Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
القرآن من أسس العلم النافع
القرآن أول أسس العلم الأصيل، ومن لم يهتم بالقرآن فما نفعه علمه، بل هو وبال عليه، ولذلك قال شعبة بن الحجاج: يا أهل الحديث! مالكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن؟
فبعض الناس لسوء فهمه وتدبيره إذا أتى يطلب العلم، قدم كتب البشر على كتاب الله، فلا يتحفظ من القرآن شيئاً ويحفظ الأحاديث, وربما حفظ الصحيحين، أو شيئاً من السنن والمسانيد، وربما حفظ الفرائض وعرف القسمة، والضرب والتوزيع، والعول والأنصباء والرد، ولكنه لا يحفظ القرآن، فكيف يقدم قبل القرآن شيئاً آخر!
إن أصالة العلم تبدأ بالقرآن، كان السلف إذا أتى طالب العلم، يقولون: أحفظت من القرآن شيئاً؟ فإن قال: نعم.
حفظَّوه وعلموه وفهَّموه ودرَّسوه، وإن قال: لا.
قالوا: عد فتعلم القرآن ثم تعال.
فالعلم الأصيل هو علم القرآن، ولذلك يقول ﵊ لـ أبي بن كعب كما في الصحيح: ﴿أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ يده ثم ضربها في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ فالعلم هنا هو القرآن، فدل كلامه ﷺ على أن العلم الأصيل هو القرآن، ولذلك يقول : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] فسماه علماً نافعاً.
стр. 5252
السنة من أسس العلم النافع
ومن فرق بين القرآن والسنة فهو خارجي مارق، سفيه جاهل, يؤخذ على يده ويؤدب، وقد سمعت نعقات في العالم الإسلامي بعضها تقول: نكتفي بالقرآن، وأُلِّفَ في ذلك كتاب, وحمل الناس على أن يعتقدوا أن لا شريعة إلا في القرآن, وهذا ضال مارق من الإسلام سخيف سفيه، قد افترى على الله , صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿رب رجل شبعان ريان على أريكته، يأتيه الأمر من أمري فيقول: حسبكم القرآن، ما وجدتم في القرآن من حلال فأحلوه، وما وجدتم في القرآن من حرام فحرموه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه, وفي لفظ: ومثليه معه﴾ فمن فرق بين القرآن والسنة، أو قال: يكفينا القرآن، فقد ضل وجهل، وهذا يأتي من طائفتين من الناس:
طائفة: عندهم فكر خارجي، وقلة علم، وتشدد وغلو في الدين، يتمسكون بظاهر القرآن،
وطائفة أخرى: جاهلة، يقول أحدهم: يكفينا القرآن، وإذا رأى الناس يتعلمون صحيح البخاري ومسلم يقول: تشاغلوا بالقرآن واتركوا هذه الأحاديث، وهذا خطأ بل لا بد من الوحيين (القرآن والسنة) لتبين للناس ما نزل إليهم، ولا يبين إلا الرسول ﷺ .
هل في القرآن أن صلاة الظهر أربع، وصلاة العصر أربع، وصلاة المغرب ثلاث، وصلاة الفجر ركعتان؟
هل في القرآن أن أنصبة الزكاة في كل أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة، وفي أربعين من البقر مسن أو مسنة؟ هل في القرآن الطواف وبيان من أين يبدأ وأين ينتهي، والسعي والوقوف والرمي؟
стр. 5253
فهم السلف الصالح
والأساس الثالث: علم الصحابة، وميزة علم الصحابة على علمنا ثلاث:
١ - يسر علم السلف:
الميزة الأولى: أن علمهم يسير، وبعض الناس بحسن قصد أو بسوء قصد صعبوا العلم على الناس، حتى تجده يقول: لن تحصل على العلم، حتى تترك المنام، وتهجر الفراش، وتقلل من الأكل، وتقرأ في اليوم كم ساعة، وفي الليلة كم ساعة، وتحفظ هذه المنظومات، وهذه المتون، فيأتي طالب العلم فيصطدم بهذه الألغاز التي نصبوها شباكاً للناس, ويعود خائباً خاسراً حسيراً على وجهه فلا يطلب العلم، يقول: ما دام أن العلم بهذه الصعوبة فلن أطلبه، حتى يقول محمد بن إبراهيم الوزير -العالم الكبير النحرير؛ اليمني، الذي يعتبر من فطاحل العلماء في القرن الثامن- يقول: لقد اشترط المتأخرون في العالم شروطاً لا تنطبق على أبي بكر ولا عمر ﵄، نعم.
اقرءوا في كتب أصول الفقه، يقولون: أن يحفظ القرآن، ويحفظ كذا ألف من الحديث، ويعرف أصول الفقه، ويلم باللغة، ويحفظ كذا من القواعد، وكذا من الضوابط، تعال طبق هذه الأمور على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
فميزة علم الصحابة اليسر، نقولها بكل شجاعة وجرأة، كان ﵊ يقرأ الآيات، فيعرفون معناها، ويعطيهم الحديث فيستخرجون منه الحكم، أما يقول الله عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] قال مجاهد: ولقد يسرنا طلب العلم, فهل من طالب علم؟ تأتي بما أتاك الله من فهم بعد أن تستغفر كثيراً, وتتوب إلى الله، وتصحح النية وتطلب العلم لوجه الله، فسوف يفتح الله عليك، أما هذه التشديدات وهذا التزمت والتشنج الذي عرض من القرن الخامس فما بعد, وحرموا الناس من طلب العلم لأجله وردوهم إلى صعوبات، وأوثقوهم حبالاً وأنزلوهم جبالاً، فهذا ليس بوارد، فعلم الصحابة يسر، إن أبا بكر لم يرو من الحديث إلا ما يقارب مائة وخمسين حديثاً في كتب السنة، وهو أفضل وأعلم وأتقى وأورع من أبي هريرة الذي روى خمسة آلاف وسبعمائة وستة وعشرين حديثاً، وبعض الناس يعيش في هذا العصر, فيحفظ عشرة آلاف حديث، فهل هو أعلم من أبي بكر؟ لا والله، لكن في الموطأ موقوفاً: ﴿ما سبقكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن بإيمان وقر في صدره﴾.
٢ - عمق علم السلف:
فعلمهم عميق ليس بسطحي، روى سعيد بن منصور في السنن أن ابن مسعود رضي الله عنة وأرضاه، قال: [[يا أيها الناس! عليكم بأصحاب محمد ﵊، فإنهم أبر الأمة قلوباً, وأصدقها لهجة, وأعمقها علماً, وأقلها تكلفاً]].
العمق في العلم الدقة, ومعرفة المقاصد، وأخذ العلم النافع.
٣ - علم السلف يطلب للعمل:
والميزة الثالثة لعلم الصحابة: أنه علم يطلب للعمل، أما نحن -نسأل الله العافية والسلامة- واسألوا أنفسكم جميعاً، لو فكر أحدنا في اليوم والليلة أن كثيراً من المسائل يتشاغل بها وقد لا تعرض عليه في حياته الدنيا، وقد لا يستخدمها, ولا يحتاج إليها, وقد ينشغل بها عن الفائدة, أو عن العلم النافع الذي يحتاج إليه في كل ساعة ولحظة، فعلم الصحابة علم يراد للعمل, روى الدارمي في كتابه السنن بسند حسن إلى عمر ﵁ وأرضاه، أن صبيغ بن عسل -أحد أهل العراق - أتى فجلس في الجيش عند أبي موسى الأشعري في العراق، فجلس بين الصحابة يطرح الشبهات ويضارب بين الآيات، يقول: قال : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] ويقول هناك: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] ويقول هناك: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١].
فيقول بعض الجيش: لا ندري والله ما المراد، فيقوم من الحلقة ويجلس في الحلقة الأخرى ويقول: لماذا يقول الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ويقول هناك: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] هنا ينفي السؤال وهنا يثبت
السؤال
فقالوا: لا ندري، فرفع أمره إلى أبي موسى , فرفع أبو موسى أمره إلى p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص، فأتى p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص فأخبر عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: في رحالنا، يعني: تركته مع الإبل في طرف المدينة، قال: احذر, لا يفوت الرجل فتمسك مني عقوبة، ثم قال: عليّ به، فذهب عمرو ﵁ يأتي بالرجل، أما عمر فقال: عليّ بعراجين النخل، يريد أن يعالجه ويجيب على أسئلته بما لا ينساه أبد الدهر، تمر به ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر فلا ينسى، فلما أتوا بعراجين النخل خضراً, وضعها بجانبه وقال: تعال، أأنت الذي يسأل في الجيش؟ قال: نعم.
قال: امسك الرجل، فأمسك رجل بيمينه وآخر بيساره، ثم أتى عمر وضربه ضرباً حتى أدماه، فلما غشي عليه، قال: رشوه بالماء، واذهبوا به إلى رحالكم وغداً تأتونني به، فذهبوا به، وفي الغد أتوا به، فضربه عمر حتى أدماه، فقال عمر: رشوه بالماء، واذهبوا به وغداً تأتونني به، فأتوا به في اليوم التالي، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد دوائي فقد داويتني، وإن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فقال عمر: يا عدو نفسه! يا عدو الله! قاتلك الله، ومن كلفك أن تتعمق هذا التعمق وتسأل هذا السؤال، والذي نفسي بيده، إن عدت إلى ما كنت تفعل لأجعلنك عبرة للمعتبرين, وعظة للمتعظين وصدق ﵁ ثم قال للجيش: لا يكلمه منكم أحد؛ اهجروه فكان يجلس وحده لا يكلمه أحد، ولا يسلم عليه أحد، حتى طالت به المدة، فتاب وأناب وأتى إلى أبي موسى يبكي، وقال: ردني إلى الناس، فكتب لـ عمر وأخبره، وقال: دعه يكلمه الناس ويجلسوا معه.
علم عمر أن العلم الدخيل سوف يدخل على الأمة بالتشكيك في الكلام, والجدل الذي يقضي على الأعمار, ويضيع الليالي والأيام, جلسة طويلة من بعد صلاة العشاء إلى ما يقارب الساعة الثانية عشرة في جدال عن دوران الأرض، ويقوم بعض الناس فيتضارب ويتصارع مع بعض الناس في المجلس، كيف تدور الأرض؟ وبعضهم يقول: لا تدور، والله لا يسألنا يوم القيامة، هل تدور الأرض أو لا تدور؟، وبعضهم يسأل، ويقول: أطفال المشركين هل يعذبون أو لا؟
وجدل عقيم لا طائل فيه، ولو أدرك عمر بعضنا لضربهم ثلاثة أيام؛ لأنه يريد أن يشتغل الناس بالعلم الأصيل لا بالعلم الدخيل.
تقدم أن علم الصحابة يتميز باليسر والعمق وأنه يطلب للعمل؛ أتى رجل إلى زيد بن ثابت فسأله مسألة، قال: [[أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: إذا وقعت، فتعال لنتجشم لك الجواب]] وأكثر المسائل الآن يجاب عنها وما وقعت.
يأتي أحد الناس يقول -مثلاً-: لو صليت خلف الصفوف، ثم ما شعرت أنهم يصلون الظهر, وهم يصلون العصر، فماذا الحكم؟ وهو ما فعل وما صلى وما حدثت له القصة.
ومن ضمن الأمثلة كذلك: أهل التفسير وهم مشكورون ومأجورون على عملهم, يأتون بمسائل لا يستفاد منها صراحة، كلون الكلب الذي كان مع أهل الكهف، قال بعضهم: كان مبرقشاً، قال ذاك: أخطأت ليس مبرقشاً، بل هو مبرقع، فيرد عليه آخر قال: لا.
بل هو أحمر يميل إلى الصفرة، فيقول ذاك: بل هو بنفسجي يميل إلى الحمرة، والواجب أن تتأكد من النقل، ثم يقول: والأحسن الذي نخرج به من الجدل أن يكون على عينيه نقطتان بيضاوان، وهذا ما كلفنا بطلبه ولا بعلمه، والله يقول بعدها: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً﴾ [الكهف:٢٢] يقول: لا ينفعك أنهم ثلاثة ورابعهم كذا، أو خمسة وسادسهم، أو سابعهم وثامنهم، قال تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف:٢٢].
وبعضهم يقول: اسم المرأة التي هم بها يوسف وهمت به زليخا، قال الثاني: لا.
اسمها برجا، قال الثالث: لا.
اسمها يازي، وهم ليس لهم سند ولا رواية، يسودون الصحف بهذا الكلام، فهذا من العلم الدخيل على المسلمين، وقد حصل في الأمة.
стр. 5254
العلم الأصيل يدل على أربعة أمور
وقبل أن آتي إلى العلم الدخيل, وأذكر أقسامه، أذكر ما يدل عليه العلم الأصيل؛ قال أهل العلم مثل: ابن رجب والذهبي، العلم الأصيل يدل على أمور تجتمع في أربعة؛ فإذا لم يدلك العلم عليها، فاعلم من أول الطريق أنه غير نافع.
أولها: على معرفة الله ﵎ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا أول ما يدل عليه العلم النافع.
إذا ما لم يفدك العلم شيئاً فليتك ثم ليتك ما علمتا
فتقوى الله رأس الأمر حقاً وليس بأن يقال لقد رأستا
فالعلم النافع: هو الذي يدلك على معرفة الحي القيوم، ليس كمعرفة اليهود والنصارى، الذي يعرف الله ويسكر في الليل، فهذا عرف الله كما يعرف الكلب أن له رباً، وهذه معرفة لا تنفع، إنما العلم الخشية، وإنما يخشى الله من عباده العلماء.
الأمر الثاني: المعرفة بما يحبه الله ويرضاه وهي ثلاثة أقسام:
ففي العقائد: عقيدة أهل السنة والجماعة، وفي الظاهر: الحلال والحرام، وفي الباطن: اعتقاد القلب بالصفات الجميلة، والردع والتخلي عن الصفات الذميمة، هذا هو العلم النافع الذي يدل على ما يحبه الله ويرضاه، ويحصل هذا بالتفقه في الدين.
والأمر الثالث: الذي يدل عليه العلم النافع، دعوة الناس إلى هذا العلم.
علامة العلم النافع أن تحرص على نشره بين الناس, وتحرص على تبليغه، فلا تكتمه ولا تحجر عليه، لا تتعلم وتثقل على نفسك، فإن معنى ذلك أنك تميت العلم في نفسك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
الأمر الرابع: الزهد في ما لا يقرب من الله الحي القيوم.
علامة العلم النافع: الزهد في الدنيا، فازهد في غير كتابه وسنة رسوله ﷺ .
стр. 5255
العلم الدخيل والأمثلة عليه
تعال الآن إلى العلم الدخيل نستقرئه من كتاب الله ، يقول عز من قائل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨].
هذه حكاية عن بني إسرائيل, وعن كل من شابه بني إسرائيل، ومنهم أميون: أي: لا يكتبون ولا يقرءون, لا يعلمون الكتاب إلا أماني، الأماني التلاوة, أي: لا يعرفون من كتبهم إلا التلاوة، فلا فهم ولا استنباط ولا فقه، ولا خشية ولا عمل، فهم يمرون عليه مر السحاب، قال الشاعر في عثمان بن عفان:
تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر
كما يقول ابن جرير مستشهداً بهذا البيت، ومعناه تلا كتاب الله أول الليل، واستشهد في آخره، قال ابن عباس: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، قال: أماني: يكذبون كذباً، وقال مجاهد والضحاك: زوراً وبهتاناً، وقال ابن جرير: الأشبه بالآية أن معناها أن منهم من لا يعرف من القرآن إلا ما يكذب به على الناس، أو يقول به زوراً وبهتاناً، والأشبه كذلك بالآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, أي: ليس عندهم إلا تلاوة بلا تدبر ولا فقه ولا فهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: يتخيلون ويوسوسون.
قال : ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢].
وهذا علم السحر ونعوذ بالله من علم السحر، فمن العلوم الدخيلة علم السحر، من علم أو تعلم، أو حرص على علم شيء منه؛ فقد أحبط الله عمله، وهو من الكبائر عند جمهور أهل العلم، وحد الساحر ضربة بالسيف كما ورد، فذكر الله العلم الدخيل, بعدما ذكر السحر، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
стр. 5256
من العلم الدخيل علم بني إسرائيل
وقال في علم دخيل وعالم دخيل ما نفعه علمه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
"إياك أعني واسمعي يا جاره" و"مصائب قوم عند قوم فوائد".
هذا الرجل عالم من علماء بني إسرائيل علمه دخيل واسمه بلعام بن باعوراء كما يقول ابن كثير وغيره من المفسرين.
بلعام بن باعوراء تعلم علماً من علم التوراة، ثم أتى وعَلِمَ الله الخبث من قلبه, وعلم الخسيسة والدسيسة في نفسه، فبعد أن تعلم كفر بما أنزل الله على رسله، واستبدل بالعلم وتبليغه الدنيا، وأغري بالقصور من الكفار, وانقلب على عقبيه, وكتب لموسى بالردة عن دين الله ، فقال الله لرسوله ﷺ : اتل على طلبة العلم، اتل على جيلك وعلى أصحابك، اتل على أمتك أن رجلاً تعلم علماً آتيناه آيات بينات في صدره.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] يا لروعة التصوير: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] قال ابن كثير: جمال ما بعده جمال؛ انسلخ كالحية عندما تنسلخ من قشرها، وكالثعبان عندما ينسلخ من جلده، لم يقل انخلع أو انحط، نعوذ بالله من الانسلاخ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] وما قال (تبع الشيطان) وهذا فيه وجه بلاغي، أي أنه بلغ من شيطنة هذا الرجل أن الشيطان يتبعه، يقول بعض شياطين الإنس من الفجرة:
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي
أصبح إبليس من جنده، ففي مرحلة من المراحل كان مقوداً للشيطان, يقول: ثم تطورت به الأمور حتى صار الشيطان من سريته.
سر الجمال في الآية: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] أن الشيطان أتبعه، لقوة شيطنته.
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥] ولم يقل: من المغوين؛ لأن الغاوين يغوون غيرهم، لأن العالِم إذا زل، زل بزلته عالمَ.
حتى إذا رأيتم بعض الناس ممن أوتوا العلم يصلي في بيته، صلى كثير من العوام في بيوتهم، وقالوا: فلان يحفظ الترمذي بأسانيده وسنن ابن ماجة ويصلي في البيت وهو عالم، لا بد أنه قرأها في القرآن, فإذا أطال ثوبه أسبلوا أثوابهم، وقالوا: وجدها العالم فيه، وأكثر العصاة في مجتمعنا الآن يستدلون ببعض من يذنب، والعلماء غير معصومين فيخطئون كما يخطئ البشر، لكن يجعلون الهفوة الواحدة صورة مكبرة فإنه يقال: انظروا إليه كيف أخطأ، وإذا سمع الغناء يقول: الغناء ليس فيه بأس فنسمعه، فقال الله : ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] يقول: لو علمنا من الرجل خيراً كنا رفعنا رأسه ومجدناه, وشرفناه وكرمناه، ولكنه أخلد إلى الأرض، أي: أحب التراب، وعشق الدنيا, وأحب المنصب والذات والمدح، نعوذ بالله من ذلك: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦] وانظر إلى المثل: مثل الله بصنفين قبيحين، مثل بالحمير وبالكلاب لعلمائهم، فالكلب أخس مثل لمن تعلم، فخبثه معه سواء تعلم أو لم يتعلم، والحمير لمن عنده علم في صدره ولم ينفعه علمه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] المجلدات والمصنفات على ظهر الحمار، لكن يذهب بها لا يدري ما هو صحيح البخاري من صحيح مسلم من مستدرك الحاكم، هذا مثل العالم الذي ما استفاد من علمه: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] أي: إن أدخلته في الشمس أو أخرجته منها مد لسانه ولهث, وجربوا بالاستقراء تجدوا هذا.
ويقول ﵎ متحدثاً عن العلم الضار المذموم الدخيل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣].
قال بعض أهل التأويل: وأضله الله على علم, أي: عنده علم فأضله الله, لأنه ما طلب الهداية، هذا وجه من وجوه التفسير والمهمة أو الصائبة في المسألة.
وقال في العلم الدخيل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣] علم دخيل ظنوا أنه علم، وهذا يشمل اليهود والنصارى الذين لم يدخلوا في هذا الدين، ويشمل كفار قريش أو كل كافر، فإن كل معاند يظن أن عنده فهماً وعلماً، فعلمه العلم دخيل؛ لأنه ما قاده وما عرفه على الحق، إذاً فالفائدة من هذه الآية: أن كل علم لا يدلك على الحق فهو علم دخيل، وكل علم لا يسددك ولا يردك إلى الصواب فهو علم دخيل.
стр. 5257
من العلم الدخيل العلم بالدنيا مع جهل الآخرة
قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] علم الظاهر ليس المراد علم الظاهرية كـ داود بن علي وابن حزم، هذه ناحية أخرى، لكن المقصود: هم الذين يعرفون علوم الدنيا ولكنهم في علم الآخرة تجد أدمغتهم أدمغة حمير, لا يعرفون شيئاً, يقول : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] أي: لا علم لهم أصلاً أو بلغ حقيقته لما عاينوا الآخرة, وعلى المعنى الأول هم في الدنيا يحللون لكن ليس عندهم شيء عن الآخرة، قال : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] والعلم الدخيل ذكر بعضه في السنة المطهرة، وبعضه في كلام السلف الصالح، وبعضه من استقراء أهل العلم.
стр. 5258
التوسع الزائد في علم النسب علم دخيل
من العلم الدخيل علم النسب إذا زاد عن الحاجة؛ يقول ﵊، لما قيل له في حديث أنس: ﴿يا رسول الله! ما أعلم فلاناً! قال: بماذا؟ قالوا: بعلم النسب قال: ذلك علم لا ينفع وجهالة لا تضر﴾ ذكر هذا الحديث ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله , وذكره السمعاني في الأنساب , وقال ابن عبد البر: الأشبه أنه موقوف.
وأما قوله ﷺ : ﴿تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم﴾ فرواه الترمذي والحاكم بسند صحيح، وذكره الذهبي وأقر الحاكم على تصحيحه.
إذاً فالفائدة من علم النسب:
معرفة ما نصل به أرحامنا، وما زاد عن ذلك فهو علم دخيل، فإن بعض الناس يفنون أعمارهم لا يتفقه في الدين ولا يتدبر القرآن، ولا يعرف الحلال والحرام، بل ولا ضروريات الدين في الحياة، وهو مشغول ليل نهار بأنساب القبائل، قبيلة عتيبة تعود إلى هوازن، وقبيلة مطير أصلها من غطفان، وقبيلة خثعم أصلها من قبائل شنوءة، وذاك أصله من بني عبد مدان، وذاك من عبد شمس، وذاك من بني عبد الدار، وعمة فلان خالة فلان، وجد فلان ابن عم لفلان، فهذا علمه لا ينفع وجهله لا يضر، لو ينسب لنا القبائل أو يرد لنا العمات مع الخالات، والجدات مع الأمهات، فما نفعنا وما قدم لنا شيئاً، سواء رضي أم غضب، إنما يستفاد من علم الأنساب ما يصل به الأرحام، تعرف أن هذه قريبة، وأن هذا خال، وأن هذا عم، فهذا المفهوم في الإسلام.
стр. 5259
علم النجوم علم دخيل خبيث
ومن العلوم الدخيلة: علم النجوم:
يقول ﵊: ﴿من اقتبس شعبة من علم النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر﴾ وفي لفظ: ﴿زاد ما زاد﴾ أي: إن زاد شعبة زاد الله له من السحر شعبة، روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجة والطبراني بسند صحيح.
ورخص أهل العلم في التعرف على بعض المنازل لمعرفة القبلة، قال قتادة بن دعامة السدوسي: للنجوم ثلاث فوائد، من زاد أو من حرف، أو من ظن أن لها منافع غيرها فقد ضل سواء السبيل:
الأولى: أنها هداية للمسافر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧].
الثانية: أنها زينة للسماء، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر:١٦].
الثالثة: أنها رجوم للشياطين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥].
ومن يتعمق في علم النجوم فقد ضل سعيه وخسر حظه, وكذا إن علق بها أموراً، قال أهل العلم: من تعلق وتعلم علم النجوم أصيب بأمور:
أولاً: قلّت عقيدته بالله المدبر المصرف الرازق الخالق.
الثاني: أساء ظناً بالمسلمين وقال: صلاة المسلمين إلى غير القبلة، لأن سهيل اليماني على يده اليسرى، وهذا المسجد منحرف، ومسجد آل فلان يصلون إلى غير القبلة، والأصل أن يكفيك حديث: ﴿ما بين المشرق والمغرب قبلة﴾ يعني: أن الرسول ﷺ وسع في القبلة، ولو انحرف الناس قليلاً واجتهدوا لكانت صلاتهم صحيحه، فمن أخذ النجوم للقبلة فقد ضل، يقول الإمام أحمد: يكفي هذا الحديث عن علم النجوم فعلم النجوم، نسبة الأنواع، أو نسبة الأمور، أو المواليد أو الوقائع والأحداث، أو الزلازل والبراكين إلى النجوم وهو ضلال مبين، يقول الذهبي: خزعبلات وسفاسف لا يتشاغل بها إلا من أضل الله سعيه في الحياة الدنيا والآخرة.
стр. 5260
التعمق وتشقيق الكلام
ومن العلم الدخيل: التعمق والتشقيق:
التعمق هو تشقيق الكلام والتعمق فيه، والإتيان ببعض المناسبات, وبعض المقاصد التي لا تمت إلى الشريعة ولا إلى القرآن بصلة، يقول أهل العلم في تفسير الرازي: فيه كل شيء إلا التفسير، وهذه الكلمة فيها شيء.
وبعض العصريين ألف تفسيراً اسمه الجواهر، أتى فيه بأمور عجيبة، فمثلاً: في قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] يقول: وفيه يستفاد أن الخط المستقيم هو أقرب الخطوط بين نقطتين، ومن أين أتى إلى الآية هذا الكلام، قال: وفي قوله ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] فيه دليل على أن المثلث ذو ثلاث زوايا منفرجة؛ هندسة, وطب, وجغرافيا, وكيمياء في القرآن، ولذلك قال صاحب الظلال: هذا المنهج لا أرتضيه، وهو إخراج وتكلف وتشقق وتعمق من غير حاجة.
стр. 5261
كثرة الكلام
ومن العلم المذموم: تكثير الكلام:
قال حماد بن زيد لـ أيوب بن أبي تميمة السختياني أحد علماء البصرة، من التابعين: يـ ابن أبي تميمة! الحمد لله كثر العلم -يعني: في القرن الثاني - قال: لا والله ما كثر العلم ولكن كثر الكلام وقل العلم, بعض الناس إذا رأى المذكرات والمجلدات مصفوفة, قال: ما شاء الله! كيف فتح الله على الناس في العلم، لكن أوقف طالب علم واسأله في مسألة، ما دليلها؟ وماذا تستنبط منها؟ يقول: ما راجعت هذه المسألة, وإن شاء الله أراجعها واسأل عن الحديث، نحن فقط نضع خطاً تحت الكلمة, وإذا أتى الامتحان, ما دام أنها تبدأ في الفترة الثانية نبدأ نذاكر من بعد صلاة الفجر, معنا خمس ساعات والحمد لله، نذاكر فيها ونحفظ المذكرة حفظاً، يقول ابن رجب: السلف أقل الناس كلاماً, لكنهم أفقه وأكثر إخلاصاً.
تعال إلى تفسير أبي بكر وعمر للآيات تجدها كلمة، لكن فيها النور والهداية، وأحدنا إذا فسر آية فسرها في دفتر كبير, تجدها مائة وعشرين صفحة، ثم يأتي بكلام يجمعه فترى (وقال أهل العلم, وقال أهل الطب، وقال أهل الفلسفة) فكثرة الكلام من العلم الدخيل، أثبت ذلك الذهبي وابن رجب وابن تيمية كما في المجلد العاشر من الفتاوى.
стр. 5262
علم الكلام
ومن العلم الدخيل: علم الكلام، ونعوذ بالله من علم الكلام.
قيل لـ ابن الصلاح كما في بعض فتاويه، ما رأيك في علم الكلام؟ قال: علم الكلام يظلم قلب العبد إذا تعلمه، ويصده عن معرفة الشريعة، ويطمس نوره، ويقسي فؤاده، ويبلد ذهنه، ويصده عن معرفة كنوز السنة، وعلم الكلام: علم محرم أرى أن يؤدب من تعلمه.
وقيل للشافعي: ما رأيك في علم الكلام؟ قال: العلم بعلم الكلام جهل، والجهل به علم، حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة, وذهب إلى علم الكلام.
علم الكلام علم قديم عند المسلمين، أسسه أرسطا طاليس اليوناني، وترجم في عهد المأمون، فقال المأمون: كل من يقرأ صفحة له ثلاثة دراهم في اليوم، والذي يقرأ حديث محمد ﷺ أعطاه نصف درهم، انظروا الخائن الخائب الفاسق، فاشتغل الناس بعلم الكلام الذي يتحدث عن الربوبية والألوهية، وعن الأسماء والصفات بفلسفة ومنطق، قال ابن تيمية: إن الله لا يغفل عن المأمون، سوف يسأله لماذا أدخل علم المنطق وعلم الكلام على المسلمين، ولذلك أتى الشر والبلية من هذا العلم، وقال الإمام أحمد: جهل كله، ولذا دخلت البدعة على المسلمين من علم الكلام، فعلم الكلام ليس للمسلم إليه حاجة.
قال ابن تيمية، كما في الفتاوى: لا يحتاج إليه الذكي, ولا ينتفع به البليد.
стр. 5263
تقديم العقل على النقل
ومن العلم الضار الدخيل: تقديم العقل على النقل:
وهذا مذهب المعتزلة، ومن لف لفهم من المعطلة والأشاعرة، فإنهم قدموا العقل على النقل وأثبت هذا الكلام في الفصل الثاني والثلاثين من كتاب أساس التقديس للرازي، ورد عليه ابن تيمية في كتاب درء تعارض العقل والنقل، بل هذا الكتاب كله رد على أساس التقديس للرازي.
يقول الرازي: إذا تعارض العقل والنقل، فإما أن يقدم النقل على العقل وهذا تسفيه للعقل، وإما أن يعملا معاً, وفيه إسقاط واستحالة لأنه تناقض، والصحيح أنه يقدم العقل.
وهذا ضلال ومن قدم العقل على النقل فقد ضل سواء السبيل، حملهم هذا العلم على نفي بعض الصفات، ومنهج أهل السنة إمرارها كما جاءت.
стр. 5264
علم الباطن
ومن العلوم الدخيلة: علوم الباطن التي أتى بها غلاة المتصوفة، وعبدوا الله بالتشقيق والتدقيق، حتى بلغ بهم الحال إلى أن تزندقوا وخرجوا من الدين جملة وتفصيلاً، فقالوا: لا تصلوا الظهر، اجلس مكانك فإن الصلاة تزكية الباطن، وما دام أنه زكى باطنك فقد سقطت عنك الصلاة، قالوا: والصيام؟ قالوا: حفظ أسرارنا، أن نحفظ أسرارنا، فإذا حفظنا أسرارنا فقد سقط عنا الصيام, فلا نصوم رمضان، قالوا: والحج؟ قالوا: الحج زيارة مشايخنا، فإذا زرت الشيخ فقد حججت البيت، بل أفضل، هؤلاء تزندقوا وخرجوا من الملة، ويلحق بهم من تعمق في علم (دقائق القلوب وخطرات النفوس) قال الذهبي ليس منهج أهل السنة، وقال ابن رجب: " في فضل علم السلف على علم الخلف: ليس هذا منهج الصحابة التدقيق في الخطرات والواردات في النفس، وليت كتاب الرعاية للحارث المحاسبي لم يؤلف.
ومما يؤخذ عليه في بعض الجوانب، كتاب مدارج السالكين، ومن أنا حتى ألوم ذاك الشيخ الذي نتقرب إلى الله بحبه، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وأن نتولاه، لكن هناك مسائل نبه عليها بعض المحدثين: أنها من التعمق الذي ما عرف في الصدر الأول، كمنزلة البرق واللمع والفناء إلى غير ذلك.
стр. 5265
المراء والجدال والتعصب بغير دليل
ومن العلم الدخيل: الخوض في القضاء والقدر:
روى ابن ماجة في المقدمة: أن الرسول ﷺ خرج على قوم من أصحابه, يقولون في القضاء والقدر، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، تغير ﷺ وغضب، وقال: ﴿أبهذا أمرتم, أم بهذا بعثتم؟﴾ ثم نهاهم ﷺ .
ومن العلوم الدخيلة: الجدال والمراء:
قال ابن قتيبة: ما دخل المراء قلباً إلا أخرج طاعة الله منه، وقال عمر بن عبد العزيز: المراء نفاق، وقال ﵊: ﴿الجدال في القرآن كفر﴾ رواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده وسنده صحيح عند أهل العلم.
إذا جلس طالبان في مجلس، فقال أحدهم: هذه الآية ترد على هذه الآية، قال: بل ترد عليها هذه الآية، فصنيعهم هذا كفر بالله العظيم، نعم.
هذا حكمه الكفر عند أهل العلم.
ومن العلوم الدخيلة: التعصب المذهبي بدون دليل, وبدون تقيد بالدليل:
فمن رجح مذهباً على مذهب لا لدليل شرعي، فعلمه وبال عليه وهو علم دخيل، حتى وصلت المبالغة بالعلم الدخيل عند بعض المسلمين، أنهم يقولون: أنه لا يجوز للشافعي أن يتزوج امرأة حنفية، ولا يجوز للحنفي أن يتزوج امرأة شافعية، ونصوا في بعض كتبهم، هل يجوز للحنفي أن يصلي وراء الشافعي؟ ومن شك في هذه فليعد إلى بعض كتبهم وحواشيهم ويقرأها، بل في حاشية ابن عابدين أتى في أوله بحديث موضوع, يقول: قال ﷺ : أبو حنيفة سراج أمتي، قال: وابن الجوزي يقول: هذا الحديث موضوع؛ لأن ابن الجوزي حنبلي متحامل على الأحناف، فأقول: رحم الله الجميع، لكن هذا من العلم الدخيل الذي ذكروه.
стр. 5266
الإسراف في الفكر والاشتغال به
ومن العلم الدخيل: الإسراف في الفكر والاشتغال به، وإشغال الناس وتضييع العمر، مرت بنا فترة شربنا فيها أفكاراً وتقيأنا أفكاراً ليس فيها آية ولا حديث، كلام فكري مصفوف, والإسلام لا يعترف بمفكرين، بل يعترف بعلماء، أما كلمة فكر، فجديدة وأجنبية ودخيلة على المسلمين، فالفكر يستفاد منه في جوانب رد الشبه، وفي جوانب وسائل تبليغ العلم, أما أن يكون علماً مستقلاً فهو علم دخيل.
стр. 5267
جعل الوسائل مقاصد
ومن العلوم الدخيلة -وهي آخر عنصر- جعل الوسائل مقاصد كالنحو والأدب، ولا يغضب عليَّ الأدباء ولا اللغويون، فإن أهل العلم كـ الذهبي والإمام أحمد وابن مخيمرة وابن رجب قالوا: من أسرف في هذه العلوم وجعلها مقاصد, فقد ضيع العلم المهم, وقد اشتغل بما لا ينفع ولا يفيد، وقال ابن مخيمرة لأحد النحاة: إياك وطلب أكثر من الحاجة في علم النحو, فإن أوله بغي وآخره عدوان.
وأنا مستعد لمن أراد أن يطلبني بالسند أن أخرج له السند عن الإمام أحمد أنه قال لـ أبي عبيدة معمر بن المثنى اللغوي: يا أبا عبيدة! لا تتشاغل بهذا النحو, فإنه مشغلة عن المهم، قال ابن رجب: النحو المحمود منه ما علمك الكتاب والسنة، وما زاد فلا حاجة له، كرد البصريين على الكوفيين، وقال سيبويه، ورد عليه الكسائي في مسائل لا تستخدمها في الكتاب ولا في السنة، وكذلك الأدب والشعر، قال الشافعي كما في سير أعلام النبلاء المجلد العاشر، في ترجمة الشافعي: الشعر أقلل منه أو أكثر، فهو غث، وقال ابن عباس كما في عيون الأخبار لـ ابن قتيبة: احفظ من الشعر الشاهد والمثل.
الشعر شريف في ثلاثة مواطن: أن تقدمه بين يدي حاجتك، أو أن تجعله وسيلة لتبليغ دعوة الله, أو تستشهد به في آية أو في معنى حديث، وما زاد على ذلك فلو حفظت دواوين الدنيا ما نفعك وإنما شغلك، وهذه من العلوم الدخيلة.
وإن الموضوع طويل طويل، ولكن أكتفي بهذا، سائلاً المولى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً, وأن يفقهنا في دينه، وأن يجعل علمنا نافعاً مفيداً خالصاً لوجهه ، ونعوذ به من العلم المذموم، العلم الضار الدخيل، الذي يضيع علينا أعمارنا وشبابنا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5268
الأسئلة
стр. 5269
التعالي على علماء المذاهب
السؤال
هذه قضية من أخطر القضايا التي غرق فيها من يسمون أنفسهم طلاب علم هناك بعض طلاب العلم، لا يقيم للمذاهب الأربعة ولا للأئمة الأربعة وزناً، ويقول: نأخذ الفقه من الحديث، ولا نأخذ من أبي حنيفة وابن حنبل، فهم رجال ونحن رجال، وهؤلاء يحفظ أحدهم جزءاً من القرآن الكريم، ولا يحفظ عشرة أحاديث, وهو جاهل بعلوم الأصول, والقواعد الفقهية، وجاهل باللغة وقواعدها ولا يعرف عاماً ولا خاصاً ولا يعرف ناسخاً ولا منسوخاً، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
هذا السؤال وارد, وقد كتب فيها أهل العلم رسائل وكتباً ومجلدات, منهم: ابن الوزير في العواصم والقواصم، ومنهم: الشوكاني في رسالة في التقليد ومنهم: ابن القيم في جزء من إعلام الموقعين، ومنهم: الشاطبي في الموافقات وابن تيمية في المجلد العاشر، وتعرض لهذه المسألة وغيرهم من أهل العلم، قال ابن تيمية في أول كتاب الاستقامة: الناس في هذه المسألة ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
طرف قال: نأخذ علمنا من هذه المذاهب أي: الرأي، ولا ننظر إلى الكتاب ولا إلى الدليل, وهؤلاء العلماء ما أتوا بهذا العلم إلا لأن الله عصمهم وفتح عليهم، فنأخذ علومنا منهم، وقد كفونا الاستنباط، وأراحونا من تعب التحصيل وطلب الدليل، فهم مقبولون فأخذ الدليل منهم، قال: هذه الطائفة مخطئة، ثم ضرب مثلاً لا أذكره في هذا الجانب، أنتم تعودون إليه لكيلا نمس بعض الأشخاص.
وقال: وقابلتهم طائفة في الطرف الآخر وقالت: لا نلتفت لهؤلاء الأئمة الأربعة, ولا لغيرهم من العلماء -كما ورد السؤال- ونأخذ من الآيات والأحاديث، ونحن أصبحنا في درجة تخولنا إلى الاستفادة، قال: وهؤلاء مخطئون أيضاً.
وتوسطت طائفة: وهم فقهاء أهل الحديث، هكذا ينص ابن تيمية في المجلد الرابع: أهل الحديث بمنزلة الصحابة، وأهل الكلام بمنزلة المنافقين في عصره ﷺ ، فيقول: وتوسط فقهاء أهل الحديث وقالوا: نستفيد من آراء أهل العلم هؤلاء، أبو حنيفة ﵀، والشافعي وأحمد ﵏ والليث والأوزاعي وسفيان وغيرهم, ولكن لا نجعلهم معصومين، وإنما نطلب دليل كل واحد منهم، فعلى طالب العلم أن يطلب الدليل كما نص العلماء، فنستفيد من العلماء, لكن بشرط أن يصح الدليل، فلا يكفيك أن يقول الإمام أحمد بهذه المسألة وقال الحنابلة بهذه المسألة، ثم لا تفهم الدليل، ولا إذا أتاك من الإمام أحمد مسألة ترميها عرض الحائط وتقول: أنا رجل وهو رجل، نعم، لكن هو إمام أهل السنة وفتح الله عليه، وحفظ مائة ألف حديث في الأحكام، ومائة في غيرها, ومائة في المقطعات, ومائة من الآثار.
فالمقصود: أن نحترم هؤلاء العلماء، ونقبل علمهم بشرط أن نعرف الدليل أيها الإخوة، فإنك إن أخذت -مثلاً- مسألة القراءة وراء الإمام، فالأحناف يقولون: لا نقرأ لأن أبا حنيفة يقول: لا يُقرأ وهو إمام، فنقول: ما هو دليلكم؟ فيقولون: دليلنا قوله ﷺ : ﴿من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة﴾ فنبحث عن هذا الحديث فإذا هو في الدارقطني بسند ضعيف، وإذا في مسلم: ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أو بأم القرآن﴾ أفنترك هذا لأن أبا حنيفة قال هذا؟
إذاً فجواب ما تفضل بسؤاله السائل؛ أن الحكمة كل الحكمة أن نحترم هؤلاء الأربعة، ونضعهم على رءوسنا وفي عيوننا، ولا نجعل كلامهم شريعة، فإنهم كما قال أحد العلماء الفضلاء من الأحياء الآن: (يحتاج إلى كلامهم ولا يحتج بكلامهم) فننقل كلامهم ولا نمقتهم -نعوذ بالله من ذلك- لكن لا نجعلهم مشرعين وقد تعرض ابن القيم لها وقال: إنهم ليسوا مشرعين، وإنما هم علماء مجتهدون, نقبل أقوالهم إذا وافقت الدليل, فهذا ما عندي في هذه المسألة.
فملخص ما قلته: إن لطالب العلم أن يقرأ في مذهب, لكن عليه أن يتقيد بالأدلة، لا يكفيك متناً فقهياً مجرداً عن الأدلة, تأخذ حقه وباطلة وصحيحه وسقيمه، ناسخه ومنسوخه، ركيكه وجزله، ثم تقول: أنا على هذا الكتاب، لكنك تأخذ هذا المتن وتقرنه بالأدلة، وتعود إلى كلام أهل العلم، فتأخذ الصالح وترد الطالح، هذا هو المنهج السديد, وأحسن ما يعاد إليه ابن تيمية في أول كتاب الاستقامة، ورسالة الشوكاني في الاجتهاد والتقليد، وكتاب ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف والذهبي في كتاب زغل العلم إلى غيرها من الرسائل، وأريد أن أختصر.
стр. 5270
الأناشيد
السؤال
هل الأناشيد التي تسمى بالأناشيد الإسلامية من العلم الأصيل أم من العلم الدخيل؟ وما هي الأناشيد التي نستطيع أن نقول إنها أناشيد إسلامية؟ هل هي تلك التي تقرب القلب من طاعة الله ، أم تلك التي تقرب القلب إلى القسوة والبعد عن طاعة الله؟
الجواب
لو علمت أنك ستسأل عن هذا السؤال لقلت: إن هناك علماً أصيلاً وعلماً دخيلاً وعلماً بينهما، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فالعلم الأصيل وجبة غذاء, وأما مثل الأناشيد فهي مشهيات أو ملهيات، فما أستطيع أن أضمها إلى الأصيل ولا إلى الدخيل، لأني إذا ضممتها إلى الأصيل لا بد أن يكون فيها نفع ومقصد وثمرة، وإن ضممتها إلى الدخيل فإنه يكون فيها ضرر وبهت وإسراف وضياع، فالأناشيد بحسب النية، لكن لا بد من التحرز منها، أما الأناشيد الإسلامية التي تدعو إلى مكارم الأخلاق, ولا تصحب بعزف, ولا ناي, ولا طبل، ولا تأنث، فهذه جيدة.
وأما الأناشيد التي تدعوا إلى الغزل, وإلى السخف, وإلى الفحش أو صاحبها آلة لهو فهذه نضمها إلى العلم الدخيل، وأما الأناشيد في جانب الشعر, فيحفظ منها الشاهد والمثل، فهناك علوم قد لا تدخل يسميها صاحب الموافقات الشاطبي من ملح العلم، لأنه قسم العلم إلى ضروري, وإلى ملح, وإلى ضار؛ فهذا من المُلح.
نخرج من المسألة خروجاً من الخلاف لأنه من الملح.
стр. 5271
التوفيق بين العلم الأصيل وعلم ما تحتاج إليه الأمة
السؤال
يبدو من كلام فضيلتكم أن العلم الأصيل هو الوحي وما يتصل به، وكيف نوفق بين ذلك وبين كلام العلماء الذين يقولون: إذا احتاجت الأمة إلى علم أياً كان ولم يتعلموا هذا العلم أثموا جميعاً، ويدخل فيه الطب والهندسة وغيره من العلوم؟
الجواب
أنا معك في هذا الكلام، والحقيقة أقول لكم: إن العلم الأصيل يحتاج إلى بعض النقاط، أو ما يندرج في العلم الأصيل؛ لكن:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
الوقت ضيق والنقاط كثيرة، والمحاضرة ذات شقين: شق أصيل, وشق دخيل، فالعلم الأصيل يدخل فيه كل ما نفع المسلمين، يقول ابن تيمية: كل علم نافع فهو علم أصيل، والذي ليس بنافع فليس بأصيل وصحيح أن أهل الطب والهندسة، والتربية، ومن لف لفهم، وأهل التاريخ، والجغرافيا من كان في الساقة كان في الساقة، ومن كان في الحراسة كان في الحراسة، وربما إنسان يدرس التاريخ أو الجغرافيا أتقى وأورع وأخشى لله ممن يدرس التفسير والحديث والفقه، هذا موجود وأنفع للمسلمين، فأنا أقول: لا يشترط في العلم أن يكون تفسيراً وفقهاً وحديثاً، لكنني جعلت العلم الأصيل نافعاً مثمراً، تدخل فيه ما استطعت، وجعلت العلم الدخيل ضاراً مضيعاً للوقت مفرط صاحبه فأدخل فيه ما شئت, والأحسن أن توضع فيه قاعدتان: أصيل نافع ودخيل ضار، فأدخل كل نافع في الأصيل, وأدخل كل ضار في الدخيل.
стр. 5272
علم الفرائض
السؤال
ذكرت أن من أقسام العلم الأصيل علم الفرائض، ولكن وللأسف كثير من طلاب العلم يتهرب من هذا العلم, وهذا خطر شديد على الإسلام والمسلمين، أرجو توضيح هذا الأمر والإرشاد إلى الصواب؟
الجواب
علم الفرائض، من صدقه ﷺ الذي وقع حدسه في الأمة، أن علم الفرائض بدأ يهمل وينسى، وهو أول علم ينسى, ولذلك حث ﷺ على تعلمه، وقال في بعض الآثار: هو نصف العلم؛ لأن علم الحياة المواريث، وعلم الآخرة علم القلوب, أو ما يقرب من الله , وهذا العلم في الحقيقة قصرنا فيه كثيراً, لأسباب منها:
أن هذا العلم يحتاج إلى مصاحبة دائمة ومسائلة، فإذا تركته فترة من الوقت نسيته، فلا بد لمن أراد هذا العلم أن يكون له كل يوم ولو مسألة يتشاغل بحلها وتقسيمها, حتى يبقى متذكراً لهذا العلم، ولذلك تجد أكثر الناس تذكراً له المفتون والقضاة.
والسبب الثاني: أنه ليس هناك من يشجع، وأدخل على المسلمين بعض العلوم، أدخلت مجلدات كبار ككبر الأسمنت مكتوب عليها الثقافة الإسلامية، ليس فيها ما يسمن ولا يغني من جوع، كلام كله مصفوف: الإسلام دين عدالة، ودين قوة، عناصر مركزية تنطلق من أطر وتنبثق في بوتقة، وهكذا فنشغل به (٥٧٦) صفحة ونقرأه ليلة الامتحان، ونلخصه في عناصر ومن أطر وتنبثق في بوتقة، وهكذا فنشغل به (٥٧٦) صفحة ونقرأه ليلة الامتحان، ونلخصه في عناصر ولا نأتي بجيد، فلو كانت ثقافتنا من الكتاب والسنة أو من الكتاب الذين كتبوا في الثقافة بعمق، لكان أحسن.
ولكن نجعل لعلم الفرائض حظاً، ولعلم أصول الفقه، وكل علم نأخذ منه بنصيب، ولذلك نحن بحاجة لأن نتعلم بعض العلوم، وأنا أذكر أن من أهم العلوم التي قررت علم التربية، أما رأيتم منهج التربية عند المسلمين للنحلاوي، ما أحسن إشراقه واستشهاده وعرضه، وأسلوبه وصدقه وإخلاصه في الكتاب! وكيف أثر في الكثير من الشباب! لأننا بحاجة لهذا العلم, وبماذا نقابل الناس، إذا كان عندهم تربية وعرضوا لنا في الأسواق تربية؛ أنقول لهم: حدثنا قتادة؟ وإذا قالوا: هل عندكم علم نفس؟ نقول: قال: شعبة عن الأعمش أو الأعمش عن شعبة، لا بد أن نقابل السلاح بالسلاح، وعلم الفرائض نعود إليه ونقول: هو من المهمات، وأولى ما يتعلم في المساجد، وأحسن طريقة أن يجتمع ثلاثة أو أربعة من الشباب فيخصصون له يوماً في الأسبوع، فيتدارسون هذه المادة، ويحلون فيها ويقسمون، ليبقى هذا العلم محفوظاً فإنه من أشرف العلوم.
стр. 5273
حقيقة كتمان العلم
السؤال
ما المقصود بكتمان العلم؟ وهل صحيح أن كتمان العلم، أن يسألك أحد فلا تجيب وأنت تعرف الإجابة، أو ترى الباطل ولا تمنع؟
الجواب
كتمان العلم: هو عدم إظهاره للناس، هذا أمر, وعدم إفتاء المفتي عند الحاجة إلى الفتوى مع تخلف المانع، بألا يخشى على نفسه ضرراً أعظم من فائدة أو مصلحة الفتوى، لأنه ما كل مسألة يلزمك أن تجيب فيها، بعض الإجابات قد تذهب برأسك، فقال أهل العلم في هذا: أجدر لك أن تعتذر، نص على ذلك الإمام أحمد في كتاب الورع، لك أن تعتذر عن مسألة, لأنك إذا أجبت فيها ذهبت برأسك، فما كل إنسان ينبغي له أن يجيب، ثم إلى الحاجة، أن ترى حاجة السائل لهذا العلم، بألا ترى أنه يريد أن يستدل ببعض الأمور, أو يتعمق معك بعض التعمق، فيريد منك أن تجيبه على حسب هواه، فهذا متنطع لا ينبغي أن تجيبه، كأن يسألك فإذا رأى عندك تشديداً ذهب إلى فلان, وقال: ما حكم هذه وهذه؟ فشدد عليه فذهب إلى فلان فإذا رخص له، أخذ فتواه وذهب إلى أهله وقال: فتح الله على الشيخ فلان، أما هو فقد آتاه الله علم الأولين والآخرين، أما أولئك فما عندهم من العلم شيء، وذلك لأنه وافق مراده فهنالك أن تمنع، وكتمان العلم -بارك الله فيكم- قسمان:
القسم الأول: ألا تظهره للناس وألا تنشره، ولا تعلمه، فهذا من الكتمان، وذلك فعل بني إسرائيل، ينطوي الإنسان بعد أن يتعلم بدون خوف أو ضرر, ويقول: لا أنشر علماً ولا أتدخل بالناس، نفسي نفسي أنشغل بها ولا أنشغل بالناس.
والقسم الآخر: كتمان السائل أو المستفيد حينما يعرض لك:
وواجب طالب العلم: ألا يتكلم بجهل, وألا يكتم علماً، فإذا سئلت عن مسألة فلا تقل: لا أدري، فإن بعض الورع سفه وقلة حياء، كأن يسألك إنسان بدوي لا يعرف شيئاً يقول: أريد أن تتوضأ لي، فيحملك الورع, وتقول: الله ورسوله أعلم، أحمي سمعي وبصري، اذهب إلى العلماء فاسألهم، فإن الإمام مالك سئل في خمسين مسألة ما أجاب إلا في ثمان مسائل، فأنا أقول: لا أدري.
هذا من السخف والسفه، فيجب عليك أن تجيبه لأنك عرفت المسألة.
والأمر الثاني: أن يأتي إليك سائل طلق زوجته في مجلس وأنت لا تعرف كلام أهل العلم، واختلافات الحديث، وبعض المسائل قد تصعب عليك، فتخشى من أهل الحارة أو من القبيلة أن يقولوا: تخرج من كلية الشريعة وهو لا يعرف شيئاً فتقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذه المسألة الصحيح فيها كذا وكذا، لما رواه ابن ماجة من حديث فلان، وما روى ابن ماجة حديثاً ولا أنت تعرف الجواب، فتتعمد الجهل، فهذا يلجم بلجام من نار, وذاك يلجم بلجام من نار، إذاً فالواجب أن نفتي فيما تعلمنا ولا يحملنا الورع أن نهز رءوسنا ونقول: لا ندري، فبعض المسائل يعرفها حتى العوام, وأما بعض المسائل فنقول: لا ندري، ونحن صادقون، ومن وفقه الله سدده وثبته.
стр. 5274
حفظ القرآن
السؤال
ذكرت أن أفضل العلم تعلم القرآن وحفظه، فنرجو منك أن تعطينا بعض الإرشادات لتساعدنا على حفظ القرآن؟
الجواب
حفظ القرآن من أكبر القضايا في حياة المسلم، ولذلك إذا سمعت بعض الناس يقول: ليست القضية قضية حفظ قرآن؛ فاعرف أنه إبليس, أما بعضهم فقد يجلس معك المجالس الطويلة في غير مثمر فكر، مورد، إنشاء، تعبير، فإذا قلت: دعنا نحفظ آيتين، أو نتدبر آيات، قال: لا.
القضية ليست قضية حفظ قرآن.
إذاً قضية جهل، وقضية تضييع وقت، أما حفظ القرآن فهو من أكبر القضايا, ولحفظه وسائل نسأل الله أن يعيننا وإياكم على تنفيذها لنحفظ كتابه:
أولها: تقوى الله : فإن من اتقى الله علمه وفهمه وحفظه.
ثانيها: كثرة الاستغفار: يقول ابن تيمية: إنها لتعجم عليَّ المسألة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر فيفتحها الله عليَّ.
الثالثة: التقليل من المحفوظ: قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: يا طالب العلم! قلل وداوم, فإن التقليل والمداومة أصل عظيم، وبعض الطلبة أو الإخوة، أخبروني أن أستاذاً قال لهم قبل أربع سنوات أو خمس سنوات: احفظوا كل يوم آية فتضاحكوا في الفصل، وقالوا: نحفظ آية فقط! الآية قليل، قالوا: والله لقد مرت بنا فترة حسبنا الأيام التي مرت وما حفظنا كل يوم آية، لو حفظنا كل يوم آية لختمنا القرآن جميعاً.
يقول: أحفظ سورة الكهف في يوم، فيحفظ ويجهد نفسه في اليوم الأول ثم يأتي اليوم الثاني وقد انقطعت حباله، وتقطعت أوصاله, ونسي فريقه, وتكسرت أضلاعه، فما يستطيع أن يعود إلى المصحف مرة ثانية، لأنه مل وكل وفتر، وفر وهر، فالواجب التقليل والمداومة، هذا أصل عظيم يكتب بماء الذهب، قال: الجاحظ في كتاب الحيوان: قلل من المحفوظ وداوم، آية واحدة، آيتين, ثلاث آيات.
الأمر الثالث: إذا قرأت الآية أو الآيتين أن تكررها حتى تكون على لسانك كاسمك الذي سماك به أبوك، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] تكرر هذه الآية إذا أردت أن تحفظها خمسين مرة، ما تكرر أربع مرات، بعض الإخوة أخبرني أنه حفظ وكان يكرر أربع مرات، يقول ابن الجوزي: ما حفظت مقطعاً إلا كررته سبعين مرة، وقال أبو إسحاق الشيرازي صاحب المهذب: كنت إذا أردت أن أحفظ أسطراً من الدرس أكرره مائة مرة, وإذا حفظت قياساً كررته ألف مرة، وعودوا إلى كتاب المجموع ترجمة أبي إسحاق أو إلى سير أعلام النبلاء.
فالتكرار أن تكرر المقطع ولو كنت حافظاً، كرره حتى تمل، ولذلك سمعت جارية سيدها يكرر مقطعاً يقول: قال أهل العلم وهي قواعد أربع، من قواعد القفال المروزي , فأخذت الجارية تقول: يا هذا! ما حفظت، أنا حفظت من أول كلمة، قال لها: بيني وبينك الأيام، وبعد شهر قال: ماذا يقول القفال، قالت: ما أدري، قال: يقول أهل العلم وهي قواعد أربع إلخ؛ لأنه كرر كثيراً وهي اكتفت بأول مرة.
والسادس: أن تقرأه في الفرائض والنوافل:
فتقرأه إذا صليت بالناس، فإذا قرأت به في الصلاة فاعلم أنك قد حفظت وفهمت.
والأمر السادس: أن تفهم معنى الآية:
قال ابن تيمية: وفهم معنى الآية مُعينٌ على حفظها وعلى تيقنها في القلب، وهذا موجود، بعض العوام يردد الآيات: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب:٢٥] أو مثلاً قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً﴾ [الأحزاب:٩] ما يدري ما هي الريح، وما هي الجنود, وما هم الأحزاب, يظن أن الأحزاب واد في الجنة، أو نهر فيها، فإذا ضيع معنى الأحزاب ما درى، لكن الذي يفهم المعنى، يعرف الأحزاب وملابسات القصة وأولها وآخرها، ولذلك سمع أعرابي قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] قرأها أحد البله (إن الله عزيز حكيم) قال الأعرابي: امرأته طالق ثلاث، ما يقولها الله، قال: لماذا؟ قال الأعرابي: ما يقول الله عزيز حكيم بعد غفران الذنب؟ قال: دعني أنظر في المصحف فوجد: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فعرف أنه صحيح، ولذلك إذا فهم طالب العلم المعنى حفظ اللفظ، ومن ذلك أنه إذا ذكر الله آيات النهار يقول: (لعلهم يبصرون) لأن البصر في النهار أقوى، وإذا ذكر الله الليل يقول: (لعلهم يسمعون) فآلة السمع في الليل أقوى، وإذا ذكر الله الحدود وتنفيذ العقوبات والجلد والفرش والضرب، ذكر (عزيز حكيم) وإذا ذكر الرحمة واللطف، ذكر (غفور رحيم).
فالمعنى يعين على ذلك (الربط والشبك) ويسمى عند الشناقطة التخييل، أن تشبك المقطع في الآخر، لا تحفظ ثلاث آيات اليوم، ثم تأتي في اليوم الثاني تفصل، لكن اشبك هذه الآية لتبقى محفوظة في ذهنك.
وقال البخاري: مما يساعد على الحفظ إدامة النظر في المصحف.
أيضاً: أن يكون لك مصحف واحد، لا تقرأ في العشاء في مصحف وفي المغرب في طبعة أخرى، فتأتي تجمع من هنا ومن هنا، تتصور الآية في اليمين, ومرة في الخلف, ومرة أمامك.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5275
أسباب الانحراف
كل مولود يولد على الفطرة، ثم تأتي عوامل الانحراف فتصرفه عن فطرته، والناس بعد ذلك إما أن يعرف طريق الحق ثم يزيغ عنه أو لا يهتدي إطلاقاً، أو أن يكون زائغاً ثم يهديه الله.
ولهذا الزيغ أسباب لا بد من معرفتها، لكي نكون على بصيرة منها لنتقيها ولنحذر منها عل الله أن يثبتنا على الصراط المستقيم، فمن استقرأ أحوال الزائغين وجد أسباباً كثيرة وعديدة، وفي هذا الدرس بيان لثمانية أسباب منها.
стр. 5276
الانحراف عن طريق الجنة
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أسعد الله لياليكم بالمسرات، وأيامكم بالخيرات، وجمعنا بكم في الجنات، عنوان هذا الدرس "أسباب الانحراف".
عن منهج الله، فما هي أسباب الانحراف؟
ولماذا ينحرف العبد عن طريق الهداية إلى طريق الغواية؟
ولماذا ينحرف العبد عن منهج الله؟
ولماذا يعرض عن كتاب الله؟
هذه الأسئلة وأمثالها تجيب عنها هذه المحاضرة إن شاء الله.
أسباب الانحراف جمعت في ثمانية أسباب، أسردها، ثم أشرحها والله المستعان!
أول أسباب الانحراف عن منهج الله، وعدم طاعة الله، والانطواء تحت ظلال الله: خبث النفس.
والثاني: اتباع الهوى.
والثالث: الفراغ القاتل.
والرابع: الغفلة عن ذكر الله.
والخامس: الصحبة السيئة.
والسادس: طول الأمل ونسيان الموت.
والسابع: التربية على العواطف.
أما الثامن: فهي معايشة الوسائل التي تحطم مصداقية الإيمان.
стр. 5277
خبث النفس
قلت: إن أول أسباب الانحراف: خبث النفس، قال : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] يتحدث عن قوم انحرفوا عن منهجه وضلوا، فيتساءل المتسائل لماذا رفضوا المسجد؟
ولماذا رفضوا القرآن؟
ولماذا أعرضوا عن الهداية؟
قال الله : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] معنى الآية: لا خير فيهم، وفي رواية عن موسى ﵇: ﴿أنه كلم الله، فقال: يا رب! تدخل الجنة قوماً وتدخل النار قوماً فلم؟ قال: يا موسى! ازرع زرعاً، فزرع زرعاً، قال: احصده، فلما اكتمل حصده، قال: يا موسى! لم تركت هذا؟ -أي: القصب بقية العلف- قال: لا خير فيه، قال: وأنا أترك في النار من لا خير فيه﴾ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢] أي: لا خير فيهم، ولا سداد، ولا زلفى إلى الله .
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦].
قال أهل العلم: أي من صد عن منهج الله قيض الله له قرين سوءٍِ يأخذه إلى الضلال، فمن ترك المسجد، أين تجده؟! أتظن أنه في الجنة؟! لا.
هو في المقهى!
من ترك المصحف فهو مع المجلة الخليعة، ومن ترك التلاوة فهو مع الأغنية الماجنة! ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣].
قيل للجعلان: لم نزلت إلى هذا المستوى؟
قال: همتي أنزلتني.
الجعلان هذا حيوان يعيش دائماً في القذارة، إذا خرج من القذارة مات، فما يعرف إلا القذارة، مثل الخفاش فإنه أول ما يرى الشمس يموت.
يقول أحد الشعراء في رجل من الناس يبتغي الغواية دائماً، يقول:
إذا أدلج الأخيار للفضل في الدجى سريت لزرع الشر في كل منزل
وإن غرسوا غرس الفضائل في العلا حصدت رخيصاً من قتاد وحنظل
والمعنى: أنت دائماً لا تحب الخير، الناس يسهرون مع كتاب الله، وأنت تسهر في الغواية -والعياذ بالله- والناس يتقربون من الله، وأنت تتقرب من الشيطان.
الناس يصونون ذممهم وأخلاقهم بأخلاق الإسلام، وأنت دائماً تنتكس في المعصية والغواية، وهما بيتان لطيفان، حبذا لطالب العلم أن يحفظهما.
يقول أحد الأدباء: دخلت على فلان، وكان ماجناً ضائعاً لا يعرف الحياة، فقال: كلما دخلت عليه وجدته يغني بعود، وعنده باطية خمر -والعياذ بالله- يشرب، ويدَّعي الإسلام وأظنه مسلماً، قال: وكلما دخلت على يزيد بن هارون وجدته يقرأ القرآن ويبكي -يخرج من بيت يزيد بن هارون المحدث الكبير فيقابل بيت هذا المجرم- قال: وكلما دخلت على هذا وجدته يغني ويشرب الخمر، وأدخل على يزيد، وهو جاره، فأجده يقرأ القرآن ويبكي.
يزيد بن هارون: عالم زاهد من العباد الكبار، بكى من خشية الله حتى عمي.
قال له أحد تلاميذه: أين العينان الجميلتان يا يزيد بن هارون؟
قال: أذهبهما والله بكاء الأسحار، لكنها عند الحي القيوم.
قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿من ابتليته بحبيبتيه، فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ وعوض الله لا عوض مثله، وعزاء الله لا عزاء يشابهه، هذا خبث النفس، وهو السبب الأول، ولذلك لا تجد أحداً يتقرب إلى الله إلا قربه الله.
من الذي أتى إلى باب الله فرده؟
من الذي سأل الله فما أعطاه؟
من الذي استهدى الله فما هداه؟
لكن العبد هو المنحرف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] هم الذي بدءوا في الزوغان والانحراف، فلما بدءوا ختم الله على قلوبهم، ولذلك يقول بعض الشباب: مالي لا أهتدي؟!
أنت الذي عطلت أسباب الهداية، فلو أردت أن تهتدي لحافظت على الصلوات الخمس، وأتيت إلى مجالس الخير، وإلى المحاضرات الإسلامية، وإلى الدروس النافعة، ولسمعت الشريط الإسلامي، ولقرأت الكتاب الإسلامي، ولرفعت يديك إلى الحي القيوم الذي يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
الله بيده كل شيء، أجلسكم هنا، وأجلس غيركم في خمارات الخمر وبارات الدعارة -والعياذ بالله- يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فأنتم بدأتم إن شاء الله خطوات، فاجتباكم، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم.
стр. 5278
اتباع الهوى
إذا ركب الهوى العقل؛ ضل صاحبه، ومن أطاع هواه قتله، وما عصى العصاة ربهم إلا لكثرة الهوى وغلبته، يرى النار محرقة، ولكن يحترق، ويرى الهول ولكن يركب الهول، ويرى المضرة ولكن يتناول المضرة، قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] ومن اتبع الهوى وحكَّمه أضله الله في الدنيا والآخرة، وكثير من الناس، يعرف من نفسه أن الإسلام خير، والصلاة في المسجد طيبة، لكن يقول: والله لا أستطيع، ورجالٌ أدمنوا في المخدرات طلب منهم التوبة فرفضوا، وقالوا: لا نستطيع.
وسوف أذكر نماذج من هؤلاء.
стр. 5279
أبو جهل واتباع الهوى
يقول أبو جهل للرسول ﵊: أعلم أنك صادق، وأنك لا تكذب، ولكن تقول؟ بنو عبد مناف منا نبي، فما نقول؟ وقال أبو جهل في مجلس قريش: إني أعلم أن محمداً لا يكذب، ولكن قال بنو هاشم: فينا السقاية، فقلنا: فينا الرفادة، فقالوا: فينا الحجابة، فقلنا: فينا الراية، فإذا قالوا: فينا النبوة، فماذا نقول؟!
قال سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يقول أحد الماجنين من الشعراء وقد نصحه العلماء أن يتوب فما تاب، يقول في بيتين يصور نفسه يوم غلبه الهوى، وقتل نفسه به، ولكن ما أناب ولا تاب، يقول:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما من هوى ليلى وترك زيارتها فإني لا أتوب
أستغفر الله! قيل له: تب، قال: ربه الهوى.
ولذلك بلغ بعض الناس منزلة لا يستطيع أن يتوب، وبعضهم يبكي وهو في الذنب، فيقال له: تب، قال: والله ما أستطيع، ولقد حاولت كل محاولة وجربت نفسي فما استطعت، بل بعضهم انهزم أمام سيجارة الدخان، فما استطاع أن يتوب منها وأعلن فشله، فقال: لا أستطيع.
يقول سيد قطب في كلام معناه: " يا عاصياً! حاول مائة محاولة، حاول ألف محاولة، ووراء الألف محاولة لعل الله أن ينصرك في الواحدة بعد الألف ".
جلس أحد الحكماء بجانب شجرة؛ وكانت الشجرة ملساء، فرأى نملة تصعد في الشجرة، فكلما صعدت سقطت، ثم تصعد فتسقط، ثم تصعد فتسقط، ثم صعدت فأعانها الله حتى ارتقت، فقام الحكيم، فقال: " الخط الذي طوله ألف خطوة يقطع بخطوة " يعني: بالصبر.
صابر ولا تضجر من مطلب فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بطول المدى على صليب الصخر قد أثرا
ولعلَّ الله أن ينظر إليك في ساعة يعطي فيها من يشاء، ويهدي فيها من يشاء فيهديك هدايةً ما بعدها ضلالة، وتعرض لنفحات الله في ساعات الإجابة، وأدبار الصلوات، وما يدريك لعل يوم هدايتك اليوم، أو غداً، أو بعد غدٍ، فلا تيأس من روح الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
الهوى غلب بعض الناس حتى أرداهم في النار والعياذ بالله، والمبتدعة ورؤساء المبتدعة غلبهم الهوى.
стр. 5280
الجعد بن درهم واتباع الهوى
الجعد بن درهم هذا الفاجر بدعي، قرأ القرآن فابتدع في دين الله، الله يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] قال: ما كلمه، ويقول: ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، فاستتابه حكام الإسلام، كـ خالد بن عبد الله القُسَري، قال: تب، قال: لا أتوب، وقال: والله لوددت أني أمحو قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] من المصحف.
ورئي في المنام أن الله مسخه قرداً، أتي به يوم عيد الأضحى، والمسلمون في المصلى، فأتى به خالد بن عبد الله القسري، فوقف خالد، فقال: تب يا جعد! قال: لا أتوب.
سبحان الله! صاحب الضلالة لا ينحرف عن الضلالة، والمهتدي ينهار!
الحبل برقبته، والسيف على رأسه، ويقول له الأمير أمام الناس: تب وإلا ذبحناك، قال: لا أتوب -وهو على ضلالة، غلبه الهوى- فقال خالد في آخر الخطبة: يا أيها الناس! ضحوا تقبل الله أضحياتكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ثم سل سيفه، فذبحه مستقبلاً القبلة ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦].
يقول ابن القيم يروي القصة في ثلاثة أبيات:
ولأجل ذا ضحى بـ جعد خالد الـ ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر المضحي كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
يقول: من أراد أن يتقرب إلى الله فليفعل مثله، ومن أراد أن يضحي فليضح بمثل أضحيتك، فالبدنة عن سبعة.
стр. 5281
مخالفة الإمام أحمد للهوى
قال رجل للإمام أحمد وهو في السجن، الإمام أحمد يجلد بسبب وقوفه نصرةً للسنة، الإمام أحمد قاد أهل الإسلام في وجه البدعة، قال له المأمون: قل القرآن مخلوق، قال: لا.
فجلدوه، قال الذي جلده: والله لقد جلدت الإمام أحمد جلداً لو ضربته جملاً لمات.
أُتى بخمار جلد خمسين مرة، فسجن مع الإمام أحمد.
ووضع في زنزانة الإمام أحمد، ليهينوا الإمام أحمد.
الإمام أحمد لما كتفوه في الليل، أتدرون ماذا بحث؟ يقول الإمام أحمد: أدخلوني، وأنا صائم، قال: ووضعوا الحديد في يدي، وأركبوني على فرس فخشيت أن أسقط من كثرة الحديد، فرموني بالحديد في بيت مظلم، ثم أدخلوا معي خماراً، فأدخلوه في الزنزانة، قال: فالتمست لعلي أجد ماءً أتوضأ، فوجدت ماءً فتوضأت.
واستقبل الإمام أحمد القبلة يصلي ويبكي، ويناجي الله، ويقرأ القرآن، فثار هذا الخمار ولم يصبر، منظرٌ عجيب في السجن! يقرأ القرآن ويسبح! وهذا منهار! فقال: يا فلان! من أنت؟ قال: أنا أحمد بن حنبل، قال: لا إله إلا الله، أنت أحمد بن حنبل! قال: نعم.
قال: لم سجنوك؟ قال: قلت كذا، وقالوا كذا، قال: وماذا يقولون؟ قال: يجلدونني حتى أقول، قال: يا أحمد! اصبر على الحق، ولا تجب لهم في الباطل، فوالله لقد جلدوني في الخمر خمسين مرة، وأعود كل مرة.
فكان الإمام أحمد كلما صلى دعا له بالتوبة، فتاب توبةً نصوحاً: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 5282
عبد الغني المقدسي يخالف هواه
أتوا بـ عبد الغني المقدسي صاحب الكمال في أسماء الرجال كان من أعبد الناس، ومن أقوى الناس، وكان شرساً قوياً، إذا رأى المنكر لا ينتظر، ولا يتفاهم بالهدوء، وآتاه الله قوة في الجسم، يقولون: كأنه كان ساريةً من حديد، وأسرته قوية.
مر بوزير من الوزراء، والوزير على فرس، ومع الوزير بغال محملةً خموراً، يريد أن يدخل بها العاصمة، فقال له: أين تذهب؟
قال: أريد أن أدخل، قال: ما هذه؟
قال: أمور، ففتش، فوجد الخمر، فقفز عبد الغني على هذا الوزير من على الفرس، فحطه في الأرض، وبرك على صدره، وأخذ يلطمه، ثم أخذ سكيناً ففجر كل القراب في الأرض.
وهذه نقف معها موقف: متى يكون تغيير المنكر باليد؟ وأحيلكم على ضوابط الأمر بالمعروف، وقد سبق هذا.
إنما الشاهد أن عبد الغني هذا سجن، وغضب عليه السلطان، فسجنه مع النصارى في بيت المقدس، فلما دخل السجن، رأى النصارى والصلبان على نحورهم، فقام يتوضأ، وكلما توضأ في الليل صلى ركعتين وبكى شهيقاً كأن القيامة قامت، فإذا جف وضوؤه، ذهب ليتوضأ، فما نام، فلما أصبح الصباح، أتى النصارى إلى السجان، فقالوا: أخرجنا إلى السلطان لنسلم، فأخرجهم فدخلوا على السلطان، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قال: مالكم؟ قالوا: رأينا عبد الغني البارحة يصلي من صلاة العشاء إلى الفجر، فذكرنا بالقيامة.
стр. 5283
عاقبة من اتبع هواه
ومن اتباع الهوى كما ورد عند مسلم، قال ﷺ لرجل كان يأكل بشماله: ﴿كل بيمينك قال: لا أستطيع -تكبراً- فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال له ﷺ : لا استطعت -أي: جعلك ما تستطيع- فما رفعها إلى فمه﴾ جعلها الله يابسة: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
وتجد المتكبر الذي ركب هواه يعارض السنن الشهيرة، ويفتي في الدين، تجده مفتياً من هيئة كبار العلماء مجتهداً مطلقاً، تعرض عليه المسائل، قال: لا.
هذه من القصور، والأمر فيه سعة، وأنتم متشددون، وليس هذا بصحيح، وأمره إلى الله.
стр. 5284
الفراغ القاتل
والسبب الثالث من أسباب الانحراف عن منهج الله، وطاعته: الفراغ القاتل.
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] قال أحد السلف: " المؤمن إذا فرغ غفل.
قال عمر: [[إنني أنظر إلى الرجل، فإذا رأيته ليس في شأن من شئون الدنيا ولا الآخرة سقط من عيني]] فبعض الناس لا هم له إلا أن يعدد السيارات، ليس عنده عمل.
لا يعرف يتنفل، ولا يقرأ القرآن، ولا يسبح، وإنما يجلس في حديقة من الحدائق، أو في دويرة، أو يجلس عند الإشارة، أو على الرصيف، ويأتي من الصباح ينقل السيارة من طرف الشارع، فيوصلها، ويعود يأخذ الثانية، ويوصلها، فما يأتي في المساء إلا ورقبته تكاد تنحط في سبيل اللهو، وأجره على الشيطان.
أمير المؤمنين عمر كان يشتغل، فإذا انتهى من عمل الخلافة ذهب فصلى، فإذا انتهى أصلح بين الناس، فإذا انتهى دار على البيوت، فإذا انتهى دخل يتفقد الأيتام والأرامل، فإذا انتهى أتى إلى الدواوين، فإذا فرغ قال لـ أبي موسى: [[ذكرنا بربنا يا أبا موسى!]] فلا فراغ عند المؤمن أبداً، والرسول ﵊ من أحفظ الناس لوقته، أما الذي يشكو من الضيق والكدر، فهذا لا يعرف معنى الحياة، ولا يعرف سيرة محمد ﵊.
وقال بعض السلف: " الراحة بطالة ".
فإذا رأيت الإنسان يرتاح، أي: ينام كثيراً، فاعرف أنه بطال.
سمعت أستاذاً في شريط يقول: والله لقد عرفت رجلاً نام من بعد صلاة المغرب إلى صلاة الظهر في اليوم الثاني، فقلنا: هذا يمكن أن يكون من أصحاب الكهف: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨] وبعضهم في برنامجه أن ينام إلى قرب الظهر، ليس عنده عمل ولا وظيفة، ولا تسبيح ولا نوافل، ولا شغل ولا شيء، فينام إلى الساعة الحادية عشرة، ثم يقوم، فيفطر إلى الظهر، فإن أحسن وكان من المحسنين صلى الظهر، ثم عاد فتغدى، ثم نام إلى العصر، ثم ذهب بسيارته يجول ويصول إلى الغروب، ثم من المغرب إلى العشاء في جلسة لاهية، وبعد العشاء جلسة حمراء يستعيذ منها الشيطان.
стр. 5285
حال السلف مع الوقت
أتى قصاص يقص شارب معروف الكرخي وكان معروف يعتمر، فحلق رأسه، ثم قال للقصاص: خذ من شاربي، فأخذ معروف يسبح الله، قال له القصاص: أنا أقص شفتك، اسكت، قال: أنت تعمل، وأنا أعمل، قالوا: ما رئي إلا متمتماً بذكر الله، وقال بعضهم: أظنه يسبح مئات الألوف في اليوم، ويقولون: كان إذا نام عند أهله سبح سبح، فلا يستطيعون النوم.
ويقال عنه: ربما مرت عليه بعض الليالي يسبح فيها حتى ينام، فإذا اضطجع على فراشه سبح حتى يؤذن الفجر.
وكان سفيان الثوري في بعض الليالي لا ينام
نامت الأعين إلا مقلةً تذرف الدمع وترعى مضجعك
قيل لـ سفيان: لم لم تنم؟ قال: أردت أن أنام فتذكرت يوم يكون عرش الله بارزاً للناس، فما نمت.
وعمر بن عبد العزيز، قيل: أنه مرت به ليلة، فما نام.
وأما عمر بن الخطاب، فقد قيل لـ عاتكة: ماذا كان يفعل عمر؟ قالت: إذا أتى إلى فراشه وضع عنده ماء بارداً، فإذا نعس رش وجهه ثم ذكر الله، فإذا نعس رش وجهه، فإذا انتصف الليل قام يدعو ويبكي حتى الفجر، قالت عاتكة: يا أمير المؤمنين! لم لا تنام؟ قال: إن نمت في النهار، ضاعت رعيتي، وإن نمت في الليل، ضاعت نفسي-سلام عليك ورفع الله منزلتك-.
الجنيد بن محمد أحد الصالحين، أتى في سكرات الموت، فأخذ يقرأ القرآن، فأتى الناس -قرابته وجيرانه- يحدثونه، وهو في مرض الموت، فسكت وما حدثهم، وأخذ يقرأ القرآن، قال له ابنه: يا أبتاه! أفي هذه الساعة تقرأ القرآن؟! قال: ومن أحوج الناس مني بالعمل الصالح، فأخذ يقرأ ويقرأ حتى انتهى.
وابن تيمية لما وصلته الوفاة، قال لمقرئ عنده: اقرأ عليَّ القرآن، فقرأ، فلما بلغ القارئ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] فاضت روح شيخ الإسلام.
عفاء على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج
كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج
سلام عليك في الخالدين، وجمعنا بك في الصالحين، وروض الله روحك في الأخيار الطيبين:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ * ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
وقال الذهبي عن عبد الله بن إدريس العالم الكبير -الله ما أكبره! وما أحسنه! - هذا العالم استدعاه هارون الرشيد ليوليه القضاء، فلما دخل عليه، قال: تولَّ القضاء، قال: لا أتولى، قال: ولم؟ قال: يرسلني أهلي إلى السوق لأقتضي مقاض، فأنسى الغرض الذي أرسلوني إليه، فتوليني أمور المسلمين، قال هارون وقد غضب: سمعت أنك مجنون، قال عبد الله بن إدريس: ما زال أهلي يسمونني مجنوناً إلى اليوم، قال: ليتني ما رأيتك، قال عبد الله بن إدريس لـ هارون: وليتني أنا ما رأيتك، ثم خرج من عنده، فلما حضرته الوفاة، جمع ابنه وبناته، وقال: يا بني! لا تعص الله في هذا البيت، والله لقد ختمت القرآن فيه أربعة آلاف مرة.
ذكرها الذهبي بسند صحيح.
يقول سبحانه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩] قيل لـ ابن عباس: [[كيف تبكي السماوات والأرض؟! قال: المؤمن يبكي عليه مصلاه ومقعده وممشاه إلى المسجد]].
الخطيب البغدادي المحدث الكبير، كان يأخذ كتاباً إلى المسجد، ويقرأ ذاهباً وآيباً، قيل له في ذلك، قال: أحدث الكتاب، ويحدثني.
وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرقوا لتقرءوا القرآن، وتسبحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ".
ما أحسن هذا الوقت! وما أثمنه! وما أعظم قدره عند الله!.
قال الذهبي في ترجمة عبد الرحمن بن أبان بن عثمان حفيد لـ عثمان بن عفان، وعبد الرحمن كان غنياً، كان يجمع أهل البيت من العبيد والموالي فيكسوهم، فإذا أكساهم أعتقهم لوجه الله، فيقول له المسلمون: لماذا؟ قال: أستعين بها في غمرات الموت، وأول ليلة في القبر.
فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون
القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون
يقول هذا الأديب الشاعر: بت عند جاري، مرة فما نمت لأنه تغير المكان، فكيف بأول ليلة من ليالي القبر؟!!
يقول أحد الصالحين، وقد دخل على سلطان من السلاطين فرآه مغروراً بالذهب والفضة والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، قال له: اسمع مني كلمة، قال: ما هي؟ قال:
والله لو عاش الفتى في عمره ألفاً من الأعوام مالك أمره
لا يعتريه السقم طول حياته كلا ولا ترد الهموم بصدره
ما كان ذلك كله في أن يفي فيها بأول ليلة في قبره
أول ليلة هي ليلة عجيبة، ومن أراد أن يتهيأ بضيافة في أول ليلة فليفعل، وليقض على الفراغ، وكان السلف يحرصون على أنفاسهم في سبيل الله، وكانوا يستغلونها.
قالوا عن وكيع بن الجراح: كان يصلي مائة ركعة بخشوع وخضوع من غير الفرائض.
وقالوا عن أحمد: صلى ثلاثمائة ركعة.
والضابط في ذاك السنة، وليس العمل بالكثير، ولكن العمل المخلص الصادق الخاشع لله .
قال ابن الجوزي في كلام ما معناه في صيد الخاطر: لمحت فإذا الناس يضيعون الأوقات؛ فهذا يجلس فارغاً في السوق، وهذا يتناول المشايخ على وجه الخدمة، أي: يزورهم، وأصبحت الآن الزيارات كثيرة خاصة بين الشباب، يزوره في الله، ويسهره إلى الساعة (اثنتين) في الله، ويضربه في الله، ويغتابه في الله، أصبح كل شيء في الله، وهذه مضيعة للوقت، إذا لم تحدد الزيارة بجدول لعمل، وإلا فالضياع الحتم الذي ما بعده ضياع.
المجد ابن تيمية له شيء عجيب في حفظ الوقت، كان يقول لابنه إذا دخل الخلاء، أو ذهب يغتسل في دورة المياه: اقرأ عليَّ، وارفع صوتك، لعلي أستفيد وأنا هناك، فيقرأ ويرفع صوته.
أنفاسهم محسوبة، لأن هذا العمر لا يتكرر.
стр. 5286
الغفلة عن ذكر الله
ومن أسباب الانحراف أيها الأخيار: الغفلة.
ولا يصاب العبد بشيء أعظم من الغفلة، والغفلة ركن من أركان الكفر كما قال أهل العلم.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] مرض الغفلة مرض خطير، فتجده ينتبه لكل شيء إلا للدين، والذكر، والقرآن، تجد أحدهم يعتني بكل شيء: بسيارته، وبمطعمه، وبملبسه، وبمشربه، وبكل شأن من شئون الحياة، ولكن لا يعرف الدين، سبحان الله! عرف الإنسان حتى جهاز الكمبيوتر، ولا عرف الطريق إلى الله، وتجده مشغولاً عن الدين ومستعداً أن يضحي بكل وقت إلا في الاستقامة، مستعد أن يتكلم عشرات الساعات لكن بغير ذكر الله، وأن يقرأ من المجلات والصحف ما شاء، لكن في غير كتب العلم.
стр. 5287
أسباب الغفلة
ومن أسباب الغفلة: أن بعضهم قد يلعب، أو يغني، أو يرقص، أو يعرض أربع أو خمس ساعات، لكن إذا صلى التراويح فطول الإمام قليلاً شكا وبكى، وناح وصاح، وأتى بالأحاديث، خفف، يا أيها الإمام! من شق على أمة محمد شق الله عليه, وإن لجسمك عليك حقاً، والدين يسر، والقصد القصد، وإن منكم لفتانين، ونحو هذا.
على كل حال: هذه من علامة الغفلة، ونحن لا نأمر الناس بالإطالة على الناس بالعبادة، لكن الحكم بيننا جميعاً السنة.
قال عمار بن ياسر: ﴿أرسلني ﷺ إلى قوم من الأعراب في ضواحي المدينة، فأتيت، فإذا هم ليس لهم همٌّ إلا الإبل، فجمعتهم لأعلمهم كتاب الله -أي: يجمع الأعراب الذين عندهم إبل وغنم ليقرئهم الفاتحة- قال: فأتيت، فإذا قوم كالمجانين، نفروا إلى إبلهم لا يريدون، فعدت إلى الرسول ﵊، فأخبرته، فكأن الرسول ﷺ قال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له﴾.
ولذلك تجد بعض الناس فيه غفلة عجيبة، لا يزيد من فقهه وفهمه في الدين، ولا من سؤاله، ولا من ذكره وصلاحه، ويعيش في غفلة وسبات عميق لا يعلمه إلا الله.
ولذلك فمن أسباب الغفلة: سكن البوادي، ونحن لا نقول لأهل البوادي: تعالوا، انقلوا من البوادي إلى المدن، لا.
لكن نقول لهم: اعتنوا بدينكم وانتبهوا.
ومنها: القرى فهي من أسباب الغفلة، قال في حديث ثوبان، وفي سنده نظر، أورده البخاري في كتاب الأدب المفرد، أن الرسول ﵊ قال: ﴿يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فساكن الكفور كساكن القبور﴾ أي: لا تسكن القرى.
بعض القرى تمر عليها سنة لا تسمع فيها درساً ولا محاضرة، فهي من أسباب الغفلة التي ما بعدها غفلة.
قال ابن تيمية: " هؤلاء يفهمون مجمل الدين، ولا يفهمون تفصيل الدين ".
لأن الدين يحتاج منك كل يوم أن تفهم معلومة أو آية أو حديثاً، أما أن تعيش ستين سنة، وأنت على دينك الأول، فلا يصح، فأنت لا ترضى في الدنيا أن تعيش في بيت واحد هذه الفترة، أو ترضى بسيارة واحدة، أو بثوب واحد، كل يوم تجدد إلا الدين.
قال رجل لـ أبي هريرة: [[أريد أن أطلب العلم، لكن أخاف أن أنساه، قال أبو هريرة: كفى بتركك طلب العلم إضاعة]].
يقول: الآن ضيعت العلم عندما خفت أن تنسى العلم.
ومن أسباب الغفلة: عدم الحرص على طلب العلم:
كان المجرمون يقولون: الإنسان إذا بلغ كذا وكذا لا يطلب العلم.
أبو بكر طلب العلم وهو شيخ في الأربعين، وعمر طلب العلم وهو كبير، وعثمان طلب العلم وهو كبير، وأصبحوا من العلماء في الدنيا.
قال البخاري: " وتعلم أصحاب محمد ﵊ في الكبر ".
ولذلك يطلب من الإنسان أن يتعلم ولو كان في الثمانين ويطلب ويتفقه ويجالس أهل العلم، وطلبة العلم، عل الله أن يفتح عليه.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
стр. 5288
بُعْد السلف عن الغفلة
وقال وهب بن منبه في قوم غافلين: ألجأني المطر فدخلت في بيت على قوم جلوس، فرأيتهم في حلقة كبيرة، فقلت: الحمد لله، وفقني الله بجلوس مع أخيار ما بعدهم أخيار، رأيت لحاهم وعمائمهم، قال وهب بن منبه العالم العابد: فلما رأيتهم سمعتهم يتحدثون، قلت: لعلهم يتحدثون في العلم فأستفيد، قال: فإذا هذا يقول: متى أتى ابنك؟ هل أتى بمال؟ ويقول هذا: هل بعت سلعتك؟ ويقول هذا: هل كسبت؟ قال وهب بن منبه: لقد ساء ظني بكم، قالوا: ماذا؟ قال: مثلي ومثلكم كمثل رجل أتى عليه مطر وليل، فرأى باباً مفتوحاً، فظن أن وراء الباب بيتاً، فدخل فهرب من هذا الباب، ثم دخل الباب، فوجد أنه مكشوف إلى السماء، فلما خرج فإذا هو فضاء، قال: فهذا كمجلسي مع مجلسكم، وهؤلاء الذين لا يقربونك من الآخرة، ولا يقصد من ذلك: أن تكون مجالسنا كلها ذكر، لكن أن تكون في المباحات التي لا غيبة فيها ولا كذب.
مر الحسن البصري بفتيان يضكحون يوم العيد، قال: يا فتيان! أجزتم الصراط حتى تضحكون؟! قالوا: لا، ما جزنا، فقال: لا يضحك إلا من تجاوز الصراط.
الحسن البصري لم يكن يضحك، يقولون: كان يتبسم، وقيل له: لماذا لا تضحك؟ قال: كيف أضحك؟! ولعل الله اطلع علي، فقال: اعمل، وعزتي وجلالي لا أغفر لك، أو كما قال.
يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: " عجباً لك يا من تخالف الله كل يوم! الخضر رافقه موسى فخالفه ثلاث مرات، فقال له في الثلاثة: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] أفما تأمن أيها العبد وأنت تخالف الله كل يوم أن يقول الله لك: هذا فراق بيني وبينك ".
فلذلك الحسن يلوم من يضحك ويلهو كثيراً، والضحك مباح، لكن إذا أصبح عادة وبلادة، وأصبح إلفاً وعدم زيادة في الخير، أصبح صاحبه غافلاً عن طريق الهداية.
يقولون: قالوا لعيسى بن مريم ﵇، وقد مر بهم وكان ذاهباً إلى المصلى: ألا تلعب معنا؟! -وهو طفل- قال: ما خلقني الله للعب، قال الله عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
كان بعض السلف إذا واجهوا بعضاً قال: في كم ختمت القرآن؟ كم قرأت اليوم؟ كم سبحت؟ كم صليت؟ ليس من باب الرياء، لكن ليتشجع بعضهم ببعض.
стр. 5289
الصحبة السيئة
أيها المسلمون! ومن أسباب الانحراف: الصحبة السيئة.
ألا إني أحذر نفسي وإياكم من قرناء السوء: الذين وقفوا في طرق الهداية يصدون شباب الإسلام، وحرفوا وبدلوا في سيرة سيد الأنام ﵊.
стр. 5290
الأصحاب ثلاثة
قال أحد العلماء: الأصحاب ثلاثة: صاحب كالهواء، وصاحب كالدواء، وصاحب كالداء، فأما الصاحب الذي كالهواء فهو الذي لا تستغني عنه، فإذا انقطع الهواء عنك مت، فهو الذي يقربك من الله، ويدلك على الله، ويحبب إليك ذكر الله، فهذا الصاحب كالهواء، لا تفارقه دائماً وأبداً ما استطعت، زره، وجالسه، واسأله، وادع له.
وصاحب كالدواء، وهؤلاء أهل المنافع، لا تحتاج إليه إلا وقت الطلب، وضربوا على ذلك أمثلة، مثل: الفران أو الخباز، تحتاج إليه إذا أردت خبزاً في الصباح، أما أن تجلس دائماً مع الفران، وتقول: أحبك في الله، ولا أستغني عنك من الصباح إلى المساء، فهذا ليس بصحيح، والخياط تحتاجه عندما تحتاج ثوباً، والنجار لإصلاح الأبواب، والمهندس للسيارة، فلا يحتاج إليه إلا وقت الحاجة.
وصاحب كالداء يعديك، وهذا السم الزعاف، وهذا الذي يقربك من النار، ويقودك إلى الخزي في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- وهذا اهرب منه، وفر منه فرارك من الأسد، واجعل ثوبك في فمك، وتوكل على الله واهرب.
قال أحد الصالحين: " إذا رأيت الرجل يتهاون في تكبيرة الإحرام مع الجماعة، فاغسل يديك منه"، يعني: تب من مرافقته وقالوا: إذا رأيت الإنسان يتهاون عن فرائض الله، فلا تصاحبه قيد أنملة.
وقال جعفر الصادق لابنه: " يا بني! لا تصاحب ثلاثة: لا تصاحب عاق الوالدين فقد لعنه الله، ولا تصاحب فاجراً فيعديك بفجوره، ولا تصاحب كذاباً، فإن الكذاب يقرب لك البعيد، ويبعد عنك القريب ".
وهذه من أحسن الوصايا.
فالصحبة الصحبة.
أحذر نفسي وإخواني من جلساء السوء الذين صدوا عن منهج الله.
يقول أحد الصالحين في صاحب له اسمه محمد يكسب بمنظره وبمسيرته أحسن الصفات، قال:
صحبت محمداً فكسبت منه خلائق من بهاها الليل يبسم
فقلت له: وايم الله إني بحبك يا أخا العلياء مغرم
فقال: تهن في عيش كريم كذا من صاحب الأخيار يكرم
следующие страницы →