← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

من أدعية نوح ﵇ وأما نوح ﵇، فإنه دعا بأدعية، لكن كانت أدعيته مؤثرة، فإن نوحاً ﵇ عاش ألف سنة في الدعوة إلا خمسين عاماً، تحمل وصبر ودعا ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، دعا بكل وسيلة، وفي الأخير ماذا يتحرى من هؤلاء الجثث الهامدة الفجرة، ماذا يتحرى؟ ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]. يقول: يا رب! خذ أولادهم معهم، ما يأتي الولد إلا مثل أبيه. تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية فيقول: يا رب! أخرجهم من الدنيا جميعاً، لا تترك حتى أطفالهم؛ لأنهم لا يهتدون، أنا جربتهم. حتى يقول ﷺ : ﴿أما أنت يا عمر! فمثلك كمثل نوح﴾ لأنه استشارهم في أسارى بدر يقول: ما رأيكم؟ قال أبو بكر: احلم واعف عنهم يا رسول الله! إخواننا وأبناء عمومتنا وأقاربنا، قال: وأنت يا عمر؟ قال: يا رسول الله! ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، هذا السيف واقتلهم، واعط العباس سيفه يقتل قريبه، وأعطني سيفاً أقتل أقاربي، فكان الرأي رأي عمر والإقرار على رأي أبي بكر، فتبسم ﵊، وقال: ﴿أما أنت يا أبا بكر! فمثلك كمثل إبراهيم ﵇، وكمثل عيسى، أما أنت يا عمر! فمثلك كمثل نوح ومثل موسى﴾ فنوح قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].

стр. 6372

من أدعية موسى ﵇ ومن أدعيتهم، وينبغي على المسلم أن يجمعها وأن يحاول أن يتحفظها من القرآن، لأن أحسن الدعاء دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل دعاء موسى، فقد كان يرعى الغنم ويهش على ضأنه بالعصا وفجأة وهو بالصحراء وإذا بالله يناديه : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨] إلى دعاء أخير أتى به ﵊، لكن هذا من أحسن الدعاء، حتى يمتن الله على رسوله ﵊ فيقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]. يقول سيد قطب ﵀ معلقاً على الآية: فتش في جوانحك وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك فكان واسعاً فسيحاً، وقد كان ضيقاً قبل أن تأتي النبوة، قال: شرحنا لك صدرك. وشرح الصدر أعظم منة يمنها الله على العبد، تجد المسلم المؤمن في الزنزانة وصدره فسيح واسع، وتجد الفاسق في القصور وفي الدور، وفي السيارات والعمارات، و: ﴿صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] كأن اللعنة جمعت له، لماذا؟ لأن الله أخذ على نفسه ميثاقاً وعهداً بيَّنه في سورة "طه" فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] في الدنيا ولا في الآخرة، قال ابن عباس: [[أخذ الله على نفسه، أن من اتبع هذا القرآن فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] حتى كلمة ضَنْكاً لا تكاد تقرأ، فالضاد حرف ثقيل، ثم النون بين الضاد والكاف، فعيشته مثل نطق الكلمة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].

стр. 6373

دعاء يونس بن متى ومن الدعاء العظيم الذي وصفه ﵊ لأمته، دعاء يونس بن متى، يقول ﵊: ﴿دعاء الكرب، دعاء أخي يونس ما دعاه مكروب إلا فرج الله كربته﴾ أو كما قال ﵊، وهذا الدعاء هو: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وفي هذا الدعاء ميزات ثلاث: - أوله: أنه اعتراف بالتوحيد. الأمر الثاني: أنه اعتراف بالتقصير. الأمر الثالث: أنه استغفار. فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فوجب على العبد إذا ضاقت به ضائقة وأتاه حادث، أو أتاه هم وغم، أن يكرر هذا الدعاء فإنه بإذن الله فتح عظيم، يقول الأندلسي يوصي ابنه: وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذا النون بن متى وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا ذكر أهل التفسير وأهل السير: أن يونس بن متى غاضب قومه وخرج فأوقعه في البحر الربان وأهل السفينة، لأن القرعة وقعت عليه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] ما معنى الآية؟ لما ركب في السفينة كانت تتموج، وثقلت وأصبحت على غير العادة، وكانت في العادة تمشي بحفظ وبراعية وبتؤدة وسكينة، لكنه لما ركب وهو لم يستأذن الله ترجرجت، وهذا فيه درس: أن من التعكير والشؤم وبعض الصعوبات والمشاق على المسافرين والمقيمين المعصية، فقال الربان: معنا رجل فيه معصية، لا بد أن نتساهم ونقرع قرعة فمن أتت فيه أنزلناه في البحر، فشرعوا في أول قرعة فوقعت على يونس، قال: نعيد القرعة، هذه خطأ، فاستهموا مرة ثانية فوقعت عليه، قال: الثالثة، فوقعت الثالثة عليه، فأخذوه بيديه -سبحان الله العظيم، أحبابه وأقاربه تخلوا عنه! لأنهم يهلكون لو لم يفعلوا ذلك- فأخذوه بيديه ثم رموا به في البحر، فأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة الحوت، فقد تلقفه حوت يوم وقع فابتلعه فأصبح في بطنه، انظر إلى الموقف! من يسمعه؟ حتى ولو كان هناك فرق إنذار، أو خفر سواحل أو طوارئ ما سمعوه في بطن الحوت، لكن إلى السميع المجيب، إلى الذي أقرب من حبل الوريد: ﴿ الجواب =٦٠٠٠١٩٢> وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فأتى بكلمة تنفجر من القلب من أعظم الكلمات عند أهل التوحيد، قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] يقول أهل العلم: لما قالها، عبرت بصوته إلى السموات السبع تخترقها، فسمعتها الملائكة فبكت، وقالت: صوت معروف من عبد معروف، يا رب! أين فلان؟ قال: أنا أعلم به، سمعوا الصوت لكن ما يدرون هل هو في بحر قزوين أو في البحر الأحمر، فأنقذه الله، وأخرجه ونجاه لأنه التجأ إليه، فحق على المسلم أنه إذا ضاقت به الضائقة، أن يردد: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وعند البخاري في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿دعاء الكرب: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش العظيم﴾ فهذا دعاء الكرب الذي -بإذن الله- من دعا به استجيب له. وذكروا عن العلاء بن الحضرمي أنه لما قحط الناس قال: يا علِيُّ! يا عظيم! يا حكيم! يا عليم! فأغاثه الله, وأغاث الصحابة معه.

стр. 6374

دعاء سليمان ﵇ ومن دعائهم دعاء سليمان ﵇، وقد أراد أن يدعو الله في ملك لا يكون لأحد من قبله، فعلم أن الملك ينتهي وأن الملك زائل، وأن الجنود منتهون، وأن الدور تخرب والقصور تهدم: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فلما أعطاه الله الملك واستعرض جيوشه، حتى كان الطير يحجب شعاع الشمس بالسماء، والبحار ممتلئة بالجن له، وأما الأرض فامتلأت بالجيوش، فسجد على الأرض وبكى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].

стр. 6375

دعاء يوسف ﵇ وأما يوسف ﵇ فقال في آخر حياته بعد ما تملك مصر: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] ويقول: توفني مسلماً، هذه هي الأمنية العذبة والغاية المنشدودة وهوايتنا في الحياة. يا معشر المسلمين! والله الذي لا إله إلا هو إن التربية الآثمة، والتربية الأوروبية تربية الخواجات التي أخرجت من شبابنا وفتياننا وأبنائنا من لا يتذكر لقاء الله ولا حسن الخاتمة ولا الموعود الذي وعده الله، ومن يبني مستقبله على هوايات آثمة تضحك العقلاء. تجد في المجلات صور شباب في الخامسة عشرة من أعمارهم، هواية محمد بن سعيد بن طلال جمع الطوابع، وهواية علي بن محمود المراسلة، وهواية ذاك مطاردة الحمام وصيد الدجاج، أما يخجل الإنسان؟! من هم أهل هذه الصور؟ إنهم أبناء أبي بكر وعمر، وأبناء عثمان، وعلي، وأبناء خالد وسعد، الذين فتحوا الدنيا، وأذنوا في سمع المعمورة وقدموا أرواحهم رخيصة لترتفع لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فيربى الجيل على هذه الأمور! حتى إنه في بعض الطلبات في ما يطلبه المستمعون، هناك مريض على المستشفى مكسور الظهر والرأس، قال أهدي لأخواتي وعماتي أغنية عبد الحليم، أو فريد الأطرش، سبحان الله أصبحت في الآخرة وتهدي لأقاربك أغنية! تريد فساداً في الدنيا وفساداً في الآخرة، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]. سمعت داعية إسلامياً وخطيباً فارهاً، يقول على المنبر: بالأمس فقدوا مغنياً، فقامت فتاة تشيع جنازة المغني، ومعها مسجل فيه شريط للمغني، فلما وصلت إلى القبر، رفعت المسجل ففتحت الأغنية، قال: فكان اتفاقاً وفتحاً من الله، فكان هو صاحب الأغنية -ميت، أصبح تحت الثرى- يقول: نار يا حبيبي نار، قال: نار من فوقك ونار من تحتك لأنك تركت الأمة في نار، فهذه كلماتهم، ولكن كما أسلفنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لكن من عرفه الله وبصره ثم انحرف فقد قامت الحجة عليه مرتين.

стр. 6376

أعظم الأدعية في الإسلام وأعظم الأدعية في الإسلام، هو قوله : ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] فهل تركت من الخير شيئاً؟ هل تعلم خيراً ما ضمته هذه الآية؟ هل تعلم معروفاً في الدنيا والآخرة أو فقهاً أو رزقاً لا يدخل في هذه الآية؟ يقول : ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] من هم؟ إنهم أعراب حجوا مع الرسول ﵊، فرفعوا أيدهم في عرفات وفي منى وقالوا: اللهم أدر لنا الضرع، اللهم إنا نسألك غيثاً مغيثاً هذا العام، اللهم أنتج لنا إبلنا، وأحي لنا زرعنا ومواشينا. وهذا كله في الدنيا، فهم لم يقولوا: ربنا اغفر لنا، وما تذكروا أن يقولوا: رحماك يا رب! وهذا أعرابي ذكروا عنه أنه ذهب فحج، فلما رمى جمرة العقبة في اليوم الأول ذهب مسرعاً ودخل البيت، فلقيه صديق له عند باب الحرم، فقال: مالك؟ قال: أريد أن أدخل قبل أن يدهم الناسُ رب العالمين، أي: يكثروا عليه، سبحان الخالق! فتعلق بأستار الكعبة وقال: يا رب! اغفر لي قبل أن يزدحم عليك الناس. والله لا تختلط عليه الأصوات، ولا تتغير عليه اللهجات، ولا تتفاوت عليه الحاجات، ولا تتباين لديه النغمات، يعطي كل واحد مسألته مكانه: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته مانقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر﴾ خزائن الجود عنده، مهما سأل الإنسان فالله أوسع وأعلم وأحلم وأكرم ﵎. فذم الله من قال ذلك -ربنا آتنا في الدنيا حسنة. فهو من طلب الدنيا فقط. فبعضهم تجده يقول: اللهم أحي لي أبنائي اللهم اجمع لي دراهمي اللهم نجح بناتي اللهم إني أسألك أن تثمر تجارتنا لكن ما تذكر الآخرة، فذم الله ذلك الصنف ومدح من قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. وهناك صنف آخر يطلب الله في الآخرة ولا يطلبه في الدنيا شيء، حتى إن بعضهم يطلب على نفسه المرض، وفي حديث صحيح: ﴿أن رجلاً من الأنصار رفع يديه وقال: اللهم ما كنت معذبي به في اليوم الآخر فقدمه لي وعجله لي اليوم، فابتلي بالمرض حتى أصبح كالفرخ -أصبح كالفرخ من المرض- فزاره ﵊ وقال: يا فلان! أقلت شيئاً؟ قال: قلت -يا رسول الله-: اللهم ما كنت معذبي به من عذاب فقدمه لي، قال: سبحان الله! وهل تطيق عذاب الله؟! بل قل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]﴾. ومن أعظم الأدعية: اللهم إني أسألك العفو والعافية، يقول العباس: ﴿يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية -وبعضهم يزيد كما في المسند لـ أحمد - اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة﴾ فهذا الدعاء عظيم جد عظيم، أن تدعو بالعفو والعافية، العافية في جسمك وأهلك، والعفو من الذنوب والخطايا.

стр. 6377

الأدعية النبوية أما الأدعية النبوية فكثيرة فقد ورد عنه ﷺ أدعية صحيحة، منها: قوله ﷺ : ﴿اللهم اهدني وسددني﴾ ففي صحيح مسلم: قال لـ علي بن أبي طالب: ﴿يا علي! قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بهدايتك هدايتك الطريق، وبتسديدك تسديدك السهم﴾. فكان علي دائماً يقول: [[اللهم اهدني وسددني]] وهي من أحسن الدعاء وأوصيكم بها صباح مساء. ومنها -وهذا صحيح-: ﴿اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي﴾ فعلمه ﷺ حصين بن عبيد والد عمران بن حصين، كما في السنن: ﴿أنه وفد على الرسول ﵊ فقال ﷺ : يا حصين! كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة -هذا وهو مشرك- قال: أين السبعة؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرهبك ولرغبك؟ -يعني: من إذا اشتدت بك الأمور وضاقت عليك السبل وأغلقت عليك الأبواب- قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم قال له ﷺ : ألا أعلمك دعاء؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: فقل: اللهم ألهمني رشدي ,وقني شر نفسي﴾ وهذا من أحسن ما يكون! وفي الصحيحين عن أبي بكر ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قلت: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي -وهذه الأدعية لا بد أن تحفظ وأنا أوصي الإخوة الذين لا يحفظونها من مرة أن يراجعونها من كتيبات أو يستعيدوها من الشريط- قال أبو بكر: علمني -يا رسول الله- دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً -وفي روية كبيراً- ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾. خرج ﵊ على معاذ بعد الصلاة فشبك أصابعه كذا وقال: ﴿يا معاذ! والله إني لأحبك -من هو القائل؟ إنه محمد ﵊ يقول لـ معاذ: والله إني لأحبك، وقال معاذ: وأنا -والله- يا رسول الله! إني أحبك، قال: لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. لأن الأدعية الأحسن أن تكون شرعية ثابتة عنه ﷺ ، أما بعض الأدْعِيَاء تجدهم يدعون بأدعية بدعية، حتى ذكر الغزالي يقول من الأدعية: يا دهر الدهارير، وهو يعتبره اسم من أسماء الله؟! أحد الحمقى ذكر عنه ابن الجوزي يقول: يا رب! يا أحد! يا صمد! يا رحمان! يا رحيم! يا جبرائيل! يا ميكائيل! يا أويس القرني! ذكر هذا في كتاب الحمقى، وهذه أدعية بدعية، ولذلك تجد من أدعية الناس أحياناً ما يخالف السنة؛ لأنهم ما حفظوا شيئاً، والحفظ سهل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. في صحيح مسلم كان يقول ﷺ دعاء إذا قام من الليل وهو من أعظم الدعاء: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون! اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾. يقول ابن تيمية: عند الاشتباه في الأمور، والالتباس في بعض القضايا، يكرر العبد هذا الدعاء، فإنه عظيم. ومن الأدعية وخاصة في السجود: ﴿يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك﴾ اللهم ثبت قلوبنا على دينك. ومن الأدعية العظيمة وخاصة في السجود: ﴿يا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك﴾ أو كما قال. ومن الأدعية الصحيحة، قوله ﷺ : ﴿اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار﴾.

стр. 6378

سيد الاستغفار وأما المسألة الخامسة: فهي سيد الاستغفار. ذكر صاحب طبقات الحنابلة أن عالماً دفن، فرئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي مغفرة عامة وخاصة، قالوا: ماذا توصينا فيه؟ قال: أوصيكم بسيد الاستغفار. فسيد الاستغفار أمره عجيب وإني أوصيكم جميعاً بحفظه، وتذكره صباح مساء وفي أدبار الصلوات وأن تكرره كثيراً. وهو قوله ﷺ : ﴿اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾ ففيه توحيد، واعتراف، وتسبيح، واستغفار، وفيه لجأ واعتراف بنعمته، وتبرء من الذنب.

стр. 6379

الأمور التي يستعاذ منها أما المسألة السادسة: فما هي الأمور التي ينبغي أن نستعيذ منها دائماً صباح مساء؟ استعاذ ﷺ من أشياء منها: الهم والغم والحزن، فقد صح عنه ﷺ أنه كان يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال﴾. وقال ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر﴾ فإن الفقر قد يصل إلى درجة أن يتسخط العبد على الله. وكان صلى الله علية وسلم يستعيذ من غنى مطغٍ وفقر منسٍ، والغنى المطغي: الذي يبلغ بالعبد إلى أن يطغى على عباد الله، والفقر المنسي: الذي ينسيه رحمة الله وعفوه وجلاله. وكان يقول ﵊: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة﴾. وكان يستعيذ ﵊ من عذاب القبر والنار وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال في أدبار الصلوات. وكان إذا خرج من بيته ﵊ يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِل وأُزَل أو أَظلِم أو أُظلَم، أو أَجهَل أو يُجهَل عليّ﴾ وعند ابن عساكر ﴿أو أبغي أو يبغى علي﴾. وهذا مما يحفظ ويقال دائماً، إذا خرجت إلى وظيفتك أو مزرعتك أو السوق وقلت هذا الدعاء تولاك الله، يكون معك ملكان إذا خرجت وقلت: بسم الله توكلت على الله، أخذ الملكان رايتين واحد عن اليمين وواحد عن اليسار، ويقول أحدهما للآخر: من لك بعبد قد كفي ووقي؟! كفاه الله ووقاه، ويتخلى الشيطان ويقول: من لكم بعبد قد كفي ووقي؟ ما يستطاع له. وكان ﵊ يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يرفع -أو لا يستجاب له-﴾ أو كما قال ﵊، فنعوذ بالله من ذلك.

стр. 6380

نماذج من استجابة الله لأوليائه المسألة السابعة: فهي نماذج من استجابة الله لأوليائه. إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل فصارت برداً وسلاماً. حسبنا الله ونعم الوكيل قالها النبي ﷺ في أحد ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. إذا سمعت أحداً يتحرش بك، أو يكيد لك أو يتربص بك، أو يدير لك الدوائر فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل. وإذا سمعت تحزبات أو جلسات أو تخطيطات، ووصلت إليك، فقل: حسبنا الله ونعم والوكيل. إذا كادك كائد، أو أراد أن يجتاحك ظالم، أو دبَّر لك مدبر أو وقف بك خبيث فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل. فهذا هو الدعاء وهذا مقامه، فسوف تنقلب برشد لا يمسك سوء بإذن الله. وأما دعاؤه ﷺ في بدر، فدعا دعاء عظيماً حتى سقطت بردته من على كتفيه، فنصره الله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله؛ لأنه التجأ إلى الله حتى يقول علي: ﴿نظرت إلى الناس ما منهم إلا نائم، إلا الرسول ﵊ فرأيته يدعو عند شجرة حتى الصباح﴾. حتى يقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله! بعض مناشدتك ربك﴾ يقول: يكفي، فألح ﵊ حتى نصره الله. ومن الدعاء المستجاب ما دعاه ﷺ لدوس لما أتى الطفيل بن عمرو وقال: ﴿يا رسول الله! إن دوساً عصت الله فادع عليهم، فرفع يديه ﷺ فقال الناس: هلكت دوس ويل لدوس، فقال ﷺ : اللهم اهد دوساً وأت بهم، اللهم اهد دوساً وأت بهم، اللهم اهد دوساً وأت بهم﴾ فهداهم الله، وأتى بهم مسلمين. ومن الدعاء المستجاب: أتى أبو هريرة إلى رسول ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! أمي دعوتها إلى الإسلام فسبتني وأسمعتني سباً فيك، فادع الله لها، قال: اللهم اهد أم أبي هر، اللهم اهد أم أبي هر، اللهم اهد أم أبي هر فقال: عدت إليها فسمعت خشخشتها وراء الباب فإذا هي تغتسل، قالت: دونك، فخرجت فلبست ثيابها، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله﴾. ومن دعائه الذي استجيب ﵊: أن ابناً لـ أبي لهب أتى فآذى الرسول ﵊، وقيل: بصق في وجهه، فقال: ﴿اللهم سلط عليه كلباً من كلابك﴾ فخرج في تجارة إلى الشام فكان كلما أتوا ينامون، أخذ أصحابه فنام وسطهم، فقالوا: مالك؟ فقال: دعا علي محمد أن يسلط علي كلباً وأخاف من ذلك. قالوا: ما عليك، قال: لا. ثم حلف باللات والعزى ما دعا دعوة إلا أتت كفلق الصبح، فذهب فلما أصبح قريباً من الشام، نام وسط أصحابه، فلما انتصف الليل جاء أسد -وهو يسمى تجوزاً كلب من كلاب الله وغضنفر وليث- فاخترق النائمين، فاستيقظوا ورأوا الأسد، قال: كان يدنو من الرجل يشمشم وجهه، ثم يتركه -أي: ليس على الوصف فهو مرسول بوصف إلى رجل محدد- قال: فيتركه ويأتي إلى الذي جواره فيزيل عنه الغطاء ويشمشمه فلا يجد تلك الرائحة التي هو مرسول إليها، حتى أتى إلى الوسط فأخذ رأس ابن أبي لهب لقمة واحدة. وأتاه رجل فسب الرسول ﷺ قال: ﴿اللهم اقتله كيف شئت﴾ فمن حقارته على الله -وحقارة هذا الرجل لأنه استهزأ بالرسول ﷺ وسط الناس، وجزاء المستهزئين أن يحقروا- أنه ذهب يحلب عنزة فالتفتت إليه فرمحته فبجرت بطنه فمات عند رجلها، ما يحتاج أكثر من عنز، وما كلف إلا عنزاً. النمرود بن كنعان ملك الدنيا، يقول: أريد أن أقتل إله إبراهيم، فابتلاه الله ببعوضة فأكلت من دماغه حتى أصبحت كالعصفور، فكانت إذا فرفرت وجد طعم الموت، فيضربونه حتى يهدأ، فضربه أحد خدمه فطير رأسه فمات. وقوم سبأ كان سد مأرب في اليمن، فبطروا وأعرضوا وتجبروا على عباد الله، فأرسل عليهم فأرة فهدمت سدهم، ولذلك يقولون عنهم: هدمت سدهم فأرة، وأخبر بهم هدهد، ودل عليهم عقرب أو كما قالوا. فإذا علم هذا، فهذا من الدعاء الذي تم، وأتى عامر بن الطفيل وأربد بن قيس يريدان اغتيال الرسول ﵊، فقال الطفيل لـ أربد: سوف أشغل محمداً عنك، فإذا شغلته فاقتله، فأخذ يكلمه ولا يتقدم ذاك، فكلمه وكلمه فلا يضرب، فلما انتهوا قال: مالك؟ لن أرهبك بعد اليوم، قال: كيف؟ ثم أقسم ما أردت أن أضرب إلا رأيتك أنت بيني وبينه أفأقتلك؟! فعلم ﵊ أنهم أرادوا قتله فقال: ﴿اللهم اكفنيهم بما شئت﴾ فأما عامر بن الطفيل فأتت فيه غدة كغدة البعير حتى سالت على صدره، فأخذ يحكها فكلما حكها نزلت حتى غطت بطنه، فقال: أموت في بيت امرأة من بني سلول -وقد كان في بيت عجوز في الطريق- أركبوني على الفرس وأخذ يصيح ويقول: غدة كغدة البعير، في بيت امرأة سلولية، فقتله الله. وأما أربد بن قيس فأخذ جمله وبضاعته وأراد السوق، فلما أصبح بين بيته والسوق أرسل الله عليه صاعقة، فأخذت الرجل والجمل والخرج والبضاعة والخطام. لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار فهذا من الأدعية. وأما ما استجاب الله للصالحين فكثير وكثير، وأكثر ما استجاب لـ سعد بن أبي وقاص، يقول: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾. وفي صحيح مسلم: ﴿وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له!﴾. فقد جاء سعداً رجل وافترى عليه، فقال: لا يحكم بالسوية ولا يعدل في الرعية، ولا يخرج في السرية، فدعا عليه، فقال: إن كان كاذباً فأطل عمره وعرضه للفتن، فأطال الله عمره وعرضه للفتن، حتى سقط حاجبا هذا الشيخ على عينيه، وكان يتعرض للبنات في شوارع الكوفة يغازلهن، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد. وتكلم رجل في ١٠٠٠١١٢>طلحة والزبير عند سعد بن أبي وقاص فقال: لا تسب إخواني، فقال: والله لأسبنهم، قال: اللهم اكفنيه بما شئت، فانطلق جمل من الكوفة فتأخر الناس عنه، فأتى إلى هذا الرجل ثم ضربه بيده -الجمل ضرب الرجل بيده، والقصة عند الذهبي في السير - فقتله. وغيره كثير من دعاء سعد ﵁، وأرضاه. وأما العلاء بن الحضرمي، فإن الصحابة قحطوا وهو قائد الجيش، فقال: [[يا عليُّ! يا عظيم! يا حكيم! يا عليم! اسقنا]] فأتت سحابة فأمطروا. ودخلوا في البحر فسأل الله أن يجمد لهم البحر فجمد لهم فمشوا عليه، وما فقدوا إلا مخلاة، فأتى رجل وإذا هي معلقة في البحر، ما أصابها الماء، فأخذها. ومن كرامة الأولياء واستجابة دعائهم ما حصل لـ أم أيمن ﵂ وأرضاها، فقد خرجت مهاجرة إلى الله ورسوله ﷺ من مكة إلى المدينة، وفي أثناء الطريق عطشت وظمئت، وظلت تبحث عن الماء حتى أشرفت على الموت، فدعت الله، فنزل لها دلو من السماء فشربت منه، ثم عاد الدلو فما ظمئت في حياتها كلها، وقد عاشت بعد هذه الشربة ما يقارب أربعين سنة. والبراء بن مالك قال عنه ﷺ : ﴿رب ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم: البراء بن مالك﴾ فكان إذا أقسم على الله أبر الله قسمه، حضر تستر مع المسلمين فقالوا: يا براء! نسألك بالله أن تقسم على الله هذا اليوم أن ينصرنا، قال: انتظروني قليلاً، فذهب ولبس أكفانه وأتى بالسيف، وقال: [[اللهم إني أقسم عليك أن تجعلني أول قتيل، وأن تنصر المسلمين هذا اليوم]] فكان أول قتيل وانتصر المسلمون بإذن الله، فهذه درجة من الإحسان، من الناس من لو أقسم على الله لأبره.

стр. 6381

حكم طلب الدعاء من الصالحين أما المسألة الثامنة: فطلب الدعاء من الصالحين، هل لك أن تقول لرجل صالح: لا تنسنا -يا أخي- من دعائك؟ نعم. ولكن بشرطين: - الشرط الأول: أن يكون حياً حاضراً. الشرط الثاني: أن يكون صالحاً. فأما الحي: فيخرج الميت، فلا يجوز أن تذهب إلى مقبرة ولا إلى ميت وتقول: يا فلان! ادع الله لي، فإن فعلت ذلك فإنك إذاً لمن المشركين، فإن فعلت ذلك فقد خسرت حظك من الدنيا والآخرة وليس لك من خلاق يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. والثاني: أن يكون حاضراً، فلا تقل لغائب، كأن يكون في الرياض أو جدة فتقول: يا فلان! ادع الله لي، فهذا لا يجوز. والأمر الثاني: أن يكون الرجل هذا صالحاًَ، فلا تأتي إلى فاجر أو إلى كافر، أو إلى شيوعي ملحد، فتقول: لا تنسنا -يا أخي- من دعائك، وأي دعاء له عند الله؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠]. فالكافر لا حظ له عند الله، ولا دعوة ولا قبول، ولا فتح، ولا رضا ولا عفو، وإنما غضب ولعنة ومحق وسخط والعياذ بالله، فلا بأس أن تقول للرجل الصالح: لا تنسنا -يا أُخي- من دعائك، فقد روى الترمذي عن عمر قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أريد عمرة - أي يستأذنه- قال: لا تنسنا -يا أخي- من دعائك﴾. وابن تيمية يقول: وعلى طالب الدعاء الذي يطلب من أخيه؛ أن يريد نفع الداعي كذلك، فعليك إرادة منفعته، لأنه إذا دعا لك فإن الله يكتب له بقدر ما دعا لك، ويقول له الملك من السماء: ولك بمثل ذلك، ولك بمثل ذلك، ولك بمثل ذلك. بل قال بعض العلماء: إن دعوة المسلم لأخيه أرجى من دعوته لنفسه، فإنها علامة الصدق والإخلاص، فإذا دعا لأخيه المسلم، قال الملك: ولك بمثل ذلك، وبالمناسبة إني أسأل الله لي ولكم المغفرة نقول: لا تنسونا من دعائكم ونحن -إن شاء الله- لا ننساكم، عسى الله أن يتغمدنا بفضله ورحمته ورضوانه. السؤال يقول أحد الإخوة -أنا ما أجبته إلا لضرورة ملحة وإلا فإنه سؤال أشبه بالشخصي- يقول: أنا متزوج والحمد لله، وزوجتي والحمد لله طائعة، ولكن أبوها يجبرها على أن تكشف على أولاد عمها، وأنا غير موافق ولكن إذا أوصلتها على أساس الزيارة أجبروها على ذلك، وهي الآن محتارة بين أن تطيع أباها أو أن تطيع زوجها، حتى إنها كرهت الحياة وتدعو الله بأن يقضي عليها بالموت، علماً بأننا ساكنون في قرية كثيرة الاختلاط -اختلاط الرجال والنساء- خاصة في المناسبات والأعياد وغير ذلك؟ الجواب أولاً: ما فعلته الزوجة من أنها امتنعت عن الكشف على أبناء عمومتها فقد أصابت في ذلك، فلا يجوز لها أن تكشف عليهم لأنهم أجانب، ولا على أخي زوجها لأنه حمو، والحمو كما قال ﵊: الموت، ولا يجوز لها أن تجلس مع من لم يحل لها الجلوس معه، ولو كانوا أقارب، كأبناء الأخوال. ولو أمرها أبوها أن تجلس معهم وتكشف عليهم فقد عصى الله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعليها أن تطيع الله ولا تطيع أباها في هذه المعصية، بل وتطيع زوجها لأن زوجها أمرها بالمعروف وأبوها أمرها بالمنكر، والذي ندعو الله أن يصلح هذا الأب، وأن يلهمه رشده، وأن يعطيه علماً وفهماً لكتابه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] وقوله ﵊: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ رواه أحمد بسند جيد. وقال ﵊: ﴿لا تخلون امرأة برجل -أو كما قال ﵊ إلا مع ذي محرم﴾ فإذا علم هذا، فهذا هو الأمر والجواب، وقد أصابت وعليها أن تتقي الله وتطيع زوجها، وقد أحسنت صنعاً، وأما غضب أبيها فعليها أن تسترضيه بغير أن تطيعه في هذا الأمر، لكن تطيعه في طاعة الله، أما أن تطيعه في الكشف فلا طاعة له، ولو غضب فإن رضا الله مقدم على رضاه، وغضب الله أكبر من غضب أبيها، والله المستعان.

стр. 6382

التعدي في الدعاء المسألة التاسعة: التعدي في الدعاء: كأن يدعو بمستحيل أو بما ليس له، أو يتنطع في الدعاء، فهذا محرم، كأن يأتي ويقول: اللهم اجعلني خاتم الأنبياء، أو خيراً من أبي بكر أو خيراً من عمر، أو عثمان، أو علي، فهذا لا يجوز وهو محرم. والدعاء بما ليس له، والدعاء بالمستحيل كأن يدعو أنه حي ميت، أو موجود معدوم، أو متحرك ساكن، فإنه لا يجتمع نقيضان أو ضدان، أو يتنطع في الدعاء، كما فعل ابن مغفل قال: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة، قال: يا بني! إني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿ليأتين أقوام يعتدون في الدعاء والطهور﴾ أو كما قال. وكرهه أهل العلم. وكذلك السجع، أن يسجع الإنسان في الدعاء كثيراً، ولو أنه أتى في الحديث سجع، لكن بلا تكلف، لكن يسجع فيقول: اللهم إني أسألك سعتة في الدور، وبسطة في القصور، وقوة في الظهور ورفعاً في الدور، إلى غير ذلك، يجمع بالراء محاضرة ويأتي بالدال ويتكلف وبالعين وبالحاء، فهذا خطأ، يدعو بما تيسر.

стр. 6383

الاستعجال واستبطاء الدعاء المسألة العاشرة: الملل والسأم واستبطاء ما عند الله ﵎، يقول ﵇ كما صح عنه: ﴿يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، يقول: قد دعوت قد دعوت فلم يستجب لي﴾ فالله الله في عدم الاستعجال، فليواصل العبد الدعاء ولا يستعجل، فإن كل شيء عنده بأجل مسمى، والله له أوقات يجيب فيها بقضاء وقدر فلا تستعجل، فإن إجابة الدعاء قد تكون في الآخرة أصلح لك من الدنيا، أو يمكن أن الله صرف عنك من الشر ومن الحرمان أضعاف ما أعطاك، أو ما يعطيك في هذا الدعاء، أو أن الله ادخر لك من المثوبة، أو سوف يلبي لك لكن بعد عشر سنوات أو عشرين سنة فلا تستعجل ولكن واصل ولا تيأس فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون.

стр. 6384

الأوقات الفاضلة للاستجابة أما المسألة الحادية عشرة: فهي الأوقات الفاضلة للاستجابة، منها: أدبار الصلوات، إذا انتهيت من فريضة فهو وقت للدعاء، فادع الله بما تيسر، خاصة آخر التحيات قبل السلام، أمَّا بَعْد السلام، أن ترفع يديك مباشرة فلم تأت به سنة، ولم يفعله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه، فتدعو قبل السلام، وأدبار الصلوات. ومنها: بين الأذانين، بين الأذان والإقامة كما عند النسائي دعوة مستجابة، إذا أذن المؤذن فالوقت الذي بين الأذان والإقامة أكثر فيه من الدعاء، واسأل الله أن يلبي لك ويعطيك ما تمنيت. ومنها: السجود، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿أقرب ما يكون العبد لله وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم﴾ أي: حري وقريب وجدير أن يستجاب لكم، الله الله في كثرة الدعاء، إذا سجد العبد بعد أن يقول: سبحان ربي الأعلى ما شاء الله، أي: ما قدر الله له أن يقول. ومنها: الثلث الأخير من الليل: ففي الصحيحين: ﴿ينزل الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾. ومنها: عصر الجمعة، ففي يوم الجمعة ساعة لا يدعى الله فيها بخير أو بدفع من شر بغير قطيعة رحم، أو إثم إلا استجاب الله لصاحب الدعوة من المسلمين، وهي آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر، ومنها: يوم عرفة، يوم يتجلى الله للناس بعرفة وبغير عرفة، لكن بعرفة آكد.

стр. 6385

الدعاء والقضاء أما المسألة الثانية عشرة: وهي آخر مسألة: فالدعاء والقضاء، يقول العبد: كيف أدعو والله قد كتب علي هذا الأمر؟ فنقول: الدعاء لا يتعارض مع القضاء، فأنت تدعو لأنه قد كتب الله لك أنه يصرف عنك هذا الشيء بسبب أنك تدعو، أو كتب الله عليك هذا الشيء وكتب لك أنك تدعو فيزيله الله عنك، مثل ماذا؟ مثل أنه قدر على ابنك الرسوب، وقدر أنك تدعو فينجحه، فتأتي فتقول: كيف أدعو لابني أن ينجح والله قد كتب عليه الرسوب فلا ينفع؟ نقول: ادع الله، لأن الله كتب أن تدعو ويقول ﵊: ﴿إن الدعاء والقضاء يعتلجان بين السماء والأرض﴾ أي: يتناطح الدعاء والقضاء، فالدعاء يريد صرف القضاء والقضاء يريد النزول على الدعاء، فيمضي الله الدعاء أو بما كتب . فعليك بالدعاء وعليك دائماً بعدم اليأس من روح الله، وأكثر من الدعاء فإنه لا يعارض القضاء، بل يصرفه بقضاء وقدر آخر من الله، أو يلطفه ويخففه أو يكون أجراً ومثوبة إذا لم يحصل لك هذا الشيء، فإنك لن تدعو إلا بخير، إما يحصل لك غيره، وإما أن يدخر لك الله من الخير، وإما يصرف عنك من الشر. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربما تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم روحمة الله وبركاته.

стр. 6386

صراع المؤمنين مع الملحدين إن الصراع بين الحق والباطل، وبين أولياء الرحمن وأعداء الإسلام قائم من عهد أبينا آدم ﵇ إلى عهد محمد ﷺ وإلى عهدنا هذا، وهذه هي سنة الله تعالى الكونية، التي قضاها بين عباده في هذه الحياة، كما أن لذلك الصراع مصالح وفوائد تعود على هذا الدين وعلى أولياء الرحمن. والصراع القائم بين الحداثيين وبين شعراء الإسلام هو من الصراع بين الحق والباطل.

стр. 6387

سنة الصراع بين الحق والباطل الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ورفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي صاحب الغرة والتحجيل، المعلم الجليل، المؤيد بجبريل، المذكور في التوراة والإنجيل صلى الله عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وصاح، وما هدل ورْقٌ وناح وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام الله عليكم يا أبناء التوحيد، ويا حملة التوحيد، ويا أبناء المجدد الموحد الكبير محمد بن عبد الوهاب، سلاماً لا ينقطع إلا بدمع العين. سلام الله أرفعه إليكم وتهديه الغدو إلى الرواح يسجله بدمع العين قلبي وأكتبه على متن الرياح لأجساد بها نهم المعاني وأرواح من التقوى صحاح إنه معترك عظيم، وصراع هائل، بين لا إله إلا الله وبين لا إله والحياة مادة، معركة عظيمة شعواء بين الإيمان والكفر بين التوحيد والشرك خاضها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم تسليماً كثيراً، ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٢٩ - ٤٣]. ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:١ - ٨]. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]. إن حاجتنا وجوعنا وضمأنا الإيمان كبيرة، وما كثرت معاصينا ومخالفاتنا وفجورنا وبعدنا عن الله إلا يوم ضعف الإيمان، وابتعدنا عن الإيمان إلا ما شاء الله. محاضرتي هذه الليلة: "صراع بين الموحدين وبين الملحدين. أما عناصرها فأربعة: العنصر الأول: الرسل عليهم الصلاة والسلام في صراع عالمي مع الملاحدة: إبراهيم ﵇ في حوار ساخن مع أحد الملحدين موسى ﵇ في مناظرة مع كبير الزنادقة محمد ﷺ واعتراض ملحد في مسألة البعث. العنصر الثاني: العلماء يغرسون شجرة الإيمان في القلوب: أبو حنيفة يضرب مثلاً لقدرة الباري ﵎ الإمام مالك يجيب على سؤال عقدي على هارون الرشيد الشافعي يتفنن في استدلاله للقدرة الإمام أحمد يقرر مسألة أهل السنة في إثبات قدرة الباري أعرابي في الصحراء على الفطرة يصلي وحده الفيلسوف الكندي يعارض القرآن، ابن الراوندي يتزندق مستهتراً. العنصر الثالث: الأدب الإسلامي الموحد المؤمن يتصدى للأدب الكافر الملحد: أبو نواس موحد في شعره أديب السودان يعلن في قصيدته الإيمان منظومة في التوحيد على نهج: (يا ظبية أشبه شيء بالمها): أبو العلاء المعري يعلن تمرده على الشريعة بشارة الخوري يكفر بالدين إيليا أبو ماضي وطلاسمه اللعينة القبيحة ابن هاني يقول على الله الكذب حداثي متستر يستهزئ بشخص الرسول ﷺ . العنصر الرابع: الصراع الحربي القتالي بين التوحيد والإلحاد: بدر وأحد القادسية واليرموك أفغانستان وفلسطين.

стр. 6388

الرسل ﵈ في صراع عالمي مع الملاحدة يقول نوح ﵇ وهو يثبت قدرة الباري ﵎: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٣] أين عقولكم وقلوبكم؟ يا أيها الذين تخلفوا عن ركب لا إله إلا الله! يا أهل التراب! يا أهل الوثنية! يا أهل الإلحاد! يا أهل العلمانية! لماذا تخلفكم عن لا إله إلا الله وقد خلقكم الله أطواراً؟

стр. 6389

إبراهيم في حوار ساخن مع ملحد وإبراهيم ﵇ يدخل على زنديق فيصارعه مصارعة الإيمان مع الإلحاد، ونحن -والله- في حاجة إلى أن نبث أفكار الإيمان، وأن نغرسها أكثر من حاجتنا إلى هذا الترقيع الدعوي من مطاردة جزئيات المعاصي في الناس، وما أتت المعاصي إلا يوم ضعف الإيمان تبرج وسفور، وتناقض على الشريعة، وتخلف عن الصلاة، واستماع الغناء، واقتناء المجلة الخليعة، وصحبة الفسدة، والإعراض عن القرآن، ومحبة الكفار، والتهور في الزنا والربا كل هذا لما ماتت شجرة الإيمان، فأين داعية الإيمان؟ وأين العالم الذي يحمل الإيمان؟ أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك محفل الدنيا محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك فالعالم يحتاج لك، لابد أن تبدأ كما بدأ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. إبراهيم ﵇ يدخل على زنديق في قصره، وهذا فيه دليل على أن الداعية عليه أن يتحرك ليدخل على أهل الباطل في أوكارهم، ولا يبقى بمسبحته في محرابه، فلن يأتيه أهل الباطل أبداً فيدخل إبراهيم ﵇، فهل يبدأ للزنديق عن تربية اللحية، أو تقصير الثوب، أو سنة الضحى، أو السواك؟ لا الأمر أكبر من ذلك، الأمر إيمان وكفر، الأمر لا إله إلا الله أو لا إله والحياة مادة. اسمع إلى القرآن وهو يصور جزءاً من المعركة، مناظرة ساخنة حارة تفجر الجدران، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] يا ملحد! إن لي رباً له صفات لا توجد فيك يا ملحد! أنا لي إله قادر لا تملك من صفاته شيئاً، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] يا للسخف! يا للتخلف! يا للفكر العفن! يا للعنة إذا طوقت فكر صاحبها! أنت تحيي وتميت؟! جدلاً سلمنا لك: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر﴾ [البقرة:٢٥٨] وانتصرت لا إله إلا الله، وبهت الذي كفر، ودوت لا إله إلا الله، وانهزم الذي كفر، وارتفعت لا إله إلا الله. يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].

стр. 6390

موسى في مناظرة مع كبير الزنادقة يدخل موسى ﵇ على الرعديد الملحد المنتن فرعون، وهو يدعي الألوهية، ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] قال ابن عباس كما روى ذلك ابن عساكر في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:٢٥] قال: [[نكال الكلمة الأولى والكلمة الثانية فدهدهه في البحر]] يقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فكما أجراها الله من تحتك يجريها من فوق رأسك وقد فعل. لقد ذهب الحمار بأُم عمْروٍ فلا رجعت ولا رجع الحمار موسى ﵇ يدخل عليه، فماذا سوف يكلمه؟ لن ينازله حتى يقول لا إله إلا الله، فالمسألة مسألة إيمان وكفر مسألة عقيدة تنزل في الساحة، أو كفر ينزل ويخيم في الساحة إذا لم ينزل الإيمان: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] اسمع إلى الطائش بدأ بالسؤال، والواجب أن يبدأ موسى ﵇، لكنه سفيه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] لو قال موسى: الله، لقال فرعون: إنه هو الله. ولو قال موسى: ربي الذي فوق سبع سماوات لقال: وأنا فوق كرسي. ولو قال: الذي له مصر وغير مصر لقال: وأنا لي ملك الدنيا. فأتى بأعجوبتين في مسألتين مختصرتين دهده بها الكافر على وجهه، ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] لا إله إلا الله! أعطى النحلة خلقها وهي حشرة وحيوان لا تفقه، فهداها إلى خليتها أعطى الذباب خلقه فلا يغلبه غلاب من بني آدم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ولم يسكت عن (هدى) لأنه هدى كل مخلوق لخلقه، فالطفل يأتي أبكم أصم أعمى فيهديه الله إلى الطعام، والنملة تعلم أنه سوف يأتي فصل الشتاء فتدخر قوتها لهذا الفصل في الصيف.

стр. 6391

أديب السودان يعلن في قصيدته الإيمان وهذه قصيدة السوداني المؤمن إبراهيم بديوي الذي أعلن فيها الإيمان أعلن فيها لا إله إلا الله، ليس من شعر السخف والمجون والضياع، ولا شعر قلة الحياء والمروءة والشهامة، لكنه يعلن لا إله إلا الله بالشعر، يقول: قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا إنه الله العلي القدير. واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك فالحمد لله الكريم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلَّاك لكن من يقرأ آيات التوحيد؟ من يتدبر ويتأمل؟ قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] يا أمة الصحراء! يا أمة الجمال! اقرءوا التوحيد في الإبل، واقرءوا محاضرة العقيدة في الجمال، لتروا خلق الذي خلق الجمال : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] من رفعها وسواها وجملها؟ من جعل النجمة توصوص وحدها كأنها مهجورة؟ من جعل مجموعة النجوم كأنهن يتحدثن في مهرجان الحياة؟ من رفع البدر شامخاً يبدي بنظراته على المخلوقين؟ من أتى بالشمس فطوق بها الأحياء وجعل الأحياء تتنفس على ضوئها؟ سبحان الله! لكن من يتدبر ومن يقرأ؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

стр. 6392

محمد ﷺ واعتراض ملحد ويأتي أبو القاسم ﷺ فيخوض المعترك الثالث معترك (لا إله إلا الله) مع (لا إله والحياة مادة) فيجلس في مجلسه يلقي رسالة التوحيد بعمق ويؤسسها في القلوب بأصالة، ويغرسها في الأرواح بحب، يدخل عليه العاص بن وائل الوثني، ويأخذ عظماً ويحته ثم ينفخه ويقول: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن أماته؟! قال: نعم ويدخلك النار. يحييه ولا يكفي هذا بل تدخل أنت النار، ويقول الله للملحد الزنديق: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] عجيب!! أتى يضرب الأمثال اليوم وقد كان أعمى أصم في عالم العدم، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣] عجيب!! لقد أصبحت الآن تضرب الأمثال!! أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني يقول : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] الجواب سهل، فالذي بدأ الطريق هو الذي ختمها، والذي أتى بالمقدمة هو الذي أتى بالخاتمة ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٩ - ٨٠] وهذا درس للدعاة؛ أن يضربوا الأمثال العقلية في دعوتهم، وأن يقربوا المنقول بالمعقول؛ عل الناس أن يفهموا هذه الأمثال.

стр. 6393

العلماء يغرسون شجرة الإيمان في القلوب تعالوا إلى أئمتنا، أئمة أهل السنة والجماعة، ونعوذ بالله أن يوجد في أهل السنة والجماعة دعاة مرتزقة، بل دعاة أهل السنة والجماعة يتميزون بالأصالة، وبأنهم ربانيون، يريدون الخير للمسلمين، ويقدمون علم الكتاب والسنة للناس، وبأنهم يعلنون ولاءهم لله، وبراءتهم من أعداء الله هذه ميزة علماء أهل السنة والجماعة.

стр. 6394

أبو حنيفة يضرب مثلاً لقدرة الباري يمر أبو حنيفة على صف من الملحدين فيقول له الزنادقة: يا أبا حنيفة، دلل لنا على وجود الباري. سبحان الله! أفي الله شك؟! سل الزهرة من خلقها؟ وسل النحلة من أرسلها؟ وسل شعاع الشمس من بثه؟ وسل النسيم من أجراه؟ سل الحب من أسكنه القلوب؟ سل نور العين من ركبها في المقل؟ سل الإشارة ما لها تشير؟ سل الليل ما له يظلم؟ سل النهار ماله يتجلى؟ قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٧] إنه الله جل في علاه. فقالوا له: يا أبا حنيفة! دلل لنا على وجود الباري. وأبو حنيفة داعية الإيمان قبل أن يخبر بميراث الجدة والعمة والخالة لقد أتى بالإيمان وأسس دعوته على الإيمان قبل أن يأتي بالسنن والفرعيات التي لا تغفل ولكن تعطى حجمها. قال لهم الإمام: أرأيتم سفينةً عبرت عباب دجلة، ونزلت بالشاطئ بحمولتها، ليس لها قائد ولا سائق ولا ربان؟ قالوا: ليس هذا بصحيح. قال: لماذا؟ قالوا: العقول تنكر هذا. قال: سبحان الله! سماء ذات أبراج، وليل داج، وأرض ذات فجاج، وبحر يزخر، ونجوم تزهر، ألا تدل على السميع البصير؟ قالوا: بلى. هذا هو الاستدلال، وهو عالم الإيمان، والصراع الدائم والخالد والباقي بين الإيمان والكفر، يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] إنه صراع بين (لا إله إلا الله) وبين (لا إله والحياة مادة).

стр. 6395

الإمام مالك يجيب على سؤال عقدي وذكر ابن كثير في التفسير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]: أن هارون الرشيد الخليفة العباسي، مخاطب الغمامة، الذي ناجى السحابة وتحداها لتنزل ماءها في غير أرضه، ولكنها أبت، وما استطاعت أن تتجاوز مملكته يقول لـ مالك: دلل على قدرة الباري ﵎. قال أبو عبد الله -شيخ المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث- سبحان الله! -أي: أمثلك يسأل مثل هذا السؤال- سبحان الله! اختلاف اللغات وتعدد اللهجات، واختلاف النغمات كلها تدل على السميع البصير. أصوات مختلفة، لا الصوت هذا يشبه هذا، ونغمات متباينة، ولهجات متعددة، ألا تدل على أن هناك صانعاً حكيماً؟ بلى.

стр. 6396

الشافعي وأحمد يدللان على قدرة الباري يأتي الشافعي ويفتح باب الحوار مع الملحدين والزنادقة، وهو داعية الإسلام عنده رصيد من الأدلة، ويبرز في الميدان وهو المنتصر بإذن الله، ولا يختبئ ولا يخاف على نفسه فالله معه. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس قيل للشافعي: دلل لنا على القدرة. فقال: ورقة الشجرة تأكلها الدودة فتخرج إبريسماً حريراً، والغزال فتخرج مسكاً، والنحل فتخرج عسلاً ألا يدل ذلك على السميع البصير؟ بلى والله، يدل على السميع البصير. فيا سبحان الله! كيف أقفلت العقول؟! لقد أصبح من أعظم أمراض المجتمع اليوم مرض الإلحاد ومرض الشك مرض ركب الحداثة وأمثالها وأذنابها وعملائها ليبث سمومه في الساحة، في جزيرة العرب. ويأتي الإمام أحمد ودليله رابع الأربعة، وهو في بيته، يلتفت إلى بيضة الدجاجة -وقد سألوه عن دليل القدرة- فقال: هذه البيضة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس فيخرج منه حيوان سميعٌ بصير ألا يدل على السميع البصير؟ بلى والله لكن من يتأمل؟ ومن يتفكر؟ ومن يتدبر؟ فما لهم لا يؤمنون! ما لهم لا يؤمنون والسماء تشهد أن لا إله إلا الله؟! ما لهم لا يؤمنون والأرض تشهد أن لا إله إلا الله؟! مالهم لا يسمعون ويستجيبون وينطقون لا إله إلا الله؟!

стр. 6397

أعرابيان يدللان على قدرة الباري لا تظنوا أن هذا الفكر الإيماني لا يحمله إلا العلماء، بل من بدونا وأعرابنا من يحمل عقيدة التوحيد وهو في الصحراء لا يعرف إلا شاته وتيسه وجمله، ولكن شاته وتيسه وجمله يدلانه على السميع البصير؟! بلى. دخل علي بن الجهم على المتوكل وعلي بن الجهم عاش فترة البداوة، فكل المعالم التي معه في البادية تيس وكلب، ويظن أن أحداث العالم تتوقف على التيس والكلب، فأتى يمدح الخليفة يوم عيد الفطر، فقال: أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب فتح الله عليك، ما هذا اللموع؟ وما هذا الإشراق؟ فقام الوزراء ليطرحوه أرضاً ويضربوه ضرباً مبرحاً لا يحفظ بعده آية، لكن الخليفة كان ذكياً فقال: دعوه، هو عاش في بيئة لا يعرف فيها إلا الكلب والتيس، أنزلوه عند الرصافة والجمال والحياة فأنزلوه عند الماء وعند الزهر والورد وأنزلوه إلى الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء فنزل وبعد سنة أتى وبدأ قصيدته كأنها إطلالة فجر، يقول: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري والنحلة أو البستان أو الحديقة هنا تدل كلها على الله، كما يدل التيس والجمل والشاة على الله. مروا بأعرابي يصلي، ففال له أحد الملحدين: لمن تصلي؟ قال: لله، قال: هل رأيته؟ قال: سبحان الله! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على السميع البصير. ولا تظنوا كذلك أن من حمل العلم سوف يكون مؤمناً، لا فإن من الناس من يحمل علماً ومتوناً ونصوصاً ولكنه فاجر من الفجرة، منتظم في سند فرعون وفي متن إبليس، ولذلك إذا ذكر الله العلم جعله في معرض الإيمان قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] لأن العلم بلا إيمان يساوي أتاتورك الملعون، فهو الذي أتى بـ العلمانية وفصل الحياة عن الإيمان. والفيلسوف الكندي عالم ولكنه ملحد ذكي ولكنه ليس بزكي ظريف العبارة ولكنه ليس بشريف الأصالة والإشارة، أتى يعارض القرآن كفى بك خيبة يا عدو الله، وكفى بك لعنة وخسارة أن تعارض كتاب الله دخل بيته -كما ذكر المترجمون عنه- فأغلق الباب وفتح المصحف وقال لتلاميذه: انتظروني ساعة، سوف آتي بسورة أعظم من سور القرآن فدخل البيت وفتح المصحف فوقع نظره على قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فانبهت، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] فقال: عجيب!! نادى وأمر وبين واستثنى وفصل وختم في آية! فلما أراد أن يرفع يده وجد نصف جسمه قد شل، وأصبح يابساً جافاً، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]. وهذا ابن الراوندي يتزندق مستهتراً، وهو عميل آخر عنده علم وفلسفة، وكم حسب على الإسلام من فيلسوف، يقولون: فيلسوف الإسلام! والإسلام لا يعترف بالفلسفة، الإسلام لم يأت بالفلسفة، فهذه كلمة لا صحة لها، ونحن في غنى عن ابن سيناء والفارابي، وعن أضرابهم وأمثالهم. الإسلام يعترف بقال الله وقال رسوله ﷺ ، بالقرآن والسنة، بقال الله وحدثنا، أما فيلسوف الإسلام فلا ابن الراوندي هذا ترجم له الذهبي فقال: الكلب المعثر، الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن ليدمغ القرآن فدمغه الله، أخذه الله نكال الآخرة والأولى، وذهب، ولكنه ما ذهب عذابه من الله، هذا عذابه في الدنيا، وبعض الناس إذا ترجم لهؤلاء ينسى إلحادهم، وشكهم وريبتهم، كما يفعل بعض الكتاب والصحفيين، يأتي بزنديق ملحد عميل للصهيونية والشيوعية، ويمجده حتى يصبح بارزاً بين الناس، وهذا فحش وعار وشنار. ابن خلكان ترجم لـ ابن الراوندي هذا فسكت وقلس عليه، قال ابن كثير: قلس وملس عليه كأن الكلب ما أكل له عجيناً. لكن لما أتى الذهبي أوقف ابن الراوندي ولعنه وأوقفه عند حده. ونحن اليوم بحاجة إلى دعاة يغرسون الإيمان في القلوب، فقبل تصحيح المعاصي لابد من غرس شجرة الإيمان لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.

стр. 6398

الأدب الإسلامي الموحد يتصدى للأدب الكافر أما العنصر الثالث: فهو الأدب الإسلامي الموحد يتصدى للأدب الكافر الملحد. تعالوا بنا إلى أدباء موحدين في الجنة، وأدباء ملحدين في النار، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. من العلماء والمفكرين والشعراء، والقصاص، والخطباء، والوعاظ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ألا تريد أن تنقذ نفسك لتكون من أصحاب الجنة؟! إن هذا هو سر وجودك يوم أوجدك الله في الحياة، هذا هو الأدب الموحد، فلنعرض لبعض الأمثلة والنماذج.

стр. 6399

أبو نواس موحد في شعره بإمكان المسلم أن يدخل الجنة ببيت شعر يصدق فيه مع الله ويكون عاملاً بهذا البيت حسان بن ثابت قائد الشعراء إلى الجنة، وامرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار؛ لأن ذاك آمن في شعره وهذا كفر في شعره، يقول ابن كثير وهو يستدل على قدرة الباري ﵎: ولـ أبي نواس أبيات ما أحسنها في الإيمان أبو نواس يأتي إلى الزهرة -ونحن لا نطلب من الأدباء والشعراء والقصاص أن يكونوا وعاظاً، وإنما نطلب منهم أن يكونوا مؤمنين- فيصفها لكن يذكر من بدأ الزهرة وأبدعها ويصفون الليل ولكن يأتون بمن ألبس الليل جلباب السواد ويصفون الصباح ولكن يتحدثون عمن أعطى الصباح رحيقه ومسكه وجماله فـ أبو نواس يقول: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك هذا هو عرض العقيدة في الشعر. ذكر بعض العلماء في ترجمته أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة بقصيدتي في النرجس. تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على كثب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. أديب السودان يعلن بقصيدته الإيمان -وقد مر معنا- يوم يقول: قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا وبعض الناس يعيش بلا رسالة، يصف الغزال والحمار والثور والليل والبهائم والعجماوات لكن ما عنده رسالة الشيوعي يحمل رسالة في قصائده، والحداثي يحمل رسالة حداثية ملحدة في شعره لكن تجد بعض الناس لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، واقف في الوسط، ما دخل في الليل ولا دخل في النهار. ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستشهدون وهم شهود شاعر ما له رسالة ولا له هدف ومثل من يقول: يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقى وفيها حكمة، لكن الواجب أن يحول شعره ويسكب فيه الإيمان. ويأتي شاعر بعده بقرن أو أكثر، فيأتي على البحر بقصيدة في الإيمان ويقول: لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف رنا كم فرح بعد إياس قد أتى وكم سرور قد أتى بعد الأسى سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا إلى آخر القصيدة التي يذكر في الأسماء والصفات فهذه يدخل بها إن شاء الله الجنة.

стр. 6400

أبو العلاء المعري يعلن تمرده على الشريعة ولا يظن الإنسان أن مركب الحداثة والزندقة الحديثة في المتأخرين فحسب، بل وجدت في المتقدمين، فهذا أبو العلاء المعري يعلن تمرده على الشريعة، وكان أعمى القلب وأعمى البصر، حشفاً وسوء كيلة، يقول : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] كان ذكياً ولكن لم يكن زكياً، قلبه يتوقد ذكاء لكنه مظلم، أتى فقال: كم يقول فقهاء الشريعة في دية اليد؟ قالوا: خمسمائة من الذهب. قال: في كم تقطع إذا سرقت؟ قالوا: في ربع دينار. فتفنن -متحذلقاً متزندقاً ملحداً- وقال: معترضاً على الله حين قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]. يدٌ بخمس مئين عسجد وديتْ ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار بعد ماذا تسكت يا عدو الله؟! بعد ماذا تسكت يا أيها الكلب المعثر؟! تكلمت في البيت الأول وتسكت في الثاني! خير منه الكلام بالتوبة، ثم يقول: ونستعيذ بمولانا من النار. لا والله، بل دهدهت قلبك ووجهك إلى النار، وفتحت على نفسك طريقاً إلى النار، وجعلت لله سلطاناً عليك. لكن رد عليه شعراء أهل السنة والجماعة فليس أهل السنة والجماعة فقهاء فحسب، بل منهم شعراء، ومنهم مذيعون، ومنهم خطباء، وصحفيون، ومتكلمون، ومحاضرون. فيقول عبد الوهاب المالكي بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه: قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ شرائع الدين لم تقدح بأشعار فنّكل الله المعري! وذكر كثير من أهل التاريخ أنه لما توفي وأجلس في قبره فإذا بحية تدهدهت عليه فأخذت بلسانه وبفرجه. ! هذه أول العلامات.

стр. 6401

بشارة الخوري يكفر بالدين، وإيليا أبو ماضي وطلاسمه اللعينة أما شعراء وأدباء هذا العصر الذين بثوا سمومهم ووجدوا سوقاً، ووجدوا مقالاً فقالوا، ووجدوا جماهير صفقوا لهم فزادوا، فالله حسيبهم. بشارة الخوري ينزل في دمشق، فيحمل على الأكتاف من المطار إلى الحديقة، فيقول وهو على أكتاف الناس: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم برهم الهندوكي المجرم الملعون، ثم يقول: بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم ورد عليه شعراء أهل السنة -والحمد لله- فهناك ردود ولكن من ينشرها؟ ومن يقوم بها؟ ويقول إيليا أبو ماضي: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] مالك يا أيها الإنسان كفرت بالله؟ مالك يا أيها الإنسان لا تسمع لا إله إلا الله؟ يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت لقد أتيت من نطفة من العدم، يقول : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١]. يقول: لقد أتى صدفة وكذب عدو الله، بل ميلاده بقضاء وقدر، وحياته بقضاء وقدر، وأكله وشربه بقضاء وقدر، وسعادته وشقاوته بقضاء وقدر، كما صح عنه ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠] نعم لقد نزل من بطن أمه يبكي. ولدتك أمك يا بن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً قال: ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! طريق استالين وماركس ولينين، ولكنك تركت طريق محمد ﷺ طريق ليس فيها محمد ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهي طريق ملعونة ومغضوب على أصحابها طريق مظلمة ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! والنهاية النار. وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!! ولماذا؟ لست أدري لست أدري!! لكن ستدري إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. أين هذا من إيمان أحد الأعراب يوم أسلم عند الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله! إني خارج إلى الغزوة، وإني أرى أن أقتل هذا اليوم -إن شاء الله- فأين ألقاك يوم القيامة؟ يا للإيمان! يا لليقين! يا للوضوح والثبات! هو يسأل فقط عن الموعد، وعن مكان ومعلم بارز في القيامة، فيتبسم ﵊ ويقول: ﴿لا أغادر ثلاثة أماكن: إما الحوض أو الميزان أو الصراط﴾ وفي بعض الألفاظ: ﴿أو عند تطاير الصحف﴾ أين ألقاك؟! اللقاء لابد منه لكن أين المكان؟ وأين أجدك وسط الأمم والشعوب والملايين؟ وأين إيمان ذلك الوثني من إيمان عبد الله بن أنيس يوم قتل خالد بن سفيان الهذلي، ويأتي إلى الرسول ﷺ فيراه وقد قتله، فيقول له ﷺ : ﴿أفلح الوجه. قال: وجهك يا رسول الله. قال: خذ هذه المقصرة (عصا) عصى، سوف تتوكأ به في الجنة والمتوكئون بالعصى في الجنة قليل﴾ فيأخذ العصا وينام، ويستيقظ وهي معه، ولما مات دفنوا العصا معه؛ لأنه سوف يتوكأ بها في الجنة. أين إيمان هذا من عمير بن الحمام، يوم أتى إلى بدر! فقال ﷺ : ﴿يقول الله: يا أهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والذي نفسي بيده، ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة. قال: الجنة يا رسول الله؟! قال: الجنة إي والذي نفسي بيده﴾ فيلقي التمرات وكان يأكلهن، ويكسر غمده على ركبته، ويتقدم إلى الموت فيقتل في سبيل الله. هذا الشاعر أعلمه الله من هو الواحد القهار، فكان عند مرض الموت يخور كما يخور الثور، وينبح كما ينبح الكلب، حتى أخذ يبكي ولسان حاله يقول -مستعتباً في وقت لا ينفع فيه العتب-: أبعين مفتقر إليك نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق ورجل آخر يقول لبشر مثله يأكل الطعام والشراب وينام مثله، ويسهى وينسى ويفجر، يقول فيه: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب ترابُ كذب عدو الله بل الذي إذا صح منه الود الطيب هو الله جاء وفد بني تميم فطرقوا باب الرسول ﷺ وقالوا: اخرج لنا يا رسول الله، فإن مدحنا زين وذمنا شين. يقولون: إذا مدحنا مدحنا وإذا ذممنا ذممنا، فقال ﵊: ﴿لا والذي نفسي بيده، الذي مدحه زين وذمه شين هو الله﴾ هذا هو الذي ينبغي أن يلاحظ على مثل هؤلاء الفجرة الذين ينسون الله وينسون الإيمان، فإذا أتى في الشعر نسي الله، وإذا أتى في الصحافة نسي الله، وإذا أتى إلى المسرح نسى الله، وإذا أتى إلى الفيديو نسي الله، إذا أتى إلى المنتدى والنادي نسي الله فإذا ذكرته بالله قال: الله في المسجد لا والله، بل علمه في كل مكان، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] جل الله وتبارك وتعالى. وحداثي متستر يستهزئ بالرسول ﷺ ، والطوام أن يأتي من أمهاتنا وفي بلادنا من يشرب ماءنا ويستنشق هواءنا ثم يستهزئ برسالتنا وبأصالتنا وعمقنا وبديننا وإيماننا وبتوحيدنا، فيقول في مقطوعة نثرية في آخرها: غطى عليها بردائه الهاشمي يقول: إن دنيانا لم تبصر النور لما أطل بردائه الهاشمي على الدنيا وعلى الجزيرة، يقول: أظلمت، كانت نيرة فلما أتى الهاشمي ووضع رداءه ما رأت النور فمن هو الهاشمي؟ ليس إلا محمداً ﵊. أيها البغيض المتكلم! والله الذي لا إلا هو، لقد رفع الله به رءوس أمتك وأخرجهم من الظلمات إلى النور هذا الهاشمي -أيها البغيض- هو الذي جعلنا نخطب على منابر الأندلس، وعلى ضفاف دجلة والفرات والجنج وطشقند وغيرها من بلاد الدنيا هذا الهاشمي -أيها المتخلف- هو الذي أخرج الله به أمة العرب من أمة متخلفة وثنية مشركة إلى أمة تقدم أرواحها للواحد الأحد. إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها فأمدها مدداً وأعلى شانها وأزال شانئها وأصلح بالها الهاشمي ﵊ -يا متخلف! - هو الذي أتى بـ أبي بكر الصديق ليكون علماً للعدل والسماحة والنبل، وأتى بـ عمر إنساناً أخرجه الله وجعله بإذنه رجل عدالة، ورجل ريادة وزهد وعبادة يضرب بعدله المثل، وأتى بـ علي وبـ عثمان وبـ الزبير وبـ طلحة وبـ زيد وبـ أُبي ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع لكنها قلوب مظلمة، وعقول متخلفة! وإذا نزع الإيمان فلا تسل عن صاحبه.

стр. 6402

الصراع الحربي بين التوحيد والإلحاد العنصر الرابع: الصراع الحربي القتالي بين التوحيد والإلحاد. إن الصراع والقتال بين الإيمان والإلحاد جزء من الصراعات التي ذكرتُ، فإن بدراً وأحداً هي بين الإيمان وبين الإلحاد والطغيان. وكذب طه حسين وافترى على الحي القيوم يوم أتى يتكلم عن بدر -واسمع إلى المتخلف العفن- يقول: بدر وقعت بين قبائل قريش وقبائل الأوس والخزرج لحزازات في الجاهلية حزازات! لا والله بل جبريل في المعركة، يقول حسان: وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد لا إله إلا الله نزلت في المعركة الله أكبر والحمد لله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله شاركت في المعركة الملائكة متعممون مسومون يضربون بالسيوف وشاركوا في المعركة أهي حرب قبلية؟! هذه المعلومات أخذتها يا طه حسين من باريس، ولو رجعت إلى المدينة وإلى السنن والمسانيد لرأيت العلم الصحيح، لكنك أخذتها من ديجون وفلريدسكل دستن، وغيرهم وأذنابهم وأشياعهم من أعداء الإسلام. أحد وبدر واليرموك والقادسية بين لا إله إلا الله وبين الكفر، بين الإيمان والشرك، وأفغانستان اليوم وفلسطين -إن شاء الله- كذلك وما انتصر المجاهدون في أفغانستان إلا يوم أن نزلت لا إله إلا الله في الساحة. في جحفل من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدا صوتاً ولا صيتا قوم إذا قابلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا رفعوا لا إله إلا الله، وسجدوا وقالوا: لا إله إلا الله، وإذا نزلت لا إله إلا الله إلى الساحة فلتأت روسيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] واليوم يُشرف على فتح كابل، واقترب فتحها ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧] قال المجاهدون الأفغان: لا إله إلا الله، آمنا بالله وكفرنا بهيئة الأمم المتحدة. قال لهم الناس: جنيف قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ جنيف، قالوا: مجلس الأمن قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بمجلس الأمن. يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلو الإنسان خابوا مالهم إلا الرماد جثث البرايا منهمو في كل رابية وواد فأخذوا الكلاشنكوف، وتوضئوا وبدءوا في الغارات يذبحون الشيوعيين على الطريقة الإسلامية، ويجوز ذبح الشيوعي إذا كان على الطريقة الإسلامية، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. وفي الأخير أتى الدب الأحمر في موسكو وقال: ننسحب للأخوة الإنسانية عرفتك لا إله إلا الله والكلاشنكوف الأخوة الإنسانية، لكن فلسطين ثلاثين سنة ما اعترف شامير ولا سمع شامير بلا إله إلا الله، والآن نسأل الله أن تنزل لا إله إلا الله في ساحة فلسطين ليعود البيت الأقصى للمسلمين بلا إله إلا الله فلسطين لن تعود حتى نعود إلى الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] النصر يأتي من فوق سبع سماوات النصر يأتي من هناك، ولا يأتي من عند أحد، لا من واشنطن ولا من موسكو، وإذا أتى النصر من عند الله وصدقنا مع الله نصرنا الله كما تشاهدون وتسمعون من المجاهدين الذين سفَّهوا الشيوعيين، والله لقد سفكوا حتى ماء وجوههم على الأرض، وخرجوا وهم في خجل ورعب. فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان فيا أبناء التوحيد! ويا أبناء الذين رفعوا لا إله إلا الله ووزعوها على البشرية أنا أتكلم في قوم ليسوا بغرباء، هم من نسل خالد بن الوليد وطارق وصلاح الدين، ومن يشابه أبه فما ظلم أعطي خالد السم في اليرموك، وقال له الروم: إنك تزعم أنك متوكل على الله فاشرب السم. قال: باسم الله توكلت على الله، فشربه، فما أصابه شيء. وقيل للرسول ﵊: الجيش جرار مقبل عليك، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وقيل لإبراهيم: النار محرقة، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنجى. وقيل لموسى: الماء مغرق. قال: حسبنا الله ونعم الوكيل فنجى. وقيل لـ خالد: جيش الروم في اليرموك مائتان وثمانون ألفاً وجيشك ثلاثون ألفاً، يقول أحد المسلمين بجانب خالد: أما اليوم فالملتجى إلى جبال سلمى وأجا في حائل. فقال خالد: بل إلى الله الملتجى، فنصره الله، وأتى سعد إلى أهل فارس فرأى الجموع كالجبال فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وأتى المجاهدون الأفغان يوم أتت روسيا بدباباتها وطائراتها وقضها وقضيضها وقواتها وقنابلها، فخرجوا بالسلاح البدائي وبالقماش المرقع وبقطع الخبز وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وأنا أقول من هذا المكان: يا كل فلسطيني على وجه الأرض! لن ينصرك الله حتى تعود إلى الله وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فحسبنا الله أولاً وآخراً. نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا وقلوبكم، وأن يزرع شجرة اليقين في أرواحنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله ﵎، ثم أشكركم، ولا أنسى أن أشكر فضيلة الشيخ: عبد الوهاب الناصر إمام هذا الجامع، وأستغفر الله مما ذكرني به فأنا أعلم بنفسي. إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6403

الأسئلة

стр. 6404

آثار الصحوة الإسلامية وبعض الملاحظات السؤال الصحوة الإسلامية تثلج صدور المسلمين، فحبذا لو ذكرت ما ظهر من آثارها على الساحة الإسلامية، وهل من ملاحظات عليها؟ الجواب نعم. هذه الصحوة والعودة والرجوع إلى الله مما يثلج صدر المؤمن، فلله الحمد أولاً وآخراً، فإن الفضل فيها يعود إليه ، فهو الذي هدى ووفق، ثم للدعاة المخلصين ومما يفرح المؤمن ثلاثة أمور في هذه الصحوة: أولها: الإقبال من الشباب على العلم الشرعي، وهذا مطلب عظيم، ومقصد نبيل فإن الدعوة بلا علم خسارة، والتوجه بلا علم ضلال، والسير بلا علم ظلام. وثانيها: ظهور سنن المصطفى ﵊ على شباب الإسلام، يقول : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فهي وجوه راضية برضى الإيمان ساجدة لله، وقلوب تخفق بذكر الله، وألسنة تلهج بذكر لا إله إلا الله، وسنن تلوح على الجبين. وثالثها: دعاة بدءوا في الساحة يدعون إلى الله على بصيرة ويوعّون الناس فهذه ثلاثة أمور أشكر المولى ﵎ عليها وعلى غيرها من النعم، وأطرحها بين أيديكم. أما الملاحظات، فإن المخلوق ناقص مهما كمل، ولا كمال عند المخلوق في عمله لأنه من نقص، وعندي ثلاث ملاحظات: أولها: بعض شباب الصحوة لا يهتم بالعلم، بل قد يزجي بعض الكلمات الغير مسئولة في التقليل من شأن العلم، وأننا لسنا بحاجة إلى العلم؛ لتصبح الأمة تعيش على الفكر، أمة إنشائية لا أمة مؤصلة بقال الله وقال رسوله ﷺ . الملاحظة الثانية: قلة النوافل عند بعض الناس فإنه ولو اهتدى وظهرت عليه السنة إلا أنه يحتاج إلى مدد وذكر وعبادة ونوافل وتلاوة. وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى وأخلص ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا فالنوافل تقل عند بعض الناس، ونحن بحاجة إلى مدد وغذاء للروح وهي النوافل. الملاحظة الثالثة: وجود بعض الضغائن والأحقاد عند البعض، وهم في هذا الإقبال والصحوة إلى الله؛ وذلك بسبب اختلاف بعض المشارب أو بعض الاتجاهات والاجتهادات، وهذا ملحظ خطير، يقول : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].

стр. 6405

أبو حامد الغزالي وابن حزم في الميزان السؤال هل من كلمة حول هاتين الشخصيتين: أبو حامد الغزالي وابن حزم الظاهري؟ الجواب أبو حامد الغزالي صاحب كتاب إحياء علوم الدين، واسمه محمد بن محمد الطوسي الغزالي، هذا من أكثر العلماء الذين اختلفت فيهم عبارات أهل العلم، والذي أقوله في هذا الرجل كما قال الذهبي وغيره: أنه رجل مشكور ومأجور عند الله ، ولكن عليه مآخذ: أولها: الرجل عاش أدواراً وأطواراً فقد عاش الفلسفة، ثم عاد إلى التصوف، وأتى في آخر عمره إلى أهل الحديث، فمات قبل أن يتم في هذا العمر فالعقيدة لا تؤخذ من كتبه ولا منه، فهو أشعري منطقي فيلسوف، يأتي بالتأويل ويثبته ويرى أنه الصحيح، كما في المجلد الأول من الإحياء. الأمر الثاني: الرجل في الحديث حاطب ليل. أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل فيأتي بالموضوعات كأنه ينقلها من صحيح البخاري ومسلم. الأمر الثالث: الرجل معجب بـ الصوفية، يمجدهم ويسترضيهم، ويمدحهم مدحاً عجيباً فهذه مقاتله الثلاثة. أما نبله: فيأتي من زهده، وسعة علمه، وغيرته على الإسلام، ونسأل الله أن يكون ممن قال فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. وأما أبو محمد علي بن حزم الظاهري؛ فهذا منجنيق الأندلس -كما قال ابن القيم - وهو شمس ولكنها طلعت من الغرب، ذكي لامع، يقول الشوكاني في البدر الطالع: ما بين ابن تيمية وابن حزم بأقوى من الرجلين. لكن البشر فيهم نقص، قال أهل العلم: عليه عدة مآخذ: أولها: أنه ترك القياس ونفاه وأنكره، فضاق عقله في الشريعة، وضاقت دائرته، وأصبح يدور حول نفسه. الأمر الثاني: أنه شديد على العلماء، فأخذ في أعراضهم -والله يسامحه ويغفر له- ونسي أنه يتخاطب مع مالك وأبي حنيفة والشافعي، لكن اعتذر له، فهم كرماء والله أكرم، وعسى الله أن يتجاوز عنه. الأمر الثالث: الرجل مؤول في الصفات، فهو سال في موضع الجمود وجمد في موضع السيلان فإن الفروع تحتاج إلى عقلية وقياس، فرد القياس، وأتى إلى الصفات فأتى بالقياس. يوم يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معدياً فعدناني فقد أساء في المعتقد في الصفات، حتى قال عنه ابن تيمية: "إن أبا الحسن الأشعري خير منه في الأسماء الصفات". المسألة الرابعة: أنه أباح الغناء، لأنه ضعف حديثاً في البخاري تجاوز الله عن الجميع. وعلى كل حال فمناقبه كثيرة فهو محدث وعالم وداعية، دمغ الكفر والنصاري واليهود والرافضة، وحسناته تربو على سيئاته. أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

стр. 6406

انتقاد بعض أحاديث الصحيحين السؤال انتقُدت أحاديث على الصحيحين من قبل بعض الحفاظ وبعض المغرضين، فما هي الأمثلة وما سبيل الرد؟ الجواب الصحيحان تعرضا إلى هجوم وانتقاد، فأما الانتقاد فمن الجهابذة من علماء السنة، كـ الدارقطني وأبي مسعود الدمشقي وابن تيمية شيخ الإسلام وغيرهم. وأما الهجوم فمن العملاء وأذناب الكفر والمستشرقين، من أمثال أبي رية وجولد زهير المجري، لكنهم كنافخ الشمس، ما أثبتوا دليلاً، يقول تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] سكتوا إلى أبد الدهر، ونطق الصحيحان على كل منبر وكل جلسة وفي كل إذاعة وفي كل درس. وأما نقد أهل العلم فقصدهم حسن وسليم -أثابهم الله على ذلك- والكتب ليست معصومة من الخطأ، إلا كتاب الله ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. صحيح البخاري: انتقد فيه بعض الأحاديث كما ذكر ابن تيمية في المجلد الثامن عشر، كحديث: ﴿إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين﴾ قيل: فيه انقطاع بين الحسن وأبي بكرة. والصحيح أنه موصول وبعض الزيادات في صحيح البخاري تكلم فيها وقالوا: إنها وهم من بعض الحفاظ، مثل: ﴿احتجم ﷺ وهو محرم صائم﴾ ويحيى بن سعيد القطان يقول: ما احتجم ﷺ وهو محرم إلى غير ذلك من الألفاظ التي ليس هذا مجال بسطها. أما صحيح مسلم فتعرض إلى بعض الانتقادات، منها ثلاثة أحاديث أقولها للبيان: ذكر ابن تيمية ثلاثة أحاديث في مسلم تبعاً للدار قطني منها: حديث في الجمعة ساعة مستجابة من حين يصعد الخطيب إلى أن تقضى الصلاة وهذا الحديث عن أبي موسى، وهو حديث منقطع، وقد ذكر ابن حجر في بلوغ المرام انقطاعه، وذكر هذا ابن تيمية والدارقطني قبلهم ومنها: حديث: ﴿خلق الله التربة يوم السبت﴾ ثم عد سبعة أيام وذكر الله أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قال أهل العلم: هذا من كلام كعب الأحبار وليس من كلامه ﷺ ومنها: حديث تعرض له ابن حزم، وهو حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان، أن أبا سفيان قال: ﴿يا رسول الله! أريد منك ثلاثاً﴾ ثم ذكرها حتى يقول ابن حزم: هذا حديث موضوع وقد تجاوز وجازف في هذه المسألة، بل فيه كلام، وقد رأى بعض أهل العلم صحته ومنها: حديث أتى به ابن الجوزي في الموضوعات، وهو في مسلم: ﴿صنفان من أمتي لم أرهما: صنف معهم سياط كأذناب البقر﴾ وهذا خطأ منه ووهم. ولكن نقول: كل ما في البخاري ومسلم -إن شاء الله- مقبول، وإنما تعرض إليها بالنقد، وهؤلاء الذين نقدوا الصحيحين أناس مجتهدون عندهم خير وحسن نية يريدون الخير فجزاهم الله خيراً، وأناس مغرضون أذناب عملاء جزاهم الله شراً، ومأواهم جهنم وبئس المصير.

стр. 6407

سؤال عن حال ثلاثة أحاديث السؤال سؤال عن ثلاثة أحاديث ما هي درجتها من الصحة: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ ﴿عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد﴾ ﴿استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان﴾؟ الجواب أما حديث: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ فقد رواه أحمد وابن حبان وسنده حسن، ولو أن بعض أهل العلم ضعفه، لكن هذا ليس بصحيح، بل له شواهد يرقى بها إلى الحسن، ومن أهل العلم من صححه. وأما حديث: ﴿فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد﴾ فقد رواه ابن ماجة عن ابن عباس، ورفعه ابن ماجة فأخطأ، بل هو من كلام ابن عباس، ولا يصح مرفوعاً إليه ﷺ . وأما حديث: ﴿استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان﴾ فقد رواه العقيلي في الضعفاء وابن عدي والبيهقي موقوفاً على عمر وهو الصحيح، ولو أن بعض المحدثين المعاصرين رفعه إلى الرسول ﷺ ، لكن الأصح -كما قال السيوطي في الجامع الصغير وغيره أنه موقوف على عمر إذاً: هذه الثلاثة الأحاديث، اثنان ضعيفان وواحد حسن.

стр. 6408

نصيحة لطالب العلم المبتدئ السؤال بماذا تنصح طالب العلم المبتدئ؟ الجواب أنصح طالب العلم المبتدئ بأمور: أولها: تقوى الواحد الأحد، فلن ينال العلم إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وبكثرة الاستغفار، واللجوء إلى الواحد الأحد، وكثرة الدعاء بأن يفتح الله عليه. الأمر الثاني: الجد والمصابرة في طلب العلم. الأمر الثالث: -وقد يكون سابقاً على الثاني-: الإخلاص لله ﵎: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾. الأمر الرابع: أن يبتدئ بالأوليات والمهمات في العلم، فيأتي إلى المختصرات فيحاول أن يحفظ في كل فن مختصراً، وإن وجد عالماً فالأحسن أن يقرأ عليه، وإلا ففي الكليات الموجودة النافعة، ويحاول أن يكون له وقت لحفظ القرآن ويبدأ به قبل المتون، فإنه لا يصح أن يحفظ المتون ويترك كتاب الله فهو أعظم المتون فيبدأ بالقرآن ثم ببعض المتون في كل فن فيكررها حتى يستظهرها مثل: رياض الصالحين للواعظ والخطيب والمتكلم، وبلوغ المرام للمفتي، وزاد المستقنع في الفقه، ومنظومات في النحو، كـ منظومة ابن مالك، أو ملحة الإعراب، أو الإعراب في النحو وغيرها وبعدها يرجع إلى الشروح، وبعد أن يقرأها مرة واحدة، يبدأ بتلخيص المسائل وتحقيقها وتحريرها والله معه، وسوف يجد الفائدة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 6409

قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) السؤال ليس من شك أن منهج أهل السنة إثبات صفات الله وعدم تأويلها، فما هو القول في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]؟ الجواب يقول : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] والقول الصحيح في هذه الآية إن شاء الله: أننا نثبت الصفة ما دام أنها وردت، فتثبت لله أنه يستهزئ بمن استهزأ به، ونقول: إنه يستهزئ بمن يستهزئ به، كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] فنثبت أن الله يسخر بمن يسخر به سخرية تليق بجلاله، واستهزاءً يليق بجلاله وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] نثبت أن الله يمكر بمن يمكر به، ولا نؤول الصفة، ولذلك أتى بها -كما قال ابن كثير - على باب المشاكلة والمجانسة، ولكن لما أتى بصفةٍ لا تليق به كالخيانة قال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال:٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة صفة نقص، بل قال: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال:٧١] فالصفات تلك نثبتها كما وردت وكما يليق بجلاله . أما مثل كلام ابن حجر في حديث: ﴿لا يمل الله حتى تملوا﴾ قال: هذا لا ينسب وإنما هو من باب المقابلة فهو تأويل، وما فعل الأشاعرة إلا تأويل، والمعتزلة مؤولة إذاً: فالقول الصحيح: نثبتها بأنه يفعلها بمن يفعل به على سبيل المقابلة والمشاكلة والمجانسة، ولا ننفيها عن الله ﵎.

стр. 6410

سؤال أدبي السؤال نستأذن في سؤال أدبي: من القائل؟ وما المناسبة؟ وما بقية القصيدة؟ يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا الجواب قائل هذه القصيدة هو عائض القرني غفر الله له، والمناسبة في المجاهدين الأفغان، وهذه بعض أبياتها: مروا بقلبي فقد أصغى له البان لي في حمى الحب أصحاب وجيران نعم لك الله ما قد تبت من وله أما لكم صاحبي صبر وسلوان أنا يراعتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكران دع ذا وهات قوافٍ منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينان يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لها خسف ونسف وتدمير وبركان كم ملحدٍ ماجنٍ ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بِشَعْبِهِ لشراها وهو جذلان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
следующие страницы →