← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

من بر الوالدين: الزيارة ومن حقهما: الزيارة، فإذا كانا في بلد بعيد فبالاتصال، وطلب الرضا والسماح، وطلب الدعاء منهما. ولكن كثيراً من الناس قد جهلوا هذه الحقوق، وتغمطوها، بل بلغ ببعضهم أن هجر أباه وأمه السنوات الطويلة في غضب، أو بلغ به العقوق أن لعن أباه أو أمه، أو ضرب أحدهما، أو خاصمهما حتى بكيا، فإذا بلغا إلى درجة الغضب الشديد الذي ينتج البكاء فقد عقهما عقوقاً كبيراً، وأصبح فعله هذا من الكبائر السبع التي ذكرها ﵊.

стр. 5357

أهمية وفضل بر الوالدين يأتي رجل من أهل اليمن فيقول: ﴿يا رسول الله! أريد الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال: ألك والدان؟ قال: نعم. قال: فالزمهما، فإن الجنة عند قدميهما أو رجليهما﴾ أو كما قال ﵊، والحديث عند مسلم. وفي رواية صحيحة: ﴿ففيهما فجاهد﴾. فخدمة الوالد والوالدة أعظم من الجهاد في سبيل الله، وقد ظهر في شبابنا من يذهب إلى الجهاد -مثلاً- في أفغانستان، ولا يستأذن والديه، ويذهب على رغم أنفهما، ويغضبهما، ويريد الأجر من الله! فهذا ليس له أجر، وليس له ثواب حتى يأذن له والداه، ويسمحا له عن طيب قلب، وراحة نفس، فإذا سمحا فله الأجر والثواب عند الله. ولذلك يقول بعض أهل العلم: أهل الأعراف الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] هؤلاء يسكنهم الله في مكان بين الجنة والنار، ليسوا في النار ولا في الجنة، قال بعضهم: هؤلاء الذين خرجوا في سبيل الله، ولكن بغير إذن الوالدين، فليسوا في النار ولا في الجنة؛ ولكن على الأعراف. فليعلم العبد أن بقاءه في خدمة والديه، وطاعتهما، أعظم من الجهاد وحمل السيف والبندقية، وضرب أعداء الله في سبيل الله، هذا هو الجهاد العظيم الذي يأجر الله العبد عليه يوم القيامة، ثم الجهاد في سبيل الله بعد رضا الوالدين. جاء في صحيح مسلم أن الرسول ﵊ قال وهو على المنبر: ﴿رغِمَ أنفُ رغِمَ أنفُ رغِمُ أنفُ﴾ وفي السنن: ﴿رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال رغِمَ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: رغِمُ أنفُه، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه أو أحدهما في الكبر، ولم يَدْخُلِ الجنة﴾ من أدرك والديه الكبيرين أو أحدهما ولم يدخل بسببهما الجنة فأرغم الله أنفه في التراب، فهو محروم من البر والرحمة، والإحسان والحنان، والخير والتوفيق، والهداية والسداد.

стр. 5358

أويس القرني بر أمه فبر الله قسمه وهذا أويس القَرَني، وهو من مراد، ونحن نلتقي معه، لكن لا نفتخر بذلك؛ فـ أبو لهب عم الرسول ﵊ في النار، والنسب لا يقارب ولا يباعد، يقول ﵊: ﴿يا بني هاشم! لا تأتوني بأنسابكم يوم القيامة ويأتيني الناس بأعمالهم﴾ وقال ﵊: ﴿من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه﴾ وعبد مولى قريب من الله هو حبيب الله وولي الله، فـ بلال الحبشي أتى من الحبشة، كان يباع ويشترى، فلما أسلم رفع الله ذكره في الخالدين، وأصبح له قصر في الجنة كالربابة البيضاء. يقول ﵊ للصحابة وهو يحدثهم: ﴿سوف يقدم عليكم من أهل اليمن رجل اسمه أويس بن عامر القرني﴾ وضبط قبيلته: قَرَن. كما قال ابن مالك: وعدن وقرن ولا حق وشذقم وهيلة وواشق فهي قَرَن، وليست قَرْناً. قال النبي ﷺ : ﴿له أم هو بار بها، لو أقسم على الله لأبره، فيه كالدرهم من آثار مرض البرص، يشفع يوم القيامة لمثل قبيلة مضر حتى يدخلوا بشفاعته الجنة﴾. وكان رجلاً فقيراً في اليمن، ليس له مال، ولا زوجة، ولا أبناء ولا بنات. هذا الرجل قال عنه النبي ﷺ عنه للصحابة: ﴿إذا قدم عليكم فاطلبوا منه أن يستغفر الله لكم﴾ يستغفر لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم خير منه لكنها حكمة من الله! ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. فكان أبو بكر في خلافته كلما أقبل وفد من أهل اليمن سألهم، وقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا. فتوفي أبو بكر ولم يأت أويس، وتولى عمر ﵁ وأرضاه، فكان يسأل أهل اليمن حتى أتاه وفد الحجاج من أهل اليمن، فقال: أفيكم أويس بن عامر القرني؟ قالوا: نعم. يا أمير المؤمنين! عندنا رجل يَرْعى الإبل لنا في الوادي، إن كان هو الذي تقصد فهو راعي غنم، ماذا تريد من راعي الغنم؟ قال: ألَهُ والدة؟ قالوا: نعم. قال: أهو بار بها؟ قالوا: نعم. قال: أصابه برص فبقي في بطنه كالدرهم من آثار البرص، قالوا: نعم. فقال للصحابة: قوموا بنا إلى أويس بن عامر فركب حماره ﵁ وأرضاه ومعه علي وجل الصحابة، وذهبوا إليه في الوادي، وهو في ضاحية من ضواحي المدينة، أتوا إليه، وقد توضأ وجعل عصاه سترة له إلى القبلة، يسجد ويركع ويدعو ويبتهل إلى الله، فانتظر عمر حتى انتهى أويس من الصلاة، فسلم عليه، وقال عمر: من أنت؟ قال: أويس بن عامر قال: ألك والدة؟ قال: نعم. قال: اكشف عن بطنك، فكشف، فرأى عمر ﵁ كالدرهم من البرص في بطنه، فقبل عمر بطنه، وقال: استغفر لي، فبكى أويس بن عامر، وقال: سبحان الله! أستغفرُ لك وأنت أمير المؤمنين! قال: إن الرسول ﵊ قال لنا: ﴿يقدم عليكم من أهل اليمن رجل له والدة هو بها بار، لو أقسم على الله لأبره، يدخل بشفاعته مثل قبيلة مضر يوم القيامة في الجنة﴾ فقال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين! فأخذ الصحابة يقولون: استغفر لنا استغفر لنا، وهو يدعو لهم. ثم قال عمر: أتريد أن تقيم معي في المدينة؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتركني أحيا يوماً جائعاً ويوماً شبعاناً حتى ألقى الله. فعاد عمر وسأل عنه في اليوم الثاني فلم يجده، وسأل رفقته فلم يجدوه، وقالوا: اختفى وذهب إلى العراق وحيداً غريباً. غريباً من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد سكن الخرابات حتى لقي الله، وهو يشفع يوم القيامة لمثل القبيلة العربية العظيمة مضر، يدخلهم الجنة بسبب بره بأمه. فرضي الله عن أويس، الذي استغفر لأصحاب الرسول ﵊، فقد ذهب إلى الله ببره بأمه. وتتكرر دائماً صور الصالحين في برهم بأمهاتهم، وصدقهم مع ربهم . وأحد الصالحين من السلف قام في خدمة أمه، فطلب منه كثير من الخلفاء أن يتولى لهم أعمالاً وإمرة، فقال: لا. إمرتي في بيتي مع أمي، فقام على أمه، قالوا: كان يغسلها، ويلبسها ثيابها، ويصنع الطعام لها، ويكنس بيتها، حتى رأى في المنام قائلاً يقول: لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر بما فعلت مع أمك. يروي هذا صاحب الحلية وأمثاله من أهل الرقائق والمواعظ. فيا عباد الله! يا أبناء من آمنوا بـ (لا إله إلا الله) وصدقوا بموعود الله: ما أحوجنا لبر الوالدين، والعبد كما يقول ابن تيمية: لا بد أن يقصر مع والديه، فإن ابن تيمية شيخ الإسلام، يتحدث عن أمه، فقد كانت في بلد حَّران، وهو في بلد آخر، فقال: قد قصرت معكم في الزيارة، وفي الحقوق، والنفقة، والله لو حملتني الطيور بأجنحتها لسرنا إليكم؛ لكن العبد لا بد أن يقصر مع والديه؛ فليستغفر الله، وليدرأ بالحسنات السيئات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. فمن أغضب والديه فليدع لهما بظهر الغيب، ومن أنقص حقهما فليوفه يوماً من الأيام.

стр. 5359

أنواع البر بالوالدين

стр. 5360

من بر الوالدين تقديم القربات لهما ومن كان عاقاً لوالديه وقد ماتا فليبرهما بعد الموت بالدعاء لهما، وبصلة قريبهما، وبالاستغفار لهما، وبقضاء دينهما، فقد جاء في بعض الآثار: أن الرجل يموت والداه وهو عاق لهما فلا يزال يدعو لوالديه، ويستغفر لهما، ويصل قرابتهما حتى يكتبه الله في الخالدين باراً بوالديه. وإني أوصي نفسي وإياكم يا من مات له أب أو أم: أن تقدموا لهما هدايا كل ليلة، فقد جاء في الأثر: [[ما دعا داعٍ ولا تصدق متصدق إلا أتت على أطباق من نور حتى تدفع للوالد أو الوالدة في القبر]]. وهذه آثار موقوفة على بعض السلف الصالح. وفي صحيح مسلم: أنه ﷺ قال: ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له﴾. فيا من فقد أحد والديه! تقدم إلى الله بالدعاء، وتصدق عن والديك، وحج عنهما واعتمر؛ فإنها تصلهما، وتكون لهما في القبر وعند الله ويثقل بهما الميزان، وكلما سجدت لله سجدة فادعُ لهما، فمهما فعلت فوالله لن توفِّ لهما الحق أبداً، وإنا لمقصرون. ولذلك كان ﵊ إذا سئل عن أفضل الأعمال جعل بر الوالدين هو الثاني منها. ففي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: ﴿يا رسول الله! ما أحب العمل إلى الله قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾. فبر الوالدين هو العمل الثاني الذي يلقى به العبد ربه فيكون مأجوراً على ذلك. وكان ﵊ يتفقد أصحابه في بر الوالدين، بل ورد في صحيح مسلم أنه ﷺ خرج ليزور قبر أمه، قال أبو هريرة: خرجنا مع رسول الله ﵊، وقد ماتت أمه وهو طفل. كفاك باليتم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم خرج يتيماً؛ لكنه حوَّل العالم، وُلِد يتيماً مطروداً شريداً جائعاً ظامئاً على فاقة وفقر، ولكنه أصبح أجل إمام، وأعظم زعيم، وأنبل قائد، وأحسن رائد لقومه ولأمته، وأبرك من وجد على ظهر الأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ماتت أمه وهو صغير، فلما كبر ﵊ وأنزل الله عليه الوحي، قال: ﴿أين قبر أمي؟﴾ لهفة الإنسان لوالديه ولقرابته وصلة وقرب وحب وعطف، كما قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. تشوق ﵊ لأمه حناناً بها، ولذلك كما قال الأول في قرابته لما فارقوه: بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم وما جفت مآقينا نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا قالوا: يا رسول الله، قبر أمك على طريق المدينة، فأخذ الصحابة وذهب بهم، فدخل المقبرة، فقام يبكي عند القبر حتى بكى الصحابة. ثم قال: ﴿اللهم اغفر لأمي﴾ فنهاه الله أن يستغفر لها؛ لأنها ماتت على غير الملة، حتى قال ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿استأذنت ربي أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي﴾ لأن المشرك لا يُشْفَع فيه، وقد مضوا إلى ربهم ، وإنما الشاهد: حنانه ﷺ وبره بقرابته.

стр. 5361

من بر الوالدين صلة قرابتهما يأتي ﵊ بعدما فتح الطائف، يوزع الغنائم على الناس، وإذا بـ الشيماء بنت الحارث أخته من الرضاعة، أرضعته وإياها حليمةُ السعدية في بني سعد في جوار الطائف، وأخبر الناسُ هذه المرأة أنها أخت الرسول ﷺ ، فقدمت عليه، وهي عجوز كبيرة في السن، فأخذت تخترق الصفوف وعليها مظلة تظللها من الشمس، وتقول: أين رسول الله؟ فاقتربت منه ﷺ وقالت: يا رسول الله! أنا أختك من الرضاعة، فلما سمع كلمتها قام فعانقها وبكى وأجلسها مكانه، وقام يظللها من الشمس، وأخذ يقول: كيف حالكم؟ كيف أهلكم؟ كيف أطفالكم؟ ثم قال لها: ﴿الحياة حياتي، والموت موتي، أتريدين الإقامة معي أم تريدين الذهاب أمتعك إلى أهلك متاعاً حسناً؟ قالت: المتاع الحسن، فأعطاها مائة ناقة، وسألها أن تزوره، وأخذ يودعها وهو يبكي حتى اختفت عن العيون﴾ والناس يلحظون بره ﵊ لأن من يخاف موعود الله يبقى باراً بقرابته وبوالديه ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. لكن بر الوالدين لا يأتي إلا بالإيمان، وبالخوف من الواحد الديان، ويوم نربي بيوتنا على (لا إله إلا الله) ونحبب المساجد لأطفالنا، ويوم نقربهم من الله، حينها ينشئون نشأة إسلامية إيمانية ترضي الله الواحد الأحد. أما من ربى أولاده على الغناء، والتطبيل، وعلى ضياع الوقت، وقرناء السوء، والتمرد على آيات الله، فكيف يريد أن يكونوا بارين به؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. فندعو أنفسنا وإخواننا المسلمين إلى بر الوالدين، والعطف عليهما، والحنو بهما، والدعاء لهما بظهر الغيب، ومن أساء فليحسن، ومن أذنب فليستغفر، ومن قصر فليكمل، ومن كان عاقاً وقد مات والداه فليبرهما بعد موتهما؛ ليكتبه الله باراً في الخالدين.

стр. 5362

من بر الوالدين تعليمهما أمور الدين ومن أعظم البر بهما تعليمهما أمور دينهما: فإن كثيراً من الآباء والأمهات لا يعرف أحدهما الصلاة، ولا يعرف أركان الإسلام وأركان الإيمان، أو لا يعرف العلم الضروري من الشريعة، فواجبك -يا عبد الله- أن تعلم والديك، وأن ترشدهما إلى أمور الصلاة والوضوء، وأن تقربهما من الله، وأن تبعدهما مما يغضب الله؛ من شهادة الزور، والغيبة والنميمة، والاستهزاء والاستهتار، واللعن والفحش، والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإنهم أعظم من تدعوهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] و ﴿الأقربون أولى بالمعروف﴾ فدلهما على طريق الجنة، وخذ بأيديهما إلى صراط الله المستقيم، فإن من سعادة المؤمن يوم القيامة أنه إذا دخل الجنة جمع الله له قرابته إذا كانوا مسلمين. كيف يسعد الإنسان إذا دخل الجنة وهو، يقول: أين أمي؟ أين أبي؟ أين إخواني؟ أين أبنائي؟ قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] لكن بشرط أن يكونوا مسلمين، أما أبٌ مشرك وابنٌ مسلم فلا يجتعمان في الجنة، أو ابن ملحد زنديق معرض عن الله لا يجتمع مع أبيه المسلم. فيا من أراد أن يجتمع بأسرته وبقرابته وبوالديه وبأبنائه وبناته! اعمل صالحاً، وقدهم إلى الطريق المستقيم، وجنبهم المعاصي والمنكرات، عل الله أن يجمع بينك وبينهم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر. لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزادِ لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي

стр. 5363

حث الآباء على تربية الأبناء عباد الله: براً بالوالدين، وطاعةً لهما، ويا أيها الآباء! ويا أيتها الأمهات! تعلموا حتى تربوا أبناءكم على طاعة الله، وأقيمومهم على منهج الله، وأدخلوا ذكر الله في البيوت، لتنشئوا أطفالاً مستقيمين ملتزمين، مخلصين مخبتين، عل الله أن يهدينا وإياكم، وأن يقيمنا على الطريق المستقيم. والمآسي التي نسمعها -والعياذ بالله- مآسٍ تنبئ عن أن في بعض البيوت سوء تربية، فقد حدثنا رجل من رجال الأمن، أن أماً أتت إلى رجال الأمن وشكت ابنها، وقالت: ضربها سبع مرات، قال هذا الشرطي وكان مستقيماً: فما كان منا إلا أن داهمنا منزله، واقتحمنا عليه البيت، وأخرجناه، فضربناه ودسناه بأرجلنا، وكان يصيح: يا أماه أنقذيني! فكانت تقول: أعدمك الله، وقتلك الله، وغربلك الله كما غربلتني، ذق بعض ما ذقتُ. هذا رجل خلع رِبْقَةَ الهداية والتوفيق عنه، وقطع الحبل بينه وبين الله، تبلغ به الدرجة وقسوة القلب ويهودية الضمير -والعياذ بالله- إلى أن يضرب أمه هذا الضرب العنيف؛ فيصبح أذل من البهيمة، وأقل من الدابة، والعياذ بالله. فنسأل الله أن يثبتنا، ونعوذ به من الخذلان؛ فإن العبد إذا قطع ما بينه وبين الله، قطع الله ما بينه وبين والديه، وما بين قرابته والناس. اللهم ثبتنا وسددنا، واهدنا ووفقنا. ونكتفي بهذا القدر، ليكون ما بقي من وقت للأسئلة، عل الله أن ينفع ويهدي سواء السبيل. وأكرر شكري للقائمين على هذا النادي، ولكم أيها الحضور. ونسأل الله أن يجمعنا هناك في دار الكرامة، في مكان أحسن من هذا المكان وأوسع وأصفى وأرَقُّ. فلما جلسنا مجلساً طله الندى جيملاً وبستاناً من الروض دانيا أثار لنا طيبُ المكان وحسنُه مُنَىً فتمنينا فكنتَ الأمانيا اللهم اجعل أمانينا جنة عرضها السماوات والأرض، في جوارك يا رب العالمين! فقد سئمنا الحياة، حياة الهم والغم والحَزَن. فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5364

الأسئلة

стр. 5365

كيفية تعليم الوالدين الصلاة السؤال علَّمتُ والدي كيفية الصلاة مرات عديدة، ونصحته كثيراً؛ ولكن الاستجابة قليلة، فما هو توجيهكم جزاكم الله خيراً؟ الجواب أثابك الله على ما فعلتَ وسددك، وهذا هو الواجب أن تعلمه، لكن كيف علَّمتَه؟ وما هي الطريقة التي تعلمه بها كيفية الصلاة أو أي مسألة؟ إنما هي طريقة اللين والحكمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. وأحق الناس بالحكمة واللين: الوالد والوالدة، فحاذر أن تكون عنيداً في تعليمهما، فتنفُر قلوبهما، فلا يستفيدان. وعليك أن تعلِّم والدك بطريقة العمل أكثر من طريقة الكلام؛ كأن تصلي أمامه، أو تقول له: هذه الصلاة التي كان يصليها ﷺ ، وتصلي أمامه الصلاة الشرعية التي أتى بها ﷺ وصلاها. وإن لم يقبل منك فلتأتِ برجل أو بطالب علم أو بداعية فيعلمه الصلاة وكيفيتها، أو تأتي بشريط إسلامي، أو بكُتيب، أو بأي طريقة. وإذا فشلت في المرة الأولى، فحاول في الثانية، وفي الثالثة، واصبر حتى يتعلم منك وبشكل تدريجي، ولا تعلمه دفعة واحدة، فإن الرسول ﵊ كان يتدرج في التعليم فالمرة الأولى تعلمه الفاتحة، حتى يحفظها، وتستمر معه، والمرة الثانية تعلمه التحيات، والمرة الثالثة تعلمه كيفية السجود والركوع، والمرة الرابعة تعلمه السنن، والمرة الخامسة تعلمه كيفية الجلوس، وهيئة الخشوع في الصلاة. وحينها تنجح معه بإذن الله، وثوابك، وأجرك على الحي القيوم.

стр. 5366

حكم الحلف برءوس الأولاد السؤال ما حكم من حلف على رءوس أولاده؟ وهذا كثيراً ما يحدث من النساء، أرجو التوجيه في هذا؟ الجواب إن كان القصد أنه حلف على رءوس أبنائه مثل المباهلة التي فعلها ﷺ مع النصارى، أن جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين، وهذه تحدث كثيراً في الخصومات، كأن يأتي رجل يخالف رجلاً في مسألة، فيقول: تعال أباهلك على أهلي وأهلك، والعرب تفعلها، وهذا هو آخر الأيمان، ولعل السائل لا يقصد هذا، لكن للبيان: هذا كان يفعله العرب، كان الواحد منهم يأخذ أطفاله فيحلف عليهم، ويباهل الرجل الآخر، ويقول: إن كنتُ صادقاً فأبقى الله لي أبنائي وسلمهم، وإن كنتُ كاذباً فحصدهم وحشرهم وأخذهم. وهذه من يفجر فيها عقوبته كما هي سنن الله أن يموت في الحال، وإذا خرج بدوابه ثم حلف عليها ماتت، أو على مزارعه أعدمها الله ، وهذا لم يرد فيه نص فيما أعلم، إلا في المباهلة لأعداء الله . وإن كان قَصْد السائل أن الرجل أو المرأة يجمع أبناءه، ثم يحلف ويقول: على رءوس أبنائي، فهذا ليس بوارد، ولا يزيد في اليمين ولا ينقصها، وإذا حلف فبر بيمينه فأحسن، وإذا حنث، فعليه كفارة. أما اليمين الغموس، وهي التي يقتطع بها حق امرئ مسلم، فسواء حلف على رءوس أطفاله وأولاده أو لم يحلف فهذا يحاسبه الله، ولا يكلمه، ويكون عليه غضبان يوم القيامة، ولو كان على قضيب من أراك؛ لأن بعض الناس يقول: أحلف على أموال الناس وأكفِّر بإطعام عشرة مساكين، وهذا خطأ وافتراء على الله، فاليمين قسمان: يمين غموس، ويمين مكفرة. فإن حَنثَ أحدٌ في اليمين الثانية، كأن يحلف ألا يذهب إلى رجل، أو لا يأكل عنده، أو لا يركب سيارته، ثم فعل فليكفر كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين. أما إن حلف على أموال الناس، كأن يحلف على سيارة لأحد الناس، أو على قطعة أرض، أو مزرعة، أو بيت، أو ميراث، كاذباً فاجراً، فهذا لا ينظر الله إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، ويُطَوَّق بهذا الملك من سبع أرضين، يأتي بها يوم القيامة مطوقة في عنقه حتى يُفْصَل بين الناس.

стр. 5367

حكم التفضيل بين الأولاد السؤال فضيلة الشيخ! بعض الآباء يثني على أحد الأولاد ويقدمه على الآخر، فما حكم ذلك؟ الجواب هذا من سوء التربية، وقد حذر منه أهل العلم، أن يأتي الرجل فيمدح أحد أبنائه على مرأى ومسمع من الآخرين، خاصة إذا أزري بالثاني، وقال: أنت يا فلان نجيب وجيد، وذكي وفطن وعاقل، وأنت يا فلان سفيه ومعرض ومتمرد، وفيك كَيْتَ وكَيْتَ، فهذا من سوء التربية، وتؤدي إلى نتائج لا يعلمها إلا الله؛ ولذلك قال أهل العلم: يقول يعقوب لابنه في القرآن الكريم: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] فسبب الكيد: أولاً: أن يوسف أخبر إخوته بالرؤيا. ثانياً: أن إخوة يوسف احتجوا أن ﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] انظر كيف تشاور أحد عشر ابناً في ظهر الغيب، وقالوا عن أبيهم، وهو نبي من الأنبياء ﵊، قالوا: أخطأ خطأًَ بيناً، كيف يقدم يوسف علينا؟ قال بعض العلماء: كان ﵇ معصوماً، لكنه كان ينظر إلى يوسف أكثر في المجلس، ما قدمه بكسوة، ولا بطعام ولا شراب، وإنما كان ينظر إلى يوسف؛ لأنه يحبه أكثر منهم، وكان يوسف قد أوتي شطر الحُسْن في العالم، فالحسن قسمان: قسمٌ ليوسف، وقسمٌ وزَّعه اللهُ على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كان يوسف كالقمر ليلة البدر، فكان ينظر إليه يعقوب معجباً به، فقالوا في القرآن الكريم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨]. فكانت النتيجة أن قالوا في القرآن الكريم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]. قال الحسن: [[﵏ أجمعوا على العمل، وأجمعوا على التوبة قبل أن يعصوا الله فغفر الله للجميع]]. والمقصود: أن هذا الفعل من سوء التربية، ونحذر من هذا الفعل؛ لكن لك أن تذم الابن، وتعزره بكلام ليرتدع، إن كان في ذلك من التربية، كأن يكون مخلاً بالصلاة، أو ليس مثابراً على الدراسة والعلم، فلا بأس أن تسبه أمام أهله؛ لكن بشرط ألا تمدح ذاك أمامه، أو تقول: لستَ كأخيك، أو تقدمه بجائزة. فقد ورد أن الرسول ﵊ أتاه والد النعمان بن بشير وقال: ﴿يا رسول الله! نحلتُ ابني هذا مزرعة، فقال ﵊: أكل ولدك أعطيته كذلك؟ قال: لا، قال: استشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على زور﴾ فمنع ﷺ تقديم بعض الأبناء على بعض، فلا يجوز أن تقدم بعض الأبناء على بعض في جائزة، أو هدية، أو عطية، أو ملبوس، حتى تساويهم جميعاً، إلا إذا رضي أحدهم وسامح فلا بأس بذلك.

стр. 5368

العلم النافع سبب لرضوان الله السؤال فضيلة الشيخ! عندي أخت تدرس المرحلة الثانوية، ولكنها لم تستفد من علمها، لا في المحافظة على الصلاة في وقتها، ولا في تعاملها مع والدتها، إذ تعاملها معاملة لا يصح نسبتها إليها، أرجو التوجيه حول ذلك؛ لأنني -إن شاء الله- سوف أسمعها المحاضرة عن طريق الشريط، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب نعوذ بالله من علم لا ينفع، والعلم الذي لا ينفع هو الذي يُحْفَظ ثم يُعْرِض صاحبه عن ذكر الله ، وعن إقامة الفرائض، وأوامر الله، وينسى حدوده. وهذه الفتاة ندعوها إلى الهداية؛ أن تعود إلى سنة الرسول ﵊، وأن تتقي الله في والدتها، وتتقي الله في نفسها أولاً، وأن تطيع ربها، فإن دراستها لا تنفعها بل تبعدها وتغضب الله عليها، فأول ما فعلت أنها تهاونت بالصلاة، وتركت كثيراً من فرائض الله عليها، فهذا علامة الخذلان، وهي بهذا العمل تشهد على نفسها بالفجور -والعياذ بالله- وما سبب ذلك إلا الخذلان، يوم أعرضت عن منهج الله، أو أن هناك وسائل تربت عليها من فيديو مُهَدِّم، أو مسلسلات مخربة، أو أغنية ماجنة، أو مجلات خليعة، أو اتخذت أخداناً -والعياذ بالله- بظهر الغيب، فهذا كله من الخذلان، والإعراض عن منهج الله. فيا أيتها الشابة المسلمة! ويا كل مسلمة! إن العلم النافع هو الذي يقودك إلى رضوان الله، قال الله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. يقول ﵊: ﴿إذا أطاعت المرأة ربها، وأطاعت زوجها، وصلت خمسها، وصامت شهرها، دخلت جنة ربها﴾. فالعلم المطلوب للمرأة هو العلم الذي يوصلها إلى رضوان الله، فتكون طائعة لوالديها، متحجبة، تحفظ سمعها وبصرها وفرجها، لا تتخذ أخداناً، ولا تستمع غناءً، ولا تطالع مجلات خليعة، ولا تكون مضيعة لحقوق الله، حينها يرضى الله عنها، أما إذا عاشت الفتاة على هذا الحال فنعوذ بالله من مصير سوف تنقلب إليه، ومن حياة سوف تشرف عليها، ومن تعاسة سوف تنتظرها، فإن من تعثر في طريق الهداية عثر الله حياته حتى يلقى الله وهو مخذول، ومن أعرض عن الهداية سلب الله إرادتَه ورشده، حتى يعيش وكأنه مجنون والعياذ بالله ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].

стр. 5369

حرمة لبس السراويل القصيرة أو النظر إلى من يلبسها السؤال فضيلة الشيخ! ما حكم اللعب بالكرة مع لبس السراويل القصيرة التي لا تستر العورة؟ وما حكم النظر إلى من يلعبون بتلك السراويل؟ الجواب صح عنه ﷺ من حديث جُرْهَد أنه قال: ﴿غَطِّ فخذك فإن الفخذ عورة﴾ وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فلا يجوز له كشفها، واللباس الذي لا يصل إلى الركبة فليس بلباس شرعي، ولو أن فيها فتيا ضعيفة من بعض الناس، لكن الصحيح أن الفخذ عورة، وعلى شباب المسلمين إذا لعبوا الكرة أن يغطوا أفخاذهم من السرة إلى الركبة بساتر، ولا يجوز النظر إلى من لم يفعل ذلك، أو مشاركته في اللعب، أو النظر إليهم أبداً، فقد عصوا الله بهذا الفعل، وقد بُيِّنَ هذا في أكثر من فُتيا وأكثر من مناسبة. ومن مآسي بعض الأندية: أنهم يجعلون وقت اللعب وقت الصلاة، وهذه سيئة كبرى -والعياذ بالله- ومن مآسيهم أيضاً: أنهم يوالون عليها ويعادون؛ فيصرفون الحب والبغض لأجل الأندية، فيحبون على حساب هذا النادي ويبغضون، حتى بلغ ببعض الناس ممن سمعنا من الثقات أنه طلق زوجته؛ لأنها تشجع فريقاً، وهو يشجع فريقاً آخر، وهذا صحيح، بعد أن انتصر فريقها ومنتخبها الذي تحبه أكثر من الله ورسوله، قالت: ذُقْ يا فلان! انهزم فريقك. قال: ذوقي أنتِِ يا عدوة الله! فأخذت ترد عليه ويرد عليها، حتى طلقها بالثلاث، وهذه نتيجة خواء القلوب من الإيمان، وعدم استقبالهم وطاعتهم للواحد الديان، وشرورهم عن منهج الله الذي أنزله للناس، وإلا فحياة تبنى على هذا، إنما هي كحياة البهائم ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].

стр. 5370

حكم مصافحة النساء السؤال عندي مشكلة وهي مصافحة النساء ولا سيما الكبار في السن، فإذا امتنعت قالوا: هذا متشدد، ويقولون: القلوب نظيفة، والإيمان في القلب، فما حكم الشرع في ذلك؟ الجواب مصافحة النساء الأجنبيات ليس بجائز ولا بوارد، والرسول ﵊ لم يصافح في حياته امَرْأة لم تحل له، بل لم يمس يدها، وكان ﷺ -كما في السِّيَر بأسانيد جيدة- يبايع النساء، فمدت هند يدها، لتصافح بها الرسول ﵊، فرفض ﷺ وامتنع وقال: ﴿ما هذه اليد التي كأنها يد سبع﴾ لأنها ما كانت تختضب، ولا تأخذ من أظفارها، وهذه لها مناسبة أخرى. إنما المقصود: قالت عائشة: ﴿ما مست يد الرسول ﷺ يد امرأة لا تحل له﴾. فمصافحةُ الأجنببات منكر، وهذه عادة سيئة جاهلية، ما أنزلها الله في كتابه، ولا رسوله ﵊. أما قول الأخ السائل: قلوبهم نظيفة، فلا والله! لو كانت نظيفة لاتبعت الكتاب والسنة، لكنها سيئة ومظلمة، ومتأخرة، ومعارضة لكتاب الله ولسنة الرسول ﷺ . وبقي هؤلاء على قلوبهم النظيفة إلى أن أتت فاحشة الزنى -والعياذ بالله- والفاحشة الكبرى، والله يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] يقال لبعض الناس: حجبوا نساءكم، لا يجوز للضيف الأجنبي أن يجلس مع المرأة الأجنبية، فيقولون: قلوبنا نظيفة، قلنا: بل مظلمة ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] كيف يكون شيءٌ يخالف منهج الله ويكون نظيفاً؟! بل هو سيئ ووسخ والعياذ بالله. إذا علم هذا؛ فالحذار الحذار من اختلاط الأجانب بالأجنبيات، وقد وجد أن بعض الناس يخرجون في رحلات جماعية، فيجلس الرجال والنساء سوياً في مقعد واحد وتحت شجرة، ويتحدثون ويتمازحون، وينظر هذا لزوجة هذا وهذا لزوجة ذاك، وهذا مُنْكَر، وليس من سنة الرسول ﵊ وهو محاربة لشريعة الله، وفي بعض البيوت ينظر الأخ لزوجة أخيه، ويأخذ الشاي منها، ويجلس معها، ويتحدث معها، ويأكل معها، ويذهب أخوه ويسافر، ويدعهما في المنزل ليس معها أحد، وربما سافر معها في السيارة، أو أوصلها إلى المستشفى، وقد أتت منها -والعياذ بالله- نتائج وخيمة، من فاحشة كبرى، وأمور تغضب الله ، فحكم الله لا بد أن يمتثل، ولا تقدم العادات والتقاليد بحجة أنهم نِظَاف القلوب، فلم تأتِ الجاهلية والمنكرات -والعياذ بالله- إلا من هذه الأفاعيل. ومنهج الله هو المقدم.

стр. 5371

بر الوالدين متعلق برضاهما السؤال ما رأي فضيلتكم في الذي ينام أو يسكن في الدور العلوي وأمه في الدور الأرضي؟ الجواب إذا كانت أمه راضية، وطلب منها واستسمحها، وكانت رغبتها في الدور الأرضي فنعم؛ لأن بعض الأمهات تكون كبيرة ولا تستطيع الصعود إلى الدور العلوي، فتكون -مثلاً- في الستين أو المائة من عمرها، أو لا ترى ولا تبصر، فالأحسن لها أن تكون في الدور الأرضي دائماً، فإذا طلبت ذلك وسامحت ورضيت فله ذلك. وبعض الناس يتصور أن بر الوالدة أن تكون ساكنة معه، وهذا ليس بصحيح، بل قد تكون معه في الغرفة التي ينام فيها، وهو عاق لها، وقد تكون في مدينة وهو في مدينة وهو بارٌّ بها، لأن البر هو إرضاؤها، فلا يتصور إنسان أنه إذا سكنت أمه معه في بيته فإنه قد أبرها، بل قد يضربها في الصباح والمساء فيعقها، وقد تكون بعيدة عنه وهو بار بها، وهي راضية؛ فالرضا هو المطلوب. وإذا سامحت وجوزت فلا بأس بذلك، حتى ولو قدم زوجته في بعض الأمور إذا سامحت أمه، كأن يسافر بزوجته أو يزيدها من الحلي، أو الملابس، أو السكنى، فإن قالت: عفا الله عنك ورضيتُ وسامحتُ، فهو مأجور ومشكور، وقد فعل الخير والأصوب.

стр. 5372

واجب الأبناء تجاه خصومة الأبوين السؤال كثيراً ما تحصل مشاجرة بين والديَّ على أتفه الأسباب، وكثيراً ما أحار في الإصلاح بينهما، فبم تنصحني جزاك الله خيراً؟ الجواب أنصحك أن تلزم الحياد، وألا تتدخل، وأن تبقى بعيداً، وإذا ارتفعت شرارة الوقود والحرب فقف ليناً وداعياً إلى الهدوء والسكينة، وتهدئ الأمر؛ لأنك إذا وقفت بصف الأم عققت الوالد، وإذا وقفت بصف الوالد عققت الأم، إلا إذا بلغت الأمور مبالغها، كأن ترى الوالد يضرب الأم فلك أن تأخذ بيده من باب الإصلاح، لا من باب القيام في جانب الأم؛ لأن هذا يُحدث عند الأب والعياذ بالله عقوقاً، وربما يأخذ عليك، ويتصور منك العداء له، فعليك أن تلزم الحياد، وأن تكون بجانب الإصلاح دائماً وأبداً، وأن تهدئ من الوضع، وألا تتدخل في الشئون الخاصة، وليس كلما سمعتهم في مسألة تتدخل ما نتيجة المسألة؟ ما سببها؟ لماذا؟ هذا ليس مطلوباً منك، ولكن الإصلاح هو المطلوب، والحياد أن تكون من دول عدم الانحياز.

стр. 5373

حكم أداء الحج والعمرة عن الأبوين وهما أحياء السؤال فضيلة الشيخ! هل يجوز لي أن أعتمر لوالدتي وهي لا تزال حية؟ الجواب إذا كانت الوالدة لا تستطيع، وأصبحت عجوزاً كبيرة مسنة، أو مريضة؛ فلك أن تعتمر عنها، ولو كانت على قيد الحياة؛ لأن الخثعمية كما في الصحيحين قالت: ﴿يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، أفأحج عن أبي؟ قال: نعم. حجي عن أبيك واعتمري﴾ وهو حي. والجهنية سألت عن أمها، فأجازها ﷺ . فتحج بشرط ألا تستطيع، أما أن تكون قوية ومستطيعة وقادرة فلا؛ بل تذهب معك.

стр. 5374

جواز طلب الإمامة لا سيما إذا كان فيها إرضاء للوالدين السؤال شيخنا! إن والديَّ يريدان أن أكون إماماً بأحد المساجد كي يستفيدا من راتبي، فهل أطيعهما في ذلك؟ الجواب أطعهما في ذلك بشرط أن تكون نيتك لوجه الله ، وألا تكون الإمامة من أجل هذا الراتب، ويكون مقصدك من أجل أن تنفع المسلمين، وأن تكون إماماً؛ لأن الإمامة في الإسلام مطلوبة، قال الله : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] وقال عثمان بن أبي العاص فيما صح عنه: ﴿يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم﴾. فاطلب الإمامة، واقصد بها وجه الله، وخذ هذا الراتب الذي يصرف من الأوقاف؛ بشرط أن تداوم على الفرائض في المسجد، وأعطه والديك، فتكون باراً من جهتين: أنك أحسنت لنفسك فكنت إماماً، وكنت متبوعاً ومقتدىً بك في الخير، وبررت والديك لأنهما قد يحتاجان للمال، وليس عندك وظيفة، ولا عندهم دخل، فأحسن إليهما بهذا الفعل، والله يأجرك.

стр. 5375

لا يسأل بوجه الله إلا الجنة السؤال كثيراً ما يسأل والدي بوجه الله، فما حكم ذلك؟ الجواب يقول ﵊: ﴿لا يُسْأل بوجه الله إلا الجنة﴾ فحذار حذار من التبذل بهذه الكلمة، وجه الله عظيم، وعزيز، وكبير، وكريم، ومن يفعل هذا فقد أخطأ وأساء وارتكب ذنباً، وعليه أن يستغفر، وهذه العادة منتشرة بين الناس؛ أنهم يدعون بوجه الله عند العزومة والدعوات والأمور التافهة، وهذا من قلة الورع، وقلة التقوى والعياذ بالله! وهو من عدم احترام حدود الله وحرماته وشعائره. فوجه الله عظيم، لا يُسْأل به إلا الجنة ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].

стр. 5376

حال أهل الأعراف السؤال لقد ذكرت في محاضرتك أن رجالاً يسكنون بين الجنة والنار، فهل هم منعمون بخيرات الجنة؟ الجواب ذكر أهل التفسير في هؤلاء الرجال أقوالاً منها: أنهم أناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فأنزلهم الله في الأعراف، لكن لا بد لهم من دخول الجنة فيما بعد؛ لأنهم من الموحدين، ومنتهى الموحد ولو دَخَل النار أن يُدْخَل الجنة. وقال بعضهم: هم الشهداء الذين لم يستأذنوا والدِيهم قيل: وأهل الأعراف مُنَعَّمُون، لكن قيل: إنهم في جبال تشبه جبال الدنيا، وشجر الدنيا، ومثل ماء الدنيا، ودور الدنيا، وهذه ليست كالجنة، فإن موضع السوط الواحد فيها يعادل الدنيا وما فيها. وأقل أهل الجنة منزلة يملك عشرة أمثال ملك في الدنيا، قصره في الجنة كالربابة البيضاء، أي: كالسحابة، يركب هو وأهله في القصر، فيمشي بهم في سماء الجنة، من قصر إلى قصر، وكل هذه الأراضي التي يجتازها ملك له، وهو من أقلهم منزلة. الخيمة الواحدة طولها في السماء ستون ميلاً، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. والشجرة الواحدة في الجنة لا يقطعها الراكب على الفرس المُجِدِّ إلا في مائة عام. وهم فيها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون ولا ينامون، ولا يهتمون ولا يحزنون ولا يغتمون، قلوبهم على قلب رجل واحد، خلا من الحقد والحسد، نزع الله الحقد والحسد يوم دخلوا الجنة، وجوههم كالقمر ليلة أربعة عشر. ولباسهم الإستبرق والحرير، وأساورهم الذهب والفضة كما وصف الله، ومهما وصف الواصفون فلن يبلغوا حقيقتها، نسأل الله رحمته وأن يدخلنا جنته.

стр. 5377

يجب طاعة الأم مهما كانت الأسباب السؤال فضيلة الشيخ! أنا شاب متزوج، ومقر عملي بعيد عن القرية التي أسكنها بحوالي (٥٠٠) كيلومتر، وبعد مضي ستة أشهر من زواجي أردتُ أن أذهب بزوجتي إلى المدينة التي فيها عملي، فرَفَضَت والدتي، وأصْرَرْتُ على السفر بزوجتي، فبكت أمي وأخذت تسبني، فماذا أفعل بأمي، حيث أنها غضبانة، وقد ذهبت بزوجتي؟ الجواب لقد أخطأت بهذا العمل، وعصيت الله عندما أبكيت أمك، وجرحت شعورها، وكسرت قلبها، فأنت بالخيار: إما أن توافقك أمك بالذهاب معك ومع زوجتك؛ لتقوم ببرها وخدمتها، فلك ذلك، وإما أن تُبقِي زوجتك مع أمك، وهذا هو المفروض عليك. ولا تفعل ما فعلتَ من الخطأ، واستغفر الله وتب إليه، وخير أمك بأحد الأمرين: الذهاب معك، أو أن تبقى زوجتك معها في القرية أو المكان الذي تسكن فيه.

стр. 5378

حكم قول الأشعار التي فيها ذكر الحروب بين القبائل السؤال فضيلة الشيخ! والدي وبعض كبار السن كثيراً ما نسمع منهم بعض الأخبار عن الحروب التي حدثت في الماضي القريب، ونراهم يمجدون فلاناً؛ لأنه قتل فلاناً من الناس، ويكيلون المدح له، نرجو أن توضح في هذا الأمر توضيحاً كاملاً؟ الجواب ذكر الحروب التي جرت من قبل عشرات السنوات فيما يسمى بالجاهلية عند الآباء والأجداد، هذه عصبية جاهلية، وهم ما فتحوا بها بدراً، ولا أحد ولا حنيناً ولا حضروا القادسية، ولا اليرموك، كلها قتل للشيطان ومن أجل الشيطان والجاهلية، والرسول ﷺ يقول: ﴿إذا بليتم فاستتروا﴾ فليس ذاك بمدح أيتمدح على الناس بقتل المسلمين؟! فليستتر ويسأل الله عفوه ورضوانه كيف يمدح قبيلته على أنها هاجمت القبيلة الأخرى المسلمة؟! هذه والله وصمة عار، وهذا عيب لا يُعْرض في المجالس، بل يُتابُ ويُسْتَغْفَر منه. أما أن فلاناً ذبح الناس فما ذبح اليهود ولا النصارى ولا الشيوعيين، بل ذبح إخوانه المسلمين، وهذه كبيرة عظيمة. وبعض الآباء يذكرون السرقة أو الزنا -والعياذ بالله- أو القتل، وهذا ليس من منهج الإسلام تجاه العصاة، بل هم من المجاهرين. فعلى العبد إذا أذنب أن يستغفر، ويتوب، ويستتر، ولا يخبر الناس بما فعل؛ عَلَّ الله أن يتوب عليه؛ فإن الله يغفر لكل الناس إلا المجاهرين، أما أن يذكر قبيلة ذبحت قبيلة أخرى؛ فهذا ليس بمجد ولا فخر، وإنني أُنَدِّد مِن هذا المكان بالشعراء النَّبَطِيِّين، هؤلاء القَبَليون الجاهليون الذين يمدحون القبيلة أنها صبَّحت القبيلة الفلانية، وذبحت منهم وأخذت هؤلاء جهلة سفهاء، والواجب أن يؤخذ على أيديهم، وإذا حوكموا إلى القضاة يُعَزَّرون تعزيراً بالغاًَ، ويجلدون، ويوقفون عند حدودهم، ويحبسون؛ لأنهم حاربوا شرع الله وكتابه وسنة رسوله ﷺ . كان الجدير بالشاعر من هؤلاء الشعراء أن يمدح الإسلام، أو يذكر الجنة والنار، أو يتحدث عن الآداب والأخلاق الإسلامية، ويسب الكفار، أَمَّا أن يواشي بين القبائل ويعادي بينها، فهذا عدو لله، وقد عصى الله بفعله هذا. فعلى العبد أن يتوب ويستغفر، لكن لا بأس أن تتحدث عن أخبار الجاهلية، مثل: الجوع والفقر الذي مر بالناس؛ لأن هذا من ذكر نعمة الله الموجودة، ومن ذكر ما كان عليه الناس؛ لينشط الشباب لذلك، ويحمدوا الله على هذه النعم.

стр. 5379

حرمة المسجد السؤال من عادات الناس في بلدتنا أن يتقدم المتزوج أو قريبه يوم الجمعة في المسجد بعد أن يسلم الإمام ويقول: عندنا زواج يوم كذا، ويدعو الناس، فهل يجوز دعوة الزواج في المسجد؟ الجواب ليس للإنسان أن يتحدث بزواج في المسجد، قياساً على حديث إنشاد الضالة، والرسول ﵊ صح عنه أنه قال: ﴿من سمعتموه في المسجد ينشد ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك﴾ وورد حديثٌ عند الحاكم بسند صحيح: ﴿ومن سمعتموه يبتاع ويشتري في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك﴾ ولا تقام الحدود في المسجد، وهذا مثل أن يحول المسجد إلى عزائم، فكل ذلك لا يجوز. لكن للإنسان أن يقول في المسجد: يا جماعة، أو يا إخوان! نريدكم في كلمة، ثم لا يتكلم حتى يخرجوا خارج المسجد، أو يخرج هو وينتظرهم ويجمعهم خارج المسجد فيكلمهم. ثم هناك ظاهرة لا تجوز: وهي أن يقوم إنسان فيشكو من رجل، أو يقول: يا جماعة الخير! إني سادعو على فلانٍ الذي ظلمني فأمنوا، هذا من فعل الجاهلية، ولا يجوز أن يُدعى معه، ولا يؤمن على دعائه؛ لأنه أتى بفعل بدعي ما أنزل الله به من سلطان، وهو يدعو على المسلمين بفعله هذا، فهو ولو جَارَ عليه أخوه المسلم فهو مسلم؛ لكن لا يوافَق، بل يؤخذ على يديه، أو يشكو إلى بعض الناس، أو يقول: سيارتي سرقت، أو بيتي سرق، فلا يجوز التشكي إليهم إلا إذا خرجوا خارج المسجد.

стр. 5380

لا يبنى المسجد إلا على أرض طاهرة السؤال مجموعة من البيوت لا يوجد حولها مكان لإقامة مسجد، وعند أحد هؤلاء مكان تقف فيه السيارات تحته بيارة، هل يجوز بناء المسجد على هذا المكان؟ الجواب لا يجوز بناء المسجد على البيارة مباشرة؛ لأنها أكيد ومُتَيَقَّنٌ أنها نجسة، فعليه أن يبحث عن مكان آخر، أو ينضح ما بهذا المكان ويطهره وينظفه إذا اضطر إليه، أو يحول ماء هذه البيارة إلى مكان آخر، فإن أصبح المكان طاهراً وطيباً فلا بأس. أنا أقول: هذا هو الرأي الراجح والصحيح، ولو أن بعض أهل العلم قالوا: إذا بُنِيَ على هذا المكان فقد أصبح مرتفعاً دوراً ثانياً فلا بأس؛ لأن الحسن البصري يقول في صحيح البخاري: [[لا بأس أن يُصَلَّى على القناطر التي يَمُر من تحتها ماءٌ نجس]] فقاسوا على ذلك البيارات؛ لكن أقول: الأحوط والأحسن والأقرب ألا يفعل ذلك، وليبحث عن مكان آخر أطهر؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5381

أسئلة يجيب عليها رسول الله عرض الشيخ مجموعة من الأسئلة التي أجاب عليها النبي ﷺ , وهي أسئلة متنوعة في أبواب متفرقة, وقد كانت إجابات النبي ﷺ لأصحابه مرة على قدر السؤال، ومرة زيادة عن قدر السؤال، ومرة مخالفة للسؤال وذلك للتنبيه على ما هو الأفضل، والأولى أن يسأل عنه.

стр. 5382

تخريج بعض الأحاديث النبوية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. عنوان هذا الدرس: أسئلة يجيب عليها رسول الله ﷺ . وحسبك به فصاحةً ونبلاً وفهماً وتقوى، ولكن قبل ذلك أقول: حضرنا مجلساً عذباً طرياً بذكر الله يزهو بالأحبة فذكَّرنا بصحب رسول ربي فقلنا حيِّه ربي وصحبه هنا أحاديث عرضت يطلب الإجابة عليها.

стр. 5383

حديث: (قل الحق ولو كان مراً) السؤال حديث: ﴿قل الحق ولو كان مراً﴾ من رواه؟ ومن خرجه؟ وما درجته؟ الجواب رواه من الصحابة أبو ذر، وخرَّجه ابن حبان، وهو صحيح.

стр. 5384

حديث: (أول الوقت رضوان الله) السؤال حديث: ﴿أول الوقت رضوان الله, وأوسطه رحمة الله, وآخره عفو الله﴾ من خرَّجه؟ وهل هو صحيح أم لا؟ الجواب هذا الحديث رواه الدارقطني بسند ضعيف, بل واهٍ جداً عن أبي محذورة , وفي سنده يعقوب بن الوليد المدني، قال عنه الإمام أحمد: من الكذابين الكبار، أي: وزنه كبير في الكذب. وقال أبو حاتم: جبل في الكذب.

стр. 5385

حديث: (لا يُؤمَّن أعرابي مهاجراً) السؤال حديث: ﴿لا يَؤمَّن أعرابي مهاجراً, ولا فاجر مؤمناً, ولا امرأة رجلاً﴾ من رواه، وما مدى صحته؟ الجواب رواه ابن ماجة بسند ضعيف فيه عبد الله بن محمد العدوي ضعيف، وفيه غيره من الضعفاء.

стр. 5386

حديث: (أحلت لنا ميتتان) السؤال حديث: ﴿أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالطحال والكبد، وأما الدمان: فالحوت والجراد﴾ من رواه؟ الجواب هذا الحديث رواه ابن ماجة بسند فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. فالحديث ضعيف. لكنه مرفوع حكماً، وهو من كلام ابن عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 5387

حديث: (إتقان العمل) السؤال حديث: ﴿إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه﴾ ما صحة سنده؟ الجواب رواه البيهقي في الشعب بسند حسن عن عائشة، وله رواية أخرى حسنة. والآن نترك الحديث إلى صاحب الحديث, والكلام إلى صاحب الكلام, والنطق إلى صاحب النطق. إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا فعليه الصلاة والسلام ما صدح البلبل على الشجر, وما هتف الغرنوق على المدر, وما هطل المطر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5388

أقسام الأجوبة عند العرب الأسئلة عرضت في القرآن وأجاب الله عنها والعرب تقول: الأجوبة ثلاثة أقسام: جواب الحكيم، وجواب المطابق، وجواب المستهتر. الإجابات ثلاثة أقسام: حكيم يجيبك بحكمة، وحكيم يجيبك بمطابقة، ومستهتر. فأما جواب الحكيم فهو: أن تسأل عن شيء فيترك سؤالك ويأتي بجواب لسؤال آخر. وأما المطابق فهو: أن يعطيك على قدر ما سألت. وأما المستهتر فهو: أن يترك سؤالك, ويهزأ بك ويسخر. وسوف آتي بأمثلة على ذلك: أما جواب الحكيم، فكقوله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] السؤال من الكفار سؤال سخيف تافه، ومعناه: يسألونك كيف يبدو الهلال صغيراً ثم يكبر ثم يصغر؟ وهل الرسول ﵊ مشغول بالأهلة. لماذا يكبر الهلال ثم يصغر؟! هذا سؤال سخيف. فترك الله الإجابة على هذا السؤال وأجابهم على سؤال آخر، إذ كان من الأولى أن يكون السؤال ما فائدة الأهلة؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فأخبرهم بجواب لسؤال ما سألوه، ولسان الحال يقول: لماذا ما سألتم هذا السؤال المفيد, وتركتم هذا السؤال الخائب خيبة وجوهكم السود سواد مبادئكم؟! هذا جواب الحكيم. أما جواب المطابق؛ فكقوله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة:٢٢٢] يسألونك عن المحيض أهو طاهر أم نجس؟ فأجابهم بالمطابقة. أما جواب المستهتر: فهو كثير في كلام العرب، وقد ذكر الذهبي أمثلة على ذلك مثل الأعمش -المحدث الكبير راوية البخاري ومسلم فقد كان يمزح كثيراً، سأله رجل عن الصلاة وراء الحائك هل تجوز أم لا؟ قال: نعم. تجوز بلا وضوء! قال: وهل تقبل شهادته؟ قال: نعم تقبل مع شاهدي عدل! ودخل رجل من بني هاشم على أحد الخلفاء فقال له الخليفة -يريد أن يستهزئ بالهاشمي-: أين عمك أبو لهب؟ قال: على يسارك إذا دخلت النار. يقول: إذا دخلت النار خذ يسارك تجد غرفةً هناك جاهزة للاستقبال مكتوب عليها غرفة أبي لهب ممنوع الدخول. وقالت امرأة للمأمون: ثبتَّك الله! قال: وإياكِ فثبت! فلما خرجت قال المأمون: أتدرون ماذا قالت هذه المرأة؟ قالوا: لا. قال: أنا قتلت ولدها وهي تقول: ثبتك الله، أي على خشبةٍ مصلوباً، فأنا أقول: وإياها فثبت الله على خشبةٍ مصلوبة. وقال رجل للمعتضد: ثبتك الله! قال: على صدرك! وأمثلة هذه الأجوبة كثير في الأدب العربي، ولكن تعال إلى أجوبته ﵊.

стр. 5389

من أجوبة الرسول ﷺ لأسئلة أصحابه وأجوبته ﷺ على ثلاثة أقسام: إما أن يجيب بأكثر من السؤال, مثل: الحديث الصحيح: سأله رجل عن ماء البحر يقول: ﴿يا رسول الله! إنا نركب البحر وليس معنا إلا الماء القليل, فإن توضأنا به عطشنا؛ أنتوضأ بماء البحر؟ فقال ﵊: هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ رواه الخمسة وغيرهم. فزاده جواباً على سؤال ما سأله، وهذا من أحسن الأجوبة أن تزيد السائل؛ لأنه خفي على السائل الماء، فمن بابٍ أولى أن يخفي عليه الطعام. وكان له ﵊ أسلوب آخر, كأن يسأل أو يجيب عن سؤال ما وقع من باب سؤال الحكيم. يقول له سائل -في الصحيحين -: يا رسول الله! ما يلبس المحرم؟ -أي: الرجل إذا أراد أن يحرم ما يلبس؟ - فأتى ﷺ فترك سؤاله، وأتى بأمور يحصرها؛ لأن ما يلبس المحرم لا ينحصر, فقال: ﴿لا يلبس المحرم القميص, ولا العمامة, ولا البرنس, ولا ثوباً مسه ورس أو زعفران، ولا يلبس الخفين إلا ألاَّ يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين﴾. وكان ﵊ يسأل أحياناً فيقول: (نعم). فقط، أو يقول: (لا) فقط, وربما سُئِلَ ﷺ فلا يجيب، بل يسكت، فيعيد السائل فيسكت، فيعيد فيسكت ﵊ لمصلحة. وقد عرض عليه أكثر من خمسمائة سؤال في حياته ﵊ في العقيدة والقدر والطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والرضاع والنكاح والبيع والحدود والجنايات, والأدب, وغيرها من شئون الحياة. وسأله الملوك, وأبناء الملوك, والأعراب, والأطفال, والنساء، والفقراء، والأغنياء, فأجاب على كل سؤال على حدة. وسألته النساء عن الحيض, والطهارة والجماع والجنابة والغسل، فأفتى. هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله وكان فصيحاً ﵊، ما تلعثم في كلمة، وما شك في حرف، بل كان يأتي بالكلام فصيحاً؛ فهو أفصح من نطق بالضاد.

стр. 5390

إجابته عن رؤية المؤمنين لربهم سُئِلَ عن رؤية المؤمنين لربهم ﵎ يوم العرض الأكبر؟ فقال: ﴿هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا. قال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته﴾ متفق عليه، أو كما قال ﵊.

стр. 5391

إجابته عن القَدَر سُئِلَ ﵊ عن القدر، يقول أحد الصحابة: يا رسول الله! أنعمل في شيء انتهى وقضي أم نعمل في شيء مستأنف؟ معنى السؤال يا رسول الله! هل مكتوب علينا ما نعمل أم لم يكتب علينا شيء؟ فقال ﵊: ﴿بل في شيء قد قضي وانتهى, قالوا: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له﴾ حديث صحيح.

стр. 5392

الله جل وعلا قبل خلق السماوات والأرض سُئِلَ ﷺ -كما في مسند أحمد - جاءه أعرابي -بدوي من الصحراء- قال: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ فتبسم ﵊ وما زجر السائل وما انتهره وما رده، فقال ﷺ : ﴿كان ربنا في عماء، ما فوقه هواء، وما دونه هواء﴾ !

стр. 5393

قصة فيها علم من أعلام النبوة جاء أعرابي إلى النبي ﵊ وكان قد عقل ناقته في وادٍ من الوديان, فقال: يا رسول الله! أين ناقتي؟ فسكت وقد ظهر عليه الغضب واحمر وجهه؛ لأنه مستهتر، وهل بعثه الله ليخبر العرب والبدو عن نياقهم وغنمهم؟! فسكت. فقام عمر ثم جلس كالأسد أمام الرسول ﵊ لما رآه مغضباً، وقال: رضينا بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد نبيا. ثم التفت ﷺ إلى الأعرابي، وقال: ﴿يا أعرابي, ناقتك تعلق خطامها بشجرة كذا وكذا, في وادي كذا وكذا، وأنت عقلتها. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله﴾.

стр. 5394

إجابته عن فتنة الدجال جاءه أعرابي آخر، فقال: ﴿يا رسول الله! كيف يبعث الدجال؟ قال: يبعث معه ثريد من خبز ولحم, فمن أكل من ثريده استغواه. قال الأعرابي: والله الذي لا إله إلا هو لآكلن من ثريده حتى إذا شبعت قلت: آمنت بالله وكفرت بك؛ فتبسم ﷺ وسكت﴾.

стр. 5395

تفسيره للحساب والعرض وسئل ﷺ : ما معنى قوله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨] قال: ﴿إنما ذلك العرض﴾ رواه مسلم. تقول عائشة: يا رسول الله! ما معنى قوله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨] قال: ﴿إنما ذلكِ العرض﴾. وأول ما ابتدأ الرسول ﵊ ذكر الحساب قال: ﴿من نوقش الحساب عذب فقالت: يا رسول الله! كيف والله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨]؟ قال: إنما ذلك العرض﴾. والعرض معناه: أن يعرض الناس على الله , فيقرر الله العبد بذنوبه، يقول: يا عبدي! فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا رب! قال: فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا رب. قال: أما إنني سترتها عليك في الدنيا, وغفرتها لك اليوم؛ ادخل الجنة, نسأل الله من فضله! أما الحساب العسير فهو المناقشة، وهو يخزي به الله المنافقين والمجاهرين بالذنوب الذين يعلنون ذنوبهم ويخبرون الناس بها.
следующие страницы →