Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
عظم المعصية في الكبر
ويُروى أن رجلاً من بني إسرائيل نظر إلى مرآة وكان في شبابه وقد أطاع الله أربعين سنة، ثم أدركه الخذلان والحرمان والشيطان والطغيان فعصى الله أربعين سنة.
بعض الناس يحسن في الشباب ويسجد ويبكي ثم يسقط، والعجيب أنك تجد بعض الكبار يسافرون إلى مواطن نستحي من ذكرها على المنابر وعنده أسرة وعشرة أبناء وبنات، ويقطع تذاكر إلى بانكوك ليعصي الله في شيخوخته.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ﴾ وفي لفظ: ﴿أشيمط زان﴾.
شابت لحيته، ودنا قبره، وهو لا يزال يزني، فالله لا ينظر إليه ولا يكلمه ولا يزكيه ويدهدهه على وجهه في النار.
هذا الرجل من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم انتكس على عقبيه، فعصى الله أربعين سنة، فصار عمره ثمانين، فنظر إلى المرآة فرأى الشيب قد ظهر في لحيته، فقال: يا رب! أطعتك أربعين، وعصيتك أربعين، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟
فسمع هاتفاً يقول: أطعت الله فقبلك، وعصيت الله فأمهلك، وإذا عدت إلى الله تاب عليك.
من الذي قرع باب الله ولم يجد رؤوفاً رحيماً؟
وإنما المقصود: أن طاغوت الدنيا الذي ران على القلوب، وجعل العقول ذاهلة يستحي الإنسان إذا نظر إلى بعض المناظر والتهتك في الحطام والجمع، ثم حرص هذا الشيخ الذي بلغ الستين سنة، بل بعضهم مصاب بأمراض في جسمه، والمرض يدبغه صباح مساء وهو يدبغ في الدنيا، ولذلك لا يتلذذ بمطعوم ولا مشروب ولا منكوح، وهو وراء الجمع تجد مجلسه في قطع الأراضي والشيكات، والبساتين والحدائق؛ والسيارات والإجارات؛ والبيع والشراء؛ والإسمنت والحديد.
فيا عبد الله! ابذل واطلب الدنيا واجعل لها وقتاً، لكن كما قال الله: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] أما أن تصرف هذه الأوقات والأيام والليالي للدنيا فكيف تلقى الله؟
يطرح الشيخ الكبير في القبر وليس عنده عمل.
أعرف وتعرفون في بعض المناطق شيوخاً كباراً في السن لما بلغوا الستين، لزموا المسجد وانتهوا إليه.
стр. 5322
هدي السلف في الكبر
ولقد كان السلف الصالح إذا بلغ الواحد منهم ستين سنة أخذ المصحف في المسجد فيصلي العصر ويسبح إلى الغروب، ومن الغروب إلى صلاة العشاء يتنفل، ثم يعود إلى بيته وينام مبكراً ليقوم من آخر الليل؛ لأنه لم يبق له إلا القليل ما بقي إلا رأس تلع وتفيض إلى مزدلفة ثم منى وترمي الجمرات وتنتهي، وأما نهاره فصلاة الضحى والعبادة والصيام والقرآن.
قال أحد المشايخ: عندنا في منطقة جهة الرياض قوم يختمون القرآن في يوم واحد يجلس من بعد صلاة الفجر إلى أن يدخل الخطيب يوم الجمعة فيختمه ختمة، وبعضهم يصوم يوماً ويفطر يوماً، وبعضهم أخذ على نفسه ألا يخالط أحداً من كثرة الغيبة والنميمة وشهادة الزور، فقارن بين صنفين اثنين هذا في دين وذاك في دنيا، هذا في حفظ وذاك في ضياع.
стр. 5323
زهد السلف في الدنيا
اعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم﴾ وفي حديث حسن عنه ﵊ ﴿أن رجلاً سأله، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾.
أوحى الله إلى عيسى: إن كنت تريد أن تكون من أوليائي فاطرح الدنيا.
ويذكرون في تراجمه أنه كان من أزهد الناس، ولم يكن عنده بيت ولم يكن عنده شيء من ملاذ الدنيا أبداً، وفي ذات يوم أتى لينام تحت شجرة، فأخذ حجرة ليتكئ عليها وينام، فقال له جبريل: يا عيسى! أما طلقت الدنيا؟ قال: بلى، قال: فمالك تتكئ على هذه، ذكر هذه الغزالي وأمثاله، ويغني عن ذلك ما ثبت في الصحاح.
وقد صح عن علي ﵁ أنه قال: [[يا دنيا يا دنية غري غيري طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها]].
هذا علي بن أبي طالب البطل الذي كسَّر رءوس المشركين، وقطع رقابهم، كان يدخل بثوب ممزق في السوق، ويقول: [[أنا أبو الحسن أهنت الدنيا أهانها الله]] كان غداؤه سويقاً ويقول: لو اشتهيت أن آكل نسيل عسل ولباب بر لكان، لكن أخشى أن أعرض على الله، فيقول الله لي يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]]].
والدنيا لا تساوي شيئاً، يقول ﵊: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿مالي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها﴾ وبالفعل انظروا لتراجمه وحياته ﷺ ، كان بيته من طين، ومركبه الحمار، وثوبه ممزق، ومات ودرعه مرهون عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، ما شبع ثلاثة أيام متتالية من خبز الشعير ﵊.
كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم
تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم
إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكلات والأدم
صففت مائدةً للروح مطعمها عذب من الذكر أو عذب من الكلم
صلى الله وسلم عليه، وقد فعل أصحابه مثلما فعل.
فمات أبو بكر وما خلف من الميراث إلا بغلة وثوبين، ومات عمر وفي بردته أربع عشرة رقعة، ومات علي وقد تصدق ببيت المال وبقي أهله ما وجدوا عشاء ليلة؛ لأن الله أعد لهم جنات عرضها السماوات والأرض.
فيا أيها الناس! وصيتي خاصة لكبار السن، فإني أعرف أن الشباب مرضهم مرض الشهوات، وقليل من الشباب من تجده حريصاً على المال، فالشاب يتلف المال إتلافاً، لكن الشيخ يصرصر المال صرصرة ويموت عليه موتاً ويحسب له ألف حساب، وحياته وليله ونهاره دنيا إلا من غفر الله له، ومن وفقه الله لعمل صالح.
ألا تزودوا من الصالحات: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت في عصر الشباب
لقد خدعتك نفسك ليس ثوب جديد كالبلي من الثياب
стр. 5324
من قصص عبدة الدنيا
يذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قصصاً لهؤلاء الكبار عبدة الدنيا، التي عكفت الدنيا على قلوبهم، فأصبح الواحد منهم كشارب الخمر لا يعي أبداً، تحدثه فلا يسمع حديثك، ولو تليت عليه كتاب الله من أوله إلى آخره.
يقول ابن الجوزي: بعضهم حضرته سكرات الموت وعنده حبات ذهب -حصيلته وميزانيته في حياته- قال: وليس عنده ولد ولا بنت ولا وارث وخاف أن يأخذ الناس ماله، قال: فأخذ يأكل حبات الذهب في بطنه وأدخلوه القبر وحبات الذهب في بطنه.
قال: وشيخ كبير عبد الدنيا، فلما حضرته سكرات الموت كان عنده دنانير من الذهب، فلما أتاه اليقين، وسكرة الموت التي يذعن فيها الجبار، ويضعف فيها المتكبر، ويسلم فيها الكافر، فكَّر في ماله؛ لأنه ليس له وارث -بل ذكر في رواية أخرى أنه كان له ابن لكن بينه وبين ابنه شقاق فلا يحب أن يرث ابنه هذا المال- قال: فأخذ الدنانير وعجنها في الطين، ثم جعله لبنة عند رأسه ينام على هذا المال، فلما أتته سكرات الموت، قال: ادفنوا هذه اللبنة عند رأسي، قالوا: ماذا فيها؟
قال: أريد كذا أوصيكم بهذا، فلما غسلوه تفتت هذه اللبنة من الماء، فخرج الذهب، فعجبوا من حاله.
هذه الدنيا تصل بأصحابها إلى أشد من ذلك.
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوع
أكثر من يجوع اليوم هم التجار؛ لأنهم لا يجدون وقتاً للأكل، أما الفقراء فأوقاتهم كلها أوقات أكل وشرب، كأنها أيام منى يأكلون ويشربون.
اللهم عمِّر قلوبنا بالتقوى، اللهم إنا نسألك من الدنيا ما يعيننا على طاعتك، اللهم لا تجعلنا عبدة للدنيا.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 5325
بيان فضل نعمة المال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! في أوساطنا من يسمع هذا الكلام فيظن أني أشن حملة على الدنيا وكسبها وطلبها، وأعرف أن فيكم تجاراً وأغنياء نفع الله بتجارتهم وبغناهم فبنوا المساجد، وساعدوا المجاهدين، وأطعموا الفقراء، وكسوا العراة، فأقول: أثابهم الله، فلا يفهم فاهم أننا نقف معارضين لهؤلاء ونريدها رهبنة، ولا نقول: دعوا كسب المال، وخذوا المسابح واجلسوا في المساجد، لكننا نطلب التوازن في الحياة، وإعطاء الأولويات، لأن الله لما خاف على المؤمنين أن ينصرفوا عن المال، قال: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] لكن اليوم نحن نقول لأحدهم: لا تنس نصيبك من الدين؛ لأن الوقت أصبح للدنيا، وأصبحت كل اهتمامات الإنسان وذكرياته للدنيا، فلا يعني ذلك أننا نقف من هؤلاء هذا الموقف، فالإسلام لا يعترف بالرهبنة، فقد ذمها الله، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] ذم المال ليس على إطلاقه.
والزهد عند أهل السنة هو ترك مالا ينفع في الآخرة.
أما ترك ما ينفع في الآخرة فإنه من الجنون والحمق.
إذاً نريد تجاراً وفقراء صالحين، وكباراً وشباباً صالحين.
стр. 5326
أناس دخلوا الجنة بأموالهم
المال نعمة عظيمة؛ فقد دخل عثمان بن عفان ﵁ الجنة بماله، وذلك: أنه جهز جيش تبوك فقال له ﵊: ﴿اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ وعبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه دخل الجنة بماله، جاءته سبعمائة راحلة محملة بالتمور والحبوب والزبيب والأقمشة، فقال للتجار: كم تدفعون لي في هذا المال؟ قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً -أي: ضعف- قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك درهمين، قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك ثلاثة دراهم، قال: وجدت من زادني، قالوا: نحن تجار المدينة وما زادك أحد، قال: لكني رأيت الله يعطي من ينفق في سبيله عشرة أضعاف، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] أشهدكم أنها في سبيل الله لفقراء المدينة فتوزعوها، وقالوا: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
وقارون دخل النار بماله، وهذه الأصناف التي تحدثنا عنها يتبعون قارون بأموالهم، أموالهم رباً وطاغوت وطغيان، وفجور ومساعدة لأهل المعاصي، فلا تجد أحدهم يساهم في بناء مسجد ولا يساعد مجاهداً، ولا يعطي فقيراً، ولا يواسي معدماً، ولا يعاون متزوجاً، ولا يتصدق أبداً، إنما أمواله في حدائق وبساتين وقصور وسفريات وسيارات ضخمة، فهذا يحشر مع قارون ويكون مصيره إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا
وهناك تجار عرفوا نعمة المال والغاية منه، فسخروا أموالهم في سبيل الله، وقد سمعنا عن واحد منهم في بلادنا ماله حلال لا يعرف الربا، وأعطاه الله من الأموال الطائلة ما الله به عليم، فبنى اثني عشر مسجداً بمرافقها ولوازمها، فهنيئاً له الأجر؛ لأنه كلما صلّى مصلٍّ في مسجد من هذه المساجد، أو قرأ قارئ فله من الأجر مثل أجره، ونعرف أقواماً صرفوا الملايين للمجاهدين الأفغان حتى إن بعضهم فصّل ثياباً بالألوف المؤلفة وأرسلها إلى الأفغان، والبعض اشترى الأحذية الجلدية وأرسلها بالألوف المؤلفة إلى هناك، ليكون له مثل ما للمجاهدين من الأجر، وكثير منهم يدفع وينفق من حلالٍ فجزاهم الله عن الإسلام خيراً.
إذاً فالتوازن في الحياة هو: أن نجعل رضا الله وعبادته هي مقصودنا، والله أكبر أسمى مقصود لدينا، وأن نتجه إلى الله بأموالنا ودمائنا.
أما هذا الطاغوت الذي ران على كبار السن، وأفسد عليهم حياتهم، وضيَّع أوقاتهم، وجعل الواحد منهم كسولاً، حتى إنه إذا دخل المسجد مع الأذان ينظر في الساعة، ويصيح على المؤذن والإمام، فنقول لهذا: ضاقت بك نفسك في ربع ساعة وفي ثلث ساعة، وأنت كنت مع عمارتك وحديدك وإسمنتك ست ساعات، أفلا تضيق منها وتذكر الله تعالى؟!
ويروى عن بعض السلف أنه قال: من علامة أهل الإيمان: أنهم إذا دخلوا مساجد الرحمن كان أحدهم كالسمكة في الماء.
ومن علامة المعرض عن الله: أنه إذا دخل المسجد كان كالبلبل في القفص، وتجد كثيراً من الناس لا يأتي إلا مع الإقامة وهو أول من يخرج، لأنه مخبول العقل قد سكر بالدنيا، وخمر الدنيا يتلف الأرواح والعقول.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واجعل الدين أكبر اهتماماتنا في الحياة.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
стр. 5327
دعاة المستقبل
إن الاهتمام بالدعاة الناشئين والأخذ بأيديهم ومساندتهم وإعانتهم؛ يجعل منهم قادة في هذه الأمة التي فقدت الكثير من القادة والعلماء الكبار؛ كأمثال ابن باز، وابن عثيمين، والألباني وغيرهم من العلماء والدعاة الكبار.
وقد ذكر في هذا الدرس ثمان كلمات لثمانية من الدعاة الذين نسأل الله لهم أن يجعلهم قادة لهذا الدين ولهذه الأمة المباركة.
стр. 5328
نماذج من الدعاة الناشئين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (دعاة المستقبل) وأستميحكم عذراً فقد كان من المعهود أن يكون هذا الدرس لمسلمين أمريكيين وليم جنسون ورايت جنسون وقد وفدا إلى أبها قبل أسبوع، وطلبنا من فضيلة الدكتور عبد الله أبو عِشِّي وأصحاب الفضيلة الدكاترة ترجمة ما يقولون لكم، ولكن قدر الله وما شاء فعل، أحدهم اتصل به أهله، وتوفي أبوه وهو مسلم فسافر قبل هذا الموعد، ثم رأينا أن نقدم لكم شبابكم وأبناءكم وأفلاذ أكبادكم ليتحدثوا إليكم الليلة، ثم بالمناسبة أشكر الإخوة الذين يتقدمون بقصاصات وصحف ومجلات مما يخص الإسلام والدعوة والدعاة، حتى نكون على بينة، أشكرهم على جهدهم وغيرتهم.
قبل هذا معي قصيدة هي بنت الساعة بعنوان (تباركت يا ذا الجلال)
تباركت يا ذا الجلال
وربك ذو السلطة القاهرة
قلوب من الحب ينسجها محمد في بردة طاهرة
ويغمسها في سناه رؤاه بها بل علاه تعيش برياه في آصره
تباركت صوت الرعاة.
وهمس السواني حداء الجلال
لك الحمد دنيا وفي آخره
تباركت ترسل دمع المحب على وجنتيه
لك الحب صفواً
أردت لنا يا إله جناً
ما درى قاطفيه
بأن لنا في جنادريتنا قصة الأذكياء
عباقرة نحن ننتج ودلواً وغرباً من الجلد في معمل الكيمياء
بعيراً نسيره للأنام كمركبة في الفضاء
تراث من الجير والخزف النائم في غرف الأقوياء
نحفِّظ أنشودة البدو سكان روما
ونسأل أصحابنا في جنيف
ألم تجدوا الناقة الحائرة
فلا بدر لا زمزم لا أبو بكر نعرضه في القديم
لأن التراث جديد ونحن نحب الجديد سوى الدلوِ والغربِِ والجرة العامرة
صواريخنا أرض جو من الرقصات على ضربة الزير في الهاجرة
نسينا مع العرض صوت بلال وجبة سعد ودرة فاروقنا الظافرة
سنخبر كل العوالم أن لنا من المجد كبري المشاة مع قاطرة
قديم هو القيروان مع بيت لحم مع الأزهر الراقد في القاهرة
فلا تدخلوا في النوادي مالك والشافعي فقد حُنِّط القوم في الحافرة
فضيلة الدكتور عبد الله أبو عشي! فضيلة الدكاترة الذين حضروا! أيها الجمع الكريم! سوف يكون لهؤلاء الفضلاء موعد آخر إن شاء الله ليقدموا ما عندهم ولتلتقوا بهم في ترتيب أرتبه معهم بإذن الله .
ولكن رأيت من المصلحة أن أقدم دعاة المستقبل الذين سوف يكونون بإذن الله غداً هم رجال المنابر والمتحدثون للناس، وكان قصدي من هذا والله الموفق أموراً:
الأول: أن تكون هناك طاقات تستغل وتوجه، وهي المناجم البكر التي تكتشف في عالم الخطابة.
الثاني: التمرين والتدريب ليجرأ الواحد منهم لمقابلة الجمهور، والعجيب أن الغربيين والشرقيين سبقونا في تأسيس جامعات ومعاهد وأقسام للخطباء والخطابة، وهو فن الخطابة المؤثر، وكتبوا عن ذلك في مجلدات ومؤلفات، فحق علينا أن ننشئ أقساماً ومعاهد ودورات نعلم فيها أبناءنا مقابلة الجماهير والخطابة لأنها آصرة.
الثالث: عنيت أن تكون الكلمات التي تلقى مكتوبة من الكتاب والسنة بما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم، أنا أقدمهم لكم هذه الليلة وهم ثمانية من أبنائكم وشبابكم ومن جيلكم.
لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا
بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا
عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا
стр. 5329
شؤم المعصية
الأخ الداعية علي بن غُرم الشهراني معه كلمة عن (شؤم المعاصي) فليتفضل:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيها الإخوة في الله! ليس من شر وبلاء إلا وسببه المعاصي والذنوب، فبالمعصية تبدل إبليس بالإيمان كفراً، وبالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجنة ناراً تلظى، وعم قوم نوح الغرق، وأهلكن عاداً الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم فجعل الله عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل فساء مطر المنذرين، قال تعالى: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
إنها الحقيقة الصارخة، فكلاً أخذنا بذنبه، تلكم الذنوب وشؤمها وعواقبها وما هي من الظالمين ببعيد، ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا تمكنت من قلوب إلا أعمتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها.
أيها المسلمون! إن للمعاصي شؤماً ولها عواقب في النفس والأهل والمجتمع، وفي البر والبحر، تضل بها الأهواء وتفسد بها الأجواء، بالمعاصي يهون العبد على ربه فيرفع مهابته من قلبه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
يقول الحسن البصري ﵀: [[هانوا على الله فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم]] أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه قال: [[لما فتحت قبرص رأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي.
فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى فنعوذ بالله من سخط الله]].
عباد الله! بسبب الذنوب والآثام يكون الهم والحزن والعقد النفسية، إنها مصدر العجز والكسل، ومن ثم يكون البخل والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال، وتسلط الأعداء، واندراس الحق وفشو الباطل، بها تزول النعم، وتحل النقم، وتتحول العافية، ويستجلب سخط الرب ويحجب القطر.
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم
إذا ابتلي العبد بالمعاصي استوحش قلبه، وضعفت بأهل الخير والصلاح صلته، وجفاه الصالحون من أقاربه وأهله، حتى قال بعض السلف: [[إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق امرأتي ودابتي]].
أيها الإخوة في الله! إن ملازمة المعصية ومعايشتها تورث بلادة في الحس، وموتاً في القلب، واستئناساً بها، فلا يحس العاصي بالعقوبة، ولا يشعر بالذنب لما قد أورثته في قلبه من ذل وخضوع لها؛ لأن الذنب بعد الذنب يقطع طرق الطاعات، ويصد عن سبل الخيرات، ومن ثم يقسو القلب فلا ينتفع بموعظة ولا يطمئن بذكر، يقول ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
فالحذر الحذر يا عباد الله! من مخالفة أمر الله، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وإياكم والأمن من مكر الله، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
فعلينا أن نأخذ أنفسنا من أوحال المعاصي وأن نفكها من أسر الذنوب، وأن نبادر بالتوبة النصوح، وأن نسارع في فعل الخيرات والأعمال الصالحات، ولا نصر على المعاصي والمخالفات، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦].
نحن أمة أعزها الله بالإسلام وحده، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
فنسأل الله أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة؛ فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونسأله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويحفظ دعاة الإسلام والمسلمين من كل سوء ومكروه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
أولاً: هذا العرض الذي تسمعونه وترونه هذه الليلة من التجديد في أساليب الدعوة، فإنه قد يكون من المسُئم الممل أن تعرض المحاضرة في كل مرة بنفس أسلوب العرض الأول.
ثانياً: سوف يكون مساء كل جمعة من المغرب إلى العشاء درس في الفقه، ومن أذان العشاء إلى الإقامة معالم ودروس في فن الخطابة لمن أراد أن يتعلم وسوف يحضر معنا أساتذة متخصصون في هذا إن شاء الله، ونحضر كتباً متخصصة في فن الخطابة حتى يتعود من أراد ذلك إن شاء الله.
стр. 5330
التوبة
الكلمة الثانية للأخ علي بن حسين بن علي السحاري بعنوان (التوبة) فليتفضل:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]
أمَّا بَعْد:
فربما يسأل الإنسان نفسه ويقول: أنا أسرفت على نفسي بالمعاصي وأكثرت من ارتكاب المحرمات، فهل يا ترى إذا تبت إلى الله فإنه سيقبل توبتي، أم أن ذنوبي وآثامي ستحول بيني وبين التوبة والعودة إلى الله؟ إننا نبشره ببشارة من الله ونقول: ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فهي دعوة من الله إلى كل من أسرف على نفسه بالمعاصي، وأكثر من ارتكاب الذنوب والآثام والتعدي على حدود الله أن يعود إلى ربه ومولاه، وأن يصحح مساره بالتوبة إلى الله الذي يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، والذي يقبل التوبة من عباده.
يقول الرسول ﷺ : ﴿لو كان لابن آدم وادياً من ذهب؛ لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب﴾ متفق عليه، بل إن الله أخبر عن الذي يستمر في غيه وفي عصيانه وتعديه على الله ولم يتب من ذلك أنه ظالم، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] ظالم لنفسه؛ لأنه لم يجعلها طائعة لله منقادة لأوامره؛ لأنه عصاه وهو الذي أنعم عليه، وخلقه ورزقه، وجعل له البصر والسمع والفؤاد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣].
ونقول للذي يريد أن يتوب: أبشر بالفلاح في الدنيا والآخرة إن كانت توبتك صادقة خالصة لله تعالى يقول تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] فقرن الله الفلاح بالتوبة والإنابة إليه.
واعلم -أخي المسلم- أن التوبة سبب في تكفير السيئات، بل سبب في تبديلها إلى حسنات، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
ونقول لمن أراد التوبة: ألم تسمع بقصة ذلك الرجل الذي انتهك حرمات الله، وأسرف على نفسه بالمعاصي، وفي يوم من الأيام أراد أن يتوب إلى الله من فعل المحرمات، ويحرص على فعل الطاعات ليفوز برضا رب الأرض والسماوات، فسأل ذلك الرجل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له توبة؟ فقال له الراهب: لا.
فقتله فكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال له ذلك العالم: ومن الذي يحول بينك وبين التوبة؟ نعم.
لأن باب التوبة مفتوح لا يقفل إلى يوم القيامة، يقول الرسول ﷺ : ﴿من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه﴾ رواه مسلم.
وقال له العالم: ولكن انطلق إلى أرض كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبده معهم ولا تعد لأرضك فإنها أرض سوء، فلما وصل إلى منتصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقالت ملائكة الرحمة: جاء مقبلاً إلى الله بقلبه تائباً، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكماً بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب فهو لها، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة.
أخي المسلم! بعد أن سمعت الأحاديث والآيات السابقة التي توضح لك سعة رحمة الله تعالى، ألم يأن للقلوب القاسية أن تتوب؟ أولم يأن للقلوب الضالة أن تهتدي؟ أولم يأن للقلوب البعيدة من الله أن تقترب إليه؟ ألم تسمع قول الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا توبة نصوحا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
أيها الإخوة! في آخر الكلمات سوف أقدم عرضاً لبعض الملاحظات، وبعض ما يجب على الخطيب أن يلم به، كل ذلك من كتب من ألف في الخطابة في هذا العصر ومن قبله.
أيضاً نريد من أهل أصحاب الكلمات أن يحذفوا ثلث الكلمة؛ لأنها قد تطول، ونريد أن يبقى وقت لبعض الملاحظات وبعض الفوائد.
стр. 5331
أثر الطاعة
الكلمة الثالثة للأخ محمد بن عبد الله بن مبطي الشِّهري بعنوان (أثر الطاعة) فليتفضل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أمَّا بَعْد:
أيها المسلمون: لقد مر على المسلمين زمن لم يكن الإسلام فيه سوى لا إله إلا الله، وقد لبث الرسول ﷺ حقبة طويلة من الدهر وهو يدعو الناس إلى هذه الكلمة الطيبة، حيث مكث في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يقوي في المسلمين جانب العقيدة الصحيحة التي بموجبها يصبح المؤمن طائعاً لله منفذاً لأوامره في كل شئون حياته، حيث إن هذه الكلمة غير بها الحبيب ﷺ مجرى تاريخ الأمة البشرية، فاستطاع أن يغير معتقداتهم الباطلة إلى معتقدات صحيحة وغير كذلك لباسهم ومظهرهم، واقتصادهم ومعاشهم، وتعاملهم وأوقاتهم وكل شئون الحياة، حيث جعلهم مرتبطين ارتباطاً مباشراً بخالقهم محققاً فيهم قول الحق تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وقال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] وقال موضحاً للأمة المحمدية أنه لا فوز ولا فلاح إلا في الطاعة لله ولرسوله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] لقد كانت آيات القرآن الكريم تنزل على هذه القلوب الرطبة والطيبة فتصهرها على بوتقة الإيمان، ونور الهداية المحمدية حتى أصبحوا كما وصفهم الله فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فلما رأى نبيهم الحبيب ﷺ الاعتراف بفضل القادر على عباده، وأنه الرازق المدبر، المسخر الموجد لكل هذه النعم حيث أعطى الإنسان كل ما سأل، فجدير بالمؤمن أن يكون طائعاً لله وحده ممتثلاً لأمره في السر والعلن، وفي الغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، وفي الصغر والكبر، وفي حال السلم والحرب وكل الأحوال، يتحقق فيهم قوله ﷺ في الحديث الثابت عن العباس ﴿﴾ لأن الإسلام جاء وافياً مستوفياً لكل المعاني النبيلة والطيبة ليعيش هذا الإنسان في سعادة ونعمة حتى يلقى الله .
معشر الجمع المبارك! من آثار الطاعة: الإخبات لله ، والخشوع، وحسن السمت.
وأيضاً: انشراح الصدر يقول الله : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
وأيضاً: قد يصبح الطائع لله ولياً من أوليائه.
وأيضاً: إذا تقرب الإنسان إلى الله بالطاعات وبالنوافل كان الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأل الله ليعطينه، ولئن استعاذ الله ليعيذنه.
والإسلام -يا معاشر المسلمين- كما وضحه ﷺ للسائل عن العمل الصالح فقال له: ﴿قل آمنت بالله ثم استقم﴾ وإليكم معشر الجمع المبارك! بعض النماذج الخالدة التي قال الله فيها: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] كأمثال الصديق فقد حقق الطاعة لله بكامل وأسمى معانيها، وكذلك بقية الصحابة رضوان الله عليهم.
ومثال آخر كـ أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ﵁ وطاعتها لربها وحبها لله، وكيف قال الرسول ﷺ فيهم: ﴿اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة﴾ إن المؤمن يجد نفسه أمام بحر لا ساحل له أمام هؤلاء العمالقة، الصدر الأول، الذين اختارهم الله لشرف صحبة نبيه المصطفى ﷺ ، كيف لا! وهم تخرجوا من جامعة الحبيب ﷺ ، فالواجب علينا أن نحذو حذوهم وأن نستشعر عظمة الله جل وعلا ونلتزم بأمره، والله يعلمنا ويوجه إلينا خطاباته القرآنية في مواضع كثيرة فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢] ويقول أيضاً: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
نسأل الله جل وعلا أن يجعل ما سمعنا حجة لنا لا علينا، وأن يوفق الجميع لاتباع أوامره واجتناب نواهيه وصلى الله وبارك على نبينا محمد.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
أنتم تعلمون أيها الإخوة! ويعلم المسلمون جميعاً أننا أمة معطاءة فينا الكثير والكثير، وأنا أعلم وأمامي المئات من شباب الإسلام ومن الصالحين الأخيار أن فيهم من هو أقدر مني ومن إخواني الذين يتكلمون ولكنها وللأسف طاقات معطلة لم تستخدم إلا القليل، أفلم يأن بعد أن يتحرك أصحابها بطاقاتهم وبمواهبهم التي سوف يسألهم الله عنها ليقولوا للناس: نحن أحفاد أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، فأردنا أن نقدم نموذجاً من أبنائكم لتسمعوا ولتروا وكلٌ يرى موهبته ويرى تجربته أمام هؤلاء.
стр. 5332
الاستقامة
والكلمة الرابعة الآن للأخ سعيد بن أحمد النعِّمي بعنوان (الاستقامة) فليتفضل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] والصلاة والسلام على خير الأنام وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بسنته واستقاموا على دينه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها المسلمون: اتقوا الله واعلموا أن الله سبحانه أمر عباده بالاستقامة عموماً وأمر نبيه بها خصوصاً، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] فأمره ربنا أن يستقيم هو ومن تاب معه، وألا يجاوزوا ما أمر به، وأخبر أنه بصير بأعمالهم مطلع عليها، وذكر القشيري وغيره عن بعضهم أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال: ﴿يا رسول الله! قلت: شيبتني هود وأخواتها﴾ فما شيبك منها؟ قال: قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
والاستقامة هي: سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القيم من غير عوج يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، والاستقامة كلمة جامعة وهي: القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، فهي من جوامع الكلم، ولهذا لما جاء سفيان بن عبد الله ﵁ إلى النبي ﷺ وقال له: ﴿يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله ثم استقم﴾ رواه مسلم، ولهذا فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه إعراضاً عن الدين أو تكاسلاً عن الطاعة رغبه بالتساهل والتكاسل، حتى يتحلل من الدين فيترك الواجبات ويفعل المحرمات، ولا يزال يغريه حتى يقطع صلته بالدين ويتركه في متاهات الهلاك، وإن رأى من العبد حرصاً على الدين فلم يتمكن من صده عنه؛ أمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاعتدال، قال بعض السلف: [[ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة -وهي الإفراط- ولا يبالي بأيهما ظفر زيادةً أو نقصاناً]] فكل الخير في الاجتهاد المقرون بالاعتدال، والسير على منهج أهل السنة والجماعة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الناس لن يطيقوا الاستقامة حق الاستقامة، وكما خرجه الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: ﴿استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن﴾ وفي رواية الإمام أحمد: ﴿سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن﴾ وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿سددوا وقاربوا﴾ فالسداد: هو حقيقة الاستقامة وهو الإصابة في جميع الأقوال، والأعمال، والمقاصد، كالذي يرمي إلى هدف فيصيبه، والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الهدف إذا لم يصب الهدف نفسه، لكنه مصمم وقاصد إصابة الغرض، فالمطلوب من العبد الاستقامة وهي: السداد، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن لم يحصل منه سداد ولا مقاربة فهو مفرط مضيع والعياذ بالله.
فالحمد لله الذي لم يكلفنا ما لا نطيق، وشرع لنا ما يجبر تقصيرنا ويكمل نقصنا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥] ويضاعف الحسنات فضلاً منه وتكرماً.
عباد الله! في الختام: يجب على كل مسلم أن يستقيم في عقيدته على عقيدة أهل السنة والجماعة، ويجب عليه أن يستقيم على محبة الله ورسوله، أسأل الله الواحد الأحد أن ينفعني وإياكم بما سمعتم، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين الاستقامة على دينه حتى نلقاه وهو راض عنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
الشيخ عائض:
أيها الإخوة! أنا وإخواني نلحن في كلامنا، ولو أني صححت معهم قبل أن نحضر ولكننا نلحن جميعاً، وكما قال الأول:
سامح حبيبك إن فيه فهاهة بدوية ولك العراق وماؤها
ولكن الذي يتكلم ويخطئ أحسن من الذي لا يتكلم وهو جالس، ولذلك يقول الصينيون: الجالس لا يسقط، والذي لا يتحرك بهذا الدين، ولا يتفاعل مع مبادئ محمد ﷺ ، ولا يعظ ولا يبلغ رسالة الله، ولا يحمل الميثاق وينتقد! هو أقل بكثير من هذا الذي يتكلم ولو أخطأ.
أيضاً أيها الإخوة! من أسباب خطئنا في اللغة العربية أننا ما لقنا، ولا حفظنا ولا عُلمنا القرآن ونحن أطفال، تصوروا أن من يدرس أطفالنا الآن القرآن في مساجدنا هم الأفغان والباكستان العجم، ولا أقولها من باب العنصرية أو القومية لكن العجم أصبحوا الآن يدرسون أبناءنا: الضاد ومخارج الضاد، أثابكم الله.
стр. 5333
خشية الله عند السلف
الكلمة الخامسة للأخ الداعية خالد بن عبد الله العَسِيري فليتفضل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقائد المجاهدين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الأخيار! يا أتباع محمد ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذه الكلمة (خشية الله عند السلف).
نعم.
سوف نعيش في هذه الدقائق لنأخذ طرفاً من أحوالهم، وشيئاً من أخبارهم تجاه هذا الموضوع المهم.
أيها الأبرار! سوف نقضي بعضاً من الوقت مع ذلكم الجيل، جيل البطولة والتضحية، وقد صدق الشاعر حين قال عنهم:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
نعم -أيها الإخوة- أين الأندلس؟ أين فلسطين؟ وأين أفغانستان؟ لقد ضيعنا تلك البلاد يوم أن ضيعنا لا إله إلا الله، والمقصود من هذه الكلمة يا عباد الله! أن نعيش بعض الوقت مع أولئك النفر؛ عل الله أن يوقظ القلوب من غفلتها، والأنفس من سباتها.
يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان في وجهه خطان من البكاء، وثبت في مستدرك الحاكم أنه لما حج وضع شفتيه على الحجر الأسود ثم قبله وبدأ يبكي، وكان يصلي بالمسلمين ذات مرة صلاة العشاء فقرأ بهم سورة الطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧] سقط مغشياً عليه وأصبح يعاد في بيته شهراً كاملاً ﵁ وأرضاه، وكان عثمان ﵁ إذا وقف على القبر؛ بكى حتى تخضل لحيته من البكاء، وكان يقول: سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه﴾ وسمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أعظم﴾ وهذا علي بن أبي طالب ﵁ صلى صلاة الفجر وجلس حزيناً مطرقاً، فلما طلعت الشمس قبض على لحيته وبدأ يبكي ويقول: [[لقد رأيت أصحاب النبي ﷺ ، فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجداً وقياماً، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهطلت أعينهم بالدموع، والله، لكأن القوم باتوا غافلين]].
وهذا موقف آخر لصحابي جليل هو عبد الرحمن بن عوف ﵁ [[أُتى له بطعام وكان صائماً فقال: قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني، فلم نجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غُطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأخشى أن تكون حسناتنا عجلت لنا]] ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام الله أكبر! قلوب عرفت الله .
وثبت في ترجمة سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: [[أضحكني ثلاثه: غافل ولا يغفل عنه، ومؤمل دنيا والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه ولا يعلم أساخط عليه رب العالمين أم راض عنه، وثلاث أبكينني: فراق الأحبة محمداً وصحبه، وَهَولُ المطلع، والوقوف بين يدي الله ]].
وموقف من مواقف الخشية لله مع خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، جاء عنه أنه بكى وهو غلام صغير فجاءت إليه أمه فقالت: ما يبكيك؟ قال: [[ذكرت الموت]] فبكت أمه.
وعن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة فبكى أهل الدار جميعاً، فلما تجلى عنهم البكاء جاءت زوجته فاطمة وقالت له: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟ قال: [[ذكرت يا فاطمة! منصرف القوم بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير]].
أسأل الله أن يجمعنا وإياكم بهم في دار الكرامة مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
стр. 5334
محبة الرسول ﷺ
والآن مع الكلمة السادسة للأخ محمد بن عمر بن محمد الزُّبيدي بعنوان (محبة الرسول ﵊ فليتفضل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على خير المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
يا حملة المبادئ! يا درة التاريخ! يا صفحة الدهر الناصعة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بشرى من الغيب ألقت في فم الغار وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرار
بشرى النبوة طافت كالشذى سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوار
وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دار
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين﴾ ومعنى الكلام أي: لا يكون أحدكم مؤمناً خالصاً حتى يُؤثر طاعتي وأمري على هوى نفسه وشهوات قلبه، ولا يذوق طعم الإيمان إلا من آثره ﵊ على الوالد والولد والناس أجميعن.
وقد غرس عليه الصلاة السلام حبه في نفوس أصحابه حتى خالطت شغاف قلوبهم وجرت مع مجرى دمائهم، تصوروا هذا الحب في مواقف سطرها التاريخ بمداد من ذهب، فهذه صورة من صور هؤلاء الصحابة الذين أحبوا الرسول ﷺ ، فهذا خُبيب بن عدي حين أسرته قريش وصلبته يقول له أبو سفيان: أتحب أن يصاب محمد بأذىً وتكون أنت سليماً معافى في أهلك؟ فقال ﵁ وأرضاه: [[]].
نعم أيها الأحباب! إنها المحبة الخالدة، كيف لا وهو الذي أخرجهم من ظلمات الكفر إلى أنوار الإيمان، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
ويصوغ الفاروق ﵁ هذه المحبة في قالب آخر كما ذكر البخاري أن عمر ﵁ قال: ﴿يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء من إلا نفسي، فقال له عليه الصلاة السلام: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فيقول عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فيقول ﵊: الآن يا عمر!﴾.
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرر
كيف لا يحبونه وقد جعل منهم قادة للأمة، وحملة للواء الحق، ومجاهدين لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله!!
أيها الأحباب! ما من طفل ولا امرأة ولا شيخ ولا فتى إلا رفرف قلبه بحبه ﵊، فعندما مات ﷺ بكت عليه المدينة بأسرها، صغيرها وكبيرها، وبكى عليه الدهر، ورثاه التاريخ، وأظلمت المدينة على أهلها، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهم يموت لموته بشر كثير
وقال أبو بكر الصديق ﵁: [[طبت يا رسول الله! حياً وميتاً]] ثم تفطرت كبده على فراق خليله وصاحبه، فيموت ﵁ ليلحق بصاحبه بعد فترة وجيزة إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
فما لقلوب تعي مثل هذا الكلام، وما لعقول تفهم هذا الحديث لا تعيشه ﵊ في سويداء قلوبها!!
أيها الإخوة الأحباب! نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا به وبصحبه في مستقر رحمته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر إنه على ذلك قدير وصلى الله وسلم على الهادي البشير المبعوث رحمة للعالمين، والحمد لله العليم الحكيم.
الشيخ عائض:
أيها الإخوة الكرام! لعل من المصلحة أن نذكر بعض المساوئ للخطباء من المقصرين أمثالنا في مجتمعاتنا ولكن نرجئ الحديث حتى نكمل النصاب بشخصين فاضلين الأخ محمد بن شبلان عن (استقبال شهر رمضان) فليتفضل:
стр. 5335
استقبال شهر رمضان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أمَّا بَعْد:
اعلموا أنه قد أظلكم شهر عظيم وموسم كريم تضاعف فيه الحسنات وتعظم فيه السيئات، إنه شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] إنه شهر الصيام والقيام، شهر الصدقات والبر والإحسان، شهرٌ تفضل الله به على هذه الأمة بخمس خصال لم تعطها أمة من الأمم:
الخصلة الأولى: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
الخصلة الثانية: تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا.
الخصلة الثالثة: يُزيِّن الله فيه كل يوم جنته ويقول: ﴿يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليك﴾.
الخصلة الرابعة: تصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.
الخصلة الخامسة: يغفر الله لهذه الأمة في آخر ليلة منه.
شهر من صامه إيماناً بالله واحتساباً لثواب الله؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيماناً واحتساباً؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه، شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان يفرح بهما: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه﴾ يفرح عند فطره بأمرين:
الأمر الأول: باستكمال صوم اليوم الذي من الله عليه بصيامه وقواه عليه.
الأمر الثاني: بتناول ما أحل الله له من طعام وشراب.
ويفرح عند لقاء ربه بما يجده عند ربه مدخراً له من أجل الصيام.
واستكثروا في شهر رمضان من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم، واثنتان لا غنى لكم عنهما، فأما اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار، واحرصوا على الدعاء عند الإفطار فإن في الحديث: ﴿إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد﴾.
واعلموا أن الصيام إنما شرع ليتحلى الإنسان بالتقوى، ويمنع جوارحه من محارم الله، فيترك كل فعل من الغش والخداع والظلم ونقص المكاييل والموازين، ومنع الحقوق والنظر المحرم وسماع الأغاني المحرمة، ويترك كل قول محرم: من الكذب، والغيبة والنميمة، والسب والشتم، وإن سابه أحد أو شاتمه فيقل: إني صائم، فلا تجعل -أيها المسلم- يوم صومك ويوم فطرك سواء، قال النبي ﷺ : ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه﴾.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والله أعلم.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
стр. 5336
احفظ الله يحفظك
وآخر الإخوة الأخ عبد الحكيم بن سِعِيدان القحطاني بعنوان (احفظ الله يحفظك) فليتفضل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله أمَّا بَعْد:
أيها المسلمون: صح عنه ﵊ عند الترمذي وأحمد أنه قال لابن عمه حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄: ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ زاد الإمام أحمد في مسنده: ﴿واعلم أن الفرج مع الكرب وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرى﴾ هذا حديث صحيح وهو وصية محمد ﷺ للأولين والآخرين (احفظ الله يحفظك).
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استجار بغير الله في فزع فإن ناصره عجز وخذلان
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
أفاد الحديث أموراً عديدة منها:
أولاً: تحريم سؤال غير الله تعالى مما لا يقدر عليه إلا هو كالرزق والمغفرة والنصر وغيرها، أما ما جرت عليه عادة الناس أن يتعاونوا فيه مما يقدرون عليه فلا مانع من سؤالهم كالاستعارة والاستقراض والاسترشاد وغير ذلك.
ثانياً: ما أثبته في أم الكتاب ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا ينسخ، وما وقع وما سيقع كله معلوم لله، ولا يقع شيء إلا بعلمه تعالى.
ثالثاً: الحديث أصل عظيم في مراقبة الله تعالى، ومراعاة حقوقه، والتوكل عليه، وشهود توحيده وتفرده، وعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إليه.
رابعاً: حقيقة التوكل: إن الكرب إذا اشتد وتناهى؛ أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده.
وروى البخاري في صحيحه في باب الوكالة: ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل ذهب إلى أخيه ليقترض منه فقال له: من يكفلك؟ فأنا لا أعرفك، قال: يكفلني الله، قال: رضيت بالله ومن رضي بالله أعطاه الله ما تمنى وسلمه، فكتب صكاً، فلما بقيت خانة الشهادة قال: من يشهد لك؟ قال: الله، قال: رضيت بالله شاهداً، فكتبوا وشهد على ذلك الحي القيوم، وأخذ الصك وأعطاه ألف دينار وأتى وقت أداء القرض، فذهب المقترض ليركب البحر وليوصل هذا الدين فلم يقدر ولم يجد سفينة ولا قارباً تحمله، فدمعت عيناه وقال: يا رب! سأل كفيلاً فقلت: أنت الكفيل فرضي بك، وطلب شاهداً فقلت: أنت الشاهد فرضي بك، اللهم ادفع له هذا المال، وأخذ خشبة فنقرها ووضع فيها ألف دينار ثم كتب رسالة إلى صاحبه ثم قال: باسم الله، ووضعها في الماء فأخذها الكفيل الذي ما بعده كفيل، والشاهد الذي ما بعده شاهد، وأخذت تتدحرج على ظهر الماء ولا تعرف.
وخرج ذاك الرجل في نفس الميعاد ليستقبل صاحبه على الموعد وإذا بالبحر يرمي عليه خشبة قال: لا أفوت سفري آخذ هذه الخشبة حطباً لأهلي فكسر الخشبة فوجد الألف دينار والرسالة﴾ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ عائض:
أثابكم الله.
انتهى الإخوة الذين شاركوا في هذه الندوة، وأسأل الله أن يثيبهم على ما قدموا، وباسمكم أشكرهم، وأتمنى لهم ولإخوانهم من شباب هذه الأمة أن يكونوا دعاة إلى منهج الله .
стр. 5337
مسائل في الخطابة
ولكني أحبذ أن أبين مسائل حفظكم الله.
قلة الدربة في طلبة العلم، وقد كان عليه الصلاة السلام يرسل أصحابه خطباء ومنذرين، وكان ﷺ بنفسه يقيم الواحد منهم خطيباً على المنبر كما أقام ثابت بن قيس بن شماس يخطب في وفد بني تميم، وأقام حسان شاعراً، وأرسل هذا داعية، وهذا مفتياً، فكان ﵊ بنفسه يعلمهم ويربيهم كيف يقابلون الناس، وإن أعظم ما يمكن أن يتحصن به المتكلم أو المقابل للناس هي التجربة، كما يذكر ذلك مثل الشيخ محمد أبو زهرة في كتاب الخطابة، أعرف شاباً ولا بأس من ذكره تشجيعاً له حفظه الله هو الأخ محمد بن سليمان بن فايع، شاب يقابل الناس ويتكلم بجرأة وبحذاقة وبنباهة، فأسأل الله أن يثيبه ويثبته هو وإخوانه.
والإخوة لم يقصروا وإن حصل تقصير فمني، ويعلم الله أنني شكلت معهم كثيراً من الكلمات ولكن ما ضبطت لأسباب:
لمقابلة الجمهور خاصة وأن معنا القضاة والعلماء، والدكاترة والأساتذة، والصالحون والأخيار، ومقابلة الجمع ليس بالأمر السهل حتى تمنى بعض الخطباء أن يقابل السيوف ولا يقابل الصفوف، وقيل لـ عبد الملك بن مروان: [[نراك شبت، قال: من صعود المنابر كل جمعة أعرض عقلي على الناس]] وكان يوصي أبناءه وكان خليفة: [[إذا صعدتم المنابر فارموا آخر الناس بأبصاركم]] لأن الموقف صعب، وتولى عثمان ﵁ الخلافة فصعد المنبر فأراد أن يتحدث فاضطرب واهتز وارتجى عليه؛ لأن عثمان كان حيياً تستحي منه الملائكة، وكان أمامه بقية العشرة، وأهل بيعة الرضوان، وأهل بدر وأحد، فلم يستطع أن يتكلم، فنزل من على المنبر يرتعد، ثم قال كلمة هي من أحسن الكلمات في التاريخ: [[إنكم في حاجة إلى إمام عادل خير من خطيب فصيح]].
والموقف صعب، ولكن من مآسينا وتقصيرنا أن يوجد في مجتمعاتنا خطيب يورد على الناس الموضوعات، وخريجو الجامعات يستمعون له في كل جمعة وهو يردد عليهم حديث علقمة وحديث ثعلبة ولا أصل لها عند المسلمين، لا يروي إلا موضوعات ولا يحفظ حديثاً في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم، ومن المآسي أن خطيباً يظن أنا لا زلنا نعيش في عهد السلطان عبد الحميد فيدعو له في آخر الخطبة: اللهم انصر السلطان عبد الحميد وأعوانه وأجناده، وخطيب لا يعرف إلا الخطبة المخضوبة القديمة التي حفظها جماعته وقبيلته فينامون قبل أن يدخل ولا يستفيقون إلا مع الإقامة، وربما يرددون عليه مما سمعوا ومما شربوا ومما أكلوا، خطيب لا يقيم من القرآن ولو حرفاً واحداً فينكس كلام الله، ولعلكم تسمعون في بعض الحروف أنه ينطق حرف القاف في القرآن بغير الفصحى فينطقها بالعامية مشابهة لجيم المصرية هذا لأن مخارج الحروف عندنا سقيمة، أمة غُزِّيت في لغتها وعقولها وفي كرامتها وأدبها ومجدها فلم تعد أمة تستطيع أن تتكلم للناس.
وخطيب يطول على الناس حتى يتضجرون منه، ويخرج بهم عن موضوعه، بل سمعت أن بعض الخطباء يقف في الناس ساعة كاملة، وهم يملون منه ولو كان خمس دقائق، ولكن كما يقول أحدهم في عهد بني العباس وقد صلى وراء خطيب ثقيل الدم فطول به كثيراً فقال:
صلاة ولا عبد العزيز إمامها وحد ولا عبد العزيز إمامه
أو كما قال ما ولم أضبط البيت، لكن يقول: أصلي وراء كل إمام!! إلا وراء هذا الإمام، أتوب إلى الله أن أجلس معه في خطبة! خطيب يتبهذل بالسعال والنحنحة وبالزكام على المنبر، فتأخذ هذه المسائل وهذه الوقفات والمطبات نصف الخطبة، فيسعل كثيراً ويتنحنح وليس به سعال ولا نحنحة ويحك رأسه ولحيته، ويصلح بشته وغترته حتى يمل الناس ويتضجروا، وخطيب ينوم الناس وليس بهم نعاس، لكن هو بأسلوبه يتعتع كالسيارة وهي تصعد إذا كان موديلها قديماً، فتجده ينحت الكلمة: قال: قال رسول الله رسول الله رسول الله صلى الله ﷺ ، فلا يخرج الكلمة حتى تخرج قلوب الناس.
يا خلي البالِ قد بَلْبَلَتَ بالبَلبَالِ بَالِي بالنوى زلزلتني والعقل زالي
فبعض الناس يبلبل بالك ويزلزل قلبك.
قيل للشافعي: من هم غشاوة حُمَّى الرِّبْعِ؟ قال: الثُّقَلاء.
وقال الأعمش المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] قال: الثُّقَلاء نعوذ بالله من الثقلاء، وخطيب لا يعرف أحوال الناس، ولا موضوعاتهم فيدخل في قرية ليتكلم لهم هل الأرض كروية الشكل؟ وهل الأرض تدور حول الشمس؟ أو الشمس تدور حول الأرض؟ وقلوبهم أصلاً تدور حول الشرك، وهو لا يقيمهم على منهج التوحيد ليدورهم حول رسالة الرسول ﷺ ، وخطيب يذهب إلى البادية ليتكلم لهم عن مشكلة الخدم والخادمات وهم لم يسمعوا في حياتهم بخادم ولا خدم، هذه من المآسي التي نعيشها وكثير كثير هي.
خطيب في الثمانين من عمره كأنه أوتي وصاية ألا يترك المنبر لشباب محمد ﷺ خريجي الشريعة وأصول الدين والكليات العلمية الذين بكت القلوب من وعظهم ولكن يأبى هذا، صمد على المنبر وأخذه وحجبه ورفض أن يتركه حتى آخر قطرة من دمه حتى يقتل، هذه بعض المعالم وسوف أتحدث عن أدب الخطابة، وأصول الخطابة في الإسلام إن شاء الله، وبعض نكات الخطباء عبر التاريخ التي ذكرها ابن الجوزي في بعض كتبه وذكرها غيره كـ السيوطي.
стр. 5338
كتب الخطابة
أيها الإخوة الكرام! أُلف في الخطابة كتب يحتاج طالب العلم إلى أن يقرأها ويفهمها ككتاب الخطابة للشيخ محمد أبي زهرة ولا أعلم كتاباً أحسن منه في موضوعه، وهو فيما يقارب (٦٠٠) أو (٧٠٠) صفحة، أصولها تجارب الخطباء، ونقل عن جميع الأمم كافة آداب الخطيب وما ينبغي على الخطيب، وكيف تكون خطيباً؟ وصور الخطابة، إلى غير ذلك، وهناك كتاب عجيب والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها أخذها، لـ دايل كارنيجي الأمريكي اسمه فن الخطابة وفيه بعض التراجم، كيف تكون مؤثراً وتتحدث للناس؟ كذلك كتاب الخطابة لـ محفوظ من علماء الأزهر، وكتاب القصاص والمذكرين لـ ابن الجوزي، وكتاب في تذكير الناس للسيوطي، هذه الكتب أصول في معرفة الخطابة وكيف تتكلم للناس؛ لأن الأصل عندنا التأثير على الناس بواسطة الكلمة، وأعظم ما يؤثر في الناس في الإسلام هي الكلمة، وأعظم ما أثر به ﷺ في الناس الكلمة، حتى يقول شوقي يمدح الرسول ﵊:
فإذا خطبت فللمنابر هزةٌ تعرو الندي وللقلوب بكاء
стр. 5339
مزالق الخطباء
ورد في التاريخ مزالق لكثير من الخطباء، ويأتي ذلك من نقص علمهم، أو من ارتجاجهم على المنبر، أو من حمقهم، أو من عدم معرفتهم لتسيير الأمور.
منها: خطيب ذكره ابن الجوزي وقف على المنبر يريد أن يرتجل، والارتجال صعب حتى يتمكن العبد ويكتب ما يمكن أن يقوله ويحفظ خطبته؛ لأن بعض الشباب الآن يريد أن يرتجل قبل أن يخطب مكتوباً فارتجل فقال: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر، فقال له الناس: في ستة أيام، قال: والله لقد تقاللت ستة أشهر يعني قليلة عندي أردت أن أقول ست سنوات.
ومنها: خطيب ذكره ابن الجوزي في الحمقى والمغفلين وقف على المنبر وقال: كما قال الله في محكم كتابه: (اعملي أم خالد ربَّ ساعٍ لقاعدِ) فقالوا: هذا ليس من كلام الله قال: يقول الله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] إلى غير ذلك.
ومن مزالقهم أيضاً: أن أحدهم وقف وقال: أيها الناس! اتقوا الله فإن الله أهلك ثمود بناقة لا تساوي مائتي درهم، فسموه مثمن ناقة صالح.
ومن مزالق الخطباء التي يذكرها ابن الجوزي أيضاً: التطويل على الناس وقد ذكرت هذا، ومنها: الكُرب التي تعلو بعض الناس حتى أغمي عليه وهو على المنبر، قام يتكلم فأغمي عليه لما واجه الناس، وقد كان ابن الجوزي في شبابه خجولاً جداً حتى كان ينصب الحجارة في الصحراء ويقوم فيها خطيباً حتى تمرن وتدرب وأصبح واعظ الدنيا بلا منازعة، لا أعلم بعد الصحابة إلى الآن أخطب من ابن الجوزي، وهو واعظ الدنيا، يقف في بغداد يقول في صيد الخاطر ويجتمع له أكثر من مائة ألف سامع، يأتي خليفة المسلمين المستضي ويجلس وراء الستار في المسجد ليستمع كلامه فكأن ابن الجوزي ما يعرف أن الخليفة وراء الستار، فقال له أحد الجلاس: يا ابن الجوزي! إن أمير المؤمنين وراء الستار، قال: لا تخبر الخليفة أنك أخبرتني أنه يسمع، يريد أن يفاجئه بكلام، فبدأ في الخطبة وقال -وهذا الكلام لأمير المؤمنين-:
ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك البلى داراً بدارك
فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك
ثم وجه كلمة للخليفة الغائب وكأنه لا يعرف أن الخليفة هنا، وبعد أن انتهت الخطبة خرج الناس فوجدوه مغمياً عليه يرش بالماء، كان الخليفة عالماً يخطب بهم العيد ويفتي ويوجه ويربي من علماء بني العباس لكنه حضر يستمع.
стр. 5340
أصول الخطابة
أيها الإخوة الفضلاء! أصول الخطابة عشرة أصول:
الأصل الأول: الإخلاص، أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.
اليابانيون اليونانيون والصينيون يتعلمون الخطابة ويؤثرون في الناس إما لأجل الانتخاب أو لأجل الاقتصاد، أو لسحب الرأي العام، أو لاجتلاب محبة وكسب أصدقاءٍ، أما نحن فلتبيين الحق الذي بعث به ﵊، ولا يحق لي أن أجلس هنا أنا ولا غيري لنتكلم نحن عن عظمتنا، وذواتنا، ومقامنا، وذكائنا، وعبقريتنا، إنما أتينا هنا لنتكلم عن عظمة العظيم، وعن حكمة الحكيم، ونعرف به خلقه فقط، ليس لنا شيء، فهو الذي خلق اللسان والحبال الصوتية والصوت، فالمنة له، فالإخلاص: أن يكون العمل خالصاً لله ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
الأصل الثاني: العلم، إن من المآسي أن يتأخر طلبة الشريعة، وحملة القضاء، وأهل الميثاق عن المنابر ثم يصلون مأمومين أمام عوام يخطبون فيسيئون للشريعة وصاحب الشرع ﵊.
الأصل الثالث: الإلقاء وليس مقصودي بالإخوة الثمانية أن يتكلموا بأي كلام، ولذلك قد تلاحظون مني ومنهم أن الواحد منا يريد أن يلقي أي شيء، ولذلك ابن القيم يحبذ في مدارج السالكين أن تؤثر في الناس في الإلقاء، كيف تشير؟ كيف تختار العبارة القوية؟ متى ترفع صوتك؟ متى تخفض صوتك؟ ومتى تغضب؟ متى تهدئ من الصوت؟ ومتى تستفهم؟ ومتى تقف؟ ومتى تضغط على الكلمة؟ ومن أحسن ما سمعت خطيباً في هذا العصر -لولا بعض الملاحظات-: عبد الحميد كشك، ولذلك تسمع كيف يضغط على الكلمة، وكيف يحرك الجماهير، وكيف يهدأ يهدأ حتى كأنه الليل في آخره ثم يثور يثور كأنه السيل أقبل، ثم يتصدع قلبه ثم يستفهم ثم يلقي الشعر، ويحبس أنفاسه عند آخر القصيدة، ثم ينتزع الناس حتى لا يملك الناس مشاعرهم، هذه خطبة وتأثير، حقاً ولذلك لك أن تسمع أشرطته، ولك أن تقلد الخطباء البارعين ولو ببراعة نسبية.
وليس المقصود أن تقرأ على الناس قراءة فإن الناس كلهم يستطيعون أن يقرءوا، لكن كيف تستطيع أن تؤثر وتوصل المعلومة؟ يقول النعمان بن بشير: ﴿كنت في السوق -سوق المدينة الزوراء والرسول ﵊ يخطب فرفع صوته ووعظ وأنذر وحذر حتى سقطت خميصته من عليه﴾ ويقول أنس: ﴿وعظنا رسول الله ﵊ فالتفت في المسجد إلى الصحابة وكل قد وضع رأسه بين ركبتيه ولهم حنين من البكاء﴾ ويقول جابر: ﴿كان ﷺ إذا خطب اشتد غضبه، وعلا صوته، واحمرت وجنتاه، وكأنه منذر جيشٍ، يقول: صبحكم ومساكم﴾ هذه الكلمة، لا أن تأتيني بوعظ بارد، وتأتي لي بزجر وتجعله في سهولة ويسر، لا.
نحن أمام فن خطابة.
وفن الإلقاء أن تكون متفنناً في إلقائك، ولا تخف، ولا تقل: رياءً أو سمعة، أو ظهوراً أو شهرة، لا.
أنت صاحب الأسلوب واقصد به وجه الله .
الأصل الرابع: معرفة الواقع الذي نعيش فيه، فللبادية خطبة، وللحاضرة خطبة، ولأساتذة الجامعات خطبة، ولطلبة العلم خطبة، ولكبار السن كلام، لأن من أوتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وكان ﵊ يحدث الناس على قدر عقولهم.
الأصل الخامس: اجتناب الأحاديث الموضوعة، أما أن تأتي بحديث وهو موضوع وتحمل تبعة العمل به، فأنت المسئول عند الله، ويصبح البعيد كاذباً يتبوأ مقعده من النار؛ لأنه يعلم الناس الكذب على منبر الرسول ﷺ .
الأصل السادس: أن يكون الخطيب عاملاً بما يقول، ولذلك أُبطلت مصداقية كثير من الخطباء، في كثير من الأمكنة بسبب أنهم خالفوا ما دعو إليه، كأن يحذر الخطيب من شهادة الزور ثم يشهد على جيرانه بها، ويحذر من قطيعة الرحم ويكون أول قاطع للرحم، ويحذر من أخذ أراضي الناس ظلماً وعدواناً، ويعرف الناس في المسجد أنه أخذ أراضيهم، فلذلك يبكي على المنبر ولا يبكون، يقولون: أراضينا عندك!!
الأصل السابع: ترك التجريح، فلا يستخدم المنبر ليشفي غليله ولينتقم لنفسه فإن بعضهم يأخذ هذا، فتجده إذا تكلم لقبيلته أو جماعته أو حيه أو مستمعيه لا يحترمهم، ربما لأمور في نفسه يثور عليهم وينتقم منهم ويقول: أنتم تفعلون كذا وكذا وكأنه يبرئ نفسه، وسمعت أن أحد الخطباء فيه حمق وقف يقول: يا أيها الناس! لا تركنوا إلى أنفسكم، ولا تأمنوا مكر الله، والله لا أضمن أنا، وهو أنا لا أضمن لنفسي الجنة! أو كما قال، وأحفظ من هذا الكثير، فترك التجريح مطلوب، كان ﷺ يقول: ﴿ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا﴾ ويقول: ﴿يا بني عبد الله! إن الله أحسن اسم أبيكم، فأحسنوا العمل والاستجابة﴾.
الأصل الثامن: الجذب، أن تكون جذاباً بأسلوبك، فلا بأس أن تدخل الخطبة بقصة، ثم لا تخبر من هو بطل القصة، انظر هؤلاء المنحرفين كيف ملكوا أسماع الناس وأبصارهم بالتأثير العالمي، بالأساليب وبالأطروحات، تأتي بقصة ولا تذكر بطلها، وتبدأ بقصيدة ولا تذكر صاحبها، وأحياناً تبدأ مستفهماً متأثراً، أحياناً تبدأ هادئاً ثم تثور بصوتك، فالجذب فن، ولم أجعل مثل هذه الندوة ولا يجعل زملائي وإخواني مثل هذه الندوات إلا لتعليم فن الخطابة، ولا أعرف أن هناك جهة تتولى تعليم الناس الخطابة، مع أن في تركيا معهد الخطباء، قابلنا ما يقارب ٤٠٠ منهم خطباء مؤثرين بلغتهم، وفي الدول الشرقية والغربية معاهد وجامعات للخطابة وأقسام ليؤثروا في الناس.
الأصل التاسع: إجادة اللغة العربية، ألا تلحن، واللحن خدش في الوجه، ولا أعلم أحداً الآن إلا ويلحن لا من العلماء ولا من الخطباء، لكن قليلاً قليلاً.
سامحن بالقليل من غير عذْل ربما أحسن القليل وأرضى
ونحن لا نقول للخطيب: إنك تستطيع أن تكون كـ علي بن أبي طالب ﵁ أو كـ زياد بن أبيه، لا.
لكن يقلل من اللحن خاصة في كتاب الله ، وفي سنة الرسول ﵊، وأحد الخطباء يقول: واتقوا يومٌ ترجعون فيه إلى الله، (يومٌ) هل يحل له أن يصرف كتاب الله ويلعب به على المنبر، ولو لحن في الكلام المجرد لكان سهلاً، أما في كتاب الله فلا.
الأصل العاشر: أن يكون مستغفراً داعياً لله منيباً إليه قبل أن يصعد إلى الناس؛ لأن الموقف صعب، وكان بعض الصالحين يمرغ وجهه في التراب قبل أن يصعد ويقول: (اللهم ثبت قلبي وسدد لساني) ورأيت في ترجمة شيخ الإسلام ﵀ أنه قبل أن يتكلم في مجلس درسه كان يقول: (اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقاتل) ويدعو الله ويبتهل كثيراً، وكان من عادة ابن تيمية كما ذكر ذلك ابن عبد الهادي في كتاب العقود الدرية أنه إذا أراد أن يتحدث للناس بعد العصر، ويزدحم الناس عليه، الخطباء والعلماء، والأصوليون والمفسرون، والنحاة والفقهاء، فكان إذا أراد أن يتكلم أغلق عينيه؛ لأنه كان يغرف من بحر وما كان يتلعثم ولا يتوقف، مثل البحر إذا أقبل هائجاً مائجاً، ولذلك أثر في مسار التاريخ، ولا أعلم الآن عالماً أثر في مسار التاريخ مثل ابن تيمية بسبب قوته وحجته وبيانه، وهو يقول في اقتضاء الصراط المستقيم أصول النبوغ بين الأمم جميعاً: " البيان والحفظ والفهم ".
البيان: أن يكون لك لسان تؤدي رسالة الله به، والحفظ: أن تحفظ النصوص الشرعية، والفهم: أن تستنبط، فهذا من أصول الخطابة.
وأذكر أن أبا معاذ الرازي الخطيب العظيم كان إذا صعد المنبر دعا الله وبكى ثم جلس قليلاً ثم بدأ كلامه، وكان لا يبدأ كلامه إلا بهذا البيت يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل
فيبكي الناس.
أيضاً: أن يكون مستهلاً خطبه بما يسمى براعة الاستهلال، فإن أول الخطابة لها دور في استثارة الناس، أن تبدأ مع الناس ببراعة حتى تجذبهم إليك، المنذر بن سعيد البلوُّطي عالم الأندلس كان خطيباً في الزهراء، والزهراء كانت لـ الناصر بناها ومكث فيها سنوات حتى أصبحت من مشاهير مدن الدنيا، فأراد أن يعظ هذا السلطان فيوم الجمعة بعد أن انتهى من البناء وعمل حفلاً للناس أجمعين ليحضروا في المدينة، فقام المنذر فحمد الله والتفت إلى الخليفة وقال، قال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠] فتأثر الناس، لأن هذا مطلع عظيم.
أيها الإخوة الفضلاء! هذه بعض المسارات في الخطابة التي هي من النقص الذي نجده في عالم الدعاة فضلاً عن عامة الناس أو عن العاديين من الناس، لأن الكثير منهم الآن لا يمنعهم من التحدث إلى الناس إلا عدم الجرأة وعدم المعرفة بكيف يكيف نفسه مع الناس، ولا يعرف ما هي موضوعات الناس، وما هي الأطروحات التي ينبغي له أن يطرحها بين يدي الناس.
أيضاً -أيها الإخوة- لا يظن أحد أن من يتكلم بفصاحة وبراعة أنه أفضل الناس، فإنه ورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿البيان والبذاء شعبتان من النفاق، والعي والحياء شعبتان من الإيمان﴾ هذا في سنن الترمذي ولا تحملوا هذا بالعكس أن يقول أحدهم: عدم استطاعة الكلام علامة الإيمان، بعضهم عفريت في الكفر والنفاق لا يستطيع أن يذكر اسمه، وبعض المؤمنين كـ أبي بكر وعلي إذا تكلم يكاد يبكي الحصى، لكن ليس الفضل فقط بفصاحة العبارة وبقوة الصوت إنما بأمور أخرى أرادها الله وهي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
أيها الإخوة الفضلاء! أشكر الإخوة باسمكم وأطلب منكم الدعاء لهذه الأمة لدعاتها وعلمائها وطلبة العلم والصالحين حتى يحفظها الله بهم ويحفظهم بها.
أيها الإخوة! أطلب منكم دعاء بظهر الغيب لإخوانكم المسلمين المستضعفين، فقد قرأت في بعض الملاحق وعلمت من بعض العلماء أن هناك مآس في العالم الإسلامي لا يعلمها إلا الله الواحد الأحد، ففي تونس ثلاثون ألفاً من المسلمين والمسلمات في السجون يعذبون تعذيباً عظيماً لا يعلمه إلا الله، وقد أخبرني أحد العلماء من تونس وفد إلى مكة يقول: يؤتى بالمرأة فتجرد من ملابسها كهيأتها يوم خلقها الله، ثم يدار بها في الزنزانة على أخيها وأبيها وتجلد أمامهم، وهذه يقين قالها كثير من العلماء حتى وصلت إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ثلاثون ألف مسلم ومسلمة يعذبون، ويصهرون، ويضربون، ويصيحون، ويستغيثون فنحول حالهم إلى الله، ينفعهم دعاؤكم لهم في ظهر الغيب.
في الجزائر ستة آلاف وأكثر نصبت لهم خيام في الصحراء تصهرهم الشمس، ولا يُسلم لهم في اليوم إلا وجبة واحدة، وكنت مساء الأربعاء مع بعض الدعاة من دعاة البلاد وقرئت على سماحة الشيخ رسالة قرأها الشيخ سلطان الخميس من الجزائر ونحن جلوس مع سماحته وصلت إليه قالوا: يا سماحة الشيخ! يا علماء الأمة! يا دعاة الأمة! إنا نسأل الله أن يفك أسرنا، إنا نطرح مشكلتنا عليكم ثم ذكروا لنا القصص: يُؤتى بالرجل فتحلق لحيته وحاجباه، ثم يُنكل بهم تنكيلاً لا يعلمه إلا الله، ذنبهم أنهم قالوا ربنا الله وسجدوا لله، ويطلق على الطفل المسدس أمام أمه حتى تموت حزناً وهماً، والرسالة أنا لا أتخولها فبإمكان أحدكم أن يسأل سماحة الشيخ وأنا مسئول عما أقول، أنا أتكلم الآن أمام ثلاثة آلاف، كانت الرسالة مساء الأربعاء وقرئت على سماحة الشيخ فما كان منه إلا أن اهتز باكياً؛ لأنها مؤثرة، وهي دعوة للعلماء والدعاة أن يدعوا لهم، فإنهم في ضنك لا يعلمه إلا الله.
يأتي رجل مشرد ثم ينزل الجنود والجيش يحملون السلاح والدبابات ويغلقون المساجد على الناس ويقودونهم إلى السجن باسم التطرف والأصولية؛ لأنهم يريدون الله، أيُّ قلب لمسلم لا يتفاعل مع هؤلاء، ولا يعيش قضيتهم، ولا يسأل الله لهم، أين الولاء؟ والله يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] أما الكفار والمنافقون فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] أجزاء كأجزاء البهيمة، أما أولئك فولاية حب ودعاء ونصرة.
يا أيها الإخوة! مَنْ مِنَّا بكى؟ والله تصور أن أختك أو زوجتك تعيش في الزنزانة مجردة؟ تضرب ليل نهار، لكن أنا أسألكم أين قلوب هؤلاء؟ لا يرحمون، اسمعوا إذاعة لندن وصوت أمريكا وهي تصيح صباح مساء لـ تونس والجزائر: أعدمتم الإنسان، ومزقتم الإنسان لا يحق لكم هذا، وهم كفرة أصبحوا أرحم من هؤلاء -حقوق الإنسان- تصيح إليهم، وأرسلت وفداً إلى تونس والجزائر تناديهم أين حقوق الإنسان؟ ومع ذلك تجد الإنسان محترماً في أمريكا وفرنسا وبريطانيا أقولها ولو خالفني الكثير، فتأتي تلك الدول وتنادي باسم حقوق الإنسان، وترسل اللجان، وتعنف على هؤلاء ولكن يأتي هؤلاء بلا رحمة وينزلون الطوابير التي فشلت في قتال إسرائيل، أين الجيوش هذه التي لم نرها تقاتل إسرائيل؟ بلادنا في فلسطين وفي أفغانستان وفي الأندلس وفي لبنان مسلوبة، فإذا أتى قمع الدعاة وطلبة العلم والأخيار نزلت الجيوش في الشوارع تضرب وتهبد في عباد الله !
يا عباد الله! أنا لا أقول هذا إلا رجاء أن ينفعنا الله بهذا، فإنها من الميثاق فالله يقول: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
أنت لا تعيش فقط في هذه الجزيرة أنت مسلم، وكل مسلم على وجه الأرض أخوك تتألم لألمه يقول ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر﴾.
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على رباها بنينا العالم الفاني
في طيبة المصطفى روحي وا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني
النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان
وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان
اللهم يا كريم! أسألك من على هذا المنبر الكريم، في هذا الموقف الكريم، في هذا الجمع الكريم، أن تنصر المسلمين وأن تعز بهم الإسلام، اللهم إن زرع الباطل قد سنبل، وإن شوك الكفر قد حنظل، اللهم فيدٌ منك حاصدة لا تبقي له بقية، اللهم احمنا وانصرنا واهدنا وتولنا واحفظنا من كل مكروه، واجعل العاقبة لنا يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5341
بر الوالدين
بر الوالدين أعظم الجهاد وأيسره، ترفع فيه الدرجات، وتقبل من البار الدعوات، ولو أقسم على الله، فقسمه مبرور، لأن سعيه مشكور.
وعلى النقيض من هذا حذر النبي ﷺ من عقوق الوالدين الذي يمكن في أسباب ثلاثة والتي تقابلها عدة أسس لبر الوالدين، ومع هذا فإن رحمة الله واسعة، والجزاء من جنس العمل، فمن أحسن أحسن الله إليه، ومن أساء فعليه.
стр. 5342
الشباب والنوادي الصالحة
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، أنت عوذ المظلومين، أنت ناصر المهضومين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على أشرف هادي ما سالت البوادي، وما هطلت الغوادي، أشرف من تكلم في النوادي، وأجل من جاء بالنور وهو خير هادي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي وحبي والهداية
وأرفع من ربى أبها سلاماً لأهل الحق في سبك العلاية
سلام على نادي الزيتون، وعلى القائمين عليه، وعلى رأسهم فضيلة الأخ الأستاذ/ محمد بن سعيد بن ريش ومساعدوه وزملاؤه وطلابهم، سلاماً لا ينقطع إلا بدمع العين، إلى أن نلقى الله في مستقر الرحمة.
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:١ - ٦].
стр. 5343
التربية على القرآن
يا أهل نادي الزيتون! نسأل الله أن تكونوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أحوجنا إلى الإيمان وعمل الصالحات؛ لأنه ينقصنا نوادٍ تقيم الإيمان، ويَتَرادُّ في جوانبها القرآن، وتسبح بحمد الواحد الديان، نوادٍ تؤسس على (لا إله إلا الله) نوادٍ ينطلق منها أشبال الإسلام، من أحفاد خالد وسعد وطارق وصلاح الدين.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] نوادٍ تخرج شباباً يعبدون الله.
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
كن كالصحابة في علم وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يُشَيِّدون لنا مجداً أضعناه
نريد شباباً يخرجون إلى العالم ليقولوا: ها نحن عدنا من جديد، وليقول الواحد منهم: أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن صلاح الدين.
رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ
ذاكم هو النادي الذي بدأ اسمه يلمع في سماء الحق (نادي الزيتون) ليقول للناس: لقد مللنا النوادي التي أتت بالناس لتربيهم على اللهو واللعب وضياع الوقت، لا ينقصنا ضياع وقت ولا لعب ولا لهو، ولكن ينقصنا إيمان بالله الواحد الأحد، وتوحيد وقرآن واستقبال إلى القبلة.
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
فحيا الله هذا النادي يوم أَجلسَ شبلاً من أشباله يقرأ القرآن ليسمعنا القرآن، وليشرح صدورنا به، لقد ظمئت قلوبنا -والله- لكتاب الله، يوم أن شبعت من الغناء، والغيبة والنميمة، ومن الزور إلا من رحم ربك، فأسمعنا -يا شاب الإسلام- كلام الواحد العلام، لتضيء طريقنا خلف سيد الأنام ﵊.
أيا قارئ القرآن بالله قم واقرا فصوتك يجلو عن مسامعنا الوقرا
أعد ذكر بدر كي تقر عيوننا فقد صرت أنت اليوم في حفلنا بدرا
стр. 5344
بر الوالدين قصص وعبر
ثم إن هذه المحاضرة بعنوان: (بر الوالدين) قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] فلا يُعْبَد إلا الله، ولا يوحَّد إلا الله، ولا يقصد إلا الله، ولا يحب في الله إلا ما كان لله، ولا يبقى إلا وجه الله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]!
стр. 5345
قصة الثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار
وقبل أن أتحدث عن كثير من الآيات والأحاديث أسوق قصة يرويها محمد ﵊ ويتكلم بها؛ لأنه كان يربي الناس إما بضرب المثل، أو بالخطابة العارمة الجياشة التي تصل إلى القلوب، أو بالقصص الصحيحة التي تحيي الأرواح.
يقول ﵊: ﴿بينما ثلاثة آواهم المبيت إلى غار في جبل﴾.
دخل ثلاثة من بني إسرئيل في غار، وهو الكهف في الجبل، فانطبقت عليهم الصخرة، فلما أغلق الله عليهم باب الغار بهذه الصخرة، وقفوا في موقف ضيق حرج، وردوا أمرهم إلى الله، والعبد إذا ضاق فإنه لا يلتجئ إلا إلى الله الواحد الأحد، أرأيت إلى الإنسان إذا ضاقت به الحيل، فإلى مَن يلتجئ؟ قال تعالى: ﴿وإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣].
يونس بن متى في بطن الحوت يلتجئ في الظلمات الثلاث إلى الله الواحد الأحد ويقول: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
فتقطعت بهم الحيل، وانتهت بهم أسباب الدنيا، وتصرمت بهم حبال الناس، ولم يبق إلا حبل الله.
يا واهب الآمال! يا حافظ القلوب! يا مقوي حبال الطائعين بحبلك! يا مرسل الأسباب لأوليائك! انقطعت بنا الحبال.
يا واهب الآمال أنت حفظتني ومنعتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فنصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني
تباكوا في الغار، فسمعهم الواحد القهار ﴿فقال أحدهم لإخوانه: لا ينجيكم إلا عملكم الصالح فادعوا الله بأحسن أعمالكم﴾.
وهذا درس لنا؛ فإنه لا ينجي العبد من الكربات والظلمات، ولا من الأمور المدلهمات إلا تقوى رب الأرض والسماوات.
زكريا يرفع يديه يدعو الله أن يصلح زوجته، قال : ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
فلما قال لهم أخوهم: فادعوا الله بصالح أعمالكم.
تقدم الأول، فقال: ﴿اللهم إنك تعلم -ولا زال الله يعلم، فعلمه أبدي سرمدي أنه كان لي أبوان شيخان كبيران﴾ انظر إلى التصوير العجيب في الحديث الأب والأم إذا كبرا وأتاهما الهرم أصبحا في منظر بئيس، ترحمهم القلوب من الأجانب فكيف بالقريب! قال: ﴿وبلغ بي من البر أني لا أغبق عليهما أهلاً ولا مالاً﴾ لا يسقي أطفاله اللبن، ولا يقدم لأهله الطعام حتى يشبع أبوه وأمه ويروَيان، قال: ﴿ونأى بي طلب الشجر ذات يوم، فلم أرجع حتى ناما﴾ أتى هذا الرجل، وهو يرعى الغنم بعد صلاة العشاء، ثم حلب إبله وبقره، وتقدم باللبن في الإناء، فأتى وإذا بالشيخين نائمين، فقام على رأسيهما، وأطفاله يتضاغون عند أقدامه، لا يجدون مضغة، ولا يجدون من أبيهم ما يسد عوَزَهم أو جوعهم قال: ﴿فانتظرت حتى برق الفجر، ولم أقدم أطفالي على والديَّ﴾ فلما طلع الفجر استيقظ الوالدان، فسلم لهما اللبن فشربا، قال: ﴿اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه، فتزحزحت الصخرة شيئاً بسيطاً؛ لكن لا يستطيعون الخروج، وقال الثاني: اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني راودتها عن نفسها، فأبت، حتى أَلَمَّ بها قحط وفقر وجدب، فقدمت لها مائة دينار، فلما تمكنت منها، قالت: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتركتها، اللهم إن كنتَ تعلم أني تركتُ ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، ولكن لا يستطيعون الخروج، وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجراء -أي: عُمَّال- فأعطيت كلاً أجرته إلا عاملاً واحداً، ذهب مغاضباً، ولم يأخذ من أجره شيئاً، فجمعت ما له من مال، وثمرته له، فلما أتى قلت: هذا المال جميعه لك، قال: لا تستهزئ بي.
قلت: بل كل هذا لك، فأخذه ولم يبقِِ لي شيئاً، اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وخرجوا يمشون﴾.
والدرس الوحيد الذي نريده وهو الشاهد: بر الوالدين
يوم يقول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] قرن الله حقه بحق الوالدين، وجعل الله رضوانه في رضا الوالدين؛ لأنه الذي يتولى حق الوالدين.
стр. 5346
قصة الشيخ الذي شكا ابنه إلى النبي ﷺ
يجلس ﵊ في مجلس مع الصحابة، فيأتي شيخ كبير مسن عجوز، وهو يبكي، فيقول ﵊: ما لك؟ قال: يا رسول الله! أشكو إليك داهية من الدواهي -أي: معضلة من المعضلات- قال: ما لك؟ قال: ابني يا رسول الله! ربيته، سهرتُ لينام، وجعتُ ليشبع، وظمئت ليروَى، وتعبت ليرتاح، فلما كبر غمط حقي وظلمني، ولوى يدي وضربني -ذكر ذلك الزمخشري وغيره- ثم أنشد شعراً في ولده يقول:
غذوتُك مولوداً وعِلْتًك يافعاً تعلُّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململُ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تَهْمِلُ
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنتُ أؤمِّلُ
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضلُ
فليتك إذ لم ترعَ حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعلُ
فبكى ﵊، وروي أن جبريل نزل فقال: ﴿إن الملائكة بكت لبكاء هذا الشيخ﴾ ثم استدعى النبي ﷺ ابنه، فأخذ بتلابيب الابن وهزَّه، وقال: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ ليبين ﵊ أن الابن وماله لأبيه يتصرف فيه، وأنه لا يجوز أن يخرج عن طاعته، إلا إذا أمر بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 5347
أبو هريرة وبره بأمه
أبو هريرة يضرب به المثل في طاعته لوالدته، يقول: ﴿هاجرت من زهران إلى رسول الله ﵊، فلما نزلت في البيت ومعي أمي أخذت تسب رسول الله ﵊، قال: فغضبت، وذهبت إلى الرسول ﵊، وقلتُ: يا رسول الله! أمي تسبك، أسمعتني فيك ما أكره، فادعُ الله لها، فرفع ﷺ يديه، وقال: اللهم اهد أم أبي هِرٍّ، اللهم اهد أم أبي هِرٍّ قال أبو هريرة: يا رسول الله! وادعُ الله أن يحببني وإياها إلى صالح المسلمين قال: وحببهما إلى صالح عبادك﴾ وعاد فوجدها تغتسل، وطرق عليها، وإذا بها تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وعادت مهتدية إلى الله، لما كان ابنها باراً بها.
стр. 5348
من قصص التابعين في بر الوالدين
قيل لأحد الصالحين، وكان مشهوراً ببر الوالدين: ما بلغ برك بأمك؟ قال: ما مددت يدي إلى الطعام إلا بعد أن تمد يدها، وما نمت إلا بعد أن تنام، وما رقيت سطحاً وهي تحتي خوفاً من أن أعقها بأن أرتفع عليها.
وقالوا للحسن البصري: سمعنا أنك بارٌّ بأمك، فما بلغ بك من بر أمك؟ قال: ما نظرت إلى وجهها حياءً منها فكيف بمن بلغ به العقوق إلى أن يضرب والديه، أو يلعنهما؟!!
جاء في الأثر: [[من عق والده حتى بكى، فالذمة منه مقطوعة]].
وفي أثر آخر: [[من بكى منه أبوه أو أمه فقد سلخ النور عن جبينه]].
وهذه الآثار تنسب للسلف، ولا ترفع إلى الرسول ﵊.
قال جعفر الصادق لابنه: [[يا بني! لا تصاحب عاقَّ الوالدين؛ فإن الله قد غضب عليه من فوق سبع سماوات، فكيف تصاحبه؟!]].
стр. 5349
أسباب عقوق الوالدين
ولا يحدث عقوق الوالدين إلا بأسباب، أجملها في ثلاثة:
أولها: سوء التربية:
فإن الوالد مسئول عن تربية ابنه على الكتاب والسنة، والوالد الذي لا يربي ابنه على القرآن، وعلى حب الرسول ﵊، وعلى الإتيان به إلى المسجد، والمداومة على الصلوات الخمس، وعلى تقوى الله، والصدق، والوفاء، يستحق العقوق من ولده.
ثانيها: الجهل:
فعلى الوالد أن يعلِّم ابنه ولا يتركه جاهلاً، لا بد أن يعلِّمه العلم الشرعي وهو كتاب الله، وسنة الرسول ﵊.
يُروَى أن أحد العلماء جاءه رجل، فقال له: ابني ضربني، قال: تعال بابنك، فأتى به فإذا هذا الابن كبير سمين بدين كأكبر ما يكون من الرجال، فقال له: أضربتَ أباك؟ قال: نعم.
ضربتُه، قال: لِمَ ضربتَه؟ قال: وهل يحرم أن يضرب الابن أباه؟ أي: هل في الشريعة أنه لا يجوز ضرب الابن لأبيه؟ قال العالم للأب: أعلَّمتَ ابنك شيئاً من القرآن؟ قال: لا والله.
قال: أعلمتَه شيئاً من السنة؟ قال: لا والله.
قال: أعلمتَه شيئاً من آداب السلف؟ قال: لا.
قال: فماذا صنعت معه في حياته؟ قال: أطعمتُه وسقيتهُ وآويتُه حتى كَبُر، قال: تستحق أن يضربك؛ لأنه ظن أنك ثور فضربك.
فالسبب الثاني: عدم تعليم الأبناء العلم الشرعي الذي ينفعهم في الدار الآخرة، ويقربهم من الله، ولا أعني علم الثقافة، وعلم القشور، والمعلومات التي تستحوذ على الذهن ليصبح سلة مهملات، هذا ليس بعلم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
ثالثها: عق الرجل والديه؛ فالجزاء من جنس العمل، فمن بر أبويه رزقه الله أولاداً يبرونه.
أحد الناس سحبه ابنه من بيته حتى أخرجه خارج المنزل، فقال الأب لابنه: قف هنا، فوالله لقد سحبت أبي من هذا المكان حتى أوقفته في هذا المكان، وهذا الجزاء من جنس العمل.
стр. 5350
أقسام بر الوالدين
وبر الوالدين على قسمين:
بر الأم، وبر الأب.
الرسول ﵊ يأتيه رجل -والحديث متفق عليه- فقال: ﴿يا رسول الله! مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾.
قال أهل العلم: بين ﵊ أن للأم ثلاثة أرباع الحق، وللأب ربعاً من الحقوق.
ولذلك اجتهد الصالحون في برهم بأمهاتهم.
فقد مر ابن عمر ﵁ وأرضاه برجل من أهل اليمن، وقد حمل أمه على كتفيه في حرارة شمس مكة، وهو يطوف بها، وقد سال العرق على جبينه في الظهيرة، فقال: [[يا ابن عمر! أسألك بالله، أجازيتُ أمي بما قَدَّمَت لي؟ قال ابن عمر: لا والذي نفسي بيده ولا بزفرة من زفراتها]].
معنى الكلام: لَطَوافك بالبيت، وهذا الضنك والمشقة التي وجدتها لا تساوي زفرة من زفراتها، أو طلقة من طلقاتها في وقت الولادة، لا يساوي بر الابن بأمه طيلة ستين أو سبعين سنة.
خرج عمر ﵁، وأسكنه فسيح الجنات، وجمعنا به وأرانا ذاك الوجه الكريم خرج في ظلام الليل بعد صلاة العشاء يتفقد الناس، ونزل إلى خيامٍ حول المدينة وفيها فقراء من بوادي العرب، فأتى إلى خيمة، فسمع امرأة تصيح وتبكي وهي في الطلق، فوقف عند باب الخيمة، وهو يرتجف كالعصفور من شدة البرد ويبكي ﵁ وأرضاه، فقال له مولاه أسلم: [[ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: إنك لا تدري يا أسلم! ماذا تجد من ألم الولادة]] ثم ذهب ﵁ في قصة طويلة، وأتى بطعام لها، وصنع لها عشاءً، حتى قالت: والله إنك أحق من عمر بن الخطاب بالخلافة.
стр. 5351
أسس بر الوالدين
وبر الوالدين له أسس:
стр. 5352
من بر الوالدين: الدعاء لهما
أولها: أن تدعو الله لهما في أدبار الصلوات:
الدعاء العظيم، يوم أن ترفع يديك تدعو لوالديك في أدبار الصلوات وفي السجود، وتقول: (رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) (اللهم اغفر لوالدي، اللهم ارحمهما، اللهم تجاوز عنهما) يوم تقف في ظلام الليل لتدعو لأفضل مخلوقين حيين قدما لك أحسن مكرمة في الحياة الدنيا، وهو وجودك، ولذلك فليس في الإسلام ولا في الشريعة أن يُقْتَصَّ للولد من الوالد، ولو قَتَل الوالد ابنه فلا يقتل به الوالد؛ لأنه سبب لوجوده فلا يكون الولد سبباً في إعدامه؛ بل لا يجوز للولد أن يشكو أباه إلا في الميراث, ومهما تكلم عليه، أو عزَّره، أو ضربه، أو أدبه؛ فلا يجوز أن يرفع في حقه شكوى، ولا أن تسمع شكواه؛ لأنه مهما فعل فلن يجاوز ذلك خير، ولا نفع، ولا معروف أبيه و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
ويصف الرسول ﵊ الرحم ويقول -كما في الصحيحين -: ﴿لما خلق الله الرحم تعلقت بالعرش، وقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلكِ! وأقطع من قطعكِ؟ قالت: بلى يا رب! قال: فذلك لكِ﴾.
قال أبو هريرة: [[اقرأوا قوله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * =٦٠٠٤٥٦٧>أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]]].
ومن الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم من عق والديه، وقطعهما في الحياة حتى بكيا من عقوقه، فذلك نسي الله فأنساه نفسه، فيأتي يوم القيامة مبتور الحجة، مجذوم الإرادة، لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
ومن حقوق الوالدين: أن يطاعا في أي أمر أمرا به في طاعة الله، وأما إذا أمرا بالمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة، خال رسول الله ﵊، لما أسلم وشهد أن لا إله إلا الله، قالت أمه: لا آكل ولا أشرب حتى تعود من الإسلام إلى الشرك، قال: يا أماه! كلي واشربي.
قالت: قد سمعتَ، وحَلَفَتْ بلاتِها وعزَّاها ألا تأكل ولا تشرب حتى يعود، فحاورها وراودها ونازلها فرفضت، ثم قال: يا أماه! والذي نفسي بيده لو كان لك ألف نفس فخرجت نفساً نفساً على أن أعود عن دين رسول الله ﷺ طرفة عين فلن أعود، فكلي أو اتركي، فأكلت.
فأنزل الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥].
إذاً: فلا طاعة لهما في معصية الله.
قال الحسن: [[مَن أمرته أمه أن يصلي العشاء في البيت ويترك الجماعة فليعصها وليذهب إلى المسجد]].
إذاً لا طاعة للوالد في المعصية؛ لأنه قد وجد من بعض الآباء من يجبر أبناءه على المعصية، ويرفض أن يستقيم ابنه، فإن قصر الابن ثوبه على السنة قال: هذا لا يوافق، هذا ليس من زينا، هذا من التزمت، هذا من التطرف، فيرفض ابنه ومسلك ابنه، وهذا خطأ.
فطاعة الوالد في معصية الله ليست واردة، لكن يطاع في طاعة الله .
стр. 5353
من بر الوالدين: الإنفاق عليهما وقت العجز
ومن البر بهما: الانفاق عليهما وقت العجز عن النفقة:
وكثير من الآباء والأمهات اليوم لا يستطيعون الإنفاق على أنفسهم، لأن شبابهما وقوتهما وصحتهما وما آتاهما الله قد ضعفت، وعندما كبر هذا الشاب جحد حقهما في النفقة، وبلغ بمستواه هذا أخلاق اليهود والنصارى، فإن الذي يبلغ به العقوق إلى أن يحرم والديه النفقة فخلقه خلق اليهود والنصارى -والعياذ بالله- بل نفقة الوالدين واجبة على الولد على رغم أنفه، ومهما حاول أن يتمرد فإنه يجبر ويحبس حتى يؤدي النفقة إليهما.
стр. 5354
من بر الوالدين: تقديمهما على الزوج والأولاد
ومن البر لهما أن يقدم والديه على أبنائه وبناته وعلى زوجته.
فلا يقدم زوجته مهما كانت، وإن فعل فقد خان الله ورسوله، وخان دين الله وميثاقه وعهده.
إن قدم زوجته وأرضاها على حساب أمه، فهذا خائن غادر لميثاق الله ، بل يجب أن يكون رضا الوالدة مقدماً دائماً، فإن أراد أن يحلي زوجته، أو يلبسها، أو يطعمها، فبعد أن يرضي أمه، وأن يقدمها في كل الحقوق؛ فإن تنازلت وسمحت ورضيت فلا بأس أن يزيد لزوجته؛ لأنه أرضى قبلها أمه.
стр. 5355
من بر الوالدين: السكنى
قال أهل العلم: يسكنون أينما أرادوا، ولو كان في العين، فإن العين مهما ضاقت فإنها لا تضيق بالوالدين.
فمن حقوقهما: السكنى لا يسكن الولد إلا ووالداه معه؛ إلا إذا اختارا ورأيا أن المصلحة في عدم السكنى معه، لسلامة القلوب، والبعد عن الشجار والاختلاف، فلهما ذلك؛ لكن إذا أراد الوالد أو الوالدة بيتاً أو اختارا أمكنة من بيوته فيقدمان، ولهما الحق شريعة وعرفاً وميثاقاً وعهداً من الله.
стр. 5356
من بر الوالدين: الزيارة
ومن حقهما: الزيارة، فإذا كانا في بلد بعيد فبالاتصال، وطلب الرضا والسماح، وطلب الدعاء منهما.
ولكن كثيراً من الناس قد جهلوا هذه الحقوق، وتغمطوها، بل بلغ ببعضهم أن هجر أباه وأمه السنوات الطويلة في غضب، أو بلغ به العقوق أن لعن أباه أو أمه، أو ضرب أحدهما، أو خاصمهما حتى بكيا، فإذا بلغا إلى درجة الغضب الشديد الذي ينتج البكاء فقد عقهما عقوقاً كبيراً، وأصبح فعله هذا من الكبائر السبع التي ذكرها ﵊.
стр. 5357
أهمية وفضل بر الوالدين
يأتي رجل من أهل اليمن فيقول: ﴿يا رسول الله! أريد الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال: ألك والدان؟ قال: نعم.
قال: فالزمهما، فإن الجنة عند قدميهما أو رجليهما﴾ أو كما قال ﵊، والحديث عند مسلم.
وفي رواية صحيحة: ﴿ففيهما فجاهد﴾.
فخدمة الوالد والوالدة أعظم من الجهاد في سبيل الله، وقد ظهر في شبابنا من يذهب إلى الجهاد -مثلاً- في أفغانستان، ولا يستأذن والديه، ويذهب على رغم أنفهما، ويغضبهما، ويريد الأجر من الله! فهذا ليس له أجر، وليس له ثواب حتى يأذن له والداه، ويسمحا له عن طيب قلب، وراحة نفس، فإذا سمحا فله الأجر والثواب عند الله.
ولذلك يقول بعض أهل العلم: أهل الأعراف الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] هؤلاء يسكنهم الله في مكان بين الجنة والنار، ليسوا في النار ولا في الجنة، قال بعضهم: هؤلاء الذين خرجوا في سبيل الله، ولكن بغير إذن الوالدين، فليسوا في النار ولا في الجنة؛ ولكن على الأعراف.
فليعلم العبد أن بقاءه في خدمة والديه، وطاعتهما، أعظم من الجهاد وحمل السيف والبندقية، وضرب أعداء الله في سبيل الله، هذا هو الجهاد العظيم الذي يأجر الله العبد عليه يوم القيامة، ثم الجهاد في سبيل الله بعد رضا الوالدين.
جاء في صحيح مسلم أن الرسول ﵊ قال وهو على المنبر: ﴿رغِمَ أنفُ رغِمَ أنفُ رغِمُ أنفُ﴾ وفي السنن: ﴿رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: رغِمُ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه أو أحدهما في الكبر، ولم يَدْخُلِ الجنة﴾ من أدرك والديه الكبيرين أو أحدهما ولم يدخل بسببهما الجنة فأرغم الله أنفه في التراب، فهو محروم من البر والرحمة، والإحسان والحنان، والخير والتوفيق، والهداية والسداد.
стр. 5358
أويس القرني بر أمه فبر الله قسمه
وهذا أويس القَرَني، وهو من مراد، ونحن نلتقي معه، لكن لا نفتخر بذلك؛ فـ أبو لهب عم الرسول ﵊ في النار، والنسب لا يقارب ولا يباعد، يقول ﵊: ﴿يا بني هاشم! لا تأتوني بأنسابكم يوم القيامة ويأتيني الناس بأعمالهم﴾ وقال ﵊: ﴿من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه﴾ وعبد مولى قريب من الله هو حبيب الله وولي الله، فـ بلال الحبشي أتى من الحبشة، كان يباع ويشترى، فلما أسلم رفع الله ذكره في الخالدين، وأصبح له قصر في الجنة كالربابة البيضاء.
يقول ﵊ للصحابة وهو يحدثهم: ﴿سوف يقدم عليكم من أهل اليمن رجل اسمه أويس بن عامر القرني﴾ وضبط قبيلته: قَرَن.
كما قال ابن مالك:
وعدن وقرن ولا حق وشذقم وهيلة وواشق
فهي قَرَن، وليست قَرْناً.
قال النبي ﷺ : ﴿له أم هو بار بها، لو أقسم على الله لأبره، فيه كالدرهم من آثار مرض البرص، يشفع يوم القيامة لمثل قبيلة مضر حتى يدخلوا بشفاعته الجنة﴾.
وكان رجلاً فقيراً في اليمن، ليس له مال، ولا زوجة، ولا أبناء ولا بنات.
هذا الرجل قال عنه النبي ﷺ عنه للصحابة: ﴿إذا قدم عليكم فاطلبوا منه أن يستغفر الله لكم﴾ يستغفر لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم خير منه لكنها حكمة من الله! ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
فكان أبو بكر في خلافته كلما أقبل وفد من أهل اليمن سألهم، وقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا.
فتوفي أبو بكر ولم يأت أويس،
وتولى عمر ﵁ وأرضاه، فكان يسأل أهل اليمن حتى أتاه وفد الحجاج من أهل اليمن، فقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ قالوا: نعم.
يا أمير المؤمنين! عندنا رجل يَرْعى الإبل لنا في الوادي، إن كان هو الذي تقصد فهو راعي غنم، ماذا تريد من راعي الغنم؟ قال: ألَهُ والدة؟ قالوا: نعم.
قال: أهو بار بها؟ قالوا: نعم.
قال: أصابه برص فبقي في بطنه كالدرهم من آثار البرص، قالوا: نعم.
فقال للصحابة: قوموا بنا إلى أويس بن عامر فركب حماره ﵁ وأرضاه ومعه علي وجل الصحابة، وذهبوا إليه في الوادي، وهو في ضاحية من ضواحي المدينة، أتوا إليه، وقد توضأ وجعل عصاه سترة له إلى القبلة، يسجد ويركع ويدعو ويبتهل إلى الله، فانتظر عمر حتى انتهى أويس من الصلاة، فسلم عليه، وقال عمر: من أنت؟ قال: أويس بن عامر قال: ألك والدة؟ قال: نعم.
قال: اكشف عن بطنك، فكشف، فرأى عمر ﵁ كالدرهم من البرص في بطنه، فقبل عمر بطنه، وقال: استغفر لي، فبكى أويس بن عامر، وقال: سبحان الله! أستغفرُ لك وأنت أمير المؤمنين! قال: إن الرسول ﵊ قال لنا: ﴿يقدم عليكم من أهل اليمن رجل له والدة هو بها بار، لو أقسم على الله لأبره، يدخل بشفاعته مثل قبيلة مضر يوم القيامة في الجنة﴾ فقال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين!
فأخذ الصحابة يقولون: استغفر لنا استغفر لنا، وهو يدعو لهم.
ثم قال عمر: أتريد أن تقيم معي في المدينة؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتركني أحيا يوماً جائعاً ويوماً شبعاناً حتى ألقى الله.
فعاد عمر وسأل عنه في اليوم الثاني فلم يجده، وسأل رفقته فلم يجدوه، وقالوا: اختفى وذهب إلى العراق وحيداً غريباً.
غريباً من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
سكن الخرابات حتى لقي الله، وهو يشفع يوم القيامة لمثل القبيلة العربية العظيمة مضر، يدخلهم الجنة بسبب بره بأمه.
فرضي الله عن أويس، الذي استغفر لأصحاب الرسول ﵊، فقد ذهب إلى الله ببره بأمه.
وتتكرر دائماً صور الصالحين في برهم بأمهاتهم، وصدقهم مع ربهم .
وأحد الصالحين من السلف قام في خدمة أمه، فطلب منه كثير من الخلفاء أن يتولى لهم أعمالاً وإمرة، فقال: لا.
إمرتي في بيتي مع أمي، فقام على أمه، قالوا: كان يغسلها، ويلبسها ثيابها، ويصنع الطعام لها، ويكنس بيتها، حتى رأى في المنام قائلاً يقول: لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر بما فعلت مع أمك.
يروي هذا صاحب الحلية وأمثاله من أهل الرقائق والمواعظ.
فيا عباد الله! يا أبناء من آمنوا بـ (لا إله إلا الله) وصدقوا بموعود الله: ما أحوجنا لبر الوالدين، والعبد كما يقول ابن تيمية: لا بد أن يقصر مع والديه، فإن ابن تيمية شيخ الإسلام، يتحدث عن أمه، فقد كانت في بلد حَّران، وهو في بلد آخر، فقال: قد قصرت معكم في الزيارة، وفي الحقوق، والنفقة، والله لو حملتني الطيور بأجنحتها لسرنا إليكم؛ لكن العبد لا بد أن يقصر مع والديه؛ فليستغفر الله، وليدرأ بالحسنات السيئات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
فمن أغضب والديه فليدع لهما بظهر الغيب، ومن أنقص حقهما فليوفه يوماً من الأيام.
стр. 5359
أنواع البر بالوالدين
стр. 5360
من بر الوالدين تقديم القربات لهما
ومن كان عاقاً لوالديه وقد ماتا فليبرهما بعد الموت بالدعاء لهما، وبصلة قريبهما، وبالاستغفار لهما، وبقضاء دينهما،
فقد جاء في بعض الآثار: أن الرجل يموت والداه وهو عاق لهما فلا يزال يدعو لوالديه، ويستغفر لهما، ويصل قرابتهما حتى يكتبه الله في الخالدين باراً بوالديه.
وإني أوصي نفسي وإياكم يا من مات له أب أو أم: أن تقدموا لهما هدايا كل ليلة، فقد جاء في الأثر: [[ما دعا داعٍ ولا تصدق متصدق إلا أتت على أطباق من نور حتى تدفع للوالد أو الوالدة في القبر]].
وهذه آثار موقوفة على بعض السلف الصالح.
وفي صحيح مسلم: أنه ﷺ قال: ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له﴾.
فيا من فقد أحد والديه! تقدم إلى الله بالدعاء، وتصدق عن والديك، وحج عنهما واعتمر؛ فإنها تصلهما، وتكون لهما في القبر وعند الله ويثقل بهما الميزان، وكلما سجدت لله سجدة فادعُ لهما، فمهما فعلت فوالله لن توفِّ لهما الحق أبداً، وإنا لمقصرون.
ولذلك كان ﵊ إذا سئل عن أفضل الأعمال جعل بر الوالدين هو الثاني منها.
ففي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: ﴿يا رسول الله! ما أحب العمل إلى الله قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾.
فبر الوالدين هو العمل الثاني الذي يلقى به العبد ربه فيكون مأجوراً على ذلك.
وكان ﵊ يتفقد أصحابه في بر الوالدين، بل ورد في صحيح مسلم أنه ﷺ خرج ليزور قبر أمه، قال أبو هريرة: خرجنا مع رسول الله ﵊، وقد ماتت أمه وهو طفل.
كفاك باليتم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
خرج يتيماً؛ لكنه حوَّل العالم، وُلِد يتيماً مطروداً شريداً جائعاً ظامئاً على فاقة وفقر، ولكنه أصبح أجل إمام، وأعظم زعيم، وأنبل قائد، وأحسن رائد لقومه ولأمته، وأبرك من وجد على ظهر الأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ماتت أمه وهو صغير، فلما كبر ﵊ وأنزل الله عليه الوحي، قال: ﴿أين قبر أمي؟﴾ لهفة الإنسان لوالديه ولقرابته وصلة وقرب وحب وعطف، كما قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
تشوق ﵊ لأمه حناناً بها، ولذلك كما قال الأول في قرابته لما فارقوه:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم وما جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
قالوا: يا رسول الله، قبر أمك على طريق المدينة، فأخذ الصحابة وذهب بهم، فدخل المقبرة، فقام يبكي عند القبر حتى بكى الصحابة.
ثم قال: ﴿اللهم اغفر لأمي﴾ فنهاه الله أن يستغفر لها؛ لأنها ماتت على غير الملة، حتى قال ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿استأذنت ربي أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي﴾ لأن المشرك لا يُشْفَع فيه، وقد مضوا إلى ربهم ، وإنما الشاهد: حنانه ﷺ وبره بقرابته.
следующие страницы →