← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

الحديث الثاني: (القاتل والمقتول في النار) الحديث الثاني: هو الحديث التاسع والعشرون، عن أبي بكرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه﴾

стр. 5217

أصل حديث "القاتل والمقتول في النار " أصل الحديث في صحيح البخاري وله قصة، وذلك أن الأحنف بن قيس ذهب لينصر علي بن أبي طالب في معركة الجمل، معركة الجمل وقيل معركة صفين، فكان للأحنف كلام مع أبي بكرة، الأحنف بن قيس، هو حليم العرب سيد بني تميم، ذهب لينصر علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في الجمل، فلقيه أبو بكرة قال: أين تذهب؟ قال أذهب مع عائشة في الجمل، قال: عد فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾ فعاد، فلما أتت صفين بين علي ومعاوية، ذهب فلقيه أبو بكرة مرة ثانية قال: أين تذهب؟ قال: أنصر ابن أبي طالب ابن عم الرسول ﵊، قال: عد فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، الحديث﴾ والأحنف بن قيس هو سيد بني تميم وحليم بني تميم، كان أشل -والأشل الذي رجله أو يده متعطلة عند العرب- وكان أحنى محدودباً، نحيفاً هزيلاً، في منظره كراهة وبشاعة، ولكنه ملئ عقلاً وإيماناً، وقلباً سديداً، وكان من أفصح الناس وأدهى الناس وأحلم الناس. ما كان يغضب، أتى سفيه من الناس قال له بعض بني تميم: ما رأيك نعطيك مالاً كثيراً وتذهب وتضرب الأحنف بن قيس على وجهه؟ هذه في الأدب، يريدون أن يمتحنوا الأحنف بن قيس، ما كان يغضب كالبحر صدره، وكنيته أبو بحر، فأعطوا هذا السفيه كثيراً من المال وذهب فاقترب من الأحنف ثم ضربه على وجهه، قال الأحنف: كم أعطاك بنو تميم مالاً؟ قال أعطوني كذا وكذا، قال: تضرب من؟ قال: يقولون: اضرب سيد بني تميم، قال وهل أنا سيد بني تميم؟ قال: يقولون ذلك، قال الأحنف بن قيس: هو ذاك، عن رجل هو جارية بن قدامة من أغلظ الناس وأشرس الناس وأفتك الناس، فذهب إليه فاقترب من جارية هذا فلطمه على وجهه، فقام جارية فضرب الرجل حتى أغمي عليه واستفاق بعد ساعة يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، هذا الأحنف بن قيس قيل له: ممن أخذت الحلم؟ أي: من علمك الحلم؟ من هو شيخك في الحلم؟ قال: علمني الحلم قيس بن عاصم المنقري، وهذا سيد بني تميم قبل الأحنف، وهو من السبعة الذين وفدوا على الرسول ﵊، وهناك حديث عنه أنه قال: يا رسول الله! أوصني، رق عظمي ودنا أجلي فأوصني، قال: ﴿يا قيس! إن لكل حسنة ثواباً ولكل سيئة عقاباً، يا قيس! إن مع القوة ضعفاً، وإن مع المال قلة -أو مع الكثرة قلة- وإن بعد الحياة موتاً، يا قيس! إن معك رفيقاً يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، هو عملك﴾ فبكى قيس بن عاصم، وهو الذي يقول فيه الشاعر:- عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما لما مات عبد الملك بن مروان، شيعه أبناؤه الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام، فلما وصلوا المقبرة دفنوه فقال هشام بن عبد الملك:- وما كان قيس موته موت واحدٍ ولكنه بنيان قوم تهدما وولي العهد الوليد غضب من هذه الكلمة، لأن معناه: مات عبد الملك وعلى الدنيا السلام، وما أصبح وراءه رجال. وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما فنظر إليه الوليد فقال: كذبت لعنك الله! لأنه عرض به، وهذا من التكالب على الدنيا، وعلى حطام الدنيا.

стр. 5218

حلم قيس بن عاصم الشاهد أن الأحنف بن قيس، يقول: أخذت الحلم عن قيس بن عاصم. كنا جلوساً عنده، فلما كان محتبياً بحبوته -الحبوة كالكيس وكاللفافة والقماش يلفه العربي على ركبتيه- قال: فاحتبينا في مجلسه وكان سيد بني تميم معه عشرة ألف سيف، إذا قال: الله أكبر، قالوا: الله أكبر. لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا دخلت الجارية وقالت: ابنك قتله ابن أخيك، قال: غسلوه وكفنوه؛ فإذا كفنتموه فأخبروني، فقال: والله ماحل حبوته ولا تزحزح من مكانه، فغسلوا ولده وكفنوه فقام فصلى عليه، ثم قال: ادفنوه، وأرسلوا لفلانة التي قتل ابنها بمائة ناقة، فإنها امرأة غريبة. فهل بعد هذا الحلم حلمٌ؟! اكتسب الأحنف بن قيس حلمه من قيس بن عاصم المنقري ﵃ جيمعاً، فـ الأحنف مخضرم وقيس صحابي، والكل عند الله من المقبولين إن شاء الله، ذهب الأحنف يريد لقاء الجيوش، مع علي بن أبي طالب فأخذ سيفه، فلقيه أبو بكرة نفيع بن الحارث من أهل الطائف، قال أهل العلم: كُني أبو بكرة بهذه الكنية لأحد سببين، إما لأنه نزل من الطائف على بكرة -ناقة- فقال ﷺ : على ماذا نزلت؟ قال: على بكرة، قال: فأنت أبو بكرة وقيل: على البكرة هذه العجلة أنزل عفشه ومتاعه فسمي بها، وكلا الرأيين ليس بينهما بون، فقد يكون حصل له هذا أو هذا، ويقول الرواة: إن أبا بكرة هذا صام حتى أصبح جلداً على عظم من العبادة، ويقولون من رآه يراه كأنه سهمٌ من كثرة عبادته واتصاله بالله ﵎.

стр. 5219

عقيدة أهل السنة والجماعة فيما حدث بين علي ومعاوية لقي أبو بكرة الأحنف بن قيس قال: أين تذهب؟ قال: أذهب لأنصر هذا الرجل -وهو علي بن أبي طالب - وكان يقاتل معاوية، ومعتقد أهل السنة والجماعة في الحروب التي وقعت بين الصحابة، كالتي وقعت بين علي ومعاوية: أن نترضى عن الجميع، وأن نعتذر للجميع, وألا نخوض فيما شجر بينهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. هذا معتقد أهل السنة، ونعتقد أن علي بن أبي طالب هو المصيب، وأنه اجتهد فأصاب فله أجران وأن معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وأن فئة معاوية، فئة باغية كما سماها ﷺ في الحديث: فقال لـ عمار: ﴿تقتلك الفئة الباغية﴾ يعني فئة معاوية ومن معه؟ رضي الله عن الجميع. قيل لـ عامر الشعبي: سبحان الله! يأتي علي بن أبي طالب بجيش كثيف، ومعاوية بجيش كثيف وهم صحابة، ثم لا يفر بعضهم من بعض!!! فماذا أجاب؟ قال: أهل الجنة التقوا فاستحا بعضهم من بعض، ونسأل الله أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. فخرج الأحنف فلقيه أبو بكرة، قال: إلى أين؟ قال: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار﴾. أولاً: ما هي فائدة التعريف هنا وتسمية السيف وهذه الصفة؟ فهل يشترط أن يكون اللقاء بالسيف، إذا التقى المسلم والمسلم بالمسدسات أو بالخناجر أو بالسكاكين أو بالرشاشات، هل يدخل عليهم التثريب، أم يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؟ والجواب أنه لا يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؛ لأن هذا قيد أغلبي كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ولأن هذا شيء غالب، فلو التقوا بغير السيفين لكانت المذمة واردة والإثم وارداً، ويكون الاثنان في النار نسأل الله العافية ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما﴾ لإرادة القتال، أما إذا كان مع هذا سيف ليسلم عليه فلا نقول: هما في النار فهذه ظاهرية بحتة؛ وهناك من أقوال الظاهرية ما يضحك اللبيب، منهم من يقول: من يفعل أكثر من الذرة، فما عليه شيء؛ لأن الله ، يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] وضحكوا على بعض الظاهرية، قالوا: يقول الله في الوالدين: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] فمن ضرب والديه هل يشمله التأنيب؟ لأن الضرب لم يذكر في الآية وهو من قياس الأولى عند الجمهور، ولكن يلزم الظاهرية أن يقولوا: لا يلزمه شيء إذا ضرب والديه، لكن لا يقل لهما: أف. ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار﴾ إذا أراد مقاتلته، وإهدار دمه، فالقاتل والمقتول في النار لماذا؟ لأن دم المسلم معصوم ولقوله ﷺ : ﴿ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ ففي غير هذه الثلاث يكون دم المسلم معصوماًُ، فيقول ﷺ : ﴿في النار﴾ ما معنى كلمة النار؟ هل يدخل النار خالداً مخلداً أم لا؟ إن استحل قتل المسلم، ورأى أن الله لم يحرم قتل المسلم، ورأى أنه يحل له قتل المسلم، فهو خالد مخلد في النار. وإذا قاتله ويعرف التحريم، فهو من أهل الكبائر، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر، أنهم قد يدخلوا النار، ولكنهم لا يخلدون فيها، ولا يخرجون من الإسلام، ويسمون فسقة، لكن لا يزول عنهم اسم الإسلام، والله أعلم. وفيه كذلك أن المسلم إذا كان حريصاً على قتل صاحبه ثم قتله الآخر فهو معه في النار، وأن النية والجزم على العمل، ومزاولة الأسباب، تدخل بصاحبها مداخل أهل الأعمال الذين عملوا بهذا العمل. ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار﴾ يعني من الاثنين، هذا حديث أبي بكرة ﵁ وأرضاه، وليس فيه قضايا طويلة ولذلك، لم يطل أهل العلم الكلام عليه.

стр. 5220

الحديث الثالث: (الظلم هو الشرك) الحديث الثلاثون: حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: ﴿لما أنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس بذلك، أما سمعتم الله يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ لما نزل قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الأمن في الآخرة، والأمن في الدنيا، فالأمن في الدنيا من الغواية ومن الضلالة ومن الخطأ ومن الانحراف، والأمن في الآخرة من الجحيم ومن النار ومن العذاب، والله المستعان. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]: أي سالكون طريق الهداية، ناجون بإذن الله موفقون، لكن ما معنى الظلم؟ ظن الصحابة رضوان الله عليهم، أن معنى قوله سبحانه ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: لم يذنبوا ولم يخطئوا ولم ينموا ولم يغتابوا الناس ولم يكذبوا، فقالوا: يا رسول الله! من يطيق هذا؟ كلنا ظلمة معنى كلامهم، في سند الإمام أحمد بسند صحيح أن الله لما أنزل قوله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] قال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الحديث في أول مسند أبي بكر: ﴿يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، فكيف العمل بعد هذه الآية؟ لأن ظاهرها إذا عملنا أي سوء نحاسب به، كلما فعلنا خطيئة نحاسب بها ونجزى بها- فقال ﵊: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تهتم؟ ألست تغتم؟ ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ قال: بلى، فقال: هذا من الكفارات، لا يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن ولا وصب ولا مرض، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾. فمقصود الآية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: بشرك: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام:٨٢] فالحمد الله الذي جعل الظلم هنا شركاً، فلو جعله معصية وخطأً، كنا وقعنا كلنا في هذا الظلم، وما كان لنا مخرج، والرسول ﵊ هنا فسر القرآن بالقرآن، قال: ﴿إنه ليس كما تظنون، أما سمعتم الله يقول: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان:١٣]﴾ فسمى الله الشرك ظلماً، وهذا يقصد به ﷺ وصية لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٢ - ١٣] فقال ﷺ : ﴿ليس بذلك، إنما هو الشرك، أما سمعتم الله يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ في الحديث دروس.

стр. 5221

ما يستنبط من حديث ابن مسعود أولها: إن الله لا يغفر الشرك للمشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] وفي الصحيحين وفي المسانيد والسنن عن معاذ ﴿أنه كان رديف الرسول ﵊، فسأله عن حق الله على عباده فقال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله ماحق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً﴾ والمسألة الثانية: أن الظلم درجات، قال : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] يرى ابن تيمية، ويرى ابن القيم أن الأصناف الثلاثة يدخلون الجنة، والجمهور يرون أن السابقين بالخيرات والمقتصدين في الجنة، والظالمين في النار، ونحن من الظالمين لأنفسنا، فنسأل الله أن يكون التفسير على ما قال ابن تيمية لندخل معهم، من هم السابقون والمقتصدون والظالمون؟ السابق بالخيرات: من أتى بالفرائض والنوافل، وترك الكبائر والصغائر والمكروهات. والمقتصد: من أتى بالفرائض ولكن ماتزود بالمستحبات، ومن ترك الكبائر، لكن ربما أتى بالصغائر. والظالم لنفسه: من يترك بعض الفرائض ويأتي ببعض الكبائر. والصحيح أن الثلاثة كلهم من المسلمين؛ لأن الله يقول: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٣] فأعاد الضمير على الثلاثة الأصناف، قيل لـ عائشة وسألها الأسود بن يزيد: -وأتى بذلك ابن القيم في كتاب طريق الهجرتين - من هم السابقون والمقتصدون والظالمون؟ قالت: السابقون هم الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر ومن سار معهم. قال: زالمقتصدون؟ قالت: من تبعهم بإحسان، قال: والظالمون؟ قالت: أنا وأنت. هذه عائشة قائمة الليل صائمة النهار؛ فكيف بنا؟ ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب لكن نحن برحمة الواحد الأحد، قال رجل للحسن البصري: ذهب القوم من السلف على الخيول وبقينا نحن نركب الحمير، أي في العمل الصالح، في الزهد وفي العبادة، قال الحسن: والله لتلحقن بالقوم ولو كنت على حمر معقرة إذا كنت على الطريق. إذا كنت على طريق السنة لحقت بالقوم كقول الأول: يا تقياً والتقى جلبابه وذكياً حسنت آدابه قم وصاحب من هم أصحابه لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل قال أنس: يقول ﷺ : ﴿يحشر المرء مع من أحب ونحن نحب أبا بكر وعمر ولو لم نعمل بعمليهما﴾ أو كما قال، ونحن نشهد الله أننا نحبهم فيه، فنسأل الله أن يدخلنا بالحب، أما العمل فلا عمل، قال ابن مسعود: ﴿لما أنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة ﵃ أينا لم يظلم نفسه؟﴾. والقضية الثالثة في هذا الحديث: أن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، وأن من قال: من الصوفية أن الولي يكون معصوماً، فقد كذب على الله، بل إن الولي يخطئ ويذنب، ويسيء ويعصي الله ولا يكون معصوماً، وهم قالوا: الولي كلامه كالوحي لا يخطئ، ولا يذنب ولا يسئ وهو محفوظ من بين يديه ومن خلف ظهره، وقد افتروا على الله، وخالفوا النصوص، بل الولي قد يكون مذنباً ولكن يغفر الله له، باستغفاره وتوبته وعمله الصالح. ومنها: تواضع الصحابة، فاعترفوا بالذنوب. ومنها: أن العلماء قد يخفى عليهم بعض المسائل، وأكبر الصحابة خفي عليهم هذا اللفظ، ففسره ﵊. ومنها أن القرآن يفسر بعضه ببعض، وهي طريقة أهل السنة كما فعل ابن كثير، فإنه فسر القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، والقرآن بلغة العرب وبكلام التابعين وتابعيهم بإحسان. فقال: ﷺ ﴿ليس ذلكم﴾ وفيه الأخذ بالظاهر، من النصوص مالم يرد به ظاهر، فإن الصحابة أخذوا بالظاهر فما أنكر ﷺ عليهم، وإنما أرشدهم إلى المعنى الخاص للآية فقال: ﴿ليس بذالكم، وإنما الظلم هو الشرك، أما سمعتم الله يقول: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان:١٣]﴾. وفي الحديث -بالاستنباط- أن الذنوب يغفرها الله، وقد دلت الأحاديث والآيات على ذلك، وفي الصحيح ليس في صحيح البخاري ولا مسلم لكن عند الترمذي بسند صحيح، قوله : ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بشيء شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ ومن المكفرات التي تكفر الخطأ التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعوات المؤمنين، وسكرات الموت، والصعقة في القبر، وما يلقاه المسلم في العرصات يوم القيامة، وشفاعة سيد الخلق ﷺ ، ورحمة أرحم الراحمين. فمن لم تدركه واحدة من هذه العشر فليبك على نفسه، إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سلمى فهو دمع مضيع إذا لم تدرك العبد إحدى هذه العشر، فليبكِ على نفسه من الآن، فعليه أن يتشبث برحمة الله، ثم بواحدة من هذه العشر، ومن حسبها وجمعها جميعاً فهو الفائز بإذن الله ﵎، ولا يهلك على الله إلا من شرد عن الله شرود الجمل الشارد على أهله، وقد أتى بذلك حديث صححه بعض أهل العلم، وصاحب الجامع وغيره.

стр. 5222

نصوص الأحاديث التي تم شرحها هذه الأحاديث الثلاثة أعود إلى ذكرها باختصار؛ وهي: حديث أبي ذر، حديث أبي بكرة، حديث ابن مسعود.

стр. 5223

حديث أبي ذر حديث أبي ذر الحديث الثامن والعشرون قال: ﴿ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال ﷺ : أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإذا كلفتموهم فأعينوهم﴾.

стр. 5224

حديث أبي بكرة الحديث التاسع والعشرون: حديث الأحنف بن قيس قال: ذهبت أنصر هذا الرجل علي بن أبي طالب، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تذهب؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: عد فإني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار﴾.

стр. 5225

حديث ابن مسعود حديث ابن مسعود ﴿لما أنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلكم إنما هو الشرك، أما سمعتم قوله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ وفي بعض الروايات الصحيحة كما قال العبد الصالح -أي: لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. هذه الأحاديث التي معنا في هذه الليلة المباركة. شفاعة الولي الصالح العامل بالكتاب والسنة: من معتقد أهل السنة أن الأولياء الصالحين يشفعهم الله كما أتت بذلك الأحاديث، رجل صالح كـ أبي بكر، كـ عمر، كـ عثمان، كـ علي، كالأئمة الكبار يشفعهم الله ، هذا الولي الذي يعمل بالكتاب والسنة، ويخاف من الله وهو مسدد في أعماله وأقواله، يشفع بإذن الله في المذنبين يوم القيامة بقدرة الله.

стр. 5226

الأسئلة

стр. 5227

معنى كلمة بياك السؤال سمعتك تقول وأنت تحيي: حياك الله وبياك، فما معنى كلمة بياك وجزاك الله خيراً؟ الجواب حياك الله وبياك، كلمة بياك مصدر وهي تستخدم عند العرب تقول: أنزلته مبوأً، وبوأته مكاناً، وبياك أي أنزلك مكاناً مكرماً من التوسعة ومن الإحفاف والإلطاف، فحياك أي مرحباً بك بالتحايا، وبياك بوأ لك مكاناً وأنزلك في مكان واسع فسيح، هذا ما أعرفه في هذه الكلمة.

стр. 5228

قصيدة في مدح عبد رب الرسول سياف السؤال أرجو إنشادنا القصيدة التي قلتها في الشيخ عبد رب الرسول سياف؟ الجواب أنا أنشد بعض الأبيات منها وهي اسمها (المدوية): سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم حطمت بالدين أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم على جبينك من سعد توقده وخالد في رؤى عينيك يقتحم حلق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأمم موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم إلى أن قلت:- الذاكرون ونار الحرب موقدة والسابحون ونار الهول تضطرم أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي رسموا كأنما أنت كررت الأولى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم صلاح الدين الأيوبي ومحمود بن سبكتكين والمعتصم ثم منها:- ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد سلموا إلى أن قلت:- يكبرون فتهتز الربى فرقاً ويهتفون فيسعى النصر نحوهمُ يا رب أنت ولي المسلمين ومن سواك من هذه الأصنام ينتقمُ أنزل على جندك الأسمى ملائكةً وراء جبريل روح القدس ينتظم.

стр. 5229

انحراف كثير من الشباب بعد الالتزام السؤال كان لنا إخوة في الله، وكانوا ملتزمين بأمور الدين، والآن تركوا الالتزام شيئاً فشيئاً، حتى وصل بهم الأمر إلى ترك الصلاة مطلقاً؟ الجواب نسأل الله ألا يضلنا بعد أن هدانا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، كيف نتكلم معهم، أولاً: يا أيها الإخوة الأبرار اسئلوا الله الثبات دائماًَ، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يحولها كيف يشاء، وكان ﷺ يقول: ﴿يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك، ويا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك﴾ أو كما قال ﵊، الأمر الثاني: هؤلاء الذين فعلوا ذلك لأحد سببين: إما أن تكون دعوتهم ضعيفة، الذين دعوهم وأخذوهم من الباطل إلى الحق كانوا دعاةً، لكن فيهم ضعف، يمكن أنهم استنقذوهم من المعاصي ولكن ما ربوهم تربيةً روحيةً جادةً، بقراءة قرآنٍ، وكثرة نوافلٍ، وكثرة دعاءٍ، وخشيةٍ، وصلة بالواحد الأحد؛ لأن بعض الناس في مدارسهم التربوية إذا استنقذ الشباب، قد يضعف في هذه التربية، قد يربيه على كلام فكري، على عمومات في الإسلام، على شيء من الإنشاء، ومن الأفكار الطيبة، لكن ما أعطاه حرارة الإيمان وروح الإيمان. السبب الثاني: أن يكون هذا الداعية رجلاً ضعيف الشخصية، وهذا المدعو قوياً، فاستسلم له في مرة من المرات، ثم رجع إلى شخصيته، وساعده أهل الباطل وجلساء الشر، فجذبوه إليهم جذباً، فوصيتي للدعاة والذين يعملون في حقل الشباب، أن يهتموا بالنوافل للشباب وبعلم السلف قال الله وقال رسوله ﷺ ، ثم يقودوا الشباب إلى كثرة النوافل وكثرة الذكر وكثرة الدعاء، ثم يلازموا الشاب ويفصلوه عن الجلسات السيئة، وعن جلساء السوء حينها يهتدي بإذن الله، وعلينا أن ندعو لضال المسلمين أن يهديه الله سواء السبيل.

стр. 5230

الله تواب رحيم السؤال اقترفت من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله، وأنا أحب الخير، لكن نفسي لا تطاوعني، وكنت أسمع بعض المشايخ، يقولون: هناك من الناس من يستهزئون بربهم، فمثلاً يطيعون الله في رمضان، ويعصونه في غير رمضان، وهل إذا تاب توبةً نصوحةً يقبل الله ؟ الجواب أولاً: اعلم أن التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله من العطا لذي الخطا من أحسن الظن بذي العرش جنى حلو الجنى الشائك من شوك السفا لا بد أن ينصرنا كما زوى جوداً وأن يمطرنا كما ذوى فنتعلق بحبل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يهدينا وإياكم وأن يتوب علينا وعليكم توبة نصوحاً.

стр. 5231

أقل الوتر ركعة واحدة السؤال الوتر، ما هو أقله؟ الجواب أقله ركعة، وأكثره لا حد له، وإذا فاتك في الليل فاقضه من النهار شفعاً، ولو أن بعض أهل العلم يقول: يقضي وتراً لحديث: ﴿من فاته الوتر، فليصله متى ذكره﴾ حديث صحيح. ودليل من قال يصليه شفاعاً حديث عائشة عند مسلم: ﴿كان ﷺ إذا فاته الوتر من الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة﴾ فمن كان وتره إحدى عشرة ركعة، فليصل اثنتا عشرة ركعة، تكون شفعاً في النهار؛ لأن وتر النهار صلاة المغرب، فأنت إذا كان وترك ثلاثاً، فصلِّ أربعاً، وإن كان وترك خمساً فصلِ ستاً، وهكذا؛ وبعد أذان الصبح لا تصل إلا ركعتي الفجر، وأما الوتر فتصليه بعد طلوع الشمس.

стр. 5232

الوصية بتقوى الله السؤال أريد موعظة شافية وكافية؟ الجواب ما ورد من الكلام فهو موعظة إن شاء الله، ولكن كأن الأخ يريد أن نبدأ من جديد في محاضرة، وأنا أقول: أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله .

стр. 5233

فرق بين الدعوة وبين الفتوى السؤال هل يستطيع الأخ الذي لم يقذف في قلبه طلب العلم، ولكنه يملك موهبة الدعوة؛ لأنه إنسان اجتماعي، فهل يستطيع: أن يدعو إلى الله وهو جاهل، وهو يقول هذا، وحجته أنه يقول: إننا لو كنا جميعاً طلبة علم، لما دعونا إلى الله؟ الجواب أولاً: أما الدعوة فهي على القدر المستطاع؛ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، قال ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وأما الفتيا فشيء آخر لا بد من العلم الراسخ فيها، فأنت كداعية عليك أن تدعو بما عندك ولو لم يكن عندك إلا الفاتحة. ذكروا عن أحد الصالحين وهو لغوي ونحوي كبير، مات فرئي في المنام كما يقول الخطيب البغدادي، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي، قالوا: بماذا؟ قال: أما النحو فما نفعنا بشيءٍ، ولكن علّمت عجائز في قريتي سورة الفاتحة، فنفعني الله بهذا، فهل أحد منا في المسجد يحفظ الفاتحة فيعلمها عجائز نيسابور، أو عجائز مدغشقر، ليدخل بها الجنة، على هذا المستوى لا يعذر أحد عن الدعوة.

стр. 5234

الخلاف بين علي ومعاوية السؤال هل نستطيع أن نقول: إن علي بن أبي طالب ومعاوية، ينطبق عليهم الحديث الذي ذكرته وهو قول الرسول ﷺ : ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما﴾؟ الجواب لا والله، هم معذورون مأجورون مشكورون، عندهم تأويل، فـ علي ﵁ يرى أنه إمام مبايع، وأنه خليفة راشد ينبغي أن يطاع وهؤلاء بغاة، ويرى معاوية أن ابن عمه مقتولٌ، وعثمان قتل مظلوماً وقد قال الله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء:٣٣] فلـ علي أجران لأنه اجتهد فأصاب، ومعاوية اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، وهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].

стр. 5235

من الخرافات المنتشرة السؤال قضية سلفت في البارحة وهي قضية تيس من التيوس، قيد إلى الإعدام وحكم عليه أمس بالإعدام، وقد ذبح على الطريقة الإسلامية، هذا التيس كان فتنة للناس، وربما سمعتم خبره، في جدة ومكة، أُتيَ به يحلب، خنثى مشكل، ويشربون من لبنه، عرض سؤال البارحة يقول: هل هذه كرامة؟ وما هو معتقد أهل السنة والجماعة في هذا التيس؟ الجواب معتقد أهل السنة والجماعة في هذا أن التيس هو ابن عنز، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يشفي ولا يرفع ديناً ولا يكشف غماً ولا كرباً، إنما يشفي ويكفي الله الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] وأنا قلت للإخوة بالأمس لا يسمع بنا الأجانب فيضحكون علينا، خاصة ونحن جيران بيت الله العتيق، خرافات وخزعبلات، تمائم وتولة، ماكفانا التعلق وتقديس المشايخ، وعبادة المشايخ من دون الله، حتى نعبد التيوس والثيران والحمير، هذا أمر مفزع، أمة أتت بالتوحيد وبرفع لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، تأتي بكرامة التيوس. وقلت إن ابن تيمية ذكر ضابطين للكرامة: أولها: أن يكون صاحب الكرامة على الكتاب والسنة، يعمل بعلمه، أما أن يأتي فاسق زنديق ويقول: لي كرامة، فلا يقبل منه ذلك؛ فإن ابن عربي والحلاج الصوفي، أتى بأمور مذهلة وبأمور خارقة للعادة، لكن ليس ذلك بكرامة. الضابط الثاني: أن تكون هذه الكرامة لرفع راية لا إله إلا الله، ولنصرة دين الله، فهذه كرامة، أما هذه الخزعبلات فإنها شركيات؛ ويبتلي الله بها من يشاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] وجزى الله هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة خير الجزاء، فقد قادت التيس آسفاً نادماً خاسئاً حقيراً، وذبحته بسكين العدالة، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5236

العلم الأصيل والعلم الدخيل إن مما انتشر بين المسلمين في هذه العصور كثرة العلوم المختلفة التي ليس منها فائدة إلا ضياع الأوقات والأعمار في البحث عنها وعن جزئياتها، حتى أصبح الناس لا يميزون بين العلم الأصيل النافع, والعلم الدخيل الضار, والناظر في الآيات والأحاديث يعرف حقيقة العلم النافع من غيره, وقد ذكر الشيخ نماذج من العلم الأصيل, ونماذج من العلم الدخيل الذي أصبح منتشراً بين المسلمين؛ فإذا أحببت أن تعرف هذه النماذج فما عليك إلا قراءة هذا الدرس.

стр. 5237

أهمية الحديث عن العلم الأصيل والعلم الدخيل الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية, وزعزع به كيان الوثنية، ﷺ تسلمياً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، هذا الموضوع، موضوع "العلم الأصيل والعلم الدخيل" موضوع كبير وخطير، وتأتي أهميته من ثلاثة أسباب: السبب الأول: أن الله ميز في كتابه بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، وأن رسوله ﷺ فرق بين العلمين في حديثه الشريف، وكذلك أصحابه والسلف الصالح، رضوان الله عليهم جميعاً. السبب الثاني: أن هناك عند المقصرين من أمثالي من طلبة العلم وغيرهم -من باب أولى- غبشاً وخلطاً بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، فهم يخلطون بين هذا وهذا, ولا يميزون العلم النافع من العلم الضار، ولا المفيد من غيره، ولا الذي من ورائه ثمرة من الذي لا ثمرة من الكد والكدح فيه. والسبب الثالث: أن هناك خطورة كبيرة من عدم التمييز بين العلم الأصيل والعلم الدخيل، وكثير من الناس لعدم معرفته بفائدة العلم لا يحرص عليه، ولا يحصله، ولا يجلس في مجالسه, ولا يتعلم عند أربابه وأهله، ولا يتعب نفسه في حفظ العلم والتفقه فيه أبداً.

стр. 5238

مثال لمن لم يفهم ثمرة العلم الأصيل روى الزبيدي صاحب شرح القاموس أن أعرابياً قدم إلى عمر ﵁ وأرضاه، فقال له عمر: [[أتحفظ شيئاً من القرآن -وهذه هي الميزة والأهلية, وهذه هي الأصالة عند الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم- أتحفظ شيئاً من القرآن؟ قال الأعرابي: نعم. -وظن أن عمر سوف يكتفي بهذا السؤال, ولا يمتحنه بعد هذا السؤال- فقال: نعم. قال عمر: اقرأ عليّ أم القرآن -يعني: الفاتحة- قال الأعرابي: والله لا أحفظ البنات فكيف أحفظ الأم؟!! فضربه عمر بالعصا، ثم أدخله يتعلم عند الصحابة]] وكانت طريقة السلف بتعلم الحروف الهجائية, أنهم يبدءون بأبجد هوز, أي: جمع الحروف على هذا المستوى حتى تجمع وتفهم (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت) حتى ينتهوا من حروف الهجاء، فأتوا يعلمونه، فما فقه حرفاً، فلما سنحت له الفرصة فر من المدينة خائفاً يترقب، ثم قال شعراً وهو في الصحراء قال: خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري فلما فر قال: أتيت مهاجرين فعلموني ثلاثة أسطر متتابعات كتاب الله في رقٍّ صحيح وآيات القران مفصلات فخطوا لي أبا جاد وقالوا تعلم سعفصاً وقريشات وما أنا والكتابة والتهجي وما حظ البنين من البنات فلقلة علم هذا الرجل بالعلم الأصيل، ما حرص على أن يتعلم، وهذا يصح شاهداً لمن لم يفهم ثمرة العلم, ولم يحرص عليه قال ابن الجوزي: يا ضعيف العزم! لو علمت فائدة العلم؛ لسهرت الليل, وأظمأت النهار، وجعلت نوافلك في العلم. في كتاب الزهد للإمام أحمد بسند جيد عن معاذ أنه قال ﵁ وأرضاه: [[تعلموا العلم، فإن مدارسته تسبيح، وتعليمه يعدل الصيام والقيام، وإن دعوة الناس إليه أفضل من الجهاد]] أو كما قال ﵁ وأرضاه.

стр. 5239

مثال لمن اهتم بالعلم الدخيل وجعله كالأصيل ومثل آخر لرجل ظن أن العلم الدخيل علمٌ أصيل: دخل عمر ﵁ المسجد النبوي في المدينة، فإذا برجل يقص على الناس من كتاب دانيال، وهو كتاب قديم فيه خزعبلات وخرافات وكذبات، ونطحات عن الأحياء والأموات، ما فيه علم ولا أصالة, يا عجباً! حتى في حياة عمر يظن أنه سوف ينشر مثل هذه الخزعبلات، فجمع الناس في المسجد وأتى يقص عليهم من هذا الخبر الذي يوجد في مثل كتاب بدائع الزهور ووقائع الدهور، ذلك الكتاب الخرافي الخزعبلي المارد الذي ليس فيه علم، إنما فيه كذب من رأسه إلى أخمص قدميه، فقال عمر: ماذا يقول هذا؟ -وأنتم تعرفون أسلوب التفاهم مع عمر ﵁ فقالوا: يقص علينا من كتاب دانيال فرجع عمر وذهب إلى بيته وأحضر عصا معه حتى يخرج القصص من رأسه حتى لا يقص مرة ثانية، ثم تخطى الصفوف, وجعل العصا وراء ظهره ﵁ حتى تقدم إلى المنبر, ثم أخذ الرجل بتلابيبه وأوقعه في الأرض، وكان عمر جسيماً عملاقاً من دهاة الناس في جسمه وعلمه وزهده، ثم أخذ يضرب في الرجل وهو يقول: يا كذاب! الله يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وأنت تقص على الناس من كتاب دانيال، فهذا الرجل مثل لمن ظن أن العلم الدخيل علم أصيل، فإنه أدخل الخزعبلات في العلم الأصيل.

стр. 5240

مثال لمن لا يميز بين الأصيل والدخيل وهناك صنف ثالث لا يحرص على التفقه في الدين، ولا يهتم بالتمييز بين الأصيل والدخيل، ولا بين النافع أو الضار، ولا المفيد من غيره، إن جاءت الكلمة عفوية حفظها يوم الجمعة، أو في درس سانح، وإن كان عنده رغبة حضر حلقة العلم، وإن كان عنده عزيمة أو مناسبة، فالله يخلف عليه بخير فإنه لن يحضر. دخل أبو دلامة على هارون الرشيد وهو رجل دعوب مزاح طريف يدخل على الخلفاء العباسيين، قال هارون الرشيد: يا أبا دلامة سمعنا أنك انقطعت عنا لتتعلم الحديث النبوي في هذه الفترة؛ فماذا تعلمت؟ قال: تعلمت علماً نافعاً يا أمير المؤمنين! قال: أخبرني ماذا حفظت، قال: حدثنا فلان عن فلان، عن عكرمة ﵀، عن ابن عباس ﵄ وأرضاهما، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من حفظ خصلتين دخل الجنة﴾ نسي عكرمة خصلة, ونسيت الثانية، ما الفائدة؟!! ربما كانت منه طرافة، وإلا ربما يكون قد حفظ واحدة على الأقل، وإما أن يكون بليداً بلغ في البلادة المنتهى، فهذا لا التفت للعلم ولا لتمييز الأصيل من الدخيل.

стр. 5241

العلم النافع في القرآن الكريم تعالوا معنا لنستقرئ العلم الأصيل والعلم الدخيل من كتاب الله , ومن سنة الرسول ﷺ ، ومن أقوال الصحابة والسلف الصالح.

стр. 5242

العلم النافع في آية الزمر وعلاقته بالخشوع والخشية يقول عز من قائل عن العلم النافع: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. قال جهابذة التفسير: ذكر الله العلم هنا بعد قيام الليل، فكأنه يقول: العلم النافع هو الذي يقيمك تصلي في الليل, أو يجعلك قانتاً خائفاً مخبتاً, منيباً خاشعاً, ناسكاً زاهداً؛ فهذا هو العلم النافع: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر:٩] ثم لم يعقب الله تعالى بأنه أعد لهم جنات النعيم، ولا قال: وقوا عذاب النار -وهم يوقون النار إن شاء الله- ولكن قال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فكأنه لما ذكر النسك عقب بالعلم النافع، ونأخذ من الآية أن العلم الأصيل هو الذي يحمل العبد على خشية الله وعلى الإنابة إلى الله والزهد في الدنيا, وعلى التقرب بالنوافل إلى الله، وإلا لو لم يكن علماً أصيلاً ما ذكره الله بعد قيام الليل, فكأن معنى الآية: لا يستوي الذي يعلم فيقوم الليل ويتهجد لله، مع الذي لا يعلم فلا يقوم الليل ولا يتهجد لله. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] أثر أن ابن عباس ﵄ كان إذا قرأ هذه الآية بكى طويلاً وقال: [[ذلكم عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه]] لكن لا تختص الآية بـ عثمان ﵁ وأرضاه، وإنما المعنى هذا واحد من ذلك الجنس, الذي ذكر الله، يقول حسان ﵁ وأرضاه: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً وفي كتاب المروزي بسند صحيح أن عثمان ﵁ وأرضاه قام ليلة كاملة من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر بركعة واحدة, قرأ فيها القرآن كاملاً: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر:٩] ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] إذاً الفائدة من هذه الآية: أن العلم النافع يقودك إلى الخير, والعلم الضار لا ينفعك ولا يقربك, ولا يجعلك تحذر الآخرة، ولا ترجو رحمة الله، ولو حفظ الإنسان من المتون ما حفظ، وحفظ الصحاح والمسانيد والسنن ثم لا يتقرب إلى الله ولا يخشى الله ولا يراقب حدود الله فما هو بعالم، بل هو جاهل بلا شك.

стр. 5243

العلم النافع في آية المجادلة وعلاقته بالأدب واسمعوا إلى الآية الأخرى، قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] لنقرأ ما قبل الآية، لنتبين ما هو العلم الذي يقصده ، أهو الحفظ أو الشهادات، أم هو كثرة التبجح بالمقامات, والمنظومات، والمؤلفات، والمصنفات؟ أم ماذا؟ يقول عز من قائل قبل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] قال أهل العلم: ذكر الله العلم هنا بعد الأدب، فالأدب علم، وكثير من الناس يتعلم ولا يتأدب، فلا يتأدب في صلاته ولا في زيارته لأحبابه وإخوانه, ولا في جلوسه في المجلس، ولا يتأدب في استئذانه، ولا في زيارته للمريض، وقيامه وجلوسه, قال أهل العلم: إن قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة:١١] هذا من الأدب الذي يحض عليه الله , ثم قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة:١١] وعطف عليه ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [المجادلة:١١] لأنهم يتفسحون, وينشزون, ويتأدبون، إذاً نأخذ من هذه الآية شاهدين: الأول: الأدب علم يعبد به الله ، ولذلك عقد ابن القيم في كتاب مدارج السالكين باب الأدب، وتبع في ذلك شيخ الإسلام أبا إسماعيل الأنصاري، لأنه قال: (ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأدب) والأدب: حفظ الجوارح مع الله، وقيل أنه إذا خلوت بالله كنت أشد حياء منه، من إذا جلوت بالناس. وقيل: هي أن تحبس مرادك على مراد الله، قال معاذ ﵁ وأرضاه في الأدب: [[ما بصقت عن يميني منذ أسلمت]] وقال أحدهم: ما مددت رجلي تجاه القبلة منذ عرفت يميني من شمالي، وإن كان ذلك جائزاً وقال ابن المبارك: نحن بحاجة إلى كثير من الأدب مع قليل من العلم، وقال: أن نجعل علمنا طعاماً, وأدبنا ملحاً، والواجب أن نجعل أدبنا طعاماً, وأن نجعل علمنا ملحاً. ومن الأدب ما تأدب به الصالحون، وربما نذكر بعض النماذج فيما بعد. والدليل الثاني من الآية: أن من لم يتأدب فقد نقصه علم أصيل, ودخل عليه علم دخيل.

стр. 5244

العلم النافع والزهد في الدنيا وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] وهذه في قصة قارون , ذكر الذين أوتوا العلم والإيمان؛ أما الإيمان فآمنوا بالله وبرسله، وكتبه، والسبب في أن الله وصفهم بالعلم هنا يظهر مما قبلها قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] أي فهؤلاء علمهم دخيل, أحبوا الدنيا, وغبطوا قارون؛ لأن عنده مالاً، وغفلوا عن طاعة الله, وعن حفظ حدود الله، فيأتي العلم الأصيل، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] مدح الله العلم هنا وسماه علماً؟ بسبب الزهد في الدنيا والإعراض عنها, وطلب ما عند الله؛ فهو علم أصيل، وبمفهوم المخالفة ما خالفه من علم فهو دخيل.

стр. 5245

العلم النافع هو علم القرآن والتوحيد وقال عز من قائل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وجاءت هذه الآية بعد قوله : ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] فالعلم المراد هنا علم القرآن، لا يعرف التفسير إلا بالسياق والقرائن وفهم ما قبل الآية مع ما بعدها, فالعلم الأصيل هنا هو علم القرآن. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] لو أن الآية قرئت مبتورة لظن بعض الناس أنه يدخل في ذلك علم الفلك -على ما سوف يأتي- وعلم النجوم، وعلم الأنساب, وزيادة معرفة القبائل وبطونها، وأفخاذها وأسرها وعشائرها، لكن قال عز من قائل: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] فدل على أن العلم النافع علم القرآن. وقال عز من قائل في سورة آل عمران: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] السؤال لماذا سماهم الله أولي العلم؟ السبب: أنهم شهدوا لله بالوحدانية واستنبط بعض أهل العلم من هذه الآية أن علم التوحيد علم أصيل، وأن من لم يوحد الله ولم يخلص العبودية لله؛ فعلمه دخيل ولو علم علوم الدنيا، لأن بعض الناس ضلوا وهم علماء، لأنهم خرافيون، قادة ضلالة، وعملاء جهالة، كما مر في تاريخ الإسلام من أمثال ابن الراوندي والحلاج، وابن عربي محيي الدين الطائي صاحب كتاب الفتوحات المكية، وفصوص الحكم وهي فصوص الظلم، وهي ظلمات بعضها فوق بعض، يقول الذهبي: إذا لم يكن كفر في الفتوحات المكية فليس في الدنيا كفر، فهؤلاء لا يسمون أهل علم؛ لأن أهل العلم هنا هم أهل الوحدانية لله. وقال عز من قائل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وهذا هو علم التوحيد، وعلم العقيدة، فغيره دخيل وهو أصيل، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] ثم قال بعدها: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت:٤٤] فدل على أن التفكر والتدبر في آيات الله علم أصيل، وأن من لم يتدبر ولم يتفكر في آيات الله فعلمه دخيل، فالتفكر والتدبر في آيات الله علم أصيل. وقال عز من قائل: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] لهذه الآية معنيان، بأيهما أخذت أصبت خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق فالمعنى الأول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] أي: بل هذا القرآن آيات واضحات، محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم؛ فهذا فيه دليل على فضل الحفظ. والمعنى الثاني: أن هذه الآيات بينات معانيها في صدور الذين أوتوا العلم، أي: أنها مشروحة في صدورهم يعرفون معانيها، أو بيّن معناها في صدورهم لا أنهم يحفظونها، وإن حفظوها فهم يحفظون معانيها في صدورهم. وقال عز من قائل عن موسى والخضر: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] إنه العلم النافع دل عليه السياق، ونكتفي بهذا من كتاب الله دليلاً على العلم النافع الأصيل.

стр. 5246

العلم النافع في السنة النبوية أما في السنة فالرسول ﷺ يتحدث عن العلم الأصيل.

стр. 5247

العلم النافع والهدى يقول ﵊ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث﴾ جمع بين العلم والهدى؛ لأنه لابد من هاتين الكلمتين، فالهدى: هو العمل الصالح، والعلم: هو العلم النافع، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بعث الله محمداً ﷺ بالعلم النافع والعمل الصالح؛ لأن النصارى عملوا لكن عملهم ليس بصالح، واليهود تعلموا لكن علمهم ليس بنافع، أما قال الله في النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] فأضلهم الله لأنهم عملوا بلا علم، وأما في اليهود فقال عز من قائل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] تعلموا العلم ولم يعملوا به، وفي اقتضاء الصراط المستقيم لـ ابن تيمية أن سفيان بن عيينة قال: وقع في هاتين الآيتين عبّاد من عبّادنا, وعلماء من علمائنا، فمن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى. قال ﵊: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ وعبر بالغيث ولم يقل: (المطر) لنكتة؛ قال: أهل العلم مثل المطر؟ قال أهل العلم: اختار ﷺ كلمة الغيث، واختُصر له الكلام اختصاراً، وهو الذي يجيد صنع الكلمة المؤثرة. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء فما قال المطر؛ لأن المطر ما استخدم في القرآن إلا في العذاب، يقول عز من قائل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٨٤] فعدل ﷺ عن هذا اللفظ، وأتى بلفظ أرق وأحسن وأبدع وأروع فقال ﴿كمثل الغيث﴾ والغيث فيه ثلاث صفات: الأولى: صفاؤه ونقاؤه. الثانية: أن فيه معنى الغوث، يغيث القلوب والأرواح. الثالثة: أنه حديث عهد بربه. كان ﷺ كما في البخاري ﴿= ٧٠٠٤٥٩٦>إذا أمطرت السماء يخرج فيتمطر﴾ قال البخاري باب من تمطر في المطر -يعني: إذا نزل الغيث- ثم أتى بحديث كان إذا نزل الغيث خرج ﷺ بثيابه يتمطر وقال: ﴿إنه حديث عهد بربه﴾. مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً -وهذه الأرض هي الأمة الإسلامية وغير الإسلامية- فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وهؤلاء أهل الفهم والحفظ، وأهل الدعوة؛ حفظوا النصوص، وأخرجوا كنوزها، وشقوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأخرجوا ثمارها، وبلغوها للأمة، وهذه أمثال أهل العلم الكبار من السلف الصالح. وطائفة أخرى وهي الأجادب، أي: غدران، حبست الماء فنفع الله بها الناس, فسقوا, وزرعوا, وشربوا، وهذه طائفة حفظت, ولكنها ما تفقهت ولكنها أمسكت النصوص للأمة، كما يقول ابن حجر والقرطبي. وكان منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، هؤلاء لا حفظوا ولا تفقهوا، ولا تعلموا ولا علموا ولا تبصروا -نسأل الله العافية والسلامة- فقال ﵊ حاكماً على الطوائف الثلاث: ﴿فذلك مثل من نفعه الله بما أرسلني به فَعِلم وعَلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً, ولم ينفعه ما بعثني الله به﴾ صدق ﷺ .

стр. 5248

الفقه في الدين وفضله استفدنا من الحديث: أن علم الحديث الأصيل هو ما أفاد ونفع في الدنيا، أما من لم يتجه إليه, أو تشاغل عن علم الكتاب والسنة، فإنه ليس بنافع علمه ولا أصيل ولا مفيد, ويقول ﵊، كما في الصحيحين من حديث معاوية ﵁ وأرضاه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. فدل الحديث على أن الفقه في الدين وتعلم أحكامه وأسراره هو العلم الأصيل، ولذلك يقول بعض أهل العلم: أثر عن بعض الصوفية أنه كان في بيت المقدس له زاوية, فكان هذا الصوفي جالساً مع الناس في بيت المقدس، فلما صلى العشاء قام إلى زاوية من زوايا المسجد، وقام عالم من العلماء يدرس الناس كتاب الحيض بعد صلاة العشاء، وأما ذاك الصوفي فإنه يقول: حي حي، حي حي، ولما قرب الفجر قام الصوفي على هذا العالم وقال له: وصل الواصلون إلى الله, وأنت في كتاب الحيض، قال: بماذا؟ قال: لقد قلت حي حي كذا كذا ألف، وأنت تدرس الناس كتاب الحيض، قال: نسأل عالم المسلمين أبا علي الروذباري، فذهبا يسألانه، قال: ما عندكما؟ قال الصوفي: أما أنا فجلست أتصل بالله, وأذكر الله, وأقول حي حي، وأما هذا فجلس بعد صلاة العشاء يعلم الناس الحيض، فقلت: وصل الواصلون والعارفون، وأنت ما زلت في كتاب الحيض، فقال أبو علي: نعم. وصل الواصلون من أمثالك, ولكن وصلوا إلى سقر، وذلك لأنه عطل نفسه من العلم النافع، والأمر الثاني: أنه ابتدع ذكراً ما أتى به ﷺ ، هل علم ﷺ الناس أن يقولوا: حي حي، وهل هذا ذكر؟ وابن عربي الطائي صاحب الفتوحات، يقول: هو هو، فهو ينبح مثل الكلب، ويسمى "ذكر الضمير" حتى يقول: إذا بلغ هذه الكلمة فيكررها وهو الذكر الخالص، ويقول في قوله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] قال: إذا نسيت الله فقد ذكرت الله، وقالوا في قوله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] يعني: الصحابة في أحد , قال الله فيهم، معنى الآية: أن الله مدح بعض الصحابة يعني: أن منكم من يريد الغنائم ومنكم من يريد الجنة، فصفقت الصوفية وقالوا: الله المستعان! وأين الذين يريدون الله؟ فأبطلوا الطائفتين، وخطئوا الفريقين. يقول ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ طلب الأحكام أجل عبادة، ولذلك يقول الإمام الشافعي ﵀: "لأن أتعلم حديثاً خير من أن أصلي"، وسأله سائل: أجلس أتعلم الحديث أو أتنفل؟ قال: "تعلم الحديث" وهذا الكلام فيه تحفظات، ومحترزات, سوف ترد مناسبته إن شاء الله.

стр. 5249

العلم النافع ثلاثة يقول ﵊ في العلم الأصيل: ﴿العلم ثلاثة، وما سوى ذاك فهو فضل آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة﴾ رواه أبو داود وابن ماجة وفي سند ابن ماجة ابن لهيعة وهو رجل ضعيف، فاضل عابد, لكن دخل عليه الضعف، فضعف سنده، وأما في سند أبي داود فـ عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف، ولكن ربما تعتضد إحدى الروايتين بالأخرى فتستقيم إن شاء الله فدل كلامه ﷺ على أن العلم الأصيل عند المسلمين يتركز على ثلاث نواح: كتاب عظيم أنزله الله للناس وهو القرآن، وسنة محمد ﷺ ، وعلم الفرائض، وسوف تأتي علوم لا نجعلها دخيلة، بل هي إن شاء الله أصيلة، وأثر عنه ﷺ أنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع، والذي يستعيذ منه ﷺ هو العلم الدخيل المشوب بالدخن، قال زيد بن أرقم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها﴾ رواه مسلم وزاد الأربعة: ﴿ومن دعاء لا يسمع﴾ وزاد الترمذي: ﴿أعوذ بك من هذه الأربع﴾ فتعوذ ﷺ من علم لا ينفع. وقال ﵊ كما عند ابن ماجة: ﴿سلوا الله علماً نافعاً فإنه ربما يكون العلم غير نافع﴾ أو كما قال ﷺ ، ذكره في المقدمة، وكان ﵊ كما روى الترمذي عن أبي هريرة يقول: ﴿اللهم انفعني بما علمتني, وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً﴾ فالعلم النافع الذي يريده ﷺ هو الكتاب والسنة، والفرائض، وسوف تأتي علوم تندرج تحت العلم الأصيل. قال البخاري في كتاب العلم، وإنما العلم بالتعلم، وتعلم أصحاب محمد ﷺ على الكِبَر، وقال ذلك لأن بعض غلاة المتصوفة، أو أهل الطرق، أو الذين أخذوا أعمال القلوب وجعلوها القضية الكبرى, يقولون: نحن لا نتعلم، إنما يأتينا علمنا من السماء، ينزل عليهم جبريل ﵇ بالعلم، وقالوا: علمنا علم الخرق لا علم الورق، والخرق هي الثياب الممزقة التي يلبسها المتصوفة، وكانوا يغضبون على أهل الحديث إذا رأوهم يحملون صحفاً بيضاء في أيديهم، ولذلك ذكر ابن القيم في مدارج السالكين أن أحد هؤلاء المشعوذة والمتفلسفة والمتصوفة يقول: علمكم من عبد الرزاق، وعلمنا من الخلاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف أحد رواة الصحيحين من أكبر وأشهر المحدثين على الإطلاق، قال ابن القيم راداً على ذلك: والله يا ضعيف العقل! لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفت الخلاق، ولذلك قال البخاري: العلم بالتعلم وهو أن تحفظ وتكتب, وتقرأ وتدرس, وأن تطالع، ليس العلم أن يجلس الإنسان في زاوية ويقول: يفتح عليَّ فتوح, وينزل عليَّ, فهو العلم اللدني الذي يسمونه ويطنطنون به، ولذلك قال أبو سليمان الداراني كما ذكر عنه ابن كثير والذهبي: عملنا -يقصد أهل الطريق، زهدهم وعبادتهم- يقول: عملنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن, ولم يكتب الحديث، فلا تثقوا به. وأثر عن الجنيد أنه قال: إن النكتة تقع في قلبي من نكت القوم -أي كلمة يسمعها- فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين، وهما الكتاب والسنة، ولذلك قال ﵊: ﴿اللهم إني أسألك إيماناً دائماً؛ فرب إيمان غير دائم, وأسألك علماً نافعاً؛ فرب علم غير نافع﴾ ذكره أبو نعيم صاحب الحلية، وشطره الأول ذكره الطبراني في المعجم الكبير بسند جيد، ووقفه الإمام أحمد على ابن مسعود، وذكره الحاكم وابن حبان من حديث أنس وصححوه؛ فكأنه لا يصح مرفوعاً.

стр. 5250

الأسس التي يدور عليها العلم النافع عند السلف والعلم النافع هو العلم الأصيل وأبوابه سنتحدث عنها. ذكر البخاري ﵀ في كتاب الأدب من صحيحه أن عبد الله بن عون قال: ثلاث نحبهن لإخواننا، قالوا: ما هي؟ قال: هذا القرآن أن يتعلموه, وأن يعملوا بما فيه، والسنة أن يتفقهوا فيها، وأن يدعوا الناس إلا من خير. والعلم النافع عند الصحابة والسلف الصالح -كما يقول ابن رجب - يدور على ثلاث نواح أو على ثلاث واجهات كما سيأتي

стр. 5251

القرآن من أسس العلم النافع القرآن أول أسس العلم الأصيل، ومن لم يهتم بالقرآن فما نفعه علمه، بل هو وبال عليه، ولذلك قال شعبة بن الحجاج: يا أهل الحديث! مالكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن؟ فبعض الناس لسوء فهمه وتدبيره إذا أتى يطلب العلم، قدم كتب البشر على كتاب الله، فلا يتحفظ من القرآن شيئاً ويحفظ الأحاديث, وربما حفظ الصحيحين، أو شيئاً من السنن والمسانيد، وربما حفظ الفرائض وعرف القسمة، والضرب والتوزيع، والعول والأنصباء والرد، ولكنه لا يحفظ القرآن، فكيف يقدم قبل القرآن شيئاً آخر! إن أصالة العلم تبدأ بالقرآن، كان السلف إذا أتى طالب العلم، يقولون: أحفظت من القرآن شيئاً؟ فإن قال: نعم. حفظَّوه وعلموه وفهَّموه ودرَّسوه، وإن قال: لا. قالوا: عد فتعلم القرآن ثم تعال. فالعلم الأصيل هو علم القرآن، ولذلك يقول ﵊ لـ أبي بن كعب كما في الصحيح: ﴿أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ يده ثم ضربها في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ فالعلم هنا هو القرآن، فدل كلامه ﷺ على أن العلم الأصيل هو القرآن، ولذلك يقول : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] فسماه علماً نافعاً.

стр. 5252

السنة من أسس العلم النافع ومن فرق بين القرآن والسنة فهو خارجي مارق، سفيه جاهل, يؤخذ على يده ويؤدب، وقد سمعت نعقات في العالم الإسلامي بعضها تقول: نكتفي بالقرآن، وأُلِّفَ في ذلك كتاب, وحمل الناس على أن يعتقدوا أن لا شريعة إلا في القرآن, وهذا ضال مارق من الإسلام سخيف سفيه، قد افترى على الله , صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿رب رجل شبعان ريان على أريكته، يأتيه الأمر من أمري فيقول: حسبكم القرآن، ما وجدتم في القرآن من حلال فأحلوه، وما وجدتم في القرآن من حرام فحرموه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه, وفي لفظ: ومثليه معه﴾ فمن فرق بين القرآن والسنة، أو قال: يكفينا القرآن، فقد ضل وجهل، وهذا يأتي من طائفتين من الناس: طائفة: عندهم فكر خارجي، وقلة علم، وتشدد وغلو في الدين، يتمسكون بظاهر القرآن، وطائفة أخرى: جاهلة، يقول أحدهم: يكفينا القرآن، وإذا رأى الناس يتعلمون صحيح البخاري ومسلم يقول: تشاغلوا بالقرآن واتركوا هذه الأحاديث، وهذا خطأ بل لا بد من الوحيين (القرآن والسنة) لتبين للناس ما نزل إليهم، ولا يبين إلا الرسول ﷺ . هل في القرآن أن صلاة الظهر أربع، وصلاة العصر أربع، وصلاة المغرب ثلاث، وصلاة الفجر ركعتان؟ هل في القرآن أن أنصبة الزكاة في كل أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة، وفي أربعين من البقر مسن أو مسنة؟ هل في القرآن الطواف وبيان من أين يبدأ وأين ينتهي، والسعي والوقوف والرمي؟

стр. 5253

فهم السلف الصالح والأساس الثالث: علم الصحابة، وميزة علم الصحابة على علمنا ثلاث: ١ - يسر علم السلف: الميزة الأولى: أن علمهم يسير، وبعض الناس بحسن قصد أو بسوء قصد صعبوا العلم على الناس، حتى تجده يقول: لن تحصل على العلم، حتى تترك المنام، وتهجر الفراش، وتقلل من الأكل، وتقرأ في اليوم كم ساعة، وفي الليلة كم ساعة، وتحفظ هذه المنظومات، وهذه المتون، فيأتي طالب العلم فيصطدم بهذه الألغاز التي نصبوها شباكاً للناس, ويعود خائباً خاسراً حسيراً على وجهه فلا يطلب العلم، يقول: ما دام أن العلم بهذه الصعوبة فلن أطلبه، حتى يقول محمد بن إبراهيم الوزير -العالم الكبير النحرير؛ اليمني، الذي يعتبر من فطاحل العلماء في القرن الثامن- يقول: لقد اشترط المتأخرون في العالم شروطاً لا تنطبق على أبي بكر ولا عمر ﵄، نعم. اقرءوا في كتب أصول الفقه، يقولون: أن يحفظ القرآن، ويحفظ كذا ألف من الحديث، ويعرف أصول الفقه، ويلم باللغة، ويحفظ كذا من القواعد، وكذا من الضوابط، تعال طبق هذه الأمور على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. فميزة علم الصحابة اليسر، نقولها بكل شجاعة وجرأة، كان ﵊ يقرأ الآيات، فيعرفون معناها، ويعطيهم الحديث فيستخرجون منه الحكم، أما يقول الله عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] قال مجاهد: ولقد يسرنا طلب العلم, فهل من طالب علم؟ تأتي بما أتاك الله من فهم بعد أن تستغفر كثيراً, وتتوب إلى الله، وتصحح النية وتطلب العلم لوجه الله، فسوف يفتح الله عليك، أما هذه التشديدات وهذا التزمت والتشنج الذي عرض من القرن الخامس فما بعد, وحرموا الناس من طلب العلم لأجله وردوهم إلى صعوبات، وأوثقوهم حبالاً وأنزلوهم جبالاً، فهذا ليس بوارد، فعلم الصحابة يسر، إن أبا بكر لم يرو من الحديث إلا ما يقارب مائة وخمسين حديثاً في كتب السنة، وهو أفضل وأعلم وأتقى وأورع من أبي هريرة الذي روى خمسة آلاف وسبعمائة وستة وعشرين حديثاً، وبعض الناس يعيش في هذا العصر, فيحفظ عشرة آلاف حديث، فهل هو أعلم من أبي بكر؟ لا والله، لكن في الموطأ موقوفاً: ﴿ما سبقكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن بإيمان وقر في صدره﴾. ٢ - عمق علم السلف: فعلمهم عميق ليس بسطحي، روى سعيد بن منصور في السنن أن ابن مسعود رضي الله عنة وأرضاه، قال: [[يا أيها الناس! عليكم بأصحاب محمد ﵊، فإنهم أبر الأمة قلوباً, وأصدقها لهجة, وأعمقها علماً, وأقلها تكلفاً]]. العمق في العلم الدقة, ومعرفة المقاصد، وأخذ العلم النافع. ٣ - علم السلف يطلب للعمل: والميزة الثالثة لعلم الصحابة: أنه علم يطلب للعمل، أما نحن -نسأل الله العافية والسلامة- واسألوا أنفسكم جميعاً، لو فكر أحدنا في اليوم والليلة أن كثيراً من المسائل يتشاغل بها وقد لا تعرض عليه في حياته الدنيا، وقد لا يستخدمها, ولا يحتاج إليها, وقد ينشغل بها عن الفائدة, أو عن العلم النافع الذي يحتاج إليه في كل ساعة ولحظة، فعلم الصحابة علم يراد للعمل, روى الدارمي في كتابه السنن بسند حسن إلى عمر ﵁ وأرضاه، أن صبيغ بن عسل -أحد أهل العراق - أتى فجلس في الجيش عند أبي موسى الأشعري في العراق، فجلس بين الصحابة يطرح الشبهات ويضارب بين الآيات، يقول: قال : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] ويقول هناك: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] ويقول هناك: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١]. فيقول بعض الجيش: لا ندري والله ما المراد، فيقوم من الحلقة ويجلس في الحلقة الأخرى ويقول: لماذا يقول الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ويقول هناك: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] هنا ينفي السؤال وهنا يثبت السؤال فقالوا: لا ندري، فرفع أمره إلى أبي موسى , فرفع أبو موسى أمره إلى p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص، فأتى p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص فأخبر عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: في رحالنا، يعني: تركته مع الإبل في طرف المدينة، قال: احذر, لا يفوت الرجل فتمسك مني عقوبة، ثم قال: عليّ به، فذهب عمرو ﵁ يأتي بالرجل، أما عمر فقال: عليّ بعراجين النخل، يريد أن يعالجه ويجيب على أسئلته بما لا ينساه أبد الدهر، تمر به ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر فلا ينسى، فلما أتوا بعراجين النخل خضراً, وضعها بجانبه وقال: تعال، أأنت الذي يسأل في الجيش؟ قال: نعم. قال: امسك الرجل، فأمسك رجل بيمينه وآخر بيساره، ثم أتى عمر وضربه ضرباً حتى أدماه، فلما غشي عليه، قال: رشوه بالماء، واذهبوا به إلى رحالكم وغداً تأتونني به، فذهبوا به، وفي الغد أتوا به، فضربه عمر حتى أدماه، فقال عمر: رشوه بالماء، واذهبوا به وغداً تأتونني به، فأتوا به في اليوم التالي، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد دوائي فقد داويتني، وإن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فقال عمر: يا عدو نفسه! يا عدو الله! قاتلك الله، ومن كلفك أن تتعمق هذا التعمق وتسأل هذا السؤال، والذي نفسي بيده، إن عدت إلى ما كنت تفعل لأجعلنك عبرة للمعتبرين, وعظة للمتعظين وصدق ﵁ ثم قال للجيش: لا يكلمه منكم أحد؛ اهجروه فكان يجلس وحده لا يكلمه أحد، ولا يسلم عليه أحد، حتى طالت به المدة، فتاب وأناب وأتى إلى أبي موسى يبكي، وقال: ردني إلى الناس، فكتب لـ عمر وأخبره، وقال: دعه يكلمه الناس ويجلسوا معه. علم عمر أن العلم الدخيل سوف يدخل على الأمة بالتشكيك في الكلام, والجدل الذي يقضي على الأعمار, ويضيع الليالي والأيام, جلسة طويلة من بعد صلاة العشاء إلى ما يقارب الساعة الثانية عشرة في جدال عن دوران الأرض، ويقوم بعض الناس فيتضارب ويتصارع مع بعض الناس في المجلس، كيف تدور الأرض؟ وبعضهم يقول: لا تدور، والله لا يسألنا يوم القيامة، هل تدور الأرض أو لا تدور؟، وبعضهم يسأل، ويقول: أطفال المشركين هل يعذبون أو لا؟ وجدل عقيم لا طائل فيه، ولو أدرك عمر بعضنا لضربهم ثلاثة أيام؛ لأنه يريد أن يشتغل الناس بالعلم الأصيل لا بالعلم الدخيل. تقدم أن علم الصحابة يتميز باليسر والعمق وأنه يطلب للعمل؛ أتى رجل إلى زيد بن ثابت فسأله مسألة، قال: [[أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: إذا وقعت، فتعال لنتجشم لك الجواب]] وأكثر المسائل الآن يجاب عنها وما وقعت. يأتي أحد الناس يقول -مثلاً-: لو صليت خلف الصفوف، ثم ما شعرت أنهم يصلون الظهر, وهم يصلون العصر، فماذا الحكم؟ وهو ما فعل وما صلى وما حدثت له القصة. ومن ضمن الأمثلة كذلك: أهل التفسير وهم مشكورون ومأجورون على عملهم, يأتون بمسائل لا يستفاد منها صراحة، كلون الكلب الذي كان مع أهل الكهف، قال بعضهم: كان مبرقشاً، قال ذاك: أخطأت ليس مبرقشاً، بل هو مبرقع، فيرد عليه آخر قال: لا. بل هو أحمر يميل إلى الصفرة، فيقول ذاك: بل هو بنفسجي يميل إلى الحمرة، والواجب أن تتأكد من النقل، ثم يقول: والأحسن الذي نخرج به من الجدل أن يكون على عينيه نقطتان بيضاوان، وهذا ما كلفنا بطلبه ولا بعلمه، والله يقول بعدها: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً﴾ [الكهف:٢٢] يقول: لا ينفعك أنهم ثلاثة ورابعهم كذا، أو خمسة وسادسهم، أو سابعهم وثامنهم، قال تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف:٢٢]. وبعضهم يقول: اسم المرأة التي هم بها يوسف وهمت به زليخا، قال الثاني: لا. اسمها برجا، قال الثالث: لا. اسمها يازي، وهم ليس لهم سند ولا رواية، يسودون الصحف بهذا الكلام، فهذا من العلم الدخيل على المسلمين، وقد حصل في الأمة.

стр. 5254

العلم الأصيل يدل على أربعة أمور وقبل أن آتي إلى العلم الدخيل, وأذكر أقسامه، أذكر ما يدل عليه العلم الأصيل؛ قال أهل العلم مثل: ابن رجب والذهبي، العلم الأصيل يدل على أمور تجتمع في أربعة؛ فإذا لم يدلك العلم عليها، فاعلم من أول الطريق أنه غير نافع. أولها: على معرفة الله ﵎ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا أول ما يدل عليه العلم النافع. إذا ما لم يفدك العلم شيئاً فليتك ثم ليتك ما علمتا فتقوى الله رأس الأمر حقاً وليس بأن يقال لقد رأستا فالعلم النافع: هو الذي يدلك على معرفة الحي القيوم، ليس كمعرفة اليهود والنصارى، الذي يعرف الله ويسكر في الليل، فهذا عرف الله كما يعرف الكلب أن له رباً، وهذه معرفة لا تنفع، إنما العلم الخشية، وإنما يخشى الله من عباده العلماء. الأمر الثاني: المعرفة بما يحبه الله ويرضاه وهي ثلاثة أقسام: ففي العقائد: عقيدة أهل السنة والجماعة، وفي الظاهر: الحلال والحرام، وفي الباطن: اعتقاد القلب بالصفات الجميلة، والردع والتخلي عن الصفات الذميمة، هذا هو العلم النافع الذي يدل على ما يحبه الله ويرضاه، ويحصل هذا بالتفقه في الدين. والأمر الثالث: الذي يدل عليه العلم النافع، دعوة الناس إلى هذا العلم. علامة العلم النافع أن تحرص على نشره بين الناس, وتحرص على تبليغه، فلا تكتمه ولا تحجر عليه، لا تتعلم وتثقل على نفسك، فإن معنى ذلك أنك تميت العلم في نفسك. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]. الأمر الرابع: الزهد في ما لا يقرب من الله الحي القيوم. علامة العلم النافع: الزهد في الدنيا، فازهد في غير كتابه وسنة رسوله ﷺ .

стр. 5255

العلم الدخيل والأمثلة عليه تعال الآن إلى العلم الدخيل نستقرئه من كتاب الله ، يقول عز من قائل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]. هذه حكاية عن بني إسرائيل, وعن كل من شابه بني إسرائيل، ومنهم أميون: أي: لا يكتبون ولا يقرءون, لا يعلمون الكتاب إلا أماني، الأماني التلاوة, أي: لا يعرفون من كتبهم إلا التلاوة، فلا فهم ولا استنباط ولا فقه، ولا خشية ولا عمل، فهم يمرون عليه مر السحاب، قال الشاعر في عثمان بن عفان: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر كما يقول ابن جرير مستشهداً بهذا البيت، ومعناه تلا كتاب الله أول الليل، واستشهد في آخره، قال ابن عباس: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، قال: أماني: يكذبون كذباً، وقال مجاهد والضحاك: زوراً وبهتاناً، وقال ابن جرير: الأشبه بالآية أن معناها أن منهم من لا يعرف من القرآن إلا ما يكذب به على الناس، أو يقول به زوراً وبهتاناً، والأشبه كذلك بالآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, أي: ليس عندهم إلا تلاوة بلا تدبر ولا فقه ولا فهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: يتخيلون ويوسوسون. قال : ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢]. وهذا علم السحر ونعوذ بالله من علم السحر، فمن العلوم الدخيلة علم السحر، من علم أو تعلم، أو حرص على علم شيء منه؛ فقد أحبط الله عمله، وهو من الكبائر عند جمهور أهل العلم، وحد الساحر ضربة بالسيف كما ورد، فذكر الله العلم الدخيل, بعدما ذكر السحر، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
следующие страницы →