← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

تعرضه لإهانات من الكفار تعرض ﷺ لإهانات من الكفار، والله قادر على حمايته ومنعه ولكن حكمةٌ بالغة، في الصحيحين عن ابن مسعود قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ يصلي عند المقام، وملأٌ من قريش جالسون، فلما سجد أرسلوا رجلاً منهم إلى فرث ودم وسلى وضعته ناقة، فأتوا به فوضعوه على رأسه وعلى ظهره وهو ساجد﴾ انظر إلى الإهانة، هل سمعتم في التاريخ بإهانة مثل هذه الإهانة فرث ودم وسلى الناقة يوضع على ظهره ورأسه ﷺ ، ويتمايل كفار قريش ويتضاحكون من هذا المشهد، فتأتي فاطمة وهي تبكي، فتزيل السلى والدم والفرث، ويقوم ﷺ فيدعو على ذاك الملأ، قال ابن مسعود في آخر الحديث: ﴿فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتهم صرعى في قليب بدر، وأتبع أهل القليب لعنة﴾. ويخرج ﷺ مرة ثانية ليطوف بالبيت، فيجتمع عليه الكفار، فيأخذون بتلابيبه، هذا يتفل عليه، وهذا يتكلم عليه، وهذا ينهره، أليس هناك حماية؟!! أما يعلم من على العرش استوى أن رسوله هذا يهان هذه الإهانات؟!! أليس الله يغضب لأوليائه فلماذا؟!! ليعلم أن لا إله إلا الله، وليعلم أن الناصر هو الله، وأن النافع والضار هو الله، وأن المحيي والمميت هو الله.

стр. 3922

ما لقيه في الطائف يخرج ﵊ من مكة إلى الطائف، يقولون له: لا قرار لك في مكة فاخرج منها، وفي حديث في سنده نظر، وهو بشواهده يقبل التحسين، يلتفت ﵊ وهو في مكانٍ يشرف على مكة والبيت، ويلتفت إلى مكة ويبكي ويقول: ﴿والله إنك من أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت﴾ فهذه مراتع الصبا: وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ عهود الصبا منها فحنوا لذلكا خرج يبكي ﵊، لكن إلى أين يذهب؟ لا حراسة ولا موكب، لا جنود ولاجيش، لا قريب ولا زوجة ولا ولد، خرج وحيداً وصعد إلى الطائف، ووصل جائعاً متعباً ظامئاً، فلما رأى ملأ ثقيف قال: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ هذه كلمته دائماً. وقال البردوني: بشرى من الغيث ألقت في فم الغارِ وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ بشرى النبوة طافت كالشذى سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دارِ في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبارِ البدر والشمس في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنارِ أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ أتى يقول: لا إله إلا الله، فما هو إلا الرد العنيف؟ قام الأول وقال: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كنت صادقاً. وقال الثاني: ما وجد الله إلا أنت ليرسلك. وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنا أصغر من أن أتكلم على الأنبياء، وإن كنت كاذباً فأنا أكبر من أن أتحدث مع الكذابين. فليتهم ضيفوه! لكنهم ما فعلوا، ليتهم أسقوه! لكنهم ما فعلوا وطردوه، وليتهم تركوه، بل أرسلوا الأطفال والعبيد يرمونه بالحجارة، أما يرى الله المشهد؟ أما يرى رسوله يهان هذه الإهانات، ويتلقى الحجارة على قدميه الشريفتين، ورجله تسيل بالدم؟ إن كان سركمُ ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ هل أنت إلا أُصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيتِ ولكن ليعلم أن لا إله إلا الله. ونزل ﵊ في وادي نخلة وكله جراح، قلبه مجروح، مبادئه مجروحة، عرضه مجروح، كل شيء في حياته يعيش الجراح. ثم وقف يدعو في تلك الليلة، وقصتها طويلة، وهي ليست مقصودة في هذا المقام.

стр. 3923

تكذيبه في حادثة الإسراء والمعراج وعاد ﷺ ، وأكرمه الله بليلة الإسراء والمعراج، ثم نزل ﷺ يخبر الناس، فأتت الاتهامات المغرضة. وزعوا السفهاء على مداخل مكة يقولون: انتبهوا له؛ هذا شاعر وكاهن وساحر، هذا كذاب، أي أنه قد ديست كرامته، وأحرقت أوراقه، وذكرياته، وشبابه، وتاريخه الذي يسمى فيه الصادق الأمين؛ كفروا به: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] ليعلم أن لا إله إلا الله. ويعيش هذه اللوعة وهذا المضض، وكلما يكاد ينهار أو تنهار أعصابه؛ يتنزل عليه القرآن ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤]. ويدافع الله عن عرضه، ويدافع عن سمعه وبصره، ويدافع عن مبادئه، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] فرد الله عليهم: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦]. وكذلك من المفتريات والإشاعات التي تحرق الإنسان احتراقاً ولا يعيشها الإنسان إلا بجرع من الدم، قولهم كما في الآية: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣].

стр. 3924

السخرية منه وإشاعة انقطاع الوحي ويستمر الدفاع، لكن بعض الناس يظن أن الله تخلى عن رسوله ﵊، ولكن: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]. ينقطع الوحي، وتأتي عجوزٌ مشركة فتقول: ودعك ربك وقلاك وتركك، فأتاه من الهم ﵊ ما ذكر في السير أنه كاد يتردى من رأس الجبل، تصور مسألة أن يبلغ بالإنسان أن يرى الموت علاجاً، كيف يكون هذا؟!! يقول أبو الطيب في قصيدته الكافورية: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقاً فأعيا أو عدواً مداجيا يقول: إذا أصبح الموت علاجاً لك، فيا لها من حالةٍ ما بعدها حالة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣] نحن معك، وإنك بأعيننا، أنت تعيش في رعاية من الله وحفظ، فعاش ﷺ وعاد، وكاد أن يهلك أسفاً لما تولى الباطل عنه تماماً، قام عند الصفا يقول: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ فقال أبو لهب: "تباً لك! ألهذا جمعتنا؟! " فيخسر المحاضرة، والخطبة، والدعوة، ويكذبونه، ويذب الله عن عرضه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]. إلى متى؟! ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] وتسمى ساعة الصفر: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] فالمؤمن يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] والمنافق يقول: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢]. وصح في السيرة -كما مر في بعض المناسبات- أن الرسول ﷺ لما ضرب بالمعول صخرةً قال: ﴿أريت كنوز كسرى وقيصر، وسوف يفتحها الله لي﴾ أو كما قال ﵊، فتضاحك المنافقون، وهذه تقطع القلب، والكبد، الغمز والهمز، قالوا: أحدنا لا يجرؤ أن يبول من الخوف، ويعدنا قصور كسرى وقيصر.

стр. 3925

الفقر يستمر الرسول ﷺ ، ويواصل المسيرة، ويعيش فقيراً: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود:١٢] ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] وقال راداً عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٨] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠]. لا يجد كسرة الخبز، لا يجد مذقة اللبن، يعيش فقيراً ﵊ مملقاً لدرجة أنه يجوع جوعاً ما جاعه الناس، وفي بعض الروايات: ﴿أنه يضع الحجرين على بطنه ﷺ ﴾ وقال عمر في الصحيح: ﴿ما شبع ﷺ ثلاث ليالٍ من طعام البُر﴾ وذكر عن عائشة وهو في الصحيح: ﴿أنه يمر بنا الهلال تلو الهلال لا يوقد في بيت رسول الله ﷺ نار، قالوا: فماذا كان طعامكم؟ قالت: الأسودان -التمر والماء-﴾ سبحان الله! هذا الرجل الذي أتى -بإذن الله- بالموائد لهذه الأمة، وفتح لها الحدائق والبساتين، وأسكنها قصور الطغاة في أنحاء العالم، لا يجد إلا الأسودين: التمر والماء، لماذا؟ ليعلم أن لا إله إلا الله. ينام ﵊ على الحصير فيؤثر في جنبه، وفي البخاري عن أنس أن عمر ﵁ وأرضاه: ﴿دخل مشربة؛ اعتزل فيها ﷺ نساءه، فقام ﷺ لما دخل عمر فوجد عمر الحصير قد أثر في جنبه ﷺ ، فدمعت عينا عمر وقال: فأدرت طرفي في البيت فلم أجد إلا قليلاً من شعير معلق، قال عمر: يا رسول الله! هذا كسرى وقيصر وهما أعداء الله في هذا النعيم، وأنت رسول الله في هذه الحالة، فقال رسول الله ﷺ : أفي شكٍ أنت يا بن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا﴾. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠].

стр. 3926

إعراض الكبراء وإيذاؤهم لأصحابه ثم يأتي ﷺ للناس ليدعوهم، فلا يستجيب له الكبراء ولا المترفون إلا ما قلَّ، بل يستجيب له الضعفاء فيؤذون، يسحب بلال أمامه ﵊ على الحجارة، ويصيح بلال وهو يكوى كياً على رمضاء مكة وهو يقول: [[أَحَدٌ أَحَد، أَحَدٌ أَحَد]] فلا يستطيع ﷺ أن يدفع عنه؛ ليعلم أن لا إله إلا الله. ويمر ﷺ بآل ياسر، وبكاؤهم ينعقد في طبقات الأثير، ويقول لهم: ﴿صبراً آل ياسر! فإن موعدكم الجنة﴾ أليس هناك ربٌ ناصر؟ ليعلم أن لا إله إلا الله. وجاء في الصحيح من حديث صهيب وغيره: ﴿يقول الصحابة: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! ألا ترى ما نحن فيه؟! فأخبرهم ﷺ أنهم يستعجلون، ثم أخبرهم بالميثاق الذي يحمله فيقول: والذي نفسي بيده ليتمَّن الله هذا الدين حتى يسير الراكب مِِنْ صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قومٌ تستعجلون﴾ يعني: هو متأكد أنه سوف ينتصر، ويرى أصحابه يبطحون في رمضاء مكة، وما أسلم معه إلا أربعة: مولى، وشيخٌ، وصبيٌ، وامرأة، والله يقول له وهو عند الصفا وما عنده إلا أربعة، والجاهلية تحاربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. ليس لقريش أو لـ مكة أو للجزيرة، بل للعالمين كلهم، يؤذى أصحابه ﷺ إيذاءً بيناً، ولا يدفع عنهم ولا يستطيع، ويحبس ﷺ أساه ولوعته وحرقته في قلبه ﷺ .

стр. 3927

موت أبنائه وبناته يموت أبناؤه ﷺ ، يولد له أبناء كثير، لكن لا يبلغ أحدهم أبداً، أربعة من الأبناء يموتون في الصغر، وتعلق بـ إبراهيم، وأصبح إبراهيم بن رسول الله ﷺ في سنتين أحب ما يكون، يدغدغه، ويشمه، ويمازحه، ويرفعه بيديه، ويأتي إليه بعد هموم الدعوة، فيحتضن هذا الطفل، فلما كاد قلبه أن يميل لطفله قبض الله طفله، فيموت بين يديه، وتقعقع روحه كأنها في شن بين يديه ﷺ ، فيحتضنه ويبكي، وتسيل دموعه، وهو يعيش اللوعة، ويتجلد ويصبر، ويقول: ﴿يحزن القلب، وتدمع العين، وما نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾. بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا ويدفن ابنه في التراب، ويعود بلا طفل، ويستمر ﷺ معه أربع بنات، وبعد أيام تموت الأولى فيدفنها ﷺ وهو يبكي، وتموت الثانية، ثم تموت الثالثة، وتبقى الرابعة ويخبرها أنها سوف تلحقه قريباً، فتلحقه بعد ستة أشهر؛ هذا من حيث الأسرة التي عاشها ﷺ ، أي أن وضعه الأسري يبعث على الأسى والبكاء. ووضعه الاجتماعي والاقتصادي يبعث على الأسى والبكاء، ووضعه كذلك في مسار الاتهامات الجارحة يبعث على الأسى والبكاء.

стр. 3928

صراعه مع أهل الباطل

стр. 3929

صراعه مع المشركين أما صراعه فانظر: يتأخر النصر عنه فترة، يعيش ثلاثة عشرة سنة والمسلمون يعدون على الأصابع، كل صباح وهو يقول: قولوا لا إله إلا الله، والأصنام ثلاثمائة وستون صنماً حول الكعبة، والخمر يشرب عند المقام، سامراً تهجرون، وأبو جهل يبدو بطلعته اللعينة يتحدى لا إله إلا الله، وكذلك أبو لهب والوليد بن المغيرة، ويضربون بناته، ويخرجون أصحابه إلى الحبشة، ويطردونه إلى المدينة، ويطاردونه ويجعلون لمن يأتي به جائزة، ومع ذلك يتحرى متى ينتصر.

стр. 3930

صراعه مع اليهود والنصارى والمنافقين يذهب إلى المدينة ﵊، ويلحقونه في الغار، وفي الطريق، ويصل إلى المدينة، أفيهدأ في المدينة؟! لا. بل تقوم له جبهات، وتحاربه الدنيا، لكن: في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار فيخرج له اليهود والنصارى، وهذا اكتشاف جديد، وملحمة أخرى، ومسيرة ثانية، فيكذبه اليهود إلا بضعة نفر منهم، ويكذبه النصارى، ويقوم له المنافقون، وتشوه سمعته في عرضه ﷺ وفي أعز ما يملك، في زوجته عائشة، في فراشه الطاهر ﷺ ويتهم، ويعيش الأسى. يقول سيد قطب: "عاش ﷺ على أعصابه شهراً" ومع ذلك من الناصر؟ إنه الله، وليعلم أن لا إله إلا الله.

стр. 3931

معاركه بين النصر والابتلاء يستمر ﷺ ولكن وصل السيل منتهاه، وبلغ الحزام الطبيين، وحانت ساعة الانتصار، وحانت البشائر؛ لأنه قدم من التضحيات إلى درجة أنه عرف أنه لا يهدي ولا يضل، ولا ينفع ولا يضر إلا الله. واستحق الآن هو وأصحابه أن ينتصروا، لذلك تجد بعض الناس يقول: ما للأمة الإسلامية لا تكتسح العالم؟! مالها لا تنتصر؟! أي تضحيات قدمتها الأمة الإسلامية؟! أنا قلت البارحة: أبناء الاشتراكية، وفراخ العلمانية، وأقطاب الماسونية، وأذيال الصهيونية العالمية، والصليبية المارقة، قدموا من التضحيات ما لم نقدم نحن عشر معشاره. يقتلون بالمئات من أجل البعث، ويقولون هم: لا بد أن يبقى البعث في الأرض. ويقتل الملايين من الشيوعية من أجل أن تبقى الشيوعية، وأنتم تعرفون ذلك، لكن ما هي تضحياتنا، نقتصر فقط أنا نجتمع بالألوف في المحاضرات، وأنا نحب سماع الخير، والكلمات الطيبة، لا. فالنصر مرحلة تأتي بعد طريق ملؤه الأشواك والأسى والمصاعب.

стр. 3932

انتصار في بدر يعقبه الابتلاء في أحد والآن تبدأ بشائر الانتصار، ينتصر ﷺ في بدر، ويستهل خطبته، ويبشر أصحابه، ويقول: الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. فيفرح بالنصر، وما تتم سنة إلا ويعود -حتى لا يركن إلى النصر ولا يركن إلى قوته- فيغلب في أحد، سبحان الله! ويذبح من أصحابه سبعون، ويرى رؤيا في المنام قبل أن يخرج إلى أحد، يرى ذباب سيفه انكسر ﵊، وبقراً تنحر، وكأنه أوى إلى درع حصينة. قال: أما ذبابة السيف فأحد قرابتي يقتل، وهو حمزة، وأما البقر التي تنحر؛ فما يقتل من المؤمنين وهم الشهداء، وأما الدرع الحصينة؛ فـ المدينة المنورة. فما تمت فرحة الانتصار، وما أسرع الضحك من البكاء! وعاد بعد معركة أحد وهو مثخن من الجراح، وقد كسرت ثنيته ﵊، ودخلت حلقتا المغفر في رأسه، وشجت جبهته، وسالت دماؤه. ووقف على حمزة وهو يتقطع من الغيظ، وقد قتل حمزة، وقطع أنفه، وبقر بطنه، وأكل من كبده، فقام ﷺ وهو منهك في وضعٍ الله أعلم به، وقال: ﴿والذي نفسي بيده لئن ظفرت منهم لأمثلن منهم بسبعين﴾ فهل يقره الله، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] لا إله إلا الله! يقول: هذه ليست ملكك، وأنت فقط مرسل، وليس لك أن تتصرف إلا بإذننا، ولا تنتقم لنفسك، ولو قتلوا ما قتلوا، لماذا تنتقم؟ فيعود ويكظم غيظه.

стр. 3933

موقفه يوم الفتح من كفار قريش ويدخل ﷺ منتصراً فاتحاً، ويصف كفار قريش يوم الفتح، فيقول الله له قبل سنة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢] فيقف موقفاً مبكياً وهو ينظر إلى كفار قريش الذين نادُّوه، والذين ذبحوا أصحابه، وأساءوا سمعته، وأخرجوه، ونكلوا بجيشه. تصوروا لو أن أحد الأقزام من العصريين الطغاة الذين لا يساوون الغبار الذي على قدميه ﷺ ماذا يمكن أن يحدث؟ فهذا الخميني يقولون في مذكراته التي كتبت بعده: قتل سبعمائة ألف من الشعب الإيراني انتقاماً؛ لأنه لطم مرة في قم. وبعض الطغاة العصريين أدخل الألوف المؤلفة من شعبه في السجون، ثم حرقهم بالغاز عن بكرة أبيهم؛ انتقاماً منهم؛ لأنهم خرجوا مظاهرة مسالمة، معهم الحمص والفصفص ينشرونه على الناس. والانتقام سهل، وباستطاعته ﷺ -والله- أن يقتطف رءوسهم في لحظات، لماذا؟ تدرون يوم وقف على الكعبة، أخذ حلقة باب الكعبة ﷺ بيده، وقال: ﴿الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده﴾ ثم افتتح خطبتيه وتذكر في ذكرياته مع قريش، واستفاض في الأيام الأولى التي يعرفها الناس، ونكسوا رءوسهم خجلين، فقال: ﴿ما ترون أني فاعلٌ بكم﴾ يقول: تصوروا ماذا ترون، عنده اثنا عشر ألف مسلح بالأبواب من المهاجرين والأنصار، يمكن أن يشير إلى الزبير أن يقتطف رأس فلان فيقتطفه قبل أن يتم الإشارة، وإلى عمر وعلي وخباب وبلال ومصعب ﴿قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم﴾ ما شاء الله! أتت في آخر ساعة، في الوقت الضائع، أتت (أخٌ كريم وابن أخٍ كريم) قال: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ عفا الله عنكم. أليس هذا هو الانتصار الذي ما سمع التاريخ بمثله؟!

стр. 3934

التأييد بالوحي نصر مؤزر ويستمر ﷺ ويأتي الانتصار؛ لأنه يؤيد بوحي من السماء، أي أنه في لحظات محرجة يكاد قلبه فيها أن يتقطع فيأتيه الوحي.

стр. 3935

وصفه لبيت المقدس ذكر أهل السير بأسانيد صحيحة أنه ﷺ لما أسري وعرج به، قال له الوليد بن المغيرة: "يا محمد! إن كنت صادقاً أنك ذهبت البارحة إلى بيت المقدس فصف لنا بيت المقدس؟ وهذا تحدٍ سافر، ماذا يقول ﷺ ؟! فهو قد دخل دقائق في بيت المقدس في ظلام الليل، ما رأى أبوابه، ولا سراديبه، ولا طرقه، فوقف ﷺ ، وغشيه العرق ﷺ ، فعرض الله له بيت المقدس عند باب دار الأرقم بن أبي الأرقم في الحرم، فأخذ يصف بيت المقدس باباً باباً".

стр. 3936

اليهود يسألونه فيجيب ويسأله كفار اليهود للتحدي: أخبرنا ما الروح؟ قال: أنظروني قليلاً، فينزل عليه الوحي لينجده، يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وفي سنن الترمذي: ﴿أن عبد الله بن سلام قال: انجفل الناس من السوق، فانجفلت مع من انجفل، فأتيت إلى الرسول ﷺ فنظرت إلى وجهه، فإذا وجهه ليس بوجه كذاب، قال فسمعته يتكلم -فكلامه ﷺ ليس ككلامنا- يقول: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾. لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ لكان منظره ينبيك بالخبر لكن عبد الله بن سلام من علماء اليهود -حبر- يريد أن يتحدى، فهو لا يؤمن إلا بمعجزة. قال: يا محمد -لأنه لم يشهد في تلك الفترة أن الرسول ﷺ رسول- قال: مالك؟ قال: أسألك عن ثلاث مسائل إن أجبتني فيها صدقتك وآمنت بك. قال: ما هي؟ قال: ما هي أول علامات الساعة؟ والثاني: لماذا يشبه الابن أباه أو يشبه أمه؟ والثالث: ما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة؟ -وهذا في البخاري - فوقف ﷺ ، وأتاه الوحي يخبره. وإلا فهو أمي ما قرأ ولا كتب: كفاك باليتم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم وهذه أقوى في المعجزة؛ لأنه لو كان يكتب لقالوا: اكتتبها، وقد قالوها، وهو لا يكتب فكيف لو كتب؟! فهو الرسول والنبي الأمي: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً﴾ [الجمعة:٢] ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. فيقول ﷺ : ﴿ ﷺ : أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. قال: صدقت. وأما أن يشبه الابن أباه، أو يشبه أمه: فماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا أشبه الأب أو الأم. قال: صدقت. وأما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة فزيادة كبد الحوت. قال: صدقت، آمنت بالله ثم بك﴾. لكن أدخلني يا رسول الله! في هذه المشربة، وسل اليهود عني. فأدخله في المشربة، وقال: كيف ابن سلام؟ -هذا من التحدي- قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: فإنه أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا.

стр. 3937

التأييد بالآيات ويؤيد ﷺ بالآيات؛ وهذه من أعظم الانتصارات في حياته، بعد اللوعة والحسرة.

стр. 3938

تكثير الطعام يأتي إلى أصحابه فينقطع عنهم الأكل في مجاعة في الصحراء، فيقول: هل أحد منكم عنده طعام؟ قالوا: لا يا رسول الله! إلا قليل في مزود. قال: عليَّ به، فأتوا به فنثره فسمى عليه ودعا، ثم قال: كلوا، فأكلوا منه جميعاً!

стр. 3939

نبع الماء من بين أصابعه وينتهي الماء عليه في الصحراء، فيقول: من عنده ماء؟ قال أحدهم: عندي شيء في إداوة. قال: عليَّ به، فأتى فصبه على أصابعه، وأمامه صحفة رحراح، قال أنس: ﴿والذي نفسي بيده إني رأيت الماء يثور من بين أصابعه ﷺ كالأنهار، فأخذ يقول: أشهد أني رسول الله، أشهد أني رسول الله، أشهد أني رسول الله﴾ فشرب الناس فسقوا، وتوضئوا، واغتسلوا، وهم أكثر من سبعمائة، أليس هذا بعجيب؟! بل هو من أعجب العجب.

стр. 3940

انشقاق القمر يُتحدى ويقول له أبو جهل -ويقسم باللات والعزى- لا أسلم لك حتى تشق لي هذا القمر ليلة أربعة عشر، فينظر ﷺ إلى القمر، ويقول: أئن شققته بإذن الله تؤمن؟ قال: نعم. فدعا الله وسأله، فشق الله له القمر، فذهبت فلقة تجاه عرفة وفلقة تجاه جبل أبي قبيس، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد، فينزل قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:١ - ٥]. فيؤيد بالمعجزات، وتسمى عند أهل السنة الآيات، وتسميتها بالمعجزات تسمية متأخرة، وإنما الصحيح: الآيات التي أيد الله بها رسوله ﷺ ، وهي خارقة للعادة، وهي تربو على ألف، وقد جمعها وليد الأعظمي وغيره، حتى أربى بها الأصبهاني وغيره على ألف معجزة لرسولنا ﷺ . ومن أعظم معجزاته القرآن الذي نتلوه.

стр. 3941

تثبيت الله له من أعظم انتصاراته وينتصر ﷺ بالتثبيت: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤] وهذا التثبيت سلاح من الله ، فأحياناً يكاد الشخص ينهار فيثبته الله: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ويقول له : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] فيسليه، ويقول: لا تهلك، نحن معك، ويقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤] فإذا تأييد الله وتثبيته معه: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وهذا أجمل من قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] لنوح، فقال لرسولنا ﷺ : ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]. ثم يصدقه الناس ﵊، وتكون العاقبة له، فيدخل الناس في دين الله زرافات ووحداناً: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. وهذه هي النتيجة الحتمية لهذا الدين، أن ينصر الله أولياءه، لكن بعد أن يمحصوا ويبتلوا ويفتنوا، ويصلوا إلى درجة استحقاق النصر، ولا بد من هذه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].

стр. 3942

إرسال الجيوش ومراسلة الملوك ومن انتصاراته ﷺ : أنه أصبح يرسل الجيوش من الجزيرة لتغزو أطرافها، وأصبح يراسل الملوك من المدينة. قال أنس في الصحيح: ﴿كتب ﷺ إلى الملوك كتباً، فقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء الملوك لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ ﷺ خاتماً مكتوباً عليه: محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر﴾. واسمع إلى إحدى الرسائل، وتصور هذه اللحظة وهو في مكة ﷺ ، ويوضع السلى والدم والفرث على رأسه فيكتب: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أمَّا بَعْد فالسلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]﴾. أبو عمار في جنيف قرأ الآية وأمامه اليهود والنصارى، فأحرجته آخر الآية فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] ثم وقف حمار الشيخ في العقبة، وآخر الآية تقطف رأسه ورأس شامير وأمثالهم: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) لأنها تخزيه أمام الناس: والحق يخزي ظلام الكفر في بجحٍ كاللص يخشى سطوع الكوكب الساري والمقصود أن إحدى تفوقاته ﷺ أنه يراسل الملوك، وبعضهم يرحب بالرسالة ويرفعها، وبعضهم يمزقها، فيدعو عليه: ﴿مزق الله ملكه﴾ فيمزق ويغتال بعد ليال. ويصبح الأبطال عنده ﷺ يعقد لهم الرايات من على المنبر، خالد براية، وعكرمة براية، وعمرو بن العاص براية، والمغيرة براية، وأمثالهم كثير.

стр. 3943

تخرج القادة والأبطال والعلماء على يديه ومن انتصاراته ﷺ : أن يخرج علماء ربانيين عباقرة من مسجده ﷺ ، مسجدٌ من الطين يخرج منه أعظم جيل أليس هذا من أعظم الانتصارات؟! المفسرون والمحدثون والفقهاء والجهابذة والقادة والساسة يخرجهم ﷺ من المسجد، وهذا انتصار. وتصور أمامك وهو ﷺ يودع أصحابه في آخر خطبه وكلماته، وهو ينظر إلى وجوه الصحابة وإلى الملأ الأعظم، ثم يتذكر تلك الدقائق التي عاشها في مكة يوم يطارده الكفار وليس معه إلا أربعة.

стр. 3944

الغنائم ومن انتصاراته ﷺ : أن يصبح عنده ميزانية ضخمة، إحدى الغزوات غنم ﷺ -كما قال ابن القيم في زاد المعاد -: ٢٤٠٠٠ رأس من الغنم، و (٧٠٠٠) من الإبل، غير الذهب والفضة، فأين يدخلها؟ هل أخذ شيئاً لنفسه؟ هل بقي بيته الأول بعد ثورة (١٧) سبتمبر؟ لا. ما تغير حاله، بيته الطين قبل الهجرة وبعد الهجرة، ثوبه ثوبه، أكله أكله، صحابته يتقاسمون، وصناديد العرب يأخذون من مائة ناقة، وهو لا يأخذ ناقة واحدة. في الصحيحين تقول عائشة: ﴿كان ﷺ إذا قام من الليل يوتر، فإذا أراد أن يسجد غمزني فكففت قدمي﴾ قالوا من فوائد الحديث صغر بيته ﷺ : أي أنه ما يقارب مترين أو أقل من ذلك، هذا بيته ﷺ ، يقول أحد الجهابذة: كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمد بيتٌ من الطين أو كهف من العلمِ تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيمِ إذا ملوك الورى مدوا موائدهم على شهيٍ من الأكلات والأدمِ مددت مائدة للروح مطعمها عذبٌ من الوحي أو نور من الكلمِ هذا هو رسولنا ﵊، الغنائم التي لا حد لها ولا مثيل يعطيها ﷺ لضعاف الإيمان، الذي تقديره في الإيمان مقبول يعطيه مائة ناقة، أما أهل الامتياز أبو بكر وعمر فما يعطيهم شيئاً، وهذا عمرو بن تغلب وحديثه في صحيح البخاري يقول: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركتني؟! فيقول ﷺ : ﴿إني أعطي بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الهلع والجزع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان، منهم: عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾.

стр. 3945

تأليف القلوب له ثم من انتصاراته: أن الله يؤلف عليه القلوب ويجمع عليه العرب، والعرب لا تجمعهم امبراطورية، ولا يجمعهم سيف أو مظلة إلا مظلة (لا إله إلا الله محمد رسول الله): ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]؛ وهذا انتصار هائل أن يرى ﷺ أعداءه يأتون إليه ويقفون أمامه معتذرين. وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث ابن عمه ﷺ -وليس هو أبو سفيان بن حرب - أتى إليه ﷺ ، وقال: يا رسول الله! والله ما أجد لك إلا كما قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فقال ﵊: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]. ابن الزبعري هذا الشاعر الذي كان يقدح في الإسلام والمسلمين فرَّ إلى نجران، وفي الأخير لما رأى الجزيرة أسلمت أتى ووقف أمام الرسول ﷺ وقال: مضت العداوة وانتهت أسبابها وأتت أواصر دونها وحلومُ فاغفر عليك من المهيمن رحمة تاجٌ يلوح وخاتم مختومُ كأنه يقول: انس يا رسول الله الماضي. وأتت هند تبايعه ﷺ ؛ وهي التي أكلت من كبد حمزة، فمدت يدها من وراء الستار لتصافحه، وما كان يصافح امرأة، قال: ﴿ما هذه اليد التي كأنها يد سبع؟﴾ -ما كانت تختضب، ولا تقلم أظفارها- قالت: أنا هند، فذكرها ﷺ بما فعلت بـ حمزة، قالت: يا رسول الله! عفا الله عما سلف، قال: عفا الله عما سلف، فما انتقم لنفسه أبداً، بل عاش ﷺ منتقماً للا إله إلا الله، غاضباً لحدود الله فحسب.

стр. 3946

إخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب ومن انتصاراته ﷺ : إخراج أهل الكتاب من الجزيرة. وهذا نصر بحد ذاته لا يتصور، واكتساح عالمي؛ لتبقى لا إله إلا الله مهيمنة، ومرتسمة، ولتبقى هذه الجزيرة مستقلة بالريادة والقيادة والإسلام، وهذه من انتصاراته ﵊.

стр. 3947

ظهور الإسلام ثم تحضره سكرات الموت ﷺ ، وتفيض روحه، وينظر أنه قد أسند الخلافة إلى ملأ من الناس، وأن دينه قد انتشر، واطمأن على مبادئه أنها قد اتضحت، وأن الله قد أهلك أعداءه من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والمناوئين، والحسدة، وهذا هو الانتصار الخالد: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤ - ٥]. وانتصر ﵊، لكنه أتاه النصر بعد تلكمُ المعاناة والرحلة الطويلة، فقد عاش ﷺ يدفع ثمن ذاك النصر من دمه وعرقه وجهده وماله وسمعته وأصحابه، وكل ما يملك، حتى أتاه النصر أعز ما يكون. والنصر الرخيص يذهب سريعاً ليس له قيمة، وهذا مثل النجاح المزيف، ينجح الطالب الذي يغش في الامتحان فلا يجد للنجاح طعماً، فالغشاش إذا رأى النتيجة: ممتاز (الأول) يضحك عليه قلبه، ويقول: أنت خائن في الداخل وخائن في الظاهر لا يفرح كثيراً مثلما يفرح الطلاب، أما الطالب الذي سهر، وألهب ذاكرته، وأسهر دقائقه وثوانيه، وحصل العلم بجدارة فإنه يفرح بالأولية والامتياز فرحاً باهراً. والذي يأخذ النصر رخيصاً يدفعه رخيصاً، ومن أخذ النصر عزيزاً لا يطلقه من يديه ويتهنأ بهذا النصر؛ وهذا ما حدث له ﷺ يوم نصره الله. فهذه رحلة في محاضرة: (الرسول ﷺ بين المعاناة والانتصار) وفيها دروس لكل خَيَّر على وجه الأرض من المسلمين، ولكل تابع له ﷺ حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأن العاقبة للمتقين، وأنه لا بد من القوارع، واللذعات، واللدغات، والعصرات؛ ليعلم المسلم أن لا إله إلا الله, وليحصل على النصر، وليثبت من يثبت، وينتهي من ينتهي، وليصفى نخبة رائدة تحمل لا إله إلا الله، وتكون مرشحة لحمل هذا الدين. يقول كثير من العلماء: الذين ثبتوا في الغزوات هم أهل بدر وأحد، وهم أهل بيعة العقبة، أما مسلمة الفتح، فهل تدرون ماذا فعلت مسلمة الفتح؟ فروا يوم حنين؛ لأن الإيمان في قلوبهم ضعيف، فمسلمة الفتح مثل الطالب المنتسب؛ تجد الطالب المنتسب لا يعرف إلا رءوس الأقلام من الإجابات، أما المنتظم فيعرف ما قال الأستاذ، ويعرف المقرر، وما في المذكرات. فلما أتت معركة حنين فر المنتسبون - (أهل حنين) - وبقي أهل بدر وأحد: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤ - ٥] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].

стр. 3948

قضايا للتأمل وأنا أختتم هذه المحاضرة بثلاث قضايا: القضية الأولى: هذه طريق الأنبياء والرسل؛ انظروها وتأملوها ما أصعبها، وما أشدها، وما أقواها، وما أشد ضريبتها! ولكن ما أحسن حلاوتها، ونتيجتها وعاقبتها! فيا من تقدم في طريقهم انتظر شيئاً مما أصابهم، وانتظر شيئاً من نتائجهم، واعلم أن هذا الطريق طريق التضحيات، فما دام الكافر يضحي بتضحيات، فأنت مسلم أولى بأن تضحي في سبيل الحق، قل: فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا القضية الثانية: أن الناس عندهم إيمان نظري بلا إله إلا الله، ولكن ينقصهم الإيمان العملي، وهذا لا يأتي بالدرس على السبورة، ولا بالمذاكرة في الامتحان، ولا بقراءة فتح المجيد وفتاوى ابن تيمية لكنه يأتي بالواقع، واللدغات، والصراع، والنكبات، حتى تعي العقيدة وعياً حياً لا تنساه أبداً. القضية الثالثة: أن علينا أن ننقل هذا الدين كما نقله ﷺ ، ولا ننتظر نصراً نقطفه نحن، فقد يتأخر، ولكننا يكفينا انتصاراً أننا بذلنا وتكلمنا وأعطينا وأسدينا، فإذا فعلنا ذلك فلا نقول: لماذا لا ينتصر العالم الإسلامي الآن؟ فالله أعلم، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، والعلم عنده ، وكل شيء عنده بحسبان، وكل شيء عنده بأجل مسمى ولِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، والله هو العليم . هذا ما حضرني في هذه العجالة مع رسولنا ﷺ . وأسأل الله كما اجتمعتم حباً له ﷺ ولتسمعوا الكلام عنه، أن يجمعنا وإياكم به ﷺ في دار الكرامة، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يثبتنا على سنته حتى نلقى الله ، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يجعلنا من أنصار دينه، ومن حملة كتابه، ومن المنتصرين لمبادئه، ومن الذابين عن حرمات دينه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3949

الأسئلة

стр. 3950

كتب في المعجزات النبوية السؤال ما هي الكتب التي تحتوي على معجزات الرسول ﷺ التي ذكرت في غضون المحاضرة؟ الجواب من هذه الكتب ومن أوسعها دلائل النبوة للإمام البيهقي، وقد مدحه الذهبي في ترجمة البيهقي في كلمة لوحظت من بعض المشايخ والعلماء، ولكن قالها الذهبي، يقول: كتبه كـ الدلائل هدىً ونور وشفاءٌ لما في الصدور، مع العلم أن في الدلائل هذا أحاديث موضوعات كحديث الضب وحديث الحمار، والدلائل للأصبهاني فيه معجزات كثيرة، وكتاب الشمائل لابن كثير، وكتاب الشمائل للترمذي؛ وفيها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، ولكن تحتوي في الجملة مع كتب الصحاح والسنن والمسانيد على معجزاته ﷺ . ومن المتأخرين: وليد الأعظمي في كتاب المعجزات المحمدية.

стр. 3951

عدم الابتلاء لا يدل على ضعف الإخلاص السؤال هل يلزم أن يكون الداعية السائر على طريق الحق والجهاد في الدعوة في الابتلاء الشديد وإلا كان ذلك نقصاً في إخلاصه ودعوته؟ الجواب أولاً: علينا ألا نتعجل البلاء، وألا ندعو الله بالبلاء، ولكن نسأله العافية ، فإذا ابتلينا فعلينا أن نصبر، ومن أحسن الأدعية: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والله أعلم بعباده، وعند الطبراني حديث: ﴿إن الله تعالى يقول: إن من عبادي من لو أصححت جسمه لأفسدته، ومنهم من لو أسقمته لأفسدته، ومنهم من لو أغنيته لأفسدته، ومنهم من لو أفقرته لأفسدته، فأنا أعلم بعبادي، أصرفهم كيفما أشاء﴾ أو كما قال . فالمقصود أن بعض الناس لا يعيش على الابتلاء ولا يستطيع أن يصبر له، فنسأل الله لنا ولكم العافية. وكان ﷺ يدعو الله بالعفو والعافية، وقد علمه العباس بن عبد المطلب: ﴿سل الله العفو والعافية﴾ ولا يلزم أن يبتلى الداعية، بل قد يعافى في دينه، وجسمه، وعرضه، ويستمر، ولذلك ترى في سير كثير من الأئمة أنهم ما وجدوا صعوبات، لكن ربما ابتلوا في أمور الله أعلم بها، والله أعلم بعباده . لكن الغالب العام من الأئمة والعلماء والدعاة أنهم يبتلون، قال الشافعي لـ مالك: "أيهما أفضل يبتلى العبد أو يمكن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى": ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] قال المتنبي: تريدين وجدان المعالي رخيصةً ولا بد قبل الشهدِ من إبر النحل

стр. 3952

حكم التمثل بأشعار الغزل في محبة الله السؤال ذكرت في كتاب: ثلاثون درساً للصائمين، بيتاً وهو: وإني ليبكيني سماع كلامه فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا فقد قال قومٌ: إنه هنا تشبيه لصفات الله ، فحاولت على حسب علمي أن أبين لهم ولكن لم يقتنعوا، ولكن أرجو أن تبين الحق في هذه المسألة. الجواب أولاً: يا أخي! شكر الله لك هذا الرأي، وأنا أخبرك بأن هذا البيت قيل في شخص وما قيل في الله، وكثير من الأئمة ومن العلماء يوردون هذه الأبيات، ولا يقصدون بها التشبيه، ولله المثل الأعلى ، وإنما يخاطبون بها المخلوق، فيقول هذا لمحبوبه: وإني ليبكيني سماع كلامه فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا وهذا كثير يستدل به الأئمة، وهو على هذا المنوال، مثل قول ابن تيمية وقد ذكره ابن القيم في روضة المحبين ونزهة المشتاقين لما خرج إلى الصحراء في قصة تقي الدين بن شقير، فقال: رأيت ابن تيمية، قال: "لا إله إلا الله في الخلوة، ثم قال في الصحراء: وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا وهذا البيت لـ مجنون ليلى، من قصيدة يقول فيها: وإني لأستغشي وما بي غشوةٌ لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا ولله صفات تليق بجلاله، ولا نشبهه بصفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فليتنبه لهذا.

стр. 3953

واجب الشباب بعد أزمة الخليج السؤال ما واجب الشباب بعد انكشاف الغمة؟ وهل من كلمة إلى الشباب الذين ما زالوا في غفلتهم؟ الجواب الأمر الأول: في الأمس كان هناك ذكر عن معنى الغمة، وهل الغمة أن تقدم الأمة أبناءها مجاهدين في سبيل الله؟! وهل الغمة أن يستشهد عالم من هذه الأمة المحمدية التي عاشت على الشهادة؟! وهل الغمة أن نواجه المستعمر والطاغية والكافر بالسلاح ونقتله؟! وهل الغمة أن تستنفر الأمة لترفع لا إله إلا الله، ولتجاهد في سبيل الله؟! لا. هذا ليس من الغمة، وليس من الغمة أيضاً أن نبني على جماجمنا صروح لا إله إلا الله، فعلى جماجم مصعب وحمزة وخباب وابن رواحة وزيد وجعفر بنيت معالم لا إله إلا الله، لكن الغمة أن تنحرف الأمة عن منهج الله ، وتعيش خواءً عقدياً، والأمة في معظمهما الآن تعيش خواءً عقدياً، أي أن: العقيدة الحارة التي تعلمها أصحاب ﷺ لا تعيشها الأمة، وهذه أمثلة: فالآن تجد الناس يخافون من الناس أكثر من خوفهم من رب الناس، وأنت فكر في نفسك فإنك تلاحظ ملاحظات البشر، ومراقبة البشر، فتتثبت في ألفاظك، وتتأدب في عباراتك، وإذا رآك تتكلم في بعض المسائل نظرت إلى السطح والجدران، وقلت: للجدران آذان، وإلى النافذة والهاتف، بينما تجد أحدنا يغتاب ولا يفكر في الله ، أو ينم، أو يسمع الأغنية، أو يفعل بعض المعاصي، فرقابة الناس عند بعض الناس أكثر من رقابة رب الناس عندهم. الأمر الثاني: أنك تجد أننا ندرس حتى في الابتدائية: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ ونقرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] مع العلم أننا لا نطبقها إلا القليل، فيوم جاءت الحرب وكانت الأمة في الأزمة، أخذ الإنسان يخاف من ظله، وبعض الناس يموت في اليوم مرات وهو يتحرى هذا الموت متى يأتي، وقرى نائية عن موطن الحدث سترت نوافذها. وأخذ الحيطة مطلوب، ولكن إلى درجة أن يجعل شبح الموت كأنه قيامة قامت، هذا ليس بوارد. ثم تجد الإنسان لا يعيش مسألة رعاية الله له وحماية الله له، مثلما عاشها السلف رضوان الله عليهم، وقد ذكرت قصة ابن تيمية فقد قيل -كما ذكر ابن عبد الهادي - أنه في الإسكندرية قالوا: "الناس يريدون قتلك؟ قال: كأنهم الذبان". وقد قال علي بن أبي طالب: أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه وإذا ما جاء لا يغني الحذر ثم وجد أيضاً أن كثيراً من أهل الدنيا يبذلون لدنياهم أكثر مما يبذل أهل الدين لدينهم، وأنا أعرف وأنتم تعرفون أن من عامة الناس من رجال القبائل ومن غيرهم من يقاتل على أرضه ويذبح عليها لتبقى الأرض أرضه: فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويتُ ولو بلغت الأمور مبالغها، بينما تجد كثيراً من الأخيار الذين يجاهدون من أجل لا إله إلا الله يتنازلون في أول الطريق، حتى يقول أحدهم: للبيت ربٌ يحميه، والله يحمي الدين، وليس بحاجة إلينا، والله يتولى نصر دينه، وليس في حاجة لنا إلى آخر هذا الكلام، فهو يسلي نفسه، وهذا أمر معلوم. ثم قلت في المحاضرة: إن كثيراً من الناس، من حملة المذاهب الهدامة يبذلون ويضحون أكثر مما يضحي أهل الخير لدينهم ولرفعة كلمة لا إله إلا الله في الأرض. بل قد سمعنا من أخبارهم التي يسمونها بطولات، بل مغامرات، وسمعتموهم لما بدأت المعركة يقولون: جئنا نكتب التاريخ من جديد، مع العلم أنهم لا ينتظرون جنة وراءهم، ولا ينتظرون فوزاً ولا شهادة، ومع ذلك يقولون: جئنا نكتب التاريخ من جديد. إذاً: المسألة مسألة مبادئ. أما واجب الشباب بعد انكشاف الغمة، فإنني أرى أن يتحول اهتمام الشباب وعواطف الشباب إلى أمور عملية تنفعهم، فقد توجد أمور سلبية في حياة الشباب، ونضرب على ذلك أمثلة: أنك تجد الشاب يتصل إلى الناس وقت الدعوة فقط، أما تقديم الخدمات، والعون، والوقوف معهم؛ فقليلٌ من يفعل. تجد الشاب يعيش في الحي ولا يعرفه أهل الحي، يمرض المريض في الحي، ويحتاج المحتاج، وصاحب الغرض، والمسكين، والأرملة، وهو لا يقدم شيئاً من الخدمات، وإنما يرونه يوم الجمعة يلقي عليهم موعظة أو خطبة أو محاضرة فقط، والرسول ﷺ إنما ملك قلوب الناس بالخدمات التي قدمها ﷺ . الأمر الثالث: يطلب من الشباب تكثيف سواد المؤمنين في وقت المحاضرات والدروس ومجامع الخير؛ لأنه انتصارٌ للا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. ومن أسرار صلاة الجمعة وصلاة العيد أن يجتمع المسلمون كما في حديث علي عند الترمذي: ﴿كان الرسول ﷺ يخرج من طريقٍ إلى العيد ويعود من طريقٍ آخر﴾ قال أهل العلم: ليرى الناس هذه الكثرة الكاثرة، ويروا الاجتماع، فأرى أن الشباب، ولو كانوا يرون المحاضر أقل منهم علماً، أو لا يستفيدون، أو يسمعون كلاماً هو تحصيل حاصل، لكن حضورهم نصرٌ لهذه المبادئ، ونصرٌ للدعوة، وتأليف لقلوب المؤمنين، وإغاظة للمنافقين. ومن واجب الشباب كذلك: أن يقوم كلٌ بحسبه، وبطاقته، فإن بعضهم يجيد الكتابة، وبعضهم يجيد التأليف، وبعضهم يجيد الخطابة، وبعضهم يجيد التحدث، وبعضهم يجيد الدعوة العلنية، وبعضهم يجيد الدعوة الفردية، كلٌ فيما يخصه، فعلى الإنسان ألا يتقلد دوراً غير دوره، بل يبذل ما يستطيع هو بذله، ثم تتضافر الجهود كما فعل أصحاب الرسول ﵊، فليس أصحابه كلهم خطباء، وليسوا كلهم مفتين، ولا علماء، ولا ساسة، ولا قادة، ولكن كلٌ في موضعه. أيها الإخوة الفضلاء: بقيت كلمة للنساء، وكل ما سبق من حديث يشمل النساء، فرسولهن رسولنا، ورسولنا رسولهن، والمنهج واحد، والكتاب والسنة لنا جميعاً: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران:١٩٥]. ولكن ربما تنفرد النساء ببعض المسائل، ومن أعظم ما تطالب به المرأة الآن أن تتحصن بالإيمان أمام هذه المغريات، وأمام هذا الزحف الكافر الذي قصد المرأة، وتآمر عليها، وجعلها طريقاً لهدم هذا الدين، ومن أعظم الفتن والمداخل على العالم الإسلامي: فتنة المرأة، بل قد قال ﷺ كما في الصحيح: ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وكانت فتنة بني إسرائيل في النساء﴾ وما سقط كثير من الناس ولا كثير من المبادئ إلا عن طريق النساء وعن طريق المرأة. وهذا الذي هاجمنا به العالم الشهواني الغربي، يوم هاجمنا العالم الشرقي بالإلحاد والزندقة، هاجمنا العالم الغربي بالكأس والمرأة الفاتنة والأغنية الماجنة والموسيقى والمجلة الخليعة والفيديو الهدام، فكان من أعظم الفتن ومن أشدها فتنة النساء. فأنا أطالب من أختي المؤمنة أن تتحصن بالإيمان، وأن تستظل بمظلة لا إله إلا الله، ويكمن ذلك في أمور: الأمر الأول: الحجاب الذي أتى به رسول الله ﷺ ، عليها أن تتصور أنه عفاف وستر، وأنه كرم لها وليس حجراً عليها، وليس شيئاً من الضيق، وليس تقليلاً من قيمتها، بل جعلها الإسلام درةً في صدف، وشمساً في غمامة، وريحانة في باقة، وهذا هو من مقاصد الإسلام. الأمر الثاني: أرى أن يكون لها بذلٌ في عالم الدعوة؛ فتنشر الرسائل والأشرطة، وتتصل بأخواتها، وتحمل هموم الدعوة في مجالسها الخاصة والعامة؛ لأن المرأة أسمع لكلام المرأة من المرأة للرجل، وهي أقرب اتصالاً بالنساء. الأمر الثالث: أن تجعل مجالسها في ذكر الله وما يقربها من الله، وتبتعد عن جليسات السوء، وعن التشبه بأعداء الله من الكافرات والفاسقات. ثم أطالب المرأة أن تجدد توبة نصوحاً لله ، وأن تطلب من الله أن يجعلها من عتقائه من النار، وأن تعرف أنها فرصة وحيدة قد لا تتكرر مرة ثانية. وأشكركم على حسن إصغائكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 3954

من جوامع الكلم أوتي ﷺ جوامع الكلم، وتلك معجزة من معجزاته، ومن جوامع كلمه ﷺ قوله: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وفي هذا الدرس شرح لهذا الحديث العظيم، واستنباط ما فيه من فوائد وأحكام.

стр. 3955

الألفة والاجتماع من خصائص هذه الأمة الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الإخوة الكرام: عنوان هذا الدرس: (من جوامع الكلم). وصاحب الجوامع هو محمد ﵊، فقد آتاه الله جوامع الكلم، ولم يخلق الله أفصح منه، وما نطق بالضاد أروع من محمد ﵊. وقبل أن أدخل في هذا الدرس ألفت أنظاركم إلى أمر معهود لديكم، وهو هذا السر الذي جعله الله في هذه الأمة الخالدة، وهو أنه جمعهم على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم يجمعهم سيف، ولا كيان، ولا دستور وضعي، وإنما حبٌ في الله ﵎. فقد فشلت المجالس الأممية، والجمعيات العمومية، والقوانين الوضعية أن تجمع الناس، وأخفقت أن تجمع قلوبهم؛ ولذلك عرضوا مرةً من المرات الماسونية بديلاً عن الإسلام، وهي هيئة تقوم على إلغاء الفروق بين بني الإنسان، الفروق التي بين الإنسانية في الظاهر وإلا فهي الباطن يهودية، وجعلوا من البدائل: العلمنة، وهو مذهب إلحادي أذاعه أتاتورك في الدنيا؛ ليلغي الفروق بين البشر، لكنها أخفقت جميعاً، وبقي دينه ﵊ مستعداً ليجمع الناس على كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. والتأليف مظهره في هذا الشهر، فنحن نستقبل فيه هذا البيت، الذي صدحت منه لا إله إلا الله، والذي انبعثت منه الرسالة الخالدة، وصلينا صلاة واحدة، وصمنا جميعاً المسلمين من جميع أنحاء العالم، فيجلس بعضنا إلى بعض في إخاء عجيب من الذي جمع مسلم اليابان مع مسلم الجزيرة، مع مسلم السودان والعراق والمغرب وتونس والجزائر والإمارات واليمن وكل بلاد الأرض؟ لقد جمعتهم لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهذا السر يذكره أهل العلم في كتبهم، وهو لا يوجد في أي دين آخر إلا في هذا الدين، وهو الولاء والبراء، والحب والبغض، وقد صح عنه ﵊ في سنن أبي داود أنه قال: ﴿من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان﴾ وفي الصحيحين: ﴿وأن تحب المرء لا تحبه إلا لله﴾ وفي الصحيحين: ﴿ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه﴾. يقول محمد إقبال، وهو هندي: إن كان لي نغم الهنود ودنهم لكن هذا الصوت من عدنان يقول: إن كنت هندياً، وجسمي ولحمي وشحمي هندياً، فأنا أحمل إيماناً أتى به محمد ﵊. والجباه والقلوب كلها متجهة إلى الله، فله الحمد على هذه المظلة التي جمعتنا جميعاً وآخت بين قلوبنا. أما الدرس فهو كما قلت لكم: من جوامع الكلم. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصاراً﴾. وعند الدارقطني: ﴿وفواتح الكلم، وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصاراً﴾ فهو معجز في كلامه، تأتي بكلمة له ﵊؛ فتعرف أنه هو الذي قال الكلمة، ولا يستطيع أحد أن يقول غير هذه الكلمة، وكلامه دون إعجاز القرآن؛ لأن للقرآن منزلة في الإعجاز لا يضاهيها كلام آخر من كلام البشر. ويقول هتلر في مذكراته لما أراد جيشه أن يدخل موسكو قبل الثلج والهزيمة، وقد وقف خطيباً فيهم، وقد رأى الهول والدمار في العالم، وظن أنه سوف يحتل العالم يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر. ولا أعلم هل قالها بلغته أم بالعربية، فهو لم يجد كلمة يعبر بها أعظم من هذه الكلمة، ولكن تعالوا إلى كلامه ﵊ -لا أتحدث عن معجزة القرآن- من يستطيع من الناس أن يقول: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى﴾؟ هل يستطيع شاعر، أو أديب، أو فصيح، أو زعيم، أو قائد أن يقولها؟ أو يقول: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾؟

стр. 3956

وثيقةٌ معجزةٌ من كلام المصطفى ﷺ عندي في هذا الدرس وثيقة أريد أن أشرحها لكم، وهي وثيقة من محمد ﵊، كلمات معدودات ما فكر فيها ولا تأمل، إنما قالها فأعجزت أهل العلم، فهي تستحق أن تشرح في مجلدات، ويصنف لها تصنيف خاص يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿إن الله حرم عليكم ثلاثاً، وكره لكم ثلاثاً: حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ وهذه الألفاظ درر وجوهر! بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لو ذاقها مدنف قامت حشاسته ولو رآها غريبٌ داره لسلا وفي الحديث قضايا: أولها: التحريم والتحليل للشارع الحكيم. الثانية: بلاغة الحديث، وفيه من أمور البلاغة أربعة أمور: اللف والنشر، والإيجاز، والسجع، والعدد لا يقتضي الحصر. القضية الثالثة: عقوق الأمهات، وفيها قضايا. وما معنى: وأد البنات، ومنعاً وهات، و (كره)؟ وما هي القضايا في قيل وقال، وكلام أهل العلم وشراح الحديث فيها؟ وما المقصود بالسؤال؟ ومتى يكون صرف المال إضاعة؟ ومتى يكون حفظاً؟ ومسائل في هذا الباب ثم ننتهي. أولاً: يقول ﵊: ﴿إن الله حرم عليكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً﴾ الحديث، هذا لف، وقد سبق في بعض المحاضرات أن هذا يسمى لفاً عند أهل البلاغة. واللف: أن تأتي بالمعاني وتجمعها، والنشر: أن تشرحها، ويسميها أهل الإعلام من المتأخرين: الموجز والتفصيل، يقول: كان هذا هو الموجز وإليكم الأنباء بالتفصيل. فالرسول ﵊ استخدم طريقة بلاغية بديعة تسمى: اللف والنشر، وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] انتهى اللف، ويأتي النشر فيما بعد. والتحريم والتحليل ليس لأحد إلا للشارع الحكيم، وليس لأحد من البشر. فأي زعيم أو موجه أو منظر أو عالم أو فقيه أو محدث لا يملك حق التشريع في الدين، والعلماء يُحتج لأقوالهم ولا يحتج بأقوالهم، والتحليل والتحريم لله ولرسوله ﵊: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] فإذا رأيت رجلاً يحلل أو يحرم من غير دليل شرعي، فهو معتوه أو أحمق أو زنديق؛ لأن من الزنادقة من أتى يستهزئ بالدين، فحلل وحرم بلا برهان، فخرج بهذا التحليل والتحريم من الملة.

стр. 3957

التحليل والتحريم حقٌ محضٌ للشارع الحكيم المسألة الأولى: التحريم والتحليل -كما تقدم- للشارع الحكيم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والرسول ﵊ يملك حق التحليل والتحريم، بخلاف خوارج العصر الذين يأخذون بظاهر القرآن، كصاحب الكتاب الأخضر وغيره، ويقولون: السنة لا مجال لها هنا، وليس لها مصداقية ولا مكانة، ونأخذ بالقرآن فحسب. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يوشك رجل شبعان ريان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: دونكم هذا القرآن ما أحل فأحلوه وما حرم فحرموه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه﴾ فالسنة مثل القرآن، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج، قال ابن تيمية: الخوارج لا يأخذون من السنة إلا بما وافق ظاهر القرآن، أما أهل السنة فيأخذون بالسنة إذا صحت حتى في العقائد، والمعتزلة لا يأخذون في العقائد بأحاديث الآحاد، بينما أهل السنة يأخذون بأحاديث الآحاد في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. وهذه قواعد لا بد أن تفهم، خاصة لشباب الصحوة الرائدة المقبلة إلى الله، الذين يجب عليهم -وجوباً لا استحباباً- أن يربوا أذهانهم على العلم الشرعي، لتكون هذه الصحوة منضبطة، فإن للصحوة ضوابط عشرة، وهي مجموعة في رسالة سوف تخرج اسمها: عشرة ضوابط للصحوة الإسلامية، والضابط الثالث: مصدر التلقي: الكتاب والسنة، وهذا إذا ضلت عنه الصحوة أو حادت فلن تكون صحوة موجهة، وسوف تكون مبتدعة، وفيها من الخلل العجيب والانحراف الغريب ما الله به عليم.

стр. 3958

بلاغة الحديث المسألة الثانية: بلاغة الحديث، وقد سبق اللف والنشر.

стр. 3959

الإيجاز وتأتي مسألة الإيجاز والاختصار. ولو أراد أحدنا أن يتكلم عن هذه القضايا لأخذ ست محاضرات: محاضرة في عقوق الوالدين، ومحاضرة في وأد البنات، ومحاضرة في قيل وقال، ومحاضرة في كثرة السؤال، ومحاضرة في إضاعة المال، لكن الرسول ﵊ جمعها في كلمة، وهذه هي البلاغة والفصاحة: ﴿ومَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فهو يخرج من بين الصخور والجبال السود في مكة فإذا هو أفصح فصيح. يقول كريسي موريسون الأمريكي: إن من أعظم معجزات هذا النبي الأمي أنه ما تعلم ولا قرأ ولا كتب، وبعد أربعين سنة يكون أكبر مفتٍ في الدنيا، وأكبر خطيب في المعمورة، فهذه أكبر معجزة. إنسان عاش أربعين سنة، ما حمل قلماً ولا عرف سبورة ولا شيخاً ولا أستاذاً، ويأتيه الوحي في حراء، ثم ينطلق يتكلم للناس فإذا هو أفصح من يتكلم في المعمورة، وأفتى مفتٍ، وأخطب خطيب، وأشجع شجاع، وأقوى قائد، وأعظم سياسي في المعمورة! فهذه معجزة وحدها. يقول شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم يقول: عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، لكن أنت أحييت شعوباً، أسلم أهل الجزيرة، وقد كانوا رعاة غنم وأبل، ولم يكن عندهم ثقافة ولا حضارة ولا فنون ولا دراسة ولا شيء، وبعد خمس وعشرين سنة يدخلون حدائق الأندلس، ويؤذنون في قرطبة، ويدخلون السند، ويستشهدون في كابل، ويرفعون لا إله إلا الله في صقلية وقبرص، وهذا كله بهذا الدين. وهذا هو السر العظيم الذي أتى به محمد ﵊ -الإيجاز في الكلمات- وهذه مفتقده عندنا مهما أوتينا من الفصاحة، وهي موهبة من الله. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء كلمة واحدة منه ﵊ يحيي بها الله ألوفاً من الناس.

стр. 3960

السجع محموده ومذمومه الأمر الثاني: السجع. والسجع هو: اتفاق أواخر الكلم على حرف، مثل: ﴿إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات﴾ على التاء ثلاث مرات، ثم قال: ﴿وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ وهنا على اللام. وفي هذه القضية مبحث، حيث أن الرسول ﷺ جاءه رجل من الأعراب فقال: ﴿يا رسول الله! كيف تدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل﴾ فالأعرابي سجع؛ لأن الرسول ﷺ ودى جنيناً، حيث ضربت امرأةٌ امرأةً حاملاً فأسقطت جنينها من بطنها، فأمر ﷺ في هذا الحمل بدية جنين، فأتى شيخ القبيلة يعترض، ويقول: ﴿كيف تدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال ﷺ : أسجع كسجع الكهان؟﴾ فهنا غضب ﷺ وقال: كيف تسجع مثل سجع الكهان. فيقول أهل العلم: كيف غضب ﵊، بينما قد ورد عنه أنه سجع. والقرآن فيه سجعٌ كثير: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ [الذاريات:١ - ٣] وهذا سجع. ومسيلمة الكذاب عليه لعنة الله، عندما أتى يقول في قرآنه المخرف، الذي أوحاه له الشيطان الرجيم -وقد وذكره ابن كثير في البداية وغيره- يقول: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً يعارض بذلك سورة الذاريات، وأتى بكلام كثير، يقول: يا ضفدع بين الضفدعين، نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين فهذا سجع، وقد كذبه المؤمنون ولعنوه. فما الفرق بين السجع المحمود والسجع الذي ذمه ﵊؟ يقول بعض الفضلاء: الفرق في أمور: أولاً: ذاك تكلف والرسول ﵊ ما تكلف، بل أتى سجية هكذا، مثل الهواء والماء البارد، فتكلم به فأتى على لسانه، وأما العربي فإنه تكلف، ففكر فيها ساعات ونظمها، وقد قال عمر كما في صحيح البخاري في كتاب الأدب: [[نهينا عن التكلف]] ولذلك ينهى الأئمة في دعاء الوتر أن يتكلفوا في الدعاء، فبعضهم يبقى أربعين دقيقة يدعو بالناس في القنوت أو أكثر، ويبكي ويُبكي الناس في القنوت وهو لم يبك في القرآن، يمر بسورة يوسف التي تبكي الحصى والحجارة، التي كان أبو بكر لا يقرؤها إلا ويبكي، ويبكي المسجد معه، فلا تجد الإمام يهتز عندها ولا يهتز المصلون، ويمر بسورة طه، وق، والحجرات، فلا يتأثر، فإذا أتى في الوتر أتى بسجع متكلف، ويقول: اللهم انقلنا من ظلمة اللحود التي فيها الدود، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود ويبقى على الدال نصف ساعة، وهذا التكلف وتطلب السجع في الكلام منهي عنه، حتى وجد أن بعض الأئمة يتحفظ دعاء التراويح من قبل رمضان، فيكتبه في أوراق ويحفظه، والمسألة سهلة، لماذا لا يدعو بجوامع الكلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، فالدين ليس فيه تكلف. وهناك مادة في علم النفس يسمونها: التكلف، وبعضهم بتكلف حتى في الصوت، وقد سبق في بعض المناسبات أن الأمريكي دايل كارنيجي في كتاب: دع القلق وابدأ الحياة، يقول: لا تتقمص شخصية غيرك، ويقول: أنت خلقك الله شخصية مستقلة، لا تتقمص شخصية غيرك، لكن هنا أحسن، وأروع وأجود من هذا الكلام قول الرسول ﵊ عند الترمذي، ولو أن في سنده نظر: ﴿لا يكن أحدكم إمعة﴾ أي: لا تلغي شخصيتك وتذوب، وبعض الناس من الشباب يعجب بعالم فيقلده حتى في سعاله ونحنحته، مع أنه قد خلق الله له سعالاً خاصاً، لكنه يسعل مثل سعال الشيخ، ويبكي مثل بكاء الشيخ، ويمشي مثل مشية الشيخ، وهذا تقليد مذموم. والممدوح من التقليد أن تقلد الشيخ في الكرم والعلم والصبر والحلم، أما أن تقلده في هذه الحركات الظاهرة فهذه سذاجة وبرود، وهذا شيء ثقيل على النفس ولا يصلح. وأعود إلى الموضوع فأقول: السجع في كلام الأعرابي جاء متكلفاً، وكلامه ﵊ هنا بغير تكلف. الأمر الثاني: أن سجع ذاك الرجل الذي ذمه ﵊ أتى لغرس الباطل وصرف الحق، فالرسول ﵊ أنكر عليه ذلك، ورفض ﵊ هذا المبدأ؛ لأنه لا يصح، حيث أنه أتى لفرض الباطل ونسف الحق.
следующие страницы →