← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وثيقةٌ معجزةٌ من كلام المصطفى ﷺ عندي في هذا الدرس وثيقة أريد أن أشرحها لكم، وهي وثيقة من محمد ﵊، كلمات معدودات ما فكر فيها ولا تأمل، إنما قالها فأعجزت أهل العلم، فهي تستحق أن تشرح في مجلدات، ويصنف لها تصنيف خاص يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿إن الله حرم عليكم ثلاثاً، وكره لكم ثلاثاً: حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ وهذه الألفاظ درر وجوهر! بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لو ذاقها مدنف قامت حشاسته ولو رآها غريبٌ داره لسلا وفي الحديث قضايا: أولها: التحريم والتحليل للشارع الحكيم. الثانية: بلاغة الحديث، وفيه من أمور البلاغة أربعة أمور: اللف والنشر، والإيجاز، والسجع، والعدد لا يقتضي الحصر. القضية الثالثة: عقوق الأمهات، وفيها قضايا. وما معنى: وأد البنات، ومنعاً وهات، و (كره)؟ وما هي القضايا في قيل وقال، وكلام أهل العلم وشراح الحديث فيها؟ وما المقصود بالسؤال؟ ومتى يكون صرف المال إضاعة؟ ومتى يكون حفظاً؟ ومسائل في هذا الباب ثم ننتهي. أولاً: يقول ﵊: ﴿إن الله حرم عليكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً﴾ الحديث، هذا لف، وقد سبق في بعض المحاضرات أن هذا يسمى لفاً عند أهل البلاغة. واللف: أن تأتي بالمعاني وتجمعها، والنشر: أن تشرحها، ويسميها أهل الإعلام من المتأخرين: الموجز والتفصيل، يقول: كان هذا هو الموجز وإليكم الأنباء بالتفصيل. فالرسول ﵊ استخدم طريقة بلاغية بديعة تسمى: اللف والنشر، وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] انتهى اللف، ويأتي النشر فيما بعد. والتحريم والتحليل ليس لأحد إلا للشارع الحكيم، وليس لأحد من البشر. فأي زعيم أو موجه أو منظر أو عالم أو فقيه أو محدث لا يملك حق التشريع في الدين، والعلماء يُحتج لأقوالهم ولا يحتج بأقوالهم، والتحليل والتحريم لله ولرسوله ﵊: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] فإذا رأيت رجلاً يحلل أو يحرم من غير دليل شرعي، فهو معتوه أو أحمق أو زنديق؛ لأن من الزنادقة من أتى يستهزئ بالدين، فحلل وحرم بلا برهان، فخرج بهذا التحليل والتحريم من الملة.

стр. 3957

التحليل والتحريم حقٌ محضٌ للشارع الحكيم المسألة الأولى: التحريم والتحليل -كما تقدم- للشارع الحكيم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والرسول ﵊ يملك حق التحليل والتحريم، بخلاف خوارج العصر الذين يأخذون بظاهر القرآن، كصاحب الكتاب الأخضر وغيره، ويقولون: السنة لا مجال لها هنا، وليس لها مصداقية ولا مكانة، ونأخذ بالقرآن فحسب. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يوشك رجل شبعان ريان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: دونكم هذا القرآن ما أحل فأحلوه وما حرم فحرموه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه﴾ فالسنة مثل القرآن، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج، قال ابن تيمية: الخوارج لا يأخذون من السنة إلا بما وافق ظاهر القرآن، أما أهل السنة فيأخذون بالسنة إذا صحت حتى في العقائد، والمعتزلة لا يأخذون في العقائد بأحاديث الآحاد، بينما أهل السنة يأخذون بأحاديث الآحاد في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. وهذه قواعد لا بد أن تفهم، خاصة لشباب الصحوة الرائدة المقبلة إلى الله، الذين يجب عليهم -وجوباً لا استحباباً- أن يربوا أذهانهم على العلم الشرعي، لتكون هذه الصحوة منضبطة، فإن للصحوة ضوابط عشرة، وهي مجموعة في رسالة سوف تخرج اسمها: عشرة ضوابط للصحوة الإسلامية، والضابط الثالث: مصدر التلقي: الكتاب والسنة، وهذا إذا ضلت عنه الصحوة أو حادت فلن تكون صحوة موجهة، وسوف تكون مبتدعة، وفيها من الخلل العجيب والانحراف الغريب ما الله به عليم.

стр. 3958

بلاغة الحديث المسألة الثانية: بلاغة الحديث، وقد سبق اللف والنشر.

стр. 3959

الإيجاز وتأتي مسألة الإيجاز والاختصار. ولو أراد أحدنا أن يتكلم عن هذه القضايا لأخذ ست محاضرات: محاضرة في عقوق الوالدين، ومحاضرة في وأد البنات، ومحاضرة في قيل وقال، ومحاضرة في كثرة السؤال، ومحاضرة في إضاعة المال، لكن الرسول ﵊ جمعها في كلمة، وهذه هي البلاغة والفصاحة: ﴿ومَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فهو يخرج من بين الصخور والجبال السود في مكة فإذا هو أفصح فصيح. يقول كريسي موريسون الأمريكي: إن من أعظم معجزات هذا النبي الأمي أنه ما تعلم ولا قرأ ولا كتب، وبعد أربعين سنة يكون أكبر مفتٍ في الدنيا، وأكبر خطيب في المعمورة، فهذه أكبر معجزة. إنسان عاش أربعين سنة، ما حمل قلماً ولا عرف سبورة ولا شيخاً ولا أستاذاً، ويأتيه الوحي في حراء، ثم ينطلق يتكلم للناس فإذا هو أفصح من يتكلم في المعمورة، وأفتى مفتٍ، وأخطب خطيب، وأشجع شجاع، وأقوى قائد، وأعظم سياسي في المعمورة! فهذه معجزة وحدها. يقول شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم يقول: عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، لكن أنت أحييت شعوباً، أسلم أهل الجزيرة، وقد كانوا رعاة غنم وأبل، ولم يكن عندهم ثقافة ولا حضارة ولا فنون ولا دراسة ولا شيء، وبعد خمس وعشرين سنة يدخلون حدائق الأندلس، ويؤذنون في قرطبة، ويدخلون السند، ويستشهدون في كابل، ويرفعون لا إله إلا الله في صقلية وقبرص، وهذا كله بهذا الدين. وهذا هو السر العظيم الذي أتى به محمد ﵊ -الإيجاز في الكلمات- وهذه مفتقده عندنا مهما أوتينا من الفصاحة، وهي موهبة من الله. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء كلمة واحدة منه ﵊ يحيي بها الله ألوفاً من الناس.

стр. 3960

السجع محموده ومذمومه الأمر الثاني: السجع. والسجع هو: اتفاق أواخر الكلم على حرف، مثل: ﴿إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات﴾ على التاء ثلاث مرات، ثم قال: ﴿وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ وهنا على اللام. وفي هذه القضية مبحث، حيث أن الرسول ﷺ جاءه رجل من الأعراب فقال: ﴿يا رسول الله! كيف تدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل﴾ فالأعرابي سجع؛ لأن الرسول ﷺ ودى جنيناً، حيث ضربت امرأةٌ امرأةً حاملاً فأسقطت جنينها من بطنها، فأمر ﷺ في هذا الحمل بدية جنين، فأتى شيخ القبيلة يعترض، ويقول: ﴿كيف تدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال ﷺ : أسجع كسجع الكهان؟﴾ فهنا غضب ﷺ وقال: كيف تسجع مثل سجع الكهان. فيقول أهل العلم: كيف غضب ﵊، بينما قد ورد عنه أنه سجع. والقرآن فيه سجعٌ كثير: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ [الذاريات:١ - ٣] وهذا سجع. ومسيلمة الكذاب عليه لعنة الله، عندما أتى يقول في قرآنه المخرف، الذي أوحاه له الشيطان الرجيم -وقد وذكره ابن كثير في البداية وغيره- يقول: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً يعارض بذلك سورة الذاريات، وأتى بكلام كثير، يقول: يا ضفدع بين الضفدعين، نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين فهذا سجع، وقد كذبه المؤمنون ولعنوه. فما الفرق بين السجع المحمود والسجع الذي ذمه ﵊؟ يقول بعض الفضلاء: الفرق في أمور: أولاً: ذاك تكلف والرسول ﵊ ما تكلف، بل أتى سجية هكذا، مثل الهواء والماء البارد، فتكلم به فأتى على لسانه، وأما العربي فإنه تكلف، ففكر فيها ساعات ونظمها، وقد قال عمر كما في صحيح البخاري في كتاب الأدب: [[نهينا عن التكلف]] ولذلك ينهى الأئمة في دعاء الوتر أن يتكلفوا في الدعاء، فبعضهم يبقى أربعين دقيقة يدعو بالناس في القنوت أو أكثر، ويبكي ويُبكي الناس في القنوت وهو لم يبك في القرآن، يمر بسورة يوسف التي تبكي الحصى والحجارة، التي كان أبو بكر لا يقرؤها إلا ويبكي، ويبكي المسجد معه، فلا تجد الإمام يهتز عندها ولا يهتز المصلون، ويمر بسورة طه، وق، والحجرات، فلا يتأثر، فإذا أتى في الوتر أتى بسجع متكلف، ويقول: اللهم انقلنا من ظلمة اللحود التي فيها الدود، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود ويبقى على الدال نصف ساعة، وهذا التكلف وتطلب السجع في الكلام منهي عنه، حتى وجد أن بعض الأئمة يتحفظ دعاء التراويح من قبل رمضان، فيكتبه في أوراق ويحفظه، والمسألة سهلة، لماذا لا يدعو بجوامع الكلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، فالدين ليس فيه تكلف. وهناك مادة في علم النفس يسمونها: التكلف، وبعضهم بتكلف حتى في الصوت، وقد سبق في بعض المناسبات أن الأمريكي دايل كارنيجي في كتاب: دع القلق وابدأ الحياة، يقول: لا تتقمص شخصية غيرك، ويقول: أنت خلقك الله شخصية مستقلة، لا تتقمص شخصية غيرك، لكن هنا أحسن، وأروع وأجود من هذا الكلام قول الرسول ﵊ عند الترمذي، ولو أن في سنده نظر: ﴿لا يكن أحدكم إمعة﴾ أي: لا تلغي شخصيتك وتذوب، وبعض الناس من الشباب يعجب بعالم فيقلده حتى في سعاله ونحنحته، مع أنه قد خلق الله له سعالاً خاصاً، لكنه يسعل مثل سعال الشيخ، ويبكي مثل بكاء الشيخ، ويمشي مثل مشية الشيخ، وهذا تقليد مذموم. والممدوح من التقليد أن تقلد الشيخ في الكرم والعلم والصبر والحلم، أما أن تقلده في هذه الحركات الظاهرة فهذه سذاجة وبرود، وهذا شيء ثقيل على النفس ولا يصلح. وأعود إلى الموضوع فأقول: السجع في كلام الأعرابي جاء متكلفاً، وكلامه ﵊ هنا بغير تكلف. الأمر الثاني: أن سجع ذاك الرجل الذي ذمه ﵊ أتى لغرس الباطل وصرف الحق، فالرسول ﵊ أنكر عليه ذلك، ورفض ﵊ هذا المبدأ؛ لأنه لا يصح، حيث أنه أتى لفرض الباطل ونسف الحق.

стр. 3961

العدد الوارد في الحديث لا يقتضي الحصر جاء في الحديث: ﴿حرم عليكم ثلاثاً وكره ثلاثاً﴾ الحديث، وهذا لا يقتضي الحصر، فقد حرم الله أشياء كثيرة تبلغ المئات، حرم الشرك والزنا والربا وحرم الكذب والغيبة والنميمة هنا لا يقتضي الحصر. وهناك عدد لا مفهوم له، مثل قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] الآية، فهذا لا مفهوم له، فلو استغفر ﵊ فوق السبعين فلن يغفر الله لهم، لكن العدد معروف عند العرب، أي: أنك لو فعلت هذا الفعل، ووصلت إلى هذا العدد، -والمقصود ولو ما فوقه- ما فعلنا لك ما أردت.

стр. 3962

بيان تحريم عقوق الأمهات ومعناه المسألة الثالثة: قال ﵊: ﴿إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات﴾ الحديث، ويدخل فيه عقوق الآباء، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الجنة تحت أقدام الأمهات﴾ وقد علقه البخاري في الصحيح، ومعنى ذلك أن الجنة قريبة إذا بر العبد أمه، فهي في متناول يده وفي قربه بسبب هذا البر. وقال أهل العلم: للأم ثلاثة أرباع الحق، وللوالد الربع وقد أخذوه من قوله ﷺ في الصحيحين، لما جاءه رجل وقال: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾ فجعل للأم ثلاثة أرباع الحق، وللأب الربع؛ لأن الأم قامت بأمور لا يعلمها إلا الله، من البر، والصلة، والعناء، والمشقة، والأسى، واللوعة. وورد في ترجمة ابن عمر ﵄ بسند جيد، أنه كان يطوف بالبيت في شدة حرارة الشمس، ورجلٌ من أهل اليمن يطوف بأمه، وقد تصبب العرق من وجه اليماني، وهو متعب ومرهق، فقال: [[يا بن عمر! أرأيتني جزيت أمي بما فعلتُ لها؟ -يطوف بها في حرارة الشمس وهي على ظهره- قال ابن عمر: لا والله! ولا بزفرة من زفراتها]]. وأورد الزمخشري في الكشاف، ونسبه إلى الطبراني وفي سند الحديث كلام: ﴿أن رجلاً وفد إلى الرسول ﵊، فقال ﷺ : مالك؟ قال: يا رسول الله! ابني ربيته، فلما كبر عقني وظلمني واضطهدني! قال: هل قلت فيه شعراً؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: ماذا قلت؟ -لأن العرب كانت تنفث همومها في الأشعار، إذا اهتم الواحد منهم أو عقه ابنه، أو طال عليه الليل، أو ضاعت ناقته، أو سقطت منه حذاؤه، نظم قصيدة، فهي أمة فصيحة رائعة، تتعامل مع الشعر، فلما أتاها الوحي كفاها الوحي- قال: هل قلت في ذلك شعراً؟ قال: نعم. قال: ماذا قلت؟ قال: غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ يقول: يا بني! ربيتك، وحرصت عليك، وأنشأتك، حتى إذا مرضت أنت كأني أنا المريض، فلا أنام الليل إذا ما نمت أنت. فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظةً كأنك أنت المنعم المتفضل فدمعت عيناه ﵊، وجاء بالابن وهزه بتلابيب ثوبه، وقال: أنت ومالك لأبيك﴾ وأصل كلمة: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ صحيحة، لكن القصة فيها كلام من باب أحاديث السير. فعقوق الأمهات يدخل فيها تبعاً عقوق الآباء. وما معنى عقوق الوالدين؟ قال بعض العلماء: قطع الأم والوالد من الزيارة، وقال بعضهم: ألا تنفق عليهما وهم يستحقون النفقة، وقال بعضهم: أن تعقهم حتى يبكون من العقوق، فإذا بكوا فقد بلغت درجة العقوق. والصحيح أن عقوق الوالدين يكون بتكدير خاطرهما، وعصيانهما في غير معصية الله ، وعدم الوفاء بحقوقهما، فهذا هو العقوق، وإذا لم يرض عنك أبوك وأمك فأنت عاق، وإذا رضيت الأم والوالد فقد وجد البر وانتفى العقوق. وهذا أمر نسبي عند بعض الناس، فقد يقول بعضهم: أمي في مدينة وأنا في مدينة، فهل هذا من العقوق؟ والجواب أن يقال: لا. ليس هذا من العقوق؛ لأنها في مدينة وأنت في مدينة، فإن كانت راضية عنك وهي في تلك المدينة فقد بررتها، وإن كانت ساخطة عليك ولو كانت في البيت التي تسكن فيه فقد عققتها، هذا هو الصحيح.

стр. 3963

تحريم وأد البنات قال ﵊: ﴿ووأد البنات﴾ الحديث، وهو قتل البنات وهن على قيد الحياة، وهذا مذهب للعرب، حيث كانوا في الجاهلية يصيبهم العار من أن يرزق الرجل منهم بنتاً؛ فيذبحها ويقتلها وهي صغيرة، قال تعالى: ﴿وإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] فسوف يسألها الله، ويسأل من قتلها.

стр. 3964

أول من بدأ وأد البنات وأول من قتل الموءودة قيس بن عاصم المنقري التميمي، وهو من سادات العرب، وكان حليماً كريماً، لكنه خشي العار كما زعم، فأتته ابنة فقتلها وكسر عنقها ودسها في التراب: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩] فدسها في التراب، وقد رزقه الله الإسلام فيما بعد، وكان سيداً عجيباً، حتى يروى في السيرة أنه ﷺ لما أتاه قيس بن عاصم قال: ﴿هذا سيد أهل الوبر﴾ وكان حليماً جد حليم، وسيداً مطاعاً، قال للنبي ﷺ : ﴿يا رسول الله! رق عظمي، وشاب رأسي، ودنا أجلي؛ فعظني، قال: يا قيس! إن مع القوة ضعفاً، وإن مع الغنى فقراً، وإن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، يا قيس! إن معك قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي، وهو عملك﴾ فبكى قيس بن عاصم، وهو المقصود بقول القائل: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وقد كان قيس -واسمحوا لي أن أستطرد فيه- كان من أحلم العرب، أي: واسع البال، كريماً، يكظم الغيظ، ويعفو، قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، قالوا: كيف؟ قال: كنت جالساً معه في مجالس بني تميم، وقد اجتمع شيوخ بني تميم، وقد احتبى -والحبوة: أن تلف كساء على ركبتيك وأن تجلس القرفصاء- قال: فأتت امرأة فدخلت عليه، وقالت: ابنك مقتول! -ابن قيس بن عاصم كان يلعب مع الأطفال، فرماه أحدهم بحجر فإذا دماؤه في الأرض - قالت: ابنك مقتول! قال: من قتله؟ قالت: ابن فلانة، قالوا: فو الله ما قطع قصته -كان في قصة، فحدثهم بها حتى أتمها- ولا حل حبوته، ثم قال: اغسلوا ابني وكفنوه وتعالوا به، فغسلوه وكفنوه وأتوا به، فقال: اذهبوا بمائة ناقة إلى أمه وأرضوها، فدفع الدية عن الجيران فهل بعد هذا حلم؟! وهل بعد هذا كرم؟!

стр. 3965

وأد المرأة المعاصرة وضروبه وقد انتهى وأد البنات -والحمد لله- في الإسلام، لكن وأد المرأة اليوم غير وأد الجاهلية، ففي الجاهلية كانوا يذبحونها بالسكين، لكن وأد الجاهلية العصرية هو قتل لإرادة المرأة وحريتها وكرامتها وحقها، وهم يزعمون أنهم ينادون بحرية المرأة، وأنهم يحافظون على حقوق الإنسان. الحاكمون وواشنطن حكومتهم اللامعون وما شعوا وما غربوا فهم الذين أكلوا المرأة وشربوها في كرامتها ومروءتها، فوأد المرأة في هذا العصر أن يقطع حجابها، وأن يهاجم الحجاب، ويدعى أنه رجعية وتخلف، وما هو إلا العظمة والروعة والجمال للمرأة، وما هو إلا الستر والصون والكرامة. ووالله! يوم كانت المرأة متحجبة كانت لها قيمة، وكانت النفوس تحبها وتقدرها، فلما تبذلت المرأة، وأدخلت بعد الحرب العالمية الثانية في أتون المصانع، وأصبحت عاملة، وأصبحت موظفة وسكرتيرة وتشارك في البرلمان، أصبحت ممجوجة، ومملولة، ومتبذلة يقول الشاعر العربي: إذا سقط الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كُنَّ الكلاب ولغن فيه ومن وأد المرأة: أن تمنع من إنشاء بيت إسلامي، بحجة الفاحشة الكبرى: فتح الروتاري وغيرها، وإدخال النساء تحت مظلة الإنسانية والحب الإنساني الذي ما أنزل الله به من سلطان، لتربي غير أبنائها من زوجها، وتورث الفاحشة الكبرى التي أظلمت بها الدنيا. ومن وأد المرأة: أن تجعل المرأة في غير المكان المناسب الذي خلقت له، فقد خلقها الله أمينة على الجيل ومربية له الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم نبت إن تعاهده الحيا بالري أورق أيما إيراق فالأم رسالة، فقد أخرجت العظماء، فهذا خالد أُمه امرأة، وسعد وطارق وحسان وابن تيمية وصلاح الدين والعظماء على مر التاريخ، فالمرأة أرادها ﷺ والإسلام أن تكون جوهرة في صدر، أما أن تكون متبذلة فلا. ومن وأد المرأة: أن هاجموها وسحقوا كرامتها أمام العالمين، مرة بمقالةٍ يستهزئون بالنقاب والحجاب ويسمونه خيمة، ومرة يقولون: تأخر المرأة وتخلف عقل المرأة، ومرة يقولون: متى يسمع صوت المرأة؟! ومرة يكتب كاتب في بعض البلاد، ويقول: المرأة إلى أين؟ نقول: المرأة إن صلحت إلى جنة النعيم، وإن فسدت فإلى نار تلظى، لكن أنت يا مغفل يا مغرور! أنت يا عميل،! أنت يا مخزي الرسالة! أنت يا ممحوق البركة إلى أين؟! وأنت تحت أي لافتة تتكلم؟ فنحن تحت قضية كبرى قضية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن أنت تنادي أختك، وتنادي أمك وزوجتك أن تخرج إلى الشارع! ومن وأد المرأة: أن تحرم العلم الشرعي، فتربى على الجهل؛ لأن بعض الناس الآن يقولون: المرأة إذا أصبحت جاهلة فإنها تصبح جيدة وعاقلة، ولا تعرف السوء، وتصبح خاماً قابلاً للتوجيه، وهذا خطأ، لأن المرأة الجاهلة جاهلة، فلابد أن تعلم المرأة، ولكن أي علم؟ إنه العلم الشرعي، وبعض الناس أرسل ابنته إلى بروكسل لتطلب العلم! انظر إلى هذا العلم التي تأتي به هذه البنت في السادسة عشرة! ذهبت إلى بروكسل ومكثت أربع سنوات هناك بلا محرم، تسكن في كل فندق وبارة، وتأتي بعلم، فلا بارك الله فيها ولا في علمها إن لم تتب! لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار نحن لا نفتقر إلى تدريس المرأة هندسة التربة في دول أوروبا أو أمريكا أو الصين، وتأتينا وقد مسخت من لا إله إلا الله، وتحاربنا في عقر دارنا، لا نريدها ولا نريد علمها ولا شهادتها، نريد العلم النافع، الذي يربي امرأة تأتي بالأجيال وتوجه الجيل. فهذا من وأد البنات، وهو وأد آخر يكتشف في هذا العصر، اكتشفه علماء الجيولوجيا من أهل الفقه الإسلامي، اكتشفوا أن هناك وأداً وحرباً، وقد يكون هناك -إن شاء الله- محاضرة اسمها: حرب على المرأة، ينقل عن كتبة العلمانية، وعن فروخهم وأذنابهم، وعن الشعراء ما قالوه في البنت المسلمة بحجابها وسترها، ويرد عليها -إن شاء الله- من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم.

стр. 3966

تحريم المنع والبخل وتحريم السؤال والطلب قال ﷺ : ﴿وحرم عليكم منعاً وهات﴾ الحديث، منع: أن تمنع ما بيدك، فالبخل حرام في الإسلام، والبخل نوعان: بخل بالعلم وبخل بالمال، والبخل بالعلم أشد وأنكى، وهو من أكبر الذنوب والخطايا، يقول سبحانه عن البخل بالعلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] فلم يكن عند علماء الإسلام بخل بالعلم، وقد كان علماء السلف علماء عامة، كالإمام أحمد والبخاري ويحيى بن معين وابن المديني ومسلم والترمذي وأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن تيمية وابن القيم، فهؤلاء كانوا علماء عامة، لم يكن العالم يغلق عليه بابه فإذا أتيته تستفتيه كأنك تراجعه في معاملة، ويفتيك بالقطارة كأنه ينفق عليك من شحمه ولحمه ودمه! لقد كان علماء السنة في المسجد، والشارع، والعشة، وفي البيت والمهرجان والمقبرة، في كل مكان ينشرون علمهم كالسيل، فهذه ميزة العلماء. وقد علقها محمد الراشد -عمر الله وقته- في كتابه الجيد المنطلق، فقد كتب فصلاً بعنوان: علماء السنة علماء عامة. وهذا ميزة علماء السنة عن علماء البدعة؛ لأن بعض الناس الآن يقول: العالم لا بد له أن ينفصل عن المجتمع، ولا بد أن يربي الشباب تربية فردية، ولا يتصل بالعامة فقط لأن الانتقاء وارد، ونحن نقول: قد تكون هذه من الوسائل، لكن أن يحكم حكماً عاماً، ويحجز علماء الإسلام وقضاته ودعاته عن العامة فليس بصحيح، هذه نظرة تقبل النقض، وقد تصلح في بعض الفترات وبعض المناطق ولا تصلح في بعض. الثاني: البخل بالمال، قال تعالى: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧] البخل شر أسود، وهو أشر الأخلاق، والعرب ما ذمت خلقاً كما ذمت البخل وكرهته، حتى أصبح عندهم مثل الكفر تماماً ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن:١٦]. (منعاً) أي: حرّم الله على الإنسان أن يمنع الحقوق التي عليه، والكلام على هذه يطول، وإنا أرشح أن تكون هناك محاضرة اسمها: منعاً وهات؛ لأنه لا يستطيع الإنسان أن يشرح أنواع المنع، ومتى يكون المنع واجباً، أو مستحباً، ومتى يكون محرماً، أو مكروهاً، وماذا يمنع، ومتى يمنع إلى غير ذلك. وهات: أي: الطلب والجدوى، والإنسان شريف، واليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا يد المعطي، واليد السفلى يد الآخذ، جاء في صحيح مسلم: ﴿ومن سأل أموال الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر﴾ وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لأن يأخذ أحدكم حباله فيذهب فيحتطب فيبيع، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا تزال المسألة بالعبد حتى تأتي خدوشاً في وجهه يوم القيامة﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يأتي وليس في وجهه مزعة لحم﴾ أي: ملمساً له، والحديث صحيح، صححه ابن حجر وغيره. فسؤال المال من غير حاجة ملحة محرم، والذين يسألون ويشحذون الناس ولهم ما يكفيهم، لا ميزان لهم عند الله ولا قدر شاب في الثلاثين يطلب الناس! اذهب يا أخي وتاجر وابذل واخدم نفسك. وهناك ما يسمى بالبطالة عند شباب الصحوة، وأنا أستغفر الله أن أتهم هذه الصحوة المباركة بشيء، لكن يقولون: وجد في بعضهم بطالة، أي: عدم طلب الرزق [[دخل عمر ﵁ وأرضاه المسجد، فوجد شباباً جالسين في المسجد، فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله، قال: من يطعمكم ويسقيكم؟ قالوا: الله، قال: أدري أنه الله - عمر يدري أن الله هو الذي يطعم ويسقي- قال: لكن من يقدم لكم الطعام والشراب؟ قالوا: جيراننا، قال: انتظروني قليلاً، فذهب ﵁ وأغلق عليهم الباب وأخذ درته -الدرة قطعة خشب تخرج الوساوس من الرءوس، إذا ضرب بها عمر رجلاً عرف القبلة، فالذي لا يعرف القبلة فهذه الدرة مثل البوصلة يعرفه عمر القبلة بهذه العصا. فدخل عليهم وضربهم، وقال: اخرجوا قاتلكم الله! إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة]]. فلذلك لا يعترف الإسلام بمقولة: طلب الرزق يعطلني عن الاستقامة والعبادة وصلاة التراويح وقراءة القرآن، ولما فعل المسلمون ذلك أنتج الكافر الطائرة والثلاجة والبرادة والصاروخ، وأنتجوا السيارة وكل شيء حتى الطباشير، وأصبحنا نحن نأكل ونقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وهذا جيد وممتاز، لكن ماذا قدمنا نحن؟ لماذا لا ننتج مثلما أنتجوا؟ ولماذا لا نبدع كما أبدعوا؟ منهم أخذنا العود والسجارة وما عرفنا نصنع السيارة استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا

стр. 3967

كراهة (قيل وقال) وبيان معناها الكراهة قد تكون تحريماً، وقد تكون كراهة بلا تحريم. قال ﵊: ﴿وكره قيل وقال﴾ قيل: هو الذي يشعب الكلام على الناس وينقل الكلام، ما همه إلا المراسلة، فهو وكالة أنباء، قال فلان، ورد عليه فلان، وسمعت أن فلاناً قال، ولكن فلاناً يعترض عليه، فهو ينقل الشائعات، ليس عنده عمل، ولا يعرف كيف يقرأ القرآن، ولا يتدبر ولا يطلب العلم، ولا يدعو إلى الله، وإنما هو فارغ، من العمل، فيجلس من الصباح يتبرع بنقل الأخبار سمعت فلاناً قال فيك اليوم، وأنا لا أريد أنه قال فيك، فماذا تقول أنت؟ قال: أقول فيه كذا، فيذهب إلى فلان ويقول: قد أخبرته بما قلت فيه، فقال فيك كذا فهل هذا عمل مسلم مؤمن؟! إن هذا عمل الذين لا يرجون لله وقاراً، وهم الفارغون في كل زمان ومكان، وهم الذين يسمون شيوخ القمر، ويخططون في التراب، ليس لهم أصالة ولا مكانة، وليس لهم حفظ ولا وقت، ثم تضيع أوقاتهم. إذاً: نهى النبي ﷺ عن قيل وقال، وهي استحداث الأقوال وجمعها بعض الناس يتظاهر بالعلم وليس عنده علم، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور﴾ أي: الذي يتظاهر بما ليس عنده مثل الرجل الذي له ثوب واحد، لكن له أكمام ثوبين، فيظهر للناس أن عنده كمين كأن عليه ثوبين، وهو ثوب واحد، فهذا مثل المتشبع بما لم يعط، كرجل فقير، إذا جلس في المجلس يتظاهر أمام الناس أنه غني، ويقول: أمرت أن يحول لنا شيكات على البنك اليوم! وماذا فعلت يا فلان في أراضينا في المدينة الفلانية؟ وماذا عملت في معرضنا؟ وليس عنده لا معرض ولا سيارات ولا شيء، فهو أعمى ويناقر، حشفاً وسوء كيلة. فالذي يستحدث الأقوال وليس عنده علم، فإذا قيل له: يا شيخ! ما رأيكم في المسألة؟ قال: فيها ستة عشر قولاً! وهي ليس فيها إلا قول واحد، فإذا قيل له: أفدنا أثابك الله! قال: قال قوم كذا، وقال قوم كذا، وقال قوم كذا، فترك السائل وهو في ربكة ما بعدها ربكة، وهو لا يحفظ دليلاً لكل مسألة ولا يدري. يقولون: أحد الحمقى كان له ابن عنده علم، وابنه هذا يريد أن يتظاهر أن أباه عالم، فقال لأبيه: إذا سألك الناس فقل: فيها قولان، وأنا سوف أفتيهم، لكن نريد أن يعرفوا أنك عالم ولست بجاهل، قال: سأفعل. فسألوه، فقال: فيها قولان، قالوا: وما تفصيلها؟ قال: أحيلكم على ابني، فالابن يفصل، هذا يوجز وهذا يفصل، قالوا: ما رأيك في الله ؟ قال: فيه قولان، سبحان الله! ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. فهذه (قيل وقال) وهي استحداث الأقوال، وقد عرض لها ابن تيمية وقال: هي التكثر بأقوال أهل العلم ولو لم يكن لها أصل. وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافٌ له حظ من النظر

стр. 3968

كراهة كثرة السؤال وكثرة السؤال وهو الذي يسأل العلماء تعنتاً، فيعنتهم بالمسائل، لا لقصد الاستفادة، وهذه توجد عند الشباب بكثرة يقول: هذا الشيخ شاب، وبادئ في العلم، وأنا سآتي له بمسألة توقفه عند حده وتخجله في المجلس! فهذا منهي عنه، وما يفعل ذلك إلا الذي في قلبه مرض، نعوذ بالله! فيقول: يا شيخ! ما رأيك في أطفال أهل الفترة؟ أو ما رأيك في أطفال المشركين؟ أو ما رأيك في دوران الأرض حول الشمس، والشمس حول الأرض؟ فهذه من المسائل التي لا يستفاد منها. ونحن نقول له: رأينا فيك كرأي عمر في صبيغ بن عسل، حينما أتى بهذه المسائل فقال له عمر: انتظر، ثم أرسل عسب النخل فرشه بالماء، وقال: والله لا يحول بيني وبينه أحد، فضربه عمر ضربةً حتى أغمي عليه، ثم رش الرجل بالماء واستفاق، يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، ثم ضربه عمر ضربةً، حتى أغمي عليه، فرشه عمر، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن كانت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد دوائي فقد شفيت والحمد لله. فهذا العلاج لا يخرج إلا من صيدلية عمر. فبعض الناس يأتي بمسألة يتعنت حتى يحرجك أمام الناس ويخجلك، وهذا من كثرة السؤال، قال مالك في السؤال عن الأغلوطات -أي: أغلوطات المسائل الصعبة-: ونهينا عن التكلف، فمن فعل ذلك فقد أساء وتعدى وظلم. فقد تجد الرجل لا يعرف سجود السهو، لكنه يسأل عن مسائل ما وقعت، يقول: يا شيخ! ما رأيك في أهل القطبين، القطب الشمالي والقطب الجنوبي كيف يصلون؟ فتجيبه بجواب، فيقول: لا. هذا خطأ، وكيف يصومون؟ فتجيبه فيقول: لا. هذا خطأ إذاً طالما تعرف الجواب فلا تخطئنا. وإذا قلت له: سجود السهو قبل السلام أم بعده؟ فيقول: لا أدري. هذا الذي هو دائماً معك في كل صلاة، وأما أهل القطبين فلا يمرون بك ولا في العمر مرة، فلماذا تتشاغل بهم؟

стр. 3969

معنى إضاعة المال وبيان كراهة ذلك قال: ﴿وإضاعة المال﴾: والإضاعة على أنواع: إضاعة معصية، كما يفعل بعض التجار اليوم حينما يضيعون أموالهم، قال الله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] كالسفر للفاحشة إلى الخارج، وشرب الخمر، ودور الدعارة، والربا، ومحاربة الدين، والعهر، والخمارات، والبارات، والغناء الماجن، والمجلات الخليعة، ودعم المؤسسات الشريرة المحاربة للدين، ودعم العلمنة في الساحة، ومحاربة الإسلام بهذا المال الذي سيكون عليهم حسرة ثم يغلبون. ومن إضاعته أيضاً: الإسراف فيه، وهذا يوجد حتى عند كثير من الملتزمين، فإن بعضهم عنده ثلاثون ثوباً، وفي كل صلاة يلبس ثوباً، وهذا من إضاعة المال، وعليه أن يقتصد، فإن الدين وسط، والإسلام لا يعرف الدروشة، فإن بعضهم يجعل الزهد في الثوب، وعنده عمارات وقصور، لكن ثوبه بخمسة وثلاثين ريالاً حتى يظهر أنه زاهد، أتزهد في الثوب ولا تزهد في الأراضي والعقارات والبنايات والمعاقل؟ هذا ليس بصحيح. وكذلك الإسلام لا يؤيد الترفه كثيراً؛ فقد جاء في الحديث الحسن: ﴿البذاذة من الإيمان﴾ فالترفه منتشر، حتى أن بعض الشباب المعرض يشتري كبك -نوع من أزرار الملابس- بخمسمائة ريال، وحذاء بستمائة ريال، وعليه من الملابس ما يعادل أربعة أو خمسة آلاف وهو لا يساوي اثنا عشر ريالاً، وملابسه بستة آلاف، يقول أبو الفتح: يا متعب الجسم كَمْ تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان استكمال الفضائل بالقرآن، والاستقامة، والتوبة النصوح، والصدق مع الله، ومجالسة الصالحين، وحمل رسالة لا إله إلا الله محمد رسول الله، والصدق مع النفس ومع الله وأن تكون عبداً لله تبيع نفسك من الله ثم لا ترجع في البيع أبداً: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3970

حقيقة البعث والنشور الموت حقيقة لا بد منها، ولكن الموت ليس هو نهاية الإنسان، بل هناك بعث ونشور، وثواب وعقاب، ومن الناس من ينكر البعث وذلك لجهله بعظم قدرة الله . والشيخ تحدث عن هذا الموضوع ذاكراً بعض الأمثلة لمن ينكرون هذه الحقيقة الجلية الواضحة.

стр. 3971

حتمية البعث والنشور الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٣]. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يا أيها الإنسان: يا من حمل همومه وغمومه! يا أيها الإنسان: يا من تعدى حدود الله وانتهك حرماته, وأكل نعمه, واستظل بسمائه, ووطئ أرضه! يا أيها الإنسان: إنك سوف تُعرض على الله, ويل لك أيها الإنسان، أما فكرت بالقدوم على الله؟! ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شي يا أيها الإنسان! ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ما الذي خدعك حتى عصيت الله؟ ما الذي غرك حتى تجاوزت حدود الله؟ ما الذي أذهلك حتى انتهكت حرمات الله؟ يا أيها الإنسان! ألم تكن نطفة؟! ألم تكن ماء؟! ألم تكن في عالم العدم؟! قال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:١ - ٢] مسكين هذا الإنسان! حقير هذا الإنسان! صغير هذا الإنسان! أتى من ماء, من عالم العدم, أتى من نطفة, فلما مشى على الأرض تكبر وتجبر, ونسي الله الواحد الأحد!! في المسند للإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن جحش قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ أخذ بصاقاً من فمه ثم وضعه في راحته, ثم أخذ يديره بأصبعه ويقول: يقول الله ﵎: يابن آدم! خلقتك من مثل هذا ثم ربيتك، فلما تربيت جمعت ومنعت ومشيت على الأرض, وللأرض منك وئيد, ثم قلت: لن يعيدني كما أنشأني أول مرة ثم قال : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]﴾ من هذا المجرم الذي اعترض على قدرة الله؟ من هذا العاصي الذي أنكر البعث والقدوم على الله؟ صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد ساعة الموت أيها العبد أضعاف سرور في ساعة الميلاد

стр. 3972

إنكار العاص بن وائل للبعث هذا المجرم هو العاص بن وائل , أثمر الله ماله, وأصح جسمه, وأعلى شأنه في الدنيا, ولكن كفر بلا إله إلا الله, أتى إلى الرسول ﵊ بعظم بالٍ ففته وحته ونفخه أمام المصطفى ﷺ وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يعيد هذه العظام بعد أن يميتها؟ فقال ﵊: ﴿يميتك الله ثم يبعثك الله ثم يدخلك الله النار﴾ فيقول الله له: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] أتى يضرب لنا الأمثال, نسي مكرماتنا, ومعروفنا, وجميلنا ونعمنا, وأتى يضرب لنا الأمثال اليوم. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] من الذي أنشأه من العدم؟ من الذي أغناه من الفقر؟! من الذي أمشاه على رجليه؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] فما له نسينا اليوم؟ هذا العاص بن وائل قتل في بدر كافراً بالله العظيم, أتاه أحد الفقراء من المسلمين وقد عمل له عملاً واشتغل له شغلاً فقال له الفقير: يا أبا عمرو!! أعطني أجرتي؟ قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم. قال: أتؤمن أن الله يبعثنا يوم القيامة؟ قال: نعم. قال: -وهو يضحك يستهزئ- فإذا بعثني ربي من قبري وعندي كنوز من الأموال فأحاسبك في ذلك اليوم وأعطيك أجرتك, فقال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ [مريم:٧٧ - ٨٠]. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩]. والله لنبعثن كما نستقيظن حفاة عراة غرلاً بهما كما بدأنا أول مرة يعيدنا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] نخرج من قبورنا مذهولين خائفين وجلين إلا من رحم الله, ولا يأمن من مكر الله وعذابه ولعنته إلا من أمنه الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٤]. صح عنه ﷺ : ﴿أن الإنسان بعد أن يخرج من قبره ويقف في أرض المحشر، فمنهم من يبلغ عرقه كعبيه, ومنهم من يبلغ العرق ركبتيه, ومنهم من يبلغ حقوه, ومنهم من يبلغ حنجرته, ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً فلا يتكلم﴾ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٩ - ٨٠]. قال أهل العلم: الشجرة بذرة -كما تعرفون- أنبتها الله ورعرعها بالماء ثم يبست ثم أصبحت حطباً يوقد به في النار, وقال بعضهم: المرخ والعفار شجر في الحجاز إذا ضربت هذا بهذا وهو أخضر انقدح ناراً, فمن الذي قدح النار منه؟ ومن الذي جعل آيات الكون قائمة أمام الأعيان؟ أليس هو الذي يعيدنا يوم العرض الأكبر؟

стр. 3973

ضرورة التوبة قبل الموت يا أيها الإنسان: انظر إلى السماوات بلا عمد. يا أيها الإنسان: انظر إلى الأرض في أحسن مدد, من أجرى الهواء؟! من سير الماء؟! من جعل الطيور تتناغم بالنغمات؟! من جعل الرياح غاديات رائحات؟! من فجر النسمات؟! من خلقك في أحسن تقويم؟! قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] سبحان الله! ما أقدر الله! يقول عمر ﵁ وأرضاه: [[والله لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون]] لو لم يكن هناك يوم بعث ونشور لأكل الأقوياء الضعفاء, وأخذ الظلمة المظلومين, وتجبر المتجبرون في الأرض. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور متى سيفيق من لم يستفق اليوم؟! متى يتب إلى الله من لم يتب هذه الساعات؟! متى يحاسب نفسه من لا بد أن يحاسبها قبل أن تعرض على الله؟ عباد الله: أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه, إنه هو التواب الرحيم.

стр. 3974

رؤية إبراهيم ﵇ بعث الموتى الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً, وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراًَ ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: إبراهيم ﵇ إمام التوحيد ومعلم الرسالة وأستاذ العقيدة. إبراهيم خليل الرحمن الذي نشر عقيدة التوحيد في الأرض, مرّ يوماً من الأيام على ساحل البحر فرأى جثة حيوانٍ ميت قد ألقاه البحر بالساحل, وهذه الجثة تأتيها السباع فتأكل منها والطيور تنهش منها, فوقف عليها متعجباً وهو يقول في نفسه: كيف يعيدها الله يوم القيامة وقد أكلتها السباع والطيور؟ كيف يعيد الله هذه الجثة وقد تشتتت في بطون السباع وفي حواصل الطير؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] فكلم ربه وناداه وسأله أن يريه كيف تقوم عملية الإحياء وعملية الموت؟! والله هو الذي يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] فقال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] أما آمنت إلى اليوم؟ أما تيقنت أن الله يبعث من في القبور؟ أما علمت أن الله ينشر الناس ليوم النشور؟ ﴿قَالَ بَلَى﴾: بلى يا رب آمنت وأسلمت وتيقنت: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] سبحان الله! في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿نحن أحق بالشك من إبراهيم﴾ معنى ذلك: لو كان إبراهيم يشك لكنا نحن أضعف وأولى أن نشك في قدرة الله، ولكن إبراهيم ﵇ لا يشك: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: لأزداد يقيناً إلى يقيني وإيماناً إلى إيماني, فليس الخبر كالمعاينة: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. قال الله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: خذ أربعة أنواع من الطير، وذكر عن ابن عباس ﵄ قال: [حمام؛ ودجاج؛ وأوز؛ وطائر من عنقاء مغرب] أو كما قال, ولا يهمنا تعداد الطيور؛ لكن يهمنا الشاهد والدلالة في الآية, فأخذ أربعة من الطيور قال تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: قطعهن ومزقهن, فقطع رءوسها, وفصّل أرجلها, وبتّك أكتافها وأيديها, ونتف ريشها, ثم خلط الأربعة, قال الله له: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً﴾ [البقرة:٢٦٠] فأخذ كل مجموعة من هذا اللحم والعظام والريش والدم فجعله ووزعه على أربعة جبال, ثم نزل في الوادي. قال الله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ [البقرة:٢٦٠] فلما نزل قال: تعالي أيتها الطير بإذن الله, فبعث الله الأرواح فيها, وكانت رءوس الطير بين يديه, فأقبل الريش والعظم واللحم من كل طائر يدخل إلى رأسه لا يغلط في رأسٍ غير رأسه, فلما تركبت أجسامها في رءوسها فرفرت وطارت وأصبحت تأخذ مجالها في الجو, قال إبراهيم ﵇: أعلم أن الله على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. فيا من شك في قدرة الله: ويا من شك في البعث والنشور! ترقب يوم يبعث الله الأولين والآخرين, يوم يناديهم في يوم لا ريب فيه, يوم يسمعون الداعي لا عوج له, فاعمل لذاك اليوم، وتزين ليوم العرض على الله, والبس لباساً ليس كلباسنا اليوم؛ فوالله! لا تجزئ ألبستنا إن لم تكن من تقوى, واستعد بحسنات وبأعمال صالحات فإنك راحل! إن بعد الحياة موتاً عظيماً يستعيذ الجدود منه الجدود فاستعد لذاك البعث, وترقبه وكأنه في غد, واشكُ حالك إلى الله, وجدد توبة صادقة إلى الحي القيوم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] يوم ينادي الله الخلائق وهم حفاة عراة غرلاً, وقد وضع السماوات مطويات بيمينه والأرض باليد الأخرى, فهزهن ونادى: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فنسأل الله أن ينجينا وإياكم في ذاك اليوم, ونسأله أن يبيض وجوهنا ووجوهكم ذاك اليوم, ونسأل الله ألا يجعلنا من أهل الفضائح والنكبات وأهل البوار والخسار. عباد الله! صلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه, فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلّى عليّ صلاة واحدة؛ صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل وسلم على نبيك محمد, وبلغه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين, وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين, اللهم وحد صفوفهم, اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق, أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة, ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا, ونسألك القصد في الفقر والغنى, ونسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح شباب المسلمين, اللهم ردهم إليك رداً جميلاً, اللهم كفر عنهم سيئاتهم, وأصلح بالهم, وأخرجهم من الظلمات إلى النور, واهدهم سبل السلام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3975

إلى الرفيق الأعلى إن أعظم مصيبة وقعت على الأمة الإسلامية؛ هي موت النبي ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ لأنه كان النور الذي تستضيء به الأمة، وهو المربي والمعلم والمجاهد والزعيم. ولذلك فإن من قرأ سيرته وعرف أحداثها من ولادته إلى موته، سيجد العبر والعظات الكثيرة، وسيعرف عظم المصاب الذي أصيبت به الأمة. والشيخ -حفظه الله- قد صور انتقال النبي ﷺ إلى ربه صورة بليغة ومؤثرة، سرد فيها أهم الأحداث من حجة الوداع إلى أن مات وغسل وصلي عليه ودفن ﷺ .

стр. 3976

قبل موته ﷺ إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إخوة الإيمان! يا حملة التوحيد! يا أرباب المبادئ! عنوان هذه الخطبة "إلى الرفيق الأعلى". من الذي قال هذه الكلمة؟ من هو أول من أنشأها؟ ومتى قيلت؟ القائل: هو محمد ﵊، قالها في سكرات الموت، في آخر لحظة من لحظات الحياة يوم مات كما مات الناس، وفارق الحياة كما فارقها الناس، فهو بشر يموت كما يموت البشر، وهو في سكرات الموت شخص طرفه إلى السماء، وهو يقول: إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى، وهذه الأيام تناسب تلك الأيام التي مات فيها ﵊، فإنه مات بعد الحج. حج بالناس فوقف محرماً في عرفة، حاسر الرأس، أشعث أغبر، فقال وهو يخاطب مائة ألف من المؤمنين: ﴿يا أيها الناس! إنكم مسئولون عني غداً، وأنا مسئول عنكم، فما أنتم قائلون لربي غداً؟ فقالوا بصوت واحد: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فرفع سبابته على الناقة، وقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد﴾ فأنزل الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]

стр. 3977

العودة إلى المدينة وبداية المرض ولما عاد ﵊ إلى المدينة، أحس بدنو أجله، وبدأت وحشة الفراق وطلائع التوديع ودموع الأسى، وقف على المنبر، وقرأ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] فبكى أبو بكر، فقال الناس: مالك تبكي يا أبا بكر! فقال: أجل الرسول ﵊ نعي إليه، الفراق قريب. فراق ومن فارقت غير مذممٍ وأم ومن يممت خير ميمم وما منزل اللذات عندي بمنزلٍ إذا لم أبجل عنده وأكرم

стр. 3978

قبل المرض وقام ﵊ ذات ليلة وسط الليل، وقد نام الناس وهجعوا، قام وسط الليل إلى أحد حيث مقبرة الشهداء، حيث يرقد هناك حمزة ومصعب والسبعون الشهيد ينامون هناك، فوصل إليهم، وسلم عليهم، وودعهم إلى لقاء قريب في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ثم عاد ونام، وفي اليوم التالي خرج إلى مقبرة بقيع الغرقد، فسلم على أهل المقبرة، وقال: ﴿ليهنكم يا أهل القبور ما أمسيتم فيه، فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مسلماً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل﴾ ثم عاد ﵊، وفي آخر رمضان دارسه جبريل القرآن مرتين، وكان قبلها يدارسه في كل رمضان مرة واحدة.

стр. 3979

بداية المرض بدأ مرضه ﵊ بصداع في الرأس -بأبي هو وأمي- فديناك يا ليل السهاد الذي سرى بجسمك في أجسامنا أبداً يسري ويا ليت أنَّا نحمل الضيم كله عن العلم المحبوب في البدو والحضر عقد البخاري باباً، فقال: (باب قول الرجل: وارأساه) هل هو من الشكوى لغير الله؟ لا، إنها من التوجع، وبث الحزن للأحباب. ولا بد من شكوى إلى ذي قرابةٍ يواسيك، أو يسليك، أو يتوجع ﴿دخل رسول الله ﷺ على عائشة فقالت: وارأساه يا رسول الله! كان بها صداع، فقال ﵊: بل أنا وارأساه﴾ نزل عليه المرض ثلاثة عشر يوماً، وابتدأ عليه المرض يوم الخميس، فكان ابن عباس إذا ذكر يوم الخميس قلب الحجارة، وبكى، وقال: آه! يوم الخميس وما يوم الخميس كأنه مطعون؛ لأنها ذكرى حرجة، وأسىً ولوعة، وكان ابن عباس كلما ذكرها أثارت عليه الدموع والشجون والأسى واللوعة.

стр. 3980

أثناء مرضه ﵊ وتوطأ عليه ﷺ الفراش ثلاثة عشر يوماً، وسمع الأذان مرة، فاستفاق. وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائراً كان في صدري قال: ﴿الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم﴾ ثم قال: ﴿اغسلوني﴾ فغسلوه من آثار الحمى، وكان جسمه حارٌ، حار، حتى وضع ابن مسعود يده على جسمه فنزعها، وقال: ﴿يا رسول الله! إن بك حمى، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال ابن مسعود: ذلك بأن لك الأجر مرتين، قال: نعم، ما من مؤمن يصيبه هم ولا غم ولا نصب ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾ فغسلوه بالقربة الأولى، فقام فأغمي عليه فسقط، والثانية حتى غسلوه بسبع قرب، فلما علم أن صلاة الجماعة سوف تفوته، قال: ﴿مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله! مر عمر﴾ وأبو بكر أبوها لكنها تريد عمر لئلا يتشاءم الناس بـ أبي بكر في أول صلاة، ويقولون: وجدناك وفقدنا ذاك قال ﷺ : ﴿مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس إنكن لأنتن صويحبات يوسف﴾ فأمروا أبا بكر فقام يصلي فتلعثم بالبكاء، وهو في الصلاة.

стр. 3981

آخر لقاء جماهيري مع الصحابة واستمر به المرض ﵊، وكان آخر لقاء جماهيري مع الصحابة، هكذا يعنونون له أهل السير من المحدثين: خرج ﵊ إلى المنبر، وقال لـ علي بن أبي طالب، وللفضل بن العباس، وللعباس: احملاني إلى الناس، فاتكأ عليهما وهو منصوب الرأس بعمامته، فجلس على المنبر أمام الناس، نظروا إليه ونظر إليهم، واشتد البكاء، وقام بجسده الشريف يتوكأ على خشب المنبر، وقال: أيها الناس: اللهم من ضربته، أو شتمته، أو لعنته، أو آذيته، فاجعلها رحمةً عندك له. أيها الناس: من أخذت من ماله، فليقتص من مالي، ومن ضربت جسمه، فهذا جسمي فليقتص مني اليوم قبل ألا يكون درهمٌ ولا دينار، فوقف عكاشة بن محصن الأسدي أمام الناس، فقال: يا رسول الله! ما دام أنك طلبت القصاص فأريد أن أقتص منك! قال: وما ذاك؟! قال: يوم كنا يوم بدرٍ وأنت تسوي الصفوف طعنتني بعصا كانت في يدك في خاصرتي، أريد أن أقتص منك اليوم، فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا فيَّ القصاص. فداً لك من يقصر عن مداكا فلا ملك إذاً إلا فداكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى من هو الذي يقف أمام الناس، وهو زعيم الدنيا، فيعرض جسمه للضرب وللقصاص من الرعية، فقال ﵊: لا، بل يقتص مني، فأرسلوا للعصا التي كانت معه في بدر فأتي بها، ورفعها عكاشة في يده، وارتفع صوت البكاء في المسجد! أصحابي يضرب جسم النبي ﵊ في مرض الموت؟! فألقى عكاشة العصا من يده، ثم تقدم فضم الجسم الشريف، ومرغ شيبته في الجسم الطاهر، وبكى بكاءً، وهو يقول: جسمي لجسمك الفداء، ونزل ﵊ والدموع من كل تحفه، في أحرج ساعة مرت بالأمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويدخل بيته قبل الموت بيومين، ويشتد عليه المرض ﵊، ويوصي الناس بتبليغ دينه للناس: ﴿بلغوا عني ولو آية نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مُبلِّغ أوعى من سامع﴾.

стр. 3982

قبل الموت بيوم واحد وفي اليوم الأخير أعتق ﵊ مواليه، وبحث عن ماله في ميزانيته فوجد سبعة دنانير، ليس إلا هي عنده تسع نسوة، والأمة تحت يده، وجبال الدنيا تعرض له أن تُسير ذهباً وفضةً، ويموت عن سبعة دنانير، فيتصدقها في سبيل الله، ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعاً من شعير كانت عند يهودي من يهود قاتلهم الله. انظر الخسة والحقارة! ﴿أتى ﵊ إلى اليهودي، فقال: بعني شعيراً لأهلي - سبحان الله! هذا النبي الذي عرض عليه ملك الجبال، مفاتيح الجبال أن يسيرها الله ذهباً، فيقول: لا، أشبع يوماً، وأجوع يوماً حتى ألقى الله -ثم يأتي إلى يهودي ويستدين منه ثلاثين صاعاً من شعير، فيقول لليهودي: أعطني ثلاثين صاعاً، قال اليهودي: لا أعطيك إلا برهن، قال: ما عندي ما أرهنك إياه، قال: درعك الذي عليك، قال: هذا درعي﴾ فرهنه الدرع، وما فك الدرع إلا عليٌ بعد موته ﵊.

стр. 3983

الميراث وتوزيع التركة يموت ﵊، ويبحث عن بيوته؛ فإذا هي غرفٌ لا يتجاوز طول الواحدة ثلاثة أمتار. قال الحسن البصري: دخلت غرفته ﵊، فمددت يدي فوصلت يدي سقف الغرفة، سقفها جريد النخل. كفاك عن كل قصرٍ شاهقٍ عمدِ بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم وما هو فراشه؟ خزف النخل، فراش واحد، إذا اشتد من الشمس والسواد غسل بالماء وصلى عليه ووسادته أدمٌ حشوها ليف، إذا نام أثرت في جنبه الشريف. في بيته شيء من شعير من الثلاثين صاعاً معلقة في قطعة قماش عند سقف المنزل، فأين الميراث؟! يقول ﵊: ﴿إنا نحن معشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه صدقة﴾ وزع أمواله في الناس. أتت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: أعطني ميراثي من مال أبي، قال أبو بكر: لا، يقول ﵊: ﴿لا نورث، ما تركناه صدقة﴾ وصدق أبو بكر، وبر أبو بكر، ونصح أبو بكر، لم يوجد شيء تماماً خلفه ﵊ إلا هذه البذلة، وسيف قاتل به في سبيل الله، فبحثوا في البيت فلم يجدوا شيئاً، وأتوا إليه ﵊ وهو في آخر رمق من الحياة.

стр. 3984

ساعة التوديع ووحشة الفراق وفي آخر ساعة كان في حضن عائشة ﵂ وأرضاها، وهو يذكر الله، وكانت ترقيه ﵊ بيديه؛ لأنها أشرف وأبرك، فكانت تأخذ يديه وتنفث، وتقرأ المعوذات، وتمسح جسمه، وكانت يديه من شدة المرض مسفودتان منهوكتان. دخل أخوها عبد الرحمن وفي فمه سواك من أراك، فأبدَّه ﷺ نظره، وكأن عينيه تتحدثان تطلبان السواك، فعرفت عائشة، ودعت بالسواك فقضمته وسلمته إلى محمد ﵊، فاستاك بيده كأشد ما يستاك في الحياة الدنيا، ثم رد السواك، أخذت تقول: عافاك الله، شافاك الله، أزال الله ضرك، فنزع يده مغضباً من يدها، وهو يقول: ﴿بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى﴾ أي: لا أريد الحياة، أريد أن أموت اليوم. ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حب وعكسه الكاره فالله اسألِ رحمته فضلاً ولا تتكلِ ثم يتمتم ﵊ ويقول: ﴿مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ثم قال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ثم رفع طرفه، وقال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾.

стр. 3985

سكرات الموت والانتقال هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب وصل ﵊ إلى لحظة سوف نصل إليها جميعاً، ولا يبرأ منها أحد، وصل إلى درجة أن يموت كما يموت الناس، فأخذ خميصة كانت أمامه، أي: قطعة قماش- وبلها بالماء، وغطى بها وجهه الشريف، وهو يقول: ﴿لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله، اللهم هوِّن عليَّ سكرات الموت، لا إله الله إلا الله، اللهم خفف عليَّ سكرات الموت﴾ ثم مات. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] مات، فأين ميراثه؟ وأين تركته؟ أنا وأنت، وأبي وأبيك من تركته! المساجد ملايين المساجد في العالم ملايين العلماء ملايين الشهداء ملايين الصالحين كلهم من تركته! الوحي، المسيرة، الجيل، الشعوب الإسلامية، النور، كلهم من تركته! خلف رسالة طوقت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية! لا يعلم في تاريخ الإنسان، ولا في حياة الشعوب مؤثراً أعظم منه ﵊!! ومع ذلك هذه تركته، كأفقر فقراء هذا العصر، بل لا يوجد في هذا العصر -في علمي- في بعض البلاد أكثر فقراً مما كان عليه ﷺ ! لم يشبع ثلاث ليال متوالية من خبز الشعير، فأين ميراثه؟! الرسالة الخالدة، قال ﵊: ﴿إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾. أسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة، وأن يلهمنا اتباع سنته، وأن يجعلنا سائرين على منهجه، وأن يعصمنا بشريعته. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 3986

مصيبة موته ﷺ الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أيها الناس: يموت البشر من الزعماء والقادة والرؤساء، فتقوم الدنيا وتقعد من أجل موتهم، إما مجاملة، وإما استخذاءً، وإما جهالةً بحالهم، ولكن الرسول ﵊ ليس كالناس، مات فكادت قلوب الصحابة تتفطر، وجعلوا أعظم المصائب مصيبة موته ﵊، وقال قائلهم: وإذا أتتك من الأمور بليةٌ فاذكر مصابك بالنبي محمد فأعظم مصيبة مرت بالعالم الإسلامي موته ﵊، فما وَقْع الخبر على الصحابة؟ كيف تلقوا نبأ موته ﷺ ؟ بينما هو الذي يسكن في قلوبهم، ويعيش في ضمائرهم، وينام في أجفانهم، وإذا به يموت. بينما يخطب بهم يوم الجمعة، ويصلي بهم، ويعلمهم، ويهديهم، ويرشدهم، ويوجههم، وإذا هو يموت. بينما هو يقف مع الطفل، ويحمل متاع العجوز، وتوقفه المرأة في حرارة الشمس، ويقضي حاجة الفقير فإذا هو يموت بينما هو يطعمهم قبل أن يطعم، ويسقيهم قبل أن يشرب، ويسهر ليناموا، ويتعب ليرتاحوا، إذا هو يموت، فكيف الخبر؟ ما هو وقْعُه? وما مدى تأثيره؟

стр. 3987

أثر خبر موته ﵊ على الصحابة اسمع! سمع الصحابة الخبر، فاجتمعوا جميعاً حول المسجد، فاختلطت أصوات النساء بالرجال وبالأطفال من البكاء، فأصبح زعماء المعارك، وقادة ميادين المعركة، وحملة الألوية؛ يخورون كما تخور الأطفال، خالد وسعد وطلحة والزبير، الذي كل إنسان منهم تاريخ انهد تماماً! وقف عمر، فما استطاع أن يقف على قدميه وسقط بين الرجال. اجتمعوا حول المسجد، كأنهم غمامةٌ تدور، وفي بكاء رهيب يتسلون بالصبر. كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغلٍ عن السفر السفر فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر قام عمر، وأبو بكر كان غائباً لم يدر بالخبر إلى الآن أبو بكر في مزرعته في عوالي المدينة كان عنده مزرعة نخل يغرس هناك بمسحاته، وهو الصديق الأكبر لم يدر بالخبر! قام عمر على المنبر، فسل سيفه، وبيته ﷺ مغلق على الجثمان الشريف، فقال: يا معشر الناس! من زعم منكم أن محمداً قد مات ذبحته بهذا السيف. إن الرسول ﵊ لم يمت، وإنما رفع إلى السماء كما رفع بعيسى، وسوف يمكث أربعين ليلة، ثم يأتي، هذا رأي عمر، وهذه وجهة نظره في الحادث، ثم نزل عمر مع الناس يجول بسيفه، ليستمع من الذي يقول: مات الرسول ﵊، فيذبحه كما يذبح الشاة، وسار الخبر إلى أبي بكر الصديق، فركب فرسه، قالوا: مات الرسول ﵊، قال: الله المستعان، وكان رجلاً رشيداً عاقلاً فصيحاً حكيماً، ولذلك اختاره ﵊ ليكون رجل الساعة -ساعة الصفر ليكون الخليفة بعده- فأتى وإذا بسكك المدينة مطمورة بالأوادم، وإذا الأطفال والنساء يموجون كالغمام حول المسجد؛ فسكت الناس بعصاه، ولم يتكلم بكلمة، وأخذ يستغفر ويسبح في ثبات، وشق الصفوف على فرسه، ثم نزل وهبط من على الفرس، ودخل البيت ففتحه، وأتى إلى الجثمان الشريف إلى الوجه الطاهر إلى البدن العامر؛ فكشف الغطاء عن وجه الرسول ﵊، ثم بكى، وقال: [[ما أطيبك حياً، وما أطيبك ميتاً، أما الموتة التي قد كتبت عليك فقد ذقتها، ولكن والله لا تموت بعدها أبداً]] ثم قبله ودموعه تخر من على لحيته إلى جبين محمد ﵊، وهو يمسح الدموع، يمسح الدموع بيده ويقبل مكان الدموع، ثم يخرج إلى الناس، وعمر يتكلم وهو هائجٌ كالأسد، قال: اسكت يا عمر! اسكت يا عمر! اسكت يا عمر! فدلف أبو بكر بعصاه، وتوكأ عليها، وقال: [[أيها الناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت]] فسقط عمر من على المنبر على وجهه، علم أنه مات! وأتوا بالماء فرشوا عمر على رأسه، فقام ودموعه تنهار على لحيته، ثم أخذ أبو بكر يتحدث، ويقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ثم دعا بعد ذلك، وذهب بهدوء، وسكت الناس، ورجعت لهم السكينة، وهدأت الضمائر، وأخبرهم أبو بكر أن هناك رباً فوق سبع سماوات لم يمت، وأنه حيٌ قيومٌ، وأنه هو الذي يعُبد، أما الناس فيموتون ويولدون، ويغنون ويفتقرون، ويذهبون ويأتون، ومحمد ﵊ من هذا البشر الذي كتب الله عليه الموت.

стр. 3988

غسله والصلاة عليه ودفنه ﷺ قال الصحابة: يا أبا بكر! نختار للرسول ﵊ قبراً في ناحية من نواحي المدينة، قال أبو بكر: لا. سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض﴾ فادفنوه مكانه، فكشفوا الفراش الرخيص، الفراش المتقشف، رفعوا الفراش وحفروا الأرض، وكان الحافر أبو طلحة، ألحد لحداً، فلما عمقوا اللحد سمعت أصوات المساح، وبكاء النساء وراء الحجب، ثم أتوا لتغسيل الجثمان الشريف، فقال النفر منهم علي والعباس: لا ندري هل نجرد الرسول ﵊ من ثيابه، أو نغسله من فوق الثياب، فألقى الله عليهم النوم فناموا قليلاً وكانوا ستة أو سبعة، فسمعوا قائلاً يقول: اغسلوا رسول الله ﷺ من فوق ثيابه، فأخذوا يغسلونه ويرشونه بالماء من فوق ثيابه. وعند البيهقي أنه ﵊ قال وهو في مرض موته: ﴿إذا مت وغسلتموني وكفنتموني فضعوني على شفير القبر ساعة، فانتظروا ساعة، فإن ربي سوف يصلي علي﴾ أي: إذا وضع على شفير القبر، وعلى طرف القبر، فلا يصلون عليه؛ بل ينتظرون ساعة، فإن الرحمن الرحيم الذي على العرش استوى سوف يصلي عليه. أي عظمة! وأي تاريخ! وأي عطاء: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] هل فوق أن يصلي عليه ﵊ ربه عطاء ? قال: ﴿فإذا انتظرتم ساعة، فانتظروا ساعة أخرى، فإن ملائكة ربي سوف تصلي عليَّ، فإذا انتظرتم هذه الساعة، فصلوا علي زرافات ووحدانا، وليصلِّ عليَّ أحدكم في أي مكان، فإن صلاتكم سوف تبلغني، قالوا: يا رسول الله! كيف تبلغك صلاتنا وقد أرمت؟ -أي: بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ فلما وضعوه على شفير القبر بعد أن كفنوه، وأخذت روائح الطيب تعج وتضج في المدينة من جسمه الشريف، وقفوا ساعة، ثم وقفوا أخرى، ثم تقدموا يصلون بلا إمام على الصحيح من أقوال أهل العلم، أبو بكر معه فرقة، وعمر معه أناس، والنساء والأطفال والأعراب. قال الشوكاني: " صلّى عليه ﷺ ما يقارب واحداً وثلاثين ألفاً، ودفن ﵊ ". نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم يا خير من دفنت القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

стр. 3989

ماذا بعد رسول الله ﷺ ؟ وذهب ولكنه ما ذهب! أين يذهب وهو يعيش في أبصارنا وأسماعنا، وقلوبنا، وضمائرنا؟! أين يذهب! وقد ترك لنا الحرمين والكتابين والقبلتين والبيعتين والعقبتين؟! أين يذهب، ونحن نصلي فنتذكر قوله: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾؟! أين يذهب، ونحن نحج فنسمع قوله معنا في كل مكان: ﴿خذوا عني مناسككم﴾؟! أين يذهب، وهو يعيش معنا في تقليم الأظافر بسنته، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، في تقصير الثوب، والخلق، والتعامل، والصدق، والأمانة، والوضوح، والبر، والعطاء، والعفاف، والزهد، والورع فأين يذهب? أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرر تذوب شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبر قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 3990

حقوقه علينا ﷺ حقوقه علينا أربعة: أولاً: أن نكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ . ثانياً: أن نعمل بسنته في كل جزئية من جزئيات الحياة، قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء:٦٥]. ثالثاً: أن ننشر دعوته للناس، فنتكلم بها في كل مجلس، وفي كل منتدى. رابعاً: أن نحبه حباً يملك علينا أشواقنا ودموعنا وهمومنا، ويزيل عنا غمومنا، أشد حباً من حب الأقزام للأقزام، والعبيد للأصنام، والعبيد للسادة، أشد مما يحبه الثوريون الخونة لساداتهم الخونة والوطنيون الضائعون لساداتهم الضائعين، شباب الثورة العقيمة، والطليعة الوخيمة، والبعث السقيم، والعلمانية الفاشلة. وأن نحب ذاك أعظم من حب هؤلاء لزعمائهم، زعماء الدمار والعار، والذبح والاستعباد والاستخذا، والهلاك والتبجح، أما ذاك فحقه علينا أن يسري حبه في الدم، في كل ذرة. طه إذا ثار إنشادي فإن أبي حسان أخباره في الشعر أخباري يا صاحب المثل العليا وهل حملت روح الرسالات إلا روح مختار اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الأبرار، واجمعنا بهم في دار الكرامة، اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه. اللهم اهدنا سبلنا، ووفقنا لكل خير، اللهم ولي علينا خيارنا! اللهم تقبل منا حجنا وعمرتنا وأعمالنا، وكفر عنا سيئاتنا، اللهم ألحقنا برسولنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، اللهم بلغنا شفاعته، وثبتنا على رسالته، واسقنا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبداً، وأرنا وجهه، وأجلسنا بجانبه، وبلِّغنا منازلنا في عليين يا رب العالمين! اللهم رد شباب الإسلام إليك رداً جميلاً! اللهم اجعلهم حملةً للرسالة، حفاظاً للعقيدة، أمناء على المبادئ. اللهم بلغهم ما يريدون من الخير والبر والتقوى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3991

العلماء ما لهم وما عليهم تحدث الشيخ عن فضل العلم والعلماء، وعن حق العلماء على الأمة، وحق الأمة على العلماء، فبين أهمية العلم ورفعته، ومكانة العالم، وطاعة العلماء، وبعض آفات العلم. وفصل القول فيما يجب للعلماء وما يجب عليهم، وذكر أن علماء بني إسرائيل لم يقوموا بالوفاء بهذه الحقوق، وكان من نتائج ذلك التحريف في شريعتهم.

стр. 3992

فضل العلم والعلماء الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله يا طلعات الإيمان، ويا أهل الفضل، ويا أهل التوحيد، ويا أهل الحب والطموح. إن حضوركم هذا تأييد للدعوة، ونصرة للإسلام، وحضور تكريم للوافدين إليكم: أصح وأعلى ما سمعناه في الندى من الأثر المعروف منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن الغيث عن كف الأمير تميمِ وأشكر إمام هذا المسجد الشيخ عبد الله السميعي، وأشكر جماعة المسجد، وأشكر كل من حضر وسمع وشارك بقلبه مسيرة العودة إلى الله عزوجل. عنوان المحاضرة: العلماء مالهم وما عليهم، وما أتيت هذه الليلة لأسرد عليكم النصوص في فضل العلم والعلماء، فهي معروفة لديكم، لكني أتيتكم في هذه الساعة، وفي هذه الأيام، وفي هذا الوقت الحرج بالذات؛ لكي نقف جميعاً، يقف العلماء في صف، ونقف نحن شباب الصحوة في صف، ونرى ما هي الحقوق التي تلزمنا للعلماء فنؤديها. دينٌ لعينك عندي ما وفيت به يا طالما كذبت عيني عيناكِ ونقف أمام العلماء لنسألهم حقوقنا، نحن لنا حقوق وديون على العلماء، لكن بعد أن نسلمهم حقوقهم؛ نأخذ حقوقنا، ثم ننفصل في مجلس المصالحة، و ﴿البيعان بالخيار ما لم يتفرقا﴾ فإذا تفرقا فقد وجب البيع. عناصر هذه المحاضرة ثلاثة: أولها: فضل العلم والعلماء. الثاني: ما هو حق العلماء على الأمة. الثالث: ما هو حق الأمة على العلماء. أما فضل العلم: فيكفي من ذلك قول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [[كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل مذلةً أن يتبرأ منه من هو فيه]]. العلم يدعيه كل إنسان، جهلة يدعون أنهم علماء، لشرف العلم، وقال ابن عبد البر: ومن أحسن الكلام ما قال علي بن أبي طالب: [[قيمة كل امرئٍ ما يحسنه]]؛ فقيمتك المعلومات التي في ذهنك إذا اتقيت الله وعملت بها، وقيمة المرء ليست بجسمه ولا بوزنه ولا بلحمه ولا بشحمه إنما هي بالفضل الذي يحمله، وبالمواثيق التي لله عليه إذا عمل بها. يقول سبحانه وهو يستشهد على ألوهيته: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] والشاهد هنا ﴿َ أُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] قال ابن كثير في تفسيره: وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وأيُّ خصوصية أن يجعلهم الله معه ومع ملائكته يشهدون بألوهيته، فلقد ميزهم عن الناس لفضلهم ولمكانتهم. قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] بعدما ذكر الله الآيات الكونية، والشرعية، وذكر ما للعلماء من منزلة، قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ومفهوم المخالفة في الآية: أن غير العلماء لا يخشون الله. ووجد في العلم التجريبي التكنولوجي، والعلم الطبيعي المادي، أن أكثر الناس عودة إلى الإسلام من نبغ في هذا العلم، الذين ألفوا كتاب: الله يتجلى في عصر العلم؛ من العلماء البارزين أسلموا وأعلنوا إسلامهم، وهم جماعة من الأمريكان، وكثير منهم أعلن إسلامه مثل: كريسي موريسون، وأظن أن أليكسيس كارل صاحب كتاب: الإنسان لا يقوم وحده أعلن إسلامه؛ لأنه تعمق في حياة الإنسان.

стр. 3993

العالم المثالي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. والجواب مسكوت عنه، وتقديره: أنهم لا يستوون، وأن العلماء أفضل، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] لا يفهم الآيات البينات، ولا يعقل مقاصد الأمور ولا تأويل الحوادث إلا أهل العلم. ويقول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ثم يقول سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. ولسنا بحاجة يا شباب الصحوة! ويا أبطال التوحيد! ويا حملة الرسالة! لسنا بحاجة إلى أناس يحفظون النصوص، ثم لا يكون لها أثر في واقعهم، وحياتهم، وسلوكهم، وأمتهم، كما سيأتي في العناصر المقبلة إن شاء الله. حاجتنا إلى عالم يمشي قرآناً على الأرض، يقول سبحانه للرسول ﵊، وهو في أول الطريق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] قال البخاري في صحيحه: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، أمة متعلمة. هل العلم في الإسلام إلا فريضة وهل أمة سادت بغير التعلم من الذي فتح منائر العقل؟! من الذي خاطب الضمير بالعلم إلا محمد ﵊؟! لما ثار الفرنسيون على الكنيسة عام (١٨٨٧م)؛ كان سبب ذلك: أن الكنيسة كانت تحارب العلم، كانوا إذا اكتشف مكتشف علماً ذبحوه، أو اخترع مخترع جهازاً؛ قتلوه وشنقوه، وظنوا أن كل دين سوف يحارب العلم حتى الإسلام، ففصلوا بين الإسلام وحياة الناس، وهذا خطأ، والله عزوجل يقول للرسول ﵊: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] لم يطالبه بالتزود من شيء إلا من العلم. هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردت وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددت وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإِيمَان﴾ [القصص:٨٠] يوجد في الساحة علم بلا إيمان، عندنا دكاترة يحملون رسالة الدكتوراه، لكن لا يصلون الفجر في جماعة!! وعندنا دكاترة قطعوا أرحامهم، ودكاترة استهزءوا بالدين، ودكاترة تهجموا على شباب الصحوة والملتزمين، ودكاترة تجرءوا على اقتحام الشريعة!! أين العلم؟!! ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا مشيت القهقرى وخبطت عشوى لعمرك لو وصلت لما رجعتا وإذا لم يصل الأستاذ إلى اليقين، كيف يستمر؟ ولذلك يقول الناظم: لعلك يا أستاذ ما زرت أحمدا رسول الهدى المبعوث من خير هاشمِ فوالله لو قد زرته الدهر مرة لما كنت نهباً للقصور القشاعمِ لما انفصل العلم عن الإيمان، صار العلم طاغوتاً يُعبد من دون الله. نشرت جريدة الهدف قبل اجتياح الكويت في افتتاحيتها مقالاً تقول: امرأة فنزولية تلد كلباً، ووجد أنه صحيح، عقموا المرأة بمني كلب!! وهل هذا يجوز في الإسلام؟ إنه حرام بالإجماع!! لكنهم ما سألوا الإيمان، عندهم علم، فاخترعوا وتطورا وتقدموا لكن ما ضبطوه بالإيمان، والله تعالى يشترط في العالم أن يكون مؤمناً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦].

стр. 3994

غيث الرسالة أيها الفضلاء! يقول ﵊، وهو يصف رسالته، ودعوته، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾. أي أسلوب؟! وأي فصاحة؟! وأي إبداع؟! قال: الهدى والعلم، لماذا؟ أليس العلم هدى؟ بلى. أليس الهدى علم؟ بلى. لماذا فصل العلم عن الهدى؟ لأن العلم هو العلم النافع كما قال ابن تيمية، والعمل: هو العمل الصالح. ﴿كمثل الغيث﴾ وقال الغيث لمعنيين: الأول: أن الغيث صافٍ من السماء، ينزل على القلوب. والثاني: أن الغيث فيه غوثٌ للأرواح، فرسالته ﵊ كالغيث للأرواح. أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ أنا وأنت، وأبي وأبوك، وجدي وجدك، كنا رعاة إبل وغنم، حتى أتى محمدٌ ﵊، فقال: استيقظوا فاستيقظنا، وقال: افتحوا الدنيا بلا إله إلا الله فكبرنا وفتحنا بالعلم، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولكن فجر حصائل العقول بمفاتيح العلم، فسرت في غياهب الدياجير تبني بدوراً في سماء الفضل. وفي الصحيح عن معاوية ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ومفهوم المخالفة، وهو ليس حجة عند الأحناف، لكن مفهوم المخالفة حجة عند الجمهور: أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين. أنت الآن تجد العلمانيين عنده شهادة دكتوراه في هندسة التربة، وعنده دكتوراه في مرض الدوسنتاريا في البقر، وعنده دكتوراه في السرطان في الحمير، لكن لا يعرف الوضوء ولا التيمم ولا المسح على الخفين، لماذا؟ لأن الله ما أراد به خيراً، فهو يفقه كل شيء إلا الإسلام، موسوعةٌ في كل شيء إلا في صحيح البخاري وصحيح مسلم والفقه والتفسير؛ لأنه يعلم علماً ظاهراً ولا يعلم علماً باطناً. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾. يا أيها الإخوة! ما هو ميراثه ﵊؟ أين قصوره؟ أين دوره؟ كفاك عن كل قصرٍ شاهق عمد بيتٌ من الطين أو كهفٌ من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهيٍ من الأكلات والأدم صففت مائدة للروح مطعمها عذبٌ من الذكر أو هديٌ من الكلم نقف وهذه الليلة الخالدة نحن والعلماء أمام الله، ثم أمام الناس، ثم أمام البلاد، لنسألهم هل أنقصنا من حقهم شيئاً؟ ونسأل حقنا عندهم؟ ولعل الله أن يؤلف بين الشبيبة والرواد، وبين الرواد والشبيبة ليصلح الحال.

стр. 3995

رفعة منزلة العلماء والعلم من فضله يرفع الفقير، ويعلي المسكين، ويجعل المولى سيداً، فهذا عطاء بن أبي رباح مفتي الدنيا، نادى سليمان بن عبد الملك: لا يفتي في المواسم إلا عطاء بن أبي رباح؛ كان عبداً، أشلَّ، أفطس، ضعيف البنية، هزيلاً، أحنف، لكن حمل علماً! فكان الخلفاء والأمراء يأخذون طريقهم في الدور ليسألوه سؤالاً. وكان ابن أبي الجعد مولىً عند سيده، فأعتقه، وقال له سيده: ما أعتقتك حباً فيك، لكنك لا تحسن تجارة، ولا نساجةً، ولا خشابةً، فعليك بالعلم، قال: فطلبت العلم، فاستأذن عليَّ أمير المدينة أن يزورني بعد سنة فما أذنت له. كان مشغولاً، طرق عليه الباب أن يأذن له، فما أذن له. لماذا رُصِدَ لـ ابن تيمية هذا الرصد العالمي الهائل، فقد ألف فيه أكثر من أربعين كتاباً من الغرب، أما الشرق فمئات الكتب، لماذا رصد له؟ ألمنصبه؟ لا. ليس معه منصب! ما تولى ابن تيمية منصباً أبداً. ألتجارته؟ ما عنده إلا ثوب وكسرة خبز. ألأسرته؟ لا. أسرته لا تستطيع تحميه. لكن للعلم الذي حمله، وللعمل الذي قام به، والإنتاج الهائل الذي قدمه للأمة عليه رضوان الله. تقدم شاعراً فيهم خطيباً ولولاه لما ركبوا وراءه هذه بعض اللمحات. يسجن الإمام أحمد من أجل فتنة القول بخلق القرآن، يأبى ذلك ويرفض فتبقى الأمة في الشوارع وتملأ سكك بغداد. يقول الخليفة للناس: ادخلوا البيوت؟ قالوا: لا ندخل البيوت والإمام أحمد في السجن. قال: أنصتوا؟ قالوا: لا ننصت حتى نسمع أحمد. أخرج المعتصم جيشاً يطوقُ الطرقات، وأعلن حالة استنفار في جيشه الذي حطم به الروم، وهزم به أهل عمورية، وأحرق المدن، يريد أن يطوق هذا الهيجان الإيماني فيأبون، يقولون: نريد أن نسمع كلام أحمد أولاً. يا عباد الله! قالوا: عباد الله حتى نسمع كلام أحمد، فيقول أحمد الكلمة فتخرج الأمة معه، وينتصر الحق، ويثبت المنهج الرباني، ويكون الرصيد العالمي للإمام أحمد أنه رجل عامة، كما سأذكر ذلك إن شاء الله. يقول الشاطبي في الاعتصام: وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا. فهم أهل الاجتهاد، وهم أولو الأمر، وهم أهل الريادة والقيادة العلمية، ولا عبرة بغيرهم. وقال ابن تيمية في كتاب الفتاوى (٤/ ٩٧): وعيب المنافقين للعلماء -كالعلمانيين- بما جاء به الرسول ﷺ قديم، من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ ، وأما أهل العلم، فكانوا يقولون: هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم. وهناك حديثٌ في الأبدال لكني إلى الآن أتتبع طرقه ولم أرَ أنه صحيحٌ ولو أن بعض المحدثين المتأخرين يصححونه، لكن الأبدال هم أبدال الأنبياء الذين يخلفونهم في حمل الرسالة، وحمل العقيدة، وتقديمها للأمة هؤلاء هم الأبدال. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٩): فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء؛ بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب.
следующие страницы →