Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
الأرجوزة التي قالها الشيخ في أمريكا
السؤال
فضيلة الشيخ! نرجو من سعادتكم ذكر الأرجوزة التي قلتها في رحلتك إلى أمريكا ولك الشكر؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله صحبه وسلم تسليماً كثيراً هذه الأرجوزة هزلية من بحر الرجز، وبحر الرجز حمار الشعراء، يجوز لكل إنسان أن يركب هذا الحمار، لأنه خفيف لطيف، وهذه الأرجوزة قلتها في مؤتمر أكلاهوما شمال الولايات المتحدة، الذي عقد للطلبة العرب المسلمين هناك، وهي قصيدتان: جدية وهزلية، أما الجدية فعنوانها: أمريكا التي رأيت: وأبياتها تخاطب الأمة الإسلامية، قلت فيها:
يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل
وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل
سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل
وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل
يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال
وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال
شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال
موت أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال
يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد
كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد
القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد
جثث البرايا منهم في كل رابية وواد
ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار
بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار
لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار
وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام
قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام
ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام
أما الأرجوزة الهزلية فاسمها نشرة الأخبار، قلت فيها:
يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي
مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشاركاً لحفلكم وشاكراً
وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة
قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك
يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا
وهذه أخبار هذي النشرة مسافة السير ثلاث عشرة
من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحىً هبطنا
أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا
ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة
منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن
وبعدها زرنا مباني الكونجرس ولم نجد مستقبلاً ولا حرس
بها ملايينٌ حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب
في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيراً
ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة
فهم قطيع كشويهات الغنم هزل وجد وضياع ونغم
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما
من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا
من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك
ومن الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة
ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان
وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة
والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش
فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة
ملاحظة: صفق الحضور بعد إكمال الشيخ الأبيات، فعلق الشيخ على التصفيق بما يلي:
أيها الإخوة الكرام! كما قلنا في المحاضرة نحن نتحاكم إلى مظلة الإسلام والإيمان والحب والطموح، وإسلامنا ينهانا عن التصفيق، والتصفيق ليس من الإسلام، وليس فيه تصفيق في مثل هذه المبشرات، لأن الله ذكر التصفيق فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
لكن نحن أمة التكبير، كان الفارس منا إذا غلب قرينه في المعركة كبر، وكان الرسول ﷺ إذا بشرهم بخير كبروا، فنحن أمة التكبير لأن ديننا كبير وأصالتنا كبيرة، ورسالتنا كبيرة، أما التصفيق فهو للمسارح ولغيرنا، ونحن لغيره.
стр. 4902
آثار التقدم العلمي بدون إيمان
السؤال
ربطتم بين العلم والإيمان وهذا شيء حسن وجميل؛ لكن بماذا نفسر التقدم العلمي المذهل للشيوعيين في روسيا والصليبيين في كل من أوروبا وأمريكا؟
الجواب
أنا قلت في كلامي: إنه لا بد من العلم مع الإيمان والإيمان مع العلم لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص:٨٠] الآية، وما قلت: أن العلم بلا إيمان لا يتقدم، والله قد أثبت هذه النظرية في القرآن؛ أنه قد يتقدم العلم بلا إيمان، فقد يأتي العلم فيتطور في الماديات بلا إيمان، قال : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] ومن المعلوم أن العلم بلا إيمان ينتج الطائرة والسيارة والذرة، ويفجر الطاقات ويمد الجسور، ويفعل مثل ما فعل الآن في روسيا وأمريكا واليابان والصين وفي أي مكان.
أيها الإخوة: إن العلم بلا إيمان لا ينفع الشعوب والأرواح في حياتها، إنهم يشكون أساطينهم، وقد قرأتم كتب أذكيائهم وعلمائهم وهم ينذرون أممهم أنها تمشي إلى الدمار أما تفشت فيهم الخيانة والعمالة والضلالة؟ أما سفك الدم؟ أما أصبحت الأعراض منتهبة؟ أما انتشرت الأمراض الخطيرة من الاتصال الجنسي؟ أما أتت الأمراض ففتكت بهم في الأعصاب والعقول والأدمغة؟ أما يعيشون الحسرة والقلق؟ والعجيب أن صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة دايل كارنيجي الأمريكي، ألف الكتاب هذا وترجم إلى تسعة وخمسين لغة، وفي الأخير لم يجد هو السعادة فانتحر، انتحر الذي أراد أن يعالج الناس من الأمراض فأنا أقول: إن الإيمان الذي نحن مكلفون به لا بد له من علم، والعلم الذي نخاطب الأمم به لا بد له من إيمان، ثم لا يمنعنا ذلك أن ننتج كما أنتجوا، وندخل المصانع كما دخلوا، ونقدم للبشرية كما قدموا، فالسؤال في واد وكلامي في واد آخر.
стр. 4903
غرس الخوف من الله في النفس
السؤال
كيف يخلق الإنسان في نفسه الخوف من الله، مع أن الإنسان يترك بعض الأعمال السيئة خوفاً من الناس وليس من الله، فكيف يكون العكس؟
الجواب
أولاً: السؤال لا بد أن يلاحظ عليه أنه يقول: يخلق، والإنسان لا يخلق بل هو مخلوق: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فعبارة (يخلق) خطأ ولا تستخدم، واستعمالها استعمال بئيس لا يصح عقلاً ولا لغةً ولا نقلاً من الكتاب والسنة، والذي يخلق الأفعال في القلب وفي الروح وفي الجسم هو الله الواحد الأحد، واعتقاد أهل السنة أن الناس مخلوقون بأفعالهم، وقد ألف الإمام البخاري كتاب خلق أفعال العباد، قال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] إذاً فالصحيح أن تقول: كيف يشعر الإنسان بالخوف من الله؟ عليه بأمور ثلاثة:
أولها: أن يتذكر الموت كثيراً.
ثانيها: أن تكون ثقافته الكتاب والسنة.
ثالثها: أن يحصن نفسه من المعاصي ويكثر من التوبة والاستغفار، وعسى الله أن يهديه سواء السبيل.
стр. 4904
حكم تعلم الرياضيات
السؤال
عندنا إمام في مسجدنا يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير، فما رأيكم؟
الجواب
الذي يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير هو اجتهاده، واجتهاده لا يجعله مبدأ للناس ومنهجاً يسيرهم عليه، ونحن نقول للناس في الأمور التي لم يأت بها الكتاب والسنة: قناعتكم لكم، والأمور الاجتهادية يختلف فيها، أما أن تأتي وتشرع للناس وتخطب في الناس وتقول: هذه لا خير فيها، وهي مما يخالف فيها، فهذا غير صحيح، أمرك لك، وقناعتك لك وابق في مجالك، وأما الذي يعلم أن المسلمين لا بد لهم من هذه العلوم كالرياضيات وبعض التخصصات -لأن الأمة لا بد أن تتطور في عالم الحضارة والإنتاج، ومقابلة الأمم في الساحة- فرأيه أشبه شيء بالخطأ وهو بعيد، فلا بد مع الكتاب والسنة من رياضيات ومع الرياضيات من كتاب وسنة إذاً فالإيمان لا بد أن يقترن بأي علم، وهو ما تطرقنا له في الكلام.
стр. 4905
عدم تعارض العلم الشرعي مع أي حقيقة علمية
السؤال
إذا تعارض العلم الشرعي بحقيقة علمية مثبتة فما العمل، وهل يمكن ذلك؟
الجواب
لا يمكن هذا ولا يحدث، وقد ألف ابن تيمية كتاب درء تعارض العقل والنقل، فالعقل لا يخالف النقل، والحقائق العلمية لا تخالف الكتاب أو السنة، ولو حدث هذا فعلى أحد محملين: إما أن الحديث ضعيف ليس بثابت عنه ﷺ ، فيأتون بالحديث الباطل الضعيف أو الموضوع الكذب فيعارضون به نظرية ويقولون للمسلمين: يقول رسولكم ﷺ هذا والعلم يقول هذا، فنقول لهم: الحديث لم يثبت.
أو أن النظرية لم تنضج ولم تصبح حقيقة لأنها تتدرج إلى أن تصبح حقيقة، ولذلك معارضة القرآن أو عرض القرآن للنظريات فيه خطورة لأنها تتغير، فقد يكتشفون اليوم شيئاً وغداً يعودون عنه، وبعد عدٍ يثبتون ما لم يثبتوا بالأمس، فعرض القرآن وجلوه للنظريات فيه خطورة كبيرة.
فأقول حقيقةً لا يوجد معارضة بين ما يكتشف وبين الكتاب والسنة إلا من ناحيتين: إما أن يكون الحديث باطل أو أن تكون النظرية هذه ما أصبحت حقيقة واقعة بعد.
стр. 4906
ترجمة بعض المؤرخين للحجاج
السؤال
فضيلة الشيخ! أرجو أن تذكر بعض المؤرخين الذين ترجموا للحجاج بن يوسف الثقفي، لأنه اشتهر عنه بين بعض الناس الظلم وسفك دماء المسلمين الأبرياء؟
الجواب
أولاً: الحجاج بن يوسف الثقفي الحاكم الوالي على العراق في عهد بني أمية، في عهد عبد الملك وولده الوليد بن عبد الملك، نقول فيه معتقد أهل السنة والجماعة: أنه من عصاة الموحدين، ومذنب صاحب كبائر وسفاك، لكنه من عصاة الموحدين، لا نشهد عليه بالنار ولا يخرج من الإسلام، لكننا نخاف عليه العذاب، فإن أهل السنة والجماعة لا يخرجون أهل الكبائر بكبائرهم من الإسلام، لكن يخافون على المسيء ويرجون للمحسن، والخوارج يكفرون أهل الكبائر، وهذا مذهب باطل بدعي لا صحة له.
ممن ذكر الحجاج ابن كثير وقد أنصف في ترجمته، لكنه قال في كلمات (قبحه الله) أي: الحجاج، ومؤرخ الإسلام بجدارة وأصالة وعمق هو الذهبي، وقد ترجم له في سير أعلام النبلاء، فقال: الحجاج بن يوسف الثقفي له حسنات منغمرة في بحار سيئاته، نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين، وأما ما ورد عنه من السفك للدم فهذا أمر متواتر ومشهور بين الأدباء والمؤرخين والعلماء، فقد قتل مائة ألف، كثير منهم أبرياء، وأهان كثيراً من الصحابة الأخيار، وقتل سعيد بن جبير، حتى قال الحجاج: رأيت في المنام كأن القيامة قامت، وكأن الناس أحضروا للحساب، وكأن الله قتلني بكل رجل قتلته قتلةً، إلا سعيد بن جبير فقتلني به على الصراط سبعين قتلة.
فـ الحجاج بلا شك قتل وسفك وأمره إلى الله ، وقد حضرته الوفاة بعدما قتل سعيد بن جبير، فقد كان سعيد يقول وهو في سكرات الموت: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فمرض شهراً كاملاً وأخذ يخور كما يخور الثور، وكان يقول: أرى في كل ليلة أني أسبح في دم.
ومن النكت والطرائف أنهم مروا بقبره بعد موته فسمعوا صوت تعذيب في قبره، فقال أخوه يعتذر له وهو حينئذٍ يمشي مع الأحياء على القبر: رحمك الله يا حجاج تقرأ القرآن حتى في القبر! هذا هو الحجاج بن يوسف.
стр. 4907
معنى: (تعالى جدك)
السؤال
في دعاء الاستفتاح جملة لا نعرف معناها وهي: (وتعالى جدك) مع أني أقرأها في كل صلاة؟
الجواب
( تعالى جَدكَ) لاتنطق إلا هكذا، ولا تقل: جِدك، فالجِد هو بذل الجهد في الشيء، وجَدك يطلق في الأنساب على أب الأب وما علا، والجدَ يطلق على الحظ، فمعناها: تعالى مقامك وحظك وقداستك، أي: تعاليت يا رب، وهو يعني المقام أي: مقامك وكبرياؤك وعظمتك، فمعناها يدور حول هذه المعاني.
стр. 4908
القصيدة المدوية
السؤال
أرجو أن تذكر القصيدة التي قلتها في الأستاذ سياف؟
الجواب
هذه القصيدة اسمها المدوية، أو الإسعاف في إتحاف سياف، وقد أرسلت بها له وللمجاهدين، ومنها:
سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق يرتسم
وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم
حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم
ثأرت لله وللدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم
على جبينك من سعد توقده وخالد في رؤى عينيك يقتحم
حلق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم
وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأمم
موتا على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم
لا موت من تسكر اللذات فطنته حياته في الورى سيان والعدم
سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم
قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة وفي سواك القوافي أشهر حرم
كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم
كأنما أنت كررت الألى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم
السائرون وعين الله ترقبهم السابحون وبحر الهول مضطرم
أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي رسموا
ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد سلموا
إلى آخر ما قلت.
стр. 4909
الغيبة والنميمة بين الطلاب
السؤال
ما هو رأيكم في النميمة التي تحصل أيام القبول والتسجيل، كما يقول بعض الطلاب: هذا الدكتور فيه كذا، وذاك فيه كذا وكذا إلى آخره؟
الجواب
هذه معصية مركبة، غيبة ونميمة، ليست معصية بسيطة لكنها مركبة من غيبة ونميمة، وبعض الطلبة يظن أنه يجوز غيبة الأساتذة، وأكثر ما يتشاغلون -بالاستقراء- في مجالسهم بغيبة الأساتذة، وخاصة إذا كان هناك عداء شخصي، فهذا يحرم ولا يظن الإنسان أنه ما تحرم الغيبة إلا في القرى أو في المسجد، لا.
بل الغيبة هنا أشد وأشد، لكنها بين طلبة العلم، وبين الدعاة، وبين الأساتذة، وبين المتعلمين، فأنا أنصح هذا الأخ أن يتقي الله في نفسه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليعرف أن هذه الأعراض وهذه المقامات مقامات المسلمين أساتذة ومعلمين ولا ينبغي أن تبتذل أعراضهم وتنتهك، وأن تشرح أخلاقهم، فهذا من الأسف الشديد، وهو إثم كبير والله المستعان.
стр. 4910
من هو القدوة
السؤال
هل يصح لي أن أكون معلماً قدوة ومعلماً صالحاً إذا كان ثوبي طويلاً، وأحلق لحيتي وأشرب الدخان وأزيد أنا يا شيخ وأقول: نحن نرتب هذه المحاضرات ليحضر الطلبة، وهي محاضرات محسوبة عليه، فيهرب البعض من فوق السور وهم قدوة لنا، فما تعليقكم؟
الجواب
أنت تريد أن ترد على السائل، تهاجمه مثل ما هاجم الأساتذة، هذه المعاصي التي ذكرها الأخ في السؤال كقول القائل:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
ونحن أمرنا أن نقوم الناس بحسناتهم وسيئاتهم، ولا نأتي إلى صاحب السيئة الصغيرة فنكبرها حتى تصبح مثل الجبل، ولا إلى الحسنة الكبيرة فنصغرها حتى تصبح كالنمل، لا يقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
فالذي يشرب الخمر لانقول له: أنت بمنزلة المسبل للثوب، والذي يسرق لا نقول له: أنت بمنزلة من يحلق لحيته، لكن من هو المعلم الذي نقيس أحوالنا وأفعالنا وأقوالنا عليه؟ أليس هو الرسول ﵊؟ بلا شك هو الرسول ﷺ ، وأنا أشكر فيكم وفي عميدكم هذه الروح الشجاعية والشورى ومبدأ حرية الرأي، كعرض هذه الأسئلة؛ لأن بعض المستويات ما يسمح بطرح هذه الأسئلة، ولا بد من هذا ليعرف الناس بعضهم بعضاً، ونحن أمة الشورى وأمة الحرية وأمة العقل المدرك، لا الإرهاب العقلي.
والأستاذ الذي يفعل ذلك نقص من قدوته وأخطأ كثيراً، وطمس جانباً من معالم رسالته، وهو لا زال مسلماً -والحمد لله- وفيه خير كثير ويستفاد منه، لكن موقفنا منه أن ننصحه وأن نوجهه حتى يكون كاملاً، يقول أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
وآنف من أخي لأبي وأمي إذا ما لم أجده من الكرام
فأنت كن كريماً متبعاً للرسول ﵊، واعرف أنك لم تكون كاملاً حتى تقتدي به في الثوب واللحية، وفي ترك الدخان، وفي ترك الأكل والشرب بالشمال لتكون كاملاً، أما أن نجزئ الإسلام ونقول: هذه قشور وهذه لباب، فمن قال إنها قشور ولباب؟! الذي أتى لنا بلا إله إلا الله وبالقرآن هو الذي أتى لنا باللحية وبتقصير الثوب، والذي أتى لنا بحقوق الإنسان وحب الإنسان وفقه الإنسان هو الذي أتى لنا بهذه السنن.
وأما ما ذكره الدكتور من أن بعض الطلبة يقفزون على السور، فهذا من عدم تطبيقهم للعلم، وعدم انتفاعهم به، وهو مخالفة للعقل والنقل، فأما النقل فإن النصوص من العمادة تنص على أن هذا أمر باطل مجمع عليه من كافة المذاهب، فهو عصى الأمر الأمور، والعاصي جزاؤه معروف.
وأما عقلاً فإنه لا يليق -حتى عند غير المسلمين- أن تصبح هذه المؤسسات العلمية كحديقة الحيوان، أو كمتسلق، أو كالجبال، فعلى الإخوة الطلاب، أن يتقوا الله، وأن يجعلوا مع العلم الأدب والإيمان والحب والطموح.
стр. 4911
حقيقة أهل الحداثة
السؤال
ما هي الحداثة وهل هي مذهب أدبي أم أنها نظرة شاملة للحياة من غير منظور الإسلام؟
الجواب
أهل الحداثة يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهم على أقسام: مقتصد وظالم وسابق بالخيرات، ومعنى الحداثة: الثورة على كل قديم، وهي مذهب قالباً ومضموناً، وسوف أقسم الحداثيين في الساحة، وسوف أتكلم عن أهم مقاصدهم الرمزية والغموض الأدبي، فهم يقولون: إننا نضع قالباً لا حجر علينا فيه، ونحن نصدقهم على هذا، وهذا سور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، نوافقهم على القالب ونقول: ليس بحرام أن نخرج على الستة عشر بحراً أو السبعة عشر بحراً الموجودة في الساحة، لكن نقول: ما هو المضمون الذي تضعونه؟ فيقولون: نحن متصرفون ولنا مطلق الحرية.
قلنا: لا.
هناك كتاب وسنة، وكثير منهم نادى بالثورة على اللغة وعلى الدين وعلى الرسالة، فيقول: كل قديم نثور عليه، بما فيه القرآن والكعبة والرسول ﵊، وهؤلاء ملاحدة بلا شك، وهو مركب أدونيس والسيَّاب، وقد أتى هذا بكثير من الساحة لا أذكر أسماءهم، وقد عرضت أسماؤهم عندكم في كثير من المنشورات والمقالات والكتب، فهذا القسم حظه معروف، وعليه أن يتوب إلى الله فقد ارتد عن الإسلام.
والقسم الآخر: قسم يقول: لا مشاحة في المضمون، نحن مسلمون، لكن نكتب في قالب أدبي، ومن يحجر علينا؟ فبدلاً من أن القصيدة عمودية نجعلها منثورة، كهذا الشعر الموجود الذي ترجم، قلنا لهم: لكم ذلك لكن احذروا في المضمون وهؤلاء لا غبار عليهم، وقد نادى بهذه الفكرة أناس كثير منهم، ونقول لهم: أنتم لا زلتم في الإسلام، لكن اتقوا الله في المضمون.
فهم على قسمين اثنين: أهل قالب لا شر فيه، وأهل مضمون كله شر وزندقة، وقد عرض لكم عنهم شيء كثير من التوجيه والملاحظة في كتب وأشرطة.
стр. 4912
الذهاب إلى الجهاد بدون إذن الوالدين
السؤال
أرجو من فضيلتكم بيان حكم من يذهب إلى أفغانستان لقصد الجهاد دون علم من أهله، أو أن يخبرهم بذلك؟
الجواب
لا بد من استئذان الوالدين في الذهاب إلى أفغانستان، وقد كثر الكلام في مسألة الاستئذان والذهاب، أما مسألة الجهاد فلا بد من الكلام فيها طويلاً.
стр. 4913
أخذ النظريات وتجارب الغربيين
السؤال
قدوتنا هو الرسول ﷺ بلا شك، ولكن عند تطبيقنا في المدارس نأتي على طريقة فلان وعلان في التربية، ووظيفة فلان في الثواب والعقاب، وفلان في الحروف ودرجة الذكاء، فما رأي شيخنا هل نواصل مسيرتنا ونحن نأخذ من الغربيين ونحن نملك أعظم طريقة للتربية؟
الجواب
أولاً: يفرق بين العلم الذي أتى به ﷺ والإيمان، فنأخذه من الرسول ﷺ ، والتجارب لا بأس أن نأخذها من الأمم، وقد رد في أثر بعضهم يرفعه إلى الرسول ﵊، لكنه من كلام علي: [[الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها أنى وجدها]].
والشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي، وقال له كما في الصحيحين: إذا قرأتها لا يقربك شيطان.
فأخذها أبو هريرة.
فالتجارب والنظريات التي وصل إليها الغربيون لا بأس أن نأخذ مايستفاد منها، كهؤلاء الذين كتبوا في علم النفس؛ بشرط ألا تعارض ديننا، فإذا عارضت إسلامنا وديننا وإيماننا رمينا بها وبهم وراء السور، وحرام أن ترد علينا، أما إذا لم تعارض فما هو الذي يحرم علينا أن نستفيد منهم؟ كما استفدنا منهم في هذه الوسائل، في المكرفون والمال والماسة التي أمامي والكرسي الذي أجلس عليه، وكل شيء علينا هي منهم، حتى الطباشير -والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- لا نعرف صنعها.
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا ننتج السيارة
وأما الأمور المذمومة والمحتقرة فقد نقلت إلى الشرق، لكن الكماليات والفوائد والنوافع لم تنقل، فقد سمعنا من يغني ويطبل لأن الفرنسيين غنوا وطبلوا؛ لكن ما سمعنا من يصنع السيارة ويقدم الثلاجة لأن الفرنسيين صنعوا السيارة وقدموا الثلاجة!
مر أحد الناس بشيخ يقرأ على طلابه في الروض المربع، وهو كتاب معروف للحنابلة في الفقه، فقال أحد هؤلاء الشباب المتطورين الذين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا خارج العالم ولا داخله، قال: يا شيخ! أنت تشرح في الروض المربع والناس صعدوا على سطح القمر! فقال له الشيخ: يا أخي! أما أنت فلا صعدت على القمر ولا جلست معنا في الأرض تقرأ الروض المربع.
وهذا صحيح، هؤلاء الذين يهزءون بنا لأننا نتكلم في هذه القضايا هم ما ذهبوا ولا قدموا لنا شيئاً، وقد يعذر الخواجة لأنه قدم للبشرية شيئاً، ولكن لا يعذر لتركه الإيمان، فلينتبه لهذا.
стр. 4914
حكم التصوير وتعليق الصور والغناء
السؤال
ما حكم التصوير التلفزيوني، وتعليق الصور، وما حكم الغناء؟
الجواب
هذه ثلاثة أشياء: التصوير التلفزيوني أو الفيديو أو نقل الصورة، الذي أعرفه أنه إذا كان يترتب على هذا التصوير مصلحة أعظم من مفسدته فلا بأس به، كأن ينقل صورة هذا اللقاء إلى مكان أو إلى صالة أو إلى أمكنة يستفيد منها المسلمون، وأما التصوير في التلفزيون فأمر آخر، وأنا أتكلم عن التصوير لنقل اللقاءات والمحاضرات والكلمات، فلا بأس به وهو من وسائل الدعوة، لينقل إلى أمكنة، ويستفيد منه جموع من المسلمين؛ لأن هذه الوسائل إذا لم تستغل في خدمة الدعوة فسوف يبقى مجالنا ضيق وقليل، وسيأتي الكافر ويسبقنا على هذه الأمور، ونحن نقف مكتوفي الأيدي.
وأما الغناء فهو حرام، وقد اشتهرت في حكمه الأدلة وتظافرت، وأما الذين يفتون بعدم تحريمه، فليس لهم دليل، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، منها قوله ﷺ في حديث أبي مالك الأشعري في البخاري: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها يكون بعد التحريم، وفي سنن أبي داود: ﴿أن الرسول ﷺ وضع أصبعيه في أذنيه لما سمع زمارة راعي﴾ إلى غيرها من الأدلة، وقد تعرض ابن تيمية في كتاب الاستقامة للغناء، وذكر أنه مسكر، ويوجد من الشهوات والشبهات ما الله به عليم، بل هو بريد الزنا، وما وجدت الجريمة والتفسخ وعدم احترام الأعراض إلا بهذه الوسائل من العشق والوله والجريمة، ومن أعظم مصائب الغناء إخراج حب الله من القلب.
وتعليق الصور لا يجوز، وليس فيها مصلحة ولا فائدة، وليست بضرورية، والصور إنما هي للضرورة، مثل الحفيظة والاستمارة وما يدخل في حكمها، وأما تعليقها للتعظيم فهذا حرام، وما ينبغي أن يكون لا في الصالات ولا في المكاتب، وهو يخالف نصوص الوعيد التي أتى بها المصطفى ﵊ وقالها.
стр. 4915
حب المدح والثناء
السؤال
فضيلة الشيخ! لي قلب يحب المدح والثناء، فما نصيحتكم لي؟ وأرجو ألا تنسوني من صالح دعائكم؟
الجواب
وفقنا الله وإياك وكل مسلم أما ما ذكرت أنك تحب المدح والثناء فهذا على قسمين:
شكا بعض الصحابة إلى الرسول ﵊ هذا الأمر، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: ﴿قلت: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل يريد به وجه الله فيمدح فيستبشر، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن﴾ فلا بأس إذا عملت العمل لوجه الله ثم أثنى عليك الناس، كأن دعوا لك بظهر الغيب، أو قالوا: فلان طيب، فإنها من موجبات الرحمة، فقد قال ﵊ لجنازة مرت به وأثنى عليها الناس: ﴿وجبت وجبت، وقال للأخرى لما أثنوا عليها شراً: وجبت وجبت.
قالوا: ما وجبت في الأولى والثانية؟ قال: تلك أثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وتلك أثنوا عليها شراً فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾.
وأما أن تعمل العمل من أوله لقصد الثناء والمدح فهذا رياء وسمعة، نعوذ بالله من ذلك، وهو محبط للأعمال، ودواؤه أن تعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولا يجزل الثواب إلا الله، ولا يعطي إلا الله، ولا يرفع من مقامك إلا الله، ولا يحببك ولا يبغضك إلا الله، فخذ الحب والثواب والأجر منه ، وما عليك من الناس إن مدحوك أو ذموك.
وجزى الله خيراً كل من ساهم في هذا اللقاء، وأشكركم شكراً لا حد له، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 4916
عقبات في طريق الدعوة
طريق الدعوة طريق مليء بالعقبات، مفروش بالمخاطر والتضحيات؛ لأن الجزاء الجنة.
وفي هذا الدرس بيان بعض عقبات الطريق الذي يسير عليه الداعية، وكيف تجتاز هذه العقبات، فالنبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من السلف كانت أمامهم عقبات في طريقهم في الدعوة لكنهم استعانوا بالله فأعانهم عليها.
стр. 4917
أخلاق المصطفى ﷺ في دعوته
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله، حتى أتاه اليقين، فصلِّ اللهم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
تمنيت الحجاز أعيش فيه فأعطى الله قلبي ما تمنى
سقى الله الحجاز وساكنيه وروى كل رابية ومغنى
عنوان هذه المحاضرة عقبات في طريق الدعوة، ولها عناصر:
- ما هي العقبات التي تعرض للدعاة؟
- ما هي الحجب التي تغشى أبصار المدعوين؟
- ما هي الأزمات التي يتعرض لها من ينصح ومن يدعو ومن يوجه ومن يوعي الناس؟
هذا ما سوف نجيب عنه إن شاء الله، والموفق الله، والهادي الله.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
أول العقبات: اتباع الهوى الذي يصد عن منهج الله.
العقبة الثانية: الكبر من المدعو فلا يقبل الحق.
العقبة الثالثة: كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق.
العقبة الرابعة: جلساء السوء الذين يصدون عن منهج الله وهم أعداء الأنبياء والرسل.
العقبة الخامسة: فتور الدعاة وضعف الدافع.
العقبة السادسة: انصراف الناس إلى الدنيا على حساب الدين.
وقبل أن أبدأ وقبل أن أتكلم، أقف مع أكبر داعية في العالم، فهو المصلح العظيم، أقف مع الذي هدى الله به البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزلزل به كيان الوثنية، أقف مع الرحمة المهداة، الذي قال الله له من فوق سبع سموات: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧].
فبلغ أتم البلاغ والله، وهدى أتم الهداية، إي والله، وجاهد أتم الجهاد، وايم الله، والله ما تركنا إلا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، نصح ووجه ودعا، وجاهد وخاطب وأفتى، وقدم دمه، ودموعه، وقدم وقته وماله وجهده.
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه
نشأ يتيماً، الناس عندهم أبوان، يدلل كل أب طفله وتدلل كل أم طفلها، أما محمد ﵊ فيتيم.
أنت اليتيم ولكن فيك معجزة يذوب في ساحها مليون جبار
الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار
نشأ يتيماً يصارع الحياة، فما عرف حنان الأب، ولا رقة الوالدة، ونشأ ﵊ مرة مع عمه، ومرة مع جده، ومرة مع قريبة، ما خان في جاهليته، فكيف يخون في الإسلام؟! وما كذب في حياته كذبة، فكيف يكذب بعد أن نزل عليه الوحي؟! قال عنه ربه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [لنجم:١ - ٤].
يا من ألقى محاضرة، محمد ﵊ ألقى آلاف المحاضرات، يا من دمعت عينه في مجلس دعوة، محمد ﵊ سالت دماؤه في كل معركة في سبيل الله، إصبعه تسيل في حنين، وهو يقول:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
بيته من طين وقد سكن الدعاة القصور، يسير في شدة الحر وقد تكيفوا بالمكيفات، ويركب على الحمار وقد استقلوا السيارات الفاخرة، فهو ﵊ كما قال الأول:
كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهف من العلم
وصل إلى الأربعين فدعا إلى الله، فأخرجه قومه، القريب قبل البعيد، ذهب إلى أهل الطائف، فطردوه أين يذهب؟!
قتل أصحابه بين يديه، فبكى حزناً عليهم، لكنه عاد أقوى مما كان.
ضربت بنانه ﵊ فما انهار، أصبح أقوى من ذي قبل، أتاه الخبر أن سبعين من القراء ذبحوا مرة واحدة، فسالت دموعه على لحيته الشريفة، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، جاءه الخبر وهو في المدينة، قالوا: أبو سفيان أقبل هو والمشركون مع اليهود، والمنافقين، فقام وأخذ اللامة والسيف، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
تأتيه الأخبار المدلهمة، فيتقوى، قالوا: شاعر، وثبت، قالوا: ساحر، وثبت، قالوا: كاهن، وثبت، قالوا: مجنون، وثبت، وانتصر في آخر المطاف.
وصفه الله بأوصاف عجيبة، وصفه باللين، فقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وصفه بالصدق فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وصفه أنه على خلق عظيم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
فيا دعاة الإسلام! ويا طلبة العلم! قدوتكم محمد ﵊، الذي ما مات حتى بلغ الدعوة مشرق الأرض ومغربها، وقال وهو يلفظ أنفاسه: ﴿والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾.
قامت العرب بالسيوف في وجهه، فقام بالسيف، قاتلوه فقاتلهم، حاربوه فحاربهم، قاطعوه فقاطعهم، حتى نصر الله دينه، ورفع كلمته، ودخل يوم الفتح وراية لا إله إلا الله محمد رسول الله ترفرف في السماء.
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
стр. 4918
اتباع الهوى
أول العقبات في طريق الدعوة: اتباع الهوى.
إن الهوى إله يعبد من دون الله، وما ترك الطريق المستقيم من تركه إلا لأنه اتبع هواه، وهواه إما أن يبقى ضالاً، أو شقياً أو تعيساً، أو يبقى مصاحباً لفاجر، أو عبداً لأغنية، أو متعلقاً بصورة، أو متلذذاً بفجور، أو منتكساً على عقبه، لا يعرف المسجد، ولا القرآن ولا الهداية، ولا طريق الجنة، قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] والهوى يغلب العقل، نعوذ بالله من اتباع الهوى.
وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد علا
وبعضهم يقول:
وآفة العقل الهوى ومن علا هواهُ عقلَهُ هواه فقد هوى
أي: إذا علا هواك على عقلك؛ فقد هويت على رأسك في نار جهنم -والعياذ بالله- وقال سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
وسبب نزول الآية عند المفسرين: أن الرسول ﵊ جاءه قوم من الكفار من عبدة الأوثان وشربة الخمر والزناة، أهل الدعارة والكبر، لابسي الذهب والحرير، قالوا: يا محمد، إن كنت تريد أن تدعونا، فأخرج هؤلاء المساكين والعبيد والفقراء من عندك، فإنا من علية القوم ولن نجلس مع هؤلاء، فهمَّ ﵊ أن يخرجهم وكان منهم بلال وابن مسعود، وأمثالهم وأضرابهم.
هَمّ أن يخرجهم من المجلس؛ فأنزل الله قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] يقول أحد العلماء معلقاً: اصبر مع المساكين، اجلس مع الفقراء، فالخير معهم، والنصر معهم؛ لأنهم صادقون، قبلوا الإسلام بلا طلاء، وقبلوا الإسلام بلا رشوة، وقبلوا الإسلام بلا تأليف، وهم الذين سوف تقوم عليهم الدعوة غداً.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] فقال ﵊: بل أجلس معكم، فجلس معهم ﵊.
وصح أنه ﵊ أراد أن يكسب ود كبار وسادات قريش المترفين، وكان ابن أم مكتوم يريد أن يسأله مسألة، وكان مسلماً قد نور الله قلبه، ومع أنه أعمى البصر فقد كان منور البصيرة، وسماه الله في القرآن أعمى، ولكن في سورة الرعد قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
الأعمى هو من عميت بصيرته، وعمي قلبه، ولم يعرف طريق الاستقامة، ولا طريق المسجد، ولم يحمل القرآن، ولم يعش الدعوة والذكر.
جاء ابن أم مكتوم فأجلسه ﵊، فجاء كبراء مكة فصد عنه ﵊ واستقبلهم واحتفى بهم؛ لأنه يريد أن يكسبهم، وأتى العتاب من الواحد الأحد: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] عبس محمد وتولى ﵊ لماذا تعبس وتتولى؟ ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:٢] لأنه فقير مسكين تعرض عنه؟! ألا تدري أنه يحمل قلباً سليماً يقول سيد ﵀ في الظلال: أما تعرف أن هذا الرجل الأعمى سوف يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء، وبالفعل أصبح هذا الأعمى منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء، حياً على الهواء مباشرة، وحضر معركة القادسية وقال: احملوني أقاتل، وقالوا: أنت معذور لأنك أعمى، قال: والله الذي لا إله إلا هو لا أسمع قوله : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأتخلف! فحملوه وحمل الراية، وقتل في سبيل الله.
هذا هو الأعمى.
أما الكبراء، فقتلوا في بدر إلى نار جهنم، إلى نار تلظى، وقدمهم ﵊ هدية وقرباناً إلى الواحد الأحد، قتلهم وقطع رءوسهم؛ لأنهم ما عرفوا الهداية والنور.
قال سبحانه: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] هذا الخطاب لموسى حتى عرفه الله على نفسه أكبر تعريف، والداعية عليه أن يعرف الله ، إذا سئل عنه أن يقول: هو الله الذي لا إله إلا هو، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
قال الله سبحانه لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وهذا تعريف لله .
ذُكر أن سيبويه صاحب الكتاب في النحو رئي في المنام بعد موته، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ذنبي قالوا: بماذا؟ قال: كتبت في كتابي الكتاب لما وصلت إلى لفظ الجلالة: الله أعرف المعارف غني عن التعريف.
فلقد استحيا سيبويه أن يعرف الله ، وآياته شاهدة بألوهيته.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فهنا يقول: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [طه:١٦] والهوى قد يكون في زوجة تصدك عن منهج الله، وقد يكون في أغنية، وقد يكون في مسرحية، وقد يكون في سيجارة، وقد يكون في لعبة، وقد يكون في معصية هائلة تصدك عن منهج الله.
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] ولذلك دعي كثير من الناس، فأبطأ بهم الهوى وصدهم عن منهج الله، وقال سبحانه مبرأً رسوله ﵊ من الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
لا يعرف الهوى، ولا يمر به الهوى، بل هو مقيد بالكتاب والسنة ﵊، قال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] أي: جعل معبوده هواه، يطيع الهوى: يقول له الهوى: تعال إلى الفراش ولا تصلِ فيجيب، ويقول له: اترك القرآن وتعال إلى الأغنية، أو لا تصاحب أولئك الصالحين، واصحب هؤلاء المعرضين الفاجرين، فيقول له الهوى: لا تسبِّح فيجيب.
متى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا
متى يهديك عقلك؟ متى تهتدي إذا لم تعلم أن داءك في هذا الإعراض -والعياذ بالله- وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ثلاث مهلكات: اتباع الهوى، وإعجاب المرء برأيه، وشح مطاع﴾.
فأما اتباع الهوى وأن يقودك عقلك إلى كل مكان، فتسقط فيه، أي أن هواك يغلب عقلك، فتقع في شرك الهوى -والعياذ بالله من الهوى- والهوى يردي، وهو منتشر عند الناس، فأعظم عقبة في وجه الدعاة تصادفهم هي: اتباع المدعوين لهواهم، تقول للرجل: تب، فيريد ولكن يقول له هواه: لا تفعل.
تريد الناس أن يتوجهوا إلى المسجد، فيقول هواهم: لا تفعلوا.
стр. 4919
أبو جهل اتبع هواه
اسمع إلى اتّباع الهوى في قصص بعض الناس:
أتظن أن أبا جهل لا يعرف أن محمداً ﵊ صادق، بل يعرف أبو جهل ذلك، يقول أبو جهل: إني لأدري أن محمداً صادق، ولكن قال بنو هاشم: فينا السقاية، فقلنا: فينا كذا، فإذا قالوا: فينا النبوة فماذا نقول؟ قال سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعرف نبوة الرسول ﵊ وأنه صادق، لكنه ركب رأسه واتبع هواه.
стр. 4920
العاص بن وائل صده عن الله هواه
وصح أن العاص بن وائل السهمي من سادات قريش، وقد انتهت السيادة والله، فلا سيادة إلا بالتقوى، يقول عمر بن عبد العزيز: [[لما أتى الإسلام أسكت كل منافق وأبطل كل نافق، وأنطق كل ناطق، فتحدثت الكائنات بلا إله إلا الله، وأرغم الكفار بأنوفهم في التراب]].
فأتى بلال يؤذن من الحبشة، وأتى سلمان من أرض فارس يقول: لبيك اللهم لبيك، وأحرم صهيب من أرض الروم، وتولى أبو جهل وأمية والعاص بن وائل فكبكبوا على وجوههم في النار.
جاء العاص بن وائل بعظم يحته -لأن مشكلة الجاهليين عدم الإيمان باليوم الآخر، أدمغتهم كأدمغة الحمير! لم تهضم هذه القضية، كل قضية يهضمونها إلا قضية البعث بعد الموت- أتى بعظم فحته، ثم نفخه أمام الرسول ﵊ ثم قال: يا محمد، أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن يميته؟ قال: ﴿نعم ويدخلك النار﴾ وأنزل الله جواباً له ولأمثاله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
ذكر أهل الترجمة كـ الحكيم الترمذي وغيره، أن مجنون ليلى ركبه هوى ليلى -وبعض الناس يضيع ستين سنة مع أغنية أو امرأة أو كأس- فغنى بحبها حتى صار مجنوناً، يقول في بيتين له:
أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
نعوذ بالله من الخذلان، لماذا لا يتوب؟ هكذا ركبه الهوى!
اللهم لا تمكر بنا، بل نتوب إليك من جميع الذنوب والخطايا، وكان ﵊ يبكي في قيام الليل وهو يقول: ﴿اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، وعلانيته وسره﴾ ما أحسن الدعاء! ليس كمن يقول:
وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
أغواك شيطانك وأعرضت عن منهج الله، ولو عرفت طريق الهداية لما قلت هذا الكلام.
وحكوا قصة رجل ركبه هواه آخر يوم في حياته وقد حضرته سكرات الموت، والوعد الحق يوم ينسى الإنسان زوجته وولده وأهله أتدرون ماذا يقول في سكرات الموت؟ يقول وهو يوصي أحد أبنائه:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد دفني عروقها
الكرمة العنب، وهي التي يتخذ منها الخمر، فيقول: إذا مت فابحثوا لي عن عنبة؛ لأني لا أعيش إلا على العنب والخمر في الدنيا، عسى قبري أن يكون بجانب عروقها تروي عظامي.
قال أهل العلم: اللهم لا تمكر بنا وثبتنا على الخاتمة الحسنة.
إذا علم هذا فأمثال ذلك كثير، أن صاحب المغني الفقيه الحنبلي، يشاركنا في الهوى المضل وهو يتكلم عن الفقه، ثم يضرب مثالاً على آمين يقول أحدهم:
يا رب لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا
وممن اتبع هواه وركبه شيطانه: القروي وهو شاعر مجرم، استقبل في دمشق على الأكتاف، سبحوا بحمده وأنزلوه من الطائرة، فوقف يحيي الجماهير، وركبه هواه، ونسي الواحد الأحد فقال في قصيدة له:
ألا مرحباً كفراً يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
وتولاه الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ بسبعمائة بيت، فأخسأه وحقره، وقال: ركبك شيطانك وغلبك هواك.
стр. 4921
الكبر من المدعو
العنصر الثاني: الكبر من المدعو أعظم العقبات التي تواجه الدعاة وطلبة العلم، وكبر المدعو إما بمنصبه أو بماله أو بولده، وبعضهم يتكبر وهو على الحديدة والرصيف، لا يوجد لديه شيء وهو مع ذلك متكبر، ولذلك قال ﵊ في الصحيح ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: عائل مستكبر، وأشمط زان، وملك كذاب﴾ قال ابن تيمية: إنما وصفهم رسول الهدى ﵊ بذلك؛ لأن الداعي عندهم ضعيف، ومع ذلك كذب هذا، وزنا هذا، وتكبر هذا.
الفقير لا يعذر، والغني قد يعذر؛ لأن عنده مالاً وملايين، وبنوكاً وقصوراً وبساتين، لكن قل لي بالله في رجل لا يجد كسرة الخبز، وينام على الرصيف، ويتكبر عليك (أعمى ويناقر).
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
стр. 4922
الكبر يمنع اليهود من الاسلام
إن الكبر هو الذي منع اليهود أن يدخلوا في الدين وكانوا يقولون: الأنبياء منا؛ مع أنهم يقرءون في التوراة أنه سوف يبعث نبي من العرب اسمه أحمد، ﵊: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
قال الترمذي بسند صحيح وأصله في الصحيحين عن عبد الله بن سلام، قال: ﴿دخل ﵊ المدينة فانجفل الناس﴾ الجفلى عند العرب الدعوة العامة، إذا دعوت في زواج دعوة عامة فهذه تسمى عند العرب الجفلى، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
نحن ندعو الناس جميعاً، قال: عبد الله بن سلام: ﴿انجفل الناس إلى رسول الله ﵊، فكنت فيمن انجفل، فزاحمت حتى رأيت وجهه؛ فعلمت أنه ليس بوجه كذاب﴾.
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
قال: ﴿فتكلم فإذا هو يقول﴾ كلاماً ما سمع الناس بمثله، كلاماً مرتباً، كلاماً عميقاً أصيلاً يقول: ﴿يا أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾.
قال راوي الحديث عبد الله بن سلام: ﴿فأتيت إلى الرسول ﵊ وقلت: يا رسول الله، إني أسألك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي﴾ هذه محاورة ساخنة حارة؛ لأن عبد الله بن سلام كان يقرأ التوراة، ﴿قال: سل، قال: يا رسول الله، ما أول ما يأكل أهل الجنة؟ وما هي أول علامات الساعة؟ وكيف يشبه الولد أباه أو يشبه أمه؟﴾ ما تفكر ﵊ ولا تأمل، وإنما اندفع ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥].
قال: ﴿أول ما يأكل أهل الجنة زيادة كبد الحوت، قال: صدقت، قال: وأما أول علامات الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: صدقت، قال: وإذا سبق ماءُ الرجل نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماءُ المرأة نزع الولد إلى أمه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي: يبهتون أهل زور- وإن علموا بإسلامي بهتوني، لكن أدخلني في هذه المشربة وراءك، وأغلق عليّ، واسألهم عني﴾.
فأدخله ﵊ وأتى المتكبرون الجبابرة فأجلسهم أمامه.
ثم قال: ﴿كيف ابن سلام فيكم؟ - مادروا أنه في المشربة- قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: أرأيتم إن أسلم؟! قالوا: أعاذه الله من ذلك، ففتح ﵊ الباب فخرج ابن سلام يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقاموا ينفضون ثيابهم يقولون: شرنا وابن شرنا، وخبيثنا وابن خبيثنا﴾ ثم فروا.
стр. 4923
جزاء المتكبرين
في صحيح مسلم عنه ﵊: ﴿أنه كان جالساً ورجل من الناس يأكل بشماله﴾ وبعض الناس يتكبر حتى في الأكل، فتجد مسلماً يصلي ويحج ويعتمر، لكنه لا يأكل باليمين، ويظن التقدم والديمقراطية أن يأكل باليسار، حتى يقول: الأكل باليمين، أو تربية لحى، أو تقصير الثياب كل هذه قشور، يجب أن يكون الإسلام سمحاً، وأنتم ما فهمتم الإسلام، فهو يريد إسلاماً أمريكياً، فأتى الرجل يأكل باليسار، فقال ﷺ : ﴿كُلْ بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت -هذا دعاء- ما منعه إلا الكبر، قالوا: فما رفعها إلى فمه﴾ يبست وجفت، وأصبحت كالعود صلبة، فما رفعها إلى فمه؛ لأن الرسول ﵊ دعا عليه.
وخرج ﵊ يعرض دعوته على أهل الطائف فما منعهم إلا الكبر، قال أحدهم: ما وجد الله إلا أنت يرسلك، وقال الثاني: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنت أعلا من أن نكلمك، وإن كنت لست بنبي أو كذاب فإنا لا نكلم الكذابين، فما أجابوه، هذا الكبر من المدعوين.
وقال سبحانه عن المتكبرين من المدعوين: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر:٢٤] ولذلك بعض الناس أحرمهم الكبر دخول الجنة والسعادة والاستقامة في الدنيا والآخرة، يتكبر لماذا؟
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
مر أحد الأمراء بـ الحسن البصري وعليه ديباج وحرير، ومعه موكب، فقام الناس لهذا الأمير إلا عالم التابعين الحسن البصري ما قام، قال الوزير: ما عرفتني؟ قال: بل عرفتك، قال: من أنا؟ قال: أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذيتك تحمل العذرة، فسكت وخجل ثم أدبر.
هذه هي الحياة، العز عز التقوى وعز الاستقامة، لا كبير على الله يقول سبحانه: ﴿الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ من نازعني فيهما قصمته﴾ وفي رواية: ﴿عذبته﴾ حديث صحيح ولذلك يقول أحدهم في المتكبرين:
وجوههم من سواد الكبر عابسة كأنما أوردوا غصباً إلى النار
هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار
ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
إن الذي منع قوم شعيب أن يتبعوه أنه ضعيف، لما قرأ ابن عباس قوله : ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود:٩١] قال ابن عباس: ضعيفاً: أعمى، فقالوا: أنت ضعيف وفقير فلا نتبعك، لماذا لم يبعث الله غيرك؟ وقد قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فالله أعلم من يصلح للخير ممن لا يصلح.
ولذلك بعض الأسر لا تستجيب لبعض الدعاة، يقول أحدهم: يأتي فلان يدعوني وهو أقل مني طبقة في المجتمع، يدعوني وهو فقير، يدعوني ولا منصب له، وما علم أن الدعوة ملك للجميع، ولذلك ما صد عن منهج الله شيء كالكبر.
стр. 4924
عامر بن الطفيل والتكبر
عامر بن الطفيل سيد من سادات العرب، كان عنده من قبيلته ألف مقاتل، إذا صاح صيحة حضر الألف بالسيوف، حتى إنه يقول للرسول ﷺ : إما أن تجيبني وتعطيني نصف الأرض، وإلا ملأت عليك المدينة خيلاً جرداً وشباباً مرداً، قال ﵊: ﴿بل يكفيني الله إياكم بما شاء﴾.
أتى عامر بن الطفيل فأعرض عن منهج الله وكفر بالدعوة، وزيادة على ذلك صمم على اغتيال الرسول ﵊، لكن:
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
أخذ رجلاً اسمه أربد بن قيس، وقال: يا أربد بن قيس، تريد شرف الدهر؟! قال: ما هو شرف الدهر؟ قال: نقتل محمداً فنرتاح وترتاح العرب منه، قال: كيف نقتله؟ قال: أنا سوف أشغله بالحديث وأخرج به من المدينة، فإذا خرجت به وأشغلته فاضرب الرجل، وما علموا أن الحافظ هو الله وأن الله قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] بعدها ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] لن يقتلك أحد، أنت في حفظ الله، فلما وصل إلى المدينة، قال: يا محمد، نريدك أنا وصاحبي في كلمة، فخرج بلا سيف ولا سلاح، ولا رمح ولا حربةٍ، خرج بثيابه ﵊ فلما خرج إلى الصحراء، أتى عامر بن الطفيل يتحدث له ويغمز للرجل بعينه، أن اضرب، فإذا رفع السيف رأى بارقاً أمام عينيه، وإذا بـ عامر بن الطفيل صاحبه بينه وبين الرسول يريد أن يضربه، ثم حاول وحاول، فلما طال النهار ودعه عامر بن الطفيل وذهب، فقال لـ أربد: لا تتبعني ولا تكلمني فأنت أجبن العرب قال: ولم؟ قال: ما قتلت الرجل منذ اليوم قال: والله ما رفعت سيفي إلا رأيت بارقة ورأيتك بيني وبينه، أفأقتلك؟ فلما ولوا عرف ﷺ فيهم الغدر، فالتفت وقال: ﴿اللهم اكفنيهم بما شئت﴾.
فأما عامر فأصابته غدة كغدة البعير، حتى وصلت إلى بطنه، فأخذ يقول: أموت في بيت سلولية؟ أركبوني على الفرس، فأركبوه قال: غدة كغدة البعير في بيت سلولية، ثم مات.
وأما أربد بن قيس فأتته صاعقة من السماء على جمله وهو في السوق فأحرقته وأحرقت الجمل.
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
فهؤلاء متكبرون أعرضوا عن الدعوة فما اهتدوا.
стр. 4925
قصة عمير بن وهب
جلس عمير بن وهب في مكة تحت ميزاب الكعبة مع صفوان بن أمية بن خلف، يتحدثون فيما بينهم، ولكن الواحد الأحد نقل الحديث إلى المدينة مباشرة، إلى محمد ﵊، قال: في ليلة كذا وكذا في مجلس كذا وكذا، قال عمير وصفوان كذا وكذا.
يقول صفوان: يا عمير، أما ترى ماذا فعل بنا محمد؟ قتل أبناءنا في بدر، وقتل أرحامنا وأقاربنا، أتكفيني إياه؟ قال: أريد قتله لكن من يقوم بأهلي وأطفالي ومالي؟ قال: الهدم هدمي والدم دمي، أذهب وأنا أكفيك أهلك، فأخذ سيفه فسمه شهراً حتى أصبح السيف أزرق، ثم ذهب إلى المدينة، وقد سبقه الخبر إلى المدينة.
وأتى وهو متوشح سيفه، فرآه عمر وهو في الطريق -وتعرفون عمر - فعرف الشر في وجه عمير، فتقدم عمر إلى عمير، فأخذه بتلابيب ثوبه وبمحامل سيفه، ثم اقتاده بيده وكان عملاقاً ﵁.
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
رمى بك الله ركنيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يُصِبِ
فالله رمى بـ عمر أهل الشرك فهدمهم، وأخذ عمير بن وهب يصيح: يا محمد، انظر ماذا فعل بي عمر؟ قال: يا رسول الله، هذا الشيطان ماذا أتى به؟ فأجلسه عند الرسول ﵊، وقال: ما الذي أتى بك يا عمير؟ قال: أتيت في الأسارى أفاديهم، أي: الأسارى المحابيس من بدر، قال ﵊: بل جلست أنت وصفوان تحت ميزاب الكعبة، قبل أيام وقال لك صفوان كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، فقال ١٠٠٠٩٩٢>عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
هؤلاء منهم من اهتدى بمعجزة، ومنهم من أعرض، وأكبر ما يعرض المعرض لكبره وعتوه، ولذلك تجد الدعوة تسري في المتواضعين أكثر مما تسري في المتكبرين.
стр. 4926
كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق
المعوق الثالث: كثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق.
يعيرنا أنا قليل وجارنا كثير وجار الأكثرين ذليل
الطيب دائماً قليل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيث﴾) [المائدة:١٠٠].
يقول ابن تيمية: أهل الإسلام قليل في أهل العالم، وأهل السنة قليل في أهل الإسلام، ولذلك قال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
نزل عمر ﵁ وأرضاه إلى السوق، فسمع أعرابياً مسلماً يقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فأخذ عمر بمنكبه وقال: ما هذا الدعاء؟ قال: يقول : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فدعوت الله أن أكون من هذا القليل، قال عمر: [[كل الناس أفقه منك يا عمر]]
فالقليل دائماً هو الخير، ولذلك ليفهم الدعاة وطلبة العلم قضيتين اثنتين، ومن أكبر القضايا:
стр. 4927
أهل الباطل دائماً أكثر من أهل الحق
القضية الأولى: لا يمكن أن يكون أهل الحق أكثر من أهل الباطل ولن تجد هذا أبداً، فتجد في المسرحية وحفل الأغنية جماهير مجمهرة، نعم قد يحضر بعض المحاضرات -إذا كثروا- خمسة آلاف وستة آلاف، ولكن يحضر حفل الأغنية ستون ألفاً، فأهل الباطل أكثر؛ وهذه قاعدة وكأن من سنن الله في الكون أنهم أكثر من أهل الحق.
стр. 4928
إياك والفتور عن الدعوة
القضية الثانية: لا تحمل الدعاة رؤيتهم كثرة أهل الباطل لأن يتكاسلوا، ويقولوا: مادام الناس قد فسدوا، فلا فائدة في دعوتنا، لا، ادع، وإن لم يستجب أحد، وأجرك على الله قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:١٠٧].
стр. 4929
لا تغتر بكثرة الهالكين
دعا نوح وما استجاب له إلا قليل، وبعض الأنبياء ما استجاب له أحد، ولكن أجرهم عند الواحد الأحد، فادع وما عليك، وأجرك على الله.
أهل الباطل عندهم السلاح والوسائل والمغريات ووسائل أهل الحق منبر وكلمة ودرس ومحاضرة، مع أن الوسائل التي في ساحة العالم عظيمة جد عظيمة.
قال عمر ﵁ وأرضاه: [[اللهم إني أعوذ بك من عجز المؤمن وجلد الفاجر]] ترى الفاجر قوياً ذكياً داهية، وترى المؤمن عاجزاً كسلان.
ولذلك انظر إلى أهل الباطل كيف يتفانون مثل شعراء الحداثة، أما ترى عناوينهم البراقة؟! أما ترى بعض الأساليب التي يعرضونها لاستغواء الناس، أما ترى جمال العبارة؟! إنهم يسحرون به الناس، وبعض الدعاة إذا أتى عقّد كلمته وعقّد قصيدته، وأغلظ في خطابه، مع العلم أن الناس لا يأتي بهم إلا البسمة الحانية، والكلمة الرائعة، والأدب الفياض، والسحر الحلال الذي ليس بحرام.
قال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠] فكثرة أهل الباطل من عقبات هذه الدعوة، وقد سبق قول بعض العلماء: أهل الإسلام قليل في العالم، وأهل السنة قليل في أهل الإسلام، فلا عليك من قلة أصحابك، فإن الخير في القليل.
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
ويقول الأول:
وقد كنا نعدهم قليلاً فقد صاروا أقلَّ من القليل
قال بعض التابعين: [[لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين]].
وأهل السنة قد يكون واحداً أو جماعة قليلة، فعليك بالجودة ولا تتبع الكثرة.
يحتج بعض الناس لتركه الهداية، فيقول: كل الناس يفعلون هذا، وانظر إليهم، إذاً فأنا مع الناس.
وعند الترمذي بسند فيه كلام: ﴿لا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء، ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسنوا فأحسنوا، وإذا أساءوا فتجنبوا إساءتهم﴾ أو كما قال ﵊.
стр. 4930
جلساء السوء
جلساء السوء هم الأجارب الذين أجربوا على أهل الدعوة دعوتهم، والذين أفسدوا القلوب، وصرفوا الأرواح، ووقفوا حجر عثرة في الطريق.
стр. 4931
أبو طالب وجلساؤه
قال ابن القيم: وهل أشأم على أبي طالب في دعوة رسول الله ﵊ من جليس السوء؟ وفي الصحيحين: ﴿لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل ﷺ وهو في سكرات الموت﴾ ولو لم يكن معه جليس سيئ، لنفذ ﵊ إلى قلبه، فهل تدرون من كان عنده؟ كان عند رأسه عبد الله بن أبي أمية وعند أرجله أبو جهل، فهم يلاحقونه في سكرات الموت، ليموت على الكفر، فجلس ﵊ في مكان بعيد، وود أن يقوم عبد الله بن أبي أمية ليجلس عند رأس عمه، فقام عبد الله بن أبي أمية، فأسرع أبو جهل حتى جلس عند رأسه، فما أشد حرصه على الشر! فلما جلس قام ﵊ من مكانه وهو بعيد، وقال: ﴿يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ فأراد أن يقولها، وأراد أن يحرك لسانه ولو فعل لنجاه الله في الدنيا والآخرة، ﴿فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال أبو طالب: هو على ملة عبد المطلب﴾ فمات إلى نار جهنم!
إن الجليس السيئ شؤم!
стр. 4932
الجلساء ثلاثة
صنف ابن القيم الجلساء ثلاثة، وفي بعض التقسيمات أربعة:
جليس كالهواء دائماً معك، لا تمله وهو طالب العلم وهو الذي تحبه في الله، وهو الذي تأنس بحديثه، وهو الذي يدعوك إلى الذكر، ويحبب إليك الرسالة، ويدعوك إلى الجنة، وإلى التوبة والاستغفار، وجليسٌ كالغذاء تحتاجه أحياناً ولا تحتاجه أحياناً.
وجليسٌ كالدواء تحتاج إليه نادراً، وهؤلاء مثل صاحب المغسلة، تذهب بثوبك إليه، وكاوي الثوب، وصاحب المكتبة، وأمثالهم كثير.
وقسم داء عضال وسم زعاف، وموت، وهم أهل البدع والكفر، والعياذ بالله.
стр. 4933
من هم الثقلاء ؟
قيل للإمام أحمد من هم الثقلاء؟ قال: الثقلاء هم أهل البدع؛ لأن للناس تصانيف في الثقلاء من الجلساء، فيقولون: كان الأعمش إذا رأى رجلاً من الثقلاء أعرض -وهو عالم محدث- وقال: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢].
ويقول من ضمن مزحه: إذا صليت بجانب ثقيل على ميسرتك فسلم تسليمة تجزئك، وقال الشافعي: ما وفد إلي ثقيل فجلس في مجلسي إلا ظننت أن الأرض تميل في جهته، وقال ابن القيم في مدارج السالكين وهو يتحدث عن الثقلاء: ورأيت رجلاً جلس بجانب ابن تيمية من الثقلاء -أي أهل المعاصي- فرأيت ابن تيمية يتحامل ويتصبر ولكن انتهى الصبر، فالتفت ابن تيمية إلى ابن القيم وقال: الجلوس مع هؤلاء حمى الرِبْع، حمى الرِبع: حمى تهامة، تقتل الإنسان وتفرفره وتجعله عظاماً تستطر، والثقلاء هم المعرضون عن منهج الله، ومن أعظم عقبات الدعوة التي تحول بين الداعية وبين الناس جلساء السوء.
أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
حتى يقول بعض الأساتذة والعلماء قبل أن تأخذ الطوبة يأخذها الهدامون من يدك، فلا يدعونك تبني شيئاً؛ لأن ما يبنى في شهر يهدم في ساعة، فكيف تقدم موعظة أو درساً أو نصيحة، ووراءك آلاف الأغنيات والمسرحيات والمسلسلات والمعاصي والفواحش والمغريات والنزوات والجهالات؟! فكيف يُبْنَى الإيمان في القلب؟! قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾.
يقول أحد العرب: نزل فلان عند فلان، أي أضاف فلان فلاناً، قال: تعارفوا فتشابهوا فسكت بعضهم عن بعض، ثم قال:
وفي السماء طيور إسمها البجعُ إن الطيور على أشباهها تقع
لا يقع الفاجر إلا على فاجر، ولا يحب الفاسق إلا فاسقاً، ولا يحب المجرمين إلا مجرمٌ، بينما الأتقياء يحبهم الأتقياء، يقول ابن المبارك بسند صحيح وبكلمة نثرية: أحب الصالحين ولست منهم؛ وأكره الفساق وأنا شر منهم.
كما أوردها أهل الترجمة، نظمها مثل الشافعي فقال:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
وفي القرآن في موضعين من القرآن أخبر الله أن لأهل الجاهلية جلساء، وأنهم هم السبب في إعراض هؤلاء الجلساء عن منهج الله، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١١٤ - ١١٦] فأخبر الله في الآية أن لهم جلساء يجلسون معهم إذا خرجوا من عند المؤمنين، ولذلك إذا دعوت رجلاً ولم يتأثر بقولك منك ورأيته دائماً في المعاصي؛ فاعرف أن له قريناً وشيطاناً من شياطين الإنس يجلس معه ويخلو به، وهذا الذي يدمر عليك دعوتك؛ لأنك تبني في الصباح وهم يهدمون في المساء.
وقال سبحانه في الجليس في موضع آخر: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] فأخبر سبحانه أن لهم بعضاً وأن لهم جزءاً.
ولذلك قال سبحانه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] فهم أجزاء مترابطة، يجلس الواحد منهم معك ولكن وراءه عشرات يصدونه ويأخذونه، ويسحبونه.
ابن المبارك المحدث الكبير أحبه وأنتم تحبونه، قال الذهبي في سيرته لما ترجم له في تذكرة الحفاظ: والله الذي لا إله إلا هو إني أحبه وأسأل الله الخير بحبه، ولم لا وهو مجاهد وزاهد، وعابد، وعالم ومنفق وقائم ليل، وخاشع لله ، وهو شاعر جميل الشعر، نحب شعره؛ لأنه يصدر من القلب، يقول في بيتين يخبرك بالجليس يقول:
من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل الصلاح وعليهُ الأقوام
يقول: إذا أردت جليساً صالحاً فتعال إلى المسجد في البصرة وابحث عن مسعر بن كدام، مسعر بن كدام راوية الصحيحين بكى حتى ذهبت عينه اليمنى من خشية الله، يقولون: ما نظر أربعين سنة إلى السماء ممايطأطئ رأسه من الخوف، قالوا: ما نراك تضحك؟ قال: أضحك وأنا ما مررت على الصراط وما أدري هل يؤمر بي إلى سقر أم إلى الجنة، كيف أضحك؟!!
كان يجلس في اليوم ويتوضأ ويستقبل القبلة عليه ثياب بيض ويفوح الطيب من فمه ومن ثيابه، فإذا استقبل القبلة، رؤى كأن الملائكة حوله، ثم يبدأ يحدث ودموعه تتسابق مع الحديث، فيقول ابن المبارك لتلاميذه، يدعوهم إلى جلسة روحية تصلهم بالجنة، يقول:
من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام
يقول اسألوا عنه وادخلوا المسجد واجلسوا معه؛ ليقول لكم الله في آخر الجلسة: قوموا مغفوراً لكم، قد رضيت عنكم وأرضيتموني.
وعمرو بن عبيد كان زاهداً مقطع الثياب لكن مبتدع، ونحن لانقبل الزاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الباكي وقائم الليل، حتى يكون على السنة، ولا نقبل صائم النهار، حتى يكون على السنة، ولا نقبل المجاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الداعية حتى يكون على السنة، كان عمرو بن عبيد شيء عجيب في الزهد والخشية من الله، لكنه مبتدع، يقول بالقدر، دخل على الخليفة أبي جعفر المنصور فرآه الخليفة فقال للعلماء:
كلكم يطلب صيد
كلكم يمشي رويد
غير عمرو بن عبيد
يقول كلكم فيكم شيء إلا عمرو بن عبيد فهو يطلب وجه الله.
قال الذهبي: أثنى على ظاهره وما عرف بدعته، واكتشفها الذهبي والعلماء، يقول فيه ابن المبارك:
أيها الطالب علماً إيت حماد بن زيد
فاستفد فهماً وعلماً ثم قيده بقيد
ودع البدعة من آثار عمرو بن عبيد
وحماد بن زيد من أقران مالك، ومن رجال البخاري فجلساء السوء هم الجرب، وهم أعداء الأنبياء والرسل، وهم الذين أخذوا شبابنا وصدوا بفتياننا عن منهج الله.
وهم قسمين:
قسم منهم كفر بالله العظيم أو فجر وترك الصلاة وأعرض تماماً.
وقسم يصلي ولكنه منغمس في المباحات وفي الترهات والسفاهات ولا يحرص على الوقت، ولا يطلب العلم، ولا يحضر مجالس الخير، ولا يستفيد من عمره، فهو لاهٍ لاغٍ مشغول سقط من أعين الصالحين، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[إني لأرى الرجل ليس في شيء من أمور الدنيا ولا في شيء من أمور الدين فيسقط من عيني]].
يسقط من عينيه إذا رآه ساهياً لاهياً، تجد بعض الشباب يقيسون مساحات الأرض ذاهبين آيبين في السكك والشوارع، لا في كسب ولا في عبادة، ولا في دعوة، ولا في خدمة إسلامية، ولا سعي على أهل، وهؤلاء ممن ينصحون قبل أن يُجْتنبوا.
стр. 4934
فتور الدعاة
العقبة الخامسة: من عقبات طريق الدعوة فتور الداعية، ولو أن كل طالب علم دعا إلى الله، لصلح الحال، ولكن طلبة العلم كثير، وأهل المعرفة كثير، وأهل الثقافة كثير، والدعاة قليل، والدعاة القليل مقصرون، فكيف بهذه النسبة؟! يقول محمد إقبال لدعاة الإسلام:
أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك
محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك
ففتور الدعاة خطر جسيم.
стр. 4935
الدعوة في القرآن على قسمين
ذكر الله الدعوة في القرآن سلباً وإيجاباً، فالإيجاب مدح الدعاة وحثهم على الدعوة، قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] هذا إيجاب، قل فادعُ إلى الله وتكلم وتحدث وانزع الوسوسة عنك.
وقال عن السلب وهو الإنكار على من كتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من كتم علماً، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة﴾.
ما فائدة العلم إلا أن تنصح وتعظ وتتحدث، ولا تقل أكثرت، أهل الباطل صباح مساء يطبلون ويرقصون ويغنون، مع أن أهل الحق قليل، وفي بخل عظيم بدعوتهم، وفي انهيار عجيب وفي فتور، ونشكو حالنا إلى الله.
ويقول ﵊: ﴿نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ نَضَّر أي: جعل على وجهه بهاءً ونضرة وجمالاً، يقول أحد المحدثين:
أهل الحديث طويلة أعمارهم ووجوههم بدعا النبي منضرة
وللغماري رسالة اسمها المسك التبتي في شرح حديث نَضَّرَ الله امرأً سمع مني مقالتي.
والتِبْتْ: هضبة في الهند تنبت الطيب، فيريد أن يصف المحدثين بالطيب، فجعل عنوان رسالته: المسك التبتي في شرح حديث نضر الله امرأً سمع مني مقالتي، إذا علم هذا فعند ابن حبان بسند صحيح: ﴿نضر الله امرأً سمع مني مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ يقول الحارث بن مسلم أحد الصحابة الأخفياء الأتقياء، لا يُعرف كثيراً، لكنه تقي خفي حفي عند الواحد الأحد يقول: ﴿خرجنا في غزوة مع الصحابة، فأراد الصحابة أن يبيتوا أهل قرية -أي يمسوهم في الليل- فيأخذوا غنائمهم قال: فوفدت إلى أهل القرية وحدي في الليل، فجمعت أهل القرية وهم مشركون، وقلت: إن أصحاب الرسول ﵊ سوف يأتونكم، فإذا أتوكم فقولوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما أتى الصباح أتاهم الصحابة فطوقوهم، فقال أهل القرية: نشهد أن لا إله إلا اله وأن محمداً رسول الله، قالوا: من علمكم هذه الكلمة؟ قالوا: الحارث، فقال: الصحابة ما تركتنا ننال غنيمة -لأنهم في الأصل مشركون- فعادوا إلى الرسول ﵊، فشكوا إليه الحارث بن مسلم فدعاه ﵊ قال: فرأيت وجهه يتهلل كالقمر، قال: فدعاني وبرّك عليّ وأخذني بيده، وقال لي قولاً جميلاً، وقال: ألا أدلك على شيء تقوله بعد الفجر وبعد المغرب، إن قلته لا تمسك النار إن شاء الله -أو كما قال ﵊ قلت: بلى يا رسول الله، قال: إذا صليت المغرب، وإذا صليت الفجر؛ فقل بعد كل صلاة سبعاً: ربِّ أجرني من النار﴾ وفي لفظ: ﴿اللهم أجرني من النار﴾ هذه جائزة له؛ لأنه فعل الخير، والحديث صحيح.
стр. 4936
الدعوة في سن الشباب
فتور الدعاة أمر عجيب؛ ولذلك قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] الهجوم على الدعاة الذين يريدون أن يدعو من ثلاث جهات، الجهة الأولى: مقالة تقول للداعية: لا تدعُ وأنت شاب، ما زلت صغيراً! يريدونه أن يبلغ السبعين ثم يموت من غير أن يكون له تأثير، والذي لا يستغل عمره من أوله لا يصلح في آخره، قال أبو مسلم الخراساني: من أراد شيئاً فعليه بالشباب، وهل كان دعاة الإسلام إلا شباباً؟! وهل كان علماء الصحابة إلا شباباً؟! وهل الدعوة إلا شابة؟! وإلى متى يبقى الإنسان؟ حتى تعمى عيناه، وتصم أذناه، ويشحرج العصا، ثم يبدأ يدعو!! وعليه أن يروض نفسه من الآن، وليس غداً، وهذه الشبهة تجدها كثيراً في المجالس يقولون: نرى أن يبقى الإنسان ولا يتصدر حتى يكبر، وأقول: في هذا تفصيل، أما التصدر للفتيا فأقول: أنا معكم، فلا تفتوا، أما الدعوة، فكما قال ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وما الذي يمنع الطالب في الابتدائية أن يلقي كلمة مما يعرف فقد قال ﷺ : ﴿بغلوا عني ولو آية﴾ هذا هو البلاغ العظيم منه ﵊.
стр. 4937
الدعوة لا تؤثر على التحصيل العلمي
يقول بعض الناس: إن كثرة الدعوة تؤثر على التحصيل العلمي، فالذي يدعو الناس يقل تحصيله، وأقول: لا، بل يكثر تحصيله.
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا
ولذلك أنقص الناس علماً من لا يدعو ولا يتحرك بالدعوة لأنه ينسى، بل تَكَلَّمْ وعِظْ ووَجِه وانصح، وستجد نفسك تحفظ النصوص والآيات، وتحفظ الأحاديث، ويزيدك الله بصيرة وتوفيقاً وفقهاً في الدين؛ لأن العلم كالماء، أنا أقول:
العلم كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال
تحيا على العلم أرباب القلوب كما تحيا على الماء أرواح وآمال
الله أعطاك فابذل من عطيته فالعلم عارية والعمر رحال
فإذا نصحت ووجهت زادتك الدعوة تحصيلاً وعلماً إن شاء الله.
стр. 4938
التكرار من أساليب الدعوة
يقولون للداعية إذا كرر الكلام: كررت، وإذا أكثر من الكلام: أكثرت، فأقول: وهل المكرر إلا الجميل، وهل الجميل إلا مكرر، وهل القرآن إلا قضايا مكررة، من الفاتحة إلى سورة الناس كلما ختمناه عدنا إلى أوله، وهل العقيدة إلا مكررة، قصة موسى مكررة، وقد ذكرت أكثر من ست وثلاثين، لكن في قوالب.
كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى
قالوا تكرر قلت أحلى علم من الأرواح أغلى
فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلا
فكرر ولا عليك، كلمة واحدة، ولو تلقيها ثلاثين وأربعين مرة في أمكنة مختلفة، تزيد عمقاً وينفع الله بها، وكان العلماء يحدثون الحديث الواحد مئات الجلسات.
هذه قضية فتور الدعاة، قال الحسن البصري لرجل: عظنا -أي: تحدث فينا- قال: لست هناك، قال الحسن: أوَّه! ود الشيطان أن يظفر بها.
ولذلك يأتيك الشيطان، يقول: لا تخطب، ولا تتحدث، لا تؤم الناس، الرياء سوف يسعى إليك، كفى بك رياء أنك أعرضت عن الدعوة، وأشهر الناس محمد ﵊ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، بل تقدم والله معك.
стр. 4939
انصراف الناس إلى الدنيا
ومن العقبات في طريق الدعوة: انصراف الناس إلى الدنيا على حساب الدين، فأكثر الناس إنما يهتم بالدنيا، أما الدين فإنه في آخر المطاف، فتجد الواحد منهم ينهي أعماله وأشغاله ومتطلباته وحاجياته، ثم يلتفت إلى الصلاة والتفقه في الدين، وفي آخر برنامجه وجدوله القراءة في المصحف إن بقي وقت، لكن الخروج إلى السوق أو المستشفى أو زيارة الأقارب أو النزهة أو النوم كلها أولويات عنده.
ولذلك ترى هذا الصنف يعيش على هامش الأحداث، أما الاشتغال بالدنيا فيقول : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وفي حديث: ﴿إن الدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، وإن الدين لا يعطيه الله إلا من يحب﴾ إذا أعطاك الله الدين فقد أحبك ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً
стр. 4940
ابن تيمية والملك
ذكر الشيباني كلمة وأنا وجدت كلمة أخرى في غير كتابه في ترجمة ابن تيمية، أن ابن تيمية كان يدخل على ابن قطلوبك، وهو سلطان سلجوقي مسلم، فدخل عليه ابن تيمية يعظه، فقام هذا السلطان واحتفى بـ ابن تيمية وقال: يـ ابن تيمية وددنا أننا أتيناك في بيتك، فأنت عالم زاهد مجاهد قال ابن تيمية: دعنا من كدوراتك يـ ابن قطلوبك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مرات، قال: سمعنا يـ ابن تيمية أنك تريد ملكنا، قال: أنا أريد ملككم؟! قال: نعم، قال ابن تيمية: والله الذي لا إله إلا هو ما ملككم عندي يساوي فلساً، إني أريد جنةً عرضها السماوات والأرض.
فلذلك يقدم بعض الناس الدنيا في حياته ومهماته، قال ﷺ فيما صح عنه: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش﴾ وأقول: تعس عبد السيارة، تجد بعض الناس يسلخ في هذه السيارة ويغسل، ويطيب فيها، ويغير، دائماً هو في البنشر، وعند صاحب الديزل، يحميها ويعطرها ويزينها وهي سيارة، لن تلد بغالاً ولا حميراً.
يا متعب الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وبعض الناس في العمارات، كل يوم يبني داراً، يوسع في الحدائق والمجالس، وقد تهدم قلبه، فهو خراب لا قرآن ولا حديث ولا نور ولا هداية، لكن تعال إلى البيت وانظر إلى الكنبات والنور، وانظر إلى المداخل والمخارج، وانظر إلى الحدائق الغناء تجد عجباً؛ ولكن القلب خواء.
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]
دخل أبو العتاهية على هارون الرشيد، وكان قد زين هارون الرشيد قصره، وأبو العتاهية شاعر زاهد، قال: كيف القصر يا أبا العتاهية؟ قال: جميل لكن فيه عيب، قال: ما هو عيبه؟ قال: يموت صاحبه ويخرب القصر، قال: أما قلت شعراً في قصري؟ قال: قلت شعراً، قال: ماذا قلت؟ قال:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
قال: هيه، أي: زد.
قال:
يجري عليك بما أردت مع الرواح وفي البكور
قال: هيه.
قال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
استعرض المأمون جيشه، وهو في سكرات الموت، في طرسوس، وقيل في طوس، والمدينتان موجودتان، لكن اختلفوا هل مات في طوس أو في طرسوس؟
فلما أتته الوفاة قال: أخرجوني وقد كان المأمون فصيحاً؛ إذا تكلم كأن السحر ينطق على لسانه، قال: أخرجوني، فأخرجوه فرأى القادة والوزراء والأمراء، فالتفت إلى السماء، وبكى وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه.
باتوا على قمم الأجْبال تحرسهم غُلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من قصورهم إلى قبورهم يا بئسما نزلوا
أمر الدنيا سهل، بل إن حاجيات الإنسان الكمالية أمرها سهل، ولذلك تجد كثيراً من المعرضين والمفرطين في تقوى الله، والمفرطين في طلب العلم، والمفرطين في حفظ الوقت، تجد أحدهم يستغرق الساعات الطويلة في لباسه ساعة وهو يمشط رأسه، وساعة وهو أمام المرآة، وساعة وهو يلبس اللباس، وساعة وهو يكوي الغترة، وساعة يتطيب، نهاره كذلك!!
ماذا فعلت؟ ماذا قدمت؟ عمر ﵁ يخرج ببردة مقطعة، لكن من مثل عمر؟! يهتز منه كسرى وقيصر وهم في الملك، أبو بكر يخصف نعله، بل محمد ﵊ يخرج في شملة، وهو رسول رب العالمين، عمروا أرواحهم، ولم يلتفتوا كثيراً إلى ملابسهم، ونحن عمرنا دورنا، وهدمنا قلوبنا، وزينا ملابسنا، وشوهنا أرواحنا، فنشكو حالنا إلى الله:
متى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا
следующие страницы →