﷺ ، ويقول: [[يا رسول الله! كيف تقبل الدنية في ديننا؟ كيف نصالحهم ونحن أهل الحق وأهل السيف والقتال وكفار قريش على الضلال والباطل هذه قسمة ضيزى]] أو كما قال، وأبو بكر ما تكلم، فالرسول عفا عنه وسكت، ويأتي ﷺ ليصلي بالناس على عبد الله بن أبي في صلاة الجنازة فيقفز عمر ويأخذ برداء المصطفى سيد البشرية، وخيرة الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يقول: يا رسول الله تصلي على ابن أبي، أما علمت أنه فعل كذا وكذا، أما علمت ماذا فعل يوم كذا وكذا؟ والرسول ﵊ يعلم هذا، بل يرى.
وتأتي سودة، فيقول: قد عرفناك يا سودة، يقول عمر: أي: استتري حتى لا تعفرين، فيتدخل حتى في نساء الرسول ﷺ .
ولذلك يقول ﷺ : ﴿أما أنت يا أبا بكر! ففيك شبه بإبراهيم وعيسى ﵉، وأنت يا عمر! ففيك شبه بنوح وموسى ﵉﴾ فأشبه الناس بموسى عمر، وأشبه الناس بإبراهيم أبو بكر ﵉ ورضي الله عن أصحاب محمد ﷺ .
إذاً وقعت المحاجة في السماء، وبدأ الحوار بين الابن وأباه، بدأ بالحوار: موسى ﵇.
стр. 3379
أسباب اختصاص موسى بالمحاجة من بين سائر الأنبياء
المسألة الثانية: لماذا خص موسى بالمحاجة من بين الأنبياء؟ لماذا تقدم موسى وتبرع أن يحاج عن البشرية وعن الذرية مع أبيه وأبينا ﵇ بهذا؟
قيل أولاً: لأن موسى صاحب مناظرة ومحاجة، فحياته دائماً الصراع بين التوحيد والشرك، وبين الضلال والهدى، وبين الرشد والغي، ولذلك يقول بعض علماء الإسلام: كاد القرآن أن يكون لموسى، لا تقرأ في السورة قليلاً إلا وتسمع: ولقد أرسلنا موسى، ثم يذكر محاوراته ومجادلاته لأهل الباطل، فلما تربى على هذا رشح إلى أن يناظر آدم ﵇، وقيل لأنه بعث بالفرائض الشديدة والتكاليف، ولأنه صاحب شريعة، فهو الذي ناظر آدم ﵇.
стр. 3380
الجمع بين أربعين عاماً وخمسين ألف سنة
المسألة الثالثة: كيف الجمع بين أربعين عاماً وخمسين ألف سنة، يقول آدم ﵇ لموسى: ﴿كيف تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة﴾ بينما يقول ﷺ : ﴿إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة﴾ فكيف نجمع بين هذا وهذا؟
قال أبو الفرج ابن الجوزي: الجمع بينهما أن يقال: إن الله كتب المقادير وكتب القضاء في أزمان متفاوتة ، بعضها كتبها قبل أن يخلق الخلق بأربعين عاماً وبعضها بمائة عام، وبعضها بخمسين ألف سنة فهي في أزمان متعددة، لكن أطولها أجلاً خمسين ألف سنة، وبعضها كتبها في اللوح المحفوظ، وكتاب آخر: إن رحمته سبقت غضبه، لكن السؤال الثاني: كيف عرف موسى أن المدة أربعون عاماً أين هذه الكتابة التي يقول آدم لموسى؟ أين وجدها؟ هل قرأ موسى اللوح المحفوظ؟ هل اطلع على الغيب؟
نعم.
أطلعه الله على شيء من علم الغيب في التوراة، التوراة كتبها الله بيده ، خطاً وكتابةً تليق بجلاله ، فقول آدم: يا موسى! أنت في هذا المستوى من الفهم والعقل والفضل وتلومني على شيء أنت وجدته في التوراة، بكم وجدت الله كتب علي هذا؟ قال: بأربعين عاماً، فسكت موسى.
стр. 3381
موضوع محاجة آدم وموسى
المسألة الرابعة: ما هي هذه المصيبة التي شكى منها موسى ﵇، هل يقول موسى لآدم ﵇: لماذا أخرجتنا من الجنة؟ وهذا قضاء وقدر أم يقول له: لماذا أكلت من الشجرة؟ وهذا قضاء وقدر، وهل موسى خفي عليه أن الله كتب عليه أن يجعله خليفة في الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] فقبل أن يخلقه قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] فهو في الجنة لكن أنزله إلى الدنيا، فالله في سابق علمه قد كتب أن ينزل آدم إلى الدنيا، فكيف يأتي موسى ويقول: كيف تأكل من الشجرة؟ كيف تخرج من الجنة؟
لا.
هذا ليس بصحيح ولا وارد عند أهل السنة، وإنما الصحيح أنه عاتبه، كأنه يقول: يا أبانا سامحك الله، وغفر لك، كنا في الجنة في راحة، وكنا في نعيم ثم أنزلتنا إلى الدنيا، فهو لا يلومه على الأكل من الشجرة؛ لأن الله كتبه عليه، ولا يلومه على الذنب؛ لأن الله قدر الذنب عليه، وسوف يأتي هذا في كلام بعد إنما يلومه على المصيبة، كأن تأتي إلى أحد الناس قد أسرع في سيارة وولدك معه، فوقع الحادث ومات ابنك، فلا تقل: لماذا مات ابني؟ لأن الله كتب عليه الموت، لكن تقول: يا فلان جزاك الله خيراً، كيف تسرع وأنت معروف بالخلق الطيب؟ أما تعرف أن السرعة تضر أهلها؟ أما تعرف أن السرعة مصيبة؟ كيف تقع منك هذه المخالفة؟ فهذه وجهة نظر موسى ﵇، وليس ذاك النظر البدعي، الذي هو رد للقضاء والقدر، فحاشا موسى أن يرد القضاء والقدر، فهو يعلم بأن الله كتب مقادير كل شيء، وهو نبي كامل.
стр. 3382
من هو المحجوج ؟
المسألة الخامسة: فحج آدم موسى، بالرفع: (آدمُ) أهل السنة يقرءون ﴿فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى﴾ بالرفع، أي أن الغلبة كانت لآدم على موسى، وأن المغلوب في هذه المناظرة هو موسى، لكن أهل البدعة يقولون: ﴿فحج آدمَ موسى، فحج آدمَ موسى، فحج آدمَ موسى﴾ أي أن آدم مفعول به محجوج مغلوب، وأن موسى غالب، فيريدون الاستدلال على ألا قضاء ولا قدر، وهم القدرية والأصل عنهم أنهم ينكرون الحديث، ومنهم المعتزلة أو القدرية، الذين نفوا القدر، وأن الله خلق الأمور هكذا بلا سابق قضاء ولا تقدير وأنها تحدث بالصدفة، نجاحك -مثلاً- صدفة، ليس بقضاء وقدر، وفرقة: القدرية نشأت واستمر مريرها، وهي من أخطر الفرق على الإسلام، وفي أول حديث من صحيح مسلم أن يحيى بن يعمر وصاحبه وفدا إلى المدينة قالا: فوجدنا ابن عمر ﵄، قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن ميسرته والآخر عن ميمنته، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إن عندنا قوماً في العراق يقولون: إن الأمر أُنُف -معنى أُنُف أي أن الأمر مستقبل لم يكتب الله علم المقادير ولا القضاء- فما حكم هؤلاء؟ أو كما قال، قال ابن عمر: أخبرهم أنهم براء مني وأني منهم بريء، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً وفضة ما قبل الله منه عملاً حتى يؤمن بالقضاء والقدر ثم أتى بحديث جبريل الطويل وفي آخره: وأن تؤمن بالقدرخيره وشره، هذا الشاهد.
والقدرية يقولون: لا قضاء ولا قدر، وكذبوا لعمر الله وخسروا وأخطئوا خطأً بيناً وغلطوا غلطاً فاحشاً، وقابلتهم فرقة أخرى هي: الجبرية وهم يقولون: العبد مجبور على المعصية، أي: يقولون للزاني: سامحك الله أنت مصيب؛ لأن الله كتب عليك وأنت مجبور وأنت نفذت أمر الله، ويقولون لشارب الخمر: أنت نفذت أمر الله فلست بملام فأنت مجبور على هذا العمل، فأخطأ هؤلاء وهؤلاء، وتوسط أهل السنة وهداهم الله لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال أهل السنة: للعبد مشيئة، ولله مشيئة، ومشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله ، والله كتب كل شيء الطاعات والمعاصي، لكن لا يجبر الله أحداً على المعصية، ولذلك يقول ابن تيمية: بعض الناس من أهل البدعة، قدري في الطاعة جبري في المعصية، تقول: لماذا لا تصلي مع الناس صلاة الفجر؟ قال: كتب الله عليَّ ألا أصلي صلاة الفجر، فإذا قلت له: لماذا شربت الخمر يا بعيد؟ فيقول: كتب الله علي أن أشرب الخمر، فقال: هو قدري في الطاعة لأنه ينفي القدر، وجبري في المعصية لأنه يقول بالجبر، والقدرية يستدلون بفعل موسى ﵇، فيقولون: إن موسى ينفي ويعارض القدر، وكذبوا.
والجبرية يقولون: آدم يقول أنا مجبور على هذا الفعل فيستدلون بالجبر وسوف يأتي موقف أهل السنة من ذلك بإذن الله.
стр. 3383
الرد على القدرية والجبرية
المسألة السادسة في الحديث: كيفية نرد على القدرية بهذا الحديث؟
نقول: آدم ﵇ يقول: كتب الله عليّ هذا قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فهو أمر مقدر، إذاً فنقول للقدرية الذين نفوا القدر: إن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فكل شيء عنده بقدر قال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠] وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣] وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يعني من يؤمن بالقضاء والقدر يهد قلبه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] فالخلق: هو خلق الله في هذا الكون، والأمر: التدبير والتصريف.
إذاً: فنرد على القدرية بأن تقول: إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلقنا ، وليس فيه دليل للجبرية الذين يقولون: إن الله يجبر العبد على المعاصي، فقالوا: أجبر الله آدم أن يأكل من الشجرة، وأجبره على أن يعصيه ويخرج من الجنة، فنقول: كذبتم وضللتم وخالفتم الصواب، بل آدم ﵇ ما أجبره الله أن يأكل من الشجرة، فقد علم الله في علم الغيب أنه يأكل من الشجرة، لكنه لم يخبره، ولا ألزمه، لكنه ألزم نفسه، وهذا هو الكسب من العبد لذلك هنا أمران: فإنه قضاء وكسب، فمثلاً: من ترك الصلاة، ففي علم الله أنه يترك الصلاة، ولكن هو الذي كسب ترك الصلاة قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥].
فلا يستدل أحد بالقضاء والقدر على المعصية، فمن استدل على المعصية بالقضاء والقدر فهو جبري مخالف مبتدع ضال اتبع هواه، وهو خاسر فاجر، نعوذ بالله من ذلك، وسوف يأتي عذر آدم ﵇.
стр. 3384
جواز الاحتجاج بالقدر في المصائب لا في المعايب
المسألة السابعة: القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب، من القواعد المجيدة والجيدة، أن القدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به في المعايب؛ فإذا أصبت بمصيبة كأن يسقط ابنك من على السقف فتكسر ومات، فلا يصح أن يقول لك الناس: لماذا سقط ابنك؟ أو تقول: يا رب! كيف تسقط ابني ولا تسقط أبناء الجيران، أو كيف ترسب ابني وتنجح أبناء فلان، أو مثلاً أصابك عمى -نسأل الله أن يعافينا وإياكم وأن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا- فلا تقل: لماذا أصابني العمى؟ لكن تقول: قدَّرَ الله وما شاء فعل، فهذه مصائب وقعت، يجوز فيها الاحتجاج بالقدر لكن لا يستدل به في المعايب، مثل إنسان يشرب الخمر فإذا قلت: كيف شربت الخمر؟ قال: كتب الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة أن أشرب الخمر في وادي فلان عند آل فلان بعد صلاة كذا وكذا! فهذا من الحمق، أو مثل إنسان يسرق، فتقول: كيف تسرق؟ قال: كتب الله عليَّ! أو إنسان يضرب أبناء الناس، يتصدى لهم في كل حي وحارة، ويقول: كتب الله عليَّ قبل أن يخلق السموات والأرض أن أضرب أبناء الجيران، فنقول له: لا.
هذا لا يصح.
وهذا عمر بن الخطاب وفد إليه سارق، فقال: لماذا سرقت؟ قال: سرقت بقضاء وقدر، قال عمر: سبحان الله! عليّ بالسكين، يظن أنها تنطلي على أبي حفص، أعطي القوس باريها، فلما أتى بالسكين وقطع يده، قال السارق: كيف تقطع يدي والله كتب عليّ أن أسرق، قال: نعم، سرقت بقضاء وقدر ونحن نقطع يدك بقضاء وقدر.
فقطع عمر يد السارق تنفيذاً للأمر الشرعي، وفعل ذاك أمر كوني، ولا يعارض الأمر الكوني بالقضاء الشرعي لأن عمر ﵁ وأرضاه كأنه يقول: أنت تعرف أن هذا حق وهذا باطل، هذا رشد وهذا ضلال، هذا ثواب وهذا خطأ، وإلا لماذا نحن نأتي فنحب الظل ونكره الشمس؟ في منافعنا الدنيوية نحرص على ما ينفعنا، والإنسان منا يكد ويكدح في النهار، حتى يحصل معاشه، وإذا قلت له: اجلس في بيتك بارك الله فيك وسوف يأتيك رزقك قال: لا.
لابد أن العبد يكد ويشتغل ويجد وسوف يأتيه رزقه إن شاء الله، لكن إذا أتت الصلاة فلا يتحرك إلى المسجد، ويستدل بالقضاء والقدر، لماذا لا يستدل بالقضاء والقدر في المعاش؟ وفي أمر المعيشة وتدبير أحواله، وأغراضه ويستدل بها في الطاعة؟ فنلزمه بمثل ما ألزم نفسه.
إذاً القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب، لكن هنا مسألة قد يستشكلها البعض، وهي: أن احتجاج آدم ﵇ كان في المعايب؛ فأكل الشجرة من المعايب، وليس من المصائب، أليس والخروج من الجنة من المعايب والذنب، لأنه الله سماه ذنباً، ولم يسمعه مصيبة فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] فلم يقل: أبتلاه الله بمصيبة، وإنما قال: فعصى، سماه عاصياً، أليس في هذا دليل على أن آدم ﵇ استدل بالقضاء والقدر في المعايب ولم يستدل به في المصائب، نقول: لا، يقول ابن القيم في كتاب شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
القضاء والقدر يستدل به في مسألتين:
المسألة الأولى: في المصائب.
كلما أصابتك مصيبة فقل: قدر الله وما شاء فعل، ويستدل به في المعايب في صورة واحدة وهي: فمثلاً إذا تبت أنت، كنت في شبابك مسرفاً على نفسك ثم تاب الله عليك وهداك، فرءاك الناس وأنت خطيباً، ومتكلماً واعظاً، فيقولون لك: أنسيت فعائلك طول الدهر؟ أنسيت صنائعك؟ أمثلك يدعو الناس؟! فتقول: نعم قدر الله عليّ في شبابي أن أفعل، ولكن هداني الله، وهذا من باب استدلال آدم ﵇ لموسى، يقول لموسى: أتاب الله علي الآن أم لا؟ قال: نعم تاب عليك، قال: فلماذا تلومني على أمر قد كتبه الله علي وتاب الله علي منه، وموسى ﵇ يعلم أن الله تاب على آدم، لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] وقال: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] فذكر أنه تاب عليهما، فأنت يصح لك أن تحتج بالقضاء والقدر بعد أن تتوب من الذنب، أما قبل أن يتوب الإنسان فلا يجوز له أن يحتج بالقضاء والقدر.
كمثل إنسان يترك المساجد ويهجر بيوت الله، ويعصي الله ، ويتمرد على حدوده، ويقول: قضاء وقدر! نقول: كذبت لعمر الله، بل أخطأت على الله وتجاوزت حدوده.
стр. 3385
جواز احتجاج المذنب بالقدر في بعض الصور
المسألة الثامنة: هل للمذنب أن يحتج بالقدر؟ قد ذكرت أن ابن القيم ذكر صورة واحدة وهي أن تحتج بالقضاء والقدر إذا تبت من المعصية كما مثلت من قبل.
ومسألة أخرى يجوز أن تحتج بها في القضاء والقدر، وهي: أن تبين أن كل شيء بقضاء وقدر، فمثلاً: أخطأت فتقول: هذا كتبه الله علي.
لكن لا تجعله حجة ولكنك تجعله إيماناً بالقضاء والقدر، فليعرف هذا، فإنه أصل عظيم وأصل من أصول أهل السنة والجماعة.
стр. 3386
أسباب غلبة آدم لموسى
المسألة التاسعة: لماذا غلب آدم موسى؟ ما هو السبب الذي جعل آدم يغلب موسى؟
غلبه بالحجة بسببين اثنين، وهما أصلين عظيمين، وبرهانين كبيرين.
أولهما: أن آدم تاب، فما هي الفائدة إذاً أن يحاجه موسى وقد تاب، وانتهى الأمر، وتاب الله عليه وغفر الله له، وأسكنه الجنة وجعل العائد من ذريته في الجنة، فلماذا يلومه؟ إنسان كان مسرفاً على نفسه ثم أعلن توبته، وأصبح من عباد الله، هل تأتي وتقول له: لماذا كنت فاجراً قبل سنوات؟ لماذا كنت عاصياً العام الأول؟ لماذا كنت تترك الصلاة؟ هذا ليس بصحيح، فقد تاب وانتهى الأمر.
والسبب الثاني: أنه قضاء وقدر والله كتب عليه القضاء والقدر، فلماذا يلومه على شيء كتبه الله عليه، ولكن موسى ﵇ يلومه على الكسب، وعلى فعله وهو إخراج الذرية بسبب هذه المصيبة.
стр. 3387
القدرية وردهم لحديث محاجة آدم وموسى
المسألة العاشرة: ردت القدرية الحديث بأمرين:
أولهما: قال القدرية المعتزلة: إن هذا الحديث لا يصح، ولذلك يأتي أحدهم، أظنه العلاف أو الجبائي، ويمسح الحديث من كتب الحديث بيده، نعوذ بالله.
ولذلك رئي أحدهم في المنام -كما ذكر الذهبي - كأن الله حول صورته صورة كلب وهو يمسح هذا الحديث، كيف يمسح هذا الوحي! ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥].
ولذلك يقول الجهم بن صفوان: لو كان لي من الأمر شيء لمحوت آية في القرآن، قالوا: وما هي؟ قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]
وذكر ابن تيمية: أن الجهمية في عهد المأمون كتبوا على الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم والآية هي: (وهو السميع البصير) انظر إلى الهوى، فيأتي هذا الخبيث الفاجر ويمسح الحديث؛ لأنه يعارض مبدأه، سبحان الله! لا يؤمن بالحديث؛ لأنه صاحب هوى ومبتدع ضال، فاعتقدوا أنه يهدم مبدأهم ومنهجهم الفكري الضال هدماً، وقالوا: سبب رد الحديث أمور:
أولاً: هذا الحديث ليس بصحيح، قلنا لهم: لماذا؟ قالوا: موسى أعقل وأفضل وأعلم بالله من أن يلوم آدم على أمر قد تاب منه، ثم يقولون: وموسى ﵇ قتل نفساً فتاب منها فقبل الله توبته، فكيف يلوم ذاك على أكل الشجرة وهو قد قتل نفساً، فهو لا يلوم أبداً، وهذا هو الفقه الأعوج فهم يردون الحديث بالهوى.
ويقولون: ثانياً: لأن أهل الجرائم والمخالفات يستدلون بالحديث، يقول هؤلاء القدرية: لو وافقنا على قبول الحديث، كان كل واحد أردنا أن نقيم الحد عليه، يقول: لا، هذا بقضاء وقدر، نأتي بالسارق نقطع يده، فيقول: لا تقطعوا يدي، هذا قضاء وقدر، نأتي بالزاني الثيب نرجمه فيقول: قضاء وقدر، ولذلك قالوا: الحديث مردود -رد الله وجوههم في النار- نعوذ بالله من الهوى، ونسأل الله أن يتوب على من تاب منهم وعلى كل المسلمين.
стр. 3388
أعذار آدم ﵇
المسألة الحادية عشرة: آدم ﵇ معذور بأمرين:
أولاً: لأن في المسألة أمرين: كسب وقضاء وقدر، فأما القضاء والقدر، فقد عذره الله ؛ لأن الله كتب عليه، وأما الكسب فلأنه تاب منه، وقال: ربنا إنا ظلمنا أنفسنا، فكيف تلوم إنساناً تاب من المعصية، ورجع وعاد.
ثانياً: اللوم كان بعد التوبة، فلا لوم بعد التوبة، إذاً فغلب آدم موسى وحجه، ودفع ما قال وانتصر عليه، وبقيت الصلة والقربى بينهما وكان النصر في هذا الحديث للوالد على ولده، وعرف موسى أن الحق مع آدم ﵇.
стр. 3389
الأدب في الحوار
ومن المسائل الأدب في الحوار، ذكر ذلك ابن حجر والقاضي عياض وقال: فيه أدب الحوار، فإنه ما شنع عليه ولا لامه، ولا سبه ولا شتمه، وإنما تلطف فقال: أنت أبونا الذي خلقك الله بيده، كما قال تعالى: (لما خلقت بيدي) فالله صوره من طين بيده تصويراً يليق بجلاله، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، كل هذا من الفضل، قال: ثم لامه: أنت خيبتنا وأنزلتنا إلى الدنيا، فأذنبنا، وأخطأنا وأسرفنا، وكأنه يقول: أنا قتلت نفساً، وفعلت وفعلت، وفعل بنو إسرائيل هذه المصائب والجرائم وكلها بعد أن نزلنا من الدنيا، فكيف يا أبانا فعلت بنا هذا الفعل؟ فآدم يتلطف معه ويقول: أنت موسى.
أي: ليت الخطاب جاء من غيرك، كأنك تقول أنت الولد الذكي أو الرجل الكريم، ولذلك يقول عمر كما في البخاري لـ عثمان لما تأخر عن صلاة الجمعة: وتأتي في هذا الوقت! لأن عثمان من مشاهير الإسلام ومن السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة فكيف يتأخر! أي ليت التأخر من غيرك؛ فإنه لو كان الخطاب من موسى ما كان قال آدم ذلك، فقال: أنت موسى الذي اصطفاك برسالاته، وكلمك، وكتب التوراة لك بيده، كيف تلومني على هذا؟!
стр. 3390
الحِكم الربانية في خروج آدم من الجنة
قال ابن حجر: وفيه تعريض من آدم لموسى كأنه يقول: يا موسى ما حصلت لك هذه الكرامات إلا بعد أن نزلت أنا من الجنة، وإلا لو كنا بقينا في الجنة ما كان لك هذه الكرامات، والمراتب العالية، هل لو بقي آدم في الجنة كان هناك فرعون، ولما أرسل الله موسى إليه، ولما ضرب البحر بعصاه، ولا كان معه الحية والثعبان.
فكأنه يقول: اتق الله ، واحمد الله على هذا الفضل، فبسبب نزولي من الجنة إلى الدنيا حصلت لك هذه المقامات العلية وإلا لو بقيت أنا في الجنة كنت أنت بقيت من سائر الناس، ولما كان هناك ابتلاء، ولذلك فلله الحكم البالغة، كيف أنزل آدم؟ لكن الظاهر أن نزول آدم من الجنة كان مصيبة، وإننا نسترجع منها، ونقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلما ذكرناها قلنا: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لأنها مصيبة وسبب كونها مصيبة لأمور:
أولاً: لو كنا في الجنة ما كان علينا تكاليف، لا صيام ولا صلاة ولا حج ولا عمرة ولا زكاة، وكنا مرتاحين.
الأمر الثاني: ما كان علينا مصائب وآلام وأحزان، فهذا مشلول وهذا مبتلى بالعمى، وهذا بالصمم، والمستشفيات مليئة، وحوادث السيارات، والأزمات، وغلاء الأسعار، وتخريب البيوت، والدمار والبراكين والحروب، وضرب الطائرات والصواريخ، كل هذه المصائب ما كانت توجد، وكنا في أمن وسكينة في الجنة.
والأمر الثالث: لو كنا في الجنة، ما كان انقطع نعيمنا أبداً، لكن هناك نعيم أراده الله لنا:
أولاها: أن الله لما أنزل هذا الخلق منهم الأنبياء والرسل ومنهم الشهداء والصالحون، ومنهم الأخيار والذاكرون، ومنهم الصوام والقوام، ومنهم العباد والدعاة، ومنهم المجاهدون والمستبسلون، فهذا فضل من الله .
ثم الفضل الآخر أن الله جعل منازل الجنة بهذه المنازل، ثم الأمر الآخر: أن الله امتحننا بالعبودية فصدقنا، فإنك إذا أتيت تعطي ابنك الجائزة بعد أن بذل وجد في الامتحان؛ كان في نفسك اطمئنان أنك أعطيته بحق، وهو يفرح لأنه أدى وعمل، وأما الطفل الصغير الذي لا يعرف ألف ولا باء ولا تاء ولا جيم ولا ثاء، فتأتي تعطيه الجائزة هو سيأخذها وهو يدري أنه ليس هناك جدارة، وأنت في نفسك لست فرحاناً بهذه الجائزة التي أعطيته، وذلك لأنه يكسر نوافذ الناس بالحجارة، أو يؤذي الناس بصوته، لكن مادام قد أعطيته هذا الفضل فقد استحق الفضل هذا، فهو من أرباب الفضل.
فالأدب في الحوار كان وارداً، وكان سمتاً حسناً، ولذلك لما قرأ ﷺ سورة الكهف أخذ يسافر بروحه وبكيانه مع موسى والخضر وهما في سفر عجيب وفي حوار غريب، فلما انتهى القصص، قال الخضر ﵇: هذا فراق بيني وبينك، قال ﷺ وهو يريد أن يستمر في الحوار، يقول: ﴿يرحم الله موسى ليته صبر حتى يقص علينا من خبرهما﴾ كأنه ﷺ يقول: استعجل موسى، وليته صبر قليلاً حتى نسمع كثيراً من الأخبار العجيبة؛ لأن الرسول ﷺ كان يعيش الأنس والمتعة، ويعيش التربية والأدب، ويعيش التفقه مع القرآن، كان يقرأ القرآن -كما يقول سيد قطب - على خلاف ما نقرأه الآن، الواحد منا إلا من رحم الله إذا قرأ سورة القصص، يفكر: متى ينتهي منها ويمر بقصة موسى عشرين مرة، وهي قصة معروفة يعرفها حتى الأطفال، ولكن في قراءتها متعة ما بعدها متعة، وسلوى ما بعدها سلوى، ولذلك يتنقل بك القرآن في حدائق غناء وقصص عجيبة، وهو كتاب السماء، وهو كتاب الأعاجيب، مرة يقص عليك قصة يوسف وأنت تعيش معه في الجب وفي القصر، ثم في السجن، ومع الأبناء ومع الإخوة، وفي الرؤية، فما تنتهي من السورة حتى امتلأت علماً ويقيناً وإيماناً، ومرة يمر بك في الحدائق الغَنَّاء فيصف لك الأشجار السامقة، والتلال الوامقة، والنجوم اللامعة، والشمس الساطعة، وخرير الماء، وزقزقة العصافير، ويتركك من هذا المشهد، وينتقل بك إلى يوم القيامة، فإذا الأهوال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٥] وبينما أنت في ذلك الرعب ينتقل بك في ساحة الجهاد وإذا السيوف تلمع، وإذا الرماح تأخذ الأنفس والأرواح.
ولذلك يقول أبو العلاء المودودي في كتاب كيف تقرأ القرآن وهو كتاب من أحسن ما كتب، يقول: العجيب في القرآن أنه ليس كأي كتاب من كتب البشر، نحن الآن البحوث التي تقدم في الكلية، أو في أي مؤسسات علمية، يأتي أولاً قال: البحث فيه ثلاثة أبواب، والباب فيه أربعة فصول، والفصل فيه مطالب، والمطلب فيه فقرات، وهنا فهرس، ومقدمة الباحث، وكلام المشرف، والتعقيب، والحاشية، لكن القرآن لا يسلك هذا المسلك، يسلك بك مسلكاً عجيباً يتحدث لك في الكون، وبينما تقول سوف يستمر في الكون ينتقل بك إلى الطلاق، وأنت في الطلاق ومصارعة الزوج مع زوجته والمشاكل العائلية، وإذا بك في الحديقة وهو يتكلم لك عن الأزواج البهيجة، في الورود والزهور والماء، وبينما أنت كذلك وإذا به يدخل بك على الملوك، ويأمرهم بالعدل ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦].
ومن أسرار القرآن أنه لا يدعوك إلى فن من الفنون التي أتى بها البشر، هو ليس كتاب هندسة، وقد سبق هذا الكلام، ولذلك بعض الناس يقول في القرآن هندسة، فنقول له من أين الهندسة؟ قال: فيه دليل على أن الخط المستقيم أقرب خط بين نقطتين، قلنا: من أين؟ قال: من قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هذا ورد في تفسير موجود، ويقول: الخط المثلث دائماً زواياه منفرجة، قلنا: من أين؟ قال: من قوله في سورة المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] فهذا ليس بصحيح.
وقال آخرون: القرآن كتاب جغرافيا، لأنه ذكر التضاريس، وذكر المناخات والمحيطات وهذا ليس بصحيح، وقال آخرون: القرآن كتاب طب، من أين؟ نعم هو يذكر لمحات لكن القرآن كتاب هداية، يهدي البشر، ويحكم الدنيا بحكم الله، ويقود الإنسان إلى الله، الذي لا يعرف السر هذا فسوف لا يهتدي بالقرآن الكريم كثيراً.
القرآن كتاب هداية، وليس كتاب تاريخ ولا جغرافيا ولا هندسة ولا طب، وما أخبرنا متى ولد فرعون وكم عند فرعون من الأبناء والبنات، ولا متى توفي، إنما أخبرنا أنه مجرم، وأنه ضل، وأخبرنا أن موسى مهتد، وأنه دعاه إلى الله، ولا أخبرنا متى انتقل ﷺ من مكة إلى المدينة، ومتى وصل إلى المدينة بحفظ الله ورعايته في الساعة كذا من يوم كذا في تاريخ كذا، ومن الذي كان على كبار مستقبليه، وكيف استقبل بحفاوة وتكريم، لا، ولم يخبرنا عن قارة آسيا ولا إفريقيا ولا أمريكا الشمالية والجنوبية، ولا استراليا.
ولم يخبرنا عن المناخ كذلك، أن الرياح تنخفض في المنخفضات وترتفع في المرتفعات، وأنها إذا هبت في وقت البرودة فهي باردة، وإذا هبت في وقت الحر فهي حارة، لا، إنما أخبرنا أنه يريد أن يقود الإنسان إلى الله.
стр. 3391
مذهب أهل السنة في الجنة التي أخرج منها آدم
المسألة الثالثة عشرة: الجنة التي أخرج منها آدم جنة الخلد، وهذه مسألة خلافية بين أهل السنة، حتى يقول بعضهم: هذه الجنة في الدنيا وليست جنة الخلد؛ لأن من يدخل الجنة لا يخرج منها، هذا شيء؛ ولأنه كيف أخرج آدم من الجنة، هل سقط من السماء وما أخبرنا الله كيف سقط، ولا الوسيلة التي نزل منها، ولكن الصحيح أنه كان في جنة الخلد، لعدة أمور:
أولاً: قال : ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] وقال : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢٣] فدليل على أنه هبط من علو وقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه:١١٨ - ١٢٠] وهذا دليل على الذين قالوا: إن جنة الخلد ليست في السماء، لكن قالوا: الشيطان كيف يدخل الجنة؟ الشيطان لا يدخل الجنة، ولذلك يأتي بعض الخرافيين يقول: الشيطان لما أراد أن يدخل الجنة احتال بحيلة، قلنا: ما هي الحيلة؟ قال: ابتلعته حية، ثم دخلت الحية الجنة، يعني كأن الله بغفلة عن هذا، وهو يخادع من؟! رب السماوات والأرض، الذي خلق الجنة وخلق الناس، وكأن علم الله لا يدرك أن في باطن الحية شيطاناً، ورد هذا في بعض كتب التفسير، والصحيح أنه وسوس، وأنه ابتلى به العبد حتى في السماء، لما خلق الله آدم كان الشيطان موجوداً ذاك الوقت، وما أعلم دليلاً على أن الشيطان لم يكن في الجنة، لكن هناك دليل على أن الشيطان لا يدخل الجنة فيما بعد، فالجنة التي أخرج منها هي جنة الخلد، التي نسأل الله أن يعيدنا إليها:
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو
من هو العدو؟ إنه الشيطان، يقول ابن القيم: يا عبد الله، عد إلى جنتك الأولى التي كان فيها أبوك، فمن يشابه أبه فما ظلم، فأنت إذا أذنبت فتب حتى تعود إلى الجنة، لأنها دارك الأولى.
ومما يجب على المسلم أن يعتقده في القضاء والقدر: أن يؤمن بالقضاء والقدر، ويفعل الأسباب، فإن القضاء والقدر لا ينافي فعل الأسباب، فمن نفى القضاء والقدر فقد نفى أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وقد ابتدع في دين الله، ومن عطل الأسباب فقد تخاذل وأصابه الوهن والكسل والعياذ بالله.
إذاً فنحن مأمورون أن نفعل الأسباب، ونؤمن بالقضاء والقدر، يقول رجل لرسول الله ﷺ وسأله عن ناقته قال: يارسول الله أأعقل ناقتي أم أتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل، فنحن أهل سبب وأهل إيمان بالقضاء والقدر، فمن أراد أن ينجح فليسأل الله تعالى النجاح وليثابر على المذاكرة؛ فإن الله سوف يوفقه ويهديه سواء السبيل، فالأسباب لا يعطلها القضاء والقدر.
وبعض الناس يبلغ بهم التواكل إلى إيمانهم بالقضاء والقدر، فيقولون كل شيء بقضاء وقدر، فلا نحرص على شيء ولا نفعل شيئاً، وبعضهم يحرص على الأسباب، ولذلك ذكروا عن بعض الحمقى، قيل جحا وقيل غيره، كان يريد أن يشتري حماراً من السوق، فقيل له: أين تريد؟ قال: أريد أن أشتري حماراً، قالوا: قل إن شاء الله، قال: لماذا أقول إن شاء الله؟ الدراهم موجودة والحمار موجود في السوق، فذهب فضاعت منه الدراهم، فعاد إلى بيته قالوا: أين الحمار؟ قال: ضاعت الدراهم إن شاء الله!
فالآن تذكر (إن شاء الله فالآن أبطل القضاء والقدر، وبعض الناس من أهل التصوف أبطلوا الأسباب، فبعضهم يخرج في الصحراء، قيل له: خذ خبزاً، قال: لا.
الله هو الرزاق العليم، فيذهب فإذا توسط الصحراء بحث وبحث ودعا الله أن ينزل له خبزاً من السماء، ثم يموت، لأنه ترك الأسباب.
وقد ذكر ابن تيمية عن هؤلاء المتواكلين الصوفية عجائب لا يعلمها إلا الله ، لكن نحن أهل الإسلام وأهل السنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- مأمورون أن نؤمن بالقضاء والقدر، ونؤمن بتعاطي الأسباب، وسمعت أنا شخصاً -نسأل الله أن يهديه- يقول لزميله وهو يذاكر، قال: ذاكر والله لن تنجح إلا بالمذاكرة، لأن ذاك كان يدعو بعد الصلاة، قال: ضيعت الوقت يا أخي تعال ذاكر، قال: أنا أدعو الله بالنجاح، قال: النجاح أن تذاكر لا أن ترفع يديك بعد الصلاة، نعوذ بالله، وهذا فجور وفسق، إن فعله بجهل فيُعَلَّم، وإن كان علم فإنه فاجر فاسق، فنحن مأمورون بكثرة الدعاء وببذل الأسباب، وإذا بلغت الأمور مبالغها، وقد اجتهدنا فلا لوم، المعاتبة تأتيك والأسف إذا لم تفعل شيئاً ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال ﵊: ﴿احرص على ما ينفعك﴾ انظر ما أحسن اللفظ: ﴿احرص على ما ينفعك﴾ من أمور الدنيا والدين ﴿واستعن بالله ولا تعجز﴾ لأن العجز مخالفة الأسباب أو تركها ﴿فإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، لكن قل: قدر وما شاء فعل﴾ فهذا معنى قدر الله وما شاء فعل، هذا مكانها، وهذا موضعها، إنسان يذاكر لينجح، فلما ذاكر وسهر وبذل ولخص وراجع، وشرح وأدمن القراءة، كتب الله عليه أن يرسب؛ فله أن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فنقول: صدقت وأحسنت وآجرك الله على هذه المصيبة، لكن إنسان نام وكتبه ليست موجودة ولا يدري ما هو المقرر، ودائماً يسأل الناس قبل دخول القاعة، ويقول: النجاح على الله ثم رسب، فيقول له الناس: ما لك؟ فيقول: قدر الله وما شاء فعل، كلامه صحيح لكنه ملام، لأن كسبه ليس معه، فلم نلم الأول لأنه كسب وكسبه معه، فكسبه يدافع عنه، وهذا نلومه لأنه ليس له كسب.
стр. 3392
بيان معنى قوله: (وأعطاك كل شيء)
المسألة الرابعة عشرو:
من المسائل التي وردت معنا يقول آدم ﵇ لموسى: ﴿وأعطاك كل شيء﴾ هنا يمدح آدم موسى فيقول: ﴿أعطاك كل شيء﴾ يقول ابن حجر: هذا عام يريد به الخصوص، ونحن نعرف أن الله لم يعط موسى كل شيء، ما أعطاه فضلاً مثل محمد ﵊، ولا أعطاه الشفاعة الكبرى، ولا ختم به الرسل، ولكن المعنى: أعطاك كل شيء مما تقبله أنت أو مما أعطاك، مثل قوله للملكة بلقيس كما في سورة النمل قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] مع العلم أنها لم تؤت من هذه الوسائل العصرية، لا التلفون ولا طائرة، ولا صاروخ ولا سيارة، ولا أوتيت حتى من ملك سليمان، ليس عندها من الجن من يصنعون لها جفان كالجواب، وقدور راسيات، وما آتاها الطير، وما كان لها الريح، وما سخر لها بعض الأمور، لكن هذا عام أريد به الخصوص، يعني مما تقبل، أو مما يقبل الملك أو يقبله الملك.
مثل ذلك يقول : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] الريح هذه هل دمرت كل شيء؟ لا، ما دمرت السماء الأرض، ولا دمرت الهواء، وإنما قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] وبعدها يدل على أنه لم يرد به كل شيء، قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] بقيت المساكن، فدمرت ما يقبل التدمير.
ولك في العموم أن تقول: جاء الناس ما بقي منهم أحد، من كثرتهم وقد بقي منهم ألوف مؤلفة، أو تقول: ذهب الناس للحج جميعاً وما بقي أحد وقد بقي منهم ألوف مؤلفة، فهذا إذا رأيته في القرآن فهو من العام الذي أريد به الخصوص، وقد يراد بالخصوص العموم في سور أخرى، وهذا مكانها في كتب أصول الفقه.
стр. 3393
مراجعة الفاضل من هو أفضل منه
المسألة الخامسة عشرة:
مناظرة العالم لمن هو أعلم منه، والابن أباه، على المسلم أن يتواضع وأن يقبل الحق من أي أحد، وللتلميذ أن يسأل الشيخ، يقف التلميذ ويقول للشيخ: كيف تفعل كذا وكذا؟ ولذلك يقول أحد الصوفية: لا يفلح التلميذ إذا قال لشيخه: لماذا هذا الأمر؟ قال الذهبي معلقاً عليه: والله يفلح ثم يفلح والدين عند الصوفية ألا ترفع أذنك ولا رأسك ولا عينك، وكل ما يقال لك تأخذه، ولذلك تطمس عندهم الذاكرة، وهذا دين النصرانية فهم يؤمنون بأن الواحد ثلاثة، وإذا قلت: لماذا؟ قالوا: أنت لا تصلح في الكنيسة، أنت نجس! مع أن الطفل الذي عمره ثلاث سنوات يعرف أن الثلاثة ثلاثة، لكن هم يقولون: الواحد ثلاثة، إذا قلت: لماذا الواحد ثلاثة؟ قالوا: أنت لا تصلح للنصرانية، بينما الله ذكر لنا العقل في القرآن قال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] وقال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] يقول: أي إنسان يريد أن يجادلك في مسألة، قل: هل عندك دليل؟ عليك بالدليل حتى ولو كان من كان، ولو كان شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا جاء بمسألة؛ لك أن تمسك بتلابيب ثوبه بلطف، وتقول: يا شيخ الإسلام يا ابن تيمية! ما هو دليلك في هذه المسألة؟ هل عندك دليل من المعصوم ﷺ ، فأي إنسان لا يمكن أن يشرع في الدين، إذا قال لك أحد: هذه المسألة الصحيح فيها كذا وكذا، فتقول: لماذا الصحيح فيها؟ قال: لأن فلاناً فعله، وهل فلان مشرع، هؤلاء يحتج لأقوالهم ولا يحتج بأقوالهم، هم بحاجة إلى أن نبحث لهم عن أدلة من الكتاب والسنة، ولسنا بحاجة إلى أن نجعل أقوالهم أدلة ,ولذلك الهدهد جاء من اليمن، ووقف عند سليمان الملك، سليمان العظمة والعزة ﵇، الذي يقول: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥].
لذلك نسب إلى الحجاج نسأل الله العافية، يقول: أظن، سليمان كان فيه حسد، قالوا: استغفر الله، قال: نعم، يقول: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] نعوذ بالله وعليه من الله ما يستحقه، بل سليمان أراد الملك ليسخره في طاعة الله ، فلما أتى الهدهد قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] يقول: عندي علم، وعندي شيء أنت ما أدركته، فتواضع له سليمان ﵇.
إذاً: فالعالم يباحث ويسأل، وإذا رأيت الأستاذ والمدرس والمعلم في الفصل يلغي الأسئلة، ويلغي الحوار فاعرف أنه لأحد سببين:
إما أنه فاشل ليس عنده من العلم شيء، فلا يريد أن يفضح نفسه بين الناس، أو أنه دكتاتوري ظالم، يريد أن يفرض سيطرته في الفصل ويلغي عقول الناس، يقول لخمسين تلميذاً أو ستين أو مائة بعد أن يلغي إرادتهم تماماً: هذا الحق الموجود، فإذا رفع أصبعه قال: اسكت، خذ هذا وفي الامتحان تجيب بهذا.
وإلا فالرسول ﵊ أعلم الناس وأهداهم وأفقههم وأخشاهم، سأله الصحابة وأجاب، وسأل الأمم أنبياءهم بلا تعنت وأجابوا، وسأل التلاميذ علماء الإسلام فأجابوا، فالسؤال للتعليم وارد.
стр. 3394
إثبات القدر وخلق أفعال العباد
المسألة السادسة عشرة:
إثبات القدر، وخلق أفعال العباد، فأفعالنا مخلوقة، فمثلاً: إذا وضعت يدي هكذا، فهذا الشيء قد كتبه الله قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أخذ الحسن البصري أصبعه فوضعها في راحته، قال: والذي لا إله إلا هو لقد كتب الله وضع أصبعي هذه على يدي قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كل شيء وقع في الكون من ذرة أو حركة أو سكنة أو لفظة أو لمحة أو ضوء، أو مسار أو أي شيء فهو بقضاء وقدر ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
لذلك بوّب البخاري بـ خلق أفعال العباد، وأتى فيه ﵀ بمسائل وهو من أهل السنة وأئمتهم.
وفي الختام نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يفقهنا في دينه، وسلام على آدم يوم وقف في موقف الحوار، وسلام على موسى يوم ناقش أباه وجلى الأمر على جلية، وسلام على أنبياء الله المرسلين وعلى عباده الصالحين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، ووفقنا لكل خير، وخذ بأيدينا إلى كل رشد.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3395
مع الذاكرين
إن الذكر أفضل العبادة بعد الفرائض، وهو شبه إجماع بين أهل العلم، وما ذاك إلا لعظمته، ولأنه هو الحبل المتين بين العبد وربه، وفي هذا الدرس بيان فضل الذكر في القرآن والسنة، وأخبار الذاكرين، وفوائد الذكر، والفرق بين الذكر الشرعي والذكر البدعي.
стр. 3396
وقفات مع الذكر والذاكرين
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
درس هذا اليوم بإذن الله وقدرته عنوانه: (مع الذاكرين).
وعناصر هذا الدرس أذكرها، ثم أزف لكم بشرى التائبين.
فضل الذكر في القرآن، ثم فضله في السنة، وأخبار الذاكرين، وهديه ﷺ في الذكر، وأقسام الذكر، ومن هم الذاكرون الله كثيراً، مناسبات الذكر وفوائده وأوقاته، وآخرها الذكر الشرعي والذكر البدعي.
стр. 3397
الوقفة الأولى: فضل الذكر في القرآن الكريم
إن العودة إلى الله حسنة جميلة ولكنها في رمضان أحسن وأحسن، والتوبة النصوح واجبة على كل مسلم ومسلمة، لكنها في رمضان أوجب وأوجب، وهنيئاً لمن تاب في هذا الشهر وعاد إلى الله، وراجع حسابه مع ربه وعلم أنه سوف يلقاه.
وأزف لكم بشرى أن كثيراً من شباب الإسلام في هذه الأيام المنصرمة من أول رمضان قد عادوا إلى الله وأعلنوا توبتهم وراجعوا حسابهم مع الله، والله يقول لهم في محكم كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
كان منبر الرسول ﵊ ثلاث درجات من خشب وفي رمضان ﴿رقى ﵊ المنبر في المدينة، رقى الدرجة الأولى، فقال: آمين، ثم رقى الثانية، فقال: آمين، ثم رقى الثالثة، فقال: آمين.
قالوا: يا رسول الله! ما معنى آمين؟ قال: جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد! رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك، قلت: آمين، ثم قال لي: يا محمد! رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، قل: آمين، قال: قلت: آمين.
ثم قال لي: يا محمد! رغم أنف من دخل عليه رمضان وخرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين﴾ رغم أنفه، أي: ألصق بالرغام، والرغام هو دقيق التراب، أي: خسئ وخاب وخسر وبعد عن الله يوم أدركته هذه الفرصة الذهبية الهائلة، التي لا تتكرر إلا قليلاً، ثم فوتها وضيعها.
إخوتي في الله: أعظم درس في رمضان أن يتوب العبد مع أهله وأسرته وبيته، ويعيش عيشة إسلامية، والذين لم يهتدوا إلى الطريق فإنهم مساكين، وكذلك الذين ما عرفوا ذكر الله، ولا كتابه ولا الطريق إليه.
من هنا كان حقاً على المسلم أن يذكر إخوانه في هذا الشهر بدرس عظيم، طالما ذكَّرَ به رسول الله ﷺ وهو درس الذكر: ذكر الله ﵎.
أما فضل الذكر فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه: أفضل العبادات بعد الفرائض الذكر، وهو شبه إجماع بين أهل العلم.
شبه إجماع أن أفضل النوافل بعد الفرائض ذكر الله ﵎، ولكن ننصت نحن وإياكم إلى قضايا لننفذ إلى مسائل.
طريقان موصلتان إلى رضوان الله ﵎: طريقة الفكر، وطريقة الذكر.
التفكر في آلائه ونعمه ، والذكر لأسمائه وصفاته وذكره الشرعي، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
الصالحون إذا اجتمعوا ذكروا الله، والفجرة إذا اجتمعوا تذاكروا ما يقربهم من الشيطان، ذكر الصالحين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل، وذكر المعرضين غناء ومجون وسفه وغيبة ونميمة وفحش.
يقول الأول:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
يقول: يا رب! قلوبنا إذا مرضت تداوت بذكرك فصحت، أما قلوب اللاغين فتمرض من كثرة اللغو فلا تحيا ولا تصح أبداً.
قال سبحانه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والقلوب مهما علقتها بلذائذ الدنيا فلن تطمئن أبداً، تعلق بعض الناس بالمناصب، وبعضهم بالقصور، وبعضهم بالأموال، وبعضهم بالأولاد، ولكن لم تصح قلوبهم ولا طابت، وما انشرحت صدورهم أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طه:١٢٤ - ١٢٦] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢].
стр. 3398
الوقفة الثانية: معنى قوله تعالى: (اذكروا الله ذكراً كثيراً)
وهنا كلام لأهل العلم، في معنى قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] متى يكون الإنسان من الذاكرين الله كثيراً؟
يقول ابن الصلاح: من ذكر الله في الصباح وفي المساء بالأذكار الشرعية المأثورة عن معلم الخير، فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وقال ابن عباس ﵄: [[ذكر الله كثيراً أن تذكره في الليل والنهار، وفي الحل والترحال، وفي السراء والضراء]].
وقال ابن تيمية: من داوم على الأذكار الشرعية التي علمها معلم الخير ﵊ وذكرها، كذكر دخول المسجد والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، والاستيقاظ والنوم والبدء بالطعام والانتهاء منه، ولبس الثوب وغيرها فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وقال بعض العلماء: ذكر الله كثيراً ألا يجف لسانك من ذكره.
والدليل على ذلك حديث عبد الله بن بسر في الترمذي وأحمد بسند صحيح، قال: ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾
قالوا لأحد الصالحين وهو في سكرات الموت: اذكر الله.
قال: ما نسيته لأذكره.
وكان الجنيد بن محمد ﵀ -وهو من أولياء الله الصالحين- في سكرات الموت يقرأ القرآن، قالوا: أنت مشغول بالموت عن القرآن، قال: ومن أحوج الناس إلى العمل الصالح إلا أنا.
وقال سبحانه في كتابه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
يقول أحد الصالحين: والله إني أعلم متى يذكرني ربي، قالوا: متى يذكرك ربك؟ قال: إذا ذكرته.
يقول سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نزحا
واذكروا صباً إذا هادى بكم شرب الدمع وعاف النزحا
أيها الإخوة الأبرار: ذكر الله في الكتاب على أضرب، إذا ذكر الذكر مطلقاً فمعناه التسبيح والتهليل والتحميد، ويذكر مقيداً ويبين القيد الذي ذكره الله معه.
стр. 3399
الوقفة الثالثة: فضل الذكر في السنة
اسمع إليه ﵊ وهو يتحدث عن فضل الذاكرين، يا شيخاً كبيراً شابت لحيته وشاب رأسه ورق عظمه! ألا أدلك على أحسن الأعمال؟ عليك بذكر الله.
يا شاباً قوي البنية بهي الصورة ألا أدلك على عمل يكفل لك أحسن الأعمال! عليك بذكر الله، لن تجد أبداً أفضل من الذكر، في صحيح مسلم عنه ﵊، أنه قال للصحابة: ﴿سيروا هذا جمدان - جمدان جبل في خليص، لا يزال يبيت ويصبح ويمسي مع أهل خليص، جبل رآه ﵊ كبير- فقال للصحابة: سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾ والمفرد قالوا: هو الذي قطع صفته بالعمل الصالح، وقيل المفرد: هو الذي امتاز بالعمل، أي: امتاز بالذكر من بين إخوانه، وتجد الناس في المجالس كلٌ يذكر ما يحب.
يقول الغزالي صاحب الإحياء، محمد بن محمد أبو حامد: إذا دخل مجموعة في مجلس تكلم كل واحد منهم عما يحب، أو بما يحب، فالنجار إذا دخل في المجلس تجده يتكلم في الخشب وفي الأبواب، وكيف ركبت، وكيف صرفت، وكيف أخرجها النجار وصقلها.
أما الحداد فيتكلم في الحديد وفي تركيبه، وأما البناء فيتكلم في روعة البناء، وأما النقاش فيتكلم في الطلاء وفي نقشه من أصفر وأحمر وأبيض، وأما صاحب القماش والبزاز فيتحدث في الأقمشة.
ولكن أولياء الله يذكرون الله ويتحدثون فيما يقربهم من الله، والذاكرون هم أقرب الناس إلى الله ﵎.
يقولون: إن يوسف ﵇ -وناقل هذه القصة ابن رجب في جامع العلوم والحكم - نزل الجب يوم أنزله إخوانه، وكان غلاماً صبياً، أنزلوه في الجب وهو البئر، وقيل: فيه صخرة وبقية ما حول الصخرة ماء، فنزل على الصخرة في الليل، لا رفيق ولا صاحب إلا الله، ولا مؤنس إلا الله، فأخذ يذكر الله حتى يقول: كانت الحيتان تهدأ في البحر ولا يهدأ هو من التسبيح، وكانت الضفادع تسكن من النقنقة، ولا يسكن هو من ذكر الله، فالله حفظه؛ لأنه حفظ الله.
ويقول سبحانه عن يونس بن متّى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
والمسبحون هم: الذين يجري ذكر الله على ألسنتهم في الضراء والسراء، يقول النبي ﷺ في حديث صحيح عند الترمذي وغيره: ﴿ألا أدلكم على أفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله﴾ أعظم من نوافل الجهاد، وأعظم من نوافل الصدقة، ونوافل الصيام؛ ذكر الله ﵎ دائماً.
стр. 3400
الوقفة الرابعة: من أخبار الذاكرين
أما أخبار الذاكرين في ذلك: فورد أن خالد بن معدان كان يذكر الله في اليوم أربعين ألف مرة.
وأما يوسف بن أسباط، فقالوا: كان يذكر الله مائة ألف، ويسبح الله ويهلله ويكبره.
فهؤلاء قوم قضوا أنفاسهم مع الله، ولا إله إلا الله كم نتكلم ونتحدث ونلغو، وكم نلهو، فأي نصيب جعلناه لذكر الله؟! وأي وقت صرفناه للذكر؟!
يقول ﵊ عن الذكر والذاكرين في صحيح البخاري عن أبي موسى: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت﴾.
فالذين لا يذكرون الله فإن كانوا يأكلون ويشربون، ويغنون ويزمرون، ويطبلون ويسرحون ويمرحون فهم أموات، كما قال الله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١] الميت حقيقة هو: الذي لم يعش مع القرآن والإيمان والمسجد وطاعة الله ، وما استنار بنور محمد ﵊، والذي لم يعرف معنى الحياة، قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
والظلمات هي: ظلمات المعصية والشهوة، والبعد عن الله ﵎، لذلك يقول ﵊ كما عند مسلم في الصحيح: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ وفي رواية: ﴿أو غربت﴾ الدنيا سهلة، ذهبها رخيص، وفضتها رخيصة، ويوم توزن بالأعمال لصالحة لا قيمة لها، لأن قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلى محمد ﵊ مما طلعت عليه الشمس أو غربت.
وعند الترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة﴾ انظروا كم يفوتنا من النخلات، لا إله إلا الله! لو غرسنا بهذا الذكر عند الله في دار الرضوان كنا من الفائزين؟!
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
следующие страницы →