Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
وقفات مع الذكر والذاكرين
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
درس هذا اليوم بإذن الله وقدرته عنوانه: (مع الذاكرين).
وعناصر هذا الدرس أذكرها، ثم أزف لكم بشرى التائبين.
فضل الذكر في القرآن، ثم فضله في السنة، وأخبار الذاكرين، وهديه ﷺ في الذكر، وأقسام الذكر، ومن هم الذاكرون الله كثيراً، مناسبات الذكر وفوائده وأوقاته، وآخرها الذكر الشرعي والذكر البدعي.
стр. 3397
الوقفة الأولى: فضل الذكر في القرآن الكريم
إن العودة إلى الله حسنة جميلة ولكنها في رمضان أحسن وأحسن، والتوبة النصوح واجبة على كل مسلم ومسلمة، لكنها في رمضان أوجب وأوجب، وهنيئاً لمن تاب في هذا الشهر وعاد إلى الله، وراجع حسابه مع ربه وعلم أنه سوف يلقاه.
وأزف لكم بشرى أن كثيراً من شباب الإسلام في هذه الأيام المنصرمة من أول رمضان قد عادوا إلى الله وأعلنوا توبتهم وراجعوا حسابهم مع الله، والله يقول لهم في محكم كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
كان منبر الرسول ﵊ ثلاث درجات من خشب وفي رمضان ﴿رقى ﵊ المنبر في المدينة، رقى الدرجة الأولى، فقال: آمين، ثم رقى الثانية، فقال: آمين، ثم رقى الثالثة، فقال: آمين.
قالوا: يا رسول الله! ما معنى آمين؟ قال: جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد! رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك، قلت: آمين، ثم قال لي: يا محمد! رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، قل: آمين، قال: قلت: آمين.
ثم قال لي: يا محمد! رغم أنف من دخل عليه رمضان وخرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين﴾ رغم أنفه، أي: ألصق بالرغام، والرغام هو دقيق التراب، أي: خسئ وخاب وخسر وبعد عن الله يوم أدركته هذه الفرصة الذهبية الهائلة، التي لا تتكرر إلا قليلاً، ثم فوتها وضيعها.
إخوتي في الله: أعظم درس في رمضان أن يتوب العبد مع أهله وأسرته وبيته، ويعيش عيشة إسلامية، والذين لم يهتدوا إلى الطريق فإنهم مساكين، وكذلك الذين ما عرفوا ذكر الله، ولا كتابه ولا الطريق إليه.
من هنا كان حقاً على المسلم أن يذكر إخوانه في هذا الشهر بدرس عظيم، طالما ذكَّرَ به رسول الله ﷺ وهو درس الذكر: ذكر الله ﵎.
أما فضل الذكر فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه: أفضل العبادات بعد الفرائض الذكر، وهو شبه إجماع بين أهل العلم.
شبه إجماع أن أفضل النوافل بعد الفرائض ذكر الله ﵎، ولكن ننصت نحن وإياكم إلى قضايا لننفذ إلى مسائل.
طريقان موصلتان إلى رضوان الله ﵎: طريقة الفكر، وطريقة الذكر.
التفكر في آلائه ونعمه ، والذكر لأسمائه وصفاته وذكره الشرعي، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
الصالحون إذا اجتمعوا ذكروا الله، والفجرة إذا اجتمعوا تذاكروا ما يقربهم من الشيطان، ذكر الصالحين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل، وذكر المعرضين غناء ومجون وسفه وغيبة ونميمة وفحش.
يقول الأول:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
يقول: يا رب! قلوبنا إذا مرضت تداوت بذكرك فصحت، أما قلوب اللاغين فتمرض من كثرة اللغو فلا تحيا ولا تصح أبداً.
قال سبحانه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والقلوب مهما علقتها بلذائذ الدنيا فلن تطمئن أبداً، تعلق بعض الناس بالمناصب، وبعضهم بالقصور، وبعضهم بالأموال، وبعضهم بالأولاد، ولكن لم تصح قلوبهم ولا طابت، وما انشرحت صدورهم أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طه:١٢٤ - ١٢٦] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢].
стр. 3398
الوقفة الثانية: معنى قوله تعالى: (اذكروا الله ذكراً كثيراً)
وهنا كلام لأهل العلم، في معنى قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] متى يكون الإنسان من الذاكرين الله كثيراً؟
يقول ابن الصلاح: من ذكر الله في الصباح وفي المساء بالأذكار الشرعية المأثورة عن معلم الخير، فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وقال ابن عباس ﵄: [[ذكر الله كثيراً أن تذكره في الليل والنهار، وفي الحل والترحال، وفي السراء والضراء]].
وقال ابن تيمية: من داوم على الأذكار الشرعية التي علمها معلم الخير ﵊ وذكرها، كذكر دخول المسجد والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، والاستيقاظ والنوم والبدء بالطعام والانتهاء منه، ولبس الثوب وغيرها فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وقال بعض العلماء: ذكر الله كثيراً ألا يجف لسانك من ذكره.
والدليل على ذلك حديث عبد الله بن بسر في الترمذي وأحمد بسند صحيح، قال: ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾
قالوا لأحد الصالحين وهو في سكرات الموت: اذكر الله.
قال: ما نسيته لأذكره.
وكان الجنيد بن محمد ﵀ -وهو من أولياء الله الصالحين- في سكرات الموت يقرأ القرآن، قالوا: أنت مشغول بالموت عن القرآن، قال: ومن أحوج الناس إلى العمل الصالح إلا أنا.
وقال سبحانه في كتابه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
يقول أحد الصالحين: والله إني أعلم متى يذكرني ربي، قالوا: متى يذكرك ربك؟ قال: إذا ذكرته.
يقول سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نزحا
واذكروا صباً إذا هادى بكم شرب الدمع وعاف النزحا
أيها الإخوة الأبرار: ذكر الله في الكتاب على أضرب، إذا ذكر الذكر مطلقاً فمعناه التسبيح والتهليل والتحميد، ويذكر مقيداً ويبين القيد الذي ذكره الله معه.
стр. 3399
الوقفة الثالثة: فضل الذكر في السنة
اسمع إليه ﵊ وهو يتحدث عن فضل الذاكرين، يا شيخاً كبيراً شابت لحيته وشاب رأسه ورق عظمه! ألا أدلك على أحسن الأعمال؟ عليك بذكر الله.
يا شاباً قوي البنية بهي الصورة ألا أدلك على عمل يكفل لك أحسن الأعمال! عليك بذكر الله، لن تجد أبداً أفضل من الذكر، في صحيح مسلم عنه ﵊، أنه قال للصحابة: ﴿سيروا هذا جمدان - جمدان جبل في خليص، لا يزال يبيت ويصبح ويمسي مع أهل خليص، جبل رآه ﵊ كبير- فقال للصحابة: سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾ والمفرد قالوا: هو الذي قطع صفته بالعمل الصالح، وقيل المفرد: هو الذي امتاز بالعمل، أي: امتاز بالذكر من بين إخوانه، وتجد الناس في المجالس كلٌ يذكر ما يحب.
يقول الغزالي صاحب الإحياء، محمد بن محمد أبو حامد: إذا دخل مجموعة في مجلس تكلم كل واحد منهم عما يحب، أو بما يحب، فالنجار إذا دخل في المجلس تجده يتكلم في الخشب وفي الأبواب، وكيف ركبت، وكيف صرفت، وكيف أخرجها النجار وصقلها.
أما الحداد فيتكلم في الحديد وفي تركيبه، وأما البناء فيتكلم في روعة البناء، وأما النقاش فيتكلم في الطلاء وفي نقشه من أصفر وأحمر وأبيض، وأما صاحب القماش والبزاز فيتحدث في الأقمشة.
ولكن أولياء الله يذكرون الله ويتحدثون فيما يقربهم من الله، والذاكرون هم أقرب الناس إلى الله ﵎.
يقولون: إن يوسف ﵇ -وناقل هذه القصة ابن رجب في جامع العلوم والحكم - نزل الجب يوم أنزله إخوانه، وكان غلاماً صبياً، أنزلوه في الجب وهو البئر، وقيل: فيه صخرة وبقية ما حول الصخرة ماء، فنزل على الصخرة في الليل، لا رفيق ولا صاحب إلا الله، ولا مؤنس إلا الله، فأخذ يذكر الله حتى يقول: كانت الحيتان تهدأ في البحر ولا يهدأ هو من التسبيح، وكانت الضفادع تسكن من النقنقة، ولا يسكن هو من ذكر الله، فالله حفظه؛ لأنه حفظ الله.
ويقول سبحانه عن يونس بن متّى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
والمسبحون هم: الذين يجري ذكر الله على ألسنتهم في الضراء والسراء، يقول النبي ﷺ في حديث صحيح عند الترمذي وغيره: ﴿ألا أدلكم على أفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله﴾ أعظم من نوافل الجهاد، وأعظم من نوافل الصدقة، ونوافل الصيام؛ ذكر الله ﵎ دائماً.
стр. 3400
الوقفة الرابعة: من أخبار الذاكرين
أما أخبار الذاكرين في ذلك: فورد أن خالد بن معدان كان يذكر الله في اليوم أربعين ألف مرة.
وأما يوسف بن أسباط، فقالوا: كان يذكر الله مائة ألف، ويسبح الله ويهلله ويكبره.
فهؤلاء قوم قضوا أنفاسهم مع الله، ولا إله إلا الله كم نتكلم ونتحدث ونلغو، وكم نلهو، فأي نصيب جعلناه لذكر الله؟! وأي وقت صرفناه للذكر؟!
يقول ﵊ عن الذكر والذاكرين في صحيح البخاري عن أبي موسى: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت﴾.
فالذين لا يذكرون الله فإن كانوا يأكلون ويشربون، ويغنون ويزمرون، ويطبلون ويسرحون ويمرحون فهم أموات، كما قال الله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١] الميت حقيقة هو: الذي لم يعش مع القرآن والإيمان والمسجد وطاعة الله ، وما استنار بنور محمد ﵊، والذي لم يعرف معنى الحياة، قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
والظلمات هي: ظلمات المعصية والشهوة، والبعد عن الله ﵎، لذلك يقول ﵊ كما عند مسلم في الصحيح: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ وفي رواية: ﴿أو غربت﴾ الدنيا سهلة، ذهبها رخيص، وفضتها رخيصة، ويوم توزن بالأعمال لصالحة لا قيمة لها، لأن قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلى محمد ﵊ مما طلعت عليه الشمس أو غربت.
وعند الترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة﴾ انظروا كم يفوتنا من النخلات، لا إله إلا الله! لو غرسنا بهذا الذكر عند الله في دار الرضوان كنا من الفائزين؟!
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
стр. 3401
الوقفة الخامسة: هدي النبي ﷺ في الذكر
يقول ابن القيم ﵀: كان الرسول ﵊ يذكر الله دائماً، نفسه ذكر، وكلامه ذكر، وأفعاله ذكر، يذكر ربه في الليل والنهار، قلبه معلق مع الله وهو مع الناس، وهو يتبسم، وهو يقاتل، وهو يفتي، وهو يعظ، وهو يأكل، وهو يشرب، وهو ينام، وكل حياته ﵊ ذكرٌ لله تعالى، قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
كان دائماً مع الله، وله ميزة وخصيصة ﵊ أنه إذا نام لا ينام قلبه، أما نحن فقلوبنا تنام إذا نمنا، ولذلك لا ينتقض وضوءه ﷺ إذا نام، وفي الصحيح أنه قام لصلاة الفجر؛ فقدم له الماء فقال: ﴿يا عائشة إنها تنام عيناي ولا ينام قلبي﴾ فهذه من خصائصه ﵊ أنه حيٌ سواء نام أم لم ينم.
نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك
فهو ﵊ ذاكر لله دائماً وأبداً، فحري بالمسلم أن يقتدي به، وهذا الشهر هو شهر مدرسة وتربية، ومن لم يذكر الله في هذا الشهر ويراجع حسابه مع الله فمتى يذكر الله؟!
من لم يجعل له من شهر رمضان وقوداً للتوبة والعودة إلى الله، والندم والأسف على ما مر من أيام انتهت وانقضت، وساعات تمزقت مع العابثين واللاهين، وليال أغلى من الذهب والفضة ذهبت مع المعرضين، وأوقات أحلى من العسل فاتت وذهبت فمتى يتوب ويندم؟: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] التفريط لا يدركه العبد إلا إذا قدم على الله:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
стр. 3402
الوقفة السادسة: أقسام الذكر
أقسام الذكر ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ذكر بالقلب واللسان، وهو أرفع الذكر وأعظمه، فالذكر أن تذكر الله بقلبك ولسانك، تسبح باللسان وأنت تتفكر في معنى التسبيح، تستغفر باللسان وأنت تتفكر في معنى الاستغفار، وتصلي على الرسول ﵊ بلسانك وأنت تعيش بقلبك معنى الصلاة، فهذا أرفعها.
القسم الثاني: ذكر الله بالقلب بلا لسان: من الناس من لا يحرك لسانه، لكن قلبه يذكر الله.
القسم الثالث: ذكر الله باللسان بغير القلب، وهذا مأجور عليه العبد، ولو أنه لا يصل إلى درجة ذكر القلب، ولا ذكر القلب باللسان، لكن يؤجر عليه، والدليل على ذلك ما رواه الترمذي بسند صحيح أن الرسول ﵊ قال: ﴿يقول الله ﵎: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه﴾ وقوله ﵊ عند الترمذي عن ابن بسر: ﴿لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فدل على أن ذكر اللسان بغير قلب يؤجر عليه العبد.
أبو مسلم الخولاني، أحد التابعين الكبار، يقولون: كانت لسانه لا تفتر من ذكر الله، دخل على الأسود العنسي مدعي النبوة عليه لعنة الله في صنعاء اليمن، أحد الثلاثين الكذابين الذين زعموا أنهم أنبياء- فدخل أبو مسلم الخولاني على الأسود العنسي فكذبه، فقال له الأسود: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً، فجمع له حطباً، وأوقد ناراً، وأُتي بهذا الرجل الصالح فألقوه في النار؛ فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، فلما قدم على أبي بكر، عانقه أبو بكر وعمر، وقالوا: مرحباً بمن فُعل به كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇.
هذا العبد يقولون: إنه كان لا يفتر أبداً من ذكر الله صباح مساء، وكان لا ينام إلا قليلاً من كثرة ذكره لربه ﵎.
ومن أقسام الذكر: طلب العلم ومدارسته؛ بل هو أعظمها عند أهل العلم، فجلوسك في معرفة الصلاة ومعرفة الصيام، ومعرفة البيع والشراء، ومعرفة أبواب الفقه، والتفسير والحديث، من أعظم أنواع الذكر عند الله ، وهي مجالس الجنة ومجالس الإيمان.
أما الذاكرون الله كثيراً، فقد سبق عرض ذلك، وهم: الذين يذكرون الله في كل لحظة، ولا يفتئون يذكرون الله دائماً وأبداً، وأقول لكم كما يقول السلف: من حافظ على الأذكار الشرعية الواردة عن معلم الخير ﵊، فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
стр. 3403
الوقفة السابعة: كتب في الذكر
وهناك كتب في الذكر أنصح بها، منها: الوابل الصيب لـ ابن القيم، ومنها: الكلم الطيب لـ ابن تيمية، ومنها: الأذكار للإمام النووي، وعدة الحصن الحصين وحبذا أن يكون معه تحفة الذاكرين للشوكاني؛ لأنه خرجه وحققه، فهذه الكتب تدلك على أبواب الذكر، ونقولاته ومناسبته وفوائده.
وهي من أحسن ما يرشح لقراءة هذا الموضوع.
стр. 3404
الوقفة الثامنة: مناسبات الذكر
لكل ذكر مناسبة، فمن عبوديتك لله؛ أن تقوم بهذا الذكر في هذه المناسبة، فمثلاً بعد الصلوات سن لك رسول الهدى ﵊ ذكراً وهو تسبيح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحميده ثلاثاً وثلاثين، وتكبيره ثلاثاً وثلاثين، والتهليل خاتمة المائة، وآية الكرسي، وقل هو الله أحد، والمعوذات، كذلك التهليل الوارد بعد الصلاة، وأنا لا أستقصي كل ذكر.
لكن أقول: ذكر المناسبة عليك أن تتقيد به، لا تأتي بذكر في غير موضعه، صحيح أنك تؤجر عليه، لكنه خلاف الأولى.
مثل: إنسان ترك التسبيح ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة، نقول: أنت مأجور، لكن خلاف الأولى، فالرسول ﵊ كان يسبح في هذا الموضع فسبح أنت، ومن الأمر المسنون عنه ﵊ قوله: ﴿سبحان ربي العظيم في الركوع﴾ فيأتي رجلٌ فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في الركوع، أو لا إله إلا الله، هذا أمر آخر مقيد، وهذه عبادة، وكذلك في السجود والتحيات وبين السجدتين، فهذا ذكر المناسبات، منه ما هو واجب، ومنه ما هو سنة، ومنه ما هو الأولى أن تفعله، ففي الصلاة واجب ما ورد فيه فلا تتعداه، وفي غيرها هو الأولى والأحسن والأطيب وصعود الجبال وحمل الأثقال ذكرها: لا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول أبو موسى والحديث في الصحيح: ﴿كنا نصعد ثنية، وكان الناس يرفعون أصواتهم بالتكبير ويقول - أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه: وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأتاني ﵊، وقال: يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: لا حول ولا قوة إلا بالله﴾ فلا حول ولا وقوة إلا بالله تناسب صعود الجبال، وحمل الأثقال، وكرب الأهوال.
ويناسب التفكر في آيات الله، وفي خلقك وبديع صنع الله؛ سبحان الله؛ لأنه للتسبيح وللتعجب من خلقه .
ويناسب ذكر المعصية والخطيئة والذنب؛ استغفر الله وأتوب إليه.
وذكر الرسول ﵊: الصلاة والسلام عليه، ﷺ دائماً وأبداً، إلى غير ذلك من المناسبات التي ذكرها معلم الخير ﵊.
والبدء بالطعام: بسم الله.
والرفع من الطعام: الحمد لله.
ودخول المسجد له ذكر والخروج من المسجد له ذكر وهكذا.
стр. 3405
الوقفة التاسعة: فوائد الذكر
عدّ بعض العلماء فوائد الذكر فأوصلوها إلى ما تقارب المائة فائدة:
منها: أنه يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويؤنس الجليس، ويعظم الأجر، ويزيل الخطايا والذنوب، ويوجد بهاءً في الوجه، ويشرح الصدر، ويوجد أنساً بين العبد وبين الله، ويكفر الخطايا ويتحف الجليس، ويحفظ العمر.
ومنها: أنه يقود إلى أشرف الطاعات.
ومنها: أنه يمنع من السيئات والخطايا كالغيبة والنميمة.
ومنها: أنه يرد القلب إلى مولاه؛ فيراجع حسابه مع الله، ويتوب ويندم.
ومنها: أنه يكافئ كثيراً من الأعمال الصالحة بل يزيد عليها.
ومنها: أن الملائكة تذكر الذاكر.
ومنها وهو أعظمها: أن الله يذكر من ذكره، لقوله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
ومنها: أن الذاكر لا يزال في رعاية من الله وفي معية خاصة.
ومنها: أن الذاكر لا يأتيه وساوس ولا واردات ولا هواجس.
ومنها: أنه ينفي القلق والهم والغم والحزن وتكدير الحياة والعيش.
ومنها: أنه يمد في العمر، ويزيد فيه، ويبارك في ساعاته.
ومنها: أنه يثلج صدر المؤمن.
ومنها: أنه قوة على أعمال أخرى، فيفتح للمؤمن أعمالاً أخرى من الذكر إلى غيرها من الفوائد.
يقول ابن القيم: ومن أعظمها أنه ينفي النفاق عنك.
فالمنافق لا يذكر الله، والله ذكر المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] ولا يداوم على ذكر الله منافق، فلا تجد المنافق يذكر الله في السوق، أو السيارة أو الطائرة أو المجلس، لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وأنت جرب بنفسك، إذا أردت أن ترى هل أنت مؤمن أو منافق فاسأل نفسك، هل أذكر الله دائماً وأبداً؟ هل أذكر الله وأنا مع الناس، في الجلوس والخروج في السوق، والطائرة والسيارة، إن كنت تفعل ذلك فأبشر ثم أبشر بالإيمان.
فإن أعظم علامة للمؤمنين أنهم يذكرون الله كثيراً، حتى في القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
стр. 3406
الوقفة العاشرة: أفضل أوقات الذكر
ما هي أوقات الذكر؟ وما هي أحسن أوقات الذكر؟
أحسن أوقات الذكر المطلق من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد العصر إلى غروب الشمس قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨] بالغدو والآصال، قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، هذه أحسن أوقات الذكر.
وكان ﵊ يذكر ربه من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وفي حديث حسنه بعض أهل العلم وبعضهم يصححه، وبعضهم يضعفه: ﴿من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كان كعدل حجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ والأقرب أنه حديث حسن، وكان ﵊ يفعل ذلك.
يقولون: كان ابن تيمية يجلس في مصلاه يذكر الله حتى يرتفع النهار، فيقول: هذه غدوتي ولو لم أتغد لسقطت قواي، فهذه من أحسن أوقات الذكر من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وهو وقت تفتح القلوب، وتفتح الأزهار، وتغريد الأطيار، وهطول البركات من الواحد الغفار، وهو وقت تنزل الأرزاق والفتوحات الربانية من الله ، فعليك أن تكون في هذه الساعة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وبعد العصر إلى غروب الشمس، أو بعد الغروب بسويعات أو بساعة أو بنصف ساعة أو ما يشابهها ترفع كفيك، خاصة وأنك في هذه الأيام صائم، هنيئاً لك الصوم، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿للصائم دعوة لا ترد﴾ وأنت منكسر البال، ومنكسر البطن بالجوع، ومنكسر الإرادة ترفع كفيك إلى الله تدعوه يجيب الله دعوتك.
والثلاثة الذين يجيب الله دعوتهم لا شك في ذلك كما في حديث أبي داود: ﴿المظلوم، والوالد، والصائم﴾ فكن من الذاكرين الله كثيراً والداعين خاصة قبل الإفطار، فإن لك دعوة مستجابة يجيب الله دعوتك فيها؛ فاغتنمها حفظك الله.
стр. 3407
الوقفة الحادية عشرة: الذكر الشرعي والذكر البدعي
هناك ذكرٌ شرعي عن معلم الخير ﵊، وذكرٌ بدعي، ونحن أمه توقيفية، أمة تقف عند الوحي، تتلقى أوامرها من الله، من الكتاب والسنة، ولا تبتدع، لقوله ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ [[]].
فالذكر الشرعي هو ما ورد عنه ﷺ ، مثل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله إلى غيرها.
أما الذكر البدعي فهو: الذي أحدثه المبتدعة، وما أنزل الله به من سلطان، مثل أنهم يقولون: أعظم الذكر الاسم الأعظم، ويجعلون الاسم الأعظم الضمير (هو) يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ويقول: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] قالوا: (هو) هو الذكر الأعظم.
فيأتي هؤلاء المبتدعة فيجلسون في الزوايا يقولون: هو هو هو، بدل أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، يقف أحدهم من صلاة العصر إلى المغرب يقول: هو هو هو هو.
قال أهل السنة: هذا ليس بذكر بل هذا نباح كلاب.
وابن عربي يقول: والدرجة الثانية في أعظم الذكر الاسم المجرد: الله الله الله الله.
قال ابن تيمية: لم يأتِ به نص عنه ﵊، وليس في ترداده وحده مجرداً أثر إليه ﵊، فتجد بعضهم يقول: هو، وبعضهم يقول: الله الله الله الله، وبعضهم يأتي بالاسم مجرداً بلا طلب، فتجده يقول: يا لطيف! يا لطيف! وهو قد يؤجر إذا قصد به أن يدعو الله لكن يبين دعاءه، ولا يبقى على هذا؛ لأنه ليس من الأدعية المأثورة أن تنادي بالاسم فحسب، كرجل يأتي عند الباب، ويطرق عليك بابك، يا محمد! يا محمد! فتقول: نعم، فيقول: يا محمد! وتقول: نعم، فيقول: يا محمد! يا محمد! حتى أن بعض المبتدعة ورد أنه أتى إلى المقدسات، فكان يردد يا لطيف! من العشاء إلى الفجر، قيل له: أليس عندك ذكر غير هذا؟ قال: أوصاني أحد المشايخ أن أقول يا لطيف! سبعة آلاف مرة عند قبر الرسول ﵊ وهذه بدعة مركبة، كونها عند القبر وهذا أيضاً ذكر غير شرعي.
ومن المبتدعة كذلك من يذكر الله بغير أسمائه المأثورة الثابتة التي قال فيها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] ومن الإلحاد في الأسماء أن تسمي الله بغير اسمه ، مثلما ذكر الغزالي، أبو حامد صاحب الإحياء: يسمون الله يا دهر الدهارير! فلذلك يدعو أحدهم فيقول: يا دهر الدهارير افتح علي، وهي ليست من أسمائه سبحانه، أو يا موجود! وهي ليست من أسمائه، أو اشتقاق ما لم ينزل الله به سلطاناً، يا يقظان! فهذه كلها إلحاد في أسمائه.
إنما يذكر بالأسماء والصفات التي وردت في الكتاب والسنة، يا كريم! يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! يا بديع السماوات والأرض! إلى غيرها مما ثبتت عنه ﵊، أو وردت في الكتاب والسنة.
هذا -أيها الإخوة- الذكر الشرعي والذكر البدعي، وهو آخر عناصر هذا الدرس، وأنا لا أحب الإطالة؛ لأنه سوف تكون هناك سلسلة من الدروس كل يوم إن شاء الله ينبني بعضها على بعض، وما حصل فيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولمن أراد الله به خيراً نفعته كلمة، والذي لا يريد الله به خيراً لا تنفعه محاضرات الدنيا ولا كتب الدنيا، وإنما يزيد بالسماع ضلالاً إلى ضلاله، وإعراضاً إلى إعراضه، وبعض الناس يفتح الله عليه بكلمة، ويستفيد بموعظة أو آية أو حديث، فيكون موفقاً في الدنيا والآخرة، وبعضهم لو تناطحت جبال الدنيا أمام عينيه، ما زاده إلا إعراضاً وعتواً.
التفت ﵊ إلى السماء، والحديث عند أحمد، وقال: ﴿هذا أوان انتزاع العلم -أي: انتزاع العلم من الصدور- قال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله كيف ينتزع منا العلم؟! والله لنحفظن القرآن أبناءنا، ويحفظه أبناؤنا أبناءهم، قال ﵊: ثكلتك أمك يا زياد! كنت أظنك أفقه رجل في المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ما انتفعوا بها﴾ أو كما قال ﵊.
أيها الإخوة: أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعل ما سمعنا حجة لنا لا حجة علينا، لنكون عاملين مؤدين صادقين مع الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3408
علماء الغرب يقولون
إن لله في هذا الكون آيات باهرات عظيمات، تهدي من تفكر فيها وأراد الهداية إلى صراط مستقيم.
من هذه الآيات الغيث الذي يحيي الأرض بعد موتها، ويحيي القلوب الميتة، فهو غيث الأرض بما تنتفع به من ماء، وهو غيث للقلوب بما تنتفع به من معرفة عظمة الله وقدرته على الإحياء.
وإن الإيمان القائم على التفكر في الكون والنظر في أسراره لا يخشى عليه من عاديات البث المباشر ولا غيرها من الوسائل الهدامة.
وهاهم علماء الغرب يشهدون بأنه لا حياة سعيدة إلا بالإيمان.
стр. 3409
قضايا من آية: (وهو الذي ينزل الغيث)
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
قف في الحياة تر الجمال تبسما والطل من ثغر الخمائل قد همى
وشدت مطوقة الغروس ورجعت وترعرع الفنن الجميل وقد نما
والمؤمن اطلع الحياة بهيبة أهلاً بمن حاز الجمال مسلما
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] تحققت هذه الآية، وعشناها حدثاً خالداً، ورأينا آثار الله قبل أيام.
عشنا القحط والجدب والفقر، كانت أرضنا وجبالنا وحدائقنا مغبره قاحلة ميته، فعدنا إلى الله في صلاة استسقاء وكنا صائمين، وكم في الجموع من صائم صادق، وكم فيهم من مخلص توجه بدعائه إلى الحي القيوم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] فما كانت إلا الاستجابة من الذي خزائنه لا تنفذ وغناه لا ينتهي، ليقرر لنا أموراً عجيبة في المعتقد وفي الحياة، وفي الآخرة، يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨].
стр. 3410
النعمة والإحسان من الله
أولها: ذكر الضمير ولم يذكر لفظ الجلالة، فكأنه هو المعروف بالإحسان، وهو على ما كان قبل الزمان والمكان، وهو الذي قدم الإحسان للإنسان قبل أن يكون إنساناً، وبعد أن كان الإنسان، وبعد أن يموت الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى:٢٨].
ثم قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى:٢٨] والتشديد هنا للمبالغة، وهي للمبالغة في الإنزال، وكأن الناس يتحرون شيئاً ينزل فنزل عليهم بعد لأواء.
ثم قال: (الغيث) ولم يقل المطر لأن الغيث له سر عجيب، يغيث به الله البلاد والعباد، ولو قال المطر لاحتمل أن يكون عذاباً وتدميراً، فغالب ذكر المطر في القرآن عذاب وتدمير وخسف وإبادة، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء:١٧٣] ولكن قال: الغيث ليغيث الله به البلاد والعباد، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى:٢٨] لقد تراجعت كثير من النفوس وشكت في قدرة الباري.
ولقد أخفقت كثير من الأرواح التي تربت على الفلسفة الغربية المادية التي لا تؤمن بالله، ولقد ظن دعاة المادة الذين يعبدون المادة ويلتجئون إلى غير الله، أن لا إله ولا قدرة ولا رحمة ولا عناية، ويستهتر بعضهم فيقول: كم من صلاة وكم من دعاء وما نزل الغيث! ولكن الله أسكت منطوقهم وفضح شريحتهم، وأبطل إرادتهم بالغيث الذي نزل هنيئاً مريئاً في أيام متعددة، فقد صلينا وبعد ساعات نزل الغيث، والله يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى:٢٨] من بعد أن ظنوا أن لا رحمة، اتجهت العجماوات والببغاوات، والحشرات والكائنات إلى الله، وهذا أمر معلوم بالفطر.
والله يقول في حديث قدسي يرويه أبو يعلى: ﴿وعزتي وجلالي لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع؛ لخسفت بكم الأرض خسفاً ولمنعتكم القطر من السماء﴾ ولكن عناية الله ورحمته وحلمه عن كل مجرم وعاص أنه نظر سبحانه إلى هذه العجماوات والحيوانات، وإلى الأطفال والشيوخ الركع السجود، وإلى حملة القرآن والدعاة، والصالحين، فأغاث الله البلاد والعباد.
قال تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨] ما أحسن التعبير! وما أجمل العبارة! وصل الماء إلى بيوتنا قبل نزول الغيث.
لكن ما حل المشكلة وما قام بالأمن القلبي وما نزلت علينا السكينة بشيء كنزول الغيث، نعم امتلأت خزاناتنا من الماء الذي وصل إلينا من البحر، وصهاريجنا وبيوتنا، لكن حدائقنا يابسة، وأزهارنا قاحلة وجبالنا ميتة، فلما قال: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨] عاشت الأرض وترعرعت واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].
اهتزت: لبست حلة وتراقصت على القطر.
وربت: أخرجت أزهارها وثمارها وأشجارها، وغرد البلبل وسار الطير وأنشد الصداح الأناشيد على أفنان الشجر؛ شاكراً المولى ﵎.
وفي نزول الغيث يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] وعبارة (الولي الحميد) جُعلت هنا لعبرة، فالولي: الذي ولايته عامة وخاصة، فأما نحن فولايته لنا خاصة ، لماذا؟ لأننا حملنا الإيمان، واسلمنا لله، وأتبعنا رسول الله.
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
وفي نزول الغيث دروس: أولها: أن إجابة الدعاء معجزة وكرامة، وأن هناك صلة بين هذا المخلوق الضعيف والله القوي الباقي ﵎، وهو درس من دروس التوحيد، عاشه ﵊ حقيقة أمام أكثر من ألف من أصحابه ونقلتها لنا كتب العلم، فمن كان في شك فليشك , ومن كان في ريبة فليرتب.
أما نحن فنقول: قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] عاش الصحابة في عهده ﵊ قحطاً وفقراً وجوعاً وجدباً، أتوا يصلون الجمعة والشمس تقطع الظهور لا غمام ولا سحاب ولا قزعة، دخلوا المسجد في حرارة الصيف المحرقة، فالرمضاء تلتهب وتكاد تأكل الناس، والسموم محرقة للوجوه.
وتقدم ﵊ إلى المنبر، لم يكن عنده سابق حدث بما سوف يجري في الخطبة، كانت خطبته عن الإيمان، وكان يتكلم بها كالسيل بما فتح الله عليه.
وفي أثناء الخطبة دخل أعرابي المسجد فقاطع الرسول ﵊ مباشرة، صاح الأعرابي وقد بلغ به اللأواء إلى أن يصيح، قال: يا رسول الله! فسكت ﵊ والتفت الناس إلى الأعرابي، قال: ﴿يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا -ولم يتلعثم ﵊، ولم يفكر وقطع خطبته والتفت إلى الحي القيوم- فرفع يديه في لحظة وأخذ يقول: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، يقول أنس -راوي القصة- والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة، فالشمس بيضاء محرقة، فثارت سحابة كالترس﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فأتت من وراء سلع بـ المدينة ثم توسطت سماء المدينة وثارت كالجبال، والرسول ﷺ لم ينزل من على المنبر ولم ينته من كلامه، ثم أزبدت وأرعدت وأمطرت، وإذا الماء ينهمر على وجهه الشريف الذي هو كالبدر، ويتقاطر الماء على لحيته ويتصبب فيتبسم، قطعه التبسم عن الكلام.
ما رأي دعاة الإلحاد في هذه القضية؟ أي تحليل علمي على هذه الحادثة؟
ما هو مدلولها، أصدفة يدخل الأعرابي وصدفة تقطع الخطبة، وصدفة ترتفع اليد، وصدفة تأتي سحابة كالترس من وراء الجبل ثم تمطر في لحظة وتسيل المدينة؟!
فتبسم ﵊:
طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
ويقول: أشهد أني رسول الله، ونقول له: نشهد نحن الملايين أنك رسول الله، ونشهد أن رسالتك الخالدة التاريخية أثبتت قوتها وصدقها ونبوغها وروعتها وجلالها وجمالها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 3411
متى يغيث الله
القضية الثانية في نزول الغيث: أن فيه آية؛ لأن الله يغيث القلوب متى أرادت القلوب غوث الله، أرض قاحلة وقلوب قاسية، فإذا طلبت القلوب مولاها باللين لينها الله، يقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ثم قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧].
أيها المسلمون: إن الله كما أحيا الأرض يحيي القلوب، فيا من أراد حياة القلوب! ليست حياة القلوب إلا عند محمد ﵊ وهذه المادة المخدرة، مادة الطاقة التي يملكها القلب ليكون حياً حرام على أي منهج إلا منهج الإسلام.
أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه
قد مضينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه
قد شربنا من كئوس الوحي حباً وارتوينا وكتبنا في العلى بالاسم تمجيد الإله
إذاً: غوث القلوب بالإيمان والوحي، ومن أراد أن يغيث قلبه فليبادر إلى الإيمان وذكر الواحد الديان والرسالة الخالدة، فوالله! ليس له من دون الله مغيث، ولو جمع لذائذ الدنيا وطاقات الدنيا وانفصل عن الإيمان ما كان إلا موتاً إلى موت وخيبة إلى خيبة.
стр. 3412
إحياء الموتى
القضية الثالثة: في نزول الغيث عبرة، وهي أن الله يحيي الموتى ويردهم إليه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] والله ذكر هذه القضية في كثير من آيات القرآن، كلما ذكر نزول الغيث وإحياء النبات وترعرع الأزهار والنبات والأشجار، أخبرنا أنه يعيد الموتى إليه كما أعاد هذا الشجر بعد أن مات، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:١٠ - ١١] كذلك الخروج من المقابر، كذلك تخرجون أيها البشر إذا متم؛ تخرجون كما تخرج النباتات.
هل تصور أحدكم حديقة مر بها وقد مات شجرها واختفى زهرها وذبل وردها، حديقة ظن أنها لا تعود لها الحياة أبداً، هاجرت منها الطيور وفارقها الهدهد وهجرها الحمام، لا ماء ولا رواء ولا خضرة ولا حياة، أصبحت الأشجار تهوي بها الريح في غبار تشمئز منه النفوس، واليوم عد إلى الحديقة وانظر إليها، عادت كما كانت عليه ولبست حلة، واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] وهي أعظم قضية، قضية الإيمان.
أعظم آية في نزول الغيث أن الله هو الحق، فالقلوب ما اتجهت يوم أتى هذا الجدب إلى الشرق أو الغرب بل اتجهت إلى الله.
خرج سليمان ﵇ يستسقي بالناس، وإذا بنملة رفعت أرجلها تقول: يا رب اسقنا، يا رب لا تحرمنا القطر بعصاة بني آدم، نملة ونحلة ويرقة وورقة، كلها تلتجئ إلى الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].
وهي القضية الثانية الكبرى، مع ذلك الله حق ويحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير، وأن نعتبر بهذا، فإنه دليل قاطع وحجة باهرة على إحياء الموتى بعد أن يموتوا، والله قادر على ذلك ، يقول في ملحد زنديق اعترض على هذه القضية، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
فهذه قضايا في نزول الغيث.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] وارتاحت قلوبنا وعادت لنا الحياة، واخضوضرت أوراق الأشجار، وسرى النسيم وعادت الأطيار المهاجرة، ونزل الأمن والسكينة، وعاد الصالحون في توجه عظيم إلى الله، يشهدون أن الدين حق وأن الله حق وأن الرسول ﵊ حق.
إنه -والله- سر من أسرار هذا الدين العظيم الذي وصل هذه الأمة الربانية بربها، تستسقي في الصباح وينزل الغيث في المساء إجابة لدعوتها ودعوة الصادقين من أبنائها.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 3413
من آيات الله
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
الورد والزهر والشجر والأطيار يشهد أن لا إله إلا الله.
وفي كل شيء له آيه تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] حتى يتبين لهم أن الرسالة صحيحة، وأن الرسول ﵊ صادق، وأن مبادئنا خالدة، وأن تعاليمنا سماوية ربانية، إنه الإيمان.
стр. 3414
حال الناس في العالم
إن العالم شرقيه وغربيه الآن يكفر بنظرية الإلحاد، ويدوسها بالحذاء، فـ أوزبيكان، أذربيجان ولايات روسيا أكثرها تعود إلى الله وترفع على مراكزها ومساجدها لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويدوسون (لا إله والحياة مادة)؛ لأنها كلمة لعينة، ولأنها نغمة خاطئة، وسوف أورد كلام علمائهم من نقولات كتبهم عن الإيمان.
هم الآن يعودون إلى الإيمان، وبعض الناس من المسلمين يخرجون من الإيمان، بحثوا عن كل لذيذة فوجدوا الحياة بلا إيمان لعنةً وغضباً وسحقاً وتهافتاً، تطوروا في الصناعة والمادة، فهم سيروا الضوء وطوروا الذرة ولكن امتلأت مستشفياتهم بالقلق والهموم والغموم، والتشنج والانتحار وانتشر السلب والنهب، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] والأمن حرمه الذين لا يعيشون الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا
والهداية ليست إلا لأهل الإيمان، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩].
стр. 3415
من وعود الله للمؤمنين
ومن وعود الله للمؤمنين ألا يسلط عليهم كافراً، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١].
ومن وعوده لهم أنه يدافع عنهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨].
ومن وعوده أن العزة لهم، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 3416
علماء الغرب يعرفون الله
ولكن اسمعوا إلى كلام أساطينهم وعلمائهم الذين وصلوا إلى درجة من العلم، فدلهم هذا العلم على الله، ولكن ما وجدوا من يخبرهم بالإسلام، ولا من يوصل لهم الإيمان.
كما يقول كريسي موريسون في كتابه: (الإنسان لا يقوم وحده):
يا أبناء لا إله إلا الله! قدمنا لكم الثلاجة والبرادة والطائرة والصاروخ، وما قدمتم لنا الإيمان.
وهذا أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد، اسمه وليم جيمس يقول:
إن أعظم دواء للقلق أدركته ولا شك هو الإيمان، لكن نقول له: لو ذقت أنت حلاوة الإيمان التي نعيشها نحن، لآمنت ولصدقت ولرأيت السعادة والنور، عنده حد وقدر نسبي من الإيمان والتصديق فكيف لو رأى الإيمان، ما كان ينبغي أن تفتح مستشفيات لمرضى النفس، ولا أرق ولا هموم ولا غموم، لكن لما انحرف الجيل عن المسجد والقرآن والذكر والأوراد وعبادة الواحد الديان، امتلأت المستشفيات النفسية بالمرضى، بمرض القلق والأرق والتشنج، فحلنا وقضيتنا وعلاجنا ودواؤنا الإيمان.
يهددننا الناس والعالم بالبث المباشر، وكثير من الناس يرد منهم حلولاً، منهم من يقول: بتطوير شاشتنا لترد على شاشاتهم، ومنهم من يقول: بالتشويش على رادارهم وهذا لا يستطاع، ولكن نحن نقول: نملأ قلوب جيلنا وأمتنا بالإيمان فإذا تحصنا بالإيمان فلن يغلبونا أبداً.
لا تحدثني عن البث المباشر والعربسات وأقمار المقامر
أنا بثي دعوة قدسية تطفئ الشمس وتخزي كل كافر
والمذيعون علي والبرا وأبو بكر وعمار بن ياسر
ويقول الفيلسوف فرنسيس بيكون، وهو مشهور، وهو الذي ترجم له الزركلي في الأعلام وغيره يقول:
إن قليلاً من العلم قد يبعدك عن الله وكثيره يقربك من الله.
وهذا القرآن يصدقه، والحكمة ضالة المؤمن، يقول: أنا ببحوثي واكتشافاتي دلني العلم على الله، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] لكن ربما تعرض لي سائل يقول: الواقع يكذب نظرية بيكون لأنا نجد من يحمل الماجستير والدكتوراه والشهادات العالية، ولا يصلى في المسجد ويهجر القرآن، ويفجر ويتناول المسكر، فأي نظرية صادقة.
نقول: نحن نتحدث عن علم القلوب لا عن علم الجيوب، ونتحدث عن علم القبر لا عن علم القِدر، لأن هناك علماً اسمه علم القبر وهناك علم القدر.
فعلم القبر الذي يدلك على الله، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وقال تعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦].
فهذا العلم هو الذي يرفعك ويقربك إلى الله، أما علم البطن والفرج والجيب والمرتب، فهو الذي أنتجته شهادات مزورة، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] وهذا علم لا ينفع صاحبه وهو ردى وعمى عليه.
وهذا مثل ما حصل لـ سخروف، قبل أن يموت، فقد نشرت الشرق الأوسط قبل موته بشهر في موسكو مقالته عن الإيمان، وهي وثيقة تشهد الله على أنفسهم أنهم يعلمون أن لا إله إلا الله في أنفسهم.
ويقول هنري كورد صاحب شركة عالمية أمريكية: أعتقد أن الله تعالى لم يتخلَ عني في تلك الفترات من حياتي، فكان يساعدني على تصريف أموري، ولولا الله لانهارت أموري.
وقد ذكر الله هذا في القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] إذا تقطعت بهم الحيل والأزمات واشتد الحبل؛ عادوا إلى الله ورجعوا إليه.
ويقول الطبيب النفساني كريميونت في كتابه: الرجل الحديث يبحث عن الروح:
جاءنا كثير من المرضي من الشعوب المتحضرة، وأكثر المرضى في القلوب من الشعوب المتحضرة، أهل القرى قليل مرضهم، المعقدون صناعياً هم أكثر الناس مرضاً؛ لأن علمهم ما دلهم على الله، قال: وكلما وجدت مشكلة وجدت أصلها؛ افتقارهم إلى الإيمان بالله العظيم الكريم، ليتهم يؤمنون، قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠].
شبابنا في قضية الإيمان متردد في أن يقدم أو يحجم، قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] أم كأن الرسالة ارتابت في أذهانهم، أم كأن الأغنية الماجنة خير من التلاوة السعيدة، والمجلة الساقطة أحسن من الكتاب الإسلامي، والجلسة الحمراء خير من مجالس العلم، أم هداية استالين أعظم من هداية محمد ﵊، أم النار خير من الجنة، فما لهم لا يدركون هذا ويتفكرون.
ويقول المهاتما غاندي، وما أدراك ما غاندي! إنه عدونا، قتل مليون مسلم وتسبب في عقم مليون امرأة مسلمة في الهند، وهو يقدس في بعض بلاد العلمنة التي لا تعرف المناهج الربانية، يقول: بغير الصلاة كان يتحتم عليَّ أن أصبح معتوهاً أبله منذ مدة طويلة.
وهذا مع أن صلاته خاطئة، فكيف لو عرف صلاتنا؟!
كيف لو ذاق سجودنا؟!
كيف لو عرف مساجدنا؟!
كيف لو عاش هذه اللحظات الإيمانية؟!
لكن يعطيهم الله بقدر هذه المعرفة القلبية ما يؤنسهم، وهذا جزاء الكافر إذا ركن إلى غير الله في الحياة، فجزاؤه وقتي في الدنيا ولكن لا ثواب له عند الله.
ويقول ألكسس كاريل صاحب كتاب الإنسان ذلك المجهول وأنصح بقراءة هذا الكتاب، وقد نقل عنه سيد في كتاب الظلال أكثر كتابه هذا، نثره في الظلال من أوله إلى آخره، يقول:
لعل الصلاة من أعظم الموارد الحرارية للإنسان، إنها كمعدن الراديوم مصدر للإشعاع، ومولد ذاتي للنشاط.
ربنا قد عدنا إليك ورجعنا وتبنا، وعرفنا أن سر خلودنا وعظمتنا في الإيمان، اللهم فزدنا إيماناً وتوحيداً ومتابعة وفقهاً وهداية وعلماً.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله بها عليه عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه الكرام البررة يا رب العالمين.
اللهم إنا نشكرك شكراً جزيلاً، نشكرك على هذا الغيث، ونشكرك على هذا الماء، ونشكرك على هذا الرزق، نشكرك على هذه الحياة، فبالأمس استسقينا فسقيتنا واستنصرنا فنصرتنا وافتقرنا فأغنيتنا واستهدينا فهديتنا، اللهم إنا نسألك ثباتاً على هذا الرزق الطيب والهداية والرشد والسداد حتى نلقاك مؤمنين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3417
صفات المفلحين
تكلم الشيخ في هذا الدرس عن سورة البقرة وفضلها، وتطرق للكلام عن معجزة القرآن الخالدة، وذكر أمثلة على ذلك، ثم فسر الآيتين الأوليتين من سورة البقرة، مبيناً صفات المتقين المذكورة في أول السورة.
стр. 3418
فضائل سورة البقرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
نقرأ في هذه الليلة المباركة أوائل سورة البقرة؛ تلكم السورة العظيمة، التي هي أكبر سورة في القرآن.
يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١ - ٥].
نقل القرطبي وغيره أن في سورة البقرة ألف أمر وألف نهي وألف خبر.
وسورة البقرة لا تقرأ في بيت إلا ذهب منه الشيطان وطرد منه ودحر.
وسورة البقرة وآل عمران كما صح عنه ﷺ في حديث أبي أمامة في مسلم وغيره أنه قال: ﴿اقرءوا الزهراوين، البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان كغمامتين أو غيايتين، أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة﴾.
وكان الرجل من الصحابة -كما قال أنس وصح ذلك عنه-: [[إذا حفظ سورة البقرة، وفي لفظ: إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فينا]] أي: أصبح سيداً عظيماً مقدماً إماماً.
وكان الرسول ﵊ إذا أراد أن يؤمر على أصحابه أميراً في سرية سألهم: أيكم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيخبرونه، فقال له رجل لما قال له ﷺ ﴿ماذا تحفظ؟ قال: أحفظ سورة كذا وكذا وسورة البقرة.
قال ﷺ : أتحفظ سورة البقرة؟ قال: إي والله يا رسول الله.
قال: اذهب فأنت أميرهم﴾
ولذلك شرف المسلم بشرف ما يحمل من قرآن ويعمل به، لأن العمل بهذا القرآن هو حفظ للقرآن، وليس حفظه في الصدور وتضييعه في العمل.
ولما أتى ﵊ إلى الشهداء في معركة أحد ﵃ وأرضاهم، وأنزلهم فسيح جناته، وجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر- قال وهو يجمع الاثنين والثلاثة والأربعة في قبر واحد: ﴿أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟﴾ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه تجاه القبلة لشرف القرآن الذي في صدره، وأتى ﷺ ليدفن رجلاً من الأنصار فقال: ﴿رحمك الله، إنك كنت أواهاً تالياً لكتاب الله﴾ وهذا شرف عظيم.
وقد جاء في الترمذي بسند حسن، أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان﴾.
ووجد أن بعض الصالحين تأذى من مشاكلة الجان في داره، فأوصاه العلماء بقراءة سورة البقرة، فلما قرأها ذهبوا بإذنه ، فهم لا يلجئون إلى بيت فيه سورة البقرة، إنما يأتون إلى بيت فيه الغناء الماجن، والمجلة الخليعة، والكلمة النابية، والفاحشة والمعاصي، أما بيوت أهل القرآن فحرام على الجان أن يدخلوها، والسحرة يغاظون إذا قرأت سورة البقرة، والكهنة يموتون من سورة البقرة، والمشعوذون يغضبون إذا قرأت عليهم سورة البقرة؛ لأنهم من حزب إبليس وحزبه في النار.
يقول ﵊ كما في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كغيايتين﴾ الغياية والغمامة والغبابة قطعتان من كُبريات السحب، يوم يشتد الحر، وتتطاير الصحف، ويدنو الكرب من النفوس، وتدنو الشمس من الرءوس، ولا ظل إلا من أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فيأتي الذي يتلو سورة البقرة وآل عمران، سواء في المصحف أو غيباً، ويتلوها دائماً وأبداً، يأتي وعليه سحابتان بإذن الله الواحد الأحد، فتغطيه في الموقف، حتى يقضي الله بين الناس.
أو تأتيان كفرقان من طير صواف كل آية بطير، تظلانه من الكرب ومن حرارة الشمس حتى يقضي الله بين الناس، ولا ظل هناك إلا بالعمل، فالمتحابون بجلال الله يستظلون بعرشه ، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الله يقول يوم القيامة: ﴿أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس﴾ فأنت في ظل صدقتك، فأكثر من الصدقة أو أقلل، فمنهم من تأتي صدقته كالكهف، ومنهم من تأتي كالجبل، ومنهم من تأتي كالغمامة فأنت ما بررت إلا بنفسك، وما نفعت إلا نفسك، وإن أسأت فعليها وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 3419
القرآن معجزة لرسولنا ﷺ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم﴾ ما هي هذه الحروف؟ ما المراد بها؟ ما هذه القذائف التي تتقدم سورة البقرة؟
إنه نبأ عجيب! ذكر سيد قطب ﵀ في الظلال: أن أول سورة البقرة نسف وإبادة لبني إسرائيل.
فكثيراً ما تقرأ فيها: (يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل).
افتتح الله هذه السورة بقوله: ﴿الم﴾ ثم سكت الخطاب، ووقفنا عند هذه الآية، ما معنى هذا الكلام؟ هل شعراء العرب يدركون: ﴿الم﴾؟ هل خطباء العرب يدركون: ﴿الم﴾؟ هل علماء الإسلام يدركون: ﴿الم﴾؟ سبحان من أعجز بكتابه وأسكت به الخطباء وأصمت به الشعراء!
العرب أفصح أمة، وشعراؤها أفصح شعراء، ولكل نبي معجزة من جنس ما برع فيه أمته.
فموسى ﵇ أتى والسحر قد بلغ ذروته؛ فأعطاه الله العصا فتلقفت ما صنعوا في لحظة.
وعيسى ﵇ بعث في أمة بلغت الذروة في الطب وتكنولوجيا الطب؛ فجعله الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنه سبحانه؛ ولذلك يقول أحمد شوقي للرسول ﵊ في نهج البردة:
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
يقول: إن كان عيسى ﵇ قد أحيا رجلاً بإذن الله، فأنت قد أحييت ملايين من الأمة الإسلامية، التي ضاعت في التاريخ، وضاعت في الصحراء والبيداء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
كان الكفار يستمعون للرسول ﵊ وهو يقرأ، حتى أتى الطفيل بن عمرو فقال: ما زال بي كفار مكة حتى وضعت القطن في أذني -والرواية في صحيح مسلم - أخذ القطن فوضعه في أذنه اليمنى واليسرى لئلا يسمع الخطاب.
أتدرون ما هي الحرب الدعائية الإعلامية والشائعات ضد الرسول ﵊؟ كانوا يقولون: ساحر كاهن، شاعر.
كان إذا جاء وافد يدخل مكة لقوه في الطريق وضيفوه وقالوا له: انتبه عندنا ساحر في الحرم، احذر أن يسحرك!
قال الطفيل: فما زالوا بي حتى وضعت القطن في أذني، ثم نزلت إلى الرسول ﷺ وهو يقرأ حول الكعبة، فلما افتتح قراءته قلت لنفسي: يا عجباً! أنا رجل شاعر ورجل أديب؛ فلماذا لا أسمع كلامه؟ فإن أعجبني فبها ونعمت، وإلا عرفت أنه سحر.
قال: فما زالت نفسي تراودني حتى ألقيت القطن من أذني -هذا أول الخير- فسمعته يقرأ قرآناً وقع والله في قلبي.
فذهب إلى الرسول ﵊ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
وهذا جبير بن مطعم من سادات مكة، الذين كانوا يكسون الكعبة سنة وكفار قريش يكسونها سنة، حلف ألَّا يستمع إلى آية واحدة، يقول له الصحابة: تعال فاستمع، فإن أعجبك وإلا فاترك؛ فحلف وأقسم بلاته وعزاه ومناته ألا يستمع إلى آية واحدة! وبتوفيق الله أراد الله أن ينجيه من النار، فمر والرسول ﷺ يصلي في الحرم بالمسلمين ولم يدخل لئلا يستمع، بل وقف خارج الحرم، وفجأة سكتت الأصوات، وارتفع صوته ﷺ في صلاة المغرب يدوي في الحرم، والرسول ﷺ يقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور:١ - ٥].
وأخذ يواصل حتى بلغ آخر السورة؛ عشرون سؤالاً لو وقعت على ملحد وله بقية من قضاء وقدر عند الله أن يؤمن لآمن! ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَات وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمْ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٢٩ - ٤٣].
هل يقف القلب أمام هذه الآيات؟ يقول: كاد قلبي أن يطير فترك ناقته ودخل الحرم مباشرة وقطع الصفوف، فلما سلم الرسول ﵊ وضع يمينه في يمينه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
أهذا قول ساحر؟! أهذا قول كاهن؟! أهذا قول شاعر؟!
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٥ - ٦].
وهناك يذهب ﵊ إلى الرقيق وإلى أهل الكير (الحدادين) صهيب وبلال وخباب بن الأرت وأمثالهم، فيخبرهم بالقرآن فيسلمون، فيقول كفار مكة: لا يعلمه القرآن إلا خباب وخباب أعجمي وصهيب أعجمي، وجاء في بعض الروايات: ﴿أفيعلم الأعجمي العربي؟﴾ يقول : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣].
دخل طبيب العرب الكندي، وكان فيلسوفاً، وفي ذهنه شوشرة ووسواس، لا ينزل وسوسته إلا درة عمر بن الخطاب، لو أدركه عمر لأعطاه سبع درات ثم لا يجد بعدها ألماً أبداً في رأسه، دخل بيتاً وقال: أريد أن أؤلف كتاباً مثل بلاغة القرآن.
قال له علماء المسلمين: اتق الله، خف الله.
قال: لا، أنا أريد من بلاغتي أن أؤلف كتاباً مثل القرآن.
فدخل وأخذ القلم والورقة، ثم فتح القرآن ونظر إليه فوقع نظره على أول سورة المائدة، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فانذهل! وقال: نادى، وأمر، واستثنى، ونهى، ومدح، ووصف، وختم في آية! ثم بقي مبهوتاً، فشلَّ الله في جلسته نصفه، فأصبحت يده ورجله مشلولة، وخرج وفيه هرج ومرج: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
وأبو العلاء المعري المارق كان ذكياً من أذكياء العالم ولم يكن زكياً، كان عنده ذكاء ولم يكن عنده إيمان، أتى يعترض على القرآن، فتوفاه الله تعالى، قيل: رئي قبره في المعرة، ولما فتح لغرض من الأغراض وجد عليه حية! أما فم الحية فعلى لسانه، وأما ذنبها فقد أمسكت فرجه بين رجليه؛ لأنه ألحد في الكتاب، وحاول أن يعارض كتاب رب الأرض والسماء.
стр. 3420
المعنى المقصود من الحروف المقطعة
اختلف أهل العلم في هذه الحروف والله أعلم بمراده منها، فقال بعضهم من فرق المبتدعة: (أ) ألَّفَ الله محمداً فبعثه نبياً، (ل) لام الله المشركين، (م) مقت الله معاوية أهذا كلام؟! إن هؤلاء سفهاء، ولابد أن يؤدبوا تأديباً بالغاً يردعهم وأمثالهم.
وقال بعضهم: ﴿الر﴾ لو جمعت لأصبحت حروفاً وكلمات مفيدة.
ونسب هذا القول إلى ابن عباس ﵁ وأرضاه.
يقول ﴿الر﴾ وقال: ﴿حم﴾ وقال : ﴿نْ﴾ فمن يجمع هذه؟ إنها تجتمع في اسم (الرحمن) فقال ابن عباس: تجتمع كلمات.
ولكن الصحيح أن الله ﵎ أعلم بمراده من هذه الحروف، وأن معناها ومقصودها كأن الخطاب يقول: يا أيها العرب! يا فصحاء الدنيا! يا من تطاول على الناس بالفصاحة! تعالوا هذه الحروف، وهذه المادة، وهذا الخام، ركبوا مثل هذا القرآن.
وهذا تحد -ولله المثل الأعلى- مثل أن يأتي البناء المجيد الذي يجيد بناء القصور فيقول لك: هذا الأسمنت، وهذا الحديد، وهذا الماء فابن كما بنينا، وهذا تحد للعرب.
يقول أحد المفكرين: الكلام مثل التراب، نحن نصنع من التراب الفخار والأواني الفخارية التي نأكل فيها، والله خلق من هذا التراب الإنسان.
فالله إذا تكلم بكلامه كان كلامه كفضل الإنسان على التراب وعلى الأواني الفخارية هذه.
يقول الله للعرب: هذه الحروف أمام أيديكم فابنوا مثل القرآن، وانسجوا على منوال القرآن ولذلك اعترفوا جميعاً، فهذا الوليد بن المغيرة، الذي كان شيخ مكة، وكان يسمى ريحانة قريش، لكنه أصبح ريحانة مقطوفة في النار، وثمرته في الجنة: خالد بن الوليد بن المغيرة ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ خالد بن الوليد الذي خاض مائة معركة في سبيل الله:
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
وما مررت بأصقاع مررت بها الله أكبر يدوي في نواحيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
فهذا خالد بن الوليد، وكان أبوه أبلغ بليغ في الناس، قال له كفار مكة: قل كلمة، قل إنه سحر.
قال: لا أستطيع، أنا سمعت القرآن فليس بسحر.
قالوا: قل هو شعر.
قال: لا أستطيع، قالوا: قل هو كهانة.
قال: لا أستطيع، لكن سوف أذهب وأستمع.
فلما ذهب إلى الرسول ﵊ قال: يا محمد! قال: نعم.
قال: اسمع مني كلمات.
قال: أسمع.
قال: ما سمعنا برجل من العرب أدخل على قومه من الخيبة والعار مثل ما أدخلت على قريش -انظر إلى السفاهة والجنون والحمق- إن كنت تريد زوجة اخترنا لك أجمل فتاة في مكة وزوجناك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد مالاً أعطيناك ثم أخذ ينسب ويحسب من هذا الكلام.
فقال له ﷺ : انتهيت؟ وفي لفظ أنه ناداه: يا أبا هشام! انتهيت؟ قال: نعم.
قال: اسمع فلما انتهى انطلق ﵊ يقذف عليه بالقذائف من سورة فصلت ﴿حم﴾ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فقام على ركبه ووضع يده على فم المصطفى ﵊، وقال: أسألك بالله والرحم اسكت.
فسكت ﵊، فقام فنفض رداءه وأتى إلى كفار قريش وهم ينتظرونه، وإذا بوجهه قد تغير، فيقول كفار قريش: جاءكم الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلس قالوا: ماذا سمعت؟ قال: سمعت السحر ووالله ما هو بسحر، وسمعت الكهانة وليس بكهانة، وعرفت الشعر وليس بشعر، والله إن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمورق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى عليه.
فحلفوا له وأقسموا ألا تقوم حتى تقول في القرآن شيئاً تقدحه فيه، فسكت ثم التفت فبسر بوجهه وقطب جبينه، ثم عبس بوجهه، ثم أرسل عينيه شزراً، ثم فكر ثم قال: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] يقول: سوف أوافقكم وأقول إنه سحر.
قال -اسمع إلى الرد-: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١] يقول للرسول ﷺ : اتركني وهذا المارد الفاجر، خلقته فرداً فقيراً مسكيناً والآن يتعلى عليَّ! ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٢] كان من أغنى الناس، كان الذهب يقسم عنده بالفئوس! ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١٢ - ١٣] كان عنده عشرة أبناء خالد وتسعة معه، وكان إذا أتى إلى المحافل جعل خمسة عن يمينه وخمسة عن يساره، وألبسهم الديباج والحرير، ونصب التيجان من الذهب على رءوسهم، قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١٢ - ١٣]-يشهدون معه النوادي- ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٤ - ١٧] صعوداً: جبل في جنهم -نعوذ بالله من جهنم- يصعد الصاعد فيه أربعين وقيل سبعين خريفاً، فإذا انتهى بتعبه وأصبح في أعلاه انزلق إلى أسفله، ثم يصعد هكذا، أبد الدهر.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:١٧ - ٢٦] ثم تكلم عن النار نعوذ بالله من النار.
стр. 3421
تحدي الله بهذا القرآن للعرب
إذاً: الله أعلم بمراده، ولكن من مقاصد هذه الحروف: يا أمة الفصاحة! يا أمة الضاد! يا من أصدع خطباؤها آذان الدنيا! ويا من أسمع خطباؤهم منابر التاريخ! تعالوا وانسجوا مثل هذا القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] فلو أتى مليون كاتب ومليون مملٍ ومسطر وصحفي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.
وقد تحداهم الله بمثل القرآن فلم يستطيعوا، وتحداهم بعشر سور فلم يستطيعوا، وتحداهم بسورة من مثله فلم يستطيعوا ولذلك أعلنوا إخفاقهم وفشلهم، فبدأ الله يتحداهم في أول كل سورة، يقول: ﴿حم﴾ ﴿نْ﴾ فهو يتحداهم بهذه الحروف، هذه حروفكم التي تتكلمون بها، لكن اسمعوا بعدها وأتوا بمثلها.
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
فلم يستطيعوا، ولذلك بهتوا فمعجزته ﵊ في القرآن، يقول أحمد شوقي:
آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جمال العتق والقدم
ويقول غيره:
أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم
ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم
وقال: بعض الخرافيين: ينتهي العالم عام (١٤٠٠هـ) حسبوا الحروف في القرآن، وأعطوا كل حرف رقماً حسابياً، وإعطاء الحروف رقماً حسابياً موجود في حساب العرب، ونسب إلى بعض العلماء أنه قال: إذا أتى (١٤٠٠هـ) ولم تقم القيامة فأحرقوا كتبي.
فأتى (١٤٠٠) ونحن الآن في (١٤٠٩هـ)! وبعضهم يقول: يؤلف منها وينتهي العالم عام (١٤٠٠هـ) وأتى (١٤٠٠هـ) وما انتهى العالم، وكان اليهود في بني قريظة وبني قينقاع يجمعونها في القرآن ويحسبون متى تقوم القيامة ومتى عمر الأمة، ولكن ما استطاعوا أن يحسبوا ولا ينسبوا.
أما مقاصدها: فهي تدل على إعجاز هذا الكتاب العظيم، فسبحان من أنزله!
стр. 3422
تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب)
الآن ينتقل إلى الغيبة، ويتحدث عن كتاب غائب، أي كتاب؟ إنه ذلك الكتاب؛ ولذلك إذا مدحت الرجل قلت: ذلك الرجل، وذلك البطل، فالبعد فيه عظمة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ولم يقل: القرآن؛ لأنه هو الكتاب، أي: كأن غيره ليس بكتاب، وسيبويه لما ألف كتاباً في النحو سماه الكتاب، وأنت إذا أردت أن تمدح الرجل قلت: الرجل رجل.
وهو رجل وكل الناس الذكور رجال، لكن في الناس رجل ورجيل.
أتى رجل إلى الأحنف بن قيس فقال: عندي حويجة بسيطة (سهلة).
قال: التمس رجيلاً، أما أنا فرجل للمعضلات.
يقول: لا تأتني بالصغائر هذه وتشغل وقتي بها، ولكن التمس لها رجيلاً صغيراً على قدرها، أما أنا فرجل للمعضلات.
وقد صدق، فهو رجل المعضلات، حتى يقول عامر الشعبي: سبحان من ساوى في الدية بين الناس! فلو قتل طفل صغير ذكر فديته ودية الأحنف بن قيس بعقله وحلمه سواء! فالناس في الديات سواء، ولكنهم في العقول يختلفون.
ودعونا نستطرد قليلاً في الأحنف بن قيس يقال: اختلفت قبائل اليمن وقبائل العراق في المسجد حتى سل بعضهم السيوف على بعض، فقام أمير الكوفة فأسكتهم فما سكتوا، وما بقي إلا وقت يسير ويسيل الدم وتضرب الرءوس وتنزل عن أكتافها، فتنة لا يعلمها إلا الله! فقال الأمير لأحد المسلمين: اذهب إلى الأحنف بن قيس وتعال به، فإنهم إذا رأوه سكتوا.
قال: فذهبت إلى الأحنف فطرقت عليه الباب -وأنا لا أعرفه لكنهم دلوني عليه- فخرج لي رجل أشل (على نصف فقط) أحنف (نحيف) مفلفل الشعر، ضعيفاً هزيلاً، وهو محتزم بسلب (بخيط من سلب) فأدخلني فقلت: أين الأحنف -وهو الأحنف -؟ قال: اجلس افطر وسيأتيك الآن.
قلت: الناس سوف يقتتلون في المسجد.
قال: ما عليك، اجلس.
فأجلسني وأتى بخبز وزيت وملح وماء، ثم أتى يأكل، فما استطعت أن آكل معه من خوفي على الناس، فقلت: أين الأحنف؟ قال: الذي يحدثك.
فأتاني من البهت ما الله به عليم!! فقلت: أأنت الأحنف وتأكل هذا؟ قال: زيت من زيت الشام، وماء من ماء دجلة، وخبز من خبز العراق وتقول: لا آكله! هذه نعمة من نعم الله.
فلما انتهى غسل يده ثم أخذ عصاً معه، فلما دخل المسجد سلم على الناس وأخذ يهلل ويكبر، فسكت الناس وأخذوا يدخلون سيوفهم في أغمادها، فصعد المنبر فألقى كلمة ما سمعت بأفصح منها؛ فأصلح بين القبيلتين وصلحوا! قال أحد الناس: من هذا؟ قال الأمير: هذا الأحنف بن قيس الذي إذا غضب غضب له عشرة آلاف سيف لا يسألونه فيم غضب.
في بني تميم عشرة آلاف، إذا غضب الأحنف بن قيس غضبوا ولا يسألون ما سبب الغضب، ويقاتلون معه.
تكلم الأحنف بن قيس على معاوية في مجلسه، وهو خليفة ﵁ وأرضاه- قال: يا معاوية! إن السيوف التي قاتلناك بها في أغمادها، وإن القلوب التي أبغضناك بها إنها لفي صدورنا، والله إن عدت عدنا.
فدخل معاوية فقالت ابنته: من هذا البدوي الجافي الذي يتكلم عليك أمام الناس وتسكت له؟ قال: هذا مولى زبراء - زبراء خادمته- الأحنف بن قيس الذي إذا غضب غضب معه عشرة آلاف سيف لا يدرون فيم غضب.
فالمقصود من قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي: لعظمة هذا الكتاب، وسيبويه سمى كتابه في النحو الكتاب، ولما توفي رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي.
قالوا: بماذا؟ قال: لما أتيت إلى لفظ الجلالة في النحو قلت: لفظ الجلالة أعرف المعارف فلا يُعرَّف.
لفظ "الله" لم يعرفه مثل الأسماء، بل قال: لفظ الجلالة أعرف المعارف فلا يُعرَّف، فأدخله الله الجنة.
стр. 3423
أصل كلمة (الكتاب)
والكتاب ورد في القرآن مشتقاً ومصدراً، يقول : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: فرض وألزمتم به، وقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦] حتى يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
وقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: ألزمتم ووجب عليكم، وقال : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: إيجابه .
وقال جلت قدرته: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] أي: فرضنا وأوجبنا، وقال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] أي: قضينا وقدرنا، وقال : ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] أي: قضاء وقدر -في مغانم بدر - وقال : ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] هذه بلقيس كانت في أرض سبأ عند سد مأرب فألقي إليها كتاب كريم من سليمان، لماذا سمي كريماً؟ قالوا: لأن عليه الخاتم.
والملوك لا يقرءون إلا كتباً مختمة، أما الكتب العادية التي من الناس فلا يقرءونها، فلما أراد سليمان أن يكتب كتاباً؛ قال له وزراؤه ومستشاروه: اكتب لها واختم فإنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختماً.
وفي صحيح البخاري عن أنس: ﴿أن الرسول ﷺ أراد أن يكتب إلى هرقل عظيم الروم، فقال الصحابة: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختماً؛ فاتخذ ﵊ خاتماً فيه (محمد) سطر و (رسول) سطر و (الله) سطر، فختم به فقرئ عند هرقل﴾.
قال الله: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] أي: مختم، انظر ما أطول الكتاب! نص الكتاب: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١] هذا هو كل الكتاب.
ولذلك العظماء يوجزون في الكلمات، فـ خالد بن الوليد له أقصر كتاب في التاريخ، فقد نزل ﵁ بالجيش في اليرموك فاجتمعت عليه كتائب الروم من كل جهة، حتى يقول أحد الجيش: الملتجأ إلى أجى وسلمى (وأجى وسلمى جبلان في حائل، وهما اللذان تنزل فيهم قبائل شمر، وهي قبائل حاتم الطائي المسماة قبائل طي) فدمعت عينا خالد وقال: إلى الله الملتجا.
وينظر خالد إلى اليمين فإذا هي كتائب، وينظر وراءه فإذا هي كتائب، وأصبح داخل هذه المستعمرة المتحركة من الجيوش التي هي كالبحور! مائتان وثمانون ألف رومي، وهو فيما يقارب ثلاثين ألفاً من الصحابة ومن المسلمين، فماذا فعل؟
أرسل في الليل رسالة إلى عياض بن غنم، وكان بطلاً عنده جيوش وقبائل العرب كلها، لو نادى فيهم لأجابوه، قال في الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم من خالد إلى عياض إياك أريد والسلام).
وهذا كان أخطر كتاب، فلما قرأه عياض بن غنم قام وسط الليل فنادى في قبائل العرب وجيوشها وكتائبها، فما أصبح الصباح إلا وقد ترس بطوق آخر وسوار على الروم من الخارج! وأراد الروم أن يخلصوا من هذا السوار، وبكل صعوبة رجعوا إلى مواقعهم، وبدأت المعركة، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
يا من يرى خالداً بالبرد معتجراً تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي
وما نصر إلا بفضل الله، ثم بإيمانه ويقينه وصدقه وإخلاصه.
ولما توفي خالد بن الوليد قامت المدينة في رنة من البكاء، وشاركهم في البكاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأتى رجل وقال لـ عمر: يا أمير المؤمنين! أسكت النساء فإنهن يبكين على خالد.
قال: ثكلتك أمك! دعهن يبكين، على مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي.
وللفائدة: كتاب سليمان كتبه ثم أعطاه للهدهد؛ لأن الهدهد هو الذي أتى بالخبر، فحمله فوصل في وقت القائلة، وهي ليست في دوام في ذلك الوقت بل في إيوانها نائمة، وأتاها وقت القائلة بعد صلاة الظهر، فدخل من ثقب في القصر، ثم ألقى الكتاب على صدرها -وهذا ثابت في التفاسير- فاستيقظت وذهلت، لو كان أتى بالكتاب رجل لكان أسهل، ولو أتى به وفد أو حمام زاجل جهاراً نهاراً لكان أسهل، لكن الحراسة مطوقة، والجنود على الأبواب والمنافذ، فمن أين يدخل الكتاب؟
فانذهلت وجمعت جنودها في قصة ليس هذا مجال بسطها.
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] والكتاب في الأصل من مادة كتب، وهو تجميع الشيء إلى الشيء، وسميت الكتيبة في المعركة كتيبة؛ لأنه يتجمع جنودها في جماعة فسموا كتيبة، قال المتنبي:
ألا أيها المال الذي قد أباده تعز فهذا فعله بالكتائب
يقول للمال: اتق الله يا أيها المال واصبر، إذا كان قد أبادك فإنه يبيد الكتائب في المعركة - سيف الدولة - كما يبيد المال.
ويقول النابغة الذبياني، وهي من أحسن القصائد التي يمدح بها النعمان بن المنذر:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب
إلى أن يقول: كتائب بكتائب في قصيدة طويلة.
فالكتائب هي الجيوش إذا جمعت، ومنه أخذ الكتاب؛ لأنه يجمع الكلمات بعضها مع بعض.
стр. 3424
تفسير قوله تعالى: (لا ريب فيه)
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] ما معنى" لا ريب"؟
تدل كلمة " لا ريب" على أحد ثلاثة معانٍ:
١ - لا ريب بمعنى: لا شك.
٢ - بمعنى: لا تهمة.
٣ - بمعنى: لا حاجة.
لكن معناه هنا: لا شك.
فهذا الكتاب لا يشك فيه إلا ظالم فاجر، ولا يوسوس فيه إلا ملحد، ولا يخرص فيه بالظن إلا زنديق.
وقيل: التهمة؛ ولذلك يقول جميل بثينة:
قالت بثينة يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب
تقول: إنك سببت لي التهمة فيقول: وكلنا متهمون ببعض، وقال هذا البيت وهو من الشواهد في اللغة، ومثل هذه الأبيات في الحب تصرف إلى المخلوق، ولو صرفوا قلوبهم للواحد الأحد لكان أعظم وأعظم.
يقول مجنون ليلى في قصيدة له من أحسن القصائد، لكنه صرفها إلى المخلوق، يقول فيها:
وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
فأخذها ابن تيمية، فكان يخلو بنفسه يذكر الله تعالى؛ فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ﴿رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ فكان ابن تيمية يخلو بنفسه، قال تقي الدين بن شقير: رأيته في صحراء ما معه إلا الله، وقد خلا بنفسه وقال: لا إله إلا الله ثم دمعت عيناه وقال:
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
وقد سئل ابن تيمية: كيف يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] كيف يأمرهم بالذكر وقت الأزمات؟ وهم في مصافة العدو وفي محاربة الكافر ويأمرهم الله بالذكر؟!
قال ابن تيمية: العرب تتشرف بذكر المحبوب وقت الأزمات، فأراد الله أن يخبرهم أن أعظم محبوب هو الله.
ولذلك يقول عنترة الوثني الجاهلي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فالله أرشدهم إلى أعظم طريقة وهي ذكره في الأزمات.
وقيل: (لا ريب) لا حاجة.
قال كعب بن مالك شاعر الإسلام مع حسان:
قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
يقول: كل حاجة قضيناها من تهامة ومن نجد، يقول:
تخيرها ولو نطقت لقالت قواطعهن دوساً أو ثقيفا
يقول: انتهينا من الحاجات بالسيوف، ففتحنا نجد بالإسلام وفتحنا تهامة، وسألنا سيوفنا: ماذا تريدين؟ قالت: نريد دوساً وثقيفاً؛ فباغتوا دوساً وثقيفاً فانتصروا عليهم.
إذاً: (لا ريب فيه) أي: لا شك فيه، وهذا الكتاب هو الذي لا ريب فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] فمن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن عمل به كان على صراط مستقيم من اتبعه وعمل بما فيه قاده إلى الجنة، ومن أدبر عنه وأعرض أخذه بقفاه حتى يقذفه في النار.
القرآن لا يترك أحداً إما مسلم متدبر خاشع يأخذه حتى يدخله الجنة، جاء في بعض الروايات أن القرآن يقول لصاحبه: والله لا أفارقك حتى أدخلك الجنة.
ويقول للفاجر: والله لا أفارقك حتى أكبك على وجهك في النار.
فنعوذ بالله.
ومنهم من يتوسد القرآن، يعرض عن أحكامه، ويترك الصلاة، ويعق الوالدين، ويزني ويسرق ويشرب الخمر، فهذا يقذفه على وجهه في النار: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦].
стр. 3425
تفسير قوله تعالى: (هدى للمتقين)
كلمة "هدى" مصدر، أي: يهديهم هدى، وأعظم ما يهتدى به هو القرآن.
стр. 3426
أقسام الهداية
الهداية على قسمين:
١ - هداية الدلالة: وهي للرسول ﵊، ولكل داعية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
٢ - هداية التوفيق: وهي من الواحد الأحد: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
стр. 3427
اختصاص المتقين بالهداية
لماذا لم يقل: (هدى للمسلمين)؟ لأن المسلمين درجات: منهم من يتحمل الكبائر، فلا تكون له هداية تامة عامة، ومنهم من يأتي بالمعاصي دائماً وأبداً فلا تكون هدايته كاملة شاملة، فقال: (للمتقين)؛ لأنهم أعظم من اهتدى بالقرآن، وهم الذين وازنوا القرآن على أنفسهم وأنفسهم على القرآن، فعملوا بأوامره وانتهوا عن نواهيه، وآمنوا بمحكمه وردوا متشابهه إلى الله الواحد الأحد.
стр. 3428
تعريف التقوى
قيل: التقوى هي: أن تخاف الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وأن تعمل الحسنة على نور من الله تريد ثواب الله، وأن تتقيَ السيئة على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقيل: التقوى هي: العمل بالمأمور وترك المحذور وتصديق الخبر.
وقيل: التقوى هي: العمل بالطاعات وترك السيئات -وهذا سهلة-.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقال ابن مسعود: التقوى أن يُذكر الله تعالى فلا يُنسى، وأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
وقيل: التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وناره وقاية، فإذا فعلت ذلك فقد اتقيت.
قال عمر لـ أبي بن كعب: [[صف لي التقوى.
قال: يا أمير المؤمنين! أمررت بأرض فيها شوك؟ قال: نعم.
قال: فماذا فعلت؟ قال: تحفزت وشمرت.
قال: فكذلك التقوى]].
ونحن نشكو حالنا إلى الله ، إذا لم نتق الله فنحن مثل من يمشى على شوك على خطورة من اللسان والسمع والبصر والقلب، قال الشاعر:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
فسبحانه من كريم جواد!
стр. 3429
أسباب دوافع التقوى
للتقوى دوافع:
أولها: استحضار عظمة الله الواحد الأحد.
ثانيها: القيام بالفرائض، فمن نقض الفرائض أو ترك شيئاً منها فهو أفجر فاجر، ولو حلف لك خمساً وعشرين يميناً على المصحف أنه متق؛ فلا تصدقه إذا ترك فريضة واحدة.
من يخن الله فلا تثق به، ومن لم يخف الله فخف منه، ومن لم يجعل بينه وبين الله حبلاً من الإسلام فلا تجعل بينك وبينه حبلاً، فإن من خان في أحكام الله أجدر أن يخون معك، وهذا مشاهد في الناس.
ويا حسرة على شباب الإسلام الذين يسافرون إلى الأمم الغربية، فيأتي أحدهم ويقول: ما رأينا أصدق منهم، وما رأينا أخلص منهم، وما رأينا أوفى منهم!
إنهم يعجبون بالكافر لأنهم ما عاشوا حياة الصحابة، حياة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 3430
صفات المتقين
من هم المتقون؟
أولياء الله ليس لهم لباس خاص، ولا مجالس خاصة، ولا شعار خاص، وليس لهم شيخ خاص، ولا طائفة خاصة، ولا جماعة خاصة: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] هذا هو أحسن تعريف للأولياء.
стр. 3431
الإيمان بالغيب
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] ما هو الغيب؟
كل ما استتر عنك فهو غيب، فهم يؤمنون ويصدقون بما أخبرهم به محمد ﷺ ؛ أن هناك جنة وناراً، وحساباً وعقاباً وثواباً، وأن هناك ميزاناً وصراطاً، وأن هناك نعيماً مقيماً أو عذاباً أليماً، وأن هناك رباً ، إلهاً حكيماً قادراً عليماً بصيراً سميعاً، مستوياً على عرشه، إنما يقول للشيء كن فيكون، له الملك وله الأمر، كل يوم هو في شأن
ولذلك هذا هو -والله- الإيمان، فبشرى لكم يوم آمنتم ولم تروا الرسول ﷺ ، ويوم أسلمتم وآمنتم بالله ولم تروا ربكم، فاعبدوا الله كأنكم ترونه فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم.
كان رجل أعرابي يصلي في الصحراء، فمر به رجل ملحد فقال له: لمن تصلي؟ قال: لله الواحد الأحد.
قال: هل رأيته؟ قال: يا عجباً منك! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وليل داج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وسماء تمطر ألا تدل على السميع البصير؟!
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
وأسماء الله تعالى وصفاته من الغيب واستواؤه على عرشه من الغيب والجنة والنار من الغيب وما يحدث في العرصات، وما يحدث في القبر من منكر ونكير ومن عذاب ونعيم من الغيب فأنتم تؤمنون بالغيب، آمنتم بالغيب وصدقتم، فلكم النعيم وأنتم المفلحون إن شاء الله.
وبدأ الله تعالى بالغيب لأنها أعظم قضية؛ ولذلك ما ألحد من ألحد إلا يوم أن كفر بالغيب، فهم يقولون: لا إله والحياة مادة، وكل ما هو مشاهد وملموس نؤمن به وما وراء العيون لا نؤمن به وقد افتروا على الله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٥ - ٦٦]
فالإيمان بالغيب هو أعظم قضية تواجه الإنسان، ومن لم يؤمن بالغيب لم يسلم، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
стр. 3432
إقامة الصلاة
قال الله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٣] فذكر من صفاتهم إقامة الصلاة، والله إذا ذكر المؤمنين ذكر أنهم يقيمون الصلاة، وإذا ذكر المنافقين ذكر أنهم يصلون ولم يذكر أنهم يقيمون الصلاة وهذا فارق ينتبه له، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:١ - ٧] وقال في سورة النساء: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] فلم يقل: وإذا أقاموا الصلاة وإنما قال: (وإذا قاموا إلى الصلاة).
والناس قسمان: قسم يقيم الصلاة وقسم يصلي، فالذي يصلي بلا إقامة صلاة؛ لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، والذي يقيم الصلاة تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
تقول: ما للإنسان يصلي ولكنه يتناول المخدرات؟ ما له يصلي ويزني؟ ما له يصلي ويشرب الخمر؟ ما له يصلي ويسرق؟ لأنه صلى ولكنه ما أقام الصلاة.
وإقامة الصلاة تكون بدوام خشوعها وخضوعها ووضوئها وإخلاصها وركوعها وسجودها وأذكارها وروحها، فيعصمهم الله تعالى بالصلاة من الفحشاء والمنكر، وأول ما تبدأ بصلاة الفجر، يقول ﵊: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
وفضل الصلاة عظيم، وهي تحتاج إلى محاضرات، ولكن نحن نقف على مقاصد الآيات، وإلا فليس هناك أحكام والحمد لله، وسوف يمر معنا الصلاة، والصيام، والحيض، والقصاص، والوصية، والدين، في سورة البقرة -إن شاء الله- فنتوسع هناك، أما هنا فآيات ورقائق وترغيب وترهيب.
стр. 3433
الإنفاق في سبيل الله
قال في صفتهم: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ما قال: وما رزقناهم ينفقون، ولكن قال: (مما رزقناهم) أي: بعض ما رزقناهم، فهم ينفقون من بعض ما رزقناهم، ولو قال: وما رزقناهم ينفقون؛ لكان هذا شاقاً على الناس، ولا يستطيع الإنسان أن ينفق ماله كله، لكن قال: (مما رزقناهم) أي: شيئاً مما رزقناهم ينفقونه، فهؤلاء من الذين يدركهم الفلاح إن شاء الله.
لكن الله تعالى يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] فكيف تؤثر على نفسك ولا تترك لنفسك شيئاً؟ وهنا يقول : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] فهذه الآية تقول لك: أنفق من بعض ما رزقك الله، وتلك الآية يمدح الله فيها من أنفق كل شيء وجلس وحيداً فكيف نجمع بينهما؟!
قال بعض أهل العلم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] هذا لمن وثق برزق الله وبما عند الله، ومن أصبح التوكل عنده كتوكل أبي بكر الصديق؛ فله أن ينفق ماله كله، وأما مثل أحوالنا ممن لم يصل توكله إلى درجة عالية فينفق بعض ماله.
فـ أبو بكر أنفق ماله كله في الإسلام، فما رد الرسول ﷺ شيئاً؛ لأنه يعرف توكله، وبعض الصحابة أتوا بمالهم فقال لهم ﵊: ﴿أمسك عليك بعض مالك﴾ وأخذ منه ﷺ القليل وترك له الكثير؛ لأنه يعرف توكله.
فمن بلغ القمة في التوكل فليس عليه أن ينفق ماله، ومن نقص توكله فلينفق شيئاً من ماله، قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]
وقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] وقال : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٦٢] وقال : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وقال : ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
وقد بلغ كثير من الصحابة في الإنفاق مبلغاً عظيماً، منهم أبو بكر وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع.
فأما أبو بكر فأعطى الإسلام كل ما عنده، أعطى الإسلام ماله ودمه وجهده ووقته؛ فعوضه الله أن جعله أكبر صديق بعد الأنبياء والمرسلين.
وأما عثمان فحفر بئر رومة للمسلمين فسقاه الله من سلسبيل الجنة، وجهز جيش تبوك فقال له ﷺ : ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾
وأما ابن عوف فأنفق ما يقارب سبعمائة جمل في لحظة واحدة، بأقتابها وأحلاسها وطعامها وزبيبها في سبيل الله خالصة مبرأة، فأخذها الفقراء وقالوا: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلُّب الحاجات بالعيدان
بل يشرقون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا الغريب أقام وسط رحالهم ردوه رب صواهل وقيان
وإذا دعا الداعي ليوم كريهة سدوا شعاع الشمس بالفرسان
قال : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] و (من) هذا تبعيضية، فكأنه قال: من بعض ما رزقناهم ينفقون، فالمطلوب من الإنسان أن ينفق، وإذا أمسك الشيء فإنما أتلفه، وإذا أنفق الشيء فإنما أمسكه.
أنت عبد المال إن أمسكته وإذا أنفقته فالمال لك
وقد ذكر العلماء كثيراً من قصص الكرماء والبخلاء، وأدوى داء هو البخل: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
والناس في الإنفاق على ثلاثة أقسام:
قسم يريد به الرياء والسمعة: فليس له حظ ولا نصيب في الآخرة، وهو أول من تسعر به النار.
وقسم ينفقه كرماً وحياءً: فله أجر ومثوبة، وقد يكون عادة.
وقسم ينفقه بقصد ونية وإخلاص: فهو المأجور العابد بماله لله الواحد الأحد.
وممن أتلفوا أموالهم فطلبوا الصيت: حاتم الطائي، كان من أكرم الناس، فعوضه الله بالصيت لأنه أراد الصيت، بالكرم حتى في مجالسنا اليوم دائماً يذكر اسم حاتم الطائي.
ومنهم: ابن جدعان كريم مكة، كان فقيراً صعلوكاً يرعى الغنم في عرفات، فاكتشف قدوراً من ذهب، فذهب بها وأطعم الناس فأصبح من أكرم الناس ورزقه الله الصيت.
أين الرجلان؟ أفي الجنة أم في النار؟
روي فيهما حديثان في صحيح مسلم، أما حاتم الطائي فقال ابنه عدي: ﴿يا رسول الله! أبي كان يكرم الضيف، ويحمل الكل، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا.
إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ أبوك طلب الدنيا والصيت والسمعة فله الصيت والدنيا والسمعة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وأما ابن جدعان فتقول عائشة: ﴿يا رسول الله! ابن جدعان كان كريماً وكان مقرياً، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا.
إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾.
وكان له خادم ينادي في الصباح من رأس جبل أبي قبيس ويقول: من أراد لباب البر بنسير العسل فليأت مأدبة ابن جدعان.
فيهب الناس بأطفالهم ونسائهم فيأكلون، فإذا أتت الظهيرة نادى خادمه من على جبل أبي قبيس: من أراد الثريد فليأت مائدة ابن جدعان فيأتون؛ حتى يقول ﵊ في غزوة بدر: ﴿ائتوني بـ أبي جهل قالوا: يا رسول الله! ما عرفنا جثته، إنه مقطوع الرأس -أصبح رأسه مقطوعاً كالشاة، رأسه في واد وجثته في واد آخر- فقال: تعرفونه بجرح في ساقه أو في ركبته، تصارعت أنا وإياه ونحن شباب على مائدة ابن جدعان فصرعته.
فأتوا على ساقه فكشفوا فوجدوا الجرح، فسحبوا جثته إلى الرسول ﵊﴾.
وكان ابن جدعان يقول للفقراء: لا يسألني أحد؛ لأنه لا يريد أن يذهب ماء وجهه أمامه، يقول: لا تسألني، قف أمامي وأنا سوف أعرف فيقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء
ولذلك قال ابن تيمية: الدعاء ثناء والثناء دعاء؛ لأن العبد عندها يقول: لا إله إلا الله يريد شيئاً، والعبد لا يقول: يا قدوس! يا أحد! يا صمد! إلا لأنه يريد شيئاً.
وأما أجواد الإسلام فاختلف فيهم، ولا بأس أن نذكرهم في باب الإنفاق، فقد ذكر الذهبي أجواد العرب في الإنفاق، وذكر أنه اختلف في الحرم جلاس وسمار في عهد التابعين من هو أكرم العرب آنذاك من المسلمين؟
فقال قائل: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقال ثان بل هو: قيس بن سعد بن عبادة، وقال ثالث: بل أكرم العرب عرابة الأوسي.
فقال رجل منهم: كل منكم يذهب إلى الذي يرى أنه أكرم العرب فيأتي بزي مزرٍ وزي فقير، ثم يسأله ويأتي إلينا بما أعطاه ذاك الكريم، ونرى أي العطايا أكثر.
فذهب الذي يريد عبد الله بن جعفر في زي فقير، فتعرض له فوجده قد خرج من المدينة يريد دمشق في الشام، ومعه فرس وعنده سيف وحلي الفرس، فقال: أنا رجل فقير منقطع أريد منك مالاً.
فقال عبد الله بن جعفر: لو أتيتني وأنا في المدينة لأعطيتك وأكثرت لك، ولكن خذ الفرس وخذ السيف، أما أنا فسوف يعرفني الناس ويركبونني.
قال: لا.
قال: والله لتأخذنه؛ فأخذ الفرس والسيف وترك الرجل تحت شجرة.
وأما صاحب قيس فأتى إليه وطرق عليه الباب، فخرجت الجارية وقالت: ماذا تريد؟ قال: أنا رجل فقير أريد قيساً.
قالت: هو نائم، ولكن خذ ألف دينار ولا توقظ سيدي ودعه ينام.
فذهب ومعه ألف دينار، تقارب عشرة آلاف درهم.
وذهب الذي يريد عرابة الأوسي، فوجده خارجاً من بيته يريد الصلاة، وهو أعمى وله عبدان قد اتكأ بيمينه على واحد واعتمد على الآخر، فقال له: أنا رجل منقطع؟ فقال عرابة الأوسي: والله ما عندي في بيتي شيء؛ لقد أذهبته النفقات، وليس عندي إلا هذان العبدان فخذهما لك.
فقلت: أنت أعمى! قال: خذهما.
فأخذتهما، وأصبح يتلمس من عماه إلى المسجد حتى دخل المسجد.
فعادوا، فقال الذي حكم في القصة: أما قيس بن سعد فهو كريم، ومن كرمه أن الجارية تعطي ألف دينار فكيف إذا استيقظ هو، ولكن لا بأس.
وأما عبد الله بن جعفر فسوف يعرفه الناس ويحملونه، وهو كريم لأنه ترك نفسه في الصحراء وحده.
أما أكرمهم فهو عرابة الأوسي؛ لأنه أعمى وقد أنفق أمواله وما بقي عنده إلا هذان العبدان، فأعطاك وأخذ يتلمس إلى المسجد، ثم يقول فيه القائل:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى العلياء منقطع القرين
وهو أوسي من الأنصار، ﵁ وعن آبائه وعن كل رجل من الأنصار، فإننا نتقرب إلى الله بحبهم.
стр. 3434
تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدىً من ربهم)
قال : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] فقال: (على هدى) ولم يقل: في هدى؛ لأن (على) هنا أبلغ، أي: على طريق من الهدى وعلى واضحة وجادة، ولو قال: في هدى؛ لشمل أن بعضهم في هدى وبعضهم في ضلال، ولو قال: إلى هدى؛ لما وصلوا إلى الهدى؛ لأن الذي يمشي إلى الشيء ما كأنه وصله، فأنت تقول: مشيت إلى السارية أو إلى الكعبة، فكأنك ما وصلت، فلو قال: إلى هدى، لاحتمل أنهم يهتدون أو لا يهتدون، ولكنه قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً﴾ [البقرة:٥] أي: وصلوا إلى الهدى، وتكنفتهم الهدى فكلامهم هدى، وفعلهم هدى، وحركاتهم هدى، وكل شيء يصدر منهم هدى.
والذي لا يفعل هذه الأمور فالهدى عنده قليل فإذا كتب في صحيفة تراه ضالاً، وإذا ألقى قصيدة فهو ضال، وإذا باع واشترى فهو ضال، وإذا تكلم فهو ضال؛ لأنه ليس له نور، ومن أين يأتي النور إلا من الله؟! ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] فالناس لا يعطون النور، والعلم وحده لا يعطيك النور، والثقافة وحدها لا تعطيك النور، إنما يعطيك النور الذي أنزل النور والذي خلق النور: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] والله يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] لأنه على ظلمة، وقال في المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] يقول: ليس عندكم نور، ولذلك يقول الله : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] لم يقل في الآية: يخادعون الله وهو يخادعهم؛ لأنه لو خادعهم لم تأت نتيجة الخداع؛ بل قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] أي: أوقع بهم الخداع وكيف يخدعهم الله ؟ قيل: يضيء للمنافقين نوراً يوم القيامة.
ثم انطفا نور المنافقينا ووقفوا إذ ذاك حائرينا
لأنهم بالوحي ما استضاءوا فكذبوا فذا لهم جزاء
يضاء لهم النور فيرون الصراط، ويرون جهنم في ظلمة لا يعلمها إلا الله، فإذا توسطوا على الصراط انطفأ النور فعثروا فوقعوا على وجوههم فهذا هو الخداع: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة:٩] لأنهم يصلون مع الناس وهم لا يريدون الصلاة، ويقرءون القرآن وهم لا يريدون القرآن، فظاهرهم فيه الرحمة وباطنهم من قبلهم العذاب، وهم من أجوف الناس: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] والخشبة داخلها خواء، ويقول: (مسندة) لأنها لا تعتمد على نفسها لكنك تسندها على الجدار، فهؤلاء هم المنافقون، ويقول : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] ولم يقل: ذهب بإضاءتهم، مع أن الأصل في غير القرآن أن يقال: فلما أضاءت ما حولهم ذهب الله بإضاءتهم.
لكن ترك الفعل وأتى بالمصدر من نوع آخر فقال: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] قالوا: لأنه لو قال: ذهب بإضاءتهم؛ لاحتمل أنه بقي لهم جذوة أو شيء من النور، لكنه لم يبق لهم شيء فقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧].
قال : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] أي: أنهم يعيشون في هدى وفي اطمئنان، ولذلك لا يحفظك على الهدى إلا هذا العمل، لا تظن أن لك حافظاً غير الله فإنه لا يمكن أن يعصمك من الفواحش إلا الله أما غيره فلا يستطيع؛ لأن الله يقول ليوسف لما كان مهتدياً: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] أي: لما كان مهتدياً صرفنا عنه السوء والفحشاء، فلا يصرف عنك السوء والفحشاء إلا الله.
والله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: (هدى) ويسكت؛ لأن (هدى) كثيرة، وهي مشتقة، فمنهم من يهديه الشيطان: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] يقول: الذي يهديك إلى الصواب خير من الصنم الذي لا يهدي إلى الحق إلا أن يهدى هو.
وبعض الناس يهدي إلى الضلالة، فلذلك: الهدى من الله؛ لأن بعضهم يقول: أنه مهتد وهو ضال، أي هداه إبليس، وقد قيل لـ ابن عمر: [[إن المختار بن عبيد الله الثقفي -هذا الدجال الكاذب الخائن الساحر، الذي ادعى النبوة- يزعم أنه يوحى إليه.
فقال ابن عمر: صدق، إنه وحي من الشيطان ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] وليس وحياً من الرحمن]].
فقال الله : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: من الله لماذا؟ ليذكرهم النعمة، نعمة الهداية والفطرة والحياة، أي: من ربهم الذي رباهم، لأنهم مقرون بالله، وقد سبق أن قرر التوحيد، فأتى هنا بلفظ (الرب) والله إذا ذكر الجميل ذكر الربوبية، وإذا ذكر التفرد ذكر الألوهية .
стр. 3435
تفسير قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون)
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] لماذا يكثر من الضمائر؟ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، قال في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤] فأتى بالضمير (هم) وأتى بـ (العدو) معرفة، والجملة إذا ظرفت بمعرفتين -المبتدأ معرفة والخبر معرفة- أفادت الحصر، وقال هنا: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] فأعاد اسم الإشارة، وأعاد الضمير، وأعاد التعريف بأل.
والفلاح ذكر في القرآن على أقسام، يقول : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] وهذه الرحمة للإنصات، وقال : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] فذكرهم بالفلاح في عدة سور، وذكر الفلاح بعد الذكر وبعد الصبر والجهاد والنفقة.
والفلاح في اللغة يسمى السحور، ومعناه: السعود والنجاة، وبمعنى: الذهاب إلى الشيء، ومعناه هنا: أنهم سعداء في الدنيا والآخرة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] أي: أفلحوا ونجحوا وأصلحوا ظاهراً وباطناً، وأمنيتنا ورجاؤنا وسؤالنا إلى الواحد الأحد، الذي لا تخيب عنده المسائل، ولا تعطل عنده الرسائل، ولا يسد حجابه، ولا تغلق أبوابه؛ أن يجعلنا من المفلحين، ومن المقيمين للصلاة، ومن الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقهم الله ينفقون والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →