Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
الغفلة عن ذكر الله
ومن أسباب الانحراف أيها الأخيار: الغفلة.
ولا يصاب العبد بشيء أعظم من الغفلة، والغفلة ركن من أركان الكفر كما قال أهل العلم.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] مرض الغفلة مرض خطير، فتجده ينتبه لكل شيء إلا للدين، والذكر، والقرآن، تجد أحدهم يعتني بكل شيء: بسيارته، وبمطعمه، وبملبسه، وبمشربه، وبكل شأن من شئون الحياة، ولكن لا يعرف الدين، سبحان الله! عرف الإنسان حتى جهاز الكمبيوتر، ولا عرف الطريق إلى الله، وتجده مشغولاً عن الدين ومستعداً أن يضحي بكل وقت إلا في الاستقامة، مستعد أن يتكلم عشرات الساعات لكن بغير ذكر الله، وأن يقرأ من المجلات والصحف ما شاء، لكن في غير كتب العلم.
стр. 5287
أسباب الغفلة
ومن أسباب الغفلة: أن بعضهم قد يلعب، أو يغني، أو يرقص، أو يعرض أربع أو خمس ساعات، لكن إذا صلى التراويح فطول الإمام قليلاً شكا وبكى، وناح وصاح، وأتى بالأحاديث، خفف، يا أيها الإمام! من شق على أمة محمد شق الله عليه, وإن لجسمك عليك حقاً، والدين يسر، والقصد القصد، وإن منكم لفتانين، ونحو هذا.
على كل حال: هذه من علامة الغفلة، ونحن لا نأمر الناس بالإطالة على الناس بالعبادة، لكن الحكم بيننا جميعاً السنة.
قال عمار بن ياسر: ﴿أرسلني ﷺ إلى قوم من الأعراب في ضواحي المدينة، فأتيت، فإذا هم ليس لهم همٌّ إلا الإبل، فجمعتهم لأعلمهم كتاب الله -أي: يجمع الأعراب الذين عندهم إبل وغنم ليقرئهم الفاتحة- قال: فأتيت، فإذا قوم كالمجانين، نفروا إلى إبلهم لا يريدون، فعدت إلى الرسول ﵊، فأخبرته، فكأن الرسول ﷺ قال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له﴾.
ولذلك تجد بعض الناس فيه غفلة عجيبة، لا يزيد من فقهه وفهمه في الدين، ولا من سؤاله، ولا من ذكره وصلاحه، ويعيش في غفلة وسبات عميق لا يعلمه إلا الله.
ولذلك فمن أسباب الغفلة: سكن البوادي، ونحن لا نقول لأهل البوادي: تعالوا، انقلوا من البوادي إلى المدن، لا.
لكن نقول لهم: اعتنوا بدينكم وانتبهوا.
ومنها: القرى فهي من أسباب الغفلة، قال في حديث ثوبان، وفي سنده نظر، أورده البخاري في كتاب الأدب المفرد، أن الرسول ﵊ قال: ﴿يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فساكن الكفور كساكن القبور﴾ أي: لا تسكن القرى.
بعض القرى تمر عليها سنة لا تسمع فيها درساً ولا محاضرة، فهي من أسباب الغفلة التي ما بعدها غفلة.
قال ابن تيمية: " هؤلاء يفهمون مجمل الدين، ولا يفهمون تفصيل الدين ".
لأن الدين يحتاج منك كل يوم أن تفهم معلومة أو آية أو حديثاً، أما أن تعيش ستين سنة، وأنت على دينك الأول، فلا يصح، فأنت لا ترضى في الدنيا أن تعيش في بيت واحد هذه الفترة، أو ترضى بسيارة واحدة، أو بثوب واحد، كل يوم تجدد إلا الدين.
قال رجل لـ أبي هريرة: [[أريد أن أطلب العلم، لكن أخاف أن أنساه، قال أبو هريرة: كفى بتركك طلب العلم إضاعة]].
يقول: الآن ضيعت العلم عندما خفت أن تنسى العلم.
ومن أسباب الغفلة: عدم الحرص على طلب العلم:
كان المجرمون يقولون: الإنسان إذا بلغ كذا وكذا لا يطلب العلم.
أبو بكر طلب العلم وهو شيخ في الأربعين، وعمر طلب العلم وهو كبير، وعثمان طلب العلم وهو كبير، وأصبحوا من العلماء في الدنيا.
قال البخاري: " وتعلم أصحاب محمد ﵊ في الكبر ".
ولذلك يطلب من الإنسان أن يتعلم ولو كان في الثمانين ويطلب ويتفقه ويجالس أهل العلم، وطلبة العلم، عل الله أن يفتح عليه.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
стр. 5288
بُعْد السلف عن الغفلة
وقال وهب بن منبه في قوم غافلين: ألجأني المطر فدخلت في بيت على قوم جلوس، فرأيتهم في حلقة كبيرة، فقلت: الحمد لله، وفقني الله بجلوس مع أخيار ما بعدهم أخيار، رأيت لحاهم وعمائمهم، قال وهب بن منبه العالم العابد: فلما رأيتهم سمعتهم يتحدثون، قلت: لعلهم يتحدثون في العلم فأستفيد، قال: فإذا هذا يقول: متى أتى ابنك؟ هل أتى بمال؟ ويقول هذا: هل بعت سلعتك؟ ويقول هذا: هل كسبت؟ قال وهب بن منبه: لقد ساء ظني بكم، قالوا: ماذا؟ قال: مثلي ومثلكم كمثل رجل أتى عليه مطر وليل، فرأى باباً مفتوحاً، فظن أن وراء الباب بيتاً، فدخل فهرب من هذا الباب، ثم دخل الباب، فوجد أنه مكشوف إلى السماء، فلما خرج فإذا هو فضاء، قال: فهذا كمجلسي مع مجلسكم، وهؤلاء الذين لا يقربونك من الآخرة، ولا يقصد من ذلك: أن تكون مجالسنا كلها ذكر، لكن أن تكون في المباحات التي لا غيبة فيها ولا كذب.
مر الحسن البصري بفتيان يضكحون يوم العيد، قال: يا فتيان! أجزتم الصراط حتى تضحكون؟! قالوا: لا، ما جزنا، فقال: لا يضحك إلا من تجاوز الصراط.
الحسن البصري لم يكن يضحك، يقولون: كان يتبسم، وقيل له: لماذا لا تضحك؟ قال: كيف أضحك؟! ولعل الله اطلع علي، فقال: اعمل، وعزتي وجلالي لا أغفر لك، أو كما قال.
يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: " عجباً لك يا من تخالف الله كل يوم! الخضر رافقه موسى فخالفه ثلاث مرات، فقال له في الثلاثة: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] أفما تأمن أيها العبد وأنت تخالف الله كل يوم أن يقول الله لك: هذا فراق بيني وبينك ".
فلذلك الحسن يلوم من يضحك ويلهو كثيراً، والضحك مباح، لكن إذا أصبح عادة وبلادة، وأصبح إلفاً وعدم زيادة في الخير، أصبح صاحبه غافلاً عن طريق الهداية.
يقولون: قالوا لعيسى بن مريم ﵇، وقد مر بهم وكان ذاهباً إلى المصلى: ألا تلعب معنا؟! -وهو طفل- قال: ما خلقني الله للعب، قال الله عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
كان بعض السلف إذا واجهوا بعضاً قال: في كم ختمت القرآن؟ كم قرأت اليوم؟ كم سبحت؟ كم صليت؟ ليس من باب الرياء، لكن ليتشجع بعضهم ببعض.
стр. 5289
الصحبة السيئة
أيها المسلمون! ومن أسباب الانحراف: الصحبة السيئة.
ألا إني أحذر نفسي وإياكم من قرناء السوء: الذين وقفوا في طرق الهداية يصدون شباب الإسلام، وحرفوا وبدلوا في سيرة سيد الأنام ﵊.
стр. 5290
الأصحاب ثلاثة
قال أحد العلماء: الأصحاب ثلاثة: صاحب كالهواء، وصاحب كالدواء، وصاحب كالداء، فأما الصاحب الذي كالهواء فهو الذي لا تستغني عنه، فإذا انقطع الهواء عنك مت، فهو الذي يقربك من الله، ويدلك على الله، ويحبب إليك ذكر الله، فهذا الصاحب كالهواء، لا تفارقه دائماً وأبداً ما استطعت، زره، وجالسه، واسأله، وادع له.
وصاحب كالدواء، وهؤلاء أهل المنافع، لا تحتاج إليه إلا وقت الطلب، وضربوا على ذلك أمثلة، مثل: الفران أو الخباز، تحتاج إليه إذا أردت خبزاً في الصباح، أما أن تجلس دائماً مع الفران، وتقول: أحبك في الله، ولا أستغني عنك من الصباح إلى المساء، فهذا ليس بصحيح، والخياط تحتاجه عندما تحتاج ثوباً، والنجار لإصلاح الأبواب، والمهندس للسيارة، فلا يحتاج إليه إلا وقت الحاجة.
وصاحب كالداء يعديك، وهذا السم الزعاف، وهذا الذي يقربك من النار، ويقودك إلى الخزي في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- وهذا اهرب منه، وفر منه فرارك من الأسد، واجعل ثوبك في فمك، وتوكل على الله واهرب.
قال أحد الصالحين: " إذا رأيت الرجل يتهاون في تكبيرة الإحرام مع الجماعة، فاغسل يديك منه"، يعني: تب من مرافقته وقالوا: إذا رأيت الإنسان يتهاون عن فرائض الله، فلا تصاحبه قيد أنملة.
وقال جعفر الصادق لابنه: " يا بني! لا تصاحب ثلاثة: لا تصاحب عاق الوالدين فقد لعنه الله، ولا تصاحب فاجراً فيعديك بفجوره، ولا تصاحب كذاباً، فإن الكذاب يقرب لك البعيد، ويبعد عنك القريب ".
وهذه من أحسن الوصايا.
فالصحبة الصحبة.
أحذر نفسي وإخواني من جلساء السوء الذين صدوا عن منهج الله.
يقول أحد الصالحين في صاحب له اسمه محمد يكسب بمنظره وبمسيرته أحسن الصفات، قال:
صحبت محمداً فكسبت منه خلائق من بهاها الليل يبسم
فقلت له: وايم الله إني بحبك يا أخا العلياء مغرم
فقال: تهن في عيش كريم كذا من صاحب الأخيار يكرم
стр. 5291
سبب ذكر الكلب في القرآن
قال ابن كثير ﵀: " صاحب الكلب أهل الكهف وهم صالحون فذكره الله في القرآن ".
كلب صاحب الصالحين فتشرف بهم، وذكره الله في القرآن، وما نسيه سبحانه، والله لا ينسى، فقال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨].
يقول سيد قطب وهو ينقل لنا الحدث والصورة على مسرحية الحياة: " تدخل الغار فتجدهم نياماً، والشمس تزاور عنهم، وتقرضهم ذات اليمين وذات الشمال، وصور لنا فتحة الغار، واتجاه الغار، وعددهم، وأين الكلب ".
قال أهل العلم في هذا دروس:
أولها: الكلب لم يدخل معهم من الأدب، فهو كلب محترم، ويقولون: لم يدخل معهم الغار؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، وبقي هناك؛ ولأن هؤلاء صالحون.
قال: والدرس الثاني: أنه بأدبه ما ذهب وراء الغار، فبعض الكلاب غبي تضعه عند الباب من أجل أن يحرس، فيذهب وراء البيت ينام، أو يلهو ويلعب، أو لا يميز بين الضيوف وغيرهم، وإنما ينبح لهذا وهذا، وهذا كلب غبي، والكلب الذكي: هو الذي يقف بالوصيد، قال : ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] قالوا: وهي هيئة الكلب، فما وقف ليستغرب موقفه، وما أدبر، وإنما بسط، قال: ومن كرامة الله لمن صاحب الأخيار أنه أماته معهم، فمكثوا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً.
قال -اسمعوا أسلوب القرآن-: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨] يقول: عيونهم مفتحة، ولحمهم على هيئته، وأجسامهم وأيديهم، ويمكث الإنسان منهم ثلاثة أيام، أو أسبوع، أو شهر، أو سنة، ثم يميل وينقلب، وبعد عشر سنوات ينقلب على الجهة الثانية، وبعد خمسين سنة يمل من جنبه الأيمن، فينقلب، قال أهل العلم: ينقلبون لئلا تأكلهم الأرض.
قال ابن كثير: " انظر كيف صاحب الكلب الشرفاء، فتشرف بهم، فذكره الله، وصاحب أبو طالب النذلاء كـ أبي جهل وأمثاله، فأدخلوه النار ".
стр. 5292
الصاحب ساحب
أتى ﷺ الخبر أن أبا طالب في سكرات الموت، والذي أخبره! هو أبو الحسن علي بن أبي طالب سيف الله، رجل المهمات، فقال: يا رسول الله! عمك الشيخ الضال في سكرات الموت.
لا يقول أبي؛ لأن النسب مقطوع في هذا، نسب الولاية، أما نسب الولادة فموجود، فأتى ﵊ يريد أن يدرك آخر فرصة مع هذا الرجل الذي دافع عنه، وقدم دمه وماله، وكان سيداً من السادات، يقول في قصيدة:
كذبتم لعمر الله نبزي محمداً ولما نقاتل دونه ونناضل
يقول: والله، لا ندفع لكم الرسول ﷺ حتى نقطع دونه، فدخل ﵊، وأبو طالب في سكرات الموت، وإذا بـ أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية جالسان عنده، والحديث في صحيح مسلم، فقام رجل من جانب أبي طالب من عند رأسه، فقام ﷺ ليقرب منه، فقام أبو جهل حتى يحل المكان الشاغر، فقال ﷺ : ﴿يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، يا عم! قل لا إله إلا الله فأراد أن يقولها، فقال -النجس الرجس الخبيث المخبث- أبو جهل: أتريد أن تموت على ملةٍ غير التي مات عليها عبد المطلب، فقال: لا.
هو على ملة عبد المطلب، فمات عليها فدخل النار﴾.
جليس السوء الجرار، قال أهل العلم: الصاحب ساحب، وقال عبد الله بن المبارك: [[من ذا الذي يخفى إذا نظرت إلى قرينه]].
стр. 5293
الصحبة الحسنة وثمرتها
ويقول ابن المبارك:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياءٍ وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
وقال ﵀:
إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق
وقالوا:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
جزاء من صاحب الصالحين ثلاثة أمور:
أن يزيده الله علماً وفهماً وتوفيقاً.
وأن تدركه دعوتهم في الدنيا.
وأن ينال شفاعتهم في الآخرة.
أولاً: تزداد منهم حسناً إلى حسنك، ينفعونك علماً ونسكاً وزهداً.
الأمر الثاني: يدعون لك بظهر الغيب، ألا دعوةٌ مستجابة، دعوةُ قريبٍ وحبيب لحبيب.
الأمر الثالث: يشفعون لك: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
قال أهل العلم: ينفع بعضهم بعضاً في الآخرة، وقال سبحانه عن المعرضين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] ومفهوم مخالفة الآية: أن لو كان لهم أصدقاء بررة لنفعوهم بإذن الله لو كانوا معهم.
стр. 5294
طول الأمل ونسيان الموت
أيها الأحباب! ومن أسباب الانحراف: طول الأمل:
الأمل هو: أن تجعل في مخيلتك أنك ستعيش ستين أو سبعين أو ثمانين أو مائة سنة، ولذلك أكثر الشباب -ونحن منهم- لا يتصور الموت، ونظن أنه لا يموت إلا الكبار، وكأن عادة الناس أنه لا يموت الإنسان إلا إذا كبر، أو عمي، أو أصابه صمم، أما الصغار فنادراً أن يموتوا، وبالاستقراء يقولون: الموت في الشباب أكثر، وسبب طول الأمل (سوف) قالوا: من زرع شجرة سوف تنبت له نبتة لعل، فيها ثمرٌ اسمه ليت، يذوقه الإنسان وطعمه الخيبة والندامة، ولذلك فلا يردد (سوف) إلا أخيب الناس، اقرأ القرآن، قال: إن شاء الله سوف أقرأ، إن شاء الله سوف أحفظ، لماذا لا تتوب؟ قال: أنا مصمم وعندي تخطيط بإذن الله، لكن لا أريد أن يكتشفه أحد؛ لأن عندي تخطيطاً في أمور، فبعد أن أبني بيتاً، وبعد أن أتمم الأمور أتوب إلى الله توبةً نصوحا، وأحج إن شاء الله، ثم أتوب.
أتحج السنة هذه؟ قال: لا.
أنا إن شاء الله سوف أحدد الحج الذي أتوب فيه، ثم أتوب توبة ما بعدها توبة، ثم يموت وهو لم يتب بعد، لماذا لا تترك هذه المعصية؟ قال: أنا سوف أتركها، لكن هناك بعض الأمور والملابسات أنت لا تعرفها ولا يكتشفها إلا مثلي وأمثالي.
يقول ابن عثيمين الشاعر النجدي الميت ﵀:
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
وفي أولها يقول:
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
هذا ينزل، وذاك يركب، وكل يوم نودع غادياً ورائحاً إلى الله.
стр. 5295
حال الناس مع طول الأمل
اجتمع قوم من الصالحين كما قال ابن عبد البر: فتذاكروا قصر الأمل، قال أولهم: أما أنا فبلغ بي قصر الأمل أني ما أصبحت إلا وقلت لا أمسي، قالوا: أملك طويل، وقال الثاني: وأنا والله ما رفعت رجلي، إلا ظننت أني لا أضعها في الأرض حتى يبادرني الموت، قالوا: أملك طويل، قال الثالث: أما أنا فوالله ما أخرجت نفساً، إلا ظننت أني لا أخرج النفس الآخر.
صح عنه ﷺ ﴿أنه قضى حاجته، ثم أتى فتيمم، فقال الصحابة له: يا رسول الله! الماء قريب، قال: لعلي لا أبلغه﴾ ربما أموت دون الماء، فالماء كان بينه وبين الرسول ﷺ أمتار، فلما قضى ﷺ حاجته تيمم ليكون على طهارة، ومشى إلى الماء، فقال الصحابة: يا رسول الله! الماء قريب، قال: لعلي لا أبلغه.
ومر ﵊ بـ ابن عمر، وهو يبني بيتاً من سعف النخل ويقويه، فقال: ﴿ما هذا يا ابن عمر! قال: بيت لنا يكننا يا رسول الله! من المطر، ويظلنا من الشمس، قال: الأمر أعجل من ذلك﴾ موتك قريب، وصح في حديث: ﴿إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح﴾ وهو عند البخاري من كلام ابن عمر، ولكن رفعه بعض أهل العلم من الصحابة إلى محمد ﵊.
الخليفة العباسي المتوكل أعطى الإمام أحمد أموالاً لا يعلمها إلا الله، ركَّب على البغال والخيول أموالاً من الذهب والفضة، والإمام أحمد يحتاج إلى كسرة الخبز، وليس عنده من الدنيا إلا القليل، قالوا: لماذا لا تأخذ أموال المتوكل؟ قال: طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام قلائل حتى نلقى الله، ولذلك مات الإمام أحمد، ومات المتوكل، فهل نفع هذا ماله، وهل ضر هذا فقره، لا.
ذهبوا إلى علام الغيوب.
وقال الحسن البصري: دخلت على بشر بن مروان وهو أمير، فرأيته بطيناً سميناً أبيض غضاً غشوماً ظلوماً، والحراس على رأسه بالسيوف، ووالله ما خرجت من قصره، إلا والأطباء يستدعون، فدخلت مع الأطباء، فإذا هو يبرم في الأرض كالحية، فمات، هذا بشر بن مروان أخو عبد الملك بن مروان، كان أميراً على العراق، وهو المقصود بقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
تولى الإمرة والجنود كانوا على رأسه بالسيوف، وفي لحظات أتته سكرات الموت: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
انتفض وقال: عليّ بالأطباء فدخل الأطباء فما أدركوه إلا وقد مات.
الخليفة المعتصم فاتح عمورية، الذي دائماً نكرر قصيدة أبي تمام فيه، هذا المعتصم خليفة عسكري كان يأخذ السيخ الحديد يكتب اسمه في الهواء، يقولون: ربط رجله اليمنى بوتد في الأرض، وربط اليسرى بوتد، ثم قفز من الأرض على ظهر الفرس، فاقتطع الوتدين والخيوط.
كان من أقوى الناس، ويقولون: أنه أخذ ذراع أحد القواد، فأراد أن يلويه بإصبعين، قال: لا تكسر ذراعي، وصاح القائد، قال الذهبي، أو ابن كثير: " ما سمعنا بأقوى منه، لكن مات في الأربعين فما نفعته قوته ".
يقول: أتته سكرات الموت ما مرض قبلها، لكن أتته بغتة، مثل الجلطة، فنزل، فقال: علي بالقواد، فأسرعوا، قال: علي بالعلماء، فأسرعوا، قال: علي بالأمراء، فأسرعوا، قال: أموت الآن؟
قال العلماء: تموت بالإجماع أي: أفتوا أنه يموت، ثبت الهلال، قال: كيف أموت؟ قالوا: تموت، ذق الموت، قال: لو أعلم أني أموت الآن ما فعلت ولا فعلت، أي: لو علمت ما كنت فعلت بعض الأفعال.
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] غفر الله للمعتصم صاحب عمورية، دهده مدن الروم، أحرق هذه في قلب هذه، ونكس مئات الألوف من رءوسهم، وأشعل عليها النار، وأغلى عليها قدور اللحم، وأطعم القواد، وهو الذي يقول أبو تمام فيه:
السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
رمى بك الله ركنيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
يقول: الله الذي رمى بك من السماء، الله الذي نصرك، وأما غير الله فلن يصيب مرمى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
قيل لنوح ﵇ في طول الأمل وفي قصره، وقد عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً: كيف رأيت الحياة؟ قال: والله لقد رأيت الحياة كبيت ذي بابين دخلت من هذا، وخرجت من هذا.
معاوية بن أبي سفيان عاش ثمانين، أو أكثر، قال: لبست كل شيء، فما وجدت كلباس التقوى، وذقت كل شيء فما وجدت كالصبر، وطعمت كل شيء فما وجدت كغلبة الرجال، أو كما قال، وما بقي من لذتي في الحياة إلا أن أجلس مع أخٍ يقربني من الله ليس معي ومعه أحد، يضع الكلفة عني، وأضع الكلفة عنه.
ومن طول الأمل، قال سبحانه للخائبين النادمين الفاجرين المعرضين عن منهجه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣].
مر شيخ من قبيلة غفار قد بلغ السبعين سنة وأصبحت لحيته بيضاء -وهي طويلة على صدره- بأطفال يلعبون في سكة، فلما رأوه تضاحكوا، قال: مالكم؟ قال أحدهم: يا عم! بكم اشتريت هذه القوس يعني: اللحية، قال: يا بني! باعها الدهر مني بلا ثمن، وسوف يعطيك قوساً مثلها، يقول: انتظر قليلاً.
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
الإمام أحمد التفت فجأة، فرأى الشيب في لحيته، قال: " والله ما مثلت الشباب إلا بشيء كان في يدي، ثم سقط من يدي ".
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
стр. 5296
التربية على العواطف
والسبب السابع في الانحراف بين الناس قاطبة: تربيتهم على العواطف، لا يربون على القرآن، ولا على نوافل، ولا على علم شرعي، وإنما على عواطف.
الرسول ﵊ ربى الصحابة على الجهاد، ورباهم على الذكر والقرآن وعلى الصيام والنوافل.
стр. 5297
التربية على المجاملة
أما تربية الناس على العواطف، فمثل المجاملة، بعض الناس لا يستقيم إلا مجاملة، أو إعجاباً بأشخاص، وقد رأينا بعض الناس قد يرافق في مركز صيفي، أو مخيم، فلحبه لبعض الأشخاص يستقيم، لا لحبه الله، ولا لحبه رسول الله، يعجبونهم في دلهم وسمتهم كذا فيستقيم، ثم ينحرف؛ لأنه استقام للمجاملة، وبعضهم يستقيم للدرجات وللمنافع، كما يفعل بعض الطلبة إذا أتت أعمال السنة ربى لحيته، فأصبح كأنه من الفقهاء السبعة، وجلس في الفصل هادئاً، وسوى غترته بخشوع وخضوع، وعليه آثار السكينة حتى كأن من رآه تستقر الثعالب على رأسه من السكينة، فإذا -وهذا حاصل- وضعت الدرجة، حلق لحيته.
صلى وصام لأمر كان يطلبه لما انتهى الأمر لا صلى ولا صاما
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥].
стр. 5298
التربية على الأناشيد
ومنها من أسباب التربية التي تثبت الانحراف التربية على غير إيمان وعمل صالح وعلم نافع، بل على الأناشيد:
أي إن بعض الناس وسيلتهم الوحيدة النشيد، ففي الصباح نشيد، وفي الظهر نشيد، وفي العصر نشيد، يذهبون يعتمرون نشيد، ويرجعون في الليل ينشدون، أصبحنا وأصبح النشيد لله، وأمسينا وأمسى النشيد لله، دائماً نشيد، لبيك واجعل من جماجمنا لعرشك سلماً، ولا قرآن، ولا حديث، ولا آيات، فلذلك هؤلاء يستقيمون معهم، فإذا انتهى المخيم، انتهى الأناشيد.
هل يستعد الإنسان أن يكون معهم دائماً بالأناشيد، تنتهي الأناشيد، فيعود، هذا على العواطف، فلا تكفي، ولذلك ينتكس بعض الشباب كثيراً؛ لأنهم ما ربوا على إيمان.
стр. 5299
التربية على المنافع والمصالح
كإيمان الأعراب، الأعراب يقولون: كانوا يؤمنون، فإذا رأوا المطر، وأخصب لهم العام، ودرت لهم أغنامهم، قالوا: هذا دين خير، فإذا أتى الجدب والقحط وقلة الأمطار، قالوا: دين شر، فقال سبحانه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠١].
الأعراب المعرضون يقولون: أعطنا ما تريد أن تقدمه لنا اليوم، حتى قيل: كانوا يحجون مع الرسول ﵊، فيقول الأعرابي: اللهم كثر غنمي، اللهم أدر ضرعها، اللهم أكثر المال.
فيقول له بعض الصحابة: ادع في الآخرة، قال: لا.
الأول هنا في الدنيا.
وخرج أعرابي كما يقول ابن الجوزي: خرج من منى على الحرم، فأسرع سريعاً، ثم دخل من باب الحرم، ثم قفز على أستار الكعبة، قال: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس، أي: اغفر لي قبل أن يزدحم عليك الناس، والله لا تزدحم عليه الحوائج، ولا تكثر عليه الطلبات، فهو الغني كما في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر﴾ وهذا يقول: قبل أن يدهمك الناس.
ومنها ما ذكره ﵊ يوم أعرض عن قوم تربوا على المنافع، تألف قلوبهم، فما جعلهم ﵊ هم الطليعة، وإنما الطليعة المهاجرون والأنصار، وأهل بدر وأحد، أما الذين أسلموا بعد الفتح، فهم يأتون في المرتبة الثانية؛ لأنهم أسلموا بالإبل والبقر والغنم والمال، أعطى ﷺ قوماً، وترك بعض الصالحين، ثم قام يخطب، فقال ﵊: ﴿إني لأعطي أناساً لما جعل الله في قلوبهم من الطمع والهلع، وأدع آخرين لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان منهم عمرو بن تغلب -أحد الصحابة-.
وأعطى ﷺ رؤساء العرب الأموال، وترك الأنصار، فوجد الأنصار في أنفسهم، فقال لهم ﷺ : أما ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ قالوا: رضينا بالله قسماً ونصيباً﴾ أي: رضينا بالله رباً، وبنبي الله رسولاً.
стр. 5300
معايشة الوسائل التي تحطم مصداقية الإيمان
أيها المسلمون! ومن أسباب الانحراف في صفوف الكبار والشباب والفتيات: معايشة الوسائل التي تحطم مصداقية الإيمان وهي: وسائل اللهو واللغو والغناء والمجون، ولها أضرار سبعة، فاسمع إليها:
стр. 5301
رؤية المجتمع المتفسخ
أولها: رؤية المجتمع المتفسخ على الفيديو والشاشة، وفي المجلة، فيرى الشاب نفسه ويسائلها: لماذا أعيش أنا في هذا الوضع وهؤلاء في جنة؟ حتى أن بضعهم يقول: أما الأمريكان فعجل الله لهم الجنة في الحياة الدنيا، فهم يعيشون في جنة، ويقول الشاب حين ينظر الرجل يسلم على المرأة في منظر الخزي والعار والدمار والعهر -والعياذ بالله- فيقول: وأنا لماذا أعيش هذا الحبس؟! فكأنه يشك في مصداقية الإسلام، صباح مساء دائماً، وهذا الفيلم يراه، وتتكرر هذه الصورة عليه، ألا يحدث ذلك ارتباكاً في قلبه؛ لأنه لا يسمع آيات الله، ولا أحاديث رسوله، ولا سيرة السلف، ولا الخوف من الله، فدائماً تطرق عليه هذه فيقول: عجيب، لماذا هذا الضنك؟ فيقول: أنا محبوس والناس مطلقون؟! لماذا أتقيد؟! فقد خسف بالأمريكان وهم يفعلون هذه الأفعال، فنقول له: ولا تعجبك أموالهم، ولا أولادهم، ويقول سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] ويقول: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
стр. 5302
مسح معالم الدين من القلب
ومنها مسح معالم الدين من القلب، فما تكرر عبد على وسائل الإفساد إلا مسحت معالم الدين، وهيبة الله من قلبه، فالذي يتحدث دائماً عن الرسول ﵊، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي في المجالس، ليس كالذي ينظر إلى أعداء الله من الخواجات، والمستغربين، والمستشرقين، وأذنابهم، فتصبح سيرة أبي بكر وعمر عنده لا شيء، ولذلك الآن تجد بعض الناس إذا حدثته عن أبي بكر، فليس عجيب عنده أبو بكر، فلا يعرف عن أبي بكر شيئاً، أليس أبو بكر رجل مثل الناس تولى الخلافة.
وعمر، قال عمر: سمع أنه الخليفة الثاني ﵁ فيه خير، وسمعنا أنه رجلٌ طيب، فمثله مثل أحد الحمقى كما يذكرون: ذكر له إبراهيم ﵇، قال: سمعت أنه كان كفء.
الأحباش أتوا يعرضون في مسجد الرسول ﷺ -أتدرون ما هي القصيدة التي عرضوا بها؟ - أخذوا الحراب يقولون:
محمد عبد صالح، محمد عبد صالح، فهو محطم كيان الوثنية، ورافع رءوس البشرية، وهادي الإنسانية.
يقولون: محمد عبد صالح، أي: فيه خير، فلذلك الذي يعيش على هذه الأمور، يمسخ معالم الدين والتاريخ من قلبه، فلا يفهم شيئاً.
стр. 5303
إضعاف التحصيل العلمي
فلا يعرف له قدوة لأن قدوة المسلم في العالم، أولها محمد ﷺ .
وأما التحصيل العلمي: فأضعف الناس تحصيلاً علمياً من كان مصدر ثقافته هذه الأمور، ويظن ظان أن الصحف اليومية تنمي الثقافة، وهذا خطر، الصحف اليومية أخبار، وليست علماً، ومن جعل ثقافته وتحصيله وعلمه من الصحف اليومية، فهو من أقل الناس تحصيلاً، ولا بد أن تعرف الواقع، ولا بد أن تطلع على ما يدور، ولا بد أن تقرأ حتى كتب الشر إذا أمنت وتحصنت بالعقيدة، ولم تكن خائفاً على نفسك، لكن أما أن تكون أسباب علمك وحصيلتك هذه الأمور فلا.
ولذلك تجد بعض الناس يقرأ الصحف ثلاث ساعات في المكتب، يقرأ الجزيرة، فإذا انتهى قرأ عكاظ، ثم الندوة، ثم المدينة، ثم الشرق الأوسط، ثم المسلمون، ثم ما شاء، ودائماً على هذا المنوال، لكن اسأله بعد شهر، كم في ذهنه من الآيات؟! كم عنده من الأحاديث؟! كم يحفظ من قصص؟! كم عنده من التأصيل العلمي؟! لا شيء؛ لأن الصحف ليس فيها علم، صفحتين إعلان عن الأسمنت، وصفحة عن أناس ضيعوا توابعهم، وإعلان عن العطور والكحول، من أراد أن يشتري، وسيارة تويوتا موديل جديد/ عبد اللطيف جميل، واستقبل وودع، أهذه أخبار قد تهمه! قد تنفع لكن في جانب، كذلك الصيدليات المناوبة، ودرجات الحرارة، وهذه ليست علماً، ولا بد للإنسان أن يقرأها، أما أن تكون ثقافته اليومية، فهذا ليس بصحيح، ثقافتك اليومية المصحف، ورياض الصالحين، لا بد من حزب من القرآن، وثلاثة أحاديث من رياض الصالحين تقرأها أنت وأهلك، تستمع الشريط الإسلامي، أما أن تقف على هذه، فليس بصحيح، فانتبه لنفسك.
стр. 5304
داء التقليد: الاستهانة بالمناهي
ومنها: داء التقليد، مما تسبب هذه الأمور، أنها تسبب التقليد عند الشخص حتى يقلد الكفرة في مشيتهم، وأكلهم وشرابهم، حتى تجد الأطفال يحاولون أن يقلدوا الكافر في لباسه وأكله وكلامه.
ومنها: الاستهانة بالمناهي، وبكثرة رؤيتها:
كنا قبل أن نعرف المجلات الخليعة وأمثالها عندنا من العيب الكبير أن يخالف الإنسان السنة في كثير من الأمور؛ لأنه يرى المجتمع المحافظ، ويرى المصداقية، ويرى أناساً ينهجون نهج الصحابة، لكن الآن من كثرة ما نرى أصبحت في العادة هذه الأمور سهلة، ولذلك إذا حدثته في هذه الأمور قال: هذه قشور، المسألة أعظم، أنت تقول: المسألة إيمان وقيام ليل، وهو يقول: المسألة ليست مسألة قيام ليل، المسألة أكبر.
ولذلك يستهان بالمعاصي من كثرة ما ترى ويحس بها حتى رأينا المجتمع الذي لا يعتني بالحجاب في خارج هذه البلاد المباركة المسددة، أن المرأة من كثرة ما يراها الناس، حتى الشاب المستقيم أصبح يكلمها، وتقول له: لماذا تكلمها؟! قال: الأمر عادي، مع كثرة الإحساس، المساس يبطل الإحساس، أي: من كثرة ما يتداول يبطل هذا الأمر.
стр. 5305
الإعجاب بالكافر
ولذلك حديث الناس أصبح تعليقاً على ما يدور من الأنباء؛ (الله ما أقوى أمريكا!) وما أقوى روسيا! واختلف الناس هل روسيا أقوى أم أمريكا؟! وعندها من الصواريخ والطائرات ما لا يعلمها إلا الله.
وما تذكروا عظمة الواحد الأحد، الذي بيده مقاليد الأمر ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
إن الله ذو القوة المتين، فسبحان الله ما أقواه! فهل يتحدث في قوة الله الذي ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
سان فرانسيسكو أعظم مدينة في أمريكا، أصابها الزلزال في اثنتي عشرة ثانية، فحطم الكثير منها، لم يأتهم إنذار من الله، قال سبحانه وتعال: ى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩] ما أفادهم الرادار، ولا الإنذار المبكر، وإنما:
يا غارة الله جدي السير مسرعةً في أخذ هذا الفتى يا غارة الله
أيها الإخوة! هذه أسباب الانحراف، ولعلها متأملة من كلام أهل العلم، والسلف الصالح، ومن الأحاديث، وما عندي إلا أن أقدمها، فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأت فمن نفسي، وأستغفر الله.
стр. 5306
الأسئلة
стр. 5307
الخطأ في الشعر
السؤال
يقول الأخ: البيت صحته: لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلماً، وليس لعرشك سلماً، فتنبه لذلك؟
الجواب
أثابك الله، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، اللهم إني أتوب إليك، أنا أخطأت، أصلاً يا أخي ليست قراءة حفص ولا شعبة، وليس هذا حديثاً نبوياً، بل هذا شعر، إن قالوا: لعرشك ولعزك، الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة لا يرون سجود السهو عند هذا الخطأ.
стр. 5308
توزيع الوقت بالحق
السؤال
هناك بعض الدعاة يقولون: أنتم كيف تربون الناس؟ الصباح قرآن، والظهر قرآن، والعصر قرآن، والدهر قرآن، فماذا نفعل؟
الجواب
نعم صدقوا، أجل إذا أدخلتهم في مدخل ما يخرجون منه، انظر إلى تربية محمد ﷺ أبر الناس، وأصدق الناس، ساعة وساعة، وقت للقرآن، ووقت للتسبيح، ووقت للنفس، إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه، أما أن يمسك الناس حتى يكسر ظهورهم، مثلما يفعل البعض، ففي بعض المنتديات قد يأتي إنسان في حفل زواج، فيأخذ الناس أربع ساعات يحدثهم، ولماذا؟ أذنبوا لكي يكفر عنهم سيئاتهم بهذه الليلة، وحتى يتوبون فلا يعودون مرة أخرى هذا العرس، ليس بصحيح، نصف ساعة يكفي، أو ساعة ويخلطها بدعابة وبنشيد وبقصائد إسلامية، وبقصص وبسوالف ليس فيها غيبة، أما أن يشدهم ثلاث ساعات، فلا: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 5309
الدعوة مقتصرة على الأصول لا على الفروع
السؤال
ذكرت في المحاضرة أن من أسباب الغفلة في القرى، أنها تمر عليها السنة لا يلقى فيها محاضرة، ونحن قد دعونا الدعاة مثلكم لزيارة تلك القرى، ولكن لم نجد مجيباً، علماً بأن أغلب القرى لا يوجد فيها داعية؟
الجواب
أنا أقصد الإخوان، ولا أقصد نفسي، أقصدهم بالدعوة، وأما أنت أيها السائل، فاعلم أن هنا في منطقة الجنوب ما يقارب أربعة آلاف قرية، والداعية لا يستطيع أن يذهب إلى أربعة آلاف، مثلاً: في جيزان مئات القرى، يأتي أحد الإخوة، -أنا أعرفهم هنا في المسجد- فيقول: نريد محاضرة في مسجد كذا وكذا، وهذه القرية كلهم بسياراتهم ومواشيهم سبعة عشر، بالجمال والحمير والمواشي والسيارات سبعة عشر، فهل يذهب الداعية، ويلقي محاضرة هناك، لا.
بل يقصد المدن، جيزان وما حولها، صبية وما حولها، أبو عريش وما حولها، أما أن يذهب إلى كل قرية، فلو كان عمره عمر نوح ما انتهى من هذه القرى إلا وتلك قد مر عليها ثلاث سنوات، واعرف أن كل من في المسجد دعاة، فخذ أي واحد من هذا المسجد بيده بعد صلاة العشاء، ومستعد أن يعلم أهل قريتك الفاتحة، وأن يدرسهم أركان الإسلام، وأن يتكلم بكلام مفيد.
стр. 5310
تكرار التوبة
السؤال
أنا تبت، ثم عدت، ثم تبت، ثم عدت، ثم تبت، ثم عدت، ثم تبت، ثم رجعت، ثم تبت، ثم رجعت، ثم تبت، ثم رجعت اقلب الصفحة؟
الجواب
فتح الله عليك، نسأل الله أن يعيدك عودة إليه، وأن يثبت قلبك، وما ندري الآن أنت رجعت وإلا عدت، أوقعتنا في حيص بيص، فأنت الليلة إن شاء الله تائب إلى صلاة العشاء، وما ندري بعد الصلاة ماذا تفعل؟! أنت ترجع وإلا لا، لكن نسأل الله أن يثبتك بالقول الثابت، وأرى أنه كلما عدت رجعت، وإن كنت مستمراً أن يربطك أبوك في البيت، حتى ما تفر أبداً، وأن تدعو لك أمك، ونحن ندعو لأنفسنا ولك بدعوة مقبولة إن شاء الله أن يثبتنا الله وإياك، فلا تعود أبداً.
كان خوات بن جبير من الصحابة، أسلم لأول الإسلام، ولم يتمكن الإسلام من قلبه بعد، وهذا مثل حالنا، كثير من الشباب حالهم مضطرب هكذا، وسوف يتمكن الإيمان في قلبك إن شاء الله مع كثرة الدعاء، ومع النوافل، حتى يصبح كالجبال، فأتى هذا المسلم لأول وهلة، ولم يكن الإيمان قد تمكن في قلبه، قال: ﴿خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فرأيت فتيات في واد (نساء أجنبيات) قال: فلبست لباساً، وذهبت إلى الفتيات، فجلست معهن، فخرج ﷺ ، فمر بي، وقد خرجت من عند الفتيات، قال: يا خوات! أين كنت؟ قال: يا رسول الله! شرد علي جمل، فأنا أبحث عنه -وهو لم يشرد جمل ولا شيء- فتبسم ﵊، لكن علمه الذي علم السر وأخفى أن المسألة فيها شيء، قال: فرجعنا إلى المدينة، فلقيني في الطريق جملي بجمله، قال: يا خوات! وجدت جملك، قال: فسكت من الخجل، فإذا تقدم تأخرت، وإذا تأخر تقدمت -لا يريد أن يلقى الرسول ﷺ قال: فوصلنا المدينة، فلما أردنا ندخل التفت إليَّ، قال: أوجدت جملك؟! قال: فدخلنا المسجد، قال: يا خوات أوجدت الجمل؟! -ويتبسم ﷺ فقام خوات، فوضع يده في كف المصطفى ﵊، فقال: يا رسول الله! والله ما شرد جملي منذ أسلمت، فدمعت عينه ﷺ ، وقال: اللهم اغفر له وتب عليه﴾ ومعنى ما شرد جملي: ما شرد إيماني، لأن الرسول ﷺ يسأل عن الإيمان، أما الجمال أمرها سهل.
стр. 5311
التأثير في الصاحب
السؤال
أحد الناس سمع شريطاً إسلامياً، فقال: آه آه رأسي، أغلق المسجلة جزاك الله خيراً، فهل يصاحب مثل هذا الشخص؟
الجواب
نعم، يصاحبه ويؤثر فيه، وأنا أقول للإخوة: أن يقتصدوا حتى في السماع، فهل تريد أن تشترط عليه أن يسمع الأشرطة من أبها إلى مكة، وكلما انتهى شريط فتحت له الآخر، الأصل: أن يسمع شريطاً، وبعدها حدثه قليلاً، واتركه يأخذ راحته، ثم أسمعه شريطاً آخر، أو نشيداً إسلامياً مباحاً، أو قصة، أما أن تشده من أول الطريق لا يسمع ولا يلتفت، ودائماً: اسمع اسمع، فهذا سوف يتوب من سماع الأشرطة، فالقصد القصد تبلغوا.
стр. 5312
المعاناة من ضياع الوقت
السؤال
أعاني من ضياع الوقت، وأشكو حالي إلى الله؟
الجواب
ونحن جميعاً نشكو حالنا إلى الله، أتى رجل من أهل خراسان، إلى الإمام مالك، فقال: أبطيت على أهلي يا أبا عبد الله! -الإمام مالك - والله ما دريت منذ خرجت ماذا وقع لأهلي، قال الإمام مالك: وأنا أهلي وراء هذا الجدار، والله ما دريت منذ خرجت عنهم، فكلنا نشكو حالنا إلى الله، ولا أدري ماذا يريد الأخ من السؤال، لكن كأنه يطرح حاله إلى الله، فأنت لا تطرح حالك على أحد إلا على الواحد الأحد، ونحن كذلك.
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي
стр. 5313
حرمان البكاء بسبب المعاصي
السؤال
أنا أحياناً أحرم البكاء، لا أدري ما السبب؟
الجواب
نحن وإياك حرمنا البكاء بسبب معاصينا، وقسوة قلوبنا.
стр. 5314
عوامل الثبات والتحصيل
السؤال
هل لطالب العلم عامل من عوامل الثبات والتحصيل؟
الجواب
أسباب التحصيل كثيرة، تكوين مكتبة سمعية، ومقروءة، ومجالسة طلبة العلم، والسير إلى الدعاة، والانتظام في المؤسسات العلمية، سؤال الله المغفرة، وهناك محاضرة إن شاء الله بعنوان: آداب طالب العلم، وحلية طالب العلم منذ أشهر.
وأنبه الإخوة طلبة العلم، أن مساء كل جمعة في هذا المسجد من المغرب إلى العشاء، أي: من ليلة السبت مساء الجمعة درس في بلوغ المرام، علَّ الله أن ينفع به، فمن أراد أن يطلب العلم، فعليه بهذه الحلقات وأمثالها، والله هو المعلم سبحانه.
стр. 5315
الأهل أحق بالنصيحة
السؤال
إنني أشكو إلى الله من واقع أسرتي التي تعيش فيه، أنا اهتديت، ولكن أسرتي في حالة لا يعلمها إلا الله، معرضين عن الله تماماً، فما الحل؟
الجواب
أسأل الله أن يهدي أسرتك، فعليك بالنصيحة، والصدق مع الله، والصبر، وحاول أن تنقذهم من النار، ليكونوا في ميزان حسناتك، وأثر عليهم بما استطعت، بإدخال الكتاب الإسلامي، وبتحديثهم، وبالشريط الإسلامي، ودعوتهم باللين حتى يهديهم الله، ولا تيأس من روح الله.
стр. 5316
الاستغفار وفضله
السؤال
بعض الناس لا يتورع عن محارم الله، يخرج من المسجد بعد الصلاة، وقد ينظر إلى الفتاة، وقد يجلس في المقهى على البلوت إلى آخر الليل، فما الحل؟
الجواب
حله أن يتوب، ويستغفر وهؤلاء كما قال الله: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة:١٠٢].
стр. 5317
موت قلب تارك الصلاة
السؤال
ما حكم من سمع أذان الفجر، ولكنه ينام، ويترك الصلاة بلا عذر؟
الجواب
قلبه قد مات، ولو صدق مع الله، أو كان في قلبه ذرة إيمان لقام إلى المسجد وصلى مع الناس، لكن قد صلى على قلبه صلاة الجنازة، وكبروا عليه أربعاً.
أيها المسلمون! في ختام هذه الجلسة، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وشكر الله لكم استماعكم، وجمعنا بكم في الجنة، وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5318
وحل المشيب
إن الحياة الدنيا ظل زائل يعمر فيها الإنسان، ثم تأتي عليه سنة الله في الأولين والآخرين، فيهلك ويفضي إلى ما قدم فيها من أعمال، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وهذه هي طبيعة الدنيا، تمني الإنسان وتبعده عن طاعة الله.
ولنا مع سلفنا الصالح وقفات مع زهدهم في الدنيا وذم الاغترار بها وحال الإنسان منهم إذا شاب وكبر سنه، والتحذير من التكالب على حطام الدنيا الفاني وجمعه والبخل به، وبيان فضل المال وأن الإنسان قد يدخل الجنة بماله إذا أدى حق الله فيه مثل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان.
стр. 5319
الحث على عدم الاغترار بالدنيا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أمَّا بَعْد:
أيها الناس:
يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه: [[إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل]].
خذ واضح الحل ودع ما اشتبها مخافة المحذور يا من فقها
وازهد بدنياك وأقصر الأمل واجعل لوجه الله أجماع العمل
وزهرة الدنيا بها لا تفتتن ولا تغرنك وكن ممن فطن
تالله لو علمت ما وراءكا لما ضحكت ولأكثرت البكا
كبار السن في مجتمعاتنا الغالب فيهم التهالك على الدنيا، كانوا في الشباب أخف وأسعد حالاً من وضعهم اليوم، وقد صدق فيهم قول المعصوم ﵊ في الصحيح: ﴿يشيب ابن آدم وتشب فيه اثنتان: الحرص على الدنيا، وطول الأمل﴾.
إن غالب كبار السن في مجتمعاتنا الإسلامية متهتكون في الدنيا، وتسعة أعشار أوقاتهم وحديثهم وسفرياتهم في الدنيا، اهتماماتهم في الدنيا في المعارض والعقار؛ والبيع والشراء؛ والمؤسسات والبناء، وتجد بعضهم لا يعرف المهم من دينه، ومع ذلك يهتم بشئون الدنيا ويجمع ويكدس ويهتم.
إذا أصبحوا أصبحوا كالأسود باتت مجوعة حاردة
فتجد كل اهتماماتهم في الدنيا ونحن لا نقول: حرام، ولا نقول لهم: لا تعملوا في البناء والعمارة، والبيع والشراء، وفي طلب الرزق، وفي الكسب، ولكن نقول: يا من شاب رأسه وشابت لحيته! أما تهيأت لعمل صالح تلقى الله به؟ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].
قال أهل العلم: النذير هو: الشيب.
والشيب أمره عجيب؛ فإذا ظهر الشيب في رأسك أو في لحيتك، فكأنه يقول لك: تهيأ للقبر، فقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من القبر.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿أعذر الله لامرئ، بلَّغه ستين سنة﴾ معنى ذلك: قطع الله المحجة عليه، فلا حجة له يوم القيامة عند الله إذا بلغ ستين سنة، ثم لم يهتد.
وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً فمالك بعد شيبك قد نكثتا
مشيت القهقرى وخبطت عشوا لعمرك لو وصلت لما رجعتا
والله لو عرفت لذة المسجد والذكر والإيمان، ولذة المحاضرات والدروس ما فعلت بنفسك ما فعلت، رأينا من عمره أكثر من الستين وهو صباح مساء بين الحديد والإسمنت، ذكره قليل، ونوافله قليلة، قد ألغى قيام الليل من حياته؛ لأنه لا ينام إلا الثانية عشرة، وإذا صلى الفجر صلاها على عجل، وأخذ عماله وسيارته وباكر عمارته، ونحن لا نقول: حرام، ولكن نقول: أيصرف العمر في هذا الأمر؟!
أترضى أن تصرف ساعاتك الغالية الثمينة وأيامك الممدوحة الجيدة في هذه الأمكنة؟
كم تسكن وتعمر وتتلذذ؟
رأينا من عمر فلة فلما جهزها وفرشها مات، ورأينا من كدح وجمع واشترى مزرعة، فلما بنى فيها بيتاً وحفر بئراً مات.
لكم فجع الموت من والد وكم أسكت الدهر من والدة
وكم قد رأينا فتىً ماجداً تفرع من أسرة ماجدة
يشمر للحرب في الدارعين ويطعم في الليلة الباردة
رماه المنون بسهم الردى فأصبح في جثة هامدة
ماذا ينور القبر؟ ينوره العمل الصالح.
وأنا أقول: يا من شابت لحيته ورأسه! اتق الله، فإن هذا الشيب نذير.
يقول أبو العتاهية:
بكيت على الشباب بدمع عيني وما يغني البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
تسهر ولا تتلذذ بالمطعوم والمشروب، ذهبت لذة القوة والحياة، ومع ذلك تجد بعضهم ما زال مُصراً على المعاصي والانغماس في الدنيا وعدم التهيؤ للقبر.
стр. 5320
أقوال السلف في ذم الدنيا
قال أحمد بن حنبل وقد رأى في المرآة شعرة بيضاء في لحيته فبكى، وقال: والله ما مثلت الشباب إلا بشيء كان بيدي ثم سقط.
ومر شيخ كبير بأطفال يلعبون في السكة، فقال أحد الأطفال لهذا الشيخ الذي كانت لحيته بيضاء على صدره - كان السلف يتشرفون باللحى، واللحى إذا شابت في الإسلام فكل شيبة بحسنة، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة﴾ وصح أيضاً عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن إبراهيم ﵇ -الخليل أستاذ العقيدة شيخ التوحيد- رأى المرآة فرأى شيبة بيضاء وهو لا يعرف الشيب، قال: يا رب! ما هذا البياض في لحيتي؟ قال: يا إبراهيم! هذا وقار، قال: اللهم زدني وقاراً﴾.
فلما مر هذا الرجل الصالح على الأطفال، قال طفل لهذا الشيخ الكبير: يا شيخ! من الذي باعك هذا القوس الذي على صدرك -يعني اللحية الشمطاء-؟ قال: أعطانيها الدهر بلا ثمن وسوف يعطيك قوساً مثلها.
ارتقب الأيام والليالي، والليالي عجيبة تلد كل عجيب.
стр. 5321
عظم المعصية في الكبر
ويُروى أن رجلاً من بني إسرائيل نظر إلى مرآة وكان في شبابه وقد أطاع الله أربعين سنة، ثم أدركه الخذلان والحرمان والشيطان والطغيان فعصى الله أربعين سنة.
بعض الناس يحسن في الشباب ويسجد ويبكي ثم يسقط، والعجيب أنك تجد بعض الكبار يسافرون إلى مواطن نستحي من ذكرها على المنابر وعنده أسرة وعشرة أبناء وبنات، ويقطع تذاكر إلى بانكوك ليعصي الله في شيخوخته.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ﴾ وفي لفظ: ﴿أشيمط زان﴾.
شابت لحيته، ودنا قبره، وهو لا يزال يزني، فالله لا ينظر إليه ولا يكلمه ولا يزكيه ويدهدهه على وجهه في النار.
هذا الرجل من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم انتكس على عقبيه، فعصى الله أربعين سنة، فصار عمره ثمانين، فنظر إلى المرآة فرأى الشيب قد ظهر في لحيته، فقال: يا رب! أطعتك أربعين، وعصيتك أربعين، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟
فسمع هاتفاً يقول: أطعت الله فقبلك، وعصيت الله فأمهلك، وإذا عدت إلى الله تاب عليك.
من الذي قرع باب الله ولم يجد رؤوفاً رحيماً؟
وإنما المقصود: أن طاغوت الدنيا الذي ران على القلوب، وجعل العقول ذاهلة يستحي الإنسان إذا نظر إلى بعض المناظر والتهتك في الحطام والجمع، ثم حرص هذا الشيخ الذي بلغ الستين سنة، بل بعضهم مصاب بأمراض في جسمه، والمرض يدبغه صباح مساء وهو يدبغ في الدنيا، ولذلك لا يتلذذ بمطعوم ولا مشروب ولا منكوح، وهو وراء الجمع تجد مجلسه في قطع الأراضي والشيكات، والبساتين والحدائق؛ والسيارات والإجارات؛ والبيع والشراء؛ والإسمنت والحديد.
فيا عبد الله! ابذل واطلب الدنيا واجعل لها وقتاً، لكن كما قال الله: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] أما أن تصرف هذه الأوقات والأيام والليالي للدنيا فكيف تلقى الله؟
يطرح الشيخ الكبير في القبر وليس عنده عمل.
أعرف وتعرفون في بعض المناطق شيوخاً كباراً في السن لما بلغوا الستين، لزموا المسجد وانتهوا إليه.
стр. 5322
هدي السلف في الكبر
ولقد كان السلف الصالح إذا بلغ الواحد منهم ستين سنة أخذ المصحف في المسجد فيصلي العصر ويسبح إلى الغروب، ومن الغروب إلى صلاة العشاء يتنفل، ثم يعود إلى بيته وينام مبكراً ليقوم من آخر الليل؛ لأنه لم يبق له إلا القليل ما بقي إلا رأس تلع وتفيض إلى مزدلفة ثم منى وترمي الجمرات وتنتهي، وأما نهاره فصلاة الضحى والعبادة والصيام والقرآن.
قال أحد المشايخ: عندنا في منطقة جهة الرياض قوم يختمون القرآن في يوم واحد يجلس من بعد صلاة الفجر إلى أن يدخل الخطيب يوم الجمعة فيختمه ختمة، وبعضهم يصوم يوماً ويفطر يوماً، وبعضهم أخذ على نفسه ألا يخالط أحداً من كثرة الغيبة والنميمة وشهادة الزور، فقارن بين صنفين اثنين هذا في دين وذاك في دنيا، هذا في حفظ وذاك في ضياع.
стр. 5323
زهد السلف في الدنيا
اعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم﴾ وفي حديث حسن عنه ﵊ ﴿أن رجلاً سأله، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾.
أوحى الله إلى عيسى: إن كنت تريد أن تكون من أوليائي فاطرح الدنيا.
ويذكرون في تراجمه أنه كان من أزهد الناس، ولم يكن عنده بيت ولم يكن عنده شيء من ملاذ الدنيا أبداً، وفي ذات يوم أتى لينام تحت شجرة، فأخذ حجرة ليتكئ عليها وينام، فقال له جبريل: يا عيسى! أما طلقت الدنيا؟ قال: بلى، قال: فمالك تتكئ على هذه، ذكر هذه الغزالي وأمثاله، ويغني عن ذلك ما ثبت في الصحاح.
وقد صح عن علي ﵁ أنه قال: [[يا دنيا يا دنية غري غيري طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها]].
هذا علي بن أبي طالب البطل الذي كسَّر رءوس المشركين، وقطع رقابهم، كان يدخل بثوب ممزق في السوق، ويقول: [[أنا أبو الحسن أهنت الدنيا أهانها الله]] كان غداؤه سويقاً ويقول: لو اشتهيت أن آكل نسيل عسل ولباب بر لكان، لكن أخشى أن أعرض على الله، فيقول الله لي يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]]].
والدنيا لا تساوي شيئاً، يقول ﵊: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿مالي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها﴾ وبالفعل انظروا لتراجمه وحياته ﷺ ، كان بيته من طين، ومركبه الحمار، وثوبه ممزق، ومات ودرعه مرهون عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، ما شبع ثلاثة أيام متتالية من خبز الشعير ﵊.
كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم
تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم
إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكلات والأدم
صففت مائدةً للروح مطعمها عذب من الذكر أو عذب من الكلم
صلى الله وسلم عليه، وقد فعل أصحابه مثلما فعل.
فمات أبو بكر وما خلف من الميراث إلا بغلة وثوبين، ومات عمر وفي بردته أربع عشرة رقعة، ومات علي وقد تصدق ببيت المال وبقي أهله ما وجدوا عشاء ليلة؛ لأن الله أعد لهم جنات عرضها السماوات والأرض.
فيا أيها الناس! وصيتي خاصة لكبار السن، فإني أعرف أن الشباب مرضهم مرض الشهوات، وقليل من الشباب من تجده حريصاً على المال، فالشاب يتلف المال إتلافاً، لكن الشيخ يصرصر المال صرصرة ويموت عليه موتاً ويحسب له ألف حساب، وحياته وليله ونهاره دنيا إلا من غفر الله له، ومن وفقه الله لعمل صالح.
ألا تزودوا من الصالحات: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت في عصر الشباب
لقد خدعتك نفسك ليس ثوب جديد كالبلي من الثياب
стр. 5324
من قصص عبدة الدنيا
يذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قصصاً لهؤلاء الكبار عبدة الدنيا، التي عكفت الدنيا على قلوبهم، فأصبح الواحد منهم كشارب الخمر لا يعي أبداً، تحدثه فلا يسمع حديثك، ولو تليت عليه كتاب الله من أوله إلى آخره.
يقول ابن الجوزي: بعضهم حضرته سكرات الموت وعنده حبات ذهب -حصيلته وميزانيته في حياته- قال: وليس عنده ولد ولا بنت ولا وارث وخاف أن يأخذ الناس ماله، قال: فأخذ يأكل حبات الذهب في بطنه وأدخلوه القبر وحبات الذهب في بطنه.
قال: وشيخ كبير عبد الدنيا، فلما حضرته سكرات الموت كان عنده دنانير من الذهب، فلما أتاه اليقين، وسكرة الموت التي يذعن فيها الجبار، ويضعف فيها المتكبر، ويسلم فيها الكافر، فكَّر في ماله؛ لأنه ليس له وارث -بل ذكر في رواية أخرى أنه كان له ابن لكن بينه وبين ابنه شقاق فلا يحب أن يرث ابنه هذا المال- قال: فأخذ الدنانير وعجنها في الطين، ثم جعله لبنة عند رأسه ينام على هذا المال، فلما أتته سكرات الموت، قال: ادفنوا هذه اللبنة عند رأسي، قالوا: ماذا فيها؟
قال: أريد كذا أوصيكم بهذا، فلما غسلوه تفتت هذه اللبنة من الماء، فخرج الذهب، فعجبوا من حاله.
هذه الدنيا تصل بأصحابها إلى أشد من ذلك.
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوع
أكثر من يجوع اليوم هم التجار؛ لأنهم لا يجدون وقتاً للأكل، أما الفقراء فأوقاتهم كلها أوقات أكل وشرب، كأنها أيام منى يأكلون ويشربون.
اللهم عمِّر قلوبنا بالتقوى، اللهم إنا نسألك من الدنيا ما يعيننا على طاعتك، اللهم لا تجعلنا عبدة للدنيا.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 5325
بيان فضل نعمة المال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! في أوساطنا من يسمع هذا الكلام فيظن أني أشن حملة على الدنيا وكسبها وطلبها، وأعرف أن فيكم تجاراً وأغنياء نفع الله بتجارتهم وبغناهم فبنوا المساجد، وساعدوا المجاهدين، وأطعموا الفقراء، وكسوا العراة، فأقول: أثابهم الله، فلا يفهم فاهم أننا نقف معارضين لهؤلاء ونريدها رهبنة، ولا نقول: دعوا كسب المال، وخذوا المسابح واجلسوا في المساجد، لكننا نطلب التوازن في الحياة، وإعطاء الأولويات، لأن الله لما خاف على المؤمنين أن ينصرفوا عن المال، قال: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] لكن اليوم نحن نقول لأحدهم: لا تنس نصيبك من الدين؛ لأن الوقت أصبح للدنيا، وأصبحت كل اهتمامات الإنسان وذكرياته للدنيا، فلا يعني ذلك أننا نقف من هؤلاء هذا الموقف، فالإسلام لا يعترف بالرهبنة، فقد ذمها الله، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] ذم المال ليس على إطلاقه.
والزهد عند أهل السنة هو ترك مالا ينفع في الآخرة.
أما ترك ما ينفع في الآخرة فإنه من الجنون والحمق.
إذاً نريد تجاراً وفقراء صالحين، وكباراً وشباباً صالحين.
следующие страницы →