← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

حادثة الأفك ومصيبة الابتلاء في العرض قد حدثت، وفي تاريخ الإسلام كما في قصة الإفك، حديث عائشة ﵂ وأرضاها، الذي رواه البخاري في غزوة المريسيع، وفي كتاب المنافقين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ومن طريق الزهري أيضاً: أن عائشة ﵂ وأرضاها حدثت فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج -ما أحسن القصة حين تسوقها عائشة - لغزاة -أي: لغزوة- أقرع بين نسائه، فأيهن خرج نصيبها أو سهمها خرج بها ﷺ ، فخرجتُ معه في ذات غزوة، فلما قفلنا من الغزوة راجعين، نزلت في منزل ألتمس عقداً لي من ظفار فاتني، فارتحل الركب وما شعروا، وظنوا أني في الهودج -وهو البيت الصغير الذي توضع فيه المرأة- فحمل الهودج على الجمل، وذهبوا وارتحلوا من المنزل، وظنوا أن أم المؤمنين الطاهرة بنت الطاهر، الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سماوات أنها في الهودج، فذهبوا وأتت في وقت الظهيرة، فلم تجد أحداً، فماذا فعلت تغطت، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون!! ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فجاء رجل من الصالحين المجاهدين الزاهدين الأخيار، اسمه صفوان بن المعطل، فوجدها متغطية، فقال: الله المستعان! زوجة رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: فو الله ما كلمني بكلمة، ثم أناخ بعيره، فأركبها على البعير فركبت، وذهب يقود البعير بزمامه وعائشة على البعير، والرسول ﵊ قد نزل هو والصحابة منزلاً في الطريق. فأتى بالجمل وعليه عائشة فأما الذين آمنوا فزادهم ربهم إيماناً، وعلموا أنها طاهرة بريئة وأنها صديقة، وأما الذين في قلوبهم مرض فخار النفاق في قلوبهم، وعشعش الشك في نفوسهم، نعوذ بالله من ذلك، فقاموا يوشوشون بالأخبار: لماذا تأخرت؟ ولماذا أتى بها هذا الرجل؟ وما هو السبب؟ نفاق وكبر وعتو وإعراض عن الله وعن شرعه. والرسول ﵊ لم يدر، ولما وصل المدينة، قالت عائشة: فأتاني مرض، فأنكرت منه ﷺ ذاك اللطف الذي كنت أجده قبل ذلك يوم أمرض، لأنه وصله الخبر ﷺ ، ومرضت وهي في بيته، فكان يمر عليها وهي مريضة ويقول: كيف تيكم؟ ما يزيد على هذه الكلمة، قالت: فكان هذا يريبني، أي: أشك فيه، لماذا لا أجد تلك الحفاوة وذاك الحنان، وتلك الشفقة التي كنت أجدها قبل ذلك، فاستأذنته ﷺ أن أمرض في بيت أبوي فأذن لي. فارتحلت ﵂ وأرضاها بمرض، لكن لا تدري أنها أصيبت في عرضها، وهو أشرف ما يملكه الإنسان. ولذلك فأنت تريد أن يدمر بيتك ولا تصاب في عرضك، وأن تنتهي حياتك ولا تثلم في شخصيتك، وأن يذهب عنك كل شيء من ذوات الدنيا، وأن يموت أبناؤك وزوجتك وأحبابك وأقرباؤك ولكن لا تصاب في هذا المعلم أعني عرضك. ولذلك يقول سيد قطب ﵀: إن هذه الأيام أوقفت الرسول ﷺ على أعصابه شهراً كاملاً، أصيب في عرضه، وفي رسالته، وشكك في مبادئه، ما أصبح عند المنافقين إلا في مقام التهمة، إنسان مصلح يريد تجديد أمر البشرية، والخروج بها من الظلام يصاب في عرضه ﷺ وفي زوجته، كيف يثبت بعدها في الساحة، ويؤدي الرسالة ويعلم الناس، ويجاهد ويفتي، وهو متهم ومرتاب في عرضه ﵊، إنها مصيبة عظيمة. والعجيب أن من أقدار الله أن الوحي لم ينزل في تلك الفترة حتى يربي الله الأمة، ويرى المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، فلم ينزل الوحي شهراً كاملاً، فنزلت عائشة في بيت أبوها تمرض، وأتى ﵊ لا يدري ماذا يتصرف، الوحي لم ينزل عليه، وجبريل ما فاوضه في هذه المسألة، سمع ﵊ أن زوجته اتهمت في عرضها، وهو يعلم أنها صديقة خيرة، لكن ليست عنده براهين وإثباتات وحجج تنفي هذه التهمة والشائعة التي استبيحت في الناس، وفي أوساط المجتمع. ذهبت عائشة ﵂ ولم تدر، والنبي ﷺ عاد إلى قريبه وابن عمه أبي الحسن أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه، الذي هو منه ﷺ بمنزلة هارون من موسى، فقال: يا علي، ماذا ترى في أهلي؟ قال: النساء غيرها يا رسول الله كثير، كأنه يقول تزوج!! فذهب إلى أسامة فشاوره، فقال أسامة ﵁ وأرضاه: يا رسول الله زوجك ما علمنا فيها إلا خيراً، فذهب ﷺ إلى الجارية وشاورها، وقال لها: ماذا ترين؟ -التي كانت تخدم عائشة - فقالت: ما رأيتها إلا صائمة قائمة عابدة، إلا أنها كانت تنام فتأكل الداجن عجينها، يعني من غفلتها وبراءتها ولطفها، تأتي الشاة من طرف البيت فتأكل العجين الذي هو في الصحفة. والرسول ﵊ لَمْ يخرج إلى الآن بحل لهذه المشكلة المريبة، وتأتي عائشة فتخرج مع نساء فتخبرها امرأة أنها اتهمت، قالت: فسقطت على وجهي، وزاد مرضي مرضاً، وهمي هماً، والله ما اكتحلت بنوم، والله لقد بكيت حتى ظننت أن البكاء يخرق كبدي، أو يخالف بين أضلاعي، فدخل عليها ﷺ وقال: ﴿يا عائشة: إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه -إلى الآن لم يتأكد النبي ﵊ أنها بريئة- وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ﴾ فقالت عائشة لأبيها: رد عني؟ فقال: والله ما أعلم ماذا أقول، فقالت: لأمها كلمي رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري والله ماذا أقول، فجلست عائشة وقالت: والله ما مثلي ومثلكم إلا كما قال أبو يوسف -ونسيت اسمه من الهم والحزن واسمه يعقوب وهذا في الصحيح- ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] وما برح ﷺ ، أو ما برح من مكانه حتى أتاه الوحي، فنام واستيقظ فإذا هو يتلو تلك الآيات ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فبرأها الله من فوق سبع سماوات، ورفع لها عظيم الدرجات، ومحا عنها كثيراً من السيئات؛ لأنها صبرت في عرضها واحتسبت عند الله. وجلد ﷺ بعض الذين ذهبوا بهذه الشائعة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 4867

صور من صبر الرسول ﷺ رسولنا ﷺ ابتلي على كافة الأصعدة، في صعيد المعركة ابتلي بالقتال، فصبر واحتسب، مات ابنه ﵊ فلذة كبده وشجا روحه، وهو في العامين من عمره، فصبر واحتسب، يقول أنس: ذهبت مع رسول الله ﷺ فقدم له ابنه إبراهيم ونفسه تقعقع، فأخذه ﷺ واحتضنه وهو في سكرات الموت، وبكى ﵊ وكان يقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم! لمحزونون﴾ ما أحسن هذه الكلمات. وابتلي ﵊ بفقد بناته، فصبر واحتسب، وجلس عند قبرٍ، وأخذ ينكت الأرض ويبكي ويقول: ﴿والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾. وابتلي ﵊ في دعوته بالشائعات، فقالوا ساحر، وشاعر، وكاهن، فاحتسب ذلك عند الله . فمن هذا نأخذ: أن الابتلاء عجيب، وأنه أنواع، وأنه يمر بالمؤمن من حيث لا يشعر ولا يحتسب، فما عليه إلا الصبر، وقد ابتلي الصالحون سلفاً وخلفاً. يقول ابن القيم: يا هزيل العزم -أو كلمة تشبهها- ناح في الطريق نوح، وذبح فيه يحيى، وقتل زكريا، وسجن الأئمة، وجلدت ظهور العلماء، هذا طريق الابتلاء ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].

стр. 4868

ابتلاء الإمام أحمد بن حنبل سُجِنَ الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة والجماعة، وجلد بالأسواط على ماذا؟ على زهده وعبادته، على علمه بالحديث يوم حفظ ألف ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف ومسند ومقطوع وأثر وكلام تابعي على صيامه في النهار، وإعراضه عن الحياة الدنيا، وعلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعلى دعوته المشعة الفياضة، واستقامته في ذات الله، وتربيته لأجيال الأمة وتعليمهم العلم، ابتلي بلاء يرفع الله به منزلته، وجلد، ووضع في السجن، وأخرج فكان كالذهب الأحمر إذا أدخلته النار فعاد ذهباً خالصاً أحمراً ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] الدين ليس دعاوى: والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء يدعي أحد الناس أنه يحب الله، فإذا سمع الأذان لا يتحرك إلى المسجد، فهذا منافق إن لم يكن له عذر شرعي، ويدعي أنه يحب الله ورسوله، وأنه يوالي الله ورسوله، ولكنه إذا أصيب بمرض تسخط وأنكر القضاء والقدر، وقال كلمات لا أصل لها، فأين الإيمان وأين الصدق؟! الإيمان معناه: أن تقوم إلى الماء البارد في صلاة الفجر، وهو أحب إليك من الجلوس مع الأخيار، في السمر، أو في مناجاة الأحبة، وفي الحديث: ﴿إذا قام العبد المؤمن وتوضأ من الماء البارد -وهذا من الابتلاء في الطاعات- وترك فراشه الوثير ولحافه الدفيء، قال الله: يا ملائكتي! انظروا لعبدي، ترك فراشه الوفير، ولحافه الدفيء، وقام إلى الماء البارد يتوضأ منه، وقام يدعوني ويتملقني، أشهدكم أني غفرت له، وأدخلته الجنة﴾. وعلامة الصدق أن تثبت في صفوف المؤمنين في الصلاة، وأن تقدم إليها بشوق وحرارة، لأن المنافق قد يصلي، ولكن ليس هناك حب، ولا إخلاص، ولا انقياد، يقول جل ذكره: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] يصلون، ولكن كسالى، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن لكن ببرود، ليس هناك صدق ولا إخلاص ولا محبة ولا اندفاع فلم ينفعهم ذلك. الإمام أحمد سجن لأنه يقول ربي الله، فرفع الله درجته، فأصبحنا نذكره في كل مجلس، وعلى كل منبر، وفي كل منتدى، وعلى رأس كل محفل، فانظر كيف رفع الله ذكره، وأما خصومه ومن عارضه فمحق الله ذكرهم، فلا يذكرون إلا قليلاً، مثل الوزير ابن الزيات الذي دعا عليه الإمام أحمد، فجلد وعذب وأدخل في الفرم وهو حي حتى قطع تقطيعاً، هذا ابن الزيات الوزير الذي اعترض على الإمام أحمد، فسلط الله عليه ظالماً مثله، فعذبه وابتلاه وقطعه. وأحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة المبتدع الذي هو أحمد أهل البدعة، وأحمد بن حنبل أحمد أهل السنة، دعا عليه الإمام أحمد فأصيب بالفالوج، لأن الإمام أحمد قال: اللهم عذبه في جسده، لأنه السبب في الجلد والسجن والضغوط السياسية للإمام أحمد، فقال الإمام أحمد: اللهم عذبه في جسده، فشل نصف جسده، والنصف الآخر سليم، قالوا: كيف حالك يا بن أبي دؤاد؟ قال: أما نصف جسدي هذا، فو الله لو أن ذباباً وقع عليه لكأن القيامة قامت، وأما نصف جسدي هذا، فوالله لو قطع بالمناشير قطعة قطعة ما أحسست به، لماذا؟ لأنه عارض الحق، أما الإمام أحمد فبقي مذكوراً في كتب الحديث، فهو يذكر آلاف المرات. أحد الصالحين دخل على ابن بقية، الوزيرالظالم، فضربه على وجهه بكفه فأجلسه، فقال الصالح العابد: اللهم إنه ضربني، اللهم فاقطع يده، فابتلاه الله بظالم فقطعت يده، ولذلك يقول ابن بقية: ليس بعد اليمين لذة عيش يا حياتي بانت يميني فبيني ذكره ابن كثير في ترجمته.

стр. 4869

الابتلاء في حياة شيخ الإسلام وممن عاش مرحلة الابتلاء في تاريخ الإسلام شيخ الإسلام المجاهد الكبير ابن تيمية ﵀، فإنه ابتلي في عرضه بالتهم الرخيصة التي لا مصداق لها ولا حق، وابتلي بالسجن، فدخل السجن؛ لأنه يدعو إلى لا إله إلا الله، وإلى تصحيح المعتقد، وإلى الخروج بالناس من الظلمات إلى النور، فلما أدخل السجن رد عليه الباب، فالتفت إلى البواب وهو يوصد عليه قائلاً ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] دخل على سلطان عصره، السلجوقي، فقال له السلطان: يا بن تيمية يقول الناس: إنك تريد ملكنا، فتبسم ابن تيمية تبسم المستعلي بلا إله إلا الله، الذي يريد ما عند الله والدار الآخرة، والذي ينظر إلى أن الدنيا رخيصة لا تساوي مجلس نصف ساعة في المسجد، وقال: أنا أريد ملكك؟! قال: يقولون ذلك، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً واحداً! تظن أنني أسعى إلى ملكك، ونحن نسعى إلى تقرير لا إله إلا الله في الأرض، لتبقى حية أَبَدَ الدهر، ولذلك بقيت كتبه، وبقيت معالمه، وبقيت مدرسته حية في قلب كل مسلم، وما عرفنا اسم السلطان إلى اليوم. رفع الله ذلك العلم، وكان وحيداً لأنه يعبد الله، وأما السلطان بموكبه وجنوده وحاشيته فأخفت ذكره، فلا نعرف اسمه وللأسف، لأن هذا الابتلاء عاشه ابن تيمية لوجه الله تعالى، واحتسب، وأنا قلت لكم إن من ثمار الابتلاء الرفعة، ولا تجد مبتلاً صبر واحتسب إلا رفع الله ذكره، وأعلى شأنه، فأصبح يذكر أبداً بالدعاء والثناء. ومن الفوائد العظيمة للابتلاء لذة الانتصار، فإن الله أقر عيون الصحابة بعد أن كانوا مستضعفين بالنصر، وما أحسن من الإنسان أن يجاهد ويبذل، ويعطي ثم ينتصر في آخر المرحلة.

стр. 4870

بلال بن رباح وعاقبة الصبر وبلال بن رباح: أهين من الوثنيين إهانة لا يعلمها إلا الله ، والله يعلم أن بلالاً يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويريد الله والدار الآخرة، ويراه يسحب في جبال مكة، ويوضع عليه الصخر، وبلال يقول: أحد أحد، وفي قدرة الله أن يخسف بهؤلاء الكفرة، وأن يطلق بلالاً ويفك أسره، لكن هكذا يريد الله ليجعله الله مدرسة من مدارس الابتلاء. وبعدها يأتي بلال بن رباح فينتصر إيمانه على الكفر، ويثبت يقينه على الطاغوت، ويهتدي بهدى الله ، فيصبح سيداً من السادات، فـ بلال بن رباح معروف الآن، وأما خصومه فليسوا معروفين، بلال يعرفه مسلمو الملايو والسودان والعراق، وكل صقع يذكر فيه لا إله إلا الله يعرفه المسلمون، لأنه مؤذن الإسلام: فاستفاقت على أذان جديد ملء آذانها أذان بلال وفي الصحيح لما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح أمر بلالاً أن يؤذن، فارتقى بلال على الكعبة المشرفة التي بنيت على التوحيد ليؤذن، وليغيظ به ﷺ المشركين رؤساء الضلالة والطاغوت، يقول: انظروا إلى هذا العبد الذي لا يساوي في نظركم فلساً واحداً، أصبح سيداً بلا إله إلا الله، وانظروا إلى هذا المؤمن التقي المتوضئ اليوم يرتقي على الكعبة فيؤذن بلسان التوحيد لتسمعه آذان البشرية. وانظروا إلى من سحبتموه على الصخور، وأهنتموه وضربتموه وشتمتموه، يؤذن يوم الفتح أذاناً، فتستمع الدنيا، وينصت الدهر لأذان بلال: وقل لبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا فرضي الله عن بلال كيف ابتلي فصبر، فرفع الله ذكره أبد الآباد، هذا هو النصر، ولذلك يقول عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، أصبح بلال سيداً من سادات هذا الدين، وأصبح واجهة وقدوة يتشرف المسلم أن ينتسب إلى مثل أمة منهم بلال بن رباح ﵁ وأرضاه. إذاً: يا أيها الإخوة الفضلاء! ويا أيها الأخيار النبلاء! من أعظم الدروس التي نستفيدها: أن الأجر والمثوبة مع المشقة، ولذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﴿قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً، فقلت: يا رسول الله -بأبي أنت وأمي- إنك توعك وعكاً شديداً! قال: نعم، قلت: ذلك بأن لك أجر رجلين، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم﴾ ثم قال ﵊ وهو يتحدث لـ ابن مسعود ﴿ما من مسلم يصيبه هم أو غم أو حزن أو كرب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به من خطاياه﴾ وفي لفظ ﴿إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها﴾ فانظر إلى الابتلاء معه الأجر والمثوبة، فاحتسب ما يصيبك في ذات الله ، من همٍّ أو غمٍّ، أو حزنٍ، أو حتى حر الشمس، فإن الشوكة إذا أصيب بها العبد فاحتسبها عند الله كتب له أجر ذلك. ومنها: الرفعة، فإذا ابتليت فاعلم أن الله أراد رفعتك، وما أراد خفضك، فإنه إذا علم أنك تريده والدار الآخرة رفعك بالابتلاء. ومنها: أنه علمك درساً من دروس العبودية لا ينسى؛ لأنك تذل بالابتلاء، وتتواضع لنفسك، وتتهذب أخلاقك، لأن بعض الناس جاهل ما تربى، فإذا أصيب بمرض أو أصيب بمصيبة ذل، وأسلس القيادة لله الواحد الأحد. ومنها: أنك تتربى كذلك على الصبر، وهي المدرسة الكبرى التي أراد ﷺ أن تتقرر للناس، ولذلك يقول الإمام أحمد: تدبرت الصبر في القرآن فرأيته في أكثر من تسعين موضعاً، وقال أهل العلم: من ركب الصبر أوصله إلى الرضا، وقال عمر: أدركنا خير عيشنا بالصبر، وقال بعض الصالحين: لما صبرنا نجحنا وأفلحنا. من لا يصبر فلا حظ له، ولا حكمة ولا نهاية معه، ولا غاية منشودة يطلبها. فعلينا يا عباد الله! أن نصبر في كل ما أصابنا، وأن نحتسب أجرنا على الله ، يقول ﵊ كما في صحيح مسلم، من حديث صهيب ﵁ وأرضاه مرفوعاً: ﴿عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾. فاصبر على كل ما يصيبك في عرضك، فإن الأخيار وشباب الدعوة والصحوة الإسلامية الآن، أكثر ما يصابون في أعراضهم، متزمتون، متطرفون، رجعيون، مطاوعة، من هذه الألقاب والشائعات التي تلصق بهم، فعليهم أن يحتسبوا، وليعلموا أن رسولهم وقدوتهم ﷺ أصيب بأشد من هذا، فقالوا عنه ساحر، وكاهن، وشاعر، ولكن صبر واحتسب، فأعلاه الله وخفض خصومه. واصبر على كل ما يصيبك في مجال الدعوة، فإنك تجد الجفاء والإعراض، وتجد تكبر المتكبرين وشتم الشاتمين، وسب السابين، فعليك أن تحسن خلقك، وأن تصبر، فإن النصر سوف يكون معك إن شاء الله. واصبر على كل ما يفوتك من الأحباب والأقارب، وكل ما يصيبك في جسمك من تعطيل بعض الحواس وتحتسب ذلك على الله، فنسأل الله لنا ولكم العافية، فإنا لا ندعو بالبلاء. ولما قرأ أبو علي الفضيل بن عياض قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال: اللهم لا تبلونا فتفضحنا، يعني اتركنا مستورين، فإن بعض الناس يدعو بالابتلاء فإذا حصل لا يصبر، كما فعل بنو إسرائيل، كانوا يتمنون القتال فلما حضرت المعركة فشلوا، فنحن نسأل الله العفو والعافية، وفي حديث العباس أن الرسول ﵊ قال في المسند: ﴿ألا أحبوك يا عم﴾ وفي رواية: ﴿يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به، قال قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ وفي صحيح مسلم ﴿أن الرسول ﷺ ذهب إلى رجل من الأنصار، فوجده مريضاً قد ضمر جسمه، قال: مالك؟ قال: قلت: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فابتلاني الله، قال ﵊: ألا قلت أحسن من ذلك؟ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]﴾. فندعو دائماً بالعافية. وعند الترمذي: ﴿أن الرسول ﵊ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال: مالك دعوت بالبلاء، ولكن اسأل الله العافية﴾ فنحن نسأل الله العافية وأن نكون مستورين، لأنا لا ندري علَّنا أن نبتلى فنفتضح، فنسأله أن يعافينا وإياكم من أي سوء، وأن يجعل أحسن الأقدار علينا ألطفه، وأن يرزقنا من الخير أعمه، ومن البر أتمه، ومن العيش أرغده، ومن الوقت أسعده، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4871

الأسئلة .

стр. 4872

معنى الصبر السؤال ما معنى الصبر؟ وإذا حل بالإنسان أمر يكرهه وأخبر به أحداً، فهل يعتبر من غير الصابرين؟ الجواب الصبر أثابكم الله في اللغة معناه: الحبس، ومعنى الصبر في الاصطلاح: أن تحبس نفسك على طاعة الله ، تحبسها من الشكوى من أمر وقع عليك، والشكوى على ضربين اثنين وعلى قسمين: شكوى بدون تأفف ولا تسخط، وإنما عرض ومناجاة، وطرح على الأحبة فلا بأس في ذلك، ولذلك قال الإمام البخاري في صحيحه: باب من قال وارأساه، هل هذا من الشكوى، ثم أتى بحديث عائشة أنها قالت: ﴿ذهب ﷺ إلى بقيع الغرقد، ثم أتى فقلت: يا رسول الله وارأساه، فقال: بل أنا وارأساه﴾ فالرسول ﵊ قال هنا وارأساه، وكذلك حديث فاطمة لما قالت: ﴿واكرب أبتاه، قال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم﴾ فهذا ليس معناه التسخط على القضاء والقدر، وإنما معناه التسلية والبوح عما في النفس: ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع وأما الناحية الأخرى، فهي الشكوى بمعنى التسخط، وهذا لا يجوز، بأن تعرض حالك على الناس وكأنك تشكو الله على الناس، فهذا لا ينبغي: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم وهذا من الخطأ، وهو مردود ومذموم، ولا ينبغي أن يزاول أو يفعل، بل يتقي الله العبدُ، ويشكو حزنه وبثه ومصابه إلى الله .

стр. 4873

أدعية تدفع المصائب السؤال هل توجد أذكار أو أعمال يفعلها المسلم تدفع المصائب؟ الجواب هناك بعض الأحاديث في هذا الباب، منها حديث ﴿لا يرد القضاء إلا الدعاء﴾ وقد صححه بعض أهل العلم، ومنها حديث: ﴿إن الدعاء والقضاء يعتلجان أيهما يغلب الآخر﴾ فأما الدعاء فقد يخفف من المصائب، وأحسن ما يدعو به المؤمن كما سلف: اللهم إني أسألك العفو والعافية، وربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وهل الدعاء يرد القضاء، هذه مسألة، والصحيح أن يقال، نعم وبيانه أنه قد كتب وقدر أن العبد يدعو بهذا الدعاء، فيرد الله عنه ما كان سيحل به، فالدعاء يرده من هذا الباب، لأن الله قدر عليه القدر، وقدر عليه أنه سيدعوه فيصرف عنه هذا الأمر بالدعاء، فلا يَهْلك مع الدعاء أحداً، وأساس الفرج الدعاء، لأنا لو قلنا: إن الدعاء لا ينفع مع القضاء لأبطلنا الأسباب، فما فائدة أن يقول الطالب: اللهم نجحني في الامتحان، وقد كتب الله عليه أن يرسب، فهذا لا فائدة فيه! فنقول: لا، بل له فائدة، وعلى الطالب أن يدعو لأمرين: أولاً أنه ما علم الغيب، وما علم أن الله كتب عليه الرسوب، فلماذا يقول كتب الله علي الرسوب فلا أدعو؟! ثانياً: لعل الله قد كتب له أن يدعو فينجحه بسبب الدعاء، يوم كتب الله عليه أن يرسب، لعله كتب: ثم يدعو فينجح، والقضية تحتاج إلى بسط أكثر من هذا.

стр. 4874

الابتلاء بالنعم السؤال هذه المصائب التي ذكرتم في نقص النعم، فما أمثالها في زيادة النعم؟ الجواب أحسنت، هذا جانب الضراء وهو الابتلاء بالنقص والأخذ، والمرض والألم، لكن هناك مصائب يبتليها الله ، وهي من السراء كالزيادة في العطاء والنعم. قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنعم فبعض النعم ابتلاء وامتحان ومزلة، ابتلى الله كثيراً من الناس بالنعم والزيادة، فرسبوا وأخفقوا وما نجحوا، وابتلى الله بعضهم فأنعم عليهم فشكروا، وابتلي البعض بالنعم فما صبر وما شكر وما أعطى، وما أروا الله من أنفسهم خيراً كأهل سبأ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا -ما شكروا- وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٥ - ١٧] فهؤلاء ما شكروا. قارون أنعم الله عليه فما قدر النعمة وما شكر، وهذا ابتلاء بالنعمة ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٧٩ - ٨٠] فابتلي بالمال، فما شكر، فكان كفراناً وجحوداً وذنباً وغضباً. فرعون ابتلي بالمنصب أعطاه الله الملك، والواجب أن يستخدم هذا الملك في خدمة لا إله إلا الله، وفي خدمة دين الله، وفي تأييد رسله، لكن ماذا قال؟ جلس على المنبر، وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فلما قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] أجراها الله من فوق رأسه لما أغرقه. ويقول عن الوليد بن المغيرة: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١٣ - ١٥] كلا، فابتلاه الله ورداه إلى غير ذلك. فالمقصود أن الزيادة ابتلاء، وأن النقص ابتلاء، فمنهم من يشكر ومنهم من يكفر، لكن ذكر الله أن بعض الناس أدى وشكر، وفي السيرة أن عثمان دفع أمواله، فاستنقذ نفسه من غضب الله، وابن عوف كذلك أنفق القافلة في سبيل الله ، فأنقذه الله من النار، وكثير من الصالحين بذلوا، وأعطوا وأنفقوا الكثير، وشكر الله للسائل هذه اللفتة الطيبة.

стр. 4875

بقاء الصغير مع أهله العصاة السؤال كيف يصبر الإنسان في بيته، وبيته غارق بالمعاصي، وهو لا يستطيع الخروج من البيت؛ لأنه صغير السن؟ الجواب هذا سؤال يتكرر كثيراً من الشباب الذين أقبلوا على الله ، وبيوتهم لا زالت تعيش الجاهلية الجهلاء، فهو بين أن يصبر في هذا المجتمع الآسن، وهذا البيت المكدر مع المعاصي والشهوات والمخالفات، وبين أن يترك البيت ويذهب، لكن من يكفله، والكافل هو الله ، لكن إلى أين؟ ما هو المكان الذي يذهب ليؤمن نفسه فيه؟ وأقول لأخي: عليك أولاً: بالصبر على هذا المصاب، فإنها مصيبة تؤجر عليها. والأمر الثاني: عليك بكثرة الدعاء، أن يجعل الله لك مخرجاً من هذه المصيبة، ومن هذا الكرب. والأمر الثالث: عليك بالدعوة إلى الله بالحكمة واللين مع أهلك، وأن تحاول أن تصلح قليلاً قليلاً، وأن تصبر، وأن يكون نَفَسُك مديداً، فإذا انتهت أعمالك وأشواقك فعليك أن تتوجه إلى الله، وأن تعالج الأمر بشيء من الحكمة. فإما أن ترى أن الهجر أنفع فتهجر بيتك ردحاً من الزمن علهم أن يتأدبوا؛ لأن هجر العصاة وارد وهو من السنة، وإذا رأيت ذلك لم ينجح ورأيت أهلك معرضين عن فرائض الله فعليك أن تقاطعهم إذا رأيت ذلك بعد أن تصبر وتلين، وتدعو إلى الله عز جل، وسوف يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً إذا رأى صدقك واحتسابك، ورأى منك صدق الدعاء.

стр. 4876

العلاج والتوكل السؤال هل الأخذ بالأسباب، ومعالجة المرض، ينافي الصبر على البلاء؟ وضحوا ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب المعالجة وطلب الدواء وعرض النفس على الطبيب إذا ابتلي العبد بمرض لا ينافي التوكل إن شاء الله، والرسول عليه الصلة والسلام يقول: ﴿تداووا عباد الله! ولا تداووا بمحرم﴾ وفي السنن من حديث أبي خزيمة أنه قال ﵊: ﴿ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله﴾ فطلب الدواء لا ينافي التوكل إن شاء الله. وإنما اختلف أهل العلم في الرقية والاسترقاء على حديث ابن عباس: ﴿لا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يرقون، ولا يسترقون﴾ ولكن طلب العلاج لا ينافي إن شاء الله التوكل. ومطلوب أن يعالج المسلم نفسه، ولكن العلاج على الصحيح رخصة، وليس بعزيمة، فلا يجب على العبد إذا مرض أن يتعالج إن شاء الله، كما قال بعض أهل العلم: وله أن يصبر حتى يموت، والأحسن أن يعرض نفسه على الطبيب، وأن يجلب الدواء. فطلب الدواء لا ينافي التوكل، وهو من الأسباب المطلوبة إن شاء الله، والرسول ﷺ احتجم، ورقاه جبريل ﵇ لما سحر ﷺ ، وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم تداووا، وهم أكثر منا توكلاً، وأشد اعتماداً على الله ، فأخذ الأسباب لا بأس به. وفي صحيح البخاري ﴿أن الرسول ﷺ في معركة أحد، لما شج في رأسه ﵊، أتي بسعف فأحرق، وأدخل في الشج﴾ فهذا من الأسباب التي قدمت للرسول ﷺ ، وعرضت عليه، فلا ينافي ذلك التوكل بإذن الله.

стр. 4877

هل البكاء ينافي الصبر ؟ السؤال إذا حصل للمؤمن مصيبة كموت عزيز ونحوه، ثم بكى فهل هذا البكاء وخصوصاً عند النساء ينافي الصبر، أرجو توضيح ذلك؟ الجواب البكاء قسمان: بكاء بلا عويل، ولا نياحة، ولا تَسَخُّط ولا أيِّ من أمور الجاهلية، فهذا لا بأس به، فقد فعله ﷺ ، وبكاء تصاحبه نياحة وتسخط، وتذمر، وكلام، فهذا هو المنهي عنه، وهو الذي توعد ﷺ صاحبه فقال: ﴿النائحة إذا لم تتب أوقفت يوم القيامة وعليها درع من جرب، وصب عليها القطران، أو إزار من قطران﴾ وفي حديث أبي موسى ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ برئ من الحالقة والصالقة والشاقة﴾ إذا علم ذلك فهذا الأمر مذموم. أما البكاء المجرد عن ذلك فالرسول ﷺ بكى، وهو وأرض الناس بحكم الله، وقال: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ وعليه فالبكاء ودمع العين من الرقة، والرسول ﵊ بكى في مواضع كثيرة، أكثر من عشرة مواضع، بكى يوم أغمي على سعد بن عبادة، وهذا في الصحيح، قال: ﴿مات أخي؟ قالوا: لا، فبكى ﷺ ﴾ وبكى لما حضر جنازة ابنته زينب، وقال: ﴿لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً﴾. وبكى ﷺ لما مات سعد بن معاذ، وبكى ﵊ ودمعت عيناه لما مات إبراهيم في مواطن يطول تعدادها. وقد ذكر ابن تيمية في فتاويه، ونقل عن الفضيل بن عياض أنه مات ابنه علي فضحك، يعني من كثرة الصبر والرضا فـ ابن تيمية ذاك الذكي الأريب، يعالج المسألة، ويقول: حال رسولنا ﷺ أكمل، لأنه لما توفي ابنه بكى، والفضيل ضحك، فاجتمع للرسول ﷺ واردان، وارد الرضا، ووارد الرحمة، فاستطاع ﷺ أن يرضى بحكم الله، فقال: ﴿تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا﴾ هذا الرضا، وجانب الرحمة تدمع العين، فجمع بين الرحمة وبين الرضا، وأما الفضيل بن عياض فما استطاع أن يجمع بينهما، مع الرضا الرحمة فضحك، فحال رسولنا ﷺ أكمل، وحال من بكى في المصائب بلا تسخط، ولا هلع، ولا جزع، ولا تذمر، أكبر من حال من جفت عيناه، وقسي قلبه، لأن الناس ثلاثة في هذا الباب: رجل لا يبكي ولا يتأثر عند المصائب أبداً، وهذا مذموم، ورجل يهلع ويتذمر وينوح ويشتم ويسب، إما رجل وإما امرأة، وهذا مذموم، والمتوسط وهو الخير، الذي تدمع عيناه، ويحزن قلبه، ويرضى بحكم الله ويسلم.

стр. 4878

وسائل تعين على الصبر السؤال ما هي السبل التي تعين الإنسان على الصبر؟ الجواب أسلفت هذا في أول الحديث، ولا بأس من إعادة رءوس الأقلام في هذا الباب، فقد ذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد، لما ذكر هديه ﷺ في علاج المصائب. الأمر الأول علاج المصيبة بالإيمان بالقضاء والقدر، وهو ركن من أركان الإيمان كما تعرفون، وهو شق من التوحيد. والأمر الثاني: احتساب الأجر والمثوبة عند الله. والأمر الثالث: أن تتسلى بأهل المصائب من عباد الله . والأمر الرابع: أن تعرف أن هذه المصيبة أهون من غيرها، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكر، وهذه الأمور الأربعة كأنها الأمور الأساسية والجوهرية في هذا الباب.

стр. 4879

تمني البلاء السؤال هل يجوز للإنسان أن يتمنى البلاء، لكي يحصل على الثواب؟ الجواب هذا ليس بجائز، بل كما أسلفت أن الرسول ﷺ قال للعباس قل: ﴿اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ والرسول ﵊ كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي بكر قال الراوي: ﴿قام فينا أبو بكر، فبكى على المنبر، ووضع رأسه، ثم رفع رأسه، وقال: يا أيها الناس! قام فينا رسول الله ﷺ عام أول، ثم وضع رأسه، ثم بكى، ثم رفع رأسه، وقال: يا أيها الناس! اسألوا الله العفو والعافية فما أوتي العبد بعد اليقين خيراً من العافية﴾. فأمرنا أن نسأل الله العافية ولا نسأله البلاء، فإن من سأل الله البلاء لا يدري لعله يقع فيه ثم لا يجد مخرجاً ولا يصبر، فيقع في المحذور، ومن هذا الباب أن الرسول ﵊ قال، كما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة: ﴿يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة -لأن الإمارة ابتلاء- فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها -انظر كيف يعان عليها لأنه ما سألها، وما سأل الابتلاء- وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إلى نفسك﴾ فمن طلبها بالمسألة وكل إلى نفسه، فالابتلاء لا يطلب لأنه إذا طلب وكل الإنسان إلى نفسه، وإذا أتى من دون سؤال أعين العبد عليه.

стр. 4880

كتب لا يستغني عنها طالب العلم السؤال أرجو منك تبيين ما هي الكتب التي لا يستغني عنها طالب العلم والتي تعينه على البحث والاطلاع، وعلى السير على الصراط المستقيم؟ الجواب من الكتب التي أرشدكم إليها، بعد أن نتفق أنا وإياكم وكل مسلم على أن كتاب الله عليه مدار التدبر والفهم والحفظ، وأنه المقدم دائماً وأبداً، وأنه الذي أوصى به ﷺ في آخر حياته، وعليه وصية السالفين واللاحقين والصالحين والصديقين. من هذه الكتب زاد المعاد وجامع الأصول لـ ابن الأثير فإنه من أحسن الكتب التي ألفت في فن الحديث، مع رياض الصالحين للخطيب والداعية والمتكلم يحفظ نصوصه فهي من أفضل ما كتب وجمع؛ لأن صاحب الكتاب رزق الإخلاص والقبول، مع كتاب بلوغ المرام في الأحكام، فهو من أحسن ما حرر، قال ابن حجر في أوله: حررته تحريراً بالغاً، ليكون من يحفظه بين أقرانه نابغاً، مع عمدة الأحكام في الحديث. وأما في الفقه فهناك كتب وإني أشكر لعالمكم الفاضل، وهو الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي صاحب كتاب السلسبيل، فما يحتاج إلى فضيلة أخرى مع كتاب السلسبيل، فقد أجاد كل الإجادة في تدليله على مسائل الفقه، فإنه يأتي بالحديث ويخرجه بعض الأحيان من عشرة مراجع، وبعض المرات ينقل تصحيحه من أربعة أو خمسة مصححين. والأمر الثاني: أنه يأتي بترجيحات أو أقوال المذاهب، فيورد قول مالك كذا، وقول الشافعي كذا، وقول أحمد كذا، وتارة يأتي باختيارات ابن تيمية وابن القيم، فهو كتاب مفيد في الأحكام، مع البحر وحدث عن البحر ولا حرج، أعني نيل الأوطار للشوكاني، وبالجملة يقول الذهبي في ترجمة ابن حزم في سير أعلام النبلاء: أربعة كتب من جمعها وأمعن النظر فيها فهو العالم حقاً، المغني للحنابلة، والتمهيد لـ ابن عبد البر، وسنن البيهقي، والمحلى لـ ابن حزم، ومن زاد معها المجموع للنووي فقد أحسن، هذا في الأحكام وما الأحكام. والرقائق سلف أن قلت منها جامع العلوم والحكم لـ ابن رجب، ورياض الصالحين والترغيب والترهيب، وكتاب الزهد للإمام أحمد، وكتاب الزهد> ابن المبارك، ومن فتح الله عليه سهل له الأمور، لكن أرشدكم إلى ذلك، وفي التفسير: تفسير ابن كثير، وفي التاريخ البداية والنهاية لـ ابن كثير أيضاً، وأوصيكم في الجملة بكتب ابن تيمية، وكتب ابن القيم، والحديث يطول في هذا ولكن إن شاء الله يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

стр. 4881

ضرورة حفظ الأوقات السؤال ما هي نصيحتكم للشباب لقضاء وقت نافع في حياته؟ الجواب أوصي نفسي والشباب بحفظ الوقت، ومن أعظم المصائب التي أصيب بها شباب الإسلام إلا من رحم الله رخص الوقت عندهم، حتى أصبح الوقت عند الكافر أغلى منه عند بعض المؤمنين، ومن يقرأ كتاب دع القلق وابدأ الحياة لهذا الأمريكي، يلاحظ كيف يحرصون على أوقاتهم، وهم لا يرجون من الله ثواباً ولا أجراً ولا جنة ولا يخافون ناراً. أكافر يحفظ الوقت، ومؤمن يضيع الوقت؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي أشاب الصغير وأفنى الكبير كرُّ الغداة ومر العشي إذا ليلة أهرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي فأعظم ما أصبنا به أننا أرخصنا الوقت، الساعة الواحدة تمر بنا ونحن على إبريق الشاي نتحدث في كلام لا ينفع، من الأسعار والأمطار والأخبار والأنهار والأشجار، فأين حفظ الوقت؟! في ساعة واحدة يؤلف ابن تيمية كتاب التدمرية، وقرر علينا سنة في الكلية فقرأناه وما فهمناه، لأن التدمرية تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، في ساعة واحدة يؤلف كتاباً يقرر في الكلية في سنة ولا يفهمه الطلاب. ابن تيمية يثني رجله في دقائق فيؤلف قصيدة قوامها مائتي بيت، ثم يرسلها للناس، ويبقى العلماء يشرحونها في مجلدات، وكذلك ابن عقيل الحنبلي، ذكروا عنه -كما ذكر عنه ابن الجوزي في سيرته- أنه ألف كتابه الفنون سبعمائة مجلد، قال: كتاب الفنون ما جعله إلا لفضول الأوقات، يعني فضول الوقت، جعل رزمة من الأوراق عند رأسه فإذا أراد أن ينام كتب قبل أن ينام عشر صفحات، وإذا استيقظ وقال: أصبحنا وأصبح الملك لله كتب عشر صفحات، وإذا مرت به خاطرة سجلها، وإذا أتته فائدة قيدها، كل هذا خارج أوقات الدروس والمحاضرات واللقاءات، فترك للأمة سبعمائة مجلد، حتى يقول: أنا آكل الكعك ولا آكل الخبز؟ قالوا: لماذا؟ قال: وجدت أن بين الوقتين مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية. ونحن الآن الأيام الطوال والفسح الطويلة والعريضة تذهب سدى ولا تستثمر. إن مصيبة الوقت عندنا مصيبة لا يعلمها إلا الله، فإني أدعو نفسي وإياكم إلى استثمار الوقت، وأحسن ما يستثمر بعد الفرائض في المطالعة الجادة، وفي الجلوس في حلق العلماء، وطلب العلم وحضور المحاضرات، والكلمات النافعة، ومجالس الخير، وزيارات الأحباب، وتكون الزيارات مرتبة مخطط لها، لاأن تزوره فما يكون في ذهنك أسئلة، فتبدأ تسأله عن نسبه وعن ميلاده وعن سيارته وأخباره ودياره، فهذه ليست بزيارة نافعة، لكن يكون بينك وبينه اتفاق على دروس وعلى شرح آية أو حديث لتكون متهيئاً. إنها أمور تربوية تركها ﷺ للناس، يوم كانت أنفاسه حفظاً للوقت، وكلماته حفظاً للوقت، وتحركاته حفظاً للوقت، فكان كله حفظاً للحياة ﵊.

стр. 4882

محبة الخير للمسلمين السؤال كيف يعود الإنسان نفسه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ الجواب هذه المنزلة -منزلة أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك- منزلة عالية وعظيمة، نسأل الله أن يبلغنا وإياكم إياها، فقد قال ﷺ في الصحيح من حديث أنس: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ أتى بها البخاري في كتاب الإيمان. ويعود المرء نفسه بأمور: منها: أن ترى فناء الدنيا، وأنها تزول، وأنه لا يبقى إلا وجه الله ، وأنه مهما غلب عليك بعض الأشخاص، أو تقدم عليك في بعض الدنيا، أو معطياتها فما عليك، فإن العطاء الجزيل هو أن يرزقك الله الاستقامة. ومنها: أن تعلم أن هذا الأمر يرضي الله ، يوم تحب لأخيك ما تحب لنفسك، هذا يرضي الله، فلماذا لا تسعى في مرضات الله؟! ومنها: أن تعلم أن هذا المسلم أخ لك، وأنه قريب منك، وأنه حبيبك في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فتود له ما تود لنفسك، لتلقى الله وأنت مرضي عنك إن شاء الله.

стр. 4883

هل الشعر مذموم أم لا ؟ السؤال عن قول الله ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] فهل كل الشعر مذموم؟ وما تفسير الآية؟ الجواب الشعراء الذين هم من أتباع السنة كلهم في الجنة إن شاء الله، والله ذم الشعراء عامة، ثم استثنى منهم ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧] والشعر كما يقول ابن عباس: كالكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، وفي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد، قال: ركبت وراء الرسول ﵊ فقال: أتحفظ من شعر أمية شيئاً؟ -يعني ابن أبي الصلت الجاهلي- قال: قلت نعم، قال: هيه؟ فأنشدته بيتاً، فقال هيه، فأنشدته ثانياً، فقال: هيه، فما زال يستنشدني حتى أنشدته مائة قافية. وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب من صده الشعر عن القرآن وعن الذكر وعن العلم، ثم ساق الحديث عن أبي هريرة، وقد اتفق معه مسلم على ذلك، قال ﵊: ﴿لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً﴾ قال بعض العلماء مما هجي به الرسول ﷺ . فأنا أقول الشعر مطلوب، لكن بثلاثة أمور: أولها؛ ألا يكثر، حتى يطغى على حياة العبد وعلى نشاطه وعلمه، وجده. والأمر الثاني: ألا يكون شعر سخف ومجون. والأمر الثالث: ألا يكون مما أهين به بعض المسلمين، أو مما يُهْجَى به بعض المسلمين، فإذا سلم فهو الشعر المطلوب الذي ينصر به الإسلام إن شاء الله.

стр. 4884

العلم بين الأستاذ والتلميذ فضل العلم عظيم، وخيره كثير، ونفعه كبير، ولابد للعلم من معلم يرعى الطالب ويربيه، ويهذبه ويزكيه، ويعلمه كيف ينتفع بعلمه، ولابد لهذا المعلم من أخلاق ومواصفات لا يخلو منها، وفي المقابل يجب على الطالب الالتزام بآداب تجاه معلمه، وفي هذا الدرس يذكر الشيخ كثيراً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم والمتعلم.

стр. 4885

تاريخنا مبدؤه من البعثة اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من بعثه الله فهدى الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وأنار به معالم البشرية صلى الله وسلم على أذن الخير التي تلقت الوحي من الله، فبلغته للبشرية، ووعته وحفظته صلى الله وسلم على لسان الصدق الذي دفع الكلمة الصادقة المخلصة إلى الأجيال صلى الله وسلم على المعلم النبيل، والهادي الجليل، والأستاذ النبيل صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلاماً دائمين مادام الليل والنهار. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني في هذا المكان، ثم أشكر أساتذة الجيل ورواد الحضارة، وأهل البناء العميق في تاريخ الإنسان، ثم أشكر سعادة عميد هذه الكلية ووكيله وهيئة التدريس، ثم أشكركم أيها الأبطال الأخيار النبلاء. أتيت من أبها بلاد الجمال أقول أهلاً مرحباً بالرجال روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أصحابه يا رجال المحاضرة في هذه الليلة: (العلم بين الأستاذ والطالب) ويوم أن يكون العلم عندنا نحن المسلمين يكون نوعاً آخر، ويكون له طعم آخر ومزاج آخر ورسالة أخرى وهل العلم إلا منا، وهل نحن إلا شادة العلم الذي ينفع في الدنيا والآخرة. وأما عناصر هذه الجلسة والمحاضرة فهي: فضل العلم، وما ذكره الله ورسوله ﷺ عن العلم ثم لا علم بلا إيمان لنرد على العلمانيين، أهل التراب عبدة العلم من دون الله ثم العلم النافع يورث الخشية ثم عدم العمل بالعلم شؤم وزندقة وإلحاد، وهذا ليس مقصوداً. ثم مهمة الأستاذ في التعليم، وما هي هذه المهمة والرسالة التي تركها الإسلام على عاتق الأستاذ ثم ما هو واجب الطالب بيد الأستاذ؟ وقبل ذلك أمام رقابة الله ﵎ وفي الأخير المعاصي تذل العلم، وتطفئ الذكاء وتطمس المعرفة. أيها الإخوة: كنا قبل الإسلام أمة عربية أمية لا نعرف شيئاً رعاة غنم وإبل وبقر، والقوميون يقولون: لا. تاريخنا من أول الدنيا، ونحن أهل الحضارة حتى قبل الإسلام وكذبوا لعمر الله! ودجلوا على الحقيقة والتاريخ! كنا أمةً بلا معرفة ولا ثقافة، وأمةً بلا حضارة حتى أتى محمد ﵊ تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما عداه فلا ذكر ولا شان ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. كان للرومان حضارة، ولفارس ثقافة، وللهنود معرفة، أما نحن في الجزيرة فلا ثقافة ولا حضارة ولا معرفة حتى جاء ﵊ فسكب فينا روح لا إله إلا الله، فاستيقظنا من نومنا وسباتنا العميق. إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها وبعد خمس وعشرين سنة يخطب خطيبنا في نواحي نهر السند واللوار، وعلى ضفاف دجلة والفرات، وبعد خمس وعشرين سنة يكون لنا منتدى في العالم شعراء وأدباء؛ لأننا أمة الإيمان والحب والطموح.

стр. 4886

فضل العلم وعلاقته بالإيمان بالله أراد الله أن يستشهد على جلالته وعظمته ووحدانيته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. فانظر كيف استشهد العلماء وطلبة العلم على أعظم شهادة في الدنيا. والله يرفع بين طبقات الناس بنسب إضافية، فما هي الرفعة في الإسلام بعد التقوى؟ إنه العلم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. وهل يستوي عالم متعلم وجاهل بليد رعديد؟! لا والله لا في العقل ولا في الحس ولا في النقل، يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] أرأيت الكلب؟ هو كلب ويكفي في تعريفه أنه كلب، والمعارف لا تعرف، ولكن جعل الله الكلب في القرآن على قسمين: كلب معلم، تعلم وحمل شهادةً فصيده حلال، وكلب جاهل فصيده حرام يقول سبحانه: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] أرأيت إلى الهدهد؟ إنه طائر ويفتخر بالعلم! وهل سمعتم بهدهد يفتخر بالعلم؟! إن سمعتم بذلك فهو في سورة النمل، أتى إلى سليمان ﵇ فقال له: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] ثم ألقى عليه محاضرة في التوحيد والعقيدة فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٤] ولم يطلب الله من نبيه أن يتزود من الحطام، ولا من المال، ولا من العمار، ولا من العقار، ولكن قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]. هذا الرجل العظيم ﵊، الذي يسكن في بيت من الطين، ويجلس على التراب، ويأكل خبز الشعير، ولكنه نشر العلم في العالم، ونشر المعرفة في المعمورة، ويقول : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] وهذا الفضل إنما هو بالقرآن؛ بل أفضل من ذلك كله أن الله جعل العلماء وطلبة العلم ورثة للأنبياء والرسل فيا ورثة الأنبياء والرسل! ويا أحفاد محمد ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي! ويا من أراد أن يشع الخير في البشرية مرة ثانية! لنقول للناس من هنا خاصةً من مهبط الوحي، من حيث انتشر الإسلام، وانطلقت لا إله إلا الله: هذه رسالتكم، وهذا الحديث معكم عن العلم وفضله، فلا أفضل من العلم، ولا أجلَّ منه يقول الأندلسي المربي أبو إسحاق الالبيري، وهو يوصي ابنه بطلب العلم وفضل العلم: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردتا وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا

стр. 4887

طلب العلم لوجه الله والعلم هو الذي يطلب لوجه الله ﵎ السلف الصالح يوم أن طلبوا العلم طلبوه لوجه الله؛ فآتى هذا العلم ثماره ونوره وأزهاره للبشرية. فهذا الإمام أحمد يطوف بالدنيا، فيذهب إلى خراسان، وإلى بغداد، وإلى مصر، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى الجزيرة؛ حتى يجمع أربعين ألف حديث يقول: والله لقد كانت تمر علي الليالي لا أجد كسرة الخبز من العيش! اشتغل ﵀ حصَّاداً ولقَّاطاً يطلب العلم لوجه الله . وسمع عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني وهو في صنعاء اليمن، فسافر له من بغداد، وأخذ عمرة، وفوجئ وهو يطوف بالبيت بـ عبد الرزاق يطوف، فقال له أحد زملائه: هذا عبد الرزاق أتى الله به من اليمن، فخذ الحديث منه. قال: لا والله لا تكون هجرتي إلا لله ، وقد قصدت صنعاء، فلن آخذ منه شيئاً حتى يعود إلى اليمن فآخذ منه علماً إن شاء الله. وعاد ذاك، وسافر الإمام أحمد فطلب العلم الذي أوصله إلى رضوان الله، فأصبح إمام أهل السنة والجماعة يقول ابنه عبد الله فيما صح عنه عند الذهبي: كان أبي يصلي من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة. وكان الإمام أحمد إذا دخل السوق ورآه الناس هللوا وكبروا وسبحوا لما يرون من الجلالة والمهابة والإيمان والتقوى. ويتحدث الله عن موسى وعن طلبه للعلم عندما سافر إلى الخضر وقد بوب البخاري لذلك وقال: باب ركوب البحر في طلب العلم. ولذلك كان علم السلف الصالح علم خشية، وعلم تقوى وعمل. يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً﴾ انظر الإشراق في العبارة! لم يمثل بالمطر، وإنما مثل بالغيث لأسباب: منها: أن المطر أكثر ما يستخدم في القرآن للعذاب، قال الله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء:١٧٣]. ومنها: أن الغيث فيه غوث للقلوب، وفيه صفاء: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرض طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أرض أمسكت الماء فنفع الله به الناس، فسقوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي أجادب لا تنبت كلأً ولا تمسك ماءً، فذلك مثل من نفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم﴾ وهذه الأمة على هذه المستويات: رجل نفعه الله بالرسالة الخالدة، فتعلم القرآن والسنة، ونشر الخير والدعوة والفضل وأصبح مؤمناً، فهذا هو الفاضل ورجل أخذ العلم لنفسه وانقبع في بيته وأغلق عليه بابه فنفع نفسه فحسب ورجل عاش التمرد، وعاش شهوة الفرج والبطن، وعاش في الحياة بلا رسالة، والذي يعيش في الحياة بلا رسالة أشبه بالبهيمة، لا علم ولا أصالة ولا عمق، إنما هو يركب كل شيء ولذلك إن المسئول عما وقع في واقعنا من الكلمة الملحدة الآثمة، والقصيدة التي تحمل الزندقة والكفر، والأغنية الماجنة التي تهدم الجيل والشباب والقلوب، والمجلة الخليعة التي تحبب الكأس والمرأة لأجيال الأمة وشباب الأمة؛ المسئول هو الذي لم يرفع رأساً بهذه الرسالة الخالدة، وهو الذي لم يرضع لبن دعوة الرسول ﵊.

стр. 4888

لا علم بلا إيمان إننا بحاجة إلى أن نتكلم للناس في الإيمان قبل العلم، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] فلا علم بلا إيمان أتى أتاتورك إلى الأتراك، ففصل الإيمان تماماً، وسحق الإسلام مطلقاً، ودمر المساجد، وأتى بـ العلمانية الكافرة، فعبد العلم من دون الله ﵎. ولذلك يقول الله في الكفر وأهله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ويقول الله عنهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. يقول كريسي موريسون في كتاب الإنسان لا يقوم وحده: يا أهل المشرق! قدمنا لكم خدمة الإنسان للإنسان -يقصد الطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة- فقدموا لنا خدمة الروح للروح. يقصد لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعندما يأتي الإنسان ليعيش العلم بلا إيمان فإنه سوف يضل الأمة، وسوف يذهب بالبلاد إلى الهاوية، وسوف يخرب كل الدنيا، والصحفي إذا لم يؤمن بالله فسوف يكتب بقلمه كلمات غير مسئولة، وكلمات الإلحاد والزندقة والفاحشة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. والشاعر إذا لم يؤمن بالله يكن سائباً على الأحداث، هامشياً لا يحمل رسالة، ولذلك إنما تميز محمد إقبال عن شعراء كثير من الناس ولو في بلاد الإسلام؛ لأنه شاعر الإيمان والحب والطموح آمن بالله فكانت كلماته وقصائده تنبعث إلى القلب كأنها شعل، أو كأنها قطرات من دمه على الأمة الإسلامية جاء إلى مكة ورأى الجيل، وقبل أن يأتي من باكستان ظن أنه سوف يجد شباباً يحملون رسالة، وجيلاً يحملون مبدأً خالداً، وسوف يرى أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ ففوجئ بشباب لا رسالة لهم في الحياة -وأنا لا أعني هذا الجيل؛ فإن هذا الجيل جيل رسالة، طلعاتهم تبشر بالخير، وهم الذين يحيون بالإسلام، والسنوات سوف تظهر ذلك بإذن الله- فبكى طويلاً وسجل قصيدته التي يقول فيها: أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالي وجلجلة الأذان بكل حيٍ ولكن أين صوت من بلال أين الإسلام؟ أين لا إله إلا الله؟ أين الأمة التي امتطت موج البحر ومتن المحيطات لتبلغ لا إله إلا الله؟ يقف عقبة بن نافع بفرسه على شاطئ المحيط الأطلنطي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر لأنشر (لا إله إلا الله) في تلك الأرض ويقدم سعد بن أبي وقاص دمه يوم القادسية ويقول: اللهم خذ من دمائنا هذا اليوم حتى ترضى يقول أحد الشهداء في العراق من المسلمين: فيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يموتون في فج من الأرض خائف هذا هو الإيمان، وحين يوجد في القلب يصبح قلباً حياً، يقول أبو الحسن الندوي: قلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة ولكنها ترمى في الزبالة، وعين بلا إيمان مقلة عمياء، ويد بلا إيمان إشارة خاطئة آثمة، وجيل بلا إيمان قطيع من الغنم أو هوشة من البقر، وقصيدة بلا إيمان كلام ملفف، وكتاب بلا إيمان كلام مصفف فنحن أمة الإيمان وأمة الرسالة. فأقول: لماذا يكتب الصحفي ويعادي الإسلام؟! ولد في بلاد الإسلام، وسقط رأسه في مهبط الوحي، وشرب من ماء زمزم، وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، لكنه إذا كتب في الصحافة ترك الإسلام في بيته ونسي أنه مسلم لماذا؟ لأنه ما دخل الإيمان وما تعمق في قلبه يقول بشارة الخولي يوم أن ترك الإيمان في بيته وأتى يكتب شعراً: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم يقول: اعطوني أي دين، زندقة أو إلحاد أو ماركس أو لينين أو هتلر أو نابليون وسيروا بجثماني على دين برهم >> قاتله الله عدو الله! يريد دين برهم المجرم الهندوكي السفاك، ولا يريد محمد ﵊ الذي ما طرق العالم أفضل ولا أنبل ولا أجل منه. يقول ابن تيمية: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إي والله! من ظن أنه سيسلك سبيلاً أو يرتقي في مستقبل أو يصل إلى نتيجة بدون هذا الدين فعليه لعنة الله تحيط به في قبره وصدره ليشهره الله على رءوس الخلائق. ويأتي شاعر آخر اسمه ابن هانئ الأندلسي يتملق عند السلطان ويمدحه وضع الإيمان في بيته وأتى يقول للسلطان: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار سبحان الله! يقول: يا أيها السلطان! يا أيها الملك! ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار ولكن علمه الله أنه هو الواحد القهار، فابتلاه بمرض عضال في جسمه، فأصبح يتقلب على الفراش بمرض مستعص عضال، وينبح كما ينبح الكلب؛ لأن الذي لا يعرف الله في الرخاء لا يعرفه الله بنفسه في الشدة. وقف فرعون يخطب في مصر -العميل الضال الدجال- يقول وهو على المنبر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فأجراها الله من فوق رأسه، وعندما أصبح في الطين ينقنق كما تنقنق الضفدع: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩١] أتؤمن في الوقت الضائع؟! ولذلك تجد كثيراً من الدعاة في الساحة من القصصيين والمسرحيين والشعراء والكتاب يضيعون الإيمان ويتركونه؛ لأنهم جعلوا المعرفة شيئاً والإيمان شيئاً آخر. وعندما مرض ابن هانئ أسف على ذلك البيت الآثم وقال: أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق سبحان الله! كيف يضل القلب وتعمى العين ويصم السمع إذا لم يؤمن الإنسان بالله رب العالمين. فعلم بلا إيمان لا نطلبه ولا نريده، فإن الكفار قد بلغوا أكثر مما بلغنا. منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا ننتج السيارة استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا فأما علم المادة فقد بلغوا أكثر مما بلغنا فيه، لكننا نأتي ونقول للإنسان: من هنا -أيها الإنسان- تهتدي، يقول دايل كارنيجي الأمريكي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة: لا بد لك من جلسة ولو نصف ساعة مع الله ﵎. هو مسيحي لكنه ما يعرف أين الطريق وأين الأسباب والوسائل، يقول: نصف ساعة مع الله، أما نحن -يا دايل - فنجلس اليوم والليلة والشهر والسنة والصيف والشتاء مع الواحد القهار. أيها الإخوة! هذا هو المبدأ الكبير، وقد وجد في المؤسسات العلمية، وفي المدارس والمعاهد من يأتي بلا رسالة.

стр. 4889

العلم النافع يورث الخشية قال الله َتَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] والخشية: هي الخوف من الله ﵎، وأن تراقبه سبحانه في علمك ومن ذهب إلى مدرسته وعاد إلى بيته ولم يزدد خشية من الله، وبقي مستواه في اقتراف المعاصي وتعدي الحدود وانتهاك الحرمات؛ فليعلم أنه أوتي علماً سقيماً ومريضاً لاخير فيه. وجاء في كتاب الزهد: قرأ ابن عمر ﵁ وأرضاه سورة المطففين حتى بلغ قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فبكى حتى أغمي عليه ورش بالماء. وقال الذهبي في ترجمة ابن وهب في السير (ج/٨): ألف كتاباً في أهوال يوم القيامة، فقرئ عليه فأغمي عليه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع. فالعلم بلا خشية لا فائدة فيه، وأصل الخشية أن نكف عن المعاصي، قال ابن تيمية: الخوف المطلوب في الإسلام أن يحجبك عن المعصية وما زاد فلا يحتاج إليه. أي: أن ترتدع عن المعصية، وأما مازاد على ذلك فلا يحتاج إليه. إخواني في الله! يا طلبة العلم! هل آن لنا أن نخاف من الله الواحد الأحد وأن نخشاه في السر والعلن. وأن نراقبه في علمنا؟ وإلا فلنعتقد اعتقاداً جازماً أنه علم غير نافع، ونعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع. وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناده ذو النون بن متى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].

стр. 4890

العلم بلا عمل شؤم إذا رأيت المتكثر من الثقافة العامة والخاصة قد أصبح ذهنه سلة للمهملات، يحفظ الأرقام والمعلومات والألفاظ، ثم لا يظهر عليه نور من العلم، ولا أصالة ولا تأثير في معتقده وعبادته وسلوكه؛ فاعلم أن علمه شؤم عليه، وغضب ولعنة إلا أن يتوب الله عليه. يقول الله في بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] ويقول في عالمهم بلعام بن باعوراء -العميل المتخلف الذي طلب العلم ثم تركه وألحد في دين الله- قال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. فإن الكلب إذا وضعته في الشمس يمد لسانه ويضيق نفسه ويلهث، وإذا أدخلته في الظل يمد لسانه ويتردد نفسه ويلهث، والخبيث في أصالته وفي قلبه يتعلم ولا ينتفع، فنعوذ بالله من هذا المثل الشؤم على كل من فعل هذا أو زاوله أو فكر فيه أو أراده. ويقول الله في بني إسرائيل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] والحمار حمار. لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع ومهما تعلم أو حمل من الكتب فعقله هو عقله لم يتغير، فنعوذ بالله من هذا المثل. إخوة الإسلام! هذه مسألة لا تغيب عن البال، وقد اتفق العقلاء من المؤمنين أن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، والله يجعل من عمل الإنسان ولو بجهده الميسور زيادة في الخير والفضل والنبل.

стр. 4891

مهمة الأستاذ في التعليم الأستاذ حين يكون نائباً للرسول ﵊، ويكون حاملاً للرسالة، ومخلصاً متوقد القلب، وحين يكون كما كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس الأستاذ حين يكون خليفةً لـ أحمد ومالك والشافعي وابن تيمية وابن القيم فهو الذي نريد أن نتكلم معه اليوم، أما الآخر -وليس معنا إن شاء الله- فهو أستاذ يحمل أهدافاً دنيوية، إما تحصيل راتب أو تزجية وقت، أو ظهوراً وشهرة، أو مستوى علمياً لا ينفعه في الدار الآخرة، فهذا ليس معنا وليس بيننا إن شاء الله. ومهمة الأستاذ تدور على أربع مسائل: -الإخلاص. -القدوة. -القوة العلمية. -اللين واطراح الفضاضة.

стр. 4892

الإخلاص أما الإخلاص فنطالب به جميعاً أساتذةً وطلاباً مفتين وعلماءً ملوكاً وأمراء، كل مسلم يطالب بالإخلاص، يقول سبحانه: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ويقول ﵊: ﴿إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى﴾. ويقول ﵊: ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة وإن عرفها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ ويقول ﷺ : ﴿من تعلم العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء؛ فليتبوأ مقعده من النار﴾. وأول من تسعر النار بهم يوم القيامة ثلاثة: منهم: رجل تعلم العلم ليقال عالم، وقد قيل، فيسحب على وجه حتى يلقى في النار فنعوذ بالله من الشهرة لغير وجه الله، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة قال ﵊: ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به﴾.

стр. 4893

القدوة يا أيها الأستاذ! نحن مع شوقي أمير الشعراء إذ يقول للطالب: قم للمعلم وفه التبجيلاً كاد المعلم أن يكون رسولاً نعم. بقي عليه درجة وهو أن الوحي ما أتاه، لكنه خليفة الرسول ﵊ فيا خليفة المصطفى ﷺ في جانب التعليم ﴿إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾ فأنت الآن تأخذ الميراث، فالله الله في شباب الإسلام، والله الله في جيل الإسلام، والله الله في بلادنا وأمتنا وبيوتنا! إنك -أيها الأستاذ- مسئول عن هذا الجيل، فقد فتحوا لك أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم وجلسوا أمامك ليسمعوا ما تقول، وضع المسلمون على الكراسي أفلاذ أكبادهم يستمعون منك؛ فهم يتوجهون بأمرك، فهل آن لك أن تكون قدوة تتكلم بما تفعل وتفعل بما تتكلم به؟! قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. أيها الأستاذ! إن العقلاء من التربويين -حتى من غير المسلمين- يقولون: إنك لن تعلم أحداً حتى تعمل بما تعلم، والرسول ﵊ ما تكلم فحسب، بل كان يقول للناس: كونوا صادقين؛ فيكون أصدق الناس كونوا بارين؛ فيكون أبر الناس كونوا أوفياء؛ فيكون أوفى الناس كونوا متقين؛ فيكون أتقى الناس لربه ﵎. إن من يعلم بكلامه ثم يخالف بفعاله فإنه يكذب نفسه أمام الناس، قال سيد قطب في كتابه في ظلال القرآن في قوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] ما معناه: إن الناس يسمعون كلاماً جميلاً وينظرون فيرون فعلاً قبيحاً، فلا يقبلون بعدها ويكذبون هذا المتكلم. فيا أيها الإخوة الفضلاء! ويا أيها الأساتذة النبلاء! إن من يتكلم ثم يهدم ما تكلم به بأفعاله فإنه لايحقق نتيجة لأبناء المسلمين، وإن جلوسه في بيته أفضل وأولى؛ لأن معنى ذلك أنه يضحك على العلم وعلى طلبة العلم كيف يأمرهم بالصلاة وهو لا يصلي؟! كيف يأمرهم بهجر الغناء والمجلة الخليعة والأغنية الماجنة والسفه، وهو سفيه مطبل مغن ماجن نعوذ بالله من ذلك؟! من المسئول إذن عن الحركة الشبابية والاتجاه العلمي يوم ضل فريق منه إلا الأستاذ؟ ومن هو أكبر موجه في هذه البلاد وفي غيرها إلا الأستاذ؟ إن أعظم ما ترتقي إليه الأمم هي درجة التعليم، والمرء إذا بلغ مستوى من العلم عند كثير من الأمم وضع أستاذاً للناس.

стр. 4894

القوة العلمية وأما القوة العلمية: فإنني أنصح نفسي وإخواني من الأساتذة أن يكونوا في موقف القوة، والقوة عند التلاميذ والطلاب ليست بكبر العضلات ولا بالحدقتين ولا بالعينين، ولا بضرب الكف على السبورة، ولا بهز الماسات ولا برفع الصوت وبالإزعاج لا. هذه فقط تغطي مُركَّب النقص، فإن بعض الأساتذة إذا شعر أنه لا يحمل مادة ولا رسالة أتى يستخدم الحرب المعنوية ليغطي نقصه في الفصل؛ إما بالضرب على ماسته، وإما بالإزعاج، وإما بالتهديد والتخويف، وإما بذكر سجلات حياته؛ فيترجم لنفسه نصف المحاضرة، ولد عام كذا، وكان من أذكى الناس، وكان فريد العصر، وأستاذ دهره، ولكن لا أستاذ ولا فريد إنما هو أمامنا بشحمه وعصبه ودمه. ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان عليّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني وقوة الأستاذ -عند جميع الأمم بما فيهم المسلمون- القوة العلمية، هو أن يظهر بمادته بتحضير وأصالةٍ، فيعرض المادة عرضاً متيناً جيداً، وحينها يسكت الطلاب، ويحترمونه ويجلونه؛ لأنهم يجلسون أمام علم ورجل يتكلم بجدارة، وأمام أستاذٍ له أصالة وعمق، يتكلم وهو أدرى بمادته من مركز القوة، وهذه هي قوة العلم. ومن يستقرئ الساحة التربوية يجد أن الأساتذة الذين يمتلكون قدرات للتحضير هم أهيب الناس عند الطلبة، يحترمونهم ويقدرونهم، ويجد أن الأستاذ الذي لا يحمل مادةً ولا رسالة ولا تحضيراً من أخفق الناس في اجتلاب القلوب، وفي الهيمنة والتسلط المقبول على الطلبة فلا تفوتنا القوة العلمية. أيها الإخوة الأبرار! كلٌ في تخصصه، لا أقول للمربي أن يكون مفتياً في الحيض والطلاق والرضاع، ولا للمفتي أن يكون تربوياً يعرف ما كتب في التربية وعلم النفس، ولا لصاحب الجغرافية أن يكون مفسراً بارعاً، كـ ابن كثير أو الطبري، قد علم كل أناس مشربهم، ونحن نؤمن بالتخصص بشرط أن يكون مع الجميع حد أدنى من العلم الشرعي.

стр. 4895

اللين واطراح الفظاظة الحب أمر عجيب، ونحن أمة الحب، أتدرون ما هو الحب؟ ليس هو الذي يريده أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول: الحياة الحب والحب الحياة. هذا كذب، هذا حب كوكب الشرق، وهو الذي رد الأمة عشرين سنة إلى الوراء كوكب الشرق تغني شبابنا بالحب هو الحياة والحياة هي الحب، وطائرات الميراج الإسرائيلية تغطي شمسنا فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها لله كم نددوا يوماً وكم شجبوا هذا الحب ليس هو المقصود، وهو حب المغنين والمغنيات، والمجرمين والمجرمات، الأحياء منهم والأموات، وهو ليس مقصوداً في الإسلام، فإن الحب أعظم من ذلك، نحن رسل الحب، ونحن الذين زرعوا الحب في قلوب الناس فآتى أكله كل حين بإذن ربه، والحب عندنا حب الله ورسوله ﷺ ، أما الحديث الذي يقول: ﴿من أحب فعف فكتم فمات مات شهيداً﴾ فهو حديث كذب، سنده ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، هذا الحديث كذب على الإسلام، وإن الذي يموت على المسرح وعلى الأغنية والمجلة الخليعة وفلانة فلن يكون شهيداً أبداً كيف يكون شهيداً؟! شهيد عمالة ودجل وتخلف ورجعية. إن الشهيد هو الذي يحب الله ورسوله كما يقول إقبال في قصيدة تاج مكة: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا إذاً هذا هو الحب، وقد استطردت في الحب لأن مفهوم الحب عند كثير من الناس، ممن يكتب في الصحافة، ويتكلم في المنتديات، مفهوم خاطئ، ما عرفوا الحب ويموتون وهم لا يعرفون الحب، ويصلى عليهم صلاة الجنازة وما طعموا الحب، ويحشرون عند الله يوم القيامة وما عرفوا الحب الحب هو أن يأتي مثل عبد الله بن عمرو الأنصاري حين قال في معركة أحد: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى. فيقتل في سبيل الله، ويكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان. الحب أن يأتي مثل البراء في معركة تستر ويقول: أقسمت عليك يا رب أن تنصرنا هذا اليوم؛ فينتصر ويكون أول شهيد الحب هو أن تسفك دمك لمرضاة الله الحب هو أن إذا سمعت أذان الفجر يدوي في الأرجاء قامت نفسك طليقة شجاعة إلى المسجد الحب أن يكون أعظم كتاب عندك في الحياة كتاب الله الحب أن تكون أناملك ولسانك يتمتم بذكر الله ﵎. إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس هذا هو الحب فأقول للأستاذ: إن خيطاً ليس فيه حب مع الطالب خيط مبتور ومقطوع، وإن رسالة ليس فيها لين رسالة عصا وسوط ونار وحديد، وهي من كيس استالين وماركس ولينين، وليست من كيس محمد ﵊ الذي يقول الله عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. كأنه يقول: عجيب هذا المنهج العظيم العملاق الذي وضعته للناس كيف كسب قلوب العرب؟! والعرب كقرون الثوم، إذا قشرت قرناً خرج لك ستة قرون، فإذا قشرت الآخر خرج لك ستة، فالعرب مثل ذلك، لا يسيطر عليهم ملك، ولا سوط، ولا سجن، ولا سيف، أمة متمردة ومشاغبة، لكنه ﷺ أتى يتبع قول الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ويقول الله له: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] لو دفعت الذهب والفضة ما كسبت القلوب، ولذلك أقول لدعاة الإسلام وأساتذته، والعمداء في الكليات: إن رسالتنا لا بد أن تحمل الإيمان والحب والطموح واللين للناس، ونحن لسنا مجرحين وإنما نحن دعاة، ولسنا قضاة وإنما نحكم على الناس بما ظهر، وإن الكلمة اللينة الطيبة تعشقها القلوب وتحبها النفوس. أرأيتم أكبر من فرعون؟ أسمعتم بشيخ الضلالة؟؟ أرسل الله له موسى فقال له وهو في الطريق: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] احذرا أن تجرحا شعوره، احذرا أن تسفكا كرامته في مجلسه، قال سفيان الثوري: القول اللين هو أن يكنيانه بكنيته، وكنية فرعون أبو مرة، مرغ الله وجهه في النار. فأخذ موسى يقول: يا أبا مرة! أتيت بمبدأ وبشريعة وبمنهج أعرضه عليك اليوم فهل فاتتنا الكلمة اللينة ولا تفوت موسى عند فرعون؟! دخل أعرابيٌ على هارون الرشيد فقال: أريد أن أتكلم معك بكلام شديد فاصبر عليَّ. قال هارون: والله لا أصبر قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. ويقول للرسول ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. كيف استطعت أن تقود القلوب؟ كيف سبيت الأرواح؟ كيف جعلت الأعداء أصدقاء؟ لأنك داعية عملاق. حتى إن ابن سيناء الذي هو من أفراخ الصابئة وأذناب المجوس، ولو أنه قد أجاد في الطب، يقول: ما طرق العالم مصلح كمحمد ﵊. وهذا صحيح وفي كتاب الأمريكان المسمى: عظماء العالم وضعوا في المرتبة الأولى محمداً ﵊، وقالوا: أعظم عظيم في الدنيا محمد، لأنه أصلح وبيته من طين ﵊ ما لم تصلحه جامعات الدنيا في ثلاثمائة سنة، بل فشلت جامعات الدنيا، وشرب الخمر، وسفكت القيم، وانتهكت الأعراض، وذبح الناس، ودمرت البيوت. من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك من قتل العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا أما محمد ﵊ فأسلوبه لين مع طلبته. فيا أيها الأساتذة! حبل اللين حبل عجيب، وهو السحر الحلال، وإن كان في الإسلام سحر حلال فهي البسمة، قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال. يأتي أعرابي فيسب ويشتم الرسول ﷺ ، ويسحب ببردته الشريفة من على جسمه الشريف ويقول: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك. فيلتفت إليه ويتبسم ويعطيه مالاً، ويريد الصحابة قتل هذا الأعرابي، فيقول: لا. فلما أكرمه قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فيعود هذا الأعرابي داعية إلى قبيلته فتسلم عن بكرة أبيها، فيقول ﷺ : ﴿أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا ندري. قال: كمثل رجل كانت له دابة فرت منه، فأتى الناس لمسكها وحبسها فما تزداد إلا فراراً، فقال: يا أيها الناس! دعوني ودابتي أنا أبصر بها، فأخذ شيئاً من خشاش الأرض -خضار الأرض- وأخذ يلوح للدابة فأتت فحبسها، قال: فلو تركتكم وهذا الأعرابي لقتلتموه ودخل النار﴾. فأي مستوى دعويّ طرقه ﷺ للناس؟! وهذا هو اللين واطراح الفضاضة وإن الذي يستخدم الفضاضة ويفرض سيطرته وقوته؛ يخسر من القلوب والأرواح ومن الأسماع والأبصار أكثر مما يكسب فلينتبه لهذا.

стр. 4896

واجب الطالب أما واجب الطالب -مع وجود الإخلاص- فهو أمور كثيرة، سنذكر بعضاً منها:

стр. 4897

الهمة العالية في الطلب الواجب الأول: الهمة العالية في الطلب، وألا يرضى بالمقرارات الدراسية فقط. همة تنطح الثريا وعزم له دوي يدكدك الأجْبَالَ اجعل في مخيلتك أن تكون كـ ابن تيمية، أو أبرع بارع، ومن يحجبك؟ هل أتاك القضاء والقدر بأنك لن تصل إلى مستوى من المستويات فتخفف على نفسك؟ إن الانهزامية ومركب النقص ما أتى إلينا إلا بعد الاستعمار، ننظر إلى الخواجة على أنه رجل مقدس، وأنه ذكي لامع، وأنه عبقري فاره لأنه خواجة. أما نحن فعرب في الشرق الأوسط من الدول النامية ما نفهم وما نعرف وما نفقه سبحان الله!! ومن أمة الحضارة إلا نحن! ومن أهل الذكاء والأصالة إلا نحن!! لكن عسى الله أن يعيد لنا مجدنا وسؤددنا لنكون للأمم سادة. والهمة العالية في الطلب هي أن تحصل العلم والتخصص ليل نهار، مع أن تقصد به نفع المسلمين، وتغطية الساحة في هذا التخصص لينفعك الله في الدنيا والآخرة.

стр. 4898

احترام المعلم المسألة الثانية: احترام المعلم فإن المعلم هو الأب وهو الأخ الكبير، والمعلم هو الجذوة المتوقدة التي أحرقت نفسها لتضيء لك، والمعلم هو النبع الصافي الذي طالما شربت منه ورويت، فالله الله في احترام المعلم! احترامه في الكلام وباللين، وفي الأسلوب وفي التساؤل والحوار، كما أمر الله أصحاب رسوله ﷺ معه صلى الله عيله وسلم. احترام المعلم بأن تدعوه بأحب الألقاب إليه، وأن تشاركه الرأي وتترك رأيه يأخذ مجاله في الشرح والوقت، وإذا أردت أن تطرح سؤالاً فاحذر أن تخدش كرامة الأستاذ وعلمه ومقامه. احترام المعلم معناه أن تقدم السؤال في قالبٍ طيبٍ لينٍ؛ ولا يعني ذلك أن نكون كالنصارى حين يقولون: الواحد ثلاثة. والداخل في الكنيسة لا يفهم ذلك، ويقولون: لا تسأل عن معنى الواحد ثلاثة، فإذا قال: كيف يكون الواحد ثلاثة؟ قالوا: اخرج قاتلك الله أنت في النار لماذا؟ لأنه ما فهم أن الواحد ثلاثة، يقول الذهبي معلقاً على قول بعض غلاة الصوفية حين قال: لا يفلح طالب قال لمعلمه: كيف هذا؟ قال: الذهبي: يفلح والله، ثم يفلح إذا سأله. والخطأ لا يقر من أي أحد، فالكمال لله والعصمة لرسوله ﷺ ، فإذا سمعت مسألة فلك أن تناقش، لكن بأدب ووقار وسكينة. أما الخطأ فمرفوض قبوله، والمعصية كذلك، وما يخالف المنهج الإسلامي كذلك.

стр. 4899

ترك المعاصي ومما ينبغي على طالب العلم ألا يكدر علمه وألا يشوشه بالمعاصي أتدري ما الذي يهدم القلوب ويشتت الشعوب وينكس المستقبل؟ إنها المعاصي يقول أحد السلف: نظرت نظرة لا تحل لي فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى حرام؟! والذي نفسي بيده لتجدن غبها ولو بعد حين -أي: نتيجتها- قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. قال الإمام الشافعي ﵁: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي هذا العلم نور لطيف شفاف، أدنى شيء يؤثر فيه، وأدنى شيء يدنسه ويرديه، فنعوذ بالله من علم لا ينفع والمعاصي تكدر المستقبل، وتطفئ المعرفة والذكاء -وهذا عنصر مستقل لكن أذكره للفائدة- نعم لقد وجد أن المعاصي تدمر المستقبل تدميراً عجيباً، ولذلك وجد من العصاة من ذهبت به معصيته إلى أن بلغ مستوى الكفر والإلحاد والزندقة. وخطوط الدفاع في الإسلام تجاه المعاصي ثلاثة: أولها: الآداب. ثانيها: السنن. ثالثها: الفرائض. فمن ترك الآداب ابتلاه الله بترك السنن، ومن ترك السنن ابتلاه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، فنعوذ بالله من الكفر. أيها الإخوة الأبرار! إذا علم هذا فاعلموا أن المعاصي تذل العلم وتطفئ الذكاء، وتطمس المعرفة، قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. أيها الإخوة الأبطال! أيها الأبرار! عميداً ووكيلاً وأستاذاً وطالباً؛ إني أضعها من عنقي إلى عنقكم وأقول: إن رسالتنا واحدة، وديننا واحد، ومنهجنا واحد، فلنتق الله في ديننا وأصالتنا ورسالتنا ومبدئنا، ولنكن دعاة خير، ولنشهد الله على ما في قلوبنا من إيمان وصدق، يقول تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. اللهم وجه هذا الجيل لمرضاتك، اللهم حببهم إلى دينك، واجعلهم متشرفين بحمل رسالتك، اللهم اهدهم سبل السلام، وكفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4900

الأسئلة

стр. 4901

الأرجوزة التي قالها الشيخ في أمريكا السؤال فضيلة الشيخ! نرجو من سعادتكم ذكر الأرجوزة التي قلتها في رحلتك إلى أمريكا ولك الشكر؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله صحبه وسلم تسليماً كثيراً هذه الأرجوزة هزلية من بحر الرجز، وبحر الرجز حمار الشعراء، يجوز لكل إنسان أن يركب هذا الحمار، لأنه خفيف لطيف، وهذه الأرجوزة قلتها في مؤتمر أكلاهوما شمال الولايات المتحدة، الذي عقد للطلبة العرب المسلمين هناك، وهي قصيدتان: جدية وهزلية، أما الجدية فعنوانها: أمريكا التي رأيت: وأبياتها تخاطب الأمة الإسلامية، قلت فيها: يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال موت أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام أما الأرجوزة الهزلية فاسمها نشرة الأخبار، قلت فيها: يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشاركاً لحفلكم وشاكراً وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا وهذه أخبار هذي النشرة مسافة السير ثلاث عشرة من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحىً هبطنا أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن وبعدها زرنا مباني الكونجرس ولم نجد مستقبلاً ولا حرس بها ملايينٌ حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيراً ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة فهم قطيع كشويهات الغنم هزل وجد وضياع ونغم فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك ومن الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة ملاحظة: صفق الحضور بعد إكمال الشيخ الأبيات، فعلق الشيخ على التصفيق بما يلي: أيها الإخوة الكرام! كما قلنا في المحاضرة نحن نتحاكم إلى مظلة الإسلام والإيمان والحب والطموح، وإسلامنا ينهانا عن التصفيق، والتصفيق ليس من الإسلام، وليس فيه تصفيق في مثل هذه المبشرات، لأن الله ذكر التصفيق فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥]. لكن نحن أمة التكبير، كان الفارس منا إذا غلب قرينه في المعركة كبر، وكان الرسول ﷺ إذا بشرهم بخير كبروا، فنحن أمة التكبير لأن ديننا كبير وأصالتنا كبيرة، ورسالتنا كبيرة، أما التصفيق فهو للمسارح ولغيرنا، ونحن لغيره.

стр. 4902

آثار التقدم العلمي بدون إيمان السؤال ربطتم بين العلم والإيمان وهذا شيء حسن وجميل؛ لكن بماذا نفسر التقدم العلمي المذهل للشيوعيين في روسيا والصليبيين في كل من أوروبا وأمريكا؟ الجواب أنا قلت في كلامي: إنه لا بد من العلم مع الإيمان والإيمان مع العلم لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص:٨٠] الآية، وما قلت: أن العلم بلا إيمان لا يتقدم، والله قد أثبت هذه النظرية في القرآن؛ أنه قد يتقدم العلم بلا إيمان، فقد يأتي العلم فيتطور في الماديات بلا إيمان، قال : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] ومن المعلوم أن العلم بلا إيمان ينتج الطائرة والسيارة والذرة، ويفجر الطاقات ويمد الجسور، ويفعل مثل ما فعل الآن في روسيا وأمريكا واليابان والصين وفي أي مكان. أيها الإخوة: إن العلم بلا إيمان لا ينفع الشعوب والأرواح في حياتها، إنهم يشكون أساطينهم، وقد قرأتم كتب أذكيائهم وعلمائهم وهم ينذرون أممهم أنها تمشي إلى الدمار أما تفشت فيهم الخيانة والعمالة والضلالة؟ أما سفك الدم؟ أما أصبحت الأعراض منتهبة؟ أما انتشرت الأمراض الخطيرة من الاتصال الجنسي؟ أما أتت الأمراض ففتكت بهم في الأعصاب والعقول والأدمغة؟ أما يعيشون الحسرة والقلق؟ والعجيب أن صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة دايل كارنيجي الأمريكي، ألف الكتاب هذا وترجم إلى تسعة وخمسين لغة، وفي الأخير لم يجد هو السعادة فانتحر، انتحر الذي أراد أن يعالج الناس من الأمراض فأنا أقول: إن الإيمان الذي نحن مكلفون به لا بد له من علم، والعلم الذي نخاطب الأمم به لا بد له من إيمان، ثم لا يمنعنا ذلك أن ننتج كما أنتجوا، وندخل المصانع كما دخلوا، ونقدم للبشرية كما قدموا، فالسؤال في واد وكلامي في واد آخر.

стр. 4903

غرس الخوف من الله في النفس السؤال كيف يخلق الإنسان في نفسه الخوف من الله، مع أن الإنسان يترك بعض الأعمال السيئة خوفاً من الناس وليس من الله، فكيف يكون العكس؟ الجواب أولاً: السؤال لا بد أن يلاحظ عليه أنه يقول: يخلق، والإنسان لا يخلق بل هو مخلوق: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فعبارة (يخلق) خطأ ولا تستخدم، واستعمالها استعمال بئيس لا يصح عقلاً ولا لغةً ولا نقلاً من الكتاب والسنة، والذي يخلق الأفعال في القلب وفي الروح وفي الجسم هو الله الواحد الأحد، واعتقاد أهل السنة أن الناس مخلوقون بأفعالهم، وقد ألف الإمام البخاري كتاب خلق أفعال العباد، قال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] إذاً فالصحيح أن تقول: كيف يشعر الإنسان بالخوف من الله؟ عليه بأمور ثلاثة: أولها: أن يتذكر الموت كثيراً. ثانيها: أن تكون ثقافته الكتاب والسنة. ثالثها: أن يحصن نفسه من المعاصي ويكثر من التوبة والاستغفار، وعسى الله أن يهديه سواء السبيل.

стр. 4904

حكم تعلم الرياضيات السؤال عندنا إمام في مسجدنا يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير، فما رأيكم؟ الجواب الذي يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير هو اجتهاده، واجتهاده لا يجعله مبدأ للناس ومنهجاً يسيرهم عليه، ونحن نقول للناس في الأمور التي لم يأت بها الكتاب والسنة: قناعتكم لكم، والأمور الاجتهادية يختلف فيها، أما أن تأتي وتشرع للناس وتخطب في الناس وتقول: هذه لا خير فيها، وهي مما يخالف فيها، فهذا غير صحيح، أمرك لك، وقناعتك لك وابق في مجالك، وأما الذي يعلم أن المسلمين لا بد لهم من هذه العلوم كالرياضيات وبعض التخصصات -لأن الأمة لا بد أن تتطور في عالم الحضارة والإنتاج، ومقابلة الأمم في الساحة- فرأيه أشبه شيء بالخطأ وهو بعيد، فلا بد مع الكتاب والسنة من رياضيات ومع الرياضيات من كتاب وسنة إذاً فالإيمان لا بد أن يقترن بأي علم، وهو ما تطرقنا له في الكلام.

стр. 4905

عدم تعارض العلم الشرعي مع أي حقيقة علمية السؤال إذا تعارض العلم الشرعي بحقيقة علمية مثبتة فما العمل، وهل يمكن ذلك؟ الجواب لا يمكن هذا ولا يحدث، وقد ألف ابن تيمية كتاب درء تعارض العقل والنقل، فالعقل لا يخالف النقل، والحقائق العلمية لا تخالف الكتاب أو السنة، ولو حدث هذا فعلى أحد محملين: إما أن الحديث ضعيف ليس بثابت عنه ﷺ ، فيأتون بالحديث الباطل الضعيف أو الموضوع الكذب فيعارضون به نظرية ويقولون للمسلمين: يقول رسولكم ﷺ هذا والعلم يقول هذا، فنقول لهم: الحديث لم يثبت. أو أن النظرية لم تنضج ولم تصبح حقيقة لأنها تتدرج إلى أن تصبح حقيقة، ولذلك معارضة القرآن أو عرض القرآن للنظريات فيه خطورة لأنها تتغير، فقد يكتشفون اليوم شيئاً وغداً يعودون عنه، وبعد عدٍ يثبتون ما لم يثبتوا بالأمس، فعرض القرآن وجلوه للنظريات فيه خطورة كبيرة. فأقول حقيقةً لا يوجد معارضة بين ما يكتشف وبين الكتاب والسنة إلا من ناحيتين: إما أن يكون الحديث باطل أو أن تكون النظرية هذه ما أصبحت حقيقة واقعة بعد.
следующие страницы →