Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ
وأما كثرة الصلاة والسلام عليه، ﵊ فهذا أمر واجب في بعض المواقف، ومسنون في مواقف، فأما وجوبه ففي التشهد الأول في الصحيح وفي التشهد الثاني على الصحيح وهو قول طائفة من أهل العلم، منهم: القاضي عياض الأندلسي، ورجحه كثير من محققي العصر كـ الألباني، وفي أحاديث صحيحه، في التشهد الثاني، تدل على أنه واجب.
وأما المسنون فهو ما سوى ذلك كخطب الجمعة، وبعضهم أوجبها كما في رواية عن الحنابلة، وكالمناسبات التي ذكرها ابن القيم وهي خمس وثلاثون مناسبة ذكرها في جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ .
وورد في الترمذي أن أبي بن كعب سيد القراء قال: ﴿يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: من دعائي- قال: ما شئت، قال: أجعل لك الثلث؟ قال: ما شئت وإن زدت فأحسن، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فأحسن، قال: أجعل لك دعائي كله، فقال ﷺ : إذاً يغفر ذنبك وتكفى همك﴾ فكان أُبيّ ﵁ يجعل الدعاء، الذي يدعو به لنفسه ولأهله ولأولاده يجعله خالصاً كله لرسول الله ﷺ ، ولذلك كفاه الله همه وغفر الله له ذنبه بهذا العمل العظيم، الذي قدمه للرسول ﷺ ، وبلغ الجهد ببعض علماء الإسلام، أنهم كان يصلون على الرسول ﷺ ، في اليوم مئات المرات، وقرأت لـ محمد الحامد، علامة حماة، الشامي المجاهد الكبير، أنه كان يصلي على الرسول ﷺ في اليوم ألف مرة، لا تفوته أبداً، وفاتته مرة لما تعالج فقضاها في الليل ولما انتهى من ورده مات ﵀ رحمة واسعة، ولذلك يقول علي ﵁: [[والله لولا ما ذكر الله ورسوله في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، لجعلت كل أنفاسي صلاة على رسول الله ﷺ ]].
فالأروع والأجزل في حياة المسلم أن يكثر دائماً وأبداً من الصلاة والسلام على الرسول ﷺ .
وذكر ابن القيم المواضع التي يصلى ويسلم عليه ﷺ فيها، منها: دخول المسجد والخروج منه، والتشهد، ورؤية المساجد، ودخول الأسواق، ودخول البيت والخروج من البيت، ونسيان الحاجة، وفي وقت الفقر، وفي البداية في العلم، وفي البداية في الخطب، والانتهاء من مجالس العلم، وفي لقاء الإخوان والأحباب، وفي موادعتهم ومفارقتهم، وفي مدارسة الحديث النبوي، وعند تذكره ﷺ ، وعند ذكر أصحابه، وعند ذكر شيء من مآثره، وعند دخول المدينة، وعند المرور على قبره ﷺ إلى تلك المواضع العظيمة، التي من حفظها وحافظ عليها أجزل الله مثوبته، ورفع درجته، وكثر أجره، فإن الله يعطي العطاء الجم، خاصة إذا كان المحب عظيماً عنده وهو الذي أوصل لنا الهداية، وعرفنا بربه ﵎، ونصحنا أجل النصيحة، وأرشدنا أعظم الإرشاد، وهدانا أكمل الهداية فعليه أفضل الصلاة والسلام، دائماً وأبداً ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون.
стр. 4832
توقيره وتقديره ﵊
أما اللازم الثالث من لوازم حبه ﷺ هو: توقيره وتقديره، فأهل السبق في ذلك وأهل القدح المعلى هم أصحاب محمد ﷺ ، بل بلغوا من الروعة والتقدير والإجلال، ما لم يبلغه أصحاب نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عنهم مما يؤثر عن أبي بكر أنه لما تولى الخلافة، كان يسمى خليفة رسول الله ﷺ ، [[فكان كلما سمع رجلاً يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ ! بكى؛ لأنه يتذكر الرسول ﷺ ]] وأُثر: [[أنه لما حج مر بامرأة من أهل يحمس في منى، وكانت في خيمة فلما رأته قالت: من أنت؟ قال: أنا أبو بكر، فقالت: السلام عليك يا خليفة رسول الله! فبكى ﵁ بين الصحابة]] والسبب في البكاء، قالوا: لأنها ذكرته بالرسول ﷺ .
ويؤثر عنه كما في كتاب المسند للإمام أحمد: ﴿أنه كان إذا رقى المنبر يوم الجمعة، وذكر الرسول ﷺ يبكي ﵁، وربما يكاد يغشى عليه، حتى قال يوم تكلم: سمعت رسول الله العام الأول فبكى، ثم جعل وجهه على المنبر ﵁، ثم رفع رأسه فقال: سمعت رسول الله ﷺ العام الأول فبكى، ثم رفع رأسه، ثم قال: سمعت الرسول ﷺ العام الأول يقول: أيها الناس! اسألوا الله العفو والعافية، فما أوتي مسلم بعد اليقين أحب من العفو والعافية -أو خير من العفو والعافية-﴾.
стр. 4833
نماذج من محبة الرسول وطاعته
فـ أبو بكر من أكثر الناس إجلالاً للرسول ﷺ وهذا لازم الحب، وبعد عرض هذه النماذج، أذكر ماذا ينبغي، وما يجب علينا أن نفعله في هذا الباب، ومن أحسن ما ألف في ذلك الجانب، دلائل النبوة للعلامة البيهقي، وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وسوف أذكر منه نماذج إن شاء الله، أما عمر ﵁ فقد ورد عنه في السيرة وفي التراجم: أنه خرج يوم الجمعة ﵁ وأرضاه يصلي بالناس فلبس بردته البيضاء، فلما مر بميزاب العباس بن عبد المطلب؛ وذاك الميزاب كان يقطر بماء فيه دم؛ لأن العباس ذبح دجاجاً فوق السطح فأخذ هذا الميزاب يقطر الدم والماء، فوقع على بردة عمر وهو يريد الصلاة، فاقتلع الميزاب بدرته ﵁، فأوقعه في الأرض، ثم عاد فغير ثيابه، فصلى بالناس فلما خرج العباس قال: من أزال الميزاب؟ فقال عمر: أنا أزلته، لماذا تؤذي الناس بهذا؟ قال العباس: والله الذي لا إله إلا هو ما وضعه في ذاك المكان إلا رسول الله ﷺ بيده، فبكى عمر وهو واقف مع الصحابة وقال: والله لا يعيده إلا أنت، والله لا تعيده إلا بعد أن تصعد على ظهري، فجلس ﵁ والناس وقوف بعد صلاة الجمعة فجلس عمر على الأرض كالمحتبي ثم قام على أكتافه العباس فرد الميزاب إلى مكانه؛ إجلالاً لأمر رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي وضع ذلك الميزاب مكانه.
هذا وارد عن عمر ﵁، وهذا شيء بسيط في جانب التوقير والتقدير من الصحابة والتابعين للرسول ﷺ .
وهذا عبد الله بن رواحة ﵁ لما سمع النبي ﷺ قال: ﴿اجلسوا -وهو في الشمس في الطريق- فجلس مكانه، فمر به صحابي فقال: مالك يا ابن رواحة؟ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: اجلسوا، فما كان لي أن أخطو خطوة فجلست مكاني، فجلس في الطريق وفي الشمس امتثالاً لأمره ﵊﴾ وهذا هو المطلوب منا، هذه العقيدة، وأي عقيدة وإيمان وإسلام ليس فيه هذا الامتثال ولا هذا التوقير، ولا هذا التقدير فليست بعقيدة وليس بمقبول أبداً.
والمذكور عن سعيد بن المسيب وهو الرجل الذي مر معنا ﵁ وأرضاه أنه كان في مرض الموت، فلما حضر الموت، سأله سائل عن معنى حديث، فقال: اسندوني، فقالوا يشق عليك ذلك، فقال: والله لا يسأل عن حديث من حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع والله لا بد من إسنادي فأسندوه، ثم قال: أضجعوني فأضجعوه فتوفي ﵁.
كل ذلك احتراماً للرسول ﷺ أن يذكر حديثه وهو مضطجع، بل أسندوه توقيراً لحديث الرسول ﷺ .
وكان ابن المبارك يمشي فسئل عن حديث، فقال: [[لا أجيب على الحديث؛ لأن من توقير الرسول ﷺ وتقديره وتعظيمه وتبجليه، ألا نجيب عن حديثه ونحن نمشي]] هذا كله في جانب الإجلال.
وأورد ابن تيمية في فتاويه لما تعرض لجانب الرسول ﷺ نماذج كثيرة من إجلال التابعين والسلف الصالح للرسول ﷺ .
وذكر لـ جعفر بن محمد الصادق من ذرية علي ﵁: أنه كان إذا ذكر الرسول ﷺ تغير وجهه واحمر حتى يشق على أصحابه، فيقولون مالك؟ قال: أيذكر عندي رسول الله ﷺ ولا أتغير.
كل ذلك إجلالاً له ﷺ ، والإمام مالك من أكثر الناس توقيراً له ﷺ وتقديراً، حتى أنه حلف وأقسم بالله لا يركب دابة في المدينة أبداً، يقول: مدينة فيها رسول الله ﷺ مدفون، لا أركب دابة أبداً، وكان إذا قرب من المسجد يرفع حذاءه ويمشي حافياً، وكثير من العلماء إذا هبطوا في المدينة أو نزلوا المدينة، رفعوا الأحذية من أقدامهم ومشوا حفاة ومنهم بعض المحدثين: كـ ابن إدريس العراقي كان يبكي إذا نزل المدينة ويقول:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
كله من أجل الرسول ﷺ .
قال ابن المبارك ﵀: دخلت المدينة، فوجدت مالكاً مكثور عليه، قال: فأتيت فجلست في حلقته وهو يقرأ في الموطأ، قال: فتغير وجهه ثلاث عشرة مرة، يحمر ثم يعود ثم يحمر ثم يعود، فلما انتهى من درسه قلت: ما لك يا أبا عبد الله؟ قال: انظر لدغتني عقرب ثلاث عشرة مرة، ثم رفع ثوبه فرأيت اللدغة في رجله ﵁، قلت: مالك ما قطعت الحديث؟ قال: أقطع حديث حبيبي رسول الله ﷺ من أجل نفسي لا والله!! قال: ثم تفل في يده وقرأ الفاتحة ومسح رجله فكأن ما به شيء رضي عنه وأرضاه.
ويؤثر عن الإمام مالك أنه كان يرى الرسول ﷺ كل ليلة إلا ليلة واحدة؛ لكثرة توقير الإمام مالك لرسول الله ﷺ وتبجيله له ﷺ .
ومن حسنات معاوية بن أبي سفيان، وهو كما تعرفون خال المؤمنين، وكاتب وحي الرسول ﷺ ، أنه لما حضرته الوفاة، قال: [[أيها الناس! ما عندي من العمل والله ما أعتد به عند الله، إلا شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا أنا مت فخذوا أظفار رسول الله ﷺ ، وشيء من شعره في ديواني -مكان الخليفة- واجعلوها في أنفي واجعلوها في عيني علَّ الله أن يرحمني بها، ففعلوا ذلك]].
فنسأل الله أن يرحمه بذلك وأن يرضى عنه، وهذه من حسناته العظيمة التي يعتد بها عند الله .
وعمر ﵁ كان في الحج يطوف، فلما انتهى من طوافه أتاه أعرابي فقال: يا أبا حفص! هل لي أن أسعى قبل أن أطوف؟ قال: لا.
طف ثم اسع، وكان في عهد الرسول ﷺ ، قال الأعرابي -وهو لا يعرف شيئاً يقول الله عنهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧]- قال: والله لقد سألت رسول الله ﷺ فأجاب بمثل ما أجبتني، قال عمر: خررت من يديك قاتلك الله، تستفتني وقد أفتاك الرسول ﷺ .
ولذلك في هذا الجانب قد يعذر الجاهل، لكن العالم، أو طالب العلم، أو من عنده شيء من فهم وإيمان فإنه لا يعذر أبداً، لمصادمة حديث الرسول ﷺ مع آراء غيره من الناس مهما بلغوا أبداً، فإنه لا ينبغي ولا يجوز، وليس بوارد أن تعارض بين رأي رسول الله ﷺ ، أو بين قوله، وبين حكم أحد من الناس، مهما كان، ولذلك يقول العالم الأول المحدث:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان
وهذا من كلام ابن القيم.
وقال غيره:
العلم ما قيل فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
فالعلم هو المأخوذ والمستفاد والمستنبط من كتاب الله ، ومن سنة الرسول ﷺ ، وهذا يأتي في الفقرة الثانية، ولكن قدمته لقصة عمر ولا غرو أن يفعله الأعراب فإنهم فعلوا أعجب من ذلك مع الرسول ﷺ : ﴿أتى أعرابي إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ماذا في الجنة؟ قال: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال: يا رسول الله! إني أحب النوق -الإبل- فهل يجعل الله لي نوقاً في الجنة؟ قال: نعم.
ما بذلت ناقة في سبيل الله إلا بسبعمائة ناقة في الجنة، فالتفت إلى الأنصار فقال: يا رسول الله! إن الأنصار يحبون زراعة النخل، أينبت الله لهم نخلاً وزراعة في الجنة؟ فتبسم الرسول ﷺ ، وقال: أي نعم.
قال: يا رسول! ماذا تخاف عليَّ؟ قال: أخاف عليك من فتنة المسيح الدجال، قال: وما هذا المسيح الدجال؟ قال ﷺ : رجل أعور يضلل الناس، يعطيهم طعاماً ويوكلهم، وله جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، قال: ما طعامه يا رسول الله؟ قال: طعامه الثريد؛ -الخبز باللحم- قال الأعرابي: والله لآكلن حتى أتضلع من طعامه، ثم لأكفرن به وأصدق بالله ، فتبسم ﷺ ، والتفت إلى أصحابه من جرأة هذا الأعرابي﴾ ولذلك كانوا مباشرة يردون على الرسول ﷺ وهو جالس، فيقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أتاه أعرابي فقال ﷺ : ﴿ماذا تقول في الصلاة بعد التحيات؟ قال: أقول اللهم اغفر لي وارحمني وأسأل الله الجنة وأستعيذ من النار، أما دندنتك ودندنة معاذ فما أحسنها﴾.
لأن معاذاً كان إماماً في ناحية من نواحي المدينة، وكان ﷺ إماماً في المدينة، فيقول: كثرة الدعاء الذي تأتي به أنت ومعاذ أنا لا أعرفه، ولا أعرف إلا هذا، فقال ﷺ : ﴿ما تركت شيئاً من الخير﴾ أو كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهؤلاء يعذرون في جانب الجهل، ولذلك كما قال ﷺ في سنن أبي داود: ﴿من بدا جفا﴾ أي: من ظهر ومن لم يساكن الناس ويخالط الأخيار والأبرار ويزورهم أتاه الجفاء، ولذلك في كتاب الإمام البخاري كتاب الأدب المفرد وسنده حسن يقول ﷺ : ﴿يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فساكن الكفور كساكن القبور﴾ قال الإمام أحمد: "الكفور: القرى والبوادي".
ولذلك تجدهم من أقل الناس علماً، وفهماً، واستنباطاً، فالمقصود: أن من سكن في قرية فعليه أن يوجههم، وأن يعلمهم، وأن يرشدهم فإنهم من أقل الناس علماً، ومن أقلهم هداية ونوراً وبصيرةً، بخلاف أهل المدن، فإن فيهم الأخيار والأبرار وطلبة العلم، والدعاة المؤمنين، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرة الصالحين.
стр. 4834
تقديم قوله ﷺ على قول غيره
الأمر الرابع من لوازم الحب: تقديم قوله ﷺ على قول غيره، ثبت في صحيح مسلم وفي غيره من كتب الحديث: ﴿أن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله -وفي لفظ: لا تمنعوا النساء المساجد، وفي لفظ وهو لفظ الصحيح: إذا استأذنت امرأة أحدكم لتصلي في المسجد فلا يمنعها- فقام ولده بلال وكان عنده زوجة وقال: والله لنمنعهن أن يتخذن المساجد دخلاً -الدخل أي: المفسدة، أو كما قال- فغضب ابن عمر فسبه وجدعه وشتمه وقال: والله لا أكلمك فترة الحياة، أو قال: لا أكلمك حتى ألقى الله، فاستمر ابن عمر هكذا حتى تدخل كثير من الصحابة، ومن أولاد الصحابة عله يراضي ابنه، أو يعود إلى ابنه، فرفض أبداً، حتى أنه في مرض الموت ﵁، أتاه ابنه بلال وهو صالح، وفيه خير لكن زلت منه تلك البادرة السيئة فكان يسترضي أباه، فكلما أتى أباه من جانب، حول أبوه وجهه إلى الجانب الآخر، ثم مات ولم يكلمه أبداً﴾؛ لأنه عارض أمر الرسول ﷺ ، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد للصلاة فلا يمنعها﴾ أو: ﴿لا تمنعوا إماء الله مساجد الله﴾ فأعرض عن ذلك وهو مجتهد مخطئ، متأول في ذلك الباب؛ لأنه رأى المفسدة في إجابة طلبهن والمصلحة في منعهن، فأراد من هذا الجانب، أن يمنع، وقصده صحيح لكنه أخطأ في رد الحديث، فمنعه أبوه من الكلام وهجره حتى مات، ولذلك يقول الإمام مالك: "كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ ويشير إلى قبر الرسول ﷺ ".
فكل أحد لك أن ترد عليه، ولك أن تستدرك وتحتج عليه، ولك أن تؤول كلامه، إلا الرسول ﷺ فليس لك ذلك أبداً، ولا يجوز ولا ينبغي وليس بوارد.
ويقول الإمام الشافعي: "إذا وافق كلامي كلام رسول الله ﷺ فخذوه، وإن عارض فخذوا كلام رسول الله ﷺ واضربوا بكلامي عرض الحائط".
والأوزاعي يقول: "ما أتاك من الرسول ﷺ فهو العلم، وما أتاك من غيره فألقه في الحش".
الحش: بيت الخلاء، وهذه مقولة مأثورة عن الإمام الأوزاعي، وصحيحة السند إليه.
وهذه مسألة ينبغي أن يتنبه إليها خاصة من يطلب العلم، أو من يريد عبادة الله على بصيرة، أو من يريد مطالعة كتب السنة، خاصة الفقه الإسلامي، فإنه ينبغي أن يعول على الدليل، فعلم بلا دليل إنما هو إنشاء وتعبير، وإنما هو مجرد كلام، لكن المطلوب أن تقرن كل مسألة بدليل، يقول ابن تيمية في الفتاوى: "على طالب العلم أن يسند كلامه إلى دليل، من المعصوم ﷺ وأن يعتصم به، فإذا استقر في ذهنه أن هذا كلام الرسول ﷺ ، وأن هذا هو المراد من كلامه ﷺ "، فلا ينبغي أبداً أن يعول على كلام غيره مهما كان.
ولذلك فالفقهاء رضوان الله عليهم، إنما استنبطوا وأرادوا توضيح بعض المسائل، والشرح والبسط، وما أرادوا أن يشرعوا، الذي يشرع هو محمد ﷺ ، والفقهاء كلهم ينادون - أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك رضوان الله عليهم- ينادون، باتباع السنة، لكن كذلك نستضيء بأقوالهم ونستفيد من استنباطاتهم في بعض المسائل الشائكة، أما أن نأخذ كلامهم بدون دليل، أو بدون مستند من آية أو حديث، فهذا ليس بصحيح وليس بعلم وهذا منهج خاطئ وغلط، فليتنبه الإنسان وليقرن بين الحديث والفقه في استنباط المسائل وفي عبادة الله ، وفي استخراج الفوائد.
ومن أحسن مناهج العلماء في ذلك، منهج ابن تيمية المجدد الكبير شيخ الإسلام، فإنه قرن بين الدليل وبين الفقه، ومنهج ابن القيم، ومنهج النووي وغيرهم من العلماء وابن كثير رضوان الله عليهم وأرضاهم، أما الذين يريدون أن يجعلوا هناك تقيداً بمذهب دون النظر إلى الأقوال الراجحة، أو الأدلة، أو الأقوال المعارضة، أو الناسخ والمنسوخ فهذا ليس بصحيح، فليتنبه له.
هذه لوازم حبه ﷺ .
стр. 4835
أسباب زيادة حبه ﷺ
أما أسباب حبه عليه أفضل الصلاة والسلام: فإنها تأتي بأمور قد تجمع في أربع كما قال بعض أهل العلم، أربعة أمور تتسبب في زيادة حبه ﷺ في القلوب، وتجعل المسلم كثير الحب له ﷺ .
стр. 4836
السبب الأول: تذكر المنة بإرساله ﷺ
تذكر منة الله على الناس بإرساله ﷺ ، فمن نحن لولا الله سبحانه ثم إرسال رسوله ﷺ ، ومن نحن لولا أن الله أمدنا بهذا الرسول ﷺ ، ومن نكون؟ وماذا عسى أن نفعل في الحياة لولا أن الله ابتعث منا خيرنا وأشرفنا، وسيدنا، وأكرمنا، وأفصحنا, وأعلمنا، وأتقانا لربه فهدانا إلى الله، ومن نحن إذاً؟ كنا أعراباً رعاة الشاة لا نعرف شيئاً، كان العرب في تلك الفترة يزنون، ويشربون الخمر، ويسجدون للحجارة، ويأكلون الجعلان، وتضحك منهم الأمم، في جوع لا يعلمه إلا الله، وفي فقر وذلة، ومهانة، وفرقة، وشحناء وحقد، وحسد، وفي جاهلية جهلاء، فلما أراد الله أن يرفع رايتهم، وأن يعلي حظهم، وأن يجعلهم سادة للأمم، وأن يجعلهم من أهل الجنة، وأن يرفع منزلتهم عنده، وأن يجعل منهم الصديقين، والشهداء، والصالحين والعلماء والأخيار؛ ابتعث الله محمداً ﷺ ، فهداهم إلى الله ، فأول سبب يمكن أن نحب به الرسول ﷺ : أن نتلمح المنة بإرساله عليه أفضل الصلاة والسلام، نتذكر هذا الفيض الإلهي العظيم الذي أمدنا الله به، وجعلنا من خير أمة بسبب رسالته ﷺ .
يقول البوصيري:
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
فأكرم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، وأكرم الأمم أمته عليه أفضل الصلاة والسلام، حتى أنه يروى في بعض التفاسير: أن موسى ﵇ لما رأى ما أعد الله لأمة محمد قال في الأخير: "يا رب! اجعلني من أمة محمد ﷺ ".
ومصداق ذلك: ما ثبت أن الرسول ﷺ يقول: ﴿والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي﴾ فلو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباع محمد ﷺ .
стр. 4837
السبب الثاني: تتبع خصال الخير فيه ﷺ
استقراء ومطالعة خصال الخير التي جعلها الله في الرسول ﷺ ، والتفكر فيما جعل الله فيه من المواهب، ومن الخصال الخيرة، والخصال الحميدة التي لم ينازعه ولم يشاكله فيها أحد أبداً، فهو كامل في كل وصف ﵊، ويأتي هذا الاستقراء بتدبر كتاب الله ، وبتدبر سنته ﷺ ، وبقراءة السيرة النبوية قراءة مكثفة، والاهتمام بها؛ لأنها من أهم العلوم، فإذا قرأ المسلم ذلك، وحاول أن يتدبر وأن يتفكر، رزقه الله سبباً وزيادة في المحبة تربو على أي وصف؟!
فالأمر الثاني: استقراء خصال الخير فيه ﷺ ، الكرم، والشجاعة، والصبر، والحلم، والأناة والتواضع، الخصال التي فوق مئات الخصال والتي جعلها الله فيه وجمعها له، ولم يجمعها لأحد غيره.
стр. 4838
السبب الثالث: النظر في رحمته ﵊
النظر في يسره ورحمته وشفقته عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا يدخل في الثاني لكنه ينفصل عنه للاهتمام وتستقرأ في كل باب من أبواب الفقه، وفي كل باب من أبواب السيرة، النظر في يسره ورحمته وشفقته عليه أفضل الصلاة والسلام، تقرأ في باب الوضوء وتجد من اليسر والسهولة في سيرته ﷺ ، وكذلك في باب الصلاة وباب الزكاة وباب الصيام، وباب الحج، والتعامل مع الناس، والبيع والشراء، وكل أمر من الأمور تقرأ اليسر والسهولة، والشفقة والرحمة على الأمة حتى قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فما دام أن الله زكاه، ووصفه باليسر والسهولة، وقال: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] وقال: (طه) * ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] فإنه ﷺ هو أول من أتى باليسر للأمم ورفع الآصار والأغلال التي كانت على الناس، ولذلك يقول السيد قطب ﵀ رحمة واسعة في المجلد السادس في كتابه ظلال القرآن في سورة سبح، لما قال سبحانه: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨].
سال قلمه في هذا الموضع، قال: "اليسرى في التفكير واليسر في القول والعمل، واليسر في تناول الأشياء، واليسر في كل شيء، وفي كل دقيقة من دقائق الحياة".
إلى آخر ما قال، وهو فصل جميل، يجدر بطالب العلم والمؤمن أن يطلع عليه.
стр. 4839
السبب الرابع: أن مقام العبودية لا يتم إلا بحبه ﷺ
من أسباب حبه ﷺ : أن مقام العبودية لا يتم إلا بحبه والاهتداء بهديه وإلا فمقام العبودية ناقص حتى يُحب ﷺ الحب الكامل، هذا السبب الرابع من أسباب حبه ﷺ ، فمن ظن أنه سوف يكون عبداً لله مخلصاً منيباً، ثم لم يكمل حبه ﷺ فليس بصادق وهو كذاب في دعواه، وينبغي أن يكمل عبادة الله بحبه عليه أفضل الصلاة والسلام، ويحصل ذلك: بكثرة الصلاة عليه كما أسلفنا, وبقراءة أخباره، وبقراءة حديثه في المجالس، وتلمح سيرته ﷺ ، ليكون عندك أعظم إنسان: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 4840
سنن وآداب يوم الجمعة
وفيما بقي من الوقت نتذاكر بعض الأحكام التي بقيت معنا من صلاة الجمعة، هذه الأحكام هي سنن وسوف يبقى معنا فصل أخير في صلاة الجمعة، وأسلفنا القول عن ساعة الاستجابة والراجح القول: بأنها في آخر ساعة من يوم الجمعة، وأنه هو القول الراجح فعلى المسلم أن يحرص على تلك الساعة، وتحدثنا عن سورة الكهف، وأن قراءة سورة الكهف في يومها من السنن والحديث في ذلك صحيح.
стр. 4841
استحباب السواك
السواك يوم الجمعة: بعض الظاهرية يوجبونه؛ لظهور الأحاديث في ذلك، والصحيح: أنه سنة؛ لأنه ﷺ قال حديثاً عاماً: ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة﴾ وفي لفظ: ﴿عند كل وضوء﴾.
فالسواك سنة ويتأكد يوم الجمعة، قال ابن القيم: "وله ميزة في ذلك اليوم العظيم -يوم الجمعة- الذي تقوم فيه الساعة، ويحشر فيه الناس ضحى، هذا اليوم العظيم للسواك فيه ميزة".
فأوصي نفسي وإخواني بالاهتمام بهذه الشعيرة العظيمة، والسنة الكريمة وألا يفرط المسلم فيه أبداً، مهما شق عليه فإنه لا مشقة إن شاء الله، وليجتهد دائماً بالسواك مع كل صلاة، ومع كل وضوء، وعند تغير الفم، وهو من شعائر المسلمين وهو من أعظم ما أتانا به ﷺ ، ولذا يقول ﷺ : ﴿السواك مطهرة للفم مرضاةٌ للرب﴾ وخاصة يوم الجمعة، فعلى المسلم أن يعتني به، وأن يكون مستحضر السواك يوم الجمعة، ليتكلم ويذكر الله ، ويقرأ الكتاب وهو على طهارة طيبة وكاملة.
стр. 4842
التطيب ولبس أحسن الثياب
السنة الثانية في يوم الجمعة: مس الطيب، وهو متأكد لحديث سلمان الصحيح: ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل والطيب﴾ وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من اغتسل واستن بما شاء من طيب، وبكر وابتكر ٠٠٠﴾ قال ابن عباس: [[أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري]] لأنه ما بلغ ابن عباس، والطيب متأكد والملائكة تحضر يوم الجمعة ما لا تحضر في غيره، والمسلمون كذلك، فالطيب يُهتم به كثيراً، ويُفضل أن يكون الطيب الذي ليس فيه شائبة ولا شبهة، ولا يتعرض للأطياب التي فيها كحول، وليس الأمر فيها إلا من باب الورع وترك الشبه، وإلا فإنه ليس هناك تحريم قاطع لدليل قاطع؛ لأنه ولو كان فيها نسبة من الخمر أو الكحول فهل هناك دليل على أن الخمر نجس، نتوقف في المسألة وليس هناك قاطع لكن من باب ترك الشبه، والورع أن يترك، وأن يتطيب بالأطياب المباحة، في هذا الباب.
ومع الطيب يلبس أحسن الثياب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
والزينة: أجمل الثياب، وأن يتجمل الإنسان أحسن جمال يوم الجمعة، وأن يعتني بأن يظهر في المظهر اللائق الذي يليق بالمسلمين، وبالمناسبة فإن كثيراً من الناس إذا حضر مناسبة، أو حفلاً، أو زواجاً، أو سفراً، يعتني كثيراً بمظهره وملبسه، ويترك يوم الجمعة، وهذا يدل على عدم حرصه على الخير، وعلى نقصان الأفضلية في قلبه، فعليه أن يتنبه لذلك، ولتكن مقابلة الله سبحانه تعالى أعظم عنده من مقابلة الناس.
стр. 4843
التبكير إلى المسجد
من السنن أن يبكر المسلم لما علم من الحديث الصحيح، وتنزيل الناس على منازل الساعات التي ذكرها ﷺ في الحديث، فليبكر المسلم مهما استطاع، فإنه يحصل الأجر العظيم، وكلما بكر كان أفضل قال ابن مسعود وقد أتى يوم الجمعة وقد سبقه اثنان في المسجد فقال: [[ثالث اثنين في المسجد وما ثالث اثنين ببعيد -وفي لفظ: رابع أربعة]] لأنه أتى الرابع، وقيل: أتى الثالث وقبله اثنان، فليبادر الإنسان وليبكر إلا من شغل يشغله، فإن هذا من الأعذار، لكن يحاول أن يبكر ولذلك فالصحيح: أن الملائكة تكتب الأول في الأول فإذا دخل الإمام طوت الصحف وجلست تستمع الذكر فلا تكتب أحداً بعد دخول الإمام.
стр. 4844
الإنصات للخطبة
ومن السنن بل هي من الواجبات عند كثير من العلماء وهو الصحيح عند الفقهاء المحدثين، الإنصات يوم الجمعة للخطيب؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له﴾ وهذا حديث صحيح.
وحديث: ﴿من لغا فلا جمعة له﴾ عند أبي داود قال الشوكاني: فيه مجهول، لكن يستند بآثار وشواهد واعتبارات تدل على أن له أصلاً، قيل: لا جمعة له كاملة، أو لا جمعة مقبولة ولا صحيحة، ولا يكتب الله له شيئاً، ولأن من لغا ذهبت جمعته، فليتنبه الإنسان لذلك، ولذلك لا يجوز للإنسان يوم الجمعة قياساً على الحصى أن يستاك بالسواك، ولا أن يصلح ملابسه، ولا أن يخرج شيئاً من جيبه يفعل به أمراً ثم يرده، ولا أن يزاول عملاً من الأعمال، إلا أن يكلم الإمام والخطيب في أمر ضروري، أو حدث أمر ضروري لا بد منه كأن يغلبه الدم أو القيء، أو أن يغمى عليه، فهذا من الأعذار التي أجازها الشارع.
стр. 4845
كثرة الصلاة والسلام على الرسول ﷺ
ومن السنن يوم الجمعة: كثرة الصلاة والسلام على الرسول ﷺ فإنه قال: ﴿أكثروا من الصلاة والسلام عليَّ يوم الجمعة وليلتها فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا: يا رسول! كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -أي: بليت وفنيت وذهبت في الأرض- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ هذا من السنن التي ينبغي أن ينبه إليها.
стр. 4846
الأسئلة
стр. 4847
حكم تعليق القرآن على الجدران
السؤال
يوجد في السوق بائع أحذية وقد علق في محله قطعة قماش مكتوب عليها آية الكرسي، وقد مر عليه بعض الناس وأنكروا عليه فعله هذا، فأجابهم: بأنه ما وضعها إلا تعظيماً لها لا استهانة بها، فما حكم ذلك؟
الجواب
حكم ذلك أنه لا يجوز فقد كره هذا الفعل كثير من أهل العلم، وهو أن تعلق الآيات بلوائح وأقمشة إلا في أمر ضروري في أماكن موقرة، كأن يعلق الإنسان آية الكرسي في بيته، هذا ليس فيه نهي والذي أعرفه في هذا الباب أنها جائزة إما للتذكير، أو يحفظها من لا يحفظها، أو تذكر الزائر والضيف في البيت، هذه ما كأن فيها نهي، لكن إذا علقت في مكان يقصد منه الإهانة، فهذا نعوذ بالله منه، إن قصدها قصداً فهو كفر، وإن فعلها جهلاً فهو مذنب، ومخطئ، وجاهل، ويؤدب على ذلك، وينهى، فمثل هذا البائع لا ينبغي أن يفعل ذلك، وينكر عليه، والحق مع من أنكر عليه هذا العمل، لأنه قد ارتكب محذوراً، وآية الكرسي ما وضعت لهذه الأماكن وضعت لبيوت الله ، وللمنابر وللصلوات، ولغيرها من المناسبات الشريفة العظيمة التي أنزلها الله لها، وما بالك إذا كانت آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله ، ورد أن إبراهيم بن أدهم وجد لفظة: بسم الله مرمياً بها في السوق فبكى وهو شاب، فقال: "سبحان الله! اسم الحبيب يوطأ بالأقدام، والله لأرفعنه فطيبه بدرهم ورفعه، فسمع هاتفاً يهتف وهو نائم، قال له: يا من رفع اسمي والله لأرفعن اسمك".
فرفع الله اسمه فأصبح من علماء الأمة، ومن زهادها، وعبادها فرُفع في الدنيا والآخرة.
стр. 4848
الفرق بين المؤمن والمسلم
السؤال
ما الفرق بين المؤمن والمسلم؟
الجواب
هذان إذا اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا، معنى إذا اجتمعا افترقا: أنه إذا ذكر الله أو ذكر الرسول ﷺ ، أو ذكر علماء الإسلام المؤمن والمسلم في موطن واحد معاً فهو بالتفريق، فالمؤمن: القائم بالعمل القلبي الذي يقوم بالأركان الستة التي ذكرها ﷺ ؛ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذا يقصد به المؤمن إذا ذكر مع المسلم، والمسلم إذا ذكر مع المؤمن يقصد به المسلم ظاهراً الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، وقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].
فذكر المؤمن والمسلم هنا للتفريق.
أما إذا افترقا فهما يجتمعان، فإذا ذكر المسلم، فهو المسلم والمؤمن، فلك أن تسمي أمة محمد المسلمين، وهذا وارد، ولك أن تسميهم المؤمنين، وتسمي فلاناً مؤمناً إن شاء الله، وتسميه مسلماً هذا وارد؛ لأن المقصود: أن الإسلام إذا انفصل عن الإيمان أنه يشمل هذه الأعمال الباطنة والظاهرة، وإذا قلت: المؤمن كذلك يشمل العملين، هذا هو السر وهما كلمتان مترادفتان وليستا بمترادفتين مطلقاً بل بينهما اشتراك وتواطؤ كالنفاق والكفر، وكغيرها من الأمور التي نبه عليها بعض أهل العلم.
стр. 4849
متى تكون النصيحة مطلوبة ؟
السؤال
جاء في حديث حق المسلم على المسلم: ﴿وإذا استنصحك فانصح له﴾ فهل يلزم من هذا النصح عند طلب النصيحة، أم في أي وقت؟
الجواب
ظاهر الحديث إذا استنصحك أي: طلب منك النصيحة، استنصاح: استدراج، أي: طلب وهو من أفعال التدرج، الاستفعال يعني: أنه طلب منك النصيحة وقال: انصحني في هذا الأمر، ولكن الأحاديث الأخرى تدل على أن للمؤمن أن ينصح أخاه المؤمن ابتداءً من نفسه بدون أن يطلب منه النصيحة، فهذا في الأمور التي يطلب فيها النصيحة، والأخرى في أمور التعقل التي من الحكمة أن تنصحه فيها، كأن تراه ضالاً منحرفاً، فلك أن تنصحه إذا أخطأ في بعض المسائل، أو تراه مسرفاً على نفسه، أو لا يحسن تربية أولاده، فتنصحه في هذا الباب.
أما أمور الدنيا فإنك لا تنصحه حتى يستنصح لك، فمثلاً: يريد أن يتزوج زوجة فتذهب أنت إليه فتقول: سمعت أنك تريد أن تتزوج فلانة فأنصحك ألا تتزوج فلانة، هذا من النصيحة التي ليست مطلوبة في هذا الباب ولا مقبولة وإنما قال ﷺ : ﴿وإذا استنصحك﴾ ليخرج هذه النصائح الخاصة، أو التي لا تفعل إلا باستدراج، ومثل: أن يشتري السلعة أو يبتاع بيتاً أو كذا، فتذهب إليه وتقول -لأمرٍ الله أعلم به-: لا.
إن بيت فلان فيه كذا وكذا وكذا، فهو لم يطلب منك هذا ولم يسألك ولم يطلب منك النصيحة، أما إذا طلب فلك أن تخبره كالشهادة، أما في الأمور الظاهرة، أو أمور الإسلام، أو أمور الآخرة فإنك تنصح له بدون أن يستنصحك.
стр. 4850
حكم الدعاء بجاه النبي ﷺ
السؤال
بعض الناس إذا دعوا الله فإنهم يدعون بجاه محمد ﷺ ويقولون: اللهم إنّا نسألك بجاه سيدنا محمد ﷺ .
فهل هذا وارد، أم لا؟
الجواب
هذه المسألة مختلف فيها، والصحيح عند علماء الحديث وأهل السنة أنها ليست بواردة، وأن الأحسن ترك هذا التوسل؛ لأن التوسل به ﷺ إنما هو بمحبته عليه أفضل الصلاة والسلام والاقتداء به، أمَّا بَعْد موته فهذا ليس بصحيح، ومما لا يجوز: أن يذهب الإنسان في مثل هذه المسائل إلى قبره فيتوسل به ﷺ فهذا شرك والعياذ بالله، وليس بوارد ولا يجوز، أو يقول: بجاه محمد وهو مخالف لسنة محمد ﷺ .
أما أن يقول: بحبي لك، أو بحبي لرسولك ﷺ وبالاتباع لسنته ﷺ فكأن هذا هو الصحيح، وكأن ابن تيمية يميل إلى هذا، واستدل على ذلك بحديث ولو أنه ضعيف، بأن الرسول ﷺ قال في دعاء الماشي إلى الصلاة: ﴿اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك، واتباع رضوانك، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾.
الحديث يُستدل منه: أنه يسأل بحق السائلين، وحق السائلين أوجبه الله على نفسه من دون أن يفرضه أحد عليه، وحق السائلين أن يعطي السائل وأن يمنح المستفيد منه ﵎، وبحق ممشاي فهو العمل، ويقاس عليه حق اتباعه للرسول ﷺ فالإنسان يقول: "اللهم باتباعي لرسولك ﷺ وبحبي له ﷺ اغفر لي وارحمني".
ويستدل بحديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم، وهم الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار فإن هذا توسل بعمل، وذاك توسل بعمل، وأجاب الله توسلهم، وهذا توسل بالأعمال وهو وارد، أما التوسل بالجاه فلم يذكر عن السلف في ذلك، فتوقف كثير من العلماء خاصة أهل الحديث وأهل السنة في هذا الباب وقالوا: ليس بوارد، والأحسن أن يتقيد الإنسان في ألفاظه وأقواله وأفعاله بسنة الرسول ﷺ ، نسأل الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
стр. 4851
تأويل الحديث
السؤال
هناك أحاديث ترد من الرسول ﷺ فيقول: يُحمل قول الرسول ﷺ على كذا ويحمل على كذا؟
الجواب
هذا للعلماء فيه أقوال، لكن تختلف أحاديث الرسول ﷺ باختلاف المناسبات، فأما أحاديث الأصول؛ أصول الإيمان فإنه لا يحمل على غير ما دلت عليه، ومن حملها على غيرها فهو إما معطل، وإما مؤول، ولذلك يحذر ابن تيمية من حمل أحاديث الرسول ﷺ في باب الصفات، وباب الألوهية وباب الربوبية التي هي أصول الإيمان، وإنما يفعل ذلك الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من الفرق التي ابتدعت في الأصول، ولذلك يلوون أعناق الأحاديث بسبب أنه يحمل كذا ويحمل كذا، وأما في الفروع فالأمر أهون كما قال ابن تيمية، ولذلك لم يؤلف في الفروع ﵀ وقيل له: "لماذا لم تؤلف في الفروع؟ قال: أمر الفروع أهون وأسهل وأيسر، فإنه لو أخطأ العالم كان لخطئه أجر واحد، ولو أصاب له أجران، لكنه يؤلف في الأصول؛ لأن الخطأ فيها، مزلة ومهلكة.
فأما في الفروع -مثلاً- في الوضوء، وفي العبادات والمعاملات فيحمل كلامه على كذا، فهذا الذي حمل الحديث إن كان قصده صحيحاً ونيته صحيحةً فهذا يؤجر أجراً واحداً إذا أخطأ، وأجران إذا اجتهد وأصاب، وأما إن كان قصده التعصب إلى مذهبه ويعرف أن الحديث يدل على كذا لكن يحمله على محمل، ويلوي النص لياً، ويرفع من دلالة النص فهذا لا يجوز وهو آثم في هذا الباب، فالحمل قسمان: حمل في أصول الإيمان فهذا مزلة ومهلكة، وحمل في الفروع فهو يشمل شقين: إن حمله بحسن نية وحسن قصد وعلم الله أنه اجتهد فرأى هذا، فهذا وارد وصحيح، وإن كان حمله لهوى في قلبه أو تعصباً لرأيه ومذهبه، فهذا آثم ولا يجوز ذلك.
نسأل الله التوفيق والهداية، وأن يلهمنا رشدنا وأن يقينا شر أنفسنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4852
صبر الأولياء في منازل الابتلاء
أصل الأعمال هو العلم بها، وثمرة العمل بهذا العلم هي الجنة، وإذا كان الذي قدر الله عليهم الابتلاء هم أكثر الناس حاجةً للصبر، فإنهم إن عملوا بالصبر، نالوا خيراً عظيماً.
وفي هذا الدرس بيان فوائد الابتلاء، وذكر نماذج من أهل الصبر، ابتداءً من الأنبياء السابقين، ومروراً بنبينا ﷺ ، ثم أهل الصلاح من أمته.
стр. 4853
الفطرة توحي الصبر
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ ، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
اللهم صل على نبيك الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، لسان الصدق الذي بلغ الوحي بأحسن عبارة، وأذن الخير الذي تلقى الوحي فصاغه بألطف إشارة، صلى الله على سيف النصر الذي كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأشكر مكتب الدعوة هنا في عنيزة وفضيلة الشيخ حمود الصائغ، وأشكركم على حسن استقبالكم، وقد سعدنا اليوم بزيارة شيخنا ووالدنا الشيخ محمد الصالح بن عثيمين، فكان مع اللقاء بعض الأبيات، أستأذنكم في إلقائها بين يدي المحاضرة، وهي تكملة لما مر في بريدة البارحة:
قل للرياح إذا هبت غواديها حي القصيم وعانق كل من فيها
واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تنسى لياليها
أرض بها علم أو حاذق فهم يروي بكأس من القرآن أهليها
عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانيدها والحق في يرويها
ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقل ابن سينا بواديها
ولـ ابن تيمية في أرضهم علم من الهداية يعلو في روابيها
إذا بريدة بالأخيار قد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها
محمد الصالح المحمود طالعه البارع الفهم والدنيا يجافيها
له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يحمل الأشواق مهديها
سالت قريحته بالحق فاتقدت نوراً فدنيا الهدى زانت نواحيها
أمَّا بَعْد: فموضوعنا في هذه الليلة (صبر الأولياء في منازل الابتلاء) وهذا الموضوع توحيه الفطرة للعبد، يوم أن فطر الله العباد على الصبر وعلى الجزع، وعلى الشكر وعلى الكفران قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣] والصبر من مقامات العبودية عند أهل السنة والجماعة، بل ومن أعظم المقامات وقد ذكره الله في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، فمدح الصبر، ومدح الصابرين، وذم الذي لا يصبر، وبيِّن أجور الصابرين عنده ، وما أعد لهم من درجات.
стр. 4854
مراتب الصبر
والصبر في الإسلام على ثلاث مراتب:
أولها: صبر على الطاعات، وثانيها: صبر عن المعاصي، وثالثها: صبر على الأقدار والمصائب.
وأعظمها الصبر على الطاعات -إن شاء الله- على خلاف، لكن هذا الذي تميل إليه النفس، لأنها مقصودة الأداء وهو الصبر العظيم المطلوب، فتؤدي الطاعة وتصبر عليها وتصابر نفسك لتؤديها على أكمل وجه بخشوعها وخضوعها.
والصبر عن المعاصي: حين تدعوك نفسك الأمارة بالسوء، فتصبر وتحتسب.
وصبر على أقدار الله حين يكتب عليك الله من أقداره ما يريد أن يخفف به من ذنوبك، ويرفع به من درجاتك، إذا علم هذا فإن أولياء الله الصالحين كان يميزهم الصبر مع اليقين، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، قيل له: بم تنال الإمامة في الدين؟ قال: بالصبر واليقين، أما سمعت الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
стр. 4855
سنة الابتلاء
وعباد الله الصالحين ابتلوا في حياتهم بمصائب، فمنهم من ابتلي بالمال ففقد ماله، والله يلطف بأقداره إذا حكم على عباده بها، فما على العبد إلا التسليم، ومنهم من أصيب في عقله بمصيبة، فذهبت بعقله، فبقي أبلهاً مصروعاً مبهوتاً، ومنهم من أصيب في جسمه، فأبطلت بعض حواسه أو أعضائه، ومنهم من أصيب بابنه، إما ضل، أو مات، أو ذهب عنه ولم يعد -كما سيأتي- ومنهم من أصيب بعرضه، واتهم تهمة وهو منها براء، وهي لا تليق به، ولا يليق بها، فصبر واحتسب، وسوف أعرض للصبر مع الأشخاص، وكان إلقاء الحديث سرداً على طريقة السلف الصالح، كما ذكر ذلك الشاطبي في الموافقات، وفي هذا العصر اهتم الناس بالتبويب والترتيب والصبر والحصر.
إذا عُلم ذلك فإن الله قص قصص الصابرين ومدحهم، وقال جل ذكره في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣ - ١٥٥] ومن هم الصابرون؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
واختلف أرباب السلوك أو التربية في تعريف الصبر، فقال أحدهم: هو أن يقطع جسمك وأنت تتبسم، تلذذاً بقضاء الله، وقال الآخر: هو أن ترضى بما رضي به الله لك، فأحبه إلى الله أحبه إليك:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وقال الثالث: هو أن تحتسب الأجر أعظم مما فاتك من العافية، إذا علم هذا فإن الله يقول في محكم كتابه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
стр. 4856
فوائد الابتلاء
والابتلاء سُنة من سُنن الله ، ويبتلي العبد لأربع فوائده:
الأمر الأول: الرفعة في الدنيا؛ فإن المبتلين أعظم الناس رفعة، يكونون مبتلين في أول الطريق، فإذا صبروا واحتسبوا رفع الله ذكرهم أبد الدهر.
والأمر الثاني: التربية؛ فإن الله يربي القلوب بالابتلاء حتى تخلص وتصدق له .
والأمر الثالث: تحقيق العبودية؛ فإن الله يريد أن يكون هذا العبد عبداً له، ولا يمكن أن يكون عبداً بالدعاوى التي لا يقوم عليها دليل حتى يذعن، وكثير من الناس يعلن أنه عبد، ولكن إذا ابتلي نكص على عقبيه وخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، فمن أعظم فوائد الابتلاء أنه يحقق لك مقام العبودية، إن كنت عبداً فهذا هو الابتلاء فاصبر له، لأن الذي كتب عليك الابتلاء هو الذي كتب عليك النعم.
والأمر الرابع: الأجر والمثوبة عنده : وهو لا تضيع عنده الودائع إذا ضاعت عند الناس، ولا يخسر من يعامله ، بل يستفيد، ولا يهزم من يتولاه، بل ينتصر:
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
стр. 4857
أمور تخفف الابتلاء
إذا عُلم هذا، فليعلم أن مما يخف الابتلاء عند كثير من أهل العلم، ما ذكره ابن القيم في كتابه زاد المعاد:
أولاً: أن تؤمن بالقضاء والقدر، فإنه أعظم معالم أهل السنة والجماعة وفي أول حديث في صحيح مسلم عن يحي بن يعمر قال ابن عمر لما حدث أن قوماً في العراق لا يؤمنون بالقضاء والقدر قال: ﴿والذي يحلف به ابن عمر، وفي لفظ والذي نفسي بيده، لو أنفق أحد منهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقضاء والقدر﴾ وفي حديث صحيح عن عبادة بن الصامت، أنه قال لابنه عندما حضرته الوفاة: ﴿يا بني! عليك بالإيمان بالقضاء والقدر، فو الذي نفسي بيده، إن لم تؤمن بالقضاء والقدر، لا ينفعك عملك أبداً﴾.
وفي سنن الترمذي بسند حسن من حديث ابن عباس في حديثه الطويل قال: ﴿كنت رديف النبي ﷺ فقال لي: يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك -انظر ما أحسن الكلمات- احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة -ثم قال:- واعلم أن النصر مع الصبر واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ فأول ما يخفف الابتلاء والمصائب قضية الإيمان بالقضاء والقدر، ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر فلا قبل الله له صرفاً ولا عدلاً، ولا كلَّمة ولا زكَّاه وله عذاب أليم.
ثانياً: أن تعرف أن ما أصابك إنما هو قليل بالنسبة لما أعطاك الله ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فما أصاب الله العبد بمرض أو هم أو غم أو حزن إلا كفَّر الله به من سيئاته، فاعلم أنها تكفر عنده ولا تضيع.
ثالثاً: أن تتسلى بالمصابين والمبتلين من الناس، وأن تعلم أن كل دار فيها مصيبة، وأنه ما ملئت دار حبرة إلا ملئت عبرة، وفي كل واد بنو سعد، ولذلك قالت الخنساء: تسليت ببكاء الثكالى حولي، ثم قالت:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
فالتسلي بمصائب الناس وتذكرها، من أعظم ما يزيل الكرب عن النفوس، أو يخفف المصيبة، وذكر ذلك ابن القيم فقال: واعلم أن في كل دار بني سعد.
إذا عُلم هذا فإن الذي يخففها أيضاً: أن تعلم أنها أقل مما كانت، فإن الله يخفف بعض المصائب عن بعض، وأعظم مصيبة تصيب العبد مصيبة في الدين، فهي التي لا جابر لها، ولا مسلي، ولا معزي، ومن كل شيء عوض إلا من الله، فإذا فاتك فاتك، ومن كل شيء تسلية إلا الدين، فإذا فاتك فوالله ما بعده تسلية ولا عزاء ولا عوض، فاحمد الله أن أصبت بمصيبة في جسمك، أو ولدك أو عرضك، ولم تصب بمصيبة في دينك، فإنها من أعظم المصائب، بل هي أم المصائب، ولا جابر لها إلا التوبة والعودة إلى الله .
стр. 4858
أنواع الابتلاء
واسمعوا الآن إلى الصالحين في قصص عجيبة، وفي إيراد رحب واسع عذب، يورده في القرآن، ويورده رسول الله ﷺ في السنة، وأهل السير من أرباب الحديث ومن حفظة السنة.
يقول عن أيوب لما مسه الضر: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] أصيب بمرض في جسمه فمكث ثمانية عشر عاماً، لا يهدأ، لا يذوق طعاماً، ولا يتلذذ بشراب، ولا يكتحل بمنام، فلما بلغ ثمانية عشر عاماً -كما قال أهل التفسير- عاد وقالت له زوجته: لم لا تشتكِ على الله ؟ لم لا تعرض نجواك وشكواك على الواحد الأحد؛ فإنه يكشف الضر ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] فقال: لا والله لا أدعوه حتى تتساوى أيام صحتي وأيام ابتلائي، فإن أيام الصحة لا تحسب عند كثير من الناس، نُصَح كثيراً، وننعم سنوات طويلة، فإذا أتت البلوى سنة استكثرنا السنة، وحسبناها وأحصيناها، أما أيام الرخاء فلا تحسب.
فصبر أيوب مثل أيام صحته ثم قال، وانظر ما أحسن الأدب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] أنا المريض وبيدك الشفاء، فإن كنت ترى أني قد أصبحت في حال ترضى لي بالعافية فعافني يا رب! فأحب ما أحببته أنت والأمر ما أحببته أنت.
ولذلك ذكروا عن خليفة الإسلام الصادق الزاهد أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، يوم أن دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: الله أعلم ما أصابني؟ قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: ماذا قال لك الطبيب؟ قال: يقول إني فعال لما أُريد، وأخذها بعض الناظمين فقال:
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي
وذكر بعض الكتبة في ترجمة ابن تيمية أنهم دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: يا أبا العباس! مالك؟ فرفع رأسه وقال:
تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
ولذلك انظر إلى يعقوب ما أحسن عبارته يوم قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ثم يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فالبث والحزن يشكى إليه ، فهو من باب رفع الشكوى إليه .
إذاً: الابتلاء بالأمراض والمصائب والزلازل والمحن من الأقدار التي يقدرها الله على الناس، والله أعلم بالأجسام التي تتحمل المرض من غيرها.
وفي الطبراني بسند فيه نظر، أن الرسول ﷺ قال: ﴿يقول الله تعالى: إني أعلم بعبادي، من عبادي من لو ابتليته لما صبر، ومنهم من لو عافيته لما شكر، فأنا أُصرِّف عبادي كيف أشاء﴾ فله الحكمة البالغة، فالمرض من الابتلاءات العظيمة التي مرت في تاريخ هذه الدنيا؛ منذ خلقها الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ابتلى الله أيوب بهذا المرض، فقال هذه القولة: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وذكر ابن حجر في الإصابة أن الله ابتلى أحد الصحابة الأخيار وهو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، المجاهد الشهير الصحابي النحرير، ابتلاه الله بمرض مكث بسببه ثلاثين سنة لا يقوم من على فراشه، فقال له بعض الصالحين: لو شكوت، أو رفعت ضرك إلى الله؟ قال: أحبه إلى الله أحبه إلي، ما دام أن الله يرضى هذا لي، فأنا أرضاه لنفسي، فكانت الملائكة تصافحه بأيمانها مع كل فجر، وهذه من كرامات الأولياء التي أقرها أهل السنة والجماعة، فنحن نقول بها، يستبعد أن الملائكة كانت تصافحه؛ لأنه صبر واحتسب ثلاثين سنة، فشكر الله له سعيه، وجازاه في الدنيا بمصافحة الملائكة، والخير العميم والأجر والثواب عند الله ﵎.
стр. 4859
الابتلاء بفوت الأعضاء
وقد يبتلي الله الإنسان في جسمه بفوت أعضائه، فالعقل نعمة من أعظم النعم، بل هي تأتي بعد نعمة الدين، ولكن إذا حكم الله بسلب عقل هذا المخلوق وأخذ عقله، فمالك إلا أن تسلم وتحتسب.
عن عطاء بن أبي رباح في الصحيحين، قال: قال لي ابن عباس: يا عطاء! ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بأبي أنت وأمي نعم، قال: هذه المرأة السوداء، أتت رسول الله ﷺ فقالت: ﴿يا رسول الله إني أصرع -أي: يصيبها مس من الجان فتصرع- فادع الله لي، قال: إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة -ما أحسن الخيارين! وما أحسن الخيار الثاني! عرض عليها خطتين، وخيرها بين طريقين، وأنزلها منزلتين- فقالت: أصبر وأحتسب، ولكني أتكشف فادع الله لي يا رسول الله! فدعا لها ألا تتكشف﴾ فهي من أهل الجنة تمشي على الأرض؛ لأنها احتسبت عقلها وهو من أعظم النعم، فلما فوضت الأمر إلى الحي القيوم، جازاها الله بجنة عرضها السماوات والأرض.
والله قد يبتلي عبده بالبصر، والبصر نعمة من النعم الجليلة، يوم ترى الحياة، وتذوق الجمال، وتتعرف على الأشياء والذوات والأشخاص بالعينين الجميلتين، لكن إذا حكم الله بطمس نورهما، فمالك من حيلة إلا الصبر والتسليم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ ما أحسن الكلام! وما أحسن إيراد الحديث! لم يقل عينيه، وإنما قال حبيبتيه؛ لأنه يحبب العينين إلى صاحبها، فكأنها أحب إليه من كل شيء، فيقول: من ابتليته، ولم يقل من أخذت عينيه، وإنما قال: ابتليت ليبين أن هناك أجراً ومثوبة، وأن هناك كنزاً مدخراً، وأن هناك جنة وموئلاً، فقال: ﴿من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ وما أحسن الجنة!
قالوا لـ يزيد بن هارون الواسطي -كما في سير أعلام النبلاء والتذكرة وهو شيخ الإمام أحمد، ومن حفاظ الدنيا، ومن رجال البخاري ومسلم، ومن أهل واسط، بل عالم واسط الوحيد- لما ذهبت عيناه، فقيل له: يا أبا خالد! أين ذهبت العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما والله بكاء الأسحار، لكن معه ﴿عوضته عنهما الجنة﴾.
وابن عباس حبر الأمة عمي في آخر حياته، فأتاه بعض الشامتين يعزيه استهزاء في عينيه، فعزاه في عينيه، فعلم ابن عباس أنه شامت فقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور
صدق ﵁، إن يأخذ الله نور العين، ففي القلب نور وبصيرة، وإن يأخذ الله ضياء هاتين العينين الجميلتين، ففي الروح ضياء خارق مشع يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما حيلة الإنسان إلا أن يصبر.
ذكروا عن ابن هبيرة صاحب الإفصاح، الحنبلي الوزير الشهير الكبير التقي، الذي دعا الله في يوم منى بالغيث، فسقوا الغيث وهم في يوم منى، فقال وهو يبكي: يا ليتني دعوت الله بالمغفرة! وكان وزيراً للمستنجد العباسي، وقد أدركه ابن الجوزي، بل كان ابن الجوزي من أصحابه، فدخل عليه أحد الناس فسلم له ابن هبيرة جائزة ومسح على رأس هذا الشخص، ثم ذهب الشخص، فقال له الناس يا بن هبيرة! مالك أعطيته ومسحت على رأسه؟ قال: هذا عرفته ولم يعرفني، ضربني مرة على رأسي فذهبت عيني منذ ثلاثين سنة ما أخبرت أحداً بها، ما أخبر أحداً؛ لأن الشكوى إلى الله .
стр. 4860
الصبر على فراق الأبناء
والأبناء نعمة من النعم الجليلة، والله ذكر عن الصالحين أنهم كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧] ومن أحسن ما يجمل الحياة المال والبنون، فهم زينة الحياة الدنيا، وما أحسن من أن ترى أطفالك وأبناءك يترعرعون أمامك، ويهشون ويبشون بنور الإسلام، ويسجدون للواحد القيوم، ويرددون عليك آيات القرآن، ولكن إذا حكم الله بأخذهم فما لك من حيلة.
في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله : ليس لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة﴾ ولم يقل الولد ليخرج الأخ، ولم يقل الأخ ليخرج الأب، ولم يقل الأب ليخرج الصديق والصاحب، وإنما قال الصفي ليدخل الكل في هذا، وما أحسن هذا الكلام! فالصفي هو كل من أصابتك لوعة من فراقه، أو حرقة، أو حزن، عوضك الله عنه إذا صبرت واحتسبت الجنة.
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا مات ابن العبد المؤمن قال الله -وهو أدرى للملائكة الذين قبضوا نفسه- قبضتم ابن عبدي المؤمن؟ قالوا: نعم يا رب! وهو أعلم، قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم يا رب! قال: فماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع -أي: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد﴾ هذا الحديث حسن، والبيت هنا كالربابة البيضاء، أو كالكوكب الدري، مكتوب عليه بيت الحمد، يدخله الرجل الصالح يوم يحتسب مصيبته في ولده على الله .
والمرأة المسلمة تشارك الرجل في هذه المصائب، بل ذكر ﷺ للنساء في فوت الأطفال ما لم يذكر للرجال، فإنه قال لما زارهن: ﴿ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كانوا لها حجاباً من النار، قالت: امرأة واثنين يا رسول الله -اثنين عدد المفعولية- قال: واثنين، قالت: وواحد -في بعض الروايات- قال: وواحد﴾ فالحمد لله أن جعل فضل موت ابن واحد تحتسبه عند الله؛ دخول لك جنة عرضها السماوات والأرض بإذن الله.
стр. 4861
الابتلاء بالأعضاء والأبناء
قد يرزقك الله أعضاء تتمتع بها، وقوةً وحيوية وطاقة ونشاطاً، لكن له حكمة أن يسلب عنك القوة.
ذكر أهل العلم وأهل السير والترجمة في سيرة عروة بن الزبير بن حواري الرسول ﵊، عروة الذي هو أكبر راوية في كتب الحديث عن عائشة ﵂ وأرضاها، الذي ذكروا عنه أنه كان يختم القرآن في أربعة أيام، وأنا لا أقف عند أربعة أيام، لأن الأولى الختم في سبعة أيام كما في حديث ابن عمرو، لكن الشاهد قوة العبادة والإقبال على الله ، فأراد الله أن يرفع درجته عنده، فكتب عليه ابتلاء.
فقد سافر عروة بن الزبير إلى الشام وبينما هو في الطريق أصابته آكلة في رجله، فاجتمع عليه الأطباء، وقالوا: نقطع رجلك من القدم، فقال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى ساقه، فقالوا: نقطعها من الساق، قال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى الفخذ، فقالوا: مالك من حل إلا قطعها وإلا متَّ، قال: الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا لا نقطعها حتى نسقيك كأساً من الخمر، قال: يا سبحان الله! عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من الخمر، لا والله، ولكن إذا توضأت ودخلت في صلاتي فاقطعوها، فتوضأ واستقبل القبلة، وبدأ في صلاته ينادي رب العزة ﵎، وهو يحلق بروحه مع تلك الآيات البينات، فتقدم إليه الأطباء بالمناشير، فقطعوا رجله، فلما غلبه الوجع سقط مغشياً على وجهه، وبعد ساعات استفاق، فقالوا: أحسن الله عزاءك في ابنك، رفسته دابة الخليفة فمات، يا سبحان الله!! في هذه الفترة، فترة الإغماء رفست ابنه دابة الخليفة فمات.
انظر المصائب كيف تحدث، وانظر إلى ألطاف الله وحكمه في القضاء والقدر، ماذا قال؟ قال: الحمد الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لك الحمد -لكن انظر إلى الذي يذكر النعم- إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة أبناء، وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أعضاء فأخذت عضواً واحداً فلك الحمد ولك الشكر، ثم قال:
لعمرك ما مديت كفي لريبة وما حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا دلني فكري ولا نظري لها ولا قادني فكري إليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي
رجع محتسباً إلى الله لأنه الذي قدر.
стр. 4862
صور من الابتلاء
стр. 4863
إبراهيم الخليل والبلاء المبين
رفع الله بالبلاء درجة الأنبياء، ومحا به خطايا الصالحين، وإبراهيم ﵇ أستاذ العقيدة، ومعلم التوحيد، الذي بث مذهب التوحيد في الدنيا وأسسه، فكان رسول الهدى ﷺ أشبه الناس به، ابتلاه الله بمصائب، منها أنه جمع له حطب ثم أوقدت النيران ثم ردي في النار، فانقطعت به الحبال إلا حبل الله، وأوصدت أمامه الأبواب إلا باب الله، لكن انظر إلى التوكل على الله ، أتاه جبريل فقال: ألك إلي حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، فلما ألقي في النار ماذا قال؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها رسولنا ﷺ لما قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] فلما ألقي في النار تذكر عظمة الله، وألا كافي ولا حافظ ولا حامي إلا الله:
يا واهب الآمال أنـ ت رعيتني ومنعتني
وعدا الظلوم عليَّ كي يجتاحني فنصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني
فالمانع هو الله ، فلما وقع في النار، أتت عناية الله فقال الله : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] لو قال برداً وسكت، لأصبحت زمهريراً يقطعه، ولكن قال: وسلاماً أي: بهدوء وراحة وعافية وصحة.
وابتلاه الله بابنه، فلما شب إسماعيل ﵇ -على الراجح من أقوال أهل العلم- وبلغ معه السعي، ودرج وسار وأتى، والابن إذا أصبح في هذه السن، أصبح يشاغف حبه القلب، لأنه إذا كبر قليلاً نقص حبه، ثلاثة يحبون في ثلاثة مراحل: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يحضر، والصغير حتى يكبر، والصغير جداً من الأطفال قد لا يحب، ولكن توسط الحب بلوغ السعي، فيصبح شجى القلب، وشغاف الروح، فأراد الله أن يخلي قلب إبراهيم بحبه ؛ لأنه الخليل.
قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلا
فكان من مقامات الخليل أن يكون أحب شيء إليه هو الله ، فلما بلغ معه هذا الابن الصالح السعي ابتلى الله أباه، فرأى في المنام ورؤيا الأنبياء حق -وعقد لذلك البخاري باباً في صحيحه: باب رؤيا الأنبياء حق- ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فقام الصباح بعد أن تأكد من الرؤيا فعرض الرؤيا على ابنه، لا مستشيراً ولكن ينظر إلى رد هذا الولد الصالح، فكان رده رد المؤمن الموحد: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤]:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فلما علمه ولقنه التوحيد وأرضعه مع اللبن عقيدة لا إله إلا الله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فماذا قال؟ قال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] وما أحسن التواضع! لم يقل افعل ما تؤمر ستجدني من الصابرين، وإنما قال: إن شاء الله، فالصبر والتثبيت منه ﵎، فتقدم إليه، ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦] لأنه ابتلاء ما سمع بمثله، ابنك، وقد بلغ السعي، بل صالح، ثم يأمرك الله أن تباشر الذبح أنت بنفسك، ما قال: يا إبراهيم مر فلاناً أن يذبح ابنك وأنت تختفي!! لا، بل خذ أنت السكين واذهب إلى ابنك واطرحه أمامك ثم اذبحه، فامتثل لهذا، فرفعه الله، وأثبت لله أنه صادق، وأنه من المحسنين وترك له لسان صدق في الآخرين، فالألسنة تثني عليه، وتمدحه أبد الدهر.
فعليه السلام أولاً وآخراً، وجزاه الله في مواقف الصدق خيراً وأجراً ومثوبة.
стр. 4864
ابتلاء الله ليونس ﵇
ذكر الله المبتلين كذلك في الأزمات وفي الكرب، فمنهم يونس بن متى ﵇، خرج مغاضباً قومه، ولكن لم يستأذن ربه، فذهب إلى السفينة، ولما ألقي من السفينة ذهب في ظلمات ثلاث، ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وانقطعت به الحبال إلا حبل الله، ونسي كل أحد إلا الله، ما تذكر زوجة ولا ولداً، فقال وهو في الظلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، دعوة أخي يونس، ما قالها مكروب إلا كشف الله بها كربه﴾
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
إذا ناديت واعترفت بلا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، كشف الله كربك، وغمك، وحزنك، ورزقك من حيث لا تحتسب.
فكان جزاء الصابرين عند الله أجراً ومثوبة، فانظر كيف أخرجه الله ونجاه وقال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
стр. 4865
يعقوب وابنه يوسف ﵉
هذا يعقوب ﵇ يصاب بمصيبة، والعجيب أن المصائب التي عرضت في القرآن على أنواع، وما كانت على وتيرة واحدة، فنوع الله المصائب والنعم على الناس، وله في ذلك الحكم البالغة، فإن يعقوب ﵇ لم يبتلَ بأن يكون ابنه ضالاً كابن نوح ﵇، ولا بأن يذبح ابنه كما ابتلي به إبراهيم، ولكن ضل منه ابنه يوسف ﵇، فلم يدر أين ذهب فكان يردد دائماً ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] وبلغ يوسف في قلبه الشغاف من الحب، فلما ابتعد عنه كان مقدار هذا الابتعاد أربعين سنة:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
فأخذ يبكي ويكظم أنفاسه، حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وأخذ يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فلما علم الله تفويضه ورده الأمر إليه، رفعه بالابتلاء لما صبر وشكر، وهذا عاقبة العبد يوم أن يفقد شيئاً غالياً نفيساً عليه، فيحتسب ذلك عند الله .
ويوسف ﵇ ابتلي في عرضه، واتهم فصبر واحتسب، وفوض أمره إلى الله ، فرفعه الله رفعة ما بعدها رفعة، وأثنى عليه ، وقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] لماذا؟ لأنه صبر على هذه البلوى العظيمة، ولذلك يذكر ابن القيم في مدارج السالكين نقلاً عن ابن تيمية، قال: إنما عَظُمَت مصيبة يوسف ﵇ بأمور، وكان أجره ورفعته عند الله لأمور:
منها: أنه شاب، وهو أقدر على الفاحشة.
ومنها: أنه غريب، والغريب لا يجد ملاماً ولا عتاباً من الناس.
ومنها: أنه في بيت امرأة عندها سلطان، فهي لا تخاف على نفسها من السلطان ولا من تطبيق الحدود.
ومنها: أن هذه المرأة جميلة.
ومنها: أنها لبست حليتها وذهبها وفضتها.
ومنها: أنها خلت به.
ومنها: أنها غلقت الأبواب.
ومنها: أنها هددته.
ومع ذلك كله صبر، وقال: معاذ الله -وما أحسن هذه الكلمة! - فرفعه الله، فنحن نقرأ قصته دائماً في القرآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فيا سبحان الله! كيف يرفع بعض الناس بالصبر، وكيف يرفعهم بالابتلاء إذا عدوا ذلك قضاء وقدراً فآمنوا به وأنزلوه منازله.
стр. 4866
حادثة الأفك
ومصيبة الابتلاء في العرض قد حدثت، وفي تاريخ الإسلام كما في قصة الإفك، حديث عائشة ﵂ وأرضاها، الذي رواه البخاري في غزوة المريسيع، وفي كتاب المنافقين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ومن طريق الزهري أيضاً: أن عائشة ﵂ وأرضاها حدثت فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج -ما أحسن القصة حين تسوقها عائشة - لغزاة -أي: لغزوة- أقرع بين نسائه، فأيهن خرج نصيبها أو سهمها خرج بها ﷺ ، فخرجتُ معه في ذات غزوة، فلما قفلنا من الغزوة راجعين، نزلت في منزل ألتمس عقداً لي من ظفار فاتني، فارتحل الركب وما شعروا، وظنوا أني في الهودج -وهو البيت الصغير الذي توضع فيه المرأة- فحمل الهودج على الجمل، وذهبوا وارتحلوا من المنزل، وظنوا أن أم المؤمنين الطاهرة بنت الطاهر، الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سماوات أنها في الهودج، فذهبوا وأتت في وقت الظهيرة، فلم تجد أحداً، فماذا فعلت تغطت، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون!! ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فجاء رجل من الصالحين المجاهدين الزاهدين الأخيار، اسمه صفوان بن المعطل، فوجدها متغطية، فقال: الله المستعان! زوجة رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: فو الله ما كلمني بكلمة، ثم أناخ بعيره، فأركبها على البعير فركبت، وذهب يقود البعير بزمامه وعائشة على البعير، والرسول ﵊ قد نزل هو والصحابة منزلاً في الطريق.
فأتى بالجمل وعليه عائشة فأما الذين آمنوا فزادهم ربهم إيماناً، وعلموا أنها طاهرة بريئة وأنها صديقة، وأما الذين في قلوبهم مرض فخار النفاق في قلوبهم، وعشعش الشك في نفوسهم، نعوذ بالله من ذلك، فقاموا يوشوشون بالأخبار: لماذا تأخرت؟ ولماذا أتى بها هذا الرجل؟ وما هو السبب؟ نفاق وكبر وعتو وإعراض عن الله وعن شرعه.
والرسول ﵊ لم يدر، ولما وصل المدينة، قالت عائشة: فأتاني مرض، فأنكرت منه ﷺ ذاك اللطف الذي كنت أجده قبل ذلك يوم أمرض، لأنه وصله الخبر ﷺ ، ومرضت وهي في بيته، فكان يمر عليها وهي مريضة ويقول: كيف تيكم؟ ما يزيد على هذه الكلمة، قالت: فكان هذا يريبني، أي: أشك فيه، لماذا لا أجد تلك الحفاوة وذاك الحنان، وتلك الشفقة التي كنت أجدها قبل ذلك، فاستأذنته ﷺ أن أمرض في بيت أبوي فأذن لي.
فارتحلت ﵂ وأرضاها بمرض، لكن لا تدري أنها أصيبت في عرضها، وهو أشرف ما يملكه الإنسان.
ولذلك فأنت تريد أن يدمر بيتك ولا تصاب في عرضك، وأن تنتهي حياتك ولا تثلم في شخصيتك، وأن يذهب عنك كل شيء من ذوات الدنيا، وأن يموت أبناؤك وزوجتك وأحبابك وأقرباؤك ولكن لا تصاب في هذا المعلم أعني عرضك.
ولذلك يقول سيد قطب ﵀: إن هذه الأيام أوقفت الرسول ﷺ على أعصابه شهراً كاملاً، أصيب في عرضه، وفي رسالته، وشكك في مبادئه، ما أصبح عند المنافقين إلا في مقام التهمة، إنسان مصلح يريد تجديد أمر البشرية، والخروج بها من الظلام يصاب في عرضه ﷺ وفي زوجته، كيف يثبت بعدها في الساحة، ويؤدي الرسالة ويعلم الناس، ويجاهد ويفتي، وهو متهم ومرتاب في عرضه ﵊، إنها مصيبة عظيمة.
والعجيب أن من أقدار الله أن الوحي لم ينزل في تلك الفترة حتى يربي الله الأمة، ويرى المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، فلم ينزل الوحي شهراً كاملاً، فنزلت عائشة في بيت أبوها تمرض، وأتى ﵊ لا يدري ماذا يتصرف، الوحي لم ينزل عليه، وجبريل ما فاوضه في هذه المسألة، سمع ﵊ أن زوجته اتهمت في عرضها، وهو يعلم أنها صديقة خيرة، لكن ليست عنده براهين وإثباتات وحجج تنفي هذه التهمة والشائعة التي استبيحت في الناس، وفي أوساط المجتمع.
ذهبت عائشة ﵂ ولم تدر، والنبي ﷺ عاد إلى قريبه وابن عمه أبي الحسن أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه، الذي هو منه ﷺ بمنزلة هارون من موسى، فقال: يا علي، ماذا ترى في أهلي؟ قال: النساء غيرها يا رسول الله كثير، كأنه يقول تزوج!! فذهب إلى أسامة فشاوره، فقال أسامة ﵁ وأرضاه: يا رسول الله زوجك ما علمنا فيها إلا خيراً، فذهب ﷺ إلى الجارية وشاورها، وقال لها: ماذا ترين؟ -التي كانت تخدم عائشة - فقالت: ما رأيتها إلا صائمة قائمة عابدة، إلا أنها كانت تنام فتأكل الداجن عجينها، يعني من غفلتها وبراءتها ولطفها، تأتي الشاة من طرف البيت فتأكل العجين الذي هو في الصحفة.
والرسول ﵊ لَمْ يخرج إلى الآن بحل لهذه المشكلة المريبة، وتأتي عائشة فتخرج مع نساء فتخبرها امرأة أنها اتهمت، قالت: فسقطت على وجهي، وزاد مرضي مرضاً، وهمي هماً، والله ما اكتحلت بنوم، والله لقد بكيت حتى ظننت أن البكاء يخرق كبدي، أو يخالف بين أضلاعي، فدخل عليها ﷺ وقال: ﴿يا عائشة: إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه -إلى الآن لم يتأكد النبي ﵊ أنها بريئة- وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ﴾ فقالت عائشة لأبيها: رد عني؟ فقال: والله ما أعلم ماذا أقول، فقالت: لأمها كلمي رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري والله ماذا أقول، فجلست عائشة وقالت: والله ما مثلي ومثلكم إلا كما قال أبو يوسف -ونسيت اسمه من الهم والحزن واسمه يعقوب وهذا في الصحيح- ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] وما برح ﷺ ، أو ما برح من مكانه حتى أتاه الوحي، فنام واستيقظ فإذا هو يتلو تلك الآيات ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فبرأها الله من فوق سبع سماوات، ورفع لها عظيم الدرجات، ومحا عنها كثيراً من السيئات؛ لأنها صبرت في عرضها واحتسبت عند الله.
وجلد ﷺ بعض الذين ذهبوا بهذه الشائعة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 4867
صور من صبر الرسول ﷺ
رسولنا ﷺ ابتلي على كافة الأصعدة، في صعيد المعركة ابتلي بالقتال، فصبر واحتسب، مات ابنه ﵊ فلذة كبده وشجا روحه، وهو في العامين من عمره، فصبر واحتسب، يقول أنس: ذهبت مع رسول الله ﷺ فقدم له ابنه إبراهيم ونفسه تقعقع، فأخذه ﷺ واحتضنه وهو في سكرات الموت، وبكى ﵊ وكان يقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم! لمحزونون﴾ ما أحسن هذه الكلمات.
وابتلي ﵊ بفقد بناته، فصبر واحتسب، وجلس عند قبرٍ، وأخذ ينكت الأرض ويبكي ويقول: ﴿والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾.
وابتلي ﵊ في دعوته بالشائعات، فقالوا ساحر، وشاعر، وكاهن، فاحتسب ذلك عند الله .
فمن هذا نأخذ: أن الابتلاء عجيب، وأنه أنواع، وأنه يمر بالمؤمن من حيث لا يشعر ولا يحتسب، فما عليه إلا الصبر، وقد ابتلي الصالحون سلفاً وخلفاً.
يقول ابن القيم: يا هزيل العزم -أو كلمة تشبهها- ناح في الطريق نوح، وذبح فيه يحيى، وقتل زكريا، وسجن الأئمة، وجلدت ظهور العلماء، هذا طريق الابتلاء ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
стр. 4868
ابتلاء الإمام أحمد بن حنبل
سُجِنَ الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة والجماعة، وجلد بالأسواط على ماذا؟ على زهده وعبادته، على علمه بالحديث يوم حفظ ألف ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف ومسند ومقطوع وأثر وكلام تابعي على صيامه في النهار، وإعراضه عن الحياة الدنيا، وعلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعلى دعوته المشعة الفياضة، واستقامته في ذات الله، وتربيته لأجيال الأمة وتعليمهم العلم، ابتلي بلاء يرفع الله به منزلته، وجلد، ووضع في السجن، وأخرج فكان كالذهب الأحمر إذا أدخلته النار فعاد ذهباً خالصاً أحمراً ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] الدين ليس دعاوى:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
يدعي أحد الناس أنه يحب الله، فإذا سمع الأذان لا يتحرك إلى المسجد، فهذا منافق إن لم يكن له عذر شرعي، ويدعي أنه يحب الله ورسوله، وأنه يوالي الله ورسوله، ولكنه إذا أصيب بمرض تسخط وأنكر القضاء والقدر، وقال كلمات لا أصل لها، فأين الإيمان وأين الصدق؟! الإيمان معناه: أن تقوم إلى الماء البارد في صلاة الفجر، وهو أحب إليك من الجلوس مع الأخيار، في السمر، أو في مناجاة الأحبة، وفي الحديث: ﴿إذا قام العبد المؤمن وتوضأ من الماء البارد -وهذا من الابتلاء في الطاعات- وترك فراشه الوثير ولحافه الدفيء، قال الله: يا ملائكتي! انظروا لعبدي، ترك فراشه الوفير، ولحافه الدفيء، وقام إلى الماء البارد يتوضأ منه، وقام يدعوني ويتملقني، أشهدكم أني غفرت له، وأدخلته الجنة﴾.
وعلامة الصدق أن تثبت في صفوف المؤمنين في الصلاة، وأن تقدم إليها بشوق وحرارة، لأن المنافق قد يصلي، ولكن ليس هناك حب، ولا إخلاص، ولا انقياد، يقول جل ذكره: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] يصلون، ولكن كسالى، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن لكن ببرود، ليس هناك صدق ولا إخلاص ولا محبة ولا اندفاع فلم ينفعهم ذلك.
الإمام أحمد سجن لأنه يقول ربي الله، فرفع الله درجته، فأصبحنا نذكره في كل مجلس، وعلى كل منبر، وفي كل منتدى، وعلى رأس كل محفل، فانظر كيف رفع الله ذكره، وأما خصومه ومن عارضه فمحق الله ذكرهم، فلا يذكرون إلا قليلاً، مثل الوزير ابن الزيات الذي دعا عليه الإمام أحمد، فجلد وعذب وأدخل في الفرم وهو حي حتى قطع تقطيعاً، هذا ابن الزيات الوزير الذي اعترض على الإمام أحمد، فسلط الله عليه ظالماً مثله، فعذبه وابتلاه وقطعه.
وأحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة المبتدع الذي هو أحمد أهل البدعة، وأحمد بن حنبل أحمد أهل السنة، دعا عليه الإمام أحمد فأصيب بالفالوج، لأن الإمام أحمد قال: اللهم عذبه في جسده، لأنه السبب في الجلد والسجن والضغوط السياسية للإمام أحمد، فقال الإمام أحمد: اللهم عذبه في جسده، فشل نصف جسده، والنصف الآخر سليم، قالوا: كيف حالك يا بن أبي دؤاد؟ قال: أما نصف جسدي هذا، فو الله لو أن ذباباً وقع عليه لكأن القيامة قامت، وأما نصف جسدي هذا، فوالله لو قطع بالمناشير قطعة قطعة ما أحسست به، لماذا؟ لأنه عارض الحق، أما الإمام أحمد فبقي مذكوراً في كتب الحديث، فهو يذكر آلاف المرات.
أحد الصالحين دخل على ابن بقية، الوزيرالظالم، فضربه على وجهه بكفه فأجلسه، فقال الصالح العابد: اللهم إنه ضربني، اللهم فاقطع يده، فابتلاه الله بظالم فقطعت يده، ولذلك يقول ابن بقية:
ليس بعد اليمين لذة عيش يا حياتي بانت يميني فبيني
ذكره ابن كثير في ترجمته.
стр. 4869
الابتلاء في حياة شيخ الإسلام
وممن عاش مرحلة الابتلاء في تاريخ الإسلام شيخ الإسلام المجاهد الكبير ابن تيمية ﵀، فإنه ابتلي في عرضه بالتهم الرخيصة التي لا مصداق لها ولا حق، وابتلي بالسجن، فدخل السجن؛ لأنه يدعو إلى لا إله إلا الله، وإلى تصحيح المعتقد، وإلى الخروج بالناس من الظلمات إلى النور، فلما أدخل السجن رد عليه الباب، فالتفت إلى البواب وهو يوصد عليه قائلاً ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] دخل على سلطان عصره، السلجوقي، فقال له السلطان: يا بن تيمية يقول الناس: إنك تريد ملكنا، فتبسم ابن تيمية تبسم المستعلي بلا إله إلا الله، الذي يريد ما عند الله والدار الآخرة، والذي ينظر إلى أن الدنيا رخيصة لا تساوي مجلس نصف ساعة في المسجد، وقال: أنا أريد ملكك؟! قال: يقولون ذلك، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً واحداً! تظن أنني أسعى إلى ملكك، ونحن نسعى إلى تقرير لا إله إلا الله في الأرض، لتبقى حية أَبَدَ الدهر، ولذلك بقيت كتبه، وبقيت معالمه، وبقيت مدرسته حية في قلب كل مسلم، وما عرفنا اسم السلطان إلى اليوم.
رفع الله ذلك العلم، وكان وحيداً لأنه يعبد الله، وأما السلطان بموكبه وجنوده وحاشيته فأخفت ذكره، فلا نعرف اسمه وللأسف، لأن هذا الابتلاء عاشه ابن تيمية لوجه الله تعالى، واحتسب، وأنا قلت لكم إن من ثمار الابتلاء الرفعة، ولا تجد مبتلاً صبر واحتسب إلا رفع الله ذكره، وأعلى شأنه، فأصبح يذكر أبداً بالدعاء والثناء.
ومن الفوائد العظيمة للابتلاء لذة الانتصار، فإن الله أقر عيون الصحابة بعد أن كانوا مستضعفين بالنصر، وما أحسن من الإنسان أن يجاهد ويبذل، ويعطي ثم ينتصر في آخر المرحلة.
стр. 4870
بلال بن رباح وعاقبة الصبر
وبلال بن رباح: أهين من الوثنيين إهانة لا يعلمها إلا الله ، والله يعلم أن بلالاً يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويريد الله والدار الآخرة، ويراه يسحب في جبال مكة، ويوضع عليه الصخر، وبلال يقول: أحد أحد، وفي قدرة الله أن يخسف بهؤلاء الكفرة، وأن يطلق بلالاً ويفك أسره، لكن هكذا يريد الله ليجعله الله مدرسة من مدارس الابتلاء.
وبعدها يأتي بلال بن رباح فينتصر إيمانه على الكفر، ويثبت يقينه على الطاغوت، ويهتدي بهدى الله ، فيصبح سيداً من السادات، فـ بلال بن رباح معروف الآن، وأما خصومه فليسوا معروفين، بلال يعرفه مسلمو الملايو والسودان والعراق، وكل صقع يذكر فيه لا إله إلا الله يعرفه المسلمون، لأنه مؤذن الإسلام:
فاستفاقت على أذان جديد ملء آذانها أذان بلال
وفي الصحيح لما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح أمر بلالاً أن يؤذن، فارتقى بلال على الكعبة المشرفة التي بنيت على التوحيد ليؤذن، وليغيظ به ﷺ المشركين رؤساء الضلالة والطاغوت، يقول: انظروا إلى هذا العبد الذي لا يساوي في نظركم فلساً واحداً، أصبح سيداً بلا إله إلا الله، وانظروا إلى هذا المؤمن التقي المتوضئ اليوم يرتقي على الكعبة فيؤذن بلسان التوحيد لتسمعه آذان البشرية.
وانظروا إلى من سحبتموه على الصخور، وأهنتموه وضربتموه وشتمتموه، يؤذن يوم الفتح أذاناً، فتستمع الدنيا، وينصت الدهر لأذان بلال:
وقل لبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
فرضي الله عن بلال كيف ابتلي فصبر، فرفع الله ذكره أبد الآباد، هذا هو النصر، ولذلك يقول عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، أصبح بلال سيداً من سادات هذا الدين، وأصبح واجهة وقدوة يتشرف المسلم أن ينتسب إلى مثل أمة منهم بلال بن رباح ﵁ وأرضاه.
إذاً: يا أيها الإخوة الفضلاء! ويا أيها الأخيار النبلاء! من أعظم الدروس التي نستفيدها: أن الأجر والمثوبة مع المشقة، ولذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﴿قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً، فقلت: يا رسول الله -بأبي أنت وأمي- إنك توعك وعكاً شديداً! قال: نعم، قلت: ذلك بأن لك أجر رجلين، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم﴾ ثم قال ﵊ وهو يتحدث لـ ابن مسعود ﴿ما من مسلم يصيبه هم أو غم أو حزن أو كرب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به من خطاياه﴾ وفي لفظ ﴿إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها﴾
فانظر إلى الابتلاء معه الأجر والمثوبة، فاحتسب ما يصيبك في ذات الله ، من همٍّ أو غمٍّ، أو حزنٍ، أو حتى حر الشمس، فإن الشوكة إذا أصيب بها العبد فاحتسبها عند الله كتب له أجر ذلك.
ومنها: الرفعة، فإذا ابتليت فاعلم أن الله أراد رفعتك، وما أراد خفضك، فإنه إذا علم أنك تريده والدار الآخرة رفعك بالابتلاء.
ومنها: أنه علمك درساً من دروس العبودية لا ينسى؛ لأنك تذل بالابتلاء، وتتواضع لنفسك، وتتهذب أخلاقك، لأن بعض الناس جاهل ما تربى، فإذا أصيب بمرض أو أصيب بمصيبة ذل، وأسلس القيادة لله الواحد الأحد.
ومنها: أنك تتربى كذلك على الصبر، وهي المدرسة الكبرى التي أراد ﷺ أن تتقرر للناس، ولذلك يقول الإمام أحمد: تدبرت الصبر في القرآن فرأيته في أكثر من تسعين موضعاً، وقال أهل العلم: من ركب الصبر أوصله إلى الرضا، وقال عمر: أدركنا خير عيشنا بالصبر، وقال بعض الصالحين: لما صبرنا نجحنا وأفلحنا.
من لا يصبر فلا حظ له، ولا حكمة ولا نهاية معه، ولا غاية منشودة يطلبها.
فعلينا يا عباد الله! أن نصبر في كل ما أصابنا، وأن نحتسب أجرنا على الله ، يقول ﵊ كما في صحيح مسلم، من حديث صهيب ﵁ وأرضاه مرفوعاً: ﴿عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾.
فاصبر على كل ما يصيبك في عرضك، فإن الأخيار وشباب الدعوة والصحوة الإسلامية الآن، أكثر ما يصابون في أعراضهم، متزمتون، متطرفون، رجعيون، مطاوعة، من هذه الألقاب والشائعات التي تلصق بهم، فعليهم أن يحتسبوا، وليعلموا أن رسولهم وقدوتهم ﷺ أصيب بأشد من هذا، فقالوا عنه ساحر، وكاهن، وشاعر، ولكن صبر واحتسب، فأعلاه الله وخفض خصومه.
واصبر على كل ما يصيبك في مجال الدعوة، فإنك تجد الجفاء والإعراض، وتجد تكبر المتكبرين وشتم الشاتمين، وسب السابين، فعليك أن تحسن خلقك، وأن تصبر، فإن النصر سوف يكون معك إن شاء الله.
واصبر على كل ما يفوتك من الأحباب والأقارب، وكل ما يصيبك في جسمك من تعطيل بعض الحواس وتحتسب ذلك على الله، فنسأل الله لنا ولكم العافية، فإنا لا ندعو بالبلاء.
ولما قرأ أبو علي الفضيل بن عياض قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال: اللهم لا تبلونا فتفضحنا، يعني اتركنا مستورين، فإن بعض الناس يدعو بالابتلاء فإذا حصل لا يصبر، كما فعل بنو إسرائيل، كانوا يتمنون القتال فلما حضرت المعركة فشلوا، فنحن نسأل الله العفو والعافية، وفي حديث العباس أن الرسول ﵊ قال في المسند: ﴿ألا أحبوك يا عم﴾ وفي رواية: ﴿يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به، قال قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ وفي صحيح مسلم ﴿أن الرسول ﷺ ذهب إلى رجل من الأنصار، فوجده مريضاً قد ضمر جسمه، قال: مالك؟ قال: قلت: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فابتلاني الله، قال ﵊: ألا قلت أحسن من ذلك؟ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]﴾.
فندعو دائماً بالعافية.
وعند الترمذي: ﴿أن الرسول ﵊ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال: مالك دعوت بالبلاء، ولكن اسأل الله العافية﴾ فنحن نسأل الله العافية وأن نكون مستورين، لأنا لا ندري علَّنا أن نبتلى فنفتضح، فنسأله أن يعافينا وإياكم من أي سوء، وأن يجعل أحسن الأقدار علينا ألطفه، وأن يرزقنا من الخير أعمه، ومن البر أتمه، ومن العيش أرغده، ومن الوقت أسعده، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →