← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

أقسام الأولياء الأولياء عند الجمهور قسمان: مقتصدون، وسابقون, وشيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى أنهم ثلاثة أقسام فيقول: الأولياء تشملهم هذه الآية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. الظالم لنفسه: هو الذي يترك بعض الواجبات ويأتي بعض الكبائر, وهو عند الخوارج كافر, وعندنا مسلم لا يخرج من الإسلام. والمقتصد: هو الذي يفعل الفرائض بواجباتها ويترك الكبائر، ولكنه قد يترك المستحبات وقد يفعل بعض المكروهات. والسابق بالخيرات: هو الذي لا خوف عليه ولا حزن، وهو الذي يفعل الفرائض والواجبات والمستحبات، ويترك الكبائر والمحرمات والمكروهات, ووصفه ابن القيم في طريق الهجرتين فقال: هو الذي ينام وقلبه معلق يطوف حول العرش. فهو معلق بربه ، فإذا نام وانتصف الليل قام فتوضأ وهو خائف منكسر القلب، خجول من الله ، فيصلي ويناجي ربه وقد أسلم أعضاءه وروحه وإرادته وعزيمته ومحبته، فليس له من نفسه شيء، وليس لنفسه منه شيء وسوف يأتي معنا في الحديث كلامه أن الله يكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به- فهذا السابق بالخيرات. فهم أقسام ثلاثة، وعند الجمهور قسمان: مقتصدون وسابقون, قال : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١ - ١٠]. فأصحاب الميمنة هم المقتصدون, وأصحاب المشأمة على رأي ابن تيمية ليسوا من الظالمين، بل هم كفرة, والسابقون هؤلاء هم الصنف الثاني, فالمقتصدون هم أصحاب يمين, والسابقون بررة, قال سبحانه في آخر السورة بعد أن قسم في أولها: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٨]. فهؤلاء المقربون هم السابقون: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٩ - ٩٠] المقتصدون ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩١ - ٩٢] وهؤلاء الكفرة وهم أصحاب المشأمة, نسأل الله أن يجيرنا من مصيرهم.

стр. 3887

معاداة الأولياء قسَّم الحديث الأولياء إلى مقتصد وسابق -ومر هذا- حيث يقول الله ﵎ فيه -وسوف يأتي شرحه-: ﴿من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بأحب مما افترضته عليه﴾ وهذا هو المقتصد ﴿ولا يزال يتقرب إليّ بالنوافل﴾ وهذا هو السابق, فمن تقرب بعد الفرائض بقيام الليل، وصيام النوافل، واتقى الله، وحسن خلقه وتعامله، وصدق، وبر والديه، ووصل رحمه، فهو سابق بالخيرات, فهذا هو المقتصد والسابق كما قسم في الحديث.

стр. 3888

معنى المعاداة في الحديث يقول الله ﵎: ﴿من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة﴾ ما هو معنى المعاداة؟ نحن نختلف فيما بيننا في مسائل, وقد اختلف أهل العلم في مسائل، اختلف الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة، واختلف أبو بكر وعمر في مسائل وتشاجرا وتجادلا, فهل هذه معاداة؟ هل إذا عاديت المسلم وأتى بينك وبينه غيظ ثم تصافيتم فهل هذا من المعاداة؟ قال أهل العلم: لا تدخل المشاحنة والمشادة ولا الخلاف والمجادلة في العداء. ومعنى المعاداة: المعاداة التي سببها الولاية، أنه ما عاداك العدو إلا لأنك ولي لله, قالوا: مثل بغض أبي بكر من الرافضة , وسب علي من الناصبة , ومثل عداء الكفار مع المؤمنين وعداء أهل البدعة مع أهل السنة، هذا هو العداء. ومنه عداء أهل النفاق مع أهل الإيمان, فقد عادوهم بالسخرية وبالغيبة واستحلال الأعراض والاستهزاء, فهذه هي المعاداة وليس الاختلاف العلمي والجدل والضغينة الطفيفة التي لا يخلو منها البشر معاداة, كالتي حدثت بين أبي بكر وعمر وغيرهما رضوان الله عليهم من السلف الصالح فهذا ليس عداء. هذا يخرج معنى المعاداة في الحديث من معنى الجدل إلى معنى الضغينة بسبب الولاية.

стр. 3889

محاربة الله لمن عادى الأولياء والمحاربة: هي مفاعلة، فلا بد من جانبين للمقاتلة، أي: أن يقاتل هذا هذا، ويقاتل هذا هذا، وهو من أفعال المشاركة، كالمضاربة والمجادلة, فكيف نلحق هذه الصفة بربنا ﵎, وهي من جانبين، والله يجل أن يحارب العبد؛ لأن سببها العداوة من الجانبين أو التوازن والتساوي، والله أجل قدراً, وأقدر وأعظم وأجل؟! قال أهل العلم: المعنى: قد تعرض لهلاكي، فقوله: ﴿من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة﴾ ليس معناه: أنه يحاربني وأحاربه، فالعبد أذل وأقل وأصغر من أن يحارب الله, لكن المعنى: فقد تعرض لما يوجب هلاكه, أي: أنه أغضبني فأهلكه, ليس معناه أن العبد قام بسلاح والله بسلاح ليتحاربا -جل الله- فقالوا: هذه من الأفعال التي تبنى على الأسباب، كما يقول ابن حجر: معناه أن العبد إذا بدأ بسبب العداء فقد تعرض لهلاكه من الله ﵎, لأنه حارب الله, ومن يحارب الله ؟!

стр. 3890

التقرب بالنوافل سبب محبة الله للعبد كيف عظمت الفرائض على النوافل؟ حيث أن الله جعل سبب المحبة النوافل، ولم يذكر في الحديث أن سبب المحبة الفرائض إنما ذكر النوافل, ولو أنه في أول الحديث قال: ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بأحب مما افترضته عليه﴾ ولكن يقول: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه﴾ ثم يكون الله سمعاً للعبد وبصراً له بسبب فعل النوافل لا بالفرائض.

стр. 3891

أهمية النوافل و السؤال كيف عظمت الفرائض إذاً عند أهل السنة والجماعة على النوافل؟ ولماذا كانت النوافل في الحديث سبباً لمحبة الله أكثر من الفرائض؟ من الأجوبة التي أوردها أهل العلم: أنه إنما ذكرت الفرائض وعظمت لأنها سبب في رفع العقاب والغضب من الله , والنوافل كانت سبباً للحب لأن العبد يفعلها حباً فيما عند الله . قال الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم: لأن الفرائض كالأصل والأساس ولأنها علامة للعبودية، ولأن فيها الذل، وفيها امتثال أمر الآمر ﵎, ونهي الناهي ﵎، فكانت أعظم من النوافل، والآمر والناهي هو الحاكم ، فإذا امتثلت أمره كنت أفضل ممن يتقرب إليه بالنوافل, فكانت الفرائض هي أفضل, وأما النوافل فعلى الجواب السالف كانت سبب المحبة لأن العبد لا يفعلها خوفاً من العقاب ولا من العذاب، إنما يفعلها حباً من نفسه، ولا يكثر من النوافل إلا محب لله ﵎. وأنت لا تسأل عن إيمان الشخص ولا كثرة صلاحه, ولكن انظر إلى نوافله. يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[كل يحسن الكلام ما لم يعملوا، ولكن إذا عملوا انكشفوا]] أو كما قال فالكلام سهل لكن الفعل هو الصعب, فلا تسأل عن عبادة عابد أو حبه لله ﵎ حتى تنظر إلى نوافله, وكلما أكثر من النوافل كان أقرب إلى الله, وأحب إلى الله, فإذا رأيته حريصاً على النوافل فمعنى ذلك أنه من أقرب الأقربين إلى الله ﵎، وأنه من المحبين لله ﵎. والنوافل في الحديث -أيها الكرام- أولها نوافل الصلاة, ولذلك تكلم عليها الحفاظ لأن نوافل الصلاة هي المتبادرة إلى الذهن، ولذلك لا يحافظ على نوافل الصلاة إلا مؤمن تام الإيمان وكامل اليقين, كصلاة الضحى, وأربع قبل الظهر وأربع بعدها, وأربع قبل العصر, وركعتين بعد المغرب أو أربع أو ست, وركعتين بعد العشاء أو أربع أو ست, والوتر إلى ثلاث عشرة إلى ما يفتح الله ، إلى نوافل كثيرة.

стр. 3892

حرص السلف الصالح على الإكثار من النوافل ولذلك صحح العلماء أن الإمام أحمد كان يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة غير الفرائض, قال ابنه عبد الله: فلما آذاه الجَلْدُ-لما جلد في سبيل الله وفي سبيل رفعة لا إله إلا الله- كان يصلي مائة وخمسين ركعة, وكان إذا سجد ربما أعنته حتى أعيده إلى مكانه. يقول أحد الذين جلدوه: لقد جلدته جلداً لو جلد به بعير لمات. كل ذلك في سبيل الله. وأول ما أخذ الإمام أحمد -وهو من الأولياء الكبار في الإسلام، ﵁ وأرضاه ورحمه الله رحمة واسعة- أركبوه على فرس، قال: فحمَّلوني بالقيود من الحديد في يدي ورجلي -وسبب التعذيب أنه يريد منهج أهل السنة وهم يريدون البدعة, فـ المأمون ومن معه والمعتصم والواثق كلهم يريدون منهج الاعتزال بالقول بخلق القرآن, وهو يقول: لا -فلما أركبوه قال: خشيت أن أقع على وجهي فيتهشم وجههي، فكنت أداري نفسي على الفرس، لا يمسكه أحد إلا الله في ليلة ظلماء، وكان الجنود وراءه يضربون الفرس حتى أدخلوه في ثكنات المعتصم العسكرية. فلما أدخل قال: أغلقوا عليَّ الباب وأنا في ظلمة لا يعلمها إلا الله, قال: فالتمست لأجد ماء، فيسر الله لي بإناء فيه ماء, فأكبر مهمة له أن يصلي في الليل نافلة, فتوضأ ﵀ رحمة واسعة وقام يصلي حتى الفجر. ولما أتى في الصباح عرضوا له الإفطار من مأدبة المعتصم الخليفة. يقول الخليفة: لا آكل حتى أخبر أن أحمد أكل قبلي, فهم يعرفون أنه إمام الدنيا وفقيه المعمورة، ولذلك جعله الله إماماً، حتى إذا قيل للأطفال: أحمد بن حنبل، دخل في أذهانهم أنه إمام, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. فلما عرضوا له المائدة قال: لا والله، عندي دقيق يكفيني، كان معه سويق في جراب, وكان صائماً طيلة دخوله في السجن, فإذا أذن لصلاة المغرب أخذ حفنة واحدة من هذا الدقيق -السويق- ووضعه في الماء ثم خلطه بيده ثم أكله بعد صلاة المغرب, ويبقى عليه لليوم الثاني, حتى يقال: تغاضت جفناه أو خداه من الضعف لما خرج من السجن. ومع ذلك أخرجوه وحققوا معه وأرادوه أن يعود إلى منهج الابتداع، فرفض ولم يرض إلا منهج الإسلام ومنهج أهل السنة والجماعة , فجلدوه جلداً مبرحاً, وسلمه الله وأخرجه ورفعه رفعة ما بعدها رفعة، حتى إنه لما توفي كان الناس في جنازته، ومن كثرتهم تقطعت الأحذية، وذهب به بعد صلاة الفجر وما وصلوا إلى المقبرة إلا في صلاة العصر, وأغلقت الحوانيت في بغداد , وتوقف اليهود والنصارى عن أعمالهم, وظن بعض الناس أن القيامة قامت في يوم جنازة الإمام أحمد , حتى قال بعض المؤرخين: لم يحفظ جنازة في التاريخ اجتمع لها جمع أكثر من جنازة الإمام أحمد. فالمقصود أن الأولياء في الإسلام إنما عَظُموا من كثرة النوافل. يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة سفيان الثوري أبي سعيد، الإمام الحبر الزاهد العلامة الكبير الذي رفع الله هامته وقدره: يقولون: ذهب إلى صنعاء اليمن يريد أخذ العلم من عبد الرزاق بن همام الصنعاني العلامة الكبير, فلما وصل إليه قدم له عبد الرزاق بن همام رطباً وزبدةً، فأكل منه أكلاً كثيراً, لماذا؟ لأن الرجل صالح وطعام الصالحين فيه شفاء بإذن الله, والرجل مسافر، فلما أكثر التفت إلى نفسه، وقال: أكلت هذا الأكل! -يقول المثل وقد ذكره الذهبي: أشبع الحمار وكده، والله لا أنام حتى الفجر- فأخذ يصلي ويبكي حتى طلع الفجر. ولذلك حفظ عن سفيان الثوري أنه من الذين كانوا يقومون الليل كله, ذكر الغزالي في الإحياء: أن من السلف من كان يقوم الليل كله، منهم: سعيد بن المسيب وسفيان الثوري والفضيل بن عياض، كانوا يقومون الليل كله, ولكن إذا عرضنا أنفسنا فأين الثرى من الثريا؟!! سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرقٍ ومغرب لكن عزاؤنا وسلوتنا أننا نحب القوم ومن أحب القوم حشر معهم, لكن العجيب أن هناك من يبغض هؤلاء لا لشيء، يبغض الإمام أحمد، ويبغض سفيان الثوري، ويبغض عمر بن عبد العزيز , أما نحن فنقول: والله لا نقدر أن نعمل بعملهم ولا نستطيع أن نصل إلى هذا المستوى، ولكن من أحب القوم حشر في زمرتهم، فنشهد الله وملائكته والناس أجمعين أننا نحبهم في الله. يقول سعيد بن المسيب: [[الحمد لله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في مسجد رسول الله ﷺ منذ أربعين سنة]] سعيد بن المسيب بكى حتى ذهبت عينه اليمنى, وقالوا له: لا تبكِ، رويداً وإلا سوف تذهب اليسرى, قال: [[لا خير فيها إن لم تذهب من خشية الله]]. وقيل له: [[اذهب إلى العقيق فإن فيه خضرة لعل بصرك أن يعود إليك, قال: سبحان الله! ومن لي بصلاة الدلجة؟ ومن لي بصلاة في مسجد الرسول ﵊ التي تعادل ألف صلاة فيما سواه]]. هؤلاء هم السلف الصالح الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

стр. 3893

لماذا كانت النوافل سبباً للمحبة لقد تقدم جزء من الجواب، والسبب في أن النوافل سبب للمحبة؛ لأنها تؤتى باندفاع وبحب وباشتياق ولا يرغمك أحد عليها, وبعض الناس يصلي في المسجد -نسأل الله العافية- إما مداراة للناس، وإما مجاملة لأهل الحي، وإما لأنه يخاف من الإمام والمؤذن أن يرفعه أو الهيئة، أو يخاف من السلطان أن يبطحه ويجلده فيصلي مع الناس, لكن يظهر هذا في النوافل, لا تجده يتنفل في المسجد, إذا سلم الناس كأنه طائر في قفص يخرج متضايقاً، فهو يحسب هذه الدقائق ولا يحسبها في أماكن اللهو واللغو واللعب, وبإمكانه أن يجلس جلسة سافرة ساحرة ماكرة الساعات الطويلة، يتمايل مع الأعواد، يأخذ النغمات، ويستنشق الفرح الذي ليس هو بفرح ولكنه حزن ولا يمل, لكن إذا حضر في المسجد كان آخر من يدخل وأول من يخرج، فإذا سلم الإمام يذهب ولا يتنفل, فهذا علامة على أنه ليس محباً. أما المحب فهو الذي يتنفل, فكانت النوافل سبباً في محبة الله, فلذلك تجده يتنفل كثيراً وتجده يأتي مع الأذان أو قبل الأذان, يقول عدي بن حاتم كما في كتاب الزهد للإمام أحمد: والله ما أذن المؤذن إلا وأنا متوضئ والحمد لله، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] وذكروا أن أحد السلف كان يعمل نجاراً فكان يرفع المطرقة فإذا سمع (الله أكبر) تركها وأسقطها وراء ظهره ولا يطرق بها مرة ثانية. وعائشة ﵂ تقول: ﴿كان الرسول ﷺ يتكلم معنا ويكون في مهنة أهله ويقطع مع أهله اللحم، فإذا سمع (الله أكبر) قام كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا﴾. وكان كثير من السلف يقومون ويأتون المسجد في الغدوات، ويؤذن للصلاة وهم في المسجد، ولذلك ضيوف الرحمن يأتون على قدر منازلهم. وقال أهل الأثر: الناس يوم القيامة في المنازل كمنازلهم في المسجد. يقول ابن مسعود: [[اللهم لا تسبقني بأناس كثير في الجمعة, فاغتسل وتأخر قليلاً حتى سبقه ثلاثة, فدخل هو الرابع, فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة من الخير ببعيد]] قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧] يتقدم في الخير ويتأخر عن الخير. ولذلك نحن نقيس هذه الأعمال أو محبة الناس لله بأعمالهم الظاهرة، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].

стр. 3894

مثل المتنفل وغير المتنفل قيل لـ ابن المبارك: لماذا يصلى قبل الظهر أربعاً؟ ألا تقبل الظهر بلا أربع؟ قال: يا بني! -لأن هذا غر جاهل يسأل- مَثَلُ الرجل الذي أتى إلى المسجد متوضأً في أول الوقت، فصلى أربعاً ودعا الله وهلَّل وكبر، ثم صلّى الظهر، ثم صلّى بعدها أربعاً، كمثل رجل له حاجة عند ملك من ملوك الدنيا -ولله المثل الأعلى- فراسل الملك قبل أن يصله، بالهدايا وأتحفه وأسمعه خيراً, ثم وصل واستأذن الملك بشفاعة طيبة، ثم تكلم بين يدي الملك بكلام طيب حتى ارتاح له الملك، ثم عرض عليه حاجته فلبَّى حاجته, فهذا مثل من فعل هذا. ومثل الذي يأتي فيتوضأ فيدخل والناس يصلون فيصلي ثم يذهب، كمثل رجل دخل على الملك بلا إذن, وما سبقه هدية، وما تكلم مع الملك بكلام طيب، ثم قال للملك: أعطني هذه الحاجة، فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه, فانظر إلى هذين المثالين.

стр. 3895

فوائد من حديث الولي

стр. 3896

النافلة لا تقدم على الفريضة يستفاد من الحديث أن النافلة لا تقدم على الفريضة، وقال هذا ابن هبيرة وزير الخلافة، وهو من أعظم الوزارء في تاريخ الإسلام. ابن هبيرة صاحب الإفصاح، كان حنيفاً مسلماً ولم يك من المشركين, كان زاهداً عابداً, ولذلك مدحته الشعراء بمدائح لم يمدح أحد من الوزراء في التاريخ الإسلامي بمثل مدح هذا الوزير أبداً, حتى يقول فيه ابن حيُّوس: صفت نعمتان عمَّتاك وخصتا فذكرهما بين البرية يذكر وزهدك والدنيا إليك فقيرة وجودك والمعروف في الناس ينكر فسمعها الخليفة العباسي المستنجد فزاد عليها بيتين وقال: ولو قام يا يحيى مكانك جعفر ويحيى لكفَّا عنه يحيى وجعفر ولم أرَ من ينوي لك السوء يا أبا المظفر إلا كنت أنت المظفر اسمه أبو المظفر ابن هبيرة , من أعماله الصالحة: أنه حج بالناس من بغداد، وأعلن فيهم أن من أراد الحج فليحج, ونفقته على الوزير, فحجوا بأطفالهم ونسائهم والمساكين والفقراء، وخرجت بغداد إلا قليلاً, فكان يطعمهم الفالوذج، والثريد، والعسل, وكان يظللهم من الشمس، وكان يدور عليهم في الخيام في الليل يتفقدهم وهو الوزير. فلما وصلوا إلى منى في اليوم الثامن أتاهم في ذلك اليوم شدة شمس وقحط حتى انتهى الماء، وكانوا يبحثون ويلتمسون الماء حتى أشرف كثير من الناس على الهلاك, فقام فتوضأ وصلى ركعتين، وقال: اللهم إني أسألك أن تغيثنا, فغطت السماء غمامة ونزل الغيث في ذلك الوقت حتى شربوا بعدما يقارب ساعة شربوا الثلج, فكان يبكي وهو يشرب ويقول: يا ليتي سألت الله المغفرة. كان في الوزارة بجانب الخليفة، فدخل عليه رجل، فلما دخل نظر هو إلى الرجل كثيراً كثيراً وتملاه، فلما انتهى قال للرجل: تعال, فأتاه ذاك الرجل, فمسح على رأسه وأعطاه شيئاً من المال، وقال: عفا الله عنك، ثم ذهب الرجل, فقال الناس: ما لك؟ ماذا حدث؟ قال: هذا الرجل تذكرت حالي وإياه في الشباب، حصل بيني وبينه مشادة ومشاجرة، فضربني بعصاً عنده على رأسي فأذهب عيني هذه فلا أرى بها شيئاً منذ ثلاثين سنة, فلما دخل عرفته وتذكرت القصاص يوم القيامة عند الرحمن، فأردت أن يعفو الله عني كما عفوت عنه فقد عفوت عنه. فـ ابن هبيرة من أجل الوزراء في التاريخ الإسلامي، وإنما ذكرته لأنه ذكر هنا. يقول ابن هبيرة: يؤخذ من هذا الحديث أن النافلة لا تقدم على الفريضة. وصدق ﵀ وبعض الناس من قلة الفقه في الدين يعتني بالنوافل أكثر من الفرائض, تجده في صلاة الضحى يحسب لها ألف حساب, وهذا شيء طيب، فيصلي بخشوع وخضوع وإقبال, وإذا أتت صلاة الظهر صلاها بسرعة كأنها نافلة, يقوم الليل حتى قبيل الفجر ثم ينام عن صلاة الفجر -ما شاء الله تبارك الله!! وأين الفريضة التي تعادل آلاف الآلاف من النوافل؟ وهذا حتى في غير الصلاة، فتجد بعض الناس يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويقرأ فيها ما تيسر من القرآن، ويسبح ويهلل ويحضر نفسه عند الإفطار، ويعيش عبودية الصيام, فإذا حضر رمضان ما كأنه يعيش فريضة، والله يطالب العبد في الفرائض أكثر من النوافل.

стр. 3897

النافلة مكملة للفريضة ويستفاد من الحديث: أن النافلة لا تقدم على الفريضة، وأن النافلة مكملة للفريضة, وفي الحديث الصحيح: ﴿إن الله إذا حاسب العبد يوم القيامة قرره بذنوبه فيقول لملائكته: انظروا هل له من نوافل؟ فإن كان له نوافل أخذ من نوافله على فرائضه﴾ فهي تكمل ما نقص من فرائضه. وظاهرة الاهتمام بالنوافل على حساب الفرائض هي من قلة الفهم في الدين, ولذلك [[كان سلمان ﵁ وأرضاه إذا قام إلى الصلاة يحمر وجهه, فقالوا: ما لك؟ قال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!]] و [[كان يصلي قبل الفجر أربع ركعات في الليل، فيقول له بعض السلف: ألا تزيد على الأربع؟ قال: لا. إن الفرائض تكفر المقحمات وأما النوافل فهي لصغار السيئات، أو هي كوامل للفرائض، وإني في رحمة الله إذا أكملت الفرائض]]. فالجودة في الفرائض هو المطلوب, قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل: أكثر عملاً.

стр. 3898

ما المقصود بالسمع والبصر في الحديث ؟ ما معنى قول الله ﵎ في الحديث القدسي: ﴿كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾؟ فيه ستة أقوال لـ أهل السنة ولغيرهم من الفرق.

стр. 3899

أقوال أهل السنة في معنى: السمع والبصر في الحديث القول الأول: أن هذا على سبيل التمثيل, أي: كنت سمعه وبصره في امتثال أمري وفي طلب طاعتي, فهو يحب طاعتي كحبه لسمعه وبصره. أي: يحب طاعتي وذكري وتلاوتي ومرضاتي كما يحب سمعه وبصره، فهذا على التمثيل. القول الثاني: قيل: كله وجسمه مشغول بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا ينظر إلا لما يعجبني، ولا يتفكر إلا في مخلوقاتي، ولا يفعل بيده إلا في طاعتي، ولا برجله إلا مرضاتي. القول الثالث: أجعل مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره, أي: ألبي له المقاصد حتى كأنه يتناولها بالسمع والبصر. القول الرابع: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ورجله, أي: كنت أقرب إليه في النصرة من اليد، وفي المعونة من الرجل، وفي المعونة والنصرة من العين ومن الأذن. القول الخامس: قيل: على حذف المضاف, فمعناه كنت حافظ سمعه وبصره ويده ورجله. القول السادس: وهو الراجح إن شاء الله، قيل: معنى سمعه أي: مسموعه، فلا يسمع إلا ذكري ولا يرى إلا صنعي. وقال الخطابي: هذه أمثال، والمعنى: أني أوفقه لطاعتي ولمحبتي ولعبادتي فيباشر الأعمال، هذا هو معنى الحديث الراجح إن شاء الله, وهو أن الله يوفقه للطاعة فلا يتصرف بأعضائه إلا في محبة الله كنت سمعه وبصره ويده ورجله, أي: أنني أحفظه في هذه الأمور وأوفقه لهذه الأمور فيكون لله وفي الله وبالله, فيستخدم ويستغل هذه الأعضاء والجوارح في مرضاة الله ﵎.

стр. 3900

قول أهل التصوف في معنى: السمع والبصر في الحديث يقول أهل الفناء: معنى الحديث: أنه يفنى بإرادته عن إرادته, ومعنى: كنت سمعه الذي يسمع به: أن العبد يفنى بإرادة الله عن إرادة نفسه, وبشهود الله عن شهود نفسه, فيكون في إرادة الله وفي شهوده , وهذا خطأ, لكنه أخف خطأً من الذي يأتي بعده. وقال أهل الاتحاد - وأهل الاتحاد للبصيرة والبينة لمن لم يعرف أهل الاتحاد وأهل الحلول هم طائفتان كافرتان مجرمتان في الإسلام-: يقولون: كل ما في الكون هو الله, اتحد الله في الأجسام, فلا ترى إلا الله في الناس والحيوانات والطيور والأشجار وكل شيء تجد الله قد اتحد فيهم. فقالوا في معنى الحديث: إن الله إذا وصل العبد إلى منزلة من الخير والبر والصلاح والولاية يتحد فيه, فيكون الله في صورة العبد جلّ الله وتعالى عما يقولون علواً كبيراً!! وقالوا: وما دام جبريل ﵇ أتى بصورة دحية بن الخليفة الكلبي , فكذلك قد يأتي الله في صورة العبد, إذا بلغ العبد في الولاية مبلغا ًعظيماً يتصور الله بصورته, ﴿سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الاسراء:٤٣]. وهذا من أخطر الأقوال في الإسلام، وهذه مقالة ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات المكية، وابن سبعين , حتى يقول ابن تيمية لما ذكر هذا القول: إن صح عنه هذا القول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وهذا كفر بواح ما أكبر منه. إذاً هذا رأي لهم, وإنما عرضت إليه لقوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] وليكون المسلم على بصيرة؛ لأن طالب العلم لا يكفيه أن يعرف الحق بل لا بد أن يعرف مع الحق الباطل, قال عمر ﵁ وأرضاه: [[إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة من قوم نشئوا في الإسلام لم يعرفوا الجاهلية]] وليس الفطن الذي يعرف الخير, لكن الفطن الذي يعرف الخير والشر. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه ولذلك لا بد للمسلم أن يعرف المذاهب الهدامة وماذا يقولون؛ لأنه ربما لُبِّس عليه فيظن أنها من مذهب أهل الحق.

стр. 3901

معنى عدم إجابة دعاء بعض الأولياء وجد من الأولياء من دعا فلم يُجب دعاؤه، فما السر؟ يقول : ﴿ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ لكن وجد في الأولياء من عبد الله وخافه ورجاه وصام له وبلغ في الولاية مبلغاً عظيماً، لكن دعا فلم يجب، فما هو السر؟!! السر هو: أن الله قد يؤخر جواب السائل ولو كان ولياً لأمور، منها: ١ - أن الله قد يعطيه من الخير غير المطلوب ما يعلم أن مصلحته في هذا الأمر وليس في ذاك الأمر، ونحن لا ندري بمصالحنا, والله هو الأعلم , وأدرى بنتائج الأمور، فإنك قد تطلبه في شيء فيعطيك الله شيئاً غير الذي طلبته بسبب هذا الدعاء؛ لأن الله أعرف وأعلم بما تحب، أو فيما هو في مصلحتك. ٢ - أن يدخر لك من الثواب في الآخرة أحسن مما يلبي لك في الدنيا. ٣ - أن يصرف عنك من السوء, فقد يقدر الله عليك بعض الحوادث والكوارث والزلازل والفتن, فلكثرة دعائك صرف الله عنك من المحن والفتن ونحوها. ولذلك أوصي نفسي وإياكم بكثرة الدعاء دائماً وأبداً، ولا تقل: دعوت دعوت فلم يستجب لي، بل ادع الله دائماً وأبداً, قاعداً وقائماً وعلى جنبك, فإنك لن تزال بين أحد أمور: ١ - إما أن يصرف الله عنك من السوء بقدر ما سألت. ٢ - أو أن يدخر الله لك من الخير بقدر ما سألت. ٣ - أو أن يعطيك الله غير ما سألت. ٤ - وإما أن يلبي الله لك سؤالك. فأنت في خير وبر ومثوبة.

стр. 3902

عظمة الصلاة عظم الصلاة وأنها قرة العين وسبب المحبة ورفع الدرجة وزلفى إلى الله؛ ولذلك جاء عنه ﷺ كما في سنن النسائي بسند صحيح كما يقول ابن حجر: ﴿وجعلت قرة عيني في الصلاة﴾ فقرة عين النبي ﷺ في الصلاة, وفي صحيح مسلم: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ وفي صحيح مسلم من حديث ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي أو ابن مالك بن كعب ورد هذا وورد هذا لما قال: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾. فمن أعظم النوافل الصلاة, ولذلك إذا فرغت فتزود من النوافل, وتقدم إلى الله بركعتين, فإنه سوف يمر عليك وقت تتمنى أنك صليت ولو ركعة، ولكن كما قال سبحانه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعقُ نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجشيه حتى ثوى فَحَواه لحد ضيق خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق ذُكِرَ عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه مر على مقبرة في البصرة فقال: لا إله إلا الله! فلما أمسى تلك الليلة رأى قائلاً يقول: يا مطرف! مررت اليوم على المقابر فقلت: لا إله إلا الله! والله لقد حيل بين أهل المقابر وبين لا إله إلا الله، ولو علمت بفضل لا إله إلا الله لقطعت بها عمرك. وذكر ابن كثير في ترجمة زبيدة زوج هارون الرشيد الخليفة أنها رؤيت في المنام بعدما توفيت، رآها ابنها الأمين الخليفة, فقال: ما فعل الله بكِ؟ قالت: كدت أهلك وأعذب, قال: أما أجريتي عين زبيدة -أي: للحجيج- قالت: ما نفعتني شيئاً عند الله, قال: ولَمَ؟ قالت: ما أردت بها وجه الله، أردت بها رياء وسمعة. قال: فما نفعك إذاً؟ قالت: نفعتني ركعتان في السحر كنت أقوم فأتوضأ فأدور على شرفات القصر -قصر الخليفة- وأقول: لا إله إلا الله أدخل بها قبري, لا إله إلا الله أقضي بها عمري, لا إله إلا الله أقف بها في حشري, لا إله إلا الله ألقى بها ربي. فهي التي نفعتها عند الله مع هذا العمل الصالح. وقيل للجنيد بن محمد: ما نفعك؟ -وهذه ذكرها أهل العلم كـ الخطيب البغدادي والذهبي في السير - ذكروا أنه لما توفي -والرؤيا في المنام بشرى كما قال ﵊ قالوا: ما نفعك؟ قال: طاحت تلك الإشارات وما بقي إلا ركيعات كنا نركعها في السحر, أي: أن الإشارات وكثرة الكلام والمجادلات والمباحثات والمناقشات ذهبت وما بقي إلا ركيعات نركعها في السحر. فمن أعظم النوافل الصلاة، ولذلك قال ﷺ : ﴿اعملوا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن﴾ حديث صحيح. وابن تيمية يناقش ما هو الأفضل بعد الفرائض, كما في المجلد العاشر لسؤال أبي القاسم المغربي , فيرجح ويقول: شبه إجماع بين العلماء أن ذكر الله بعد الفرائض أفضل الأعمال, لكن النافلة تختلف من شخص إلى شخص, بأسباب ثلاثة: بالنفع وبالحاجة وبالحال. فمن وجد في النافلة نفعاً له فعليه أن يكثر منها، صحيح أن القرآن أفضل الذكر، لكن بعض الناس كما ذكر ابن تيمية وغيره أنه يرق قلبه وفؤاده ويستحضر عظمة الله عند الدعاء, فالدعاء في حقه أفضل من قراءة القرآن. وبعض الناس إذا استغفر وسبح وهلل استحضر قلبه, فيكون التسبيح والتهليل والتكبير أفضل من قراءة القرآن في حقه. وبعض الناس إذا صام كان أفضل له من الصدقة، فقد تكون حالته المالية لا تتحمل الصدقة، فالصيام بحقه أفضل ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] وقد مر تقرير هذا المبدأ الذي أتى به رسول الهدى ﷺ .

стр. 3903

العصمة لأولياء الصوفية قال بعض أهل التصوف: إذا حفظ القلبُ الله كانت خواطره معصومة، فهل هذا صحيح؟! هل صحيح أن العبد إذا حفظ الله كانت الخواطر والواردات التي ترد عليه معصومة فلا يخطئ أبداً؟ يقولون: إذا بلغ العبد في الولاية مبلغاً عظيماً وحفظ قلبه الله كانت خواطره معصومة. هذا غير صحيح؛ لأن العصمة ليست إلا لكتاب الله ولرسوله ﷺ , فليس بصحيح هذا الكلام, وقد أخطئوا في ذلك. فـ عمر ﵁ سيد الملهمين، ولو كان في الأمة نبي بعد رسول الله ﷺ لكان عمر، فهو محدث، أي: كانت السكينة تنطق على لسانه, لكن مع ذلك أخطأ اجتهاده في بعض المسائل، فليس بمعصوم, ورد عليه بعض الصحابة وأصابوا وأخطأ ﵁ وأرضاه وأجر أجراً واحداً. فليس الولي أو خطرات الولي معصومة ولكنه يخطئ ويصيب، والعصمة ليست إلا لكتاب الله ولرسول الله ﷺ .

стр. 3904

هل يثبت لله تعالى صفة التردد ؟ ما هو التردد في الحديث؟ يقول في هذا الحديث: ﴿وما ترددت عن شيء كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته﴾ التردد في حق الله غير جائز، والبداء غير سائغ, فالله لا يتردد ؛ لأن التردد صفة نقص وضعف, ولا يتردد إلا ضعيف الإرادة. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا فالتردد صفة نقص وضعف ولا يجوز إطلاقه على الله , والبداء على الله غير جائز، وقد قال بالبداء على الله اليهود، وقال به بعض الفرق المبتدعة.

стр. 3905

معنى البداء ما معنى البداء؟ معناه أن الله يبدو له شيء لم يكن يعرفه من قبل جلَّ الله عن ذلك! بل الله يعلم الأمور قبل أن تكون كيف تكون، وبعد أن تكون كيف تكون، ولو كانت أو لم تكن فإن الله يعلمها . فما هو التردد في الحديث؟ التردد حمله أهل العلم على أربعة معانٍ:

стр. 3906

أقوال العلماء في معاني التردد ١ - قيل: يشرف العبد على الهلاك فيدعو الله فيشافيه الله فيكون هذا من جهة التردد, لأنه أشرف على الهلاك، وكأن القضاء قرب منه وأراد أن يموت، فيعجل الله له بالعافية فيعود, فهنا هلاك وعافية فيصبح شبه تردد, هذا قول. ٢ - والقول الثاني: إن معناه: ما ردَّدت رسلي في شيء كترديدي إياهم عن قبض نفس عبدي المؤمن, أي: أن الله إذا بعث الملائكة يكره مساءة العبد، فكأن ترداد الملائكة من محبتهم للعبد، ونفوذ القضاء والقدر في الوفاء كأنه تردد إرادتين. وذكروا قصة موسى فقد جاء في الحديث الصحيح عند البخاري وغيره: ﴿أن الله أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ وكان موسى رجلاً قوياً شجاعاً- فلطم موسى ملك الموت فأذهب عينه, فعاد ملك الموت إلى الله فرد عليه عينه﴾ فقال أهل هذا القول: هذا تردد بين الملك وبين المتوفى فهو تنازع إرادتين, وهذا القول فيه ضعف. وهذه الأخبار إذا سمعنا بها قلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٣] وإذا سمعناها قلنا: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] فنحن نؤمن بالغيب ونصدق ما جاء عن الله وعن رسول الله على مراد الله ومراد رسوله ﷺ ، ونجعلها على العين والرأس. يقول الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله, وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ . ٣ - القول الثالث: أنه لطف وتدرج في قبض روحه فكأنه تردد, فإن الله رحيم بالعبد المؤمن، فيتلطف في قبض روحه، فكأنه تردد. ٤ - وقيل -وهو القول الراجح-: يحب الله ما يَسرُّ العبد, ويكره ما يسوء العبد المسلم, والعبد المسلم يسوءه الموت لما فيه من مشقة وكلفة, فكأن تعارض إرادة الحب مع ما يسر العبد وإرادة العبد فيه شبه تردد، وليس هناك تردد لأن التردد منتفٍ عن الله , فكأن الله يحب ما يسر العبد ولا يحب أن يسوءه , فهذه إرادة وهذه إرادة، فوجود إرادتين لا وجود تردد؛ لأن التردد ليس بوارد عن الله . وهناك يقول: ﴿إن الله لا يمل حتى تملوا﴾ والله لا يمل , حتى ولو مل العبد لا يمل الله, لكن مثل المقابلة: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وهذه صفات نقص لا تليق به لكنها على المقابلة. وأما الموت فإن الله قال: يكره الموت, فكيف يكره المسلم الموت؟ المسلم يكره الموت لما فيه من صعوبة ولا يكرهه لما بعده, فالمسلم يحب لقاء الله إذا رأى ما عند الله وقت السكرات ورأى ما أعد الله له من نعيم, أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه. ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا وعكسه الكاره فالله اسألِ رحمته فضلاً ولا تتكلِ فالمسلم يكره الموت لما فيه من المساءة. قيل لـ عمرو بن العاص وهو في سكرات الموت -وقد جاء بسند صحيح-: [[صف لنا الموت. قال: كأن جبال الدنيا على صدري, وكأني أتنفس من ثقب إبرة]]. وقال عمر لـ كعب الأحبار: [[صف لنا الموت. قال: يا أمير المؤمنين! ما أجد للموت وصفاً إلا كأن غصن شجرة من شوك ضرب بها الجسم فتعلقت كل شوكة بعرق, ثم سحب هذا الغصن فانسحب كل عرق في البدن]]. ولذلك يأتي الميت من الهول في السكرات، ويأتيه من العرق وخاصة المؤمن، لأن الرسول ﷺ يقول -كما عند الترمذي -: ﴿المؤمن يموت بعرق الجبين﴾ يأتيه من العرق ومن الكلفة التي تذهب عنه بقايا السيئات حتى يلقى الله وما عليه سيئة، فالمؤمن يموت بعرق الجبين ويغشاه من الكرب ما الله به عليم. بل الرسول ﵊ تصبب عرقه، وكان يأخذ خميصة وهو في سكرات الموت ويضعها على وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، اللهم هوّن عليَّ سكرات الموت﴾.

стр. 3907

النهي عن أذية أولياء الله وفي الحديث النهي عن أذية أولياء الله ، وأن من والى أولياء الله فقد والى الله, ومن عادى أولياء الله فقد عادى الله. وفيه النهي عن غيبة الأولياء الصالحين من المؤمنين من العَّباد والصوَّام والزهاد، وطلبة العلم والدعاة، وعدم الاستهزاء والسخرية بهم, وأن معنى هذا هو معاداتهم ومحاربة لله رب العالمين.

стр. 3908

الأسئلة

стр. 3909

حكم صلاة الرجل منفرداً خلف الصف ؤال: إذا دخل رجل إلى المسجد والصف مكتمل، فهل يصلي منفرداً، أم يجر أحداً معه، أم يدخل في الصف؟ الجواب إن استطاع أن يدخل في الصف فبها ونعمت، وإن لم يستطع فلينتظر ولا يجر أحداً من الصف, وحديث جر الرجل من الصف لا يصح فهو حديث ضعيف بل واهٍ. يقول الناظم: والطبراني قد روى جر الرجل فيه السري تركوا ما قد نقل أي: في الحديث: السري بن إبراهيم، وهو ضعيف أو واهٍ فأبطل هذه الرواية أو ضعفها، فلا يستشهد بها, فجر الرجل ليس بصحيح, ولا يقوم بهذا الحديث دلالة. فلينتظر قليلاً ويتحرى، فإذا لم يأتِ أحد يدخل في الصلاة ولو منفرداً وصلاته إن شاء الله مقبولة، لقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقوله ﷺ : ﴿إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه﴾. أما حديث: ﴿لا صلاة لمنفرد خلف الصف﴾ فهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد بثلاث طرق كلها صحيحة, ولكن قيل: إنها حادثة عين, وقيل: النهي عن صلاة المنفرد الذي يجد فرجة، والأولى أن يحمل الحديث على هذه الرخصة وهي فتوى ابن تيمية، أنه يتحرى، فإن لم يجد فليصل وصلاته مقبولة.

стр. 3910

حكم صلاة الضحى السؤال ما هو القول الراجح في صلاة الضحى علماً بأن ابن عمر كان لا يصليها؟ الجواب صلاة الضحى الراجح فيها أنها سنة, يقول أبو هريرة كما في الصحيحين وفي غيرهما: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر﴾ فهذه الثلاث هي التي أوصى بها ﷺ أبا هريرة، ومعناها: المداومة عليها. وكان كثير من السلف يداومون عليها, وفي حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿صلاة الأوابين حين ترمض الفصال﴾ أي: حين تشتد حرارة الشمس، فتأتي الفصال: وهي ولد الإبل، فترفع أخفافها عن الأرض، وهذا هو وقت صلاة الأوابين. وفي حديث أم هانئ في الصحيح قالت: ﴿دخلت يوم الفتح والرسول ﵊ يغتسل وتستره فاطمة بنته ﵂, فلما اغتسل قام فصلّى ثمان ركعات﴾ قيل: صلاة الضحى، وقيل: صلاة الفتح, والراجح أنها صلاة الضحى. فصلاة الضحى سنة, ومن تركها أحياناً أو صلّى أحياناً فلا بأس, والأحسن أن تصليها دائماً لحديث أبي ذر الصحيح: ﴿كل سلامى من الناس عليه صدقة, وكل يوم تشرق فيه الشمس تصلح بين اثنين صدقة, وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل له متاعه صدقة, وبكل تسبيحة صدقة, وبكل تحميدة صدقة, وبكل تكبيرة صدقة, وبكل تهليلة صدقة, وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة, ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى﴾ فهذه الركعتان يداوم عليها المسلم أو أربع أو ست أو ثمان. واعلم أنك كلما سجدت لله سجدة رفعك الله بها درجة. وعلى المسلم أن يتنفل ويجتهد ويقترب من الله كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] فكلما سجدت اقتربت من الله فإنه ﴿أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد, فأكثروا الدعاء فقمن أن يستجاب لكم﴾. ووقتها: من ارتفاع الشمس بقدر رمح إلى قبيل الظهر قبل أن يقوم قائم الظهيرة، فإذا قام قائم الظهير يتوقف عن الصلاة, وأحسن أوقاتها إذا حميت الشمس, أي: تقدر من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة, لكن إذا أتت ظروف للمسلم فأراد أن يقدمها أو يؤخرها فله ذلك.

стр. 3911

حكم سب الأموات السؤال ما حكم سب الأموات؟ الجواب لا يجوز سب أموات المسلمين، يقول ﵊: ﴿لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا﴾.

стр. 3912

حكم قيام الليل كله السؤال ذكرت أن بعض السلف كان يقوم الليل كله، فهل هذا من هدي الرسول ﵊؟ الجواب لا. هديه ﵊ أنه يقوم وينام, ففي الصحيحين عن عائشة: ﴿أن نفراً أتوا أزواج الرسول ﵊ فسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فلما أتى ﷺ أخبر أن أحدهم قال: أنا أقوم الليل ولا أنام, وقال الثاني: وأنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، فقال ﵊: أنتم الذي تقولون كذا وكذا؟! قالوا: نعم. فقال: أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾. فالسنة أن تقوم شيئاً وتنام شيئاً, يقول ﵊ في الصحيح: ﴿خير القيام قيام داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه, وخير الصيام صيام داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً﴾.

стр. 3913

عصمة الرسول ﷺ السؤال هل الرسول ﷺ معصوم عصمة مطلقة؟ الجواب الرسول ﷺ معصوم، لكنه قد يفعل ﷺ بعض المسائل التي يراها ﵊ وقد يكون غيرها أولى، كأسارى بدر، لكن العجيب في أسارى بدر لما عاتب الله رسوله ﷺ فيهم فقال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] وكان الرأي رأي عمر، العجيب أن كثيراً من أهل العلم قالوا: الرأي الصحيح هو الذي وافق رأي الرسول ﷺ ، لماذا؟ لأن الله أقره ولأنه أصلح, فإنه استبقى الأسارى فكان منهم مسلمون، وأتى من أصلابهم من عبد الله، وعلموا أبناء الصحابة، وأقره الله على ذلك, لكن في تلك الفترة كان ذاك أرجح. ولكن يكفي أن نقول: أن الرسول ﷺ معصوم، ثم لا نبحث هو معصوم هل من الكبائر أو من الصغائر؟ وهل في المروءات والعبادات أو العادات؟ لا. بل نقول: معصوم، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 3914

الرسول بين المعاناة والانتصار الابتلاء سنة من سنن الله الكونية القدرية، وأكثر الناس ابتلاء الأنبياء والرسل وأعظمهم ابتلاء ومعاناة نبينا محمد ﷺ . وفي هذه المادة عرض سريع لسيرته ﷺ وما فيها من العداوة والصراع مع الكفار واليهود والمنافقين في مكة والمدينة ثم تأييد الله له بالنصر والرفعة.

стр. 3915

الابتلاء من سنن الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم يا أتباع من جلسنا لنستمع أخباره! ولنعرف أسراره، ولنعيش حياته ﵊ في محاضرة بعنوان: (الرسول ﷺ بين المعاناة والانتصار). ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] وهذا أمرٌ مطرد في الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإن لأهل التفسير في قوله : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠] معنيين اثنين: الأول: (كذبوا) أي: أنهم خلفوا ما وعدوا من الله ، فكأنه ما تحقق لهم النصر الذي سألوه الله ووعدهم به من كثرة ما وجدوا من المصائب والشدائد. وقال بعض أهل العلم: بل قوله : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠] أي: كذبوا من أقوامهم تكذيباً بيناً ليس فيه استجابة ولا عودة إلى الحق، والقول الأول أولى. وكان الرسول ﷺ تمر به المعاناة تلو المعاناة إلى درجة أن يسأل الله نصره الذي وعده، فيقول في ليلة بدر: ﴿اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني﴾. والقضية التي وعدت البارحة أن أبسط فيها الكلام هي: مقولة لبعض العلماء، يقول: لا يبعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يبتليه بالمصائب والفتن والمحن، إلى درجة أن يعلم هذا الرسول أن لا إله إلا الله. ولذلك كان من أول ما نزل على الرسول ﵊: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. وهذه الليلة أستميحكم عذراً أن نعيش نصف المحاضرة مع معاناته ﵊، مع الأسى والفقر واليتم، مع دولة بالباطل تجابه الحق، مع القرابة وهم يقطعون الرحم، مع التهديدات، وتشويه السمعة له ﵊، مع الاتهامات والنكبات، والأعداء الكثر.

стр. 3916

بعض الابتلاءات التي واجهها ﷺ مكث ﷺ قبل النبوة أربعين سنة يصاب ويبتلى، يمتحن ويصقل؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. مكث يتيماً بلا أب وبلا أم والناس حوله ينامون في أحضان الأمهات، ويستعزون برعاية الأباء؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. مكث ﷺ فقيراً لا يجد كسرة الخبز، والطغاة يحبرون بالموائد المترفة؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. مكث ﷺ مجابهاً مضطهداً في مكة، وأعداء الله معهم الحراسة والجيش والجلبة ليعلم أن لا إله إلا الله. ولكن لنبدأ الرحلة من أولها، والخيط من أوله، والحديث من مبتدئه معه ﵊، لنصل سوياً إلى آخر لحظة في عمره ﷺ .

стр. 3917

نشأته يتيماً ﷺ أولاً: حملت به أمه ﷺ ، ثم وهو حمل مات أبوه، حكمة بالغة وقدرة نافذة، فالرسول المهيأ لقيادة البشرية يموت أبوه قبل أن يراه ويسعد به، ولا يعيش مع أبيه، مات وأمه حامل به، فلما ولدته ﵊ لم يجد أباً يضمه، ولا أباً يداعبه ويمازحه ويلاعبه، بل بقي ﷺ يتيماً من الأب، وتصوروا هذا الطفل الذي ينشأ بلا أب، كيف يكون به من الأسى واللوعة ما الله به عليم، ولكن لأسرارٍ أرادها الله، ولما وصل سنه السادسة ماتت أمه، فأصبح بلا أم وبلا أب، يتيماً بين أطفال مكة، كلٌ معه أبٌ وأم إلا هو ﵊، واليتيم دائماً مضطهد، دائماً يعيش الحسرة، ويتجرع الغلظة من الناس، ويعيش الأسى كله والمصائب كلها.

стр. 3918

موت جده وعمه ثم كفله جده، فسعد بجده، وظن أن جده سوف يقوم مقام الوالدين، وسوف يدافع عنه وينافح، ولكن كلما تعلق قلبه في جهة انقطعت هذه الجهة؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. يقول بعض أهل العلم: إن السر في أن إبراهيم أمره الله أن يقتل إسماعيل هو أنه تعلق بإسماعيل، فأراد الله أن ينهي هذه المحبة والخلة لتبقى بينه وبين إبراهيم؛ ليبقى إبراهيم خليلاً. فالرسول ﵊ كلما تعلق بشيء غير الله قطعه الله من هذا المتعلق به ومن هذا السبب؛ ليعلم أن لا إله إلا الله، فمات جده، فكفله عمه، واستمر ﵊ مع عمه. قال بعض أهل السير، وذكرها ابن كثير في التفسير، وأشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية:"من حكمة الله البالغة أن جعل عمه كافراً يذب عنه وهو رسول" إذ لو أسلم لاضطهد الكفار أبا طالب، ولجعلوه في دائرة الرسول ﵊، لكنه والاهم من جهة، وخالفهم من جهة، فولاؤه لهم بالكفر -أعني أبا طالب - جعلهم لا يعتدون على الرسول ﵊، وظل أبو طالب يذب عن الرسول ﷺ . وهو الذي يقول: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسَّد في التراب دفينا وهو صاحب اللامية الشهيرة الباهرة: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل إلى آخر ما قال، فلما استأنس ﷺ ، وركن إليه، ووجد فيه النصرة والقوة، مات عمه؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. فإلى من يلتفت من البشر -ولا بد للإنسان مهما عظم صبره وجلده- من قريب، أو صاحب، أو صديق يستأنس به، ويقول الشاعر: ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع

стр. 3919

موت زوجه خديجة فرجع ﷺ يبث همومه خديجة ﵂ وأرضاها، العاقلة، الحازمة، صاحبة الكلمات الصحيحة الصادقة، ولما شكا إليها ﷺ ما وجد في الغار، قالت: ﴿كلا. والله لا يخزيك الله أبداً -ثم أتت بالأدلة- إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتعين على نوائب الحق﴾ فأنس إليها فماتت؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

стр. 3920

مواجهة العداوة من الأقربين إلى من يفوض أمره؟! إلى الله. واسمع آيات التفويض، وهي طاقات هائلة ومبادئ راسخة يجب علينا أن نحملها، وأن نقدم جماجمنا من أجلها، ومن عرفها وحفظها يخرج من هذا المكان شجاعاً يتحدى الدهر والزمن والتاريخ. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]؛ والمعنى: أن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وليس المعنى كما قال بعض المبتدعة: الله يكفيك ويكفيك المؤمنون مع الله، فهذا خطأ، بل معنى الآية: أن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، لا الذين اتبعك من المؤمنين يكفونك مع الله، فهذا معنى خاطئ. فاتصل بالله ، وفوض أمره إلى الله، وبدأ يدعو الناس، فقامت له القرابة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند قام له أبو لهب يكذبه أمام العرب، ويقول: انتبهوا للساحر وللشاعر وللكاهن، وفي حديث معضل يذكره ابن إسحاق في السيرة: ﴿أن الرسول ﷺ -يشكو إلى الله- يقول: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟! إلى قريبٍ ملكته أمري، أم إلى بعيد يتجهمني﴾ أو كما قال ﷺ . فشكا من ظلم القريب؛ لأنه ظلم وزيادة، ولأنه قطع للقرابة. وانظر إلى المواقف، فالله قادر على نصر رسوله ﵊، وقادر على أن يمنع عنه الأذى، ولكن هكذا يمرغ الحق أحياناً ليخرج حقاً، وهكذا يصاب الداعية ليخرج ذهباً أحمر، كما قال بشر الحافي: "دخل الإمام أحمد السجن ذهباً فخرج ذهباً أحمر" وهذا أمر معلوم.

стр. 3921

تعرضه لإهانات من الكفار تعرض ﷺ لإهانات من الكفار، والله قادر على حمايته ومنعه ولكن حكمةٌ بالغة، في الصحيحين عن ابن مسعود قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند المقام، وملأٌ من قريش جالسون، فلما سجد أرسلوا رجلاً منهم إلى فرث ودم وسلى وضعته ناقة، فأتوا به فوضعوه على رأسه وعلى ظهره وهو ساجد﴾ انظر إلى الإهانة، هل سمعتم في التاريخ بإهانة مثل هذه الإهانة فرث ودم وسلى الناقة يوضع على ظهره ورأسه ﷺ ، ويتمايل كفار قريش ويتضاحكون من هذا المشهد، فتأتي فاطمة وهي تبكي، فتزيل السلى والدم والفرث، ويقوم ﷺ فيدعو على ذاك الملأ، قال ابن مسعود في آخر الحديث: ﴿فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتهم صرعى في قليب بدر، وأتبع أهل القليب لعنة﴾. ويخرج ﷺ مرة ثانية ليطوف بالبيت، فيجتمع عليه الكفار، فيأخذون بتلابيبه، هذا يتفل عليه، وهذا يتكلم عليه، وهذا ينهره، أليس هناك حماية؟!! أما يعلم من على العرش استوى أن رسوله هذا يهان هذه الإهانات؟!! أليس الله يغضب لأوليائه فلماذا؟!! ليعلم أن لا إله إلا الله، وليعلم أن الناصر هو الله، وأن النافع والضار هو الله، وأن المحيي والمميت هو الله.

стр. 3922

ما لقيه في الطائف يخرج ﵊ من مكة إلى الطائف، يقولون له: لا قرار لك في مكة فاخرج منها، وفي حديث في سنده نظر، وهو بشواهده يقبل التحسين، يلتفت ﵊ وهو في مكانٍ يشرف على مكة والبيت، ويلتفت إلى مكة ويبكي ويقول: ﴿والله إنك من أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت﴾ فهذه مراتع الصبا: وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ عهود الصبا منها فحنوا لذلكا خرج يبكي ﵊، لكن إلى أين يذهب؟ لا حراسة ولا موكب، لا جنود ولاجيش، لا قريب ولا زوجة ولا ولد، خرج وحيداً وصعد إلى الطائف، ووصل جائعاً متعباً ظامئاً، فلما رأى ملأ ثقيف قال: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ هذه كلمته دائماً. وقال البردوني: بشرى من الغيث ألقت في فم الغارِ وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ بشرى النبوة طافت كالشذى سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دارِ في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبارِ البدر والشمس في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنارِ أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ أتى يقول: لا إله إلا الله، فما هو إلا الرد العنيف؟ قام الأول وقال: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كنت صادقاً. وقال الثاني: ما وجد الله إلا أنت ليرسلك. وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنا أصغر من أن أتكلم على الأنبياء، وإن كنت كاذباً فأنا أكبر من أن أتحدث مع الكذابين. فليتهم ضيفوه! لكنهم ما فعلوا، ليتهم أسقوه! لكنهم ما فعلوا وطردوه، وليتهم تركوه، بل أرسلوا الأطفال والعبيد يرمونه بالحجارة، أما يرى الله المشهد؟ أما يرى رسوله يهان هذه الإهانات، ويتلقى الحجارة على قدميه الشريفتين، ورجله تسيل بالدم؟ إن كان سركمُ ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ هل أنت إلا أُصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيتِ ولكن ليعلم أن لا إله إلا الله. ونزل ﵊ في وادي نخلة وكله جراح، قلبه مجروح، مبادئه مجروحة، عرضه مجروح، كل شيء في حياته يعيش الجراح. ثم وقف يدعو في تلك الليلة، وقصتها طويلة، وهي ليست مقصودة في هذا المقام.

стр. 3923

تكذيبه في حادثة الإسراء والمعراج وعاد ﷺ ، وأكرمه الله بليلة الإسراء والمعراج، ثم نزل ﷺ يخبر الناس، فأتت الاتهامات المغرضة. وزعوا السفهاء على مداخل مكة يقولون: انتبهوا له؛ هذا شاعر وكاهن وساحر، هذا كذاب، أي أنه قد ديست كرامته، وأحرقت أوراقه، وذكرياته، وشبابه، وتاريخه الذي يسمى فيه الصادق الأمين؛ كفروا به: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] ليعلم أن لا إله إلا الله. ويعيش هذه اللوعة وهذا المضض، وكلما يكاد ينهار أو تنهار أعصابه؛ يتنزل عليه القرآن ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤]. ويدافع الله عن عرضه، ويدافع عن سمعه وبصره، ويدافع عن مبادئه، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] فرد الله عليهم: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦]. وكذلك من المفتريات والإشاعات التي تحرق الإنسان احتراقاً ولا يعيشها الإنسان إلا بجرع من الدم، قولهم كما في الآية: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣].

стр. 3924

السخرية منه وإشاعة انقطاع الوحي ويستمر الدفاع، لكن بعض الناس يظن أن الله تخلى عن رسوله ﵊، ولكن: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]. ينقطع الوحي، وتأتي عجوزٌ مشركة فتقول: ودعك ربك وقلاك وتركك، فأتاه من الهم ﵊ ما ذكر في السير أنه كاد يتردى من رأس الجبل، تصور مسألة أن يبلغ بالإنسان أن يرى الموت علاجاً، كيف يكون هذا؟!! يقول أبو الطيب في قصيدته الكافورية: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقاً فأعيا أو عدواً مداجيا يقول: إذا أصبح الموت علاجاً لك، فيا لها من حالةٍ ما بعدها حالة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣] نحن معك، وإنك بأعيننا، أنت تعيش في رعاية من الله وحفظ، فعاش ﷺ وعاد، وكاد أن يهلك أسفاً لما تولى الباطل عنه تماماً، قام عند الصفا يقول: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ فقال أبو لهب: "تباً لك! ألهذا جمعتنا؟! " فيخسر المحاضرة، والخطبة، والدعوة، ويكذبونه، ويذب الله عن عرضه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]. إلى متى؟! ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] وتسمى ساعة الصفر: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] فالمؤمن يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] والمنافق يقول: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢]. وصح في السيرة -كما مر في بعض المناسبات- أن الرسول ﷺ لما ضرب بالمعول صخرةً قال: ﴿أريت كنوز كسرى وقيصر، وسوف يفتحها الله لي﴾ أو كما قال ﵊، فتضاحك المنافقون، وهذه تقطع القلب، والكبد، الغمز والهمز، قالوا: أحدنا لا يجرؤ أن يبول من الخوف، ويعدنا قصور كسرى وقيصر.

стр. 3925

الفقر يستمر الرسول ﷺ ، ويواصل المسيرة، ويعيش فقيراً: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود:١٢] ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] وقال راداً عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٨] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠]. لا يجد كسرة الخبز، لا يجد مذقة اللبن، يعيش فقيراً ﵊ مملقاً لدرجة أنه يجوع جوعاً ما جاعه الناس، وفي بعض الروايات: ﴿أنه يضع الحجرين على بطنه ﷺ ﴾ وقال عمر في الصحيح: ﴿ما شبع ﷺ ثلاث ليالٍ من طعام البُر﴾ وذكر عن عائشة وهو في الصحيح: ﴿أنه يمر بنا الهلال تلو الهلال لا يوقد في بيت رسول الله ﷺ نار، قالوا: فماذا كان طعامكم؟ قالت: الأسودان -التمر والماء-﴾ سبحان الله! هذا الرجل الذي أتى -بإذن الله- بالموائد لهذه الأمة، وفتح لها الحدائق والبساتين، وأسكنها قصور الطغاة في أنحاء العالم، لا يجد إلا الأسودين: التمر والماء، لماذا؟ ليعلم أن لا إله إلا الله. ينام ﵊ على الحصير فيؤثر في جنبه، وفي البخاري عن أنس أن عمر ﵁ وأرضاه: ﴿دخل مشربة؛ اعتزل فيها ﷺ نساءه، فقام ﷺ لما دخل عمر فوجد عمر الحصير قد أثر في جنبه ﷺ ، فدمعت عينا عمر وقال: فأدرت طرفي في البيت فلم أجد إلا قليلاً من شعير معلق، قال عمر: يا رسول الله! هذا كسرى وقيصر وهما أعداء الله في هذا النعيم، وأنت رسول الله في هذه الحالة، فقال رسول الله ﷺ : أفي شكٍ أنت يا بن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا﴾. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠].
следующие страницы →