← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

الذنوب والخطايا المنتشرة اليوم الخطايا التي تواردت في الساحة على الناس لا تعد ولا تحصى، ولكن أذكر ثلاثاً من الخطايا، أو ثلاثة مشارب تنضم تحت مظلة قاصمة الظهر:

стр. 5182

الأغنية الماجنة وللمتسائل أن يتساءل: كيف جعلت هذا الحدث البسيط حدثاً كبيراً وهو ليس بالكبير! لكنه وجد أن هذه الأغنية الماجنة ركب عليها من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله، سفور المرأة، التهاون بالحجاب، الخلطة، الاتصالات الهاتفية الغير مسئولة، جريمة الزنا، اختلاط الأنساب، موت الأعراض والضمائر، كله من أسباب الغناء. قال ابن تيمية وابن القيم: "الغناء بريد الزنا" وهذان المُنَظِّران الكبيران العبقريان قد حذرا من هذه المغبة، وأمة جعلت قرآنها غناءها ووترها وموسيقاها، سوف تصل إلى الهاوية، لأنه يسبب العشق والوله، ويسبب التمرد على شرع الله، فالغناء يبغضك الطاعة والقرآن، ولذلك كان لبعض الناس كغلاة الصوفية غناء آخر، يأكلون قصع العصيد فإذا شبعوا قاموا يتراقصون على غنائهم، ثم يتكاوسون ويتساقطون، قالوا: مالكم؟ قالوا: سكرنا بحب الإله!! وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع فهذا هو غناؤهم، ولذلك من استعاض بالقرآن الغناء وقع في هذه وفي غيرها، ويصاب بمرض التهاون بالعبادات، فلا يأتي الصلاة إلا دباراً، يقول ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان والرسول ﵊ أخبر وقال: ﴿سيأتي أناس من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها لا يكون إلا بعد التحريم، وأمة لا تعرف إلا الغناء أمة ساقطة من المجد، متدهورة في عالم الحضارة، سبحان الله! كم خدر الشرق بل الشرق الإسلامي بالغناء الماجن، من المغنيين والمغنيات، وأما أعداؤنا من إسرائيل وأمثال إسرائيل فما عرف جيشها الغناء، في بحوث منشورة أن الغناء والموسيقى لا يدخلان الجيش الإسرائيلي، فما للمسلمين يدخلون الغناء ويسمعونه إلا من رحم ربك، وهذه المسألة خطيرة جد خطيرة.

стр. 5183

الصورة الخليعة من قواصم الظهر التي انتشرت وأفسدت كثيراً من القلوب والأعراض والبيوت: انتشار الصور الخليعة الماجنة، والصور السخيفة المتبذلة، وهي تتمثل إما في منشورات أو في مجلات، وهذه ليست بالأمر السهل، فهي تحتاج إلى كلام طويل، لكنني أردت أن تكون تحت مظلة القاصمة الكبرى من القواصم وهي قاصمة المعاصي لانتشارها، وأخذها وعدم التهيب من الله في تداول هذه المجلة بين الناس والنظر إليها، وهي من الفواحش الكبار، ومرض هواية القلب للصور مرض عجيب فتاك. ذكر ابن القيم في مدارج السالكين هذا المرض، وهو الوله بالصور والعشق لها، وذكر من الخطورات ما لا يعلمه إلا الله حتى تصل بصاحبها إلى درجة النفاق. من المسائل التي أريد التنبيه عليها أيضاً في آخر هذه المحاضرة شيئاً أشرت إليه في مقدمة الكلام، وهي مسألة الولاء والبراء. ولاؤك أيها المصلي وبراؤك لمن يكون؟! الله يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥] ويقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فمن تتولى؟ وممن تتبرأ؟ يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان﴾ لا يكمل الإيمان حتى يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليك مما سواهما، وهو حديث أنس كما في الصحيحين: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ أو كما قال ﵊. عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول: ﴿يا رسول الله! والله إني لأحبك أكثر من أهلي ومن ولدي ومن مالي إلا من نفسي، قال ﷺ : لا يا عمر! -أي ما استكملت الإيمان، ليس هذا هو المطلوب، ليس هذا هو الإيمان - حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك، قال: فوالله -لا يعرف المجاملة- الذي لا إله إلا هو إنك أحب إلي حتى من نفسي﴾ ﵁ وأرضاه، وصدق والله. وفي الترمذي عنه يقول: ﴿ودعت رسول الله ﷺ لأعتمر، فقال وهو يودعني: لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك، قال كلمة لا أريد أن لي الدنيا وما فيها﴾ وهذا غاية الحب. فالولاء والبراء لا يكونان إلا لله، ولا بد أن يفهم هذا حتى عند طلبة العلم والدعاة، وانظر إلى من ضل عن الصراط في الولاء والبراء، وقد سبق أن أشرت إلى أن بعض الناس يجعل ولاءه لبعض الذوات أو الأشخاص أو الهيئات أكثر من ولائه لله، كالأندية وبعض المغنيين وبعض المجلات، فهو يجعل ولاءه لهذه الأمور أكثر من ولائه للواحد الأحد، أحد المجرمين الفسقة الفجار وهو نصيري يقول: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني والله يتولاه ويحاسبه بالعدل، ويخزيه وأمثاله ممن لم يعرفوا الولاء لمن يكون، والبراء لمن يكون، كل من أحب الله واقترب من الله وجب عليك أن تواليه، فإذا كان تحت مظلة الإسلام مصلياً للخمس، فلا تنظر إلى أي أسلوب ينتهجه في الدعوة، ولا لأي مشرب؛ لأن بعض الناس يجعل اعتباراته اتجاهات وأساليب الدعوة فيوالي قوماً، ويتبرأ من آخرين على حسابها، فهذا أواليه لأنه وافقني في أسلوب الدعوة، وهذا أعاديه لأنه خالفني ولو كان هذا المخالف أتقى وأزهد وأعبد من ذاك، اتق الله في نفسك، أهذا دين يضيع؟ أهذه أوراق تحرق؟ أهذه ألعوبات؟ هذا دين الله . فيا أيها المسلمون! هذه اثنتان من قواصم الظهر. والكفر أمره بيِّن لكثرته وانتشاره في القرآن، ولم أشر إليه في العناصر إلا إشارة، أما النفاق والمعاصي فهي أكبر قاصمة من قواصم الظهر، بل هي قاصمة الظهر والدين، والأخلاق والشرف، يصاب الإنسان بمصيبة في ماله فيعدها القاصمة، يموت ولده فيعدها الرزية، لكن بعضهم يصاب بقواصم في اليوم الواحد في دينه وهو كالبهيمة لا يدري أنه أصيب. أيها الفضلاء! أيها النبلاء! أشكركم شكراً جزيلاً، ثم أشكر مركز الدعوة هنا بـ الدمام على أن تفضل ودعا وأحسن وأجاد وبذل وأعطى، نسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لكل من قدم شيئاً للإسلام، أو من رفع راية الإسلام، أو من أعطى في سبيل الله لرفع دين الإسلام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5184

الأسئلة

стр. 5185

الطريق الموصلة إلى العلم السؤال إني أحبك في الله يا شيخ وأريد أن أكون شيخاً، وأنا عمري أربعة عشر عاماً فما العمل لأكون شيخاً؟ الجواب الحمد لله، أحبك الله الذي أحببتنا فيه، أما قولك كيف تكون شيخاً فللشيخ معنيان اثنان: المعنى الأول: الشيخ الكبير في السن: زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا فإن كنت تريد أن تكون شيخاً كبير السن فتعرض للشمس كثيراً، وحاول أن تتعب، وحاول أن تقلل من الأكل حتى تشيب وتقترب من القبر فتسمى شيخاً، ونسأل الله لنا ولك حسن الخاتمة، والشيب مذمة عند النساء، لكنه مفخرة عند الرجال: عيرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرت بما هو عار وهو وقار في الإسلام، وأنت إذا شبت في الإسلام شيبة جعلها الله لك نوراً كما جاء في الأثر، وهذا النور والوقار والعقل سمة المؤمن. أما مقصودك وهو أنك تريد أن تكون شيخاً في العلم فعليك أن تأتي العلم من بابه، وذلك بأمور: الأول: أن تتقي الله في نفسك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فإذا اتقيت الله فتح لك السبل. الثاني: أن تكثر من الاستغفار والتوبة، فإن الاستغفار يفتح الله به مغاليق القلوب، ويفتح به عليك ما لا يدور بالخيال، ولا يخطر بالبال. الثالث: أن تنتهج التحصيل العلمي بوسائله الحديثة والقديمة، إن في مسجد في مسجد، أوفي كلية في كلية، أو ثانوية أو معهد، فتجمع بين هذا وذاك. الرابع: أن تحفظ وقتك في التحصيل، فإنه لا يكفيك أن تأخذ من رءوس الشجر، كالشاردة من الإبل لا تأكل إلا من رأس الشجرة، بل ينبغي عليك أن يكون وقتك جميعاً للعلم، للتحصيل وللمذاكرة، جلاسك طلبة العلم، زيارتك مع طلبة العلم، تثير المسائل ذاهباً وآيباً، مسافراً وحاضراً. الخامس: عليك بمنهجين، إما الحفظ أو الفهم، فإن كنت من أهل الحفظ وعندك دربة فابدأ ولا تُقدِّم على القرآن شيئاً، فابدأ بحفظه أو حفظ ما تيسر منه، ثم احفظ ما تيسر من الكتب كـ بلوغ المرام ورياض الصالحين وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأمثالها من المختصرات، وأما الفهم فاقرأ، وأكثر من الاستغفار فسوف يفتح الله عليك، خاصة في كتب الحديث الستة، ومسند أحمد وتفسير ابن كثير، وكتب ابن تيمية، وابن القيم: إذا أعجبتك خصال امرئ فكن مثله يك ما يعجبك فليس عن المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك سوف تلقى العون والتسديد.

стр. 5186

الكتب التي أخذ منها الدرس السؤال هذا أخ يسأل عن الكتب التي تتحدث عن موضوع المحاضرة؟ الجواب المحاضرة هذه جمعت من كتب، ومن قضايا موجودة، ومن استقراءات وتجارب، فهي ليست حفظاً من كتاب، ولكنها تدور في فلك الرقائق والتخويف من الذنوب، وأكثر من يتحدث عن هذا الجانب هو كتاب مدارج السالكين لـ ابن القيم، والفتاوى المجلد العاشر والحادي عشر لـ ابن تيمية، وكتاب جامع العلوم والحكم لـ ابن رجب، وتفسير ابن كثير فيه لمحات عن هذه القضايا خاصة في قضايا النفاق، هذه وأمثالها. أما القضايا العصرية فهي موجودة لكتَّاب الإسلام كـ سيد وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي، وما يشابه هذه الكتب.

стр. 5187

حد الرياء وضابطه السؤال هل من الرياء إذا كان الأخ المسلم مع إخوانه زادت جذوة إيمانه، وإذا خلا مع إيمانه وجد في نفسه شيئاً من الضعف؟ الجواب هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل: إن كان هذا الشاب وحده ليس له أصل يعود إليه ولا يفعل شيئاً ولو حداً أدنى، ثم إذا وجد مع الشباب فعل شيئاً فهو بنيته، والظاهر أن من يفعل هذا بدون أن يكون له رصيد من العمل أن فيه رياء، فليحذر وليتق الله فإن الأعمال بالنيات، والله أعلم بنيتك، فبعض الناس من عادته أنه لا يصلي الضحى، لكن إذا رافق الشباب في مركز أو مخيم أو رحلة قام يصلي الضحى لأنهم يصلون أو ليروه يصلي فهذا رياء وهو يدخل في باب الشرك كما تعرفون. لكن القسم الآخر الذي يحتاج إلى تفصيل؛ مما عرف أن الناس يتعاونون على الخير وهذا ليس من الرياء، اجتماعك مع الناس في مجالس الذكر فتذكر الله أكثر، ذهابك مع بعض الشباب فتقوم الليل معهم لأنهم ساعدوك وعاونوك وعاملوك؛ خالصاً لوجه الله، هذا من علامات القوة والنشاط والإيمان، لا من علامات الرياء والسمعة. ولكن هنا ضابط لا بد أن أذكره للإخلاص وهو أن تفعل مع الناس ما تفعله وحدك، إن كان من عادتك ومن هديك أنك تصلي الضحى فلا تتركها لأحد من الناس كائناً من كان، فإن العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجلهم رياء، والسلامة أن يعافيك الله منهما، إن كان من عادتك أن تصلي الليل فذهبت مع قوم فلا تخف أن يقولوا: إنك مراءٍ، فلا تصلي الليل، لا. بل صل الليل، لكن إن كان من عادتك ألا تصلي الضحى وذهبت معهم وأردت مدحهم فتصلي الضحى لأجلهم فهذا هو الرياء والعياذ بالله.

стр. 5188

هل هو منافق من لم يثب وثباً للصلاة ؟ السؤال بعض الناس نومه ثقيل، وإذا جاء أحد يوقظه لصلاة الفجر لم يثب وثباً كما كان يفعل الرسول ﷺ ، فهل هذا منافق؟ الجواب الوثب مضى معه ﷺ ومع القرن الأول، ونحن لا نقوم إلا سحباً، فالمقصود أنه جيد إذا قام الفجر ولو سحباً بأرجله إلى آخر الدرج ولا بأس، فإذا حضر الجماعة فلا يسأله الله أقمت وثباً أو سحباً، فإنما ذكرت هذا لأنه في صحيح مسلم: ﴿قال: إذا سمع الصارخ وثب﴾ والرسول ﷺ أدرى بمدلولات الكلمات وهذه الحركات، لكن في الأخير لا نقول هل قمت وثباً، أو قمت سحباً، أو قمت على جنب، أو على الأيدي أو الأرجل، إنما المقصود أن يصلي صلاة الفجر، وإذا صلى صلاة الفجر وداوم عليها فهو من أهل الخير والاستقامة والصلاح.

стр. 5189

كيف يعرف الإنسان إيمانه ؟ السؤال كيف يكتشف الإنسان أنه منافق أو مؤمن؟ الجواب المؤمن يخاف من النفاق ويحذر منه، كلما عمل شيئاً راقب نيته وشك، وأتى فيه تذمر وتلوّم وعتاب لنفسه، وتمرير وشعور بالخطأ، فهذا هو الذي يشعر بالذنب، أما المنافق فلا يشعر بهذا أبداً، يأخذ الكبائر من الذنوب ويسحقها تحته، ويقول: أنا مخلص، تقول: أنت منافق؟ ويقول: لا. أنا مخلص، تقول: أنت -يا أيها البعيد! - كاذب، ويقول: بل من الصادقين إن شاء الله، تقول: أنت تريد السوء للإسلام!! ويقول: بل أريد الخير: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢]. هذا ومن علاماته أيضاً: أن المؤمن يعرض نفسه على الكتاب والسنة، فيحذر من النفاق العملي؛ لأن النفاق الاعتقادي صاحبه والعياذ بالله، في الدرك الأسفل من النار، فلا يكذب إذا تكلم، ولا يخلف إذا وعد، ولا يغدر إذا عاهد، ولا يفجر إذا خاصم، ومثل هذا ونحوه.

стр. 5190

شروط جواز لعب كرة القدم السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، ولكنني أحب نادياً معيناً، وأتمنى دائماً أن يفوز، وبعض الأحيان أشاهد مبارياته عن طريق التلفزيون، فما رأيكم في ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب الأخ الذي ذكر هذا لا لوم عليه في هذا، لكن لا بد أن أفصل له الكلام، النوادي كنواد هي لا تحرم لأمكنتها، فأمكنتها مثل أمكنة مجالس الناس وبيوتهم، تراب وشجر وماء وحجارة، لكنها تأخذ الصفات لما يحدث فيها، وغالب النوادي إلا ما رحم ربك يخاف عليها من ثلاث قضايا كبرى: أولها: مسألة الولاء والبراء، فهم في المعتقد يوالون ويعادون لغير الله، ويرضون ويغضبون لغير الله، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لغير الله ، وهذا ليس بصحيح، فهو خرم في المعتقد والتوحيد الذي أتى به محمد ﵊. ثانيها: ويخشى عليهم من قضية كبرى ثانية وهي قاصمة من قواصم الظهر وهي: ترك الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها، فإذا أخرت عن وقتها حتى خرج لا يقبلها الله أبداً من أهل الملعب جميعاً، وهذا معروف، من ترك الصلاة بغير عذر حتى يخرج وقتها فقد انتهى، فصلاته انتهت فلا صلاة له، وهناك خلاف بين أهل العلم هل يقضي أو لا يقضي؟ ورجح كثير منهم ألا يقضي لأنه في تلك الفترة تركها متعمداً فهو كافر، لكن عليه أن يتوب ويعود إلى الإسلام. ثالثها: قضية كشف العورة والتبذل في اللعب، والإسلام يأمر بالستر. وهذه القضايا أكثر ما يدار في النوادي، فإذا خلت من هذه الأمور فهي كغيرها، بشرط أن تكون في وقت محدد، لا تطغى على وقت الجد، ولا تعارض الصلاة، ولا تدخل في المعتقد فيكون الولاء والبراء من أجلها ، وتكون بلباس ساتر فلا بأس، ولا بأس أنك تحضر وتلقي كلمة، وتؤثر في الشباب؛ لأن بعض الناس يتوخى، أو إذا نظر إلى النادي من بعيد وقال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) وهذا ليس بصحيح، الذي في المسجد لم يأت إلا ليصلي، ونحن لا نتكلم إلا في أهل المسجد، يصلون المغرب فنقوم بعد صلاة المغرب، فنقول: صلوا يا عباد الله! اتقوا الله لا يعذبكم الله بالنار، وهم أتوا يصلون قبل أن يسمعوا الكلام. لكن أهل المقاهي أهل الملاهي أهل النوادي من يدعوهم؟ الرسول ﷺ ذهب إلى سوق عكاظ وخطب، وسوق مجنة وذي المجاز، وعرض نفسه على العرب، فكان يأتي إلى السكارين المكارين الذين يعاقرون الخمر والكأس بأيديهم ويتكلم معهم ﷺ ، يدخل على المنافقين واليهود والنصارى ليعرض دينه وإسلامه، فالناس لا يأتونك وأنت في المسجد، ولا في زاوية المسجد ويسألونك: هل روى قتادة عن الأعمش أو الأعمش عن قتادة؟!! فهم ينتظرون من يأتي ليوصل لهم هذا الدين، والرسول ﷺ لم يأب يوماً من الأيام وسيلة مباحة في خدمة الإسلام والدين. أتاه ركانة وهو مصارع جهبذ كبير، فقال: لا أسلم حتى أصارعك!! وهو أقوى رجل في العرب، فقام رسول الله ﷺ -ما دام أن فيها خدمة لرفع لا إله إلا الله وانتصار الإسلام فلا بأس- فصارعه، فصرعه المصطفى ﷺ ، وحمله ثانية ﷺ وطرحه أرضاً، وثالثة: فأنزله أرضاً، فشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وأن محمداً رسول الله. فبعض الناس لا يدخل الإسلام حتى تكون أرجله فوق رأسه. فالمقصود أن هذه من الوسائل المباحة، بشرط الوسائل. وأنبه أهل النوادي إلى ألا يجعلوا النوادي غايات، فليست غايتنا أن نعلم الناس الكرة، فالأوروبيون علمونا الكرة، وبنوا لنا القصور ومدوا الجسور، فلن نغلبهم في هذه المستويات أبداً، والله لم يرسلنا للناس لنبني قصوراً، ونصنع لهم ثلاجات وطائرات وبرادات، لكنه أرسلنا لنهدي الناس، ولندلهم على طريق الجنة، ولنوجههم إلى الصراط المستقيم. فقضية أن رسالتنا لعب كرة ليس بصحيح، بل رسالتنا دعوة، ومن وسائلنا الرياضة، فحبذا أن المنتخب إذا ذهب إلى أوروبا أن يحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله، أحد علمائهم يقول: أهدينا لكم الثلاجة والبرادة والسخانة وما أهديتم لنا الإسلام. أحد دعاة الإسلام سكن في ميونيخ في ألمانيا، فيوم سكن هناك رأى لوحة مكتوب عليها: أنت لا تعرف إطارات يوكوهاما، فكتب تحتها بالألمانية: وأنت لا تعرف الإسلام، إن كنت تريد أن تعرف الإسلام اتصل بتلفون كذا وكذا وأعطاه التلفون، فكانوا يتصلون عليه، فهدى الله على يديه مائتي ألف ألماني؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إلى أن يعرفوا إطارات يوكوهاما، لكنهم بحاجة إلى أن يعرفوا طريق الجنة، وكيف ينجون بأنفسهم، كيف يخرجون بأنفسهم من النار والعار والدمار، هذا أمر، فأما أن نعلم الناس الكرة فهم الذين علمونا.

стр. 5191

ماهية الرياء السؤال إذا وجد الإنسان بعض الصفات التي قلتها في نفسه، ولكنه لم يقصد الرياء أو النفاق أبداً؟ الجواب لا أعرف ما تريد، تقول: وجدها في نفسه ولم يقصد، هو لم يجدها إلا لأنه فعلها: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال: اسأل من يدقني. فكيف يكذب ويقول: أنا لا أقصد الكذب؟! إنسان أتى فصفعه أخاه في الله، يحبه في الله كثيراً لكنه صفعه على وجهه فغضب أخوه وقال: مالك؟ قال: أحبك في الله، وإنما ضربتك على وجهك وأنا لا أقصد هذا. وبلورة هذه الأمور إلى نيات ومقاصد هو من فعل أهل الابتداع والمعاصي، لماذا لا تصلي في المسجد؟ قال: يعلم الله أني أحبه، والله أدرى بالمحبة، لكن ما استطعت، ولو كان محباً لأتى. تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فأنا لم أفهم هذا السؤال، إلا أنك لو فعلت ذلك فهذه العلامات فيك، ولو أنك أنكرت بلسانك.

стр. 5192

المؤمن قد يصاب أحياناً بالرياء والنفاق السؤال هل يصاب المؤمن ببعض النفاق أو الرياء أحياناً؟ الجواب نعم. يصاب المؤمن ببعض النفاق والرياء أحياناً، وهي نسب متفاوتة، فبعضهم يأخذ المركز الأول في مسألة النفاق، فلا ينافسه ولا يسابقه أحد عليه، ومنهم من يأخذ المركز الثاني والثالث والمائة وبعد المائة، فالناس نسب، ويخلص منهم قوم قليلون صادقون متقون، ولكن كفارة الرياء أن تستغفر وأن تقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾ وأن تعرف أن النافع الضار، الخالق البارئ، المحيي المييت هو الله ، الذي يثيبك ويجازيك.

стр. 5193

صور الشعور بالنقص وحكمها السؤال أحدهم لديه مشكلة وهي أنه يحس أحياناً بالتقصير بين زملائه، فدائماً يشعر أنه ناقص بينهم، فما هو الحل؟ الجواب إن كان شعورك بالنقص في الدين فهذا من الخير لك، وهذا من عظمتك ومستقبلك؛ لأن المؤمن يشعر بالنقص في دينه دائماً، وهذا أمر طيب، وأبشر بخير، وعليك أن تستشعر هذا، لكنها لا تقعدك ولا تحبطك عن مسيرتك، واصل واتق الله، وزد من الأعمال الصالحة واشعر بالنقص دائماً. وإن كان نقصك وشعورك بالنقص لأمور دنيوية فليس بصحيح، تشعر أن هذا لونه أبيض وأنت لونك أحمر، أو هذا أطول وأنت أقصر، أو هذا من أسرة كذا وأنت من أسرة كذا، نحن في الإسلام ليس عندنا معامل ولا ألوان ولا دماء ولا أجناس، بل نحن نتعامل مع آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. بلال عبد وقصره في الجنة كالسحابة البيضاء، أبو لهب قرشي هاشمي يتردى ويعذب في النار أبد الآبدين. فإن شعرت بالثاني فأنت مقصر ومخطئ وعليك أن تتوب، وإن شعرت بالأول فأنت فائز مفلح عليك أن تواصل.

стр. 5194

من أشكال التحريف اللغوي المعاصر السؤال إن بعض الناس يقولون: إن كلمة (مطوع) معناها حمار، فهل هذا صحيح؟ الجواب افترى من قال هذا الكلام، وهذا أحد رجلين: إما رجل جاهل لا يعرف اللغة العربية، أو رجل يريد أن يرد على كلمة الفنان أنه الحمار المخطط، فيريد أن يرد الكُرة في مرمانا مرة ثانية. لكن نقول: من حيث اللغة العربية والإسلام هذا ليس بصحيح، فمطوع كلمة عامية مأخوذة من الطائع لله ، وقد سماه العوام وبذلوها لكل من استقام، وأخذها أهل الاستهزاء لكل أحد من العلماء والدعاة والملتزمين والأخيار. ومفهوم المخالفة أن الناس قسمان: مطوع وعاصٍ، فأما هذا فطائع فنسميه طائعاً، وأما ذاك فنسميه عاصياً، لكنه لا يقول لأحدكم (مطوع) ثم يسكت، لا. بل قل: وأنت عاصٍ.

стр. 5195

حكم مشاهدة المصارعة على التلفاز السؤال ذكرت في محاضرتك مصارعة رسول الله ﷺ ، فهل يفهم من ذلك جواز مشاهدة المصارعة في التلفزيون؟ الجواب سبحان الله! فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى تأتي برسول البشرية ومعلم الإنسانية وهادي الناس جميعاً ومزعزع كيان الوثنية ﷺ إلى أناس ليس لهم مبادئ ولا أخلاق، ولا إيمان ولا حب، ولا طموح ولا رسائل في الحياة، يأكل أحدهم كما يأكل الحمار، ويركض كما يركض الحمار، ويتعرى كما يتعرى الحمار ويصارع!! وتجوِّز هذا بهذا لشتان!! وهذا لا يحتاج إلى كثير من التعليق، فالحقائق موجودة والواقع يشهد ولن نطيل الكلام.

стр. 5196

حكم المغازلة السؤال لي أصدقاء يقولون: إن المغازلة حلال، فلم تحرمون -يا شيوخ- الحلال، فما رأيكم جزاكم الله خيراً؟ الجواب هذه الأسئلة بعضها يحتاج إلى تحقيق، لا أدري من أين تخرج هذه الأسئلة، أما أن المغازلة حلال، فقد افترى على الله ، وافترى على رسوله ﷺ ، وافترى على الإسلام، وكذب وأخطأ، وأفك وأثم، فعليه أن يتوب ويستغفر الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] وهذا الأمر من أنجس الأنجاس، ومن أشد الحرام، ومن أبعد الأمور عن الله ، وعن رسوله ﷺ ، وهذا كما يفعله الذين يفعلون الفاحشة ويقولون: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]. إذاً: فقد كذب هذا الذي قال إنها حلال، لا والله ما أحلها الله، ولا أحلها رسوله ﷺ ، ولا أحلها دين الله ولا كتابه ولا سنة رسوله ﷺ ، ولم يحلها عالم المروءة والأدب وعالم النخوة والتحفظ حتى في غير أمة الإسلام. فهذا الأخ عليه أن يتقي الله، وأن يعلم أن هذا الدين دين أصالة، ودين رسالة خالدة، ليس تفكهاً. وأنا إذا أوردت بعض الدعابات فهي من قضية الدرس أن يعرض هكذا، والدعابة واردة، لكن في حدود الدعابة، أما أن يتطاول إلى هذا الجدار الذي لا يخترقه الصوت والذي دونه السيوف وخرط القتاد، فيأتي إلى أن ينقض قضاياه فهذا كفر ونفاق، والعياذ بالله.

стр. 5197

دعوة الكفار إلى الإسلام السؤال يوجد معنا في العمل أجانب كفار أمريكان وإنجليز وفلبينيين وغيرهم، وندخل ونخرج ولا نقول لهم أي كلمة في الدعوة إلى الإسلام؟ فهل علينا ذنب إذا لم ندعهم إلى الإسلام؟ الجواب لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، من حيث الأصل أن تدعوهم وأن تكون داعية لهم إلى الإسلام، هذا من حيث الأصل، لكن هذا الأصل يختلف باختلاف الناس وطاقاتهم وأحوالهم، إن أعطاك الله قوة في الدعوة، وأعطاك لغة وأسلوباً فعليك أن تدعو، وكل بحسب طاقته وجهده، وأنا أدعوك أن تكون داعية لهم، ولكن بالتي هي أحسن، تبصرهم بمحاسن الإسلام، تدعوهم تدريجياً إلى دين الله ، تحبب لهم هذا الدين الخالد بهذا الأمر. أما إذا عجزت، فلم يكن عندك لغة تخاطب، ولا تستطيع هذا، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعليك أن تتقي الله في دينك، وأن تحفظه منهم، والله معك.

стр. 5198

حتمية تنظيم المحاضرات والدروس السؤال ديننا دين النظام والترتيب، ولكن في التجمعات الإسلامية مثل هذه المحاضرات والدروس يلاحظ عدم الترتيب والنظام، وذلك والله أعلم راجع لعدم فهمهم للإسلام فهماً كلياً، فهل من توجيه لهؤلاء؟ الجواب أنا أؤيد ما قاله الأخ، وهذه حقائق موجودة في الإسلام أنه دين النظام، في البداية والنهاية لـ ابن كثير أن سعداً ﵁ لما حضر بالمسلمين في معركة القادسية كانوا ثلاثين ألفاً، فقام يصلي بهم، فكلما كبر كبروا، وهذا هدي الإسلام في الصلاة مع الإمام، وكلما ركع ركعوا، وكلما رفع رفعوا، ورستم قائد الفرس ينظر إليهم من وراء جبل، فلما رآهم في هذا النظام العجيب عض على أنامله وقال: علم محمد الكلاب الأدب، وهو الكلب، بل علم ﷺ الأمة الأبيض فيها والأسود الأدب والإيمان، والحب والطموح: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. وحبذا أن نكون أهل نظام، وترفع، ورقة، ومسارات صحيحة، نأخذ أدبنا من كتاب الله ومن سنة رسولنا ﷺ ؛ لأننا نعرض الإسلام على الناس، والإسلام لا يعترف بالدروشة، بعض الناس يظن أنه إذا خرب هيئته، وعكس غترته، وقلب طاقيته أن الله يرفع درجاته في الجنة!! لا. لا يدخل الإنسان الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، والرسول ﷺ يقول في حديث حسن: ﴿تزينوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس﴾ ويقول في صحيح مسلم: ﴿لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: يا رسول الله! إني أحب أن تكون نعلي جميلة، وثوبي جميلاً، أفمن الكبر ذلك يا رسول الله؟ قال: لا. إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾ أي: رد الحق وازدراء الناس. فأنت لا بد أن تكون مهذباً في جلوسك ومسيرتك، وخروجك ودخولك حتى تظهر أن هذا دين الإسلام والروعة والنظام.

стр. 5199

تعريف بالشيخ عائض وبعض قصائده السؤال فضيلة الشيخ: هلاّ عرفت لنا نفسك؟ وكم قصيدة ألفت؟ وهل تكرمنا بسماع بعض الأبيات التي من إنشائك؟ الجواب أما التعريف فأمر سهل، لكن القصائد هي على اختيار الإخوة؛ إن كان عندهم رغبة ويحددون بعض القصائد أورد ذلك إن كان في الوقت متسع: أخوكم في الله عائض بن عبد الله القرني هذا التعريف. أما مسألة المواليد فهذه تاريخ الأموات لا تاريخ الأحياء، ولم يقل متى ولد عمر بن الخطاب؟ وهم من عظماء الإسلام، ونحن من نحن معه! ولكن اهتم المسلمون كثيراً بالمواليد في التواريخ ماذا أكل وماذا شرب، وماذا تغدى، وكيف نام، وكيف ذهب، وهي تواريخ الأموات، إنما تاريخ الأحياء: ماذا عمل للإسلام؟ ماذا قدم في رفع لا إله إلا الله؟ هذا تاريخ الأبطال من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أما القصائد فلدي قصائد، منها قصيدة للأمة الإسلامية وعنوانها: أمريكا التي رأيت، وقصيدة البازية للشيخ عبد العزيز بن باز، وقصيدة لأهل القصيم. فأما قصيدة أمريكا التي رأيت فهي قصيدتان، جدية وهزلية، أما الهزلية فلا أذكرها، وأما الجدية فهي تخاطب الأمة الإسلامية: يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال موتاً أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بـ مجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد كانت هناك زيارة لـ أمريكا، فقلت: أني ما زرتها لأجلها ولكن من أجل مقاصد أخرى: ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام قد زادني مرأى الضلال هوىً إلى البيت الحرام وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام وأما قصيدتي في الشيخ الفاضل الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فأنا مسبوق وقد تكررت في مناسبات، ولكن لا بأس أن تتكرر، والشيخ ممدوح بقصائد كثيرة أذكر بعض مقتطفات، يقول المجذوب في مدحه: روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي وقال عالم المغرب المحدث تقي الدين الهلالي: خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثناء أحرى وزهدك في الدنيا لو أَنَ ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا وأما البازية فقلت فيها لسماحته: قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجاف وتعرفون كلكم الصحيحين والذي لا يعرف الصحيحين كأنه لا يعرف شيئاً بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دُراً غير أصداف أقبلت في ثوب زهد تاركاً حللاً منسوجة لطفيلي وملحاف تعيش عيشة أهل الزهد من سلف لا تبتغي عيش أوغاد وأجلاف أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعاف يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف أما قصيدة أهل القصيم، فكانت زيارة لـ بريدة وعنيزة: قل للرياح إذا هبت غواديها حيي القصيم وعانق كل من فيها كان عندي مقطوعة وقلت بالمناسبة أن يكون نادي الاتفاق فما أتى الوفاق لنادي الاتفاق فما كان هناك سلام ولا عناق فجعلنا هذه القصائد حتى يتسنى لنا في اجتماع آخر لنحيي هذه الوجوه، أهل الدمام والظهران والأحساء والجبيل ومن جاورهم من الأعراب، فالمقصود: قل للرياح إذا هبت غواديها حيي القصيم وعانق كل من فيها واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تُنسى لياليها أرض بها علم أو حاذق فطن يروي بكأس من العلياء أهليها عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانيدها والحق يرويها ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقر ابن سينا بواديها سقراط المجرم الذي أفسد عقائد الناس، هذا تعليق على الشعر ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقر ابن سينا بواديها ولـ ابن تيمية في أرضهم علم من الهداية يجري في نواحيها إذا بريدة بالأخيار قد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها محمد الصالح المحمود طالعه البارع الفهم والدنيا يجافيها له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يعزف الأشواق مهديها سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5200

تحريم التمييز العنصري لقد كثر في هذه الأيام التحدث عن القومية العربية التي تعتبر دعوة عنصرية، ولكن دين الإسلام يحرم هذا التمييز العنصري، فالنبي ﷺ غضب غضباً شديداً على أبي ذر عندما قال لبلال: يا بن السوداء. وقال له النبي ﷺ (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) وهذا يدل على عظمة هذا الدين وإلى عدله وسماحته.

стр. 5201

المجاهدون الأفغان الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً ومنيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، ﷺ ما تضوع مسك وفاح، وما غرد حمام وصاح، وما شدا طير وناح، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الصائمين المصلين المجاهدين وسلم تسليماً كثيراً. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحي الله من حيانا. إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا لم يبلغ العشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا ولقد أحسنتم يوم قرأتم في صلاتكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] أنا أريد أن أتحدث عن المجاهدين الأفغان، فوافقني الإمام في قراءة هذه الآية وسبق لي البارحة أن تحدثت قبل الدرس عنهم؛ لأن العالم يقف مشدوهاً، شاخص الأبصار، وينظر إلى السجدات الإيمانية، وينظر إلى البطولات الإسلامية، ينظر إلى أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. في فتية من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدى صوتاً ولا صيتاً قوم إذا قابلوا كانوا ملائكة حسناً وإذا قاتلوا كانوا عفاريتا نعم إنه الإيمان، وإنه الإيمان الخالص، الذي يقول لأصحابه، قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، أتت روسيا الملحدة الكافرة الزنديقة تحارب الله من فوق سبع سموات، فخرج المتوضئون المصلون الصائمون المجاهدون يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] يذبحون الروس على الطريقة الإسلامية، وهذا جائز عند الناس أن يذبح الكافر على الطريقة الإسلامية، ومن قال لك: إن ذبحه حرام؟! بل يجوز بالإجماع، بإجماع المجاهدين الأفغان، وفر الروسي وهو يجر ذيل الهزيمة والخيبة واللعنة: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] واقترب فتح كابل فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا، بل كنا قوماً ظالمين. أيها الإخوة! أيها الأبرار! أيها الصالحون! إن النصر يطلب من فوق سبع سموات: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]. وقد جربنا مع إسرائيل أكثر من ثلاثين سنة، لكننا ما أخذنا النصر من فوق سبع سموات، طلبنا النصر من جنيف، فما أتى نصر، وطلبناه من هيئة الأمم المتحدة، فما أتى نصر، وطلبناه من مجلس الأمن، فما أتى نصر. أما المجاهدون فقال لهم الناس: تعالوا إلى مجلس الأمن، قالوا: كفرنا بـ مجلس الأمن وآمنا بالله وحده، قالوا: تعالوا إلى جنيف، قالوا: كفرنا بـ جنيف وآمنا بالله وحده، تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة الظالمة المشاغبة، قالوا: كفرنا بـ هيئة الأمم المتحدة، وآمنا بالله وحده، فانسحب أعداؤهم. فروا على نغم البازوك في غسق فقهقت بالكلاشنكوف نيران يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرسان والآن تشرف طلعات الإيمان، ويشرف العلم، وتشرف طلعات خالد بن الوليد، وسعد وصلاح الدين. من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري وإذا نزل القرآن والحديث والسنة والإسلام في الساحة، لم يبق مارد ولاجبار ولا عاتية ولا طاغية أبداً، بل ينصر الله من يشاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. هذه مقدمة، وحديثنا الليلة.

стр. 5202

النبي ﷺ يتحدث إلى النساء طلب مني بعض الأخوة، أن نعود بشيء من العود إلى درس البارحة؛ لأنه يهم النساء، يهم بنات حواء، ويهم حفيدات أسماء وزينب، هو حديث عن النساء، ولكنني لا أذكره كله؛ لأن المكرر مغرر، والنفس مولعة بمعاداة المعاد، وإعادة الحديث على الرجال أثقل من حمل الصخور من الجبال، لكنني أعود بشيء من الإيجاز بقالب آخر، يقول البخاري ﵀ رحمةً واسعة: باب كفران العشير وكفر دون كفر، حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: مارأيت منك خيراً قط﴾ وهذه رواية ابن عباس والبخاري يقول في الباب نفسه عن أبي سعيد الخدري، أي: أنه ورد عن هذا وورد عن ذاك، وهذا الحديث يحمل الرقم السابع والعشرين، وقد سبق شرحه في مكة الليلة البارحة، لكن أعود بإيجاز، خرج ﷺ يصلي بالناس صلاة العيد فلما لبس لباس الجمال ووقف أمام المصلين يحيى القلوب. كما قال شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم فلما انتهى من الرجال، قال لـ بلال: ﴿انصرف بنا إلى النساء، لنحدث النساء﴾ إنه رسول الرجال والنساء، إنه داعية الرجل والمرأة، إنه الذي أحيا الجيل عليه صلاة الله وسلامه، فاتكأ على كتف بلال بيده الشريفة، وكان النساء يخرجن إلى المصلى في صحيح البخاري من حديث أم عطية: ﴿أمر ﷺ النساء أن يخرجن وأن تعتزل الحيض المصلى﴾ فالمرأة لها أن تحضر الدروس الإسلامية والمحاضرات، محتشمة متحجبةً عاقلةً حافظةً للغيب بما حفظ الله. لتسمع كلمات النور والهداية، لتسمع كلمات الإيمان، وتتأثر؛ لأن جلوس المرأة في بيتها، ثم لا تصلها دعوة ولا نور ولا إيمان ولا قال الله ولا قال رسوله ﷺ ، ليس بصحيح، والمرأة نصف المجتمع أو أكثر، فمن هذا الدرس نأخذ أن الرسول ﵊ تحدث إلي النساء وتكلم في النساء، وخاطب النساء، أتى إليهن، فوقف عليهن ﷺ ، فكان أول ما تكلم به بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله أن قال وهذا في حديث أبي سعيد: ﴿تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة -عاقلة رشيدة جريئة شجاعة- وقالت: ولم؟ -لم يا رسول الله نحن أكثر أهل النار؟ - قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير﴾ ثم بين ﵊ السبب.

стр. 5203

ما يستفاد من حديثه ﷺ للنساء وفي هذه الأحاديث حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس دروس للنساء، ألقيها موجزةً لأدخل درس هذه الليلة، درس جدة. الدرس الأول للنساء: أن عليهن أن يتقين الله وأن يكثرن من الصدقة، والسبب في مخاطبتهن بالصدقة؛ لأنهن كثيرات الغفلة، وكثيرات السهو وكثيرات السب والشتم، وجحدان المعروف، ونكران الجميل، فعليهن أن يكثرن من الاستغفار والصدقة، أن تبذل إحداهن من حليها من قميصها من دراهمها، من مالها من جاهها لمن يستحق ذلك والله يأجرها.

стр. 5204

الإسلام يهتم بالمرأة الدرس الثاني: اهتمام الإسلام بالمرأة، وما افترس مجتمعنا ولا ضاعت قيمنا ولا ضاع شبابنا؛ إلا يوم ضاعت المرأة، الرسول ﵊ يقول: ﴿ما تركت بعدي أضر على الرجال من النساء﴾ ويوم خرجت المرأة متبرجةً سافرةً، تحضر الولائم الداعرة، المغضبة لله ؛ حينها انطلقت العيون، وحينها ذهبت القلوب وشردت الأرواح.

стр. 5205

واجب على المرأة أن تطلب العلم الشرعي الدرس الثالث: أن على المرأة أن تجتهد في طلب العلم الشرعي، وأن تسأل عن أمور دينها، فإن الرسول ﵊ سألته النساء في حياته، وقد سلف معنا نماذج من ذلك، لا أكرر هذا، بالإمكان أن يجدن الشريط أو شريط أحد الإخوة الدعاة، فإن في ذلك بياناً، فلا تستحي المرأة من الحق أن تسأل عالماً أو داعيةًَ، أو تستفسر حتى تعبد الله على بصيرة، في أمورها في طهرها في حيضها، في صلاتها في صيامها، وهذه هي المرأة المسلمة. وكذب من يقول: أن الإسلام لم يهتم بالمرأة، كذب أعداء الله، والله ما عرف حق المرأة إلا الإسلام، والله ما أقام للمرأة حقاً إلا الإسلام، ومن أعظم حقوق المرأة، أن تكون درةً وجوهرةً في بيتها، محميةً محجبةً محروسةً، ولكن دعاة الباطل يريدون الفاحشة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. يقول شاعرهم الماجن المتهتك الداعر: مزقيه مزقيه يعني الحجاب. ويقول الآخر: المرأة في بلادنا ما زالت متخلفة! متخلفة يا عدو الله يوم تحافظ على صلواتها الخمس؟! ومتخلفة يا عميل الشيوعية يوم سجدت لله، وطهرت قلبها وأحصنت فرجها، وحفظت بيتها وربت أبناءها؟! لقد أخطأت كل الخطأ، بل هي متقدمة حرة جوهرة مصونة، فاستحي من الله ﵎.

стр. 5206

الحديث الأول عن تحريم التمييز العنصري وشرحه وأعود إلى هذه الأحاديث التي معنا هذه الليلة، الحديث الثامن والعشرون: عن أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: ﴿ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي ﷺ : أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفتموهم فأعينوهم﴾ هذا الحديث في البخاري من رواية أبي ذر، وهو الذي معنا. وعنوانه تحريم التمييز العنصري، عنوان هذا الحديث تحريم التمييز العنصري، يقول أبو ذر: ﴿ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي ﷺ : أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم﴾ أو كما قال ﵊. السؤال من هو الرجل الذي سابه أبو ذر؟ ثم كيف يكون في أبي ذر جاهلية وهو من خواص الصحابة والمقدمين في الصحابة ومن الزهاد والمجاهدين والعباد؟ ثم نبذة عن أبي ذر وحياته، ثم مسائل عن موقف الإسلام من التمييز العنصري، والطبقات واختلا ف الدماء والألوان والصور. أولاً سياق القصة في غير البخاري: اجتمع خالد بن الوليد في مجلس عسكري رهيب، مع كبار الصحابة، يريد غزوة من الغزوات، ولما انعقد المجلس تكلم الناس -أنا لا أعرفكم بـ خالد بن الوليد أنتم كلكم تعرفون خالداً، هو قائد وهو رئيس المجلس والجلسة- فلما دار الأمر والرأي، تكلم أبو ذر بكلمة، فعارضه بلال بن رباح، داعية السماء مؤذن الإسلام، الذي أذن في أذن المدينة، فانسلخ الشرك من أخمص قدميها إلى مشاش رأسها، فاستفاقت على أذان جديد ملأ آذانها أذان بلال. قم يا بلال أعد نشيدك في الورى للعالمين وسجل الإنذارا ودع التماثيل التي صورت جذذاً ومزق عبدها الخوارا وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا بلال جاء من الحبشة يريد النور والهداية، وأبو طالب وأبو لهب لم يهتديا لكن بلالاً عرف الحق واليوم الآخر وعرف طريقه إلى الجنة، فعارض أبا ذر في رأيه، فغضب أبو ذر، وكان في أبي ذر رضي عنه حدة وسرعة غضب، وهذا فيه دليل على أن الأولياء قد يكون فيهم حدة وغضب، وقد يكون الولي بخيلاً، وقد يكون جباناً، ولكن لا يكون كذاباً. فلما عارضه، قال أبو ذر: حتى أنت يا بن السوداء؟! وهذه كلمة غير صحيحة، بل كلمة خاطئة، هذه كلمة لا تصدر في مجتمع مسلم رباه الرسول ﵊، لون بلال أدخله الجنة، لكن ليس للونه بل لعقيدته ولمبدئه دخل الجنة، وأين لون أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل، أما دخلوا وهم بيض مصاقيع النار!، ما نفعهم لونهم عند الله. وفي صحيح مسلم قوله ﷺ : ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾ أيقال في المجتمع المسلم الذي رباه ﷺ (يا بن السوداء)؟! وقال بلسان الحال أنت يا أبا بكر، أنت يا أبا بكر القرشي، أخ لـ بلال الحبشي، وأنت يا عمر الكعبي أخ لـ سلمان الفارسي، أنت يا علي بن أبي طالب الهاشمي أخ لـ صهيب الرومي. هذا هو الإسلام: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. توقف المجلس على غضض وانسل الناس من أمكنتهم وقام بلال سريعاً إلى من يطرح القضية؟! هذه قضية الساعة لا بد أن تدرس، ذهب إلى المصطفى ﵊، وشكا إليه أبا ذر وقال: قال كذا وكذا يا رسول الله، فغضب ﵊ وتغير وجهه وتحير من هذه الكلمة، واستدعى أبا ذر ليحاكمه. إن هذه الكلمة تعارض رسالته ﷺ ، تعارض الإسلام، إنها تعارض كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أما هذه الدعوة، فدعوة التمييز نابليون وهتلر وأتاتورك وغاندي، أعداء البشر، وأذناب العمالة، أحفاد الشيوعية.

стр. 5207

النبي ﷺ يغضب من أبي ذر أما محمد ﵊، فأتى بمبدأ الولي حبيب لله ولوكان بعيداً مبعداً خادماً، وعدو الله بغيض مبعد ولو كان سيد قريشٍ، فاستدعى الرسول ﷺ أبا ذر، فدخل فسلم على الرسول ﵊، في بعض الروايات قال أبو ذر: لا أدري هل رد علي أم لا من الغضب؟ بلغ الغضب به ﷺ منتهاه، ثم التفت إلى أبي ذر فقال له: أعيرته بأمه؟ أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، قال: يا رسول الله! -وأتى بها ابن حجر في الفتح - أعلى كبر سني يا رسول الله؟! يقول: أنا جاهل وأنا كبير السن، أصبحت شيخاً كبيراً أبيض اللحية، أصبح جاهلاً، يظن الجهل من صغر السن قال: نعم إخوانكم خولكم؛ ثم ساق ﷺ الحديث، وفي هذا قضايا:-

стр. 5208

الجاهلية تطلق على عدة معانٍ إطلاقه ﷺ لفظ الجاهلية على أبي ذر، معناه أنت امرؤ ما زالت فيك شعبة من شعب الجاهلية الوثنية، التي كانت قبل الإسلام وقبل لا إله إلا الله، قبل أن تأتي الدعوة الخالدة، والجاهلية أطلقت في القرآن في عدة مواضع: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦] فهي الانتصار للباطل، والحمية على الباطل تسمى جاهلية. وقال : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالخروج على الحدود وعلى أحكام الله جاهلية. وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فمن ابتغى حكماً غير حكم الله، فهو جاهلي، والمجتمع الذي يبتغي حكماً غير حكم الله مجتمع جاهلي، وأحد الكتبة المشكورين المأجورين ألف كتاباً بعنوان (جاهلية القرن العشرين) فالمجتمع الذي يريد حكماً غير حكم الله جاهلي، والإنسان الذي فيه شيء من أوضار الجاهلية والوثنية فيه شعبة من شعب الجاهلية، والمرأة التي تتبرج وتخرج على الحجاب تعيش في فترة جاهلية، وهي جاهلية أيضاً. هذا قوله ﷺ : ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ لماذا قال له ﷺ : إنك امرؤ فيك جاهلية؟ لأنه سبه بشيء لا ينبغي أن يسب به، ترك مكارم بلال، ترك أن بلالاً استجاب للإسلام، ونسي أنه سجد لله، وأنه مؤذن الإسلام، نسي أنه مجاهد، وأتى بأشياء ليس فيها عيب، أتعيب الإنسان بلونه؟! أأنت الذي خلق أم الله؟! لونه لا يزيد فيه ولا ينقص، نحن لا نعترف بالألوان، واختلاف الألوان، واختلاف الدماء، ودعاة القومية قاتلهم الله أنى يؤفكون، يقولون: الدم العربي، اللسان العربي، العنصر العربي، وهذه دعوة أتاتورك، يوم جعلها تركية، قاحلة قبيحة. ودعوة غاندي يوم جعلها هندية، فنحن نقول: إسلامية. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس ساداتنا وقاداتنا بلال بن رباح وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وخباب بن الأرت مولى من الموالي، وهؤلاء نجوم الإسلام وأمثالهم وأضرابهم كثير، ولكن قبل أن أنفذ إلى شيء من التمييز العنصري وبعض مسائله، من هو أبو ذر؟ وهذا قد تكرر معنا، ولكن أذكره للفائدة؛ ولأن المعاني التربوية أكثر فائدة من كثير من المسائل الفرعية.

стр. 5209

نبذة عن أبي ذر ﵁ أبو ذر أحد السابقين إلى الإسلام، وهو حبيب لرسولنا ﷺ عرف الله وعرف الطريق إلى الله، والتمس النور. هو من قبيلة غفار، وقبيلة غفار بعيدة في الصحراء، كان بعيداً ولكن قربه الله حتى دخل إلى الحرم وإلى الرسول ﵊ والله إذا أراد أن يقرب البعيد قربه، وإذا أردت أن يبعد القريب أبعده، أبو طالب عند الحجر الأسود، وأبو لهب عند زمزم، وأبو جهل عند الحطيم، لكن لم تدمغ أدمغتهم لتفهم لا إله إلا الله. وأما أبو ذر فسمع لا إله إلا الله، كان يرعى إبله في الصحراء، من غفار يقول ﵊: ﴿غفار غفر الله لها، أسلم سالمها الله﴾ وسبب الدعوة أبو ذر، أسلم على يديه ثلثا قبائل غفار، وكلهم في ميزان حسناته يوم يتقبل الله عنه أحسن ما عمل ويتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

стр. 5210

قصة إسلام أبي ذر سمع أن الرسول ﵊ أطل في طلعته البهية في مكة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] واستقبلت الدنيا دعوته وسمعت المعمورة رسالته، فقال لأخيه أنيس: اذهب إلى هذا الرجل إلى مكة وأعطني خبره، تعال بخبره، فذهب أخوه، ولكن استعجل في ذهابه، ركب ناقته ووصل إلى الحرم، فأخذ الأنباء ما تثبت لقي مثل أبي لهب وأبي جهل وأمثالهم، عصابات الإفساد والإجرام، فسألهم من هذا الذي يدعي النبوة؟ قالوا: ساحر شاعر كاهن، وهكذا عدوك إذا وصل الخبر إليه، فحذار حذار، سوف ينزل عليك من الشائعات ما الله به عليم، فعاد إلى أخيه، فقال: وصلت مكة فسألت الناس، فقالوا: شاعر ساحر كاهن، قال: من سألت؟ قال: سألت أهل مكة، قال: ما شفيتني، المثل العام يقول: ما قضى لي حاجة مثل نفسي، أنا آتيك بالخبر، وأنا أصل إلى الخبر إن شاء الله في مستقره، قال: عليك بالغنم والأهل احفظهما. ركب جمله قال: وأخذت قربة -أي إداوة صغيرة- فعبأتها ماءً ثم جلست على بعيري حتى قدمت الحرم، وأول من صادف علي بن أبي طالب، من ترعرع على لا إله إلا الله، غرس في قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٥] فقال لـ علي: من هذا الرجل وما عرف أنه ابن عم الذي بعث. قال: هو نبي حقاً، من أين أنت؟ قال: من غفار، قال: أتريد أن تراه؟ قال: نعم، قال: انزل معي، فإذا رأيتني أصلح نعلي، فاعرف أنه الرجل الذي يحاذيني؛ لأن كفار قريش حول الرسول ﵊ حظروا الاتصال به ﷺ ، وكانوا على أنقاب مكة وعلى مداخل مكة، إذا رأوا العربي حذروه، وقالوا له: احذر أن يضلك هذا الساحر، أو الشاعر، أو الكاهن. في صحيح مسلم أن الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني قال: قدمت مكة، لأرى وأسمع الرسول ﵊ قال: فوالله ما زال بي كفار مكة حتى شككوني في نفسي وقالوا: لا تسمع منه إنه ساحر يسحر، إنه كاهن يتكهن عليك، قال: حتى أخذت القطن فوضعته في أذني سبحان الله! لكن لا إله إلا الله أقوى من القطن، ولا إله إلا الله تفجر طبقات القطن، وتدخل إلى القلوب من وراء القطن، قال: فوضعت القطن في أذني لئلا أسمع شيئاً، ولكن الله أراد أن يهديه، قال: فجلست في طرف الحرم، فرأيت الرسول ﷺ بعيداً، قال: فاقتربت رويداً ثم قلت لنفسي: يا عجباً لي، أنا شاعر من شعراء العرب -وهو شاعر- وخطيب أعرف فصاحة الكلام من هزله! فكيف لا أسمع؟! فإن أعجبني وإلا تركت، وأراد الله أن يهديه، فنزع القطن، هذا أول مشروع الهداية، هذا قص الشريط إيذاناً بافتتاح لا إله إلا الله في قلبه، فاقترب منه فسلم عليه، قال: عم صباحاً يا أخا العرب، قال: أبدلني الله بتحية خير من تحيتك السلام عليكم ورحمة الله نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء لا بأس بتكرير الكلام- فجلس عنده، فقال للرسول ﷺ أسمعني مما تقول: فأسمعه مقطعاً من الآيات، قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فأتى علي بن أبي طالب فقال لـ أبي ذر: إنني إذا نزلت الحرم فسوف أتظاهر بأنني أصلح نعلي، فإذا رأيتني أخصف النعل فتقدم إليه، فهو الرجل الذي يليني. فنزل معه واقترب من الرسول ﵊ ووقف علي بن أبي طالب يصلح نعله ويخصف نعله، فتقدم أبو ذر فرأى الرسول ﵊، وكان منظره يميزه بين العالم، وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر. لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر فتقدم إليه وقال: عِم صباحاً يا أخا العرب، هذه تحية الجاهلية، يقول امرؤ القيس في قصيدته الرائعة، المشرقة، ومع أنها جاهلية وثنية، لكنها جميلة السبك يقول:- ألا عِمْ صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي وهل يعمن إلا سعيد منعم قليل الهموم لا يبيت بأوجال فقرأ ﵊، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم قام فوقف على الصفاء، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فاقترب منه الجاهليون فضربوه بالحجارة، حتى أغمي عليه، فأتى كالثوب الأحمر إلى الرسول ﵊، فقال ﷺ : اصبر فإنك لن تستطيع أن تجهر بدعوتك الآن، فإذا سمعت أني خرجت فتعال؛ فعاد ﵁ بعد أن تعلم الصلاة داعية يحمل إيماناً، وديناً، ولو كان فينا اليوم أفراد مثل أبي ذر لصلح الحال بإذن الله. وصل إلى قبيلته فجمعها كلها، جمع القبيلة أمامه في البادية، قال: دمي من دمكم حرام، هدمي من هدمكم حرام، وقال لزوجته: ابتعدي ولأبيه ولإخوانه، حتى تؤمنوا بالله وأن محمداً رسول الله، فآمن ما يقارب الثلثين من قبيلته، وسمع أن الرسول ﵊ هاجر إلى المدينة، فأخذ المسلمين في قوافل غفار، واتجه إلى المدينة، ثم لما دخل إلى المدينة ظنوه جيشاً غازياً للمدينة، فخرج لاستقباله، وعانقه ﷺ وقربه، فكان من أحب الناس، وأقربهم إلى أبي ذر. قال: عِم صباحاً يا أخا العرب، فقال ﵊: ﴿أبدلني الله بتحية خير من تحيتك، قل السلام عليكم ورحمة الله، قال: السلام عليك ورحمة الله، فرد الرسول ﷺ السلام عليه، ثم قال ﷺ : ممن أنت؟ قال: من غفار، فتبسم ﵊ ورفع طرفه إلى السماء﴾ تبسم؛ لأن غفاراً كانت قبيلة تسرق الحجاج، مهمتها فقط قطع القوافل، فكيف يهتدي هذا وهو من غفار. وفي حديث له شواهد أنه ﷺ خرج إلى تبوك، فتخلف أبو ذر براحتله، فأخذ ما عليها من متاع وترك الراحلة، فقال ﵊: ﴿أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحق بنا؟ وأراد الله به خيراً، ورآه ﷺ من بعيد، فقال: كن أبا ذر، كن أبا ذر، وأشرف بطلعته البهية، فإذا هو أبو ذر، قال: ﴿رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك﴾ وعاد مع الرسول ﵊، لكنه قال له ﷺ : ﴿إذا بلغ البناء سلعاً﴾ وهذا عند الذهبي بسند جيد: ﴿إذا بلغ البناء سلعاً -وهو جبل بـ المدينة - فاخرج من المدينة﴾ يريد أن يبقى صافياً قوي الإيمان، حار التوحيد، ما يشوبه شيء من الدنيا، فلما بلغ البناء جبل سلع، خرج من مدينة الرسول ﵊ إلى الربذة، بغنمه وخيمته. لا طفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى أُحَسَّا أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى خرج إلى الصحراء.

стр. 5211

أبو ذر يطلب الإمارة من رسول الله ومن ضمن مواقفه مع الرسول ﵊ أنه رأى الرسول ﵊ يولي الناس الإمارة، فأتى قال: وليت فلاناً وفلاناً، فولني قال: إنك امرؤ ضعيف، وفي لفظ صحيح: ﴿والله يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، إنك امرؤ ضعيف، إنها أمانة ,وإنها خزي وندامة يوم القيامة﴾ فترك الإمارة، فالرسول ﵊ عرف أنه ضعيف قالوا: شديد العجلة، وكثير الغضب، والإمارة منصب يحتاج إلى رجل واسع الصدر، وهذا لا يقلل من الأولياء؛ لأن بعض الناس يتصور أن ولي الله يشترط فيه أن يكون ذكياً من الدرجة الأولى، طبيباً مهندساً مفتياً عالماً، وقد يجهل الولي كثيراً من الأمور، وقد لا يعرف الولي أمور الدنيا، ولذلك الذهبي لما ترجم لـ ابن الريوندي هذا الملحد الزنديق الفيلسوف الشاعر، يقول كان ذكياً ولكن لم يكن مؤمناً، ما كان متقياً لله، قال: فلعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالتقوى، فلا يظن متصور أنه يشترط في أولياء الله أن يكونوا في درجة ممتازة من الذكاء. أما بلال بن رباح فأسلم قديماً مع الرسول ﵊، وتبعه في أيامه ولياليه، وكان مؤذنه دائماً وأبداً، وكان يحبه ﷺ ، وكان صوته ينساب إلى القلوب بصوت الإيمان، وحرارة الإيمان في الأذان، ولذلك جعله ﷺ مؤذنه الخاص، بل وفي صحيح مسلم لكن باختصار أن الرسول ﵊ قال: ﴿دخلت الجنة البارحة، فرأيت دف نعليك في الجنة يا بلال! ماذا كنت تفعل؟ قال: يا رسول الله! والله ما توضأت في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلا صليت ركعتين﴾ فهذه من أعماله الصالحة ﵁ وأرضاه وهو من أهل الجنة إن شاء الله، تخلف بعد الرسول ﵊، وطلب منه أبو بكر أن يؤذن للمسلمين فأبى، وطلب منه عمر فأبى، فلما فتح عمر ﵁ بيت المقدس قال لـ بلال: سألتك بالله أن تؤذن، فقام يؤذن فبكى الناس، لما تذكروا ذاك الصوت وتلك الذكريات، وتلك الأيام الخالدة.

стр. 5212

ما يستنبط من حديث أبي ذر

стр. 5213

العبد يذنب ولو كان من أولياء الله وفي حديث أبي ذر فوائد: منها: أن العبد، قد يخطئ ويذنب وعليه بالاستغفار وقد يساب العباد ولو كان من الصحابة. قال: فعيرته بأمه، فقال ﵊: ﴿أعيرته بأمه؟﴾ فيه الإنكار منه ﷺ والنهي عن التعيير بالآباء والأمهات، والنهي عن سب الآباء والأمهات، وفي ذلك أحاديث وزواجر، جمع السيوطي كثيراً منها في باب من لعنهم رسول الله ﷺ ؛ منها حديث: ﴿لعن الله من لعن والديه﴾ وحديث: ﴿لا تسبوا أمهاتكم﴾ إلى غيرها من الأحاديث التي صحت عنه ﷺ ، وفيه أن المسلم مهما بلغ في الولاية، فقد يكون فيه بعض المعصية.

стр. 5214

الجاهلية والسفه قد تطرأان على كبير السن فقال فيه: ﴿إن فيك جاهلية، قال: على كبر سني﴾ فيه أن الكبر والصغر أمر نسبي، فلا يظن الكبير إذا شابت لحيته، أنه سوف يكون عاقلاً فلا يصيبه شيء من السفه ولا الجاهلية والخطأ. وما الحداثة من حلم بمانعة قد يوجد الحلم في الشبان والشيب فالحلم والسعة والإدراك والعلم والفطنة قد تأتي للصغار أو للكبار؛ ولذلك كان كثير من الصحابة يحملون الفتيا ويقودون الجيش والجهاد وعمر الواحد ما يقارب السابعة عشرة من عمره. فلا يظن ذلك؛ لأنه ورد عن بعض العلماء أنه يقول: أنه لا يتصدر الإنسان إلا في الأربعين، سبحان الله! أهل الحداثة وأهل العمالة، يتصدرون في العشرين وفي الخامسة عشرة، ويبقى أهل الدعوة وأهل الإسلام حتى يبلغوا الأربعين، إذا بلغوا الأربعين أخذوا أكفانهم يستعدون للموت، وماذا يريدون؟! فقد انتهى الأمر، لكن على الإنسان من يوم يدرك أن يبذل ما يستطيع للإسلام، وما عليه مما يوجه له أعداء الإسلام.

стр. 5215

الجاهلية أنواع وفيه أن الجاهلية أنواع وأضراب، كما ذكر البخاري، في كتابه: صحيح البخاري في الباب، فإنه يستحق كذلك عنوانه أن يقول: جاهلية دون جاهلية، الكافر جاهلي، والمنافق جاهلي، والإنسان الذي لم يتعلم يسمى جاهل، والمؤمن الذي فيه شعبة من الجهل، يقال له: فيك جاهلية؛ كما أطلقها ﷺ ، وفي الحديث نهيه ﷺ عن تعيير الناس بأشخاصهم أو بألوانهم أو دمائهم، فمن فعل ذلك، فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وفيه أن الإسلام لا يعترف بالدماء ولا يعترف بتعدد الألوان، ولا يعترف كذلك بالقوميات والشعوبيات؛ لأنها ما وجدت إلا يوم وجد الكفر بهذا الدين والتمرد على هذا الدين. إن كيد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمامٍ واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد

стр. 5216

الحديث الثاني: (القاتل والمقتول في النار) الحديث الثاني: هو الحديث التاسع والعشرون، عن أبي بكرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه﴾

стр. 5217

أصل حديث "القاتل والمقتول في النار " أصل الحديث في صحيح البخاري وله قصة، وذلك أن الأحنف بن قيس ذهب لينصر علي بن أبي طالب في معركة الجمل، معركة الجمل وقيل معركة صفين، فكان للأحنف كلام مع أبي بكرة، الأحنف بن قيس، هو حليم العرب سيد بني تميم، ذهب لينصر علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في الجمل، فلقيه أبو بكرة قال: أين تذهب؟ قال أذهب مع عائشة في الجمل، قال: عد فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾ فعاد، فلما أتت صفين بين علي ومعاوية، ذهب فلقيه أبو بكرة مرة ثانية قال: أين تذهب؟ قال: أنصر ابن أبي طالب ابن عم الرسول ﵊، قال: عد فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، الحديث﴾ والأحنف بن قيس هو سيد بني تميم وحليم بني تميم، كان أشل -والأشل الذي رجله أو يده متعطلة عند العرب- وكان أحنى محدودباً، نحيفاً هزيلاً، في منظره كراهة وبشاعة، ولكنه ملئ عقلاً وإيماناً، وقلباً سديداً، وكان من أفصح الناس وأدهى الناس وأحلم الناس. ما كان يغضب، أتى سفيه من الناس قال له بعض بني تميم: ما رأيك نعطيك مالاً كثيراً وتذهب وتضرب الأحنف بن قيس على وجهه؟ هذه في الأدب، يريدون أن يمتحنوا الأحنف بن قيس، ما كان يغضب كالبحر صدره، وكنيته أبو بحر، فأعطوا هذا السفيه كثيراً من المال وذهب فاقترب من الأحنف ثم ضربه على وجهه، قال الأحنف: كم أعطاك بنو تميم مالاً؟ قال أعطوني كذا وكذا، قال: تضرب من؟ قال: يقولون: اضرب سيد بني تميم، قال وهل أنا سيد بني تميم؟ قال: يقولون ذلك، قال الأحنف بن قيس: هو ذاك، عن رجل هو جارية بن قدامة من أغلظ الناس وأشرس الناس وأفتك الناس، فذهب إليه فاقترب من جارية هذا فلطمه على وجهه، فقام جارية فضرب الرجل حتى أغمي عليه واستفاق بعد ساعة يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، هذا الأحنف بن قيس قيل له: ممن أخذت الحلم؟ أي: من علمك الحلم؟ من هو شيخك في الحلم؟ قال: علمني الحلم قيس بن عاصم المنقري، وهذا سيد بني تميم قبل الأحنف، وهو من السبعة الذين وفدوا على الرسول ﵊، وهناك حديث عنه أنه قال: يا رسول الله! أوصني، رق عظمي ودنا أجلي فأوصني، قال: ﴿يا قيس! إن لكل حسنة ثواباً ولكل سيئة عقاباً، يا قيس! إن مع القوة ضعفاً، وإن مع المال قلة -أو مع الكثرة قلة- وإن بعد الحياة موتاً، يا قيس! إن معك رفيقاً يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، هو عملك﴾ فبكى قيس بن عاصم، وهو الذي يقول فيه الشاعر:- عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما لما مات عبد الملك بن مروان، شيعه أبناؤه الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام، فلما وصلوا المقبرة دفنوه فقال هشام بن عبد الملك:- وما كان قيس موته موت واحدٍ ولكنه بنيان قوم تهدما وولي العهد الوليد غضب من هذه الكلمة، لأن معناه: مات عبد الملك وعلى الدنيا السلام، وما أصبح وراءه رجال. وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما فنظر إليه الوليد فقال: كذبت لعنك الله! لأنه عرض به، وهذا من التكالب على الدنيا، وعلى حطام الدنيا.

стр. 5218

حلم قيس بن عاصم الشاهد أن الأحنف بن قيس، يقول: أخذت الحلم عن قيس بن عاصم. كنا جلوساً عنده، فلما كان محتبياً بحبوته -الحبوة كالكيس وكاللفافة والقماش يلفه العربي على ركبتيه- قال: فاحتبينا في مجلسه وكان سيد بني تميم معه عشرة ألف سيف، إذا قال: الله أكبر، قالوا: الله أكبر. لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا دخلت الجارية وقالت: ابنك قتله ابن أخيك، قال: غسلوه وكفنوه؛ فإذا كفنتموه فأخبروني، فقال: والله ماحل حبوته ولا تزحزح من مكانه، فغسلوا ولده وكفنوه فقام فصلى عليه، ثم قال: ادفنوه، وأرسلوا لفلانة التي قتل ابنها بمائة ناقة، فإنها امرأة غريبة. فهل بعد هذا الحلم حلمٌ؟! اكتسب الأحنف بن قيس حلمه من قيس بن عاصم المنقري ﵃ جيمعاً، فـ الأحنف مخضرم وقيس صحابي، والكل عند الله من المقبولين إن شاء الله، ذهب الأحنف يريد لقاء الجيوش، مع علي بن أبي طالب فأخذ سيفه، فلقيه أبو بكرة نفيع بن الحارث من أهل الطائف، قال أهل العلم: كُني أبو بكرة بهذه الكنية لأحد سببين، إما لأنه نزل من الطائف على بكرة -ناقة- فقال ﷺ : على ماذا نزلت؟ قال: على بكرة، قال: فأنت أبو بكرة وقيل: على البكرة هذه العجلة أنزل عفشه ومتاعه فسمي بها، وكلا الرأيين ليس بينهما بون، فقد يكون حصل له هذا أو هذا، ويقول الرواة: إن أبا بكرة هذا صام حتى أصبح جلداً على عظم من العبادة، ويقولون من رآه يراه كأنه سهمٌ من كثرة عبادته واتصاله بالله ﵎.

стр. 5219

عقيدة أهل السنة والجماعة فيما حدث بين علي ومعاوية لقي أبو بكرة الأحنف بن قيس قال: أين تذهب؟ قال: أذهب لأنصر هذا الرجل -وهو علي بن أبي طالب - وكان يقاتل معاوية، ومعتقد أهل السنة والجماعة في الحروب التي وقعت بين الصحابة، كالتي وقعت بين علي ومعاوية: أن نترضى عن الجميع، وأن نعتذر للجميع, وألا نخوض فيما شجر بينهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. هذا معتقد أهل السنة، ونعتقد أن علي بن أبي طالب هو المصيب، وأنه اجتهد فأصاب فله أجران وأن معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وأن فئة معاوية، فئة باغية كما سماها ﷺ في الحديث: فقال لـ عمار: ﴿تقتلك الفئة الباغية﴾ يعني فئة معاوية ومن معه؟ رضي الله عن الجميع. قيل لـ عامر الشعبي: سبحان الله! يأتي علي بن أبي طالب بجيش كثيف، ومعاوية بجيش كثيف وهم صحابة، ثم لا يفر بعضهم من بعض!!! فماذا أجاب؟ قال: أهل الجنة التقوا فاستحا بعضهم من بعض، ونسأل الله أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. فخرج الأحنف فلقيه أبو بكرة، قال: إلى أين؟ قال: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار﴾. أولاً: ما هي فائدة التعريف هنا وتسمية السيف وهذه الصفة؟ فهل يشترط أن يكون اللقاء بالسيف، إذا التقى المسلم والمسلم بالمسدسات أو بالخناجر أو بالسكاكين أو بالرشاشات، هل يدخل عليهم التثريب، أم يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؟ والجواب أنه لا يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؛ لأن هذا قيد أغلبي كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ولأن هذا شيء غالب، فلو التقوا بغير السيفين لكانت المذمة واردة والإثم وارداً، ويكون الاثنان في النار نسأل الله العافية ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما﴾ لإرادة القتال، أما إذا كان مع هذا سيف ليسلم عليه فلا نقول: هما في النار فهذه ظاهرية بحتة؛ وهناك من أقوال الظاهرية ما يضحك اللبيب، منهم من يقول: من يفعل أكثر من الذرة، فما عليه شيء؛ لأن الله ، يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] وضحكوا على بعض الظاهرية، قالوا: يقول الله في الوالدين: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] فمن ضرب والديه هل يشمله التأنيب؟ لأن الضرب لم يذكر في الآية وهو من قياس الأولى عند الجمهور، ولكن يلزم الظاهرية أن يقولوا: لا يلزمه شيء إذا ضرب والديه، لكن لا يقل لهما: أف. ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار﴾ إذا أراد مقاتلته، وإهدار دمه، فالقاتل والمقتول في النار لماذا؟ لأن دم المسلم معصوم ولقوله ﷺ : ﴿ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ ففي غير هذه الثلاث يكون دم المسلم معصوماًُ، فيقول ﷺ : ﴿في النار﴾ ما معنى كلمة النار؟ هل يدخل النار خالداً مخلداً أم لا؟ إن استحل قتل المسلم، ورأى أن الله لم يحرم قتل المسلم، ورأى أنه يحل له قتل المسلم، فهو خالد مخلد في النار. وإذا قاتله ويعرف التحريم، فهو من أهل الكبائر، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر، أنهم قد يدخلوا النار، ولكنهم لا يخلدون فيها، ولا يخرجون من الإسلام، ويسمون فسقة، لكن لا يزول عنهم اسم الإسلام، والله أعلم. وفيه كذلك أن المسلم إذا كان حريصاً على قتل صاحبه ثم قتله الآخر فهو معه في النار، وأن النية والجزم على العمل، ومزاولة الأسباب، تدخل بصاحبها مداخل أهل الأعمال الذين عملوا بهذا العمل. ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار﴾ يعني من الاثنين، هذا حديث أبي بكرة ﵁ وأرضاه، وليس فيه قضايا طويلة ولذلك، لم يطل أهل العلم الكلام عليه.

стр. 5220

الحديث الثالث: (الظلم هو الشرك) الحديث الثلاثون: حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: ﴿لما أنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس بذلك، أما سمعتم الله يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ لما نزل قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الأمن في الآخرة، والأمن في الدنيا، فالأمن في الدنيا من الغواية ومن الضلالة ومن الخطأ ومن الانحراف، والأمن في الآخرة من الجحيم ومن النار ومن العذاب، والله المستعان. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]: أي سالكون طريق الهداية، ناجون بإذن الله موفقون، لكن ما معنى الظلم؟ ظن الصحابة رضوان الله عليهم، أن معنى قوله سبحانه ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: لم يذنبوا ولم يخطئوا ولم ينموا ولم يغتابوا الناس ولم يكذبوا، فقالوا: يا رسول الله! من يطيق هذا؟ كلنا ظلمة معنى كلامهم، في سند الإمام أحمد بسند صحيح أن الله لما أنزل قوله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] قال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الحديث في أول مسند أبي بكر: ﴿يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، فكيف العمل بعد هذه الآية؟ لأن ظاهرها إذا عملنا أي سوء نحاسب به، كلما فعلنا خطيئة نحاسب بها ونجزى بها- فقال ﵊: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تهتم؟ ألست تغتم؟ ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ قال: بلى، فقال: هذا من الكفارات، لا يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن ولا وصب ولا مرض، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾. فمقصود الآية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: بشرك: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام:٨٢] فالحمد الله الذي جعل الظلم هنا شركاً، فلو جعله معصية وخطأً، كنا وقعنا كلنا في هذا الظلم، وما كان لنا مخرج، والرسول ﵊ هنا فسر القرآن بالقرآن، قال: ﴿إنه ليس كما تظنون، أما سمعتم الله يقول: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان:١٣]﴾ فسمى الله الشرك ظلماً، وهذا يقصد به ﷺ وصية لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٢ - ١٣] فقال ﷺ : ﴿ليس بذلك، إنما هو الشرك، أما سمعتم الله يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ في الحديث دروس.
следующие страницы →