← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

الدعوة في سن الشباب فتور الدعاة أمر عجيب؛ ولذلك قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] الهجوم على الدعاة الذين يريدون أن يدعو من ثلاث جهات، الجهة الأولى: مقالة تقول للداعية: لا تدعُ وأنت شاب، ما زلت صغيراً! يريدونه أن يبلغ السبعين ثم يموت من غير أن يكون له تأثير، والذي لا يستغل عمره من أوله لا يصلح في آخره، قال أبو مسلم الخراساني: من أراد شيئاً فعليه بالشباب، وهل كان دعاة الإسلام إلا شباباً؟! وهل كان علماء الصحابة إلا شباباً؟! وهل الدعوة إلا شابة؟! وإلى متى يبقى الإنسان؟ حتى تعمى عيناه، وتصم أذناه، ويشحرج العصا، ثم يبدأ يدعو!! وعليه أن يروض نفسه من الآن، وليس غداً، وهذه الشبهة تجدها كثيراً في المجالس يقولون: نرى أن يبقى الإنسان ولا يتصدر حتى يكبر، وأقول: في هذا تفصيل، أما التصدر للفتيا فأقول: أنا معكم، فلا تفتوا، أما الدعوة، فكما قال ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وما الذي يمنع الطالب في الابتدائية أن يلقي كلمة مما يعرف فقد قال ﷺ : ﴿بغلوا عني ولو آية﴾ هذا هو البلاغ العظيم منه ﵊.

стр. 4937

الدعوة لا تؤثر على التحصيل العلمي يقول بعض الناس: إن كثرة الدعوة تؤثر على التحصيل العلمي، فالذي يدعو الناس يقل تحصيله، وأقول: لا، بل يكثر تحصيله. يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا ولذلك أنقص الناس علماً من لا يدعو ولا يتحرك بالدعوة لأنه ينسى، بل تَكَلَّمْ وعِظْ ووَجِه وانصح، وستجد نفسك تحفظ النصوص والآيات، وتحفظ الأحاديث، ويزيدك الله بصيرة وتوفيقاً وفقهاً في الدين؛ لأن العلم كالماء، أنا أقول: العلم كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال تحيا على العلم أرباب القلوب كما تحيا على الماء أرواح وآمال الله أعطاك فابذل من عطيته فالعلم عارية والعمر رحال فإذا نصحت ووجهت زادتك الدعوة تحصيلاً وعلماً إن شاء الله.

стр. 4938

التكرار من أساليب الدعوة يقولون للداعية إذا كرر الكلام: كررت، وإذا أكثر من الكلام: أكثرت، فأقول: وهل المكرر إلا الجميل، وهل الجميل إلا مكرر، وهل القرآن إلا قضايا مكررة، من الفاتحة إلى سورة الناس كلما ختمناه عدنا إلى أوله، وهل العقيدة إلا مكررة، قصة موسى مكررة، وقد ذكرت أكثر من ست وثلاثين، لكن في قوالب. كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى قالوا تكرر قلت أحلى علم من الأرواح أغلى فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلا فكرر ولا عليك، كلمة واحدة، ولو تلقيها ثلاثين وأربعين مرة في أمكنة مختلفة، تزيد عمقاً وينفع الله بها، وكان العلماء يحدثون الحديث الواحد مئات الجلسات. هذه قضية فتور الدعاة، قال الحسن البصري لرجل: عظنا -أي: تحدث فينا- قال: لست هناك، قال الحسن: أوَّه! ود الشيطان أن يظفر بها. ولذلك يأتيك الشيطان، يقول: لا تخطب، ولا تتحدث، لا تؤم الناس، الرياء سوف يسعى إليك، كفى بك رياء أنك أعرضت عن الدعوة، وأشهر الناس محمد ﵊ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، بل تقدم والله معك.

стр. 4939

انصراف الناس إلى الدنيا ومن العقبات في طريق الدعوة: انصراف الناس إلى الدنيا على حساب الدين، فأكثر الناس إنما يهتم بالدنيا، أما الدين فإنه في آخر المطاف، فتجد الواحد منهم ينهي أعماله وأشغاله ومتطلباته وحاجياته، ثم يلتفت إلى الصلاة والتفقه في الدين، وفي آخر برنامجه وجدوله القراءة في المصحف إن بقي وقت، لكن الخروج إلى السوق أو المستشفى أو زيارة الأقارب أو النزهة أو النوم كلها أولويات عنده. ولذلك ترى هذا الصنف يعيش على هامش الأحداث، أما الاشتغال بالدنيا فيقول : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وفي حديث: ﴿إن الدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، وإن الدين لا يعطيه الله إلا من يحب﴾ إذا أعطاك الله الدين فقد أحبك ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً

стр. 4940

ابن تيمية والملك ذكر الشيباني كلمة وأنا وجدت كلمة أخرى في غير كتابه في ترجمة ابن تيمية، أن ابن تيمية كان يدخل على ابن قطلوبك، وهو سلطان سلجوقي مسلم، فدخل عليه ابن تيمية يعظه، فقام هذا السلطان واحتفى بـ ابن تيمية وقال: يـ ابن تيمية وددنا أننا أتيناك في بيتك، فأنت عالم زاهد مجاهد قال ابن تيمية: دعنا من كدوراتك يـ ابن قطلوبك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مرات، قال: سمعنا يـ ابن تيمية أنك تريد ملكنا، قال: أنا أريد ملككم؟! قال: نعم، قال ابن تيمية: والله الذي لا إله إلا هو ما ملككم عندي يساوي فلساً، إني أريد جنةً عرضها السماوات والأرض. فلذلك يقدم بعض الناس الدنيا في حياته ومهماته، قال ﷺ فيما صح عنه: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش﴾ وأقول: تعس عبد السيارة، تجد بعض الناس يسلخ في هذه السيارة ويغسل، ويطيب فيها، ويغير، دائماً هو في البنشر، وعند صاحب الديزل، يحميها ويعطرها ويزينها وهي سيارة، لن تلد بغالاً ولا حميراً. يا متعب الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان وبعض الناس في العمارات، كل يوم يبني داراً، يوسع في الحدائق والمجالس، وقد تهدم قلبه، فهو خراب لا قرآن ولا حديث ولا نور ولا هداية، لكن تعال إلى البيت وانظر إلى الكنبات والنور، وانظر إلى المداخل والمخارج، وانظر إلى الحدائق الغناء تجد عجباً؛ ولكن القلب خواء. لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] دخل أبو العتاهية على هارون الرشيد، وكان قد زين هارون الرشيد قصره، وأبو العتاهية شاعر زاهد، قال: كيف القصر يا أبا العتاهية؟ قال: جميل لكن فيه عيب، قال: ما هو عيبه؟ قال: يموت صاحبه ويخرب القصر، قال: أما قلت شعراً في قصري؟ قال: قلت شعراً، قال: ماذا قلت؟ قال: عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور قال: هيه، أي: زد. قال: يجري عليك بما أردت مع الرواح وفي البكور قال: هيه. قال: فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور استعرض المأمون جيشه، وهو في سكرات الموت، في طرسوس، وقيل في طوس، والمدينتان موجودتان، لكن اختلفوا هل مات في طوس أو في طرسوس؟ فلما أتته الوفاة قال: أخرجوني وقد كان المأمون فصيحاً؛ إذا تكلم كأن السحر ينطق على لسانه، قال: أخرجوني، فأخرجوه فرأى القادة والوزراء والأمراء، فالتفت إلى السماء، وبكى وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه. باتوا على قمم الأجْبال تحرسهم غُلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز من قصورهم إلى قبورهم يا بئسما نزلوا أمر الدنيا سهل، بل إن حاجيات الإنسان الكمالية أمرها سهل، ولذلك تجد كثيراً من المعرضين والمفرطين في تقوى الله، والمفرطين في طلب العلم، والمفرطين في حفظ الوقت، تجد أحدهم يستغرق الساعات الطويلة في لباسه ساعة وهو يمشط رأسه، وساعة وهو أمام المرآة، وساعة وهو يلبس اللباس، وساعة وهو يكوي الغترة، وساعة يتطيب، نهاره كذلك!! ماذا فعلت؟ ماذا قدمت؟ عمر ﵁ يخرج ببردة مقطعة، لكن من مثل عمر؟! يهتز منه كسرى وقيصر وهم في الملك، أبو بكر يخصف نعله، بل محمد ﵊ يخرج في شملة، وهو رسول رب العالمين، عمروا أرواحهم، ولم يلتفتوا كثيراً إلى ملابسهم، ونحن عمرنا دورنا، وهدمنا قلوبنا، وزينا ملابسنا، وشوهنا أرواحنا، فنشكو حالنا إلى الله: متى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا

стр. 4941

المال لأهل الهلع والطمع إذا كنت لا ترى أنه من الضروريات أن تكون مستقيماً، متى تهتدي؟ ومتى تعود إلى الله ؟ وقف ﵊ والحديث في صحيح البخاري فقال: ﴿يا أيها الناس! إني أعطي بعض الناس لما أرى في قلوبهم من الهلع والطمع، وأدع آخرين؛ لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان، منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: والله ما أريد أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم﴾ بها الدنيا وما فيها قال الأنصار: غفر الله لرسول الله! أعطى قريشاً وتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال ﵊: ﴿يا معشر الأنصار! ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، والله لما تعودون به إلى رحالكم، أفضل مما يعود به الناس، رحم الله الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار﴾ أو كما قال ﵊. وأكثر ما جعل الناس يعرضون عن المحاضرات والدروس والدعوة والتفقه في القرآن والسنة اشتغالهم بالدنيا، تجد بعضهم يحسن قيادة السيارة، لكن لا يحفظ الفاتحة جيداً، ولا يعرف سجود السهو، بعضهم يبني القصور ويشق الأنفاق، ويمد الجسور، وهو متخصص في علم الآلات، ولكنه لا يعرف من الدعوة ولا من الرسالة ولا من السنة شيئاً، فهو مغبون قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. دخل عمر ﵁ وأرضاه، فرأى إبل الصدقة في مسارحها، فقال له أحد الناس: صدق الله! هذا فضله ورحمته، قال عمر: [[كذبت، فضله ورحمته: العمل بتقوى الله على نور من الله، وترك معصية الله على نور من الله، قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]]] اسمع إلى أربعة أحاديث صحيحة في الدنيا وفي الآخرة، يقول ﵊: ﴿لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء﴾ ويقول ﵊ في حديث صحيح: ﴿لأن أقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ يقول ﵊: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة﴾ حديث صحيح، وقال ﵊ في حديث رواه عبد الله بن بسر قال: جاء رجل فقال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾. فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4942

الأسئلة

стр. 4943

رثاء عبد الله عزام السؤال هل لك قصيدة في الداعية المجاهد عبد الله عزام ﵀ رحمة واسعة؟ الجواب ما نظمت فيه قصيدة، بل قلت فيه خطبة، ودعوت الله له، وتلك خير من القصيدة، وأسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة. وفي بعض المناسبات استشهدت بقصيدة رائعة رائقة رنانة لـ أبي تمام قالها في أحد الشهداء المسلمين وهو محمد بن حميد الطوسي، البطل المجاهد أحد قادات المعتصم الأفذاذ، قاتل الكفار في جبهة من جبهات خراسان من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، وكان كلما ناولوه سيفاً قاتل به حتى يتكسر، ويلتفت إلى أصحابه فأعطوه سيفاً آخر، وبعد صلاة الظهر طوق عليه الكفار فقتلوه مع الأذان: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. فقال أبو تمام فيه قصيدة يوم سمعها الخليفة قال: والله الذي لا إله إلا هو، لوددت أني المقتول وأنها قيلت فيّ، يقول أبو تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر تردى ثيابَ الموت حمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندس خضر عليكَ سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر ثوى طاهر الأردان لم تبقَ بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمر وهي قصيدة طويلة جميلة، من أجمل ما قيل في الرثاء. وقتل أحد الوزراء وصلب على خشبة فقال فيه أبو الحسن الأنباري وأقولها كذلك لـ عزام: علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات كأنك واقفٌ فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاءً كمدهما إليهم بالهبات هذه هي العظمة، ومن لم يمت هذه الميتة فسوف يموت ميتة أخرى حبطاً أو إغماءً إن لم يكن مؤمناً مستقيماً. ومن الشهداء من يموت على فراشه ﴿ومن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ نسأل الله لنا ولكم الشهادة في سبيله.

стр. 4944

ابن مكتوم لا يوصى إليه السؤال قلت: إن ابن عباس منارة للإسلام تستقبل النور من السماء مباشرة، فهل يعني هذا أنه يوحى إليه؟ الجواب السائل وهم في مسألتين: الأولى: أنا قلت: ابن أم مكتوم ولم أقل: ابن عباس. والثانية: ما كنت أحسب أنك تظن هذا الظن، فما قصدته وما نويته وما أردته، وليس في كلامي ما يدل على ذلك، فـ ابن أم مكتوم، وأنت وأنا وكل مسلم نتلقى من محمد ﵊، ولن يوحى إلى أحد بعد الرسول ﵊، وإنما أوحي إليه لأنه رسول؛ لكن يوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس، كما قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] واعلم يا أخي أن بعض المبتدعة قالوا: نحن لا نطلب العلم من عبد الرزاق لكن نطلب العلم من الرزاق، وعبد الرزاق محدث صاحب المصنف يقول: " نحن لا نقرأ الحديث في الكتب" وإنما يجلس أحدهم في زاوية، ويأتيه العلم، قال ابن القيم: لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الرزاق سبحانه، فإنما العلم يتلقى قال ﷺ : ﴿العلم بالتعلم﴾ العلم بالسند. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم ألو العرفان وإنما معنى كلام هذا المفكر أنه منارة من منارات الأرض استقبلت نور السماء الذي أتى به محمد ﵊، وهو تعبير عجيب. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس

стр. 4945

الواجب نحو الأقارب الفاسقين السؤال أنا شاب ملتزم، ولكن لي أقارب فاسقون، فماذا أفعل معهم؟ الجواب انصحهم وعظهم واصبر على أذاهم، وكن ليناً في خطابهم، وحاول أن يهتدوا وادعُ الله لهم، واصدق معهم، وحاول أن تأخذهم إلى أهل الخير، وأن تأتي بهم إلى المحاضرات، وأن تهدي لهم كتاباً أو شريطاً إسلامياً، ولا تيئس من روح الله، فإن استمروا على فسقهم وأعرضوا، فاهجرهم علّ الهجر أن يردعهم.

стр. 4946

الجلوس مع المذنبين السؤال هل الجلوس مع المدخنين من الجلوس مع أهل السوء؟ الجواب الجلوس مع المدخنين من الجلوس مع أهل السوء، إلا بقصد أن تدعوهم، فإن قصدت الدعوة فيجوز لك هذا بل يجب عليك إذا رأيت قبولاً من الناس، حتى مع الكافر أن تجلس معه لتدعوه، وقد جلس ﷺ مع شارب الخمر وجلس مع الزاني، وجلس مع المنافق، وجلس مع المشرك ليدعوه إلى سبيل الله، والجلوس مع المدخن في غير وقت التدخين ومزاولة التدخين، لا أرى فيه بأساً، لكن أرى أنك لابد أن تحمل في ذهنك دعوته إلى هذه الجزئية التي قصر فيها.

стр. 4947

كتب للقراءة السؤال دلنا على كتب إسلامية؟ الجواب هذا السؤال يتكرر كثيراً لكن أدله على بعض الكتب والكتيبات، كتاب الله أولاً، وأحسن تفسير تفسير ابن كثير وزاد المعاد لـ ابن القيم ورياض الصالحين وبلوغ المرام وفتح المجيد، هذه خمسة كتب أرى أن الإنسان لو أدمن القراءة فيها وفهمها وضبطها كان عنده علم كثير، لكن مشكلتنا التجميع بلا قراءة، أو التجميع بلا ضبط، ترى معه مكتبة مليئة بالكتب ثم لا يقرأ؛ فما الفائدة؟ -حمْلٌ للأسفار بلا معنى، ليس بصحيح، وفي مسند أحمد بسند صحيح قال ﵊ وقد التفت إلى السماء، وكان جالساً مع الصحابة، وهذا في أول مسند أحمد على ترتيب الساعاتي، وقد ذكر ابن تيمية في الفتاوى في المجلد العاشر، هذا الحديث، وعلق عليه تعليقاً عجيباً قال ﵊: ﴿هذا أوان ارتفاع العلم، فقال: زياد بن لبيد: يا رسول الله! كيف يرتفع العلم والقرآن معنا، والله لنقرئن القرآن أبناءنا وبناتنا وليقرئنه أبناءهم أو كما قال، فقال ﵊: ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأظنك من فقهاء المدينة، هؤلاء اليهود والنصارى عندهم التوراة والإنجيل ماذا نفعهم؟﴾ يعني الكتب وحدها، بل قال بعض العلماء كثرة الكتب مع كثرة الانحراف لا تزيد صاحبها إلا ضلالاً وحيرة، والقرآن -وهو القرآن أنزله الله للهداية، من قرأه بقصد الاستغواء وبقصد الاستهزاء زاده ظلمات، وقال : ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] أي: يغويهم ويضلهم، لأنهم احتاروا فيه، فلينتبه لهذا.

стр. 4948

شروط ذهاب النساء إلى المستشفى السؤال بحكم عملي في إحدى المستشفيات أخالط كثيراً من النساء الممرضات والمراجعات، ويصادفني أحياناً نساء غير محتشمات، فماذا يجب عليّ لأنه يلزمني مخاطبتهن؟ الجواب أقول لك: أولاً قوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وأقول لك ثانياً: غض بصرك، وطالب هؤلاء النسوة بالحجاب الشرعي وعلمهن السنة، ولا يقتضي هذا منك أن تنظر ولكن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ولا تخلُ بامرأة أبداً، فالخلوة بالمرأة في غير ضرورة حرام، وليس هناك فيما أعلم ضرورة في ذهني، لكن قلت هذا احترازاً من بعض النصوص، فهو محرم قال ﵊: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ لا تخلُ بامرأة، ولا تنظر إلى وجهها، ولا تصافح ولا تلمس امرأة. والمرأة تذهب إلى المستشفى للعلاج بثلاثة قيود:- أن يكون معها محرم، وأن تعالجها امرأة، وأن تتحجب الحجاب الشرعي، وإذا اضطر إلى علاجها رجل، فبشروط ثلاثة:- الأول: ألا توجد امرأة معالجة، تقوم بهذا العلاج. الشرط الثاني: ألا يخلو بها، بل يكون محرمها معها. الشرط الثالث: أن يكون المرض ضرورياً خطيراً فلا تذهب للزكام أو للصداع.

стр. 4949

التحاكم إلى العادات القبلية السؤال هل العادات والتقاليد والتحاكم إلى عادات القبائل ونحوها عقبة في طريق الدعوة؟ الجواب نعم هو من العقبات، وأنا ما أتيت إلا بأهم العقبات، وإلا فإن بعضهم يوصلها إلى عشرين عقبة، وثلاثين عقبة، لكن أتيت بما يقارب الست لتدل على غيرها، وما ذكرت كل العقبات.

стр. 4950

لمز الدعاة والاستهزاء بهم السؤال ماذا أفعل في كل من يناديني بالمطوع، سواء استهزاءً أو مدحاً؟ الجواب أولاً، احمد الله أن شرفك بأنك عبد له، الناس صنفان: مطوع أو عاص، هذا الذي يدعوك إن كان مستهزئاً، ويقول لك: مطوع فهو عاصٍ، لأنه يستهزئ بالمطوع، ومعناك أنك أطعت الله، فصرت مطوعاً، وقد يطلق عليه هو لكنه للشيطان، فإما أن يتطوع العبد للرحمن أو للشيطان، ولذلك يقول ابن تيمية: لا يسكن القلب إلا بإله، إما الله وإما آخر. فاعلم ذلك وعليك وأنت أمامهم أن تتذكر ثلاث قضايا: أولها: اعرف أن الله شرفك لأنك تؤذى في سبيله ، فسلفك في ذلك الأنبياء والرسل وقد قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]. ثانيها: اعلم أنك مأجور، وأن أجرك على الله، وما يصيب المسلم من كلمة أو استهزاء أو نكد إلا كانت كفارة للسيئات ورفعاً للدرجات. ثالثها: إذا قالوا لك هذا الكلام؛ فتبسم لهم وقل لهم قولاً حسناً فقد ذكر الله المتقين -عباد الرحمن- فقال في وصفهم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] قال عيسى بن مريم ﵇ لحوارييه: كونوا كالنخلة ترمى بالحجارة فترد بالرطب. إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت فإن جاوبته فرجت عنه وإن خليته كمداً يموت وقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] هذه القضايا التي أريد أن تفهمها مني.

стр. 4951

أنا مصاب بالفتور السؤال أجد فتوراً وعدم رغبة في الطاعة مع العلم أني أعرف كثيراً من الآيات والأحاديث؟ الجواب عليك بالدعاء، عليك بالجلسات مع الصالحين، واعلم أن الفتور هذا لا بد منه، وفي حديث صحيح: ﴿لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غيرها فقد هلك﴾ والشرة: الحدة والقوة والنشاط في العمل، ولذلك تجد الشباب إذا اهتدوا تجد الواحد منهم قوياً على العبادة، ويزيد من النوافل فبدلاً من أن يتنفل بعد الظهر اثنتين يتنفل بثمان، تقول: يكفيك ثلاثة أيام في الشهر قال: لا يكفيني إلا الإثنين والخميس وثلاثة أيام، والمحرم وبعدها يقتصر على رمضان، فلذلك (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة) والفترة هي النكوص، لكنه قال: ﴿فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى﴾ أي أن الحد الأدنى السنة، ألا تنزل عن السنة، حد أدنى لك، فعليك بذلك، واعلم أن الفترة لا بد منها، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، فاغتنموها عند إقبالها، وذروها عند إدبارها]] وقال في لفظ آخر: [[إذا أقبلت القلوب فأكثروا من النوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض]]. تقبلنا الله وإياكم في من تقبل، وغفر لنا ولكم ورحمنا الله وإياكم، وشكر الله لكم اجتماعكم، ونريد ألا تنسونا من دعوة طيبة؛ لندعو لكم بظهر الغيب.

стр. 4952

لقد سألت عن عظيم إن الله تعالى أرسل الرسول ﷺ ؛ فأنار به أفئدة الإنسانية، وهدى به البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فنصح الرسول ﷺ للأمة الإسلامية ودلها على كل خير وكل عمل يقربها من الجنة ومن رضوان الله. وفي هذا الدرس حديث عظيم، هو قاعدة من قواعد الإسلام، فيا من يبحث عن طريق الجنة! فإن طريقها ومفاتيحها في هذا الحديث العظيم.

стр. 4953

وقفات مع حديث: (لقد سألت عن عظيم) إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. قبل أن يبعث الله محمداً ﷺ ، نظر الله إلى الناس، فمقتهم جميعاً، عربهم وعجمهم، أحمرهم وأبيضهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، فلما بعثه ﷺ أنار الله به أفئدة الإنسانية، وهدى به البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، فكان ﵊ يوصي دائماً وأبداً، ومن أجل وصاياه، ومن أعظم ما أهداه ﷺ لأصحابه: هذا الحديث الذي معنا هذه الليلة، وهو حديث عظيم من قواعد الإسلام، ومن أسس هذا الدين، وهو من الأربعين النووية. فاسمعوا إلى هذا الحديث القيم، الحديث الذي هو أقرب الطرق إلى الجنة لمن أراد الجنة، وهو أحسن الوصايا لمن أراد الله والدار الآخرة. عن معاذ بن جبل سيد العلماء، وقائد العلماء إلى الجنة ﵁ قال: ﴿كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقلت: يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ هذا السؤال من أعظم الأسئلة التي طرحت على رسول الله ﷺ ، قال: ﴿لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه -ثم أجاب ﵊ قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال ﵊: ألا أدلك على رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال ﵊: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا ﵊ قول تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال ﵊: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ ﷺ بلسان نفسه، فقال معاذ: أئنا لمؤاخذون يا رسول الله بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ -أي فقدتك، وهو دعاء لا يراد به ظاهره- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم﴾ هذا الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

стр. 4954

ترجمة معاذ بن جبل وكما أسلفت هو من أعظم أحاديث الإسلام التي ذكرها ﷺ ، وراوي هذا الحديث هو معاذ ﵁ وأرضاه، داعية أهل اليمن إلى الإسلام، والذي استنقذهم من الضلالة بلا إله إلا الله، والذي هداهم إلى النور بلا إله إلا الله، كان ﵊ يقول له دائماً وأبداً: ﴿يا معاذ والله إني لا أحبك، لا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. ولا بأس أن نقف لحظات مع هذا الصحابي الجليل معاذ ﵁ وأرضاه، جاهد في ذات الله، وذهب إلى اليمن، ولما ودعه ﷺ ، وهو مسافر إلى أرض اليمن، قال لرسول الله ﷺ : أوصني يا رسول الله! قال: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ وقال له: ﴿يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر﴾ فذهب ﵁ وأرضاه، ومات ﷺ ومعاذ في اليمن. ولما قدم راجعاً، جاهد مع أبي بكر الصديق، ومع عمر، حتى كان مع أهل الفتوح الذين ينشرون لا إله إلا الله في المعمورة، وهو من الذين حضروا معركة اليرموك ضد الروم، وتوفي وعمره سبعٌ وثلاثون سنة، لكنها خيرٌ عند الله من سبعة وثلاثين قرناً، كان به دمل ﵁ وأرضاه في يده اليمنى من الطاعون، فقال له الناس: لا بأس عليك تتشافى بإذن الله، فرفع يديه، وقال: [[اللهم إني قد مللت الحياة، اللهم فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون ثم قال: [[اللهم إنك تكبر الصغير، وتبارك في القليل، اللهم اجعل وفاتي في هذه القرحة]] وهذا لا يتعارض مع عدم تمني الموت، فإنه ﵁ وأرضاه خاف من الفتن، فانتشرت هذه القرحة، ومات شهيداً ﵁ وأرضاه؛ لأنه مات بالطاعون.

стр. 4955

طريقة شرح الإسلام للناس يقول: ﴿قلت: يا رسول الله -في الحديث السابق- دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار﴾ هل تعلمون سؤالاً أعظم من هذا؟ من الذي يستطيع أن يسأل سؤالاً أحسن من هذا السؤال؟ عمل يقربه من الجنة ويباعده من النار، واسمعوا إلى معلم الخير وأنصح الناس للناس، وأصدق الناس مع الناس، وأفضل الناس قاطبة فيما يسمعون من كلام الناس، محمدٌ ﷺ ، طبيب القلوب، والناصح للأمة، والصادق فيما بلغه من الله ﵎. فقال ﷺ وهو يستعرض أمور الإسلام، لأن هذا الدين ليس ألغازاً، وليس أحاجي ولا مشكلات، إننا لن ندخل الجنة بالمؤهلات العلمية ولا بالدور ولا بالقصور ولا بالأشجار، ولا بجري الأنهار، إنما ندخلها بالصدق مع الله وبالعمل الصالح، وبالتقوى، وكما وصفها ﷺ لـ معاذ، وقضية شرح الإسلام للناس، أو طرح مسألة الإسلام للناس لا يحتاج إلى تكلفات في التعبير، أو فلسفة، أو منطق، إنه أسهل من الماء البارد الذي نشربه، وأسهل من الهواء الذي نستنشقه. أتى أعرابي من الصحراء يريد طريق الجنة، يريد أن يسأل رسول الله ﷺ ، أعرابي من البادية، لم يسجد لله سجدة، ولا ركع لله ركعة، فجاء الأعرابي بجمله وعقله في طرف المسجد -وانظر إلى رسول الله ﷺ كيف يعرض الإسلام على الناس، لا كما يعرض الإسلام الآن صعباً شائكاً، إنما هو سهل ميسور لمن أراد الله والدار الآخرة- فعقل هذا الأعرابي الجمل، ثم تخطى الصفوف، يسأل عن الرسول ﵊، ويقول للصحابة: أين ابن عبد المطلب؟ يقصد رسول الله ﷺ -يسميه بجده؛ لأنه أشهر في العرب من أبيه، حتى يقول ﵊: أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب في حنين - فيقول الصحابة: ذاك هو الرجل الأبيض، الأمهق المرتفق، أي: المتكئ، فيتقدم الأعرابي. واسمعوا إلى أسئلة عن الإسلام، واسمعوا لحسن العرض منه ﵊، ولحسن السؤال، ثم لحسن الجواب منه ﷺ ، فيقول: يا محمد! قال ﵊: لبيك! قال: إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة قال: سل ما بدا لك. فقال الأعرابي: يا محمد من رفع السماء؟ قال: الله! قال: من بسط الأرض؟ قال: الله! قال: من نصب الجبال؟ قال: الله! قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ وكان ﵊ متكئاً، فجلس وتربع -لأن هذا أعظم سؤال عرفته البشرية، وهذا أكبر سؤال وقع على البسيطة منذ خلق الله الخليقة إلى اليوم- فقال ﵊، وقد احمر وجهه من عظم السؤال اللهم نعم. قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، ثم أخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام؛ فرفع يده، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، ثم ولى، وفك عقال جمله وذهب، فتلفت ﷺ إلى الناس وهو يتبسم، ويقول: ﴿من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ وفي رواية: ﴿أفلح الرجل ودخل الجنة إن صدق﴾ أي: صدق مع الله، هذه هو دين الإسلام في سهولته ويسره الذي عرضه ﷺ على الناس.

стр. 4956

الغاية من الحياة يقول معاذ: ﴿يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار﴾ فهل علم أهل القصور أن المصير ليس بقصور في الدنيا، وأن الشرف والسمو، والغاية المنشودة ليست بالقصور؟ وهل علم أهل الأموال أن الغاية المحمودة والمطلوبة عند المسلم ليست المال؟ وهل علم أهل الأولاد أن الذي يطلبه المؤمن أعظم من الأولاد؟ وهل علم أهل المناصب أن هناك أجل من المناصب؟ إنه رضا الله والجنة. فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها صح في صحيح مسلم، أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿للمؤمن في الجنة خيمة مجوفة طولها في الجو -وقيل: عرضها- ستون ميلاً، في كل طرف من أطرافها أهلون وبنون للمؤمن، لا يرى بعضهم بعضاً﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن في الجنة سوقاً يأتيه المؤمنون؛ فتهب عليهم رياح الشمال، فتحثو في وجوههم المسك، فيعودون إلى أهلهم وقد ازدادوا جمالاً إلى جمالهم وحسناً إلى حسنهم﴾. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿الفرات والنيل وسيحون وجيحون أربعة أنهار من أنهار الجنة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يوم الجمعة يزور المؤمنون فيه ربهم ، فيجلس الأنبياء على منابر من نور، ويجلس الشهداء على كثبان من مسك، ثم يجلس الناس على مجالسهم، فينظر إليهم ربهم ، وينظرون إليه، فما أُوتوا نعيماً أعظم من ذاك النعيم﴾ وهو يوم الزيادة، يدخل أهل الجنة الجنة، فيتلذذون ويتنعمون، لا يبولون، ولا يجوعون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، ولا يبصقون بنو ثلاث وثلاثين سنه جرد مكحلون مرد حسنه وجوههم من النعيم مسفرة لا ظلمة ترهقهم أو قترة أهل الجنة إذا دخلوا الجنة انتهى عنهم الهم والحزن والغم والنصب قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]. فيقول معاذ ﵁ وأرضاه: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، هل قال له رسول الله ﷺ : عليك أن تأتي بمؤهلات، أو أن تتوظف وتخدم كذا سنة، وتأتي بعدد من المال، أو تذبح نفسك كما يفعل بنو إسرائيل، أو تجوع نفسك الأيام والليالي كما تفعل النصرانية، أو تطول أظفارك وشعورك كما تفعل البوذية، لا. أتى بأمر بسيط يستطيع جمهور الناس أن يفعلوه، كله سهل وميسر على من يسره الله عليه. لكن يقول ﷺ لما سئل: ﴿إنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ أما من عسره الله عليه فليس بيسير، وبعض أهل الصلاح وأهل الاستقامة يتعجب من كثير من الناس، لا يصلون في المساجد، ولا يقرءون القرآن، ويقولون: ماذا يكلفهم لو صلوا خمس صلوات في اليوم والليلة؟ ماذا يكلفهم لو قرءوا شيئاً من القرآن؟ ماذا يكلفهم لو صاموا شهراً في السنة؟ ماذا يكلفهم لو حجوا مرة في العمر؟ لكن القلوب بيد فاطر السماوات والأرض، والنفوس بيد الحي القيوم، يقول عز من قائل: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. هذا الرجل مهتد مصل صائم منيب زاهد متورع إلى الله ، ويرزق ولداً فاجراً من الفجار، وفاسقاً من الفسقة، وفاسداً من المفسدين، ومارداً من المتمردين، فلماذا؟ حكمةٌ بالغة، وقدرةٌ نافذة من الحي القيوم. يقول عز من قائل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] هذا يسكن في أحسن مسكن، ويأكل أحسن طعام، ويتمتع بالمطاعم الشهية والمراكب الهنيئة والمشارب الرضية، ولكن قلبه مغلق عن الهداية، لا يريد لا إله إلا الله، ولا يتلذذ بلا إله إلا الله، ولا يمضي إلى مسجد الله، ولا يعفر وجهه ساجداً لله. وهذا رجلٌ آخر يعيش البرد كله، ويأخذ الجوع بحده، والظمأ والتعب والإعياء، وينام على الرصيف، وأحب كلام إليه كلام الله، وأحسن صوت إليه صوت المؤذن، وأحسن جملة تمر بأذنيه لا إله إلا الله، وجهه يلمع نوراً، وقلبه يتفتح للهداية، فما هو السبب؟ حكمة بالغة. فالله نظر إلى قلوب العباد، فرأى أن هذا القلب يستحق الهداية فمنحه الهداية، ونظر إلى ذاك القلب، فإذا هو مطموس عليه لا يستحق النور ولا الهداية، فأغلق الله عليه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٢٤]. ماذا قال أهل العلم في قوله عز من قائل: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] قالوا: يحول بين الإنسان والإيمان، يريد أن يؤمن، يريد أن يصلي، لكن الله علم فيه الخبث، فلا هداه ولا كفاه ولا وقاه ولا شفاه. فالله الله يا أيتها الأمة المحمدية، يا أيتها الأمة المرضية! التي يريد الله أن تدخل الجنة أول الأمم، والتي بنى الله لها قصوراً في الجنة؛ فإن طريق الجنة هو هذا الحديث. ثم قال له ﷺ : ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً﴾ هل هناك عسراً وصعوبة في عبادة الله، وعدم الإشراك به، أتعلمون إلهاً غير الله؟ هل تعلمون أكبر من الله؟ أو أعظم من الله أو أحق بالعبادة من الله؟!

стр. 4957

كيفية الاستدلال على توحيد الله صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله ﵎ في الحديث القدسي: عجباً لك يا بن آدم! خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقيرٌ إلي، في كل يوم خيري إليك نازل، وفي كل يوم شرك إلي صاعد﴾ فقال ﵊: ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً﴾ لأنه لا عبادة لمن أشرك مع الله من أهل أو ولد أو منصب أو وظيفة أو حجر أو شجر، وبعض الناس يظنون أن الأصنام قد انتهت، بل بعض الناس يعبد هواه من دون الله ، أما قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]؟ وكل شيء يشير إلى وحدانية الله، وكل مخلوق يثبت بالبرهان أنه لا إله إلا الله، وكل كائنة تشير بيدها أنه لا إله إلا الله، الومضة من النور، اللمعة من الضياء، والقطرة من الماء، والورق من الشجر، الصوت من الطائر، الإنسان بما آتاه الله يشير أنه لا إله إلا الله. فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد قيل للإمام الشافعي ﵀: دلل لنا على القدرة، أي: اذكر لنا دليلاً على قدرة الحي القيوم، قال: هذه الورقة ورقة شجر، وتأكلها دودة القز فتخرج حريراً، وتأكلها النحلة فتخرج عسلاً، وتأكلها الغزال فتخرج مسكاً، وتأكلها الشاة فتخرج روثاً، أليست دليلاً على الحكيم الخبير؟ وقيل للإمام أحمد: دلل لنا على وجود القدرة، قال: هذه البيضة كالحصن الحصين، أما الباطن فذهب إبريز أصفر، وأما الظاهر ففضة بيضاء يخرج منها حيوانٌ سميع بصير، هو الفرخ، ألا يدل على وجود السميع البصير؟ فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد كل شيء يشير إلى الله، يقول عز من قائل: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ﴾ [يونس:١٠١] يقول عز من قائل لأهل مكة يوم نزَّل عليهم القرآن، وهم لا يرون إلا الجبال السود، ولا يرون إلا السماء، ولا يرون إلا الأرض، ولا يرون إلا الإبل، خاطبهم بلغة عصرهم؛ لأن العلم الطبيعي ما بلغ هذه الدرجة التي بلغها اليوم، فقال عز من قائل: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية:١٧ - ٢٠]. مالهم لا ينظرون؟ مالهم لا يتفكرون؟ ما للذي يترك الصلاة إذا سمع الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات، ماله يلوي عنقه ويتولى عن المسجد؟ أنسي الله؟ أنسي البعث والنشور؟ أنسي الذي سواه في أحسن صوره؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] يقول: ما هو الأمر الذي أتى به هذا حتى يتكبر علينا؟ ويقول عز من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥].

стр. 4958

أهمية الصلاة فيا أيها الإنسان الضعيف، والله لا فلاح لك ولا نجاح ولا رقي ولا نور، ولا هداية حتى تتعرف على باب المسجد، والله لا طهر لك ولا قداسة ولا قيمة ولا وزن لك، حتى تتوضأ كل يوم كما أراد الله . يقول ﵊، وهو يتحدث عن الأعمال الموجبة لدخول الجنة: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله، لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾ رواه مسلم. وما معنى الحديث؟ يقول ﵊: من توضأ وصلى الفجر في جماعة، أحاطه الله ورعاه وكفاه ووقاه، فلا يحدث عليه بإذن الله أي حادث من حوادث الذنوب الكبيرة، لا يشرب الخمر، ولا يسرق، ولا يزني بإذن الله؛ لأنه عصم نفسه بصلاة الفجر في جماعة، فيقول ﷺ : ﴿فالله الله، لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء﴾ معناه يقول: أن من صلى الفجر في جماعة فهو في حفظ الله، فلا يُتعدى على دمه أو عرضه أو ماله؛ لأنه أصبح في حفظ من الله، وفي رعاية من الواحد القيوم قال: ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة﴾ الصلاة التي لما ضيعناها وأخرناها، وأخللنا بأوقاتها وخشوعها وركوعها، ضعنا والله، وديست كرامتنا، واحتلت مقدساتنا، وفسد أبناؤنا، وقلت البركة في أرزاقنا، وقست قلوبنا. الصلاة التي لما ضيعناها قل القطر علينا، الصلاة التي لما تركناها أصبنا والله -إلا من رحم الله- بالبغضاء وبالشحناء والفتن ما ظهر منها وما بطن، الصلاة التي لما تركناها أو تهاونا فيها دخلت علينا المعاصي بلا حساب، الربا والزنا، والفحش والدعارة والمخدرات؛ التي فتكت بشباب الأمة، بسبب تركنا وتهاوننا بالصلاة. فيا أيتها الأمة المصلية يا أمة محمد ﵊: من أراد الجنة، فهذه بيوت الجنة، ورياض الجنة، ومفاتيح الجنة عند مفاتيح هذه الأبواب، ومن أراد الهداية فليس له هداية إلا أن يعفر وجهه كل يوم خمس مرات، فو الله ثم والله ثم والله، إن لم تكن عبداً لله، فإنك عبد للشيطان، وعبد للشهوات، وعبد للنزوات، فافتخر بعبودية الله. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا عباد الله: هذا درس وجيز، نريد أن نجتمع بهذه الوجوه الطيبة الطاهرة التي جاءت لتصلي، وجاءت لتعلن الوحدانية لله، وجاءت لتغسل ذنوبها، وأدرانها، وسيئاتها، وتكفر ما فعلت من المعاصي. هذا مختصر في كل أسبوع من مساء الجمعة، أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئ الأعمال، وأن يجعلنا ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه، وأن يحشرنا في زمرة الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4959

لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم في هذه المادة ذكر الشيخ صوراُ من حياة الصالحين في تعظيم الله، سيما تعظيمه باليمين، وتطرق إلى مسائل وأحكام في اليمين كحم الحلف بغير الله، والسؤال بوجه الله، واللغو في اليمين.

стр. 4960

صور من حياة الصالحين في تعظيم الله الحمد لله، الحمد لله القائل: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٠ - ١٦] والصلاة والسلام على رسول الله، سيف النصر الذي قصَّر الله به آمال القياصرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وأرداهم ظلمهم في الحافرة، ولسان الصدق الذي بلغ نغمة التوحيد لعباد الله الموحدين، وأذن الخير التي استقبلت آخر رسالات السماء؛ فبلغتها البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما اتصلت أذن بخبر، وما تعلقت عين بنظر، وما غرد حمام على شجر. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:

стр. 4961

قصة عدي بن حاتم فلما أرسل رسول الله ﷺ كتائبه مشرقة ومغربة؛ تنشر (لا إله إلا الله) في المعمورة، كان من ضمن من أرسل رسول الله ﷺ أبا سليمان خالد بن الوليد سيف الله المسلول، أرسله إلى جبل أجا وسلمى، حيث قبائل طيء، فلما سمعت بمقدم خالد؛ فرت القبائل لا تلوي على شيء، وذهبت بنصرانيتها إلى الشام. وكان من ضمن من فر عدي بن حاتم الطائي ابن كريم العرب، وترك أخته في بيته، فنزل خالد وتمركز بجيشه هناك، وسبى سبايا، وأخذ أسارى، وعاد بهم إلى عاصمة الإسلام، إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وكان من ضمن الأسارى: سفانة بنت حاتم الطائي الكريم المشهور، والجواد العظيم، وأنزلهم خالد حول المسجد، وقامت سفانة إلى علي ﵁ وأرضاه، وقالت: اشفع لي إلى ابن عمك، إلى رسول الله ﷺ . فقال علي: إنا لا نشفع إليه، ولكن إذا خرج إلى الصلاة، فسوف ينظر إليكم، فتشفعي عنده واذكري أباك، فإن رسول الله ﷺ أحلم الناس وأبرهم وأوصلهم. وخرج ﷺ لصلاة العصر ومعه بعض الصحابة، وفي طريقه استعرض الأسارى، فقامت سفانة، وقالت: يا رسول الله! إن أبي كان يحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر، أنا بنت حاتم الطائي كريم العرب، فاعف عني عفا الله عنك. فالتفت ﷺ إلى أصحابه، وقال: ﴿خلوا عنها؛ فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، ثم قال: يا هنتاه، لو أن أباك مات مسلماً لترحمنا عليه﴾ ثم أكرمها ﷺ ، وأعادها صيّنة محتشمة إلى ديار أهلها؛ فلقيت أخاها عدي، فقالت: يا قطوع، يا عقوق! تركتني وفررت، جئتك من عند رسول الله ﷺ حقاً، من عند أبر الناس، وأوصلهم، وأرحمهم. فتهيأ عدي ولبس لباسه، وركّب صليب النصرانية على صدره، وأتى إلى المدينة، وتسامع الناس أن ابن حاتم الطائي قادم، أو أظل المدينة ضيفاً؛ فخرجوا في استقباله، واستقبله رسول الله ﷺ ، وأجلسه في بيته، وقدم له مخدةً ليجلس عليها، فأبى وجلس على التراب، فقال له ﷺ : ﴿أشهد أنك من الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾. وبينما هو جالس مع رسول الله ﷺ إذا بروح القدس، وإذا بجبريل ﵇ ينزل بآيات الله البينات، فتلاها رسول الله ﷺ بمناسبة مقدم عدي بن حاتم، وهي قوله ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١] فقال عدي، وعرف أن الخطاب له، وأنه المقصود بلفظ الفحوى "إياك أعني واسمعي يا جارة" فقال: ﴿ما عبدناهم يا رسول الله. فقال ﷺ ونظر إليه: بل عبدتموهم، أما أحلوا لكم الحرام فأحللتموه، وحرموا عليكم الحلال فحرمتموه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم﴾. ثم تنمر له ﷺ ، وقرب منه، وأخذ بتلابيب ثيابه وقال: ﴿يا عدي! أتفر أن يقال: الله أكبر في الأرض؟ هل تعلم أكبر من الله؟ أتفر يا عدي أن يقال: لا إله إلا الله في الأرض؟ هل تعلم إلهاً مع الله؟ فانتفض عدي وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله﴾ وانطلق لسانه يلهج بنغمة التوحيد، وقلبه يرتعد بنغمة لا إله إلا الله. والمقصود من هذا كله: أنه لا عظيم إلا الله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ومن توكل عليه كفاه، ومن عظَّم الله عظمه الله، ومن امتهن أسماء الله أمتهنه الله وحقره وأذله.

стр. 4962

قصة صاحب بني إسرائيل وفي صحيح البخاري في كتاب الوكالة: ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل أتى إلى رجل آخر يقترض منه مائة دينار، فأقرضه وسلفه، فقال: هل لك من شاهد؟ قال: ما لي شاهد إلا الله. قال: كفى بالله شاهداً. قال: فهل لك من كفيل يكفلك؟ قال: ما لي من كفيل إلا الله. قال: كفى بالله كفيلاً. فأخذ هذا المال، وسافر به وركب البحر، فلما أتت المدة أتى بمائة دينار، يريد أن يعيدها إلى صاحبها، فوقف على ساحل البحر، وانتظر السفينة فلم تأتِ سفينة، وانتظر ثلاثة أيام، فلما يئس رفع طرفه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني اقترضت منه، فقال: هل لك من شاهد؟ فرضيت بك شاهداً، وقال: هل لك من كفيل؟ فرضيت بك كفيلاً، اللهم فبلَّغ هذه الدنانير إليه. ثم أخذ خشبة، فنقرها، ووضع فيها الدنانير، ووضعها على ظهر ماء البحر، فسلط الله الريح؛ فأخذت هذه الخشبة، وساقتها إلى الساحل الآخر، وخرج ذاك الرجل صاحب الدين في ذلك اليوم، يقول لأهله: علني أتعرض للسفن، أركب إلى صاحب المال الذي جعل بيني وبينه الله شهيداً وكفيلاً. فانتظر سفناً فلم تأتِ سفينة، فقال: لقد يئست، وحسبي الله ونعم الوكيل. ثم نظر إلى الخشبة، فقال: آخذ هذه إلى أهلي لتكون حطباً لهم. فلما أتى بها إلى البيت كسرها؛ فإذا الدنانير فيها، وإذا الرسالة، والمبايعة، فقال: من استكفى بالله كفاه، ومن توقى بالله وقاه﴾.

стр. 4963

الحلف بغير الله أيها المسلمون: إن الأيمان من أكثر ما تحدث في الناس الشرك، فإن كثيراً من الناس لجهلهم يعظمون غير الله، فلا يصدقون الحالف، ولا يأتمنون يمينه، ولا يركنون إلى حلفه، حتى يحلف بالطلاق أو بالحرام، وهؤلاء جهلوا عظمة الله، وما قدَّروا الله حق قدره، وما وقروه حق توقيره.

стр. 4964

وقفة مع حديث (ثلاثة لا ينظر الله إليهم) وفي الطبراني بسند صحيح، عن سلمان الفارسي، الباحث عن الحقيقة، سفير الإسلام إلى أهل فارس، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم. قالوا: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ فقال: أشيمطٌ زانٍ، وعائل مستكبر، ورجلٌ جعل الله بضاعته، لا يبيع إلا ويكذب، ولا يشتري إلا ويكذب﴾. فأما قوله ﷺ : (أشيمط زانٍ) فهذا شيخ شائب، شابت لحيته، وشاب رأسه في الإسلام، ثم وقع في الكبائر، ومنها: الزنا، بعد أن وعظه الله بالشيب، قال ابن عباس ﵄ وأرضاهما، لما قرأ قوله ﵎: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قال: [[النذير والله الشيب]] وكفى بالشيب نذيراً. ومر عمر ﵁ وأرضاه برجل وهو يترنم بقصيدة، ويقول: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فدمعت عينا عمر وقال: [[إي والله، كفى بالإسلام والشيب للمرء الذي يخاف الله ناهياً]] وأثر عن إبراهيم ﵇: [[أن الشيب لما ظهر في لحيته نظر إلى المرآة، فقال: يا رب ما هذا الشيء الأبيض في لحيتي؟ قال: يا إبراهيم! هذا وقار. فقال: اللهم زدني وقاراً]]. فمن وقرَّه الله بالشيب، ثم وقع في الفواحش؛ فلن ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه يوم يزكي الصالحين، وله عذابٌ أليم، فهذا أشيمط أسرف في الخطايا، شيخٌ ومذنبٌ ومسيء، وقد دنى من حفرته ولبس أكفانه! كان سفيان الثوري يقول: [[يا من بلغ الستين سنة! خذ لك كفناً على أكتافك، واحفر قبرك فإنك بلغت من الموت قاب قوسين أو أدنى]]. وأما قوله ﷺ : (عائل مستكبر) فهو فقير يتكبر على عباد الله -حشفاً وسوء كيلة- ليس عنده ما يدعوه إلى التكبر، أو يجذبه إلى الزهو والعجب، ثم ينفخ صدره، ويزور بزوره، فهذا ممقوت مبخوس الحظ، فاقد عند الله ، وإلا فإن الله إذا أراد أن يصحح نية العبد جعله من المتواضعين، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]. وأثر عن موسى ﵇: [[أن الله أوحى إليه، فقال: يا موسى! أتدري لماذا اصطفيتك من الناس، واخترتك من بني إسرائيل؟ قال: لا يا رب. قال: نظرت في قلوب بني إسرائيل، فوجدت قلبك يحبني أكثر من كل قلب، ورأيتك ما جلست مع أحد إلا شعرت في نفسك أنك أوضع منه، وأنك أحقر منه]] ومصداق ذلك قوله ﷺ في الصحيحين: ﴿من تواضع لله رفعه، وحق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه﴾.

стр. 4965

تعظيم الله بالحلف به وشاهدنا: أن أعظم عظيم هو الله، ولا يعلم أعظم من الله ﵎؛ فلا يحلف إلا بالله، وويلٌ لعبد عظَّم غير الله أكثر منه، أو حلف بغير الله، وقد صح عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود وأبي هريرة أنه قال: ﴿من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك﴾. وصح عنه ﷺ ، كما عند أبي داود من حديث ابن عباس: ﴿أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسو الله! ما شاء الله وشئت. فغضب عليه وقال: ويحك! أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده﴾. وصح أن أعرابياً قدم عليه ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! قحطنا، أجدبنا، فادع الله أن يغيثنا، فإنا نستشفع بك إلى الله، ونستشفع بالله إليك. فجلس ﷺ ، وقال: ويحك! ويلك! سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! أجعلتني لله نداً! أتدري ما شأن الله، إن شأن الله أعظم من أن يستشفع به أو يتشفع به إلى أحد من خلقه ﵎﴾. وقال ابن مسعود ﵁ وأرضاه، كما صح عنه: [[لأن أحلف بالله كاذباً خيرٌ من أن أحلف بغير الله صادقاً]] لأن من حلف بغير الله صادقاً فقد أشرك، ومن حلف به كاذباً فقد أذنب، والشرك أكبر الذنوب فيا عباد الله وقروا الله في أيمانكم.

стр. 4966

الواجب علينا في الأيمان وواجبنا في الأيمان أمور: أولها: ألا نحلف إذا اضطررنا إلى اليمين إلا بالله ﵎. قال الشافعي رحمه الله تعالى كما ذكر ذلك عنه الذهبي: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً في حياتي؛ توقيراً لله ﵎ وتعظيماً له. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: عظِّموا الله تعالى، لا يقل أحدكم لمولاه: أخزاك الله، أو قبحك الله، فتقرنون الله بهذا الكلام. وذكر ابن تيمية ﵀ أن محمد بن جعفر الصادق كان إذا قال له الرجل: لا والله؛ احمر وجهه إجلالاً لله ﵎. فالذي لا يستكفي بالله فلا كفاه الله، والذي لا تشفيه اليمين به ﵎، بأسمائه وصفاته فلا شفاه الله؛ لأنه قد عظّم غير الله أكثر منه. ثانياً: على المسلم إذا حلف على يمين، ورأى غيرها خيراً منها أن يُكفِّر عن يمينه، وأن يأتي الذي هو خير. فعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وأرضاه -كما في الصحيحين - قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير﴾ والذي يحنث في يمينه، أو الذي يلج في يمينه؛ هو الرجل الذي يحلف ألا يفعل الخير، ثم يمنعه يمينه عن فعل الخير، وهذا هو المقصود بقوله ﵎: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] أي: مانعاً عن فعل الخير، فبعض الناس يحلف ألا يزور أقاربه، وألا يصل أرحامه، وألا يبر أباه، فواجب هذا أن يكفر وأن يعود إلى ما هو خير. ثالثاً: ومن واجبنا في الأيمان كذلك ألا نحلف بغير الله ﵎ -كما أسلفت- فإنه شرك، ويدخل في ذلك الحلف بالطلاق والحرام؛ فإن هذا تعظيم لغير الله، والطلاق في الإسلام إنما وضع لفظاً لمفارقة الزوجة، لا لليمين، ولا لعقد الحلف، فمن فعل ذلك؛ فقد عظَّم غير الله أكثر منه ﵎، وكثيرٌ من الناس لا يستجيبون إلا بالطلاق وبالحرام، وما هذا إلا لبدعتهم وجهلهم، وقلة فقههم، ولقلة عظمة الله في قلوبهم، فأولى لهم ثم أولى أن يرضوا بالله ﵎. ذكر الغزالي في إحياء علوم الدين [[: أن عيسى ﵇ رأى سارقاً يسرق، فقال عيسى للسارق: أتسرق؟ قال: والله ما سرقت. -وقد سرق- فقال عيسى ﵇: صدقت بالله وكذبت عيني]]. وذلك احتراماً لليمين؛ لأنه حلف بالله. وفي سنن أبي داود عن سهل بن سعد ﴿أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ ، وقد فعل فعلاً، فقال ﷺ : أفعلت ذلك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو. فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لقد فعلته، ولكن غفر الله لك بالتوحيد﴾ لأنه قال: والله الذي لا إله إلا هو. رابعاً: ومن واجبنا في الأيمان: ألا نلغو بكثرة امتهان اسم الله على الألسن، وفي المجالس والمنتديات؛ فهذا من قلة توقير الله ﵎، فإن كثيراً من الناس يحلف في مجلسه عشرات المرات يقوم فيحلف، ويجلس فيحلف وهذا من قلة تعظيمه لربه ﵎، فإن الله عظيم ولا شيء أعظم منه ﵎، ولا يحلف الرجل إلا عندما يستحلف، فله أن يحلف. وتقدم رجلٌ إلى محمد بن أبي داود الظاهري، فاستحلفه فحلف، فقال: كيف تحلف وأنت التقي الورع؟ فقال: إن الله أمر رسوله ﷺ أن يحلف في كتابه، فقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣] فواجب على المسلم أن إذا استحلف في أمر وهو صادق أن يحلف. خامساً: من واجبنا في الأيمان -وخاصة أهل التجارة والبيع والشراء- ألا يتعرض للفظ الجلالة دائماً؛ فإن الرسول ﷺ قال كما في الصحيحين: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، ورجل عرض سلعته بعد العصر، فحلف بالله أنه أعطي بها كذا وكذا وقد كذب﴾ فبعض الناس لا يبيع سلعته إلا باليمين الفاجرة. وصح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه قال: ﴿اليمين منفقة للسلعة مذهبةٌ للبركة﴾ فلا يبارك الله في مال الفاجر، ولا في سلعته، ولا في تجارته، فانتبهوا بارك الله فيكم لهذه الأمور. سادساً: ومما يجب علينا كذلك: أن ننهى عما ابتدعه الناس من شركيات في ألفاظهم، كقول بعضهم: وحياتي، وشرفي، ونجاحي، وكرامتي، ولو كان له شرف وكرامة، لما كرم إلا الله، ولما عظَّم إلا الله، وهذا منتشر في الناس، إلا من رحم الله ﵎. فيا أبناء من نشروا لا إله إلا الله! ويا أحفاد من بينوا للناس التوحيد الخالص! هذه دعوته ﷺ ، وهذه رسالته، فاحفظوا أيمانكم، واحفظوا لهجاتكم، واحفظوا ألسنتكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. ذكر الذهبي وابن كثير أن الحسن بن هانئ الشاعر وفد على ملك من ملوك الدنيا، فقال له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار يخاطب بشراً مثله، لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؛ فابتلى الله هذا الرجل بمرض عضال؛ أسهره في الليل، وأحرمه الطعام، حتى يعرِّفه من هو الواحد القهار، فتداول عليه الأطباء، وأتاه الممرضون، فما أجدى فيه علاج، وأخذ يتقلب على فراشه يبكي ويقول: أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالقِ لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق فمن علق أمله بغير الله؛ خذله الله ومقته وأذله. وبعض الشركيين يتلفظون بألفاظ شركية بدعية، سوف يحاسبهم الله بها يوم العرض الأكبر، ومنهم البرعي، حيث يخاطب رسول الله ﷺ ويقول: يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما والرسول ﵊ بشر لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فلا يعبد إلا الله، ولا يعظم إلا الله، ولا يحلف إلا بالله. فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا من قلوبكم وألسنتكم، أصلح الله لنا ولكم ما ظهر من أمرنا وما بطن. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 4967

اللغو في الأيمان الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: عباد الله: يقول الله ﵎ في محكم كتابه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٨٩] وفي هذه الآية حلٌ لمن حلف بالله ثم حنث، ليس حلٌ لمن حلف بغير الله، فإن من حلف بغير الله فقد أشرك، ولا تنعقد يمينه على الصحيح من أقوال أهل العلم.

стр. 4968

كفارة اليمين من حلف بالله ثم رأى أن غير هذه اليمين خير منها، فواجبه أن يكفر، إما قبل الحنث أو بعده. والكفارة كما ذكر الله هي إطعام عشرة مساكين، قال علي ﵁ وأرضاه: [[يطعمهم وجبة غداء وعشاء]] والجمهور على أنه يطعمهم وجبة واحدة ولا وجبتين ولا ثلاثاً، ولكل مسكين على الصحيح نصف صاع، وهو مدان، فيطعمهم ليبري الله ذمته، وليزكي يمينه، وليرفع الإثم عنه، ثم يأتي الذي هو خير. وهو على التخيير، فله أن ينتقل إلى الكسوة، فيكسو كل مسكين ما يصلح له أن يصلي فيه، ثم عتق الرقبة، فإن عجز عن هذه الثلاث فعليه بصيام ثلاثة أيام، وله أن يصومها متتابعات، وله أن ينثرها في أي وقت شاء، ولكن عليه أن يوقر الله في اليمين، وإذا تتابع عليه أيمانٌ موجبها وسببها واحد، ولم يكفر؛ كفاه كفارة واحدة، وإن حلف على أيمان متعددة أسبابها مختلفة؛ فلكل يمين كفارة. وقد مدح الله الذين يوفون بالنذر، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] وصح عنه ﷺ من حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم أنه قال: ﴿كفارة النذر كفارة يمين﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من نذر نذراً لم يستطعه؛ فعليه أن يكفر كفارة يمين. والنذر الذي لا يستطيعه العبد هو ما كلف به نفسه، كأن ينذر أن يصوم الدهر إن نجَّح الله ولده، أو ينذر أن يصلي في يوم من الأيام ألف ركعة، إن أتى الله بحبيبه، فلم يستطيع؛ فعليه أن يكفر كفارة يمين، فهي تكفيه عن النذر الذي لا يستطاع. المهم أن يعظم الله ﵎، وألا يحلف به العبد إلا مضطراً صادقاً، وأن يقدر أسماءه وصفاته، فإن هذا من تقوى القلوب، وهو من تعظيم شعائر الله.

стр. 4969

السؤال بوجه الله والمسألة التي أحب التنبيه عليها: السؤال بوجه الله، الذي امتهنه كثير من الناس، فوجه الله عظيم كريم مقدرٌ معظم مكرم، لا يسأل به إلا الجنة. فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا يسأل بوجه الله إلا الجنة﴾. وكثيرٌ من الناس يسأل بوجه الله في أغراض رخيصة، وفي أسباب حقيرة تافهة، وهذا من قلة تعظيمه لربه، ومن قلة دينه، فوجه الله ﵎ عظيم، لا يسأل به إلا ما عظم من الأمور. ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿أعوذ بنور وجهك، الذي صلح به أمر الدنيا والآخرة، وأشرقت به السماوات والأرض، من أن يدركني غضبك، أو يحل بي سخطك﴾ فإنما استعاذ من الغضب والسخط، وهما أكبر ما يستعيذ منهما العبد. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين، وسائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، من اليهود والنصارى ومن أعانهم يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 4970

الحقوق الزوجية الدين الإسلامي دين متكامل، وفيه حقوق وواجبات، جاء الدين ليبني الأمة والمجتمع والأسرة، فجعل للأسرة حقوقاً وواجبات لكل من أفراد الأسرة، وخص المرأة بالفضل والتوصية بها وبحسن معاملتها وإرشادها، ولنا في رسول الله أسوة حسنة في معاملتهن وإرشادهن والرأفة بهن.

стр. 4971

بشرى بانتصار الجهاد الأفغاني الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، والمؤيد بجبريل، صلى الله وسلم عليه كلما تضوع مسكٌ وفاح، وكلما غرد حمامٌ وناح، وكلما شدا بلبلٌ وصاح، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته قبل أن أبدأ في الدرس هنا حدثٌ عالميٌ مهمٌ وخطيرٌ في حياة المسلمين، ولا بد للمسلم أن يعيش واقعه، وأن يعرف أخبار أمته، وأن يعيش الأحداث على الساحة، والحدث المهم في هذه الأيام هو انتصار المجاهدين الأفغان على عدوهم من أهل الكفر والطغيان، وهو انتصار ساحق، يوم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] موسى ﵇ رأى البحر أمامه والبحر مغرق، وفرعون خلفه فقال الناس: الهلاك الهلاك، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فنجاه الله. إبراهيم ﵇ رأى النار وهي تلتهب أمامه وهم يريدون دهدهته في النار، فأتاه ملك يقول: ما هي حاجتك؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء. محمد ﵊ في بدر وأحد والأحزاب، وفي كل معركة تجتمع عليه الجاهلية وقوى الأرض فيها، فيقول: حسبي الله ونعم الوكيل ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. قالوا للمجاهدين الأفغان: تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ هيئة الأمم المتحدة، قالوا: تعالوا إلى مجلس الأمن، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ مجلس الأمن إلى جنيف، قالوا: آمنوا بالله وحده وكفرنا بـ جنيف، وخرجوا يهللون ويكبرون وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، واقترب فتح كابل ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧]. خرجوا بالكلاشنكوف وروسيا بالصواريخ، والطائرات، والدبابات، والسيارات، والمصفحات، والمدرعات، ولكن: يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله أخذ المجاهدون المتوضئون الصائمون المصلون يَذْبَحونهم على الطريقة الإسلامية في فتية من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدى صوتاً ولا صيتا قومٌ إذا قابلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا هذه من أعظم الأحداث في الساحة، وأنتم تشاهدون وتسمعون، فانظر ماذا تفعل لا إله إلا الله محمد رسول الله مع لا إله والحياة مادة، وانظر ماذا تفعل كلمة: حسبنا الله ونعم الوكيل مع قوى الأرض وجاهليتها وكفرها. وأما الحديث الخطير المهم، فهو حديث أبي القاسم ﷺ بالله لفظك هذا سال من عسلٍ أم قد صببت على أفواهنا العسلا

стр. 4972

شرح حديث: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء) يقول البخاري ﵀ رحمة واسعة في الحديث السابع والعشرين: باب كفران العشير وكفرٌ دون كفر، وفيه عن أبي سعيد الخدري، ثم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أُريت النار فإذا أكثرُ أهلها النساء يكفرن، قيل: يا رسول الله! يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك معروفاً قط﴾ هذا هو حديث ابن عباس عند البخاري. وفي الحديث ثمان مسائل: المسألة الأولى: الصدقة وفضلها؛ فإنه أتى في حديث أبي سعيد: ﴿تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار﴾. المسألة الثانية: كفران العشير، وكيف يكون، وما هو العشير؟ المسألة الثالثة: مخاطبة النساء، والتكلم والحديث معهن. المسألة الرابعة: الرسول ﷺ مع النساء. المسألة الخامسة: أسئلة النساء. المسألة السادسة: كفران الإحسان. المسألة السابعة: حضور المرأة مجالس الخير. والمسألة الثامنة: أجر المرأة المؤمنة.

стр. 4973

قصة الحديث أما حديث ابن عباس فقد ورد من حديث أبي سعيد وقصته عند أبي سعيد أن الرسول ﵊ خرج يصلي بالناس العيد، وقد كان يخرج ﷺ إلى الجبانة -إلى الصحراء- فيصلي بالناس هناك صلاة العيد، وكان إذا خرج الناس انتظر قليلاً حتى ترتفع الشمس ما يقارب قيد رمح، ثم لبس لباسه ﷺ ، لباس الجمال، والعظمة، والتواضع. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها فكان يمضي فينتظره الناس، فإذا أطل عليهم أطل بمقدمه المبارك الباهي الذي يملأ العين جلالة، والقلب مهابة، فيتكلم مع الناس بما آتاه الله، وحيٌ من السماء يفيض عليهم بالنور والخير والبركة، فلما انتهى من كلامه للناس إذا بالنساء في طرف المصلى، هن لم يصلين مع الرجال بل كُنَّ في جهة واحدة من المصلى، وهذا فيه درس على أن الاختلاط ليس بوارد، لا في الأماكن التعبدية، ولا في الفصول الدراسية أو الاجتماعات العامة؛ لأن المرأة لها مكانٌ والرجل له مكان. وفيه درسٌ أيضاً أن على المرأة المسلمة أن تحضر مجالس الخير، واجتماعات البر، وأن تستمع إلى الكلمة النافعة، وأن تستمع إلى الدروس الإسلامية والمحاضرات القيمة، فإن هذا من أعظم الأمور، لكن شريطة أن تغض بصرها، وتتقي ربها، وتحفظ زوجها في غيابه، وفي حديث أم عطية عند البخاري: ﴿أن الرسول ﷺ أمر الحيض والعواتق وذوات الخدور أن يخرجن يوم العيد﴾ فأما الحائض تعتزل المصلى، وتحضر دعاء المسلمين، وتستمع إلى الموعظة والخطبة، ففيه فائدة تدل على أن الحائض لا تدخل المسجد، ولا المصلى الذي يصلي فيه الناس، لكن بإمكانها أن تحضر في مكان محجوز من وراء حجاب فتسمع الكلمة الطيبة التي تصل إلى قلبها. ثم اعلموا أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا تمنعوا إماء الله مساجد الله﴾ والحديث صحيح، إي للصلاة، وهذا الحديث من رواية ابن عمر، وعند مسلم: ﴿فقال له ابنه بلال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً يقول: والله لنمنعهن؛ لأنهن يتخذن المسجد تحريشاً وفساداً -فقال ابن عمر: ﴿أكلمك عن الرسول ﵊، وتكلمني عن رأيك وتعارضه، والله لا أكلمك أبداً حتى الموت﴾ انظر إلى عظمة السنة في قلب ابن عمر يقول لابنه: والله لا أكلمك أبداً حتى الموت، كيف تعارض أمر الرسول ﵊؟ قالوا: فما كلمه أبداً، فلما حضرته سكرات الموت اقترب ابنه يبكي ويقول: سامحني، كلمني ولو كلمة واحدة، فمات ولم يكلمه، وهذا في اعتراضٍ بسيط، فكيف بمن يرضى بأفعال المحاربين للسنة والشريعة، والمحاربين لِقال الله وقال رسوله ﷺ !! ونعود للحديث ولكن جاء عند أبي داود: ﴿أن صلاة المرأة في دارها خيرٌ من صلاتها في مسجدها﴾ وتقول عائشة كما في صحيح البخاري من حديث عطاء: [[لو رأى الرسول ﷺ ما فعلت النساء بعده لمنعهن كما مُنعت نساء بني إسرائيل، قال عطاء: أمنعت نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم]] وعائشة تنظر في الحرم في وقتها، تنظر إلى الهيئة، وبعض الاختلاط، وبعض الأمور، فتقول: لو رأى ﷺ هذا المشهد لمنع النساء، فكيف لو رأت عائشة المنظر اليوم! وكيف لو رأت التبرج والاختلاط! وكيف لو رأت ضعف الإيمان وقلته، وقلة العلم بالسنة والشريعة! نسأل الله العافية والسلامة. فخرج ﷺ وتكلم للناس، فلما انتهى التفت إلى بلال بن رباح مؤذنه داعي السماء لأهل الأرض، الذي يقول فيه الشاعر وهو يتكلم عن المدينة: فاستفاقت على صباحٍ جديدٍ ملء آذانها أذان بلال بلال المتوضئ، الذي ما توضأ إلا صلى ركعتين، قصره كالربابة البيضاء في الجنة، لا نسب إلا التقوى، ولا سبب إلا لا إله إلا الله، ولا أسرة إلا لا حول ولا قوة إلا بالله وزاده في الآخرة، فأخذه ﷺ ليذهب به إلى النساء، فأتى إليهن متكئاً على بلال، وهذا فيه دلالة على يسره ﷺ وتواضعه. فلما دلف بطلعته البهية على النساء وكلهن متحجبات، فتكلم معهن وقال: ﴿تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، ثم توقف فقامت امرأة داهية من الدواهي ذكية وقالت: ما بالنا نحن أكثر أهل النار؟﴾. أي: ما هو السبب والعلة؟ وهنا فائدة وهي: أن الطالب له أن يناقش، وعلى المرأة المسلمة إذا لم تفهم قضية فيجب عليها أن تبعث للعالم فتسأله وتستفتيه. تقول: ما بالنا أكثر أهل النار؟ وما هو السر؟ قال ﵊ وهذا في حديث أبي سعيد: ﴿لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، لو أحسن إلى إحداكن الدهر ثم رأت منه شيئاً؛ قالت: ما رأيت منك خيراً قط﴾. فسكتن وأتين يتصدقن، فكن يلقين بما معهن من سخاب، وذهب، وحلي، وأخذ بلال يعرض ثوبه لأنها لبيت مال المسلمين، ويقول: [[فداكن أبي وأمي! فداكن أبي وأمي!]] فأخذ التبرعات. وهنا فائدة وهي: أن المرأة المسلمة لابد أن تشارك بكلمتها ومالها وحليها، وأنها لا يبقى لها إلا ما قدمت عند الله، وأن الحلي والكنز هو الأدب والزهد والعفاف يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ ويا حريصاً على الأموال يجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ وفي هذا الحديث قضايا سوف أتعرض لها. وهنا قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﴿ما رأيت ناقصات عقلٍ ودين﴾ وللمرأة المسلمة أن تتساءل: ما بالنا ننقص في عقولنا وفي ديننا؟ فنقول: قد فسر ذلك ﷺ : بأن المرأة تحيض فتمكث أياماً لا تصوم ولا تصلي، وأما عقلها فشهادة الاثنتين من النساء بشهادة رجلٍ واحد، وليس عليهن ذنوبٌ في نقص العقل، لكن ينتبه لهذا، وإلا فإن فيهن رشيدات، وشديدات، وعالمات، ومتقيات، لهن مكانة في الجنة، وموقف عند الله محمود ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]. منا الفواطم ربات العلا ولنا كل الزيانب هم أهل وعمات والله لو أنصف التاريخ أمتنا لسجل المدح عذباً وهو سهران ثم الرسول ﵊ عاش مع المرأة أباً، فقد كان له بنات، وعاش مع المرأة أخاً فله أخوات، وعاش مع المرأة زوجاً فله زوجات، ثم عاش قريباً فله عمات وخالات. وسوف نعرف في هذا الدرس كيف كان تعامل النبي ﷺ مع الجميع، لأنه هو القدوة، وما أتاك من سواه ومن غير بضاعته فاعلم أن فيها غشاً إذا لم توافق سنته وشريعته ﵊، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 4974

فضل الصدقة أما القضية الأولى: فقوله ﷺ في الحديث الآخر: (تصدقن) فيا معاشر المسلمات! الخطاب لكن أولاً، ثم أنتم يا رجال الإسلام! ويا أبناء لا إله إلا الله! ويا أحفاد محمد ﷺ ! تصدقوا. ما هي الصدقة؟ الصدقة لا حد لأدناها أو لأعلاها، أما أدناها فالبسمة، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأما أعلاها فاسمع إلى الله وهو يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والصدقة تطفئ الخطيئة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا تصدق المرء المسلم من كسبٍ طيبٍ ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يتقبله بيمينه ثم يربيه لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون كـ جبل أحد﴾. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل منكم في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس﴾ إلى غير ذلك من الأحاديث، ومنها ما في الصحيحين كقوله ﷺ : ﴿ما أصبح الصباح إلا وملكان يناديان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً﴾. وهي أنواع: أعظمها وأجلها الصدقة بالعلم، كما قال ابن القيم، ثم الصدقة بالنفس، بأن تسكب دمك في سبيل الله، وتبيع روحك من الله. يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ ومن الجود: الجود والصدقة بالوقت، تجد بعض المحسنين الصالحين صرف وقته للمسلمين، ليله ونهاره، لا راحة ولا نوم، كله للمسلمين حتى يقول ابن القيم مستشهداً: بعض العرب من كرمه يكرم ضيفه، فإذا تعشى الضيف قال له: أتريد أن تسمر سمرنا معك، أو تريد أن تنام نمنا، فإن قال الضيف: نسمر سمر معه وبذل وقته له، ثم قال: متيمٌ بالندى لو قال صاحبه هب لي فُديت كَرَى عينيك لم ينمِ يقول: لو طلب نومه من عينيه ما نام من كرمه أبداً، ويقول الأول: أحادث ضيفي وهو يقظان ساهر وعلمي به أن سوف يهجع بعدها يقول: أحادثه وهو سهران وأنا متعب، لكنني لا أريد أن أنام حتى ينام هو، وهذه صفة أهل الشيم والمروءة: الجود بالأوقات. ومنها: الجود بالأموال، فلا ترى حاجة إلا تفعل ذلك فيه، وإنما خص ﵊ المرأة بالملاحظة عليها في كثرة الصدقة؛ لأن من النساء بذيئات، يكثرن اللعن والسب والشتم، وهي خطايا ولا يطفئ الخطايا إلا الصدقات، فنبه ﵊ المرأة على أن تتصدق من جلبابها أو ثيابها، أو ذهبها، أو مالها، أو معروفها، وسوف تلقى ذلك كله عند الله ﵎. دخلت امرأة معها ابنتان -والحديث في صحيح مسلم - على عائشة ﵂ وأرضاها فسألتها حاجة، فبحثت عائشة فلم تجد في البيت شيئاً غير ثلاث تمرات، -في بيت النبي ﷺ وهو معلم البشر، وهادي الإنسانية، وماذا تفعل ثلاث تمرات مع امرأة وابنتين؟ لكن: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] فقامت فسلمتها التمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، وأرادت أن تأكل الثالثة ثم قسمتها بين ابنتيها، فتعجبت عائشة من رحمتها! ثم خرجت المرأة، فأتى ﷺ فأخبرته عائشة بالقصة، فقال ﵊: ﴿من ابتلي بابنتين من هذه البنات فأحسن تربيتهن وأدبهن وزوجهن فهو رفيقي في الجنة﴾ رفيق محمد ﵊ في الجنة، فمن شاء أن يفعل فليفعل، ومن شاء طريق الجنة فعليه أن يربي بناته في الإسلام تربية إسلامية، هذا شأن الصدقة الذي نص عليها الرسول ﷺ .

стр. 4975

حكم صرف الزكاة إلى الزوج ولما أمر ﷺ بالصدقة في المصلى -والحديث في الصحيحين - كان من ضمن الجلوس زينب امرأة عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ وأرضاه، فقامت فدخلت بيتها بعد سماع الموعظة، فأخذت حليها وذهبها وفضتها وخرجت من البيت فلقيها ابن مسعود وقال: إلى أين؟ قالت: أتصدق به، قال: أنا وولدك أحق من تصدقت عليه، فقالت: لا. حتى أسأل الرسول ﷺ . تقول أنا لن أصرف مالي فيك، وفي أولادك، يمكن أنك أردت إغرائي بهذا حتى تأخذ مالي، فلابد من فتوى، فقال: اذهبي أنت واسأليه، فذهبت ﵂ وأرضاها، والرسول ﷺ في البيت جالس وعند الباب حارسٌ هو بلال، فأتت متحجبة وقالت لـ بلال: أريد الرسول ﵊، قال: من أنت؟ قالت: أنا زينب امرأة ابن مسعود وفيه دليلٌ على أنه لا بأس بمعرفة الأسماء في الإسلام، إذا كانت المرأة عاقلة، ومحتشمة، ورشيدة؛ فذهب بلال فقال: يا رسول الله! زينب تستأذن عليك -وفي المدينة ما يقارب سبع أو ثمان زيانب- قال ﷺ وهو يتبسم: أي الزيانب؟ -فسر لنا من هي زينب هذه-: تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشت به زينبٌ في نسوة عطرات تهادين ما بين المحصب من منى وأقبلن لا شعثاً ولا غبراتِ قال: زينب امرأة ابن مسعود، قال: ماذا تريد؟ أدخلها. وفي لفظٍ أنها سألت مباشرة، وفي لفظٍ عند مسلم أن بلالاً قام بنقل الفتيا من الرسول ﷺ إليها ومنها إلى الرسول، فدخلت فقالت: يا رسول الله! زعم ابن مسعود﴾ وزعم هنا لمن لم يُتأكد من لفظه، وزعم للصدق، قال سيبويه: وزعم الخليل، يعني: وقال الخليل، يعني بصدق، ولكن استخدمت في القرآن بمعنى القول المموه الذي لا حقيقة له، قال : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. وقال جرير للفرزدق يستهزئ به: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ومربع هذا رجلٌ آخر. والفرزدق كان عدواً لـ جرير: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطولِ سلامة يا مربع يقول له: أنا أعرف الرجل فلا تخف منه، فإنه لن يذبحك أبداً، زعم الفرزدق أي: من قول مموه كذباً ودجلاً. فتقول: ﴿يا رسول الله! زعم ابن مسعود أنه هو وأولاده أحق من تصدقت بمالي عليهم، قال: صدق ابن مسعود﴾ فعادت فسلمت حليها ومالها لزوجها الفقير، وفيه دليل على أن المرأة تدفع زكاتها لزوجها، وهو ما أفتى به أهل العلم حتى الزكاة المفروضة يجوز دفعها للزوج إذا كان فقيراً، وفيه دليلٌ على أنها تتصدق على زوجها قبل الآخرين، وتدفع مالها لزوجها فهو أحق الناس ببرها ومالها، وكرمها وجودها، هذه هي فتواه ﷺ في مسألة الصدقة ومصارفها.
следующие страницы →