← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

انتقاد بعض أحاديث الصحيحين السؤال انتقُدت أحاديث على الصحيحين من قبل بعض الحفاظ وبعض المغرضين، فما هي الأمثلة وما سبيل الرد؟ الجواب الصحيحان تعرضا إلى هجوم وانتقاد، فأما الانتقاد فمن الجهابذة من علماء السنة، كـ الدارقطني وأبي مسعود الدمشقي وابن تيمية شيخ الإسلام وغيرهم. وأما الهجوم فمن العملاء وأذناب الكفر والمستشرقين، من أمثال أبي رية وجولد زهير المجري، لكنهم كنافخ الشمس، ما أثبتوا دليلاً، يقول تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] سكتوا إلى أبد الدهر، ونطق الصحيحان على كل منبر وكل جلسة وفي كل إذاعة وفي كل درس. وأما نقد أهل العلم فقصدهم حسن وسليم -أثابهم الله على ذلك- والكتب ليست معصومة من الخطأ، إلا كتاب الله ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. صحيح البخاري: انتقد فيه بعض الأحاديث كما ذكر ابن تيمية في المجلد الثامن عشر، كحديث: ﴿إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين﴾ قيل: فيه انقطاع بين الحسن وأبي بكرة. والصحيح أنه موصول وبعض الزيادات في صحيح البخاري تكلم فيها وقالوا: إنها وهم من بعض الحفاظ، مثل: ﴿احتجم ﷺ وهو محرم صائم﴾ ويحيى بن سعيد القطان يقول: ما احتجم ﷺ وهو محرم إلى غير ذلك من الألفاظ التي ليس هذا مجال بسطها. أما صحيح مسلم فتعرض إلى بعض الانتقادات، منها ثلاثة أحاديث أقولها للبيان: ذكر ابن تيمية ثلاثة أحاديث في مسلم تبعاً للدار قطني منها: حديث في الجمعة ساعة مستجابة من حين يصعد الخطيب إلى أن تقضى الصلاة وهذا الحديث عن أبي موسى، وهو حديث منقطع، وقد ذكر ابن حجر في بلوغ المرام انقطاعه، وذكر هذا ابن تيمية والدارقطني قبلهم ومنها: حديث: ﴿خلق الله التربة يوم السبت﴾ ثم عد سبعة أيام وذكر الله أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قال أهل العلم: هذا من كلام كعب الأحبار وليس من كلامه ﷺ ومنها: حديث تعرض له ابن حزم، وهو حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان، أن أبا سفيان قال: ﴿يا رسول الله! أريد منك ثلاثاً﴾ ثم ذكرها حتى يقول ابن حزم: هذا حديث موضوع وقد تجاوز وجازف في هذه المسألة، بل فيه كلام، وقد رأى بعض أهل العلم صحته ومنها: حديث أتى به ابن الجوزي في الموضوعات، وهو في مسلم: ﴿صنفان من أمتي لم أرهما: صنف معهم سياط كأذناب البقر﴾ وهذا خطأ منه ووهم. ولكن نقول: كل ما في البخاري ومسلم -إن شاء الله- مقبول، وإنما تعرض إليها بالنقد، وهؤلاء الذين نقدوا الصحيحين أناس مجتهدون عندهم خير وحسن نية يريدون الخير فجزاهم الله خيراً، وأناس مغرضون أذناب عملاء جزاهم الله شراً، ومأواهم جهنم وبئس المصير.

стр. 6407

سؤال عن حال ثلاثة أحاديث السؤال سؤال عن ثلاثة أحاديث ما هي درجتها من الصحة: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ ﴿عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد﴾ ﴿استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان﴾؟ الجواب أما حديث: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ فقد رواه أحمد وابن حبان وسنده حسن، ولو أن بعض أهل العلم ضعفه، لكن هذا ليس بصحيح، بل له شواهد يرقى بها إلى الحسن، ومن أهل العلم من صححه. وأما حديث: ﴿فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد﴾ فقد رواه ابن ماجة عن ابن عباس، ورفعه ابن ماجة فأخطأ، بل هو من كلام ابن عباس، ولا يصح مرفوعاً إليه ﷺ . وأما حديث: ﴿استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان﴾ فقد رواه العقيلي في الضعفاء وابن عدي والبيهقي موقوفاً على عمر وهو الصحيح، ولو أن بعض المحدثين المعاصرين رفعه إلى الرسول ﷺ ، لكن الأصح -كما قال السيوطي في الجامع الصغير وغيره أنه موقوف على عمر إذاً: هذه الثلاثة الأحاديث، اثنان ضعيفان وواحد حسن.

стр. 6408

نصيحة لطالب العلم المبتدئ السؤال بماذا تنصح طالب العلم المبتدئ؟ الجواب أنصح طالب العلم المبتدئ بأمور: أولها: تقوى الواحد الأحد، فلن ينال العلم إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وبكثرة الاستغفار، واللجوء إلى الواحد الأحد، وكثرة الدعاء بأن يفتح الله عليه. الأمر الثاني: الجد والمصابرة في طلب العلم. الأمر الثالث: -وقد يكون سابقاً على الثاني-: الإخلاص لله ﵎: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾. الأمر الرابع: أن يبتدئ بالأوليات والمهمات في العلم، فيأتي إلى المختصرات فيحاول أن يحفظ في كل فن مختصراً، وإن وجد عالماً فالأحسن أن يقرأ عليه، وإلا ففي الكليات الموجودة النافعة، ويحاول أن يكون له وقت لحفظ القرآن ويبدأ به قبل المتون، فإنه لا يصح أن يحفظ المتون ويترك كتاب الله فهو أعظم المتون فيبدأ بالقرآن ثم ببعض المتون في كل فن فيكررها حتى يستظهرها مثل: رياض الصالحين للواعظ والخطيب والمتكلم، وبلوغ المرام للمفتي، وزاد المستقنع في الفقه، ومنظومات في النحو، كـ منظومة ابن مالك، أو ملحة الإعراب، أو الإعراب في النحو وغيرها وبعدها يرجع إلى الشروح، وبعد أن يقرأها مرة واحدة، يبدأ بتلخيص المسائل وتحقيقها وتحريرها والله معه، وسوف يجد الفائدة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 6409

قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) السؤال ليس من شك أن منهج أهل السنة إثبات صفات الله وعدم تأويلها، فما هو القول في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]؟ الجواب يقول : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] والقول الصحيح في هذه الآية إن شاء الله: أننا نثبت الصفة ما دام أنها وردت، فتثبت لله أنه يستهزئ بمن استهزأ به، ونقول: إنه يستهزئ بمن يستهزئ به، كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] فنثبت أن الله يسخر بمن يسخر به سخرية تليق بجلاله، واستهزاءً يليق بجلاله وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] نثبت أن الله يمكر بمن يمكر به، ولا نؤول الصفة، ولذلك أتى بها -كما قال ابن كثير - على باب المشاكلة والمجانسة، ولكن لما أتى بصفةٍ لا تليق به كالخيانة قال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال:٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة صفة نقص، بل قال: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال:٧١] فالصفات تلك نثبتها كما وردت وكما يليق بجلاله . أما مثل كلام ابن حجر في حديث: ﴿لا يمل الله حتى تملوا﴾ قال: هذا لا ينسب وإنما هو من باب المقابلة فهو تأويل، وما فعل الأشاعرة إلا تأويل، والمعتزلة مؤولة إذاً: فالقول الصحيح: نثبتها بأنه يفعلها بمن يفعل به على سبيل المقابلة والمشاكلة والمجانسة، ولا ننفيها عن الله ﵎.

стр. 6410

سؤال أدبي السؤال نستأذن في سؤال أدبي: من القائل؟ وما المناسبة؟ وما بقية القصيدة؟ يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا الجواب قائل هذه القصيدة هو عائض القرني غفر الله له، والمناسبة في المجاهدين الأفغان، وهذه بعض أبياتها: مروا بقلبي فقد أصغى له البان لي في حمى الحب أصحاب وجيران نعم لك الله ما قد تبت من وله أما لكم صاحبي صبر وسلوان أنا يراعتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكران دع ذا وهات قوافٍ منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينان يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لها خسف ونسف وتدمير وبركان كم ملحدٍ ماجنٍ ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بِشَعْبِهِ لشراها وهو جذلان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 6411

أثر الصلاة في حياة الفرد الصلاة ركن من أركان الإسلام، والتهاون بها من أعظم المنكرات، بل من المدمرات للدين وللأمة، وفي هذا الدرس تقرأ كلاماً مفصلاً عن الصلاة وما حل بالمسلمين بعد أن تهاونوا بها.

стр. 6412

نعمة الإسلام اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، ولك الحمد مثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الهدى ﷺ عز جاهك، وجل شانك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، بصّر به من العمى، وأرشد به من الجهالة، وأخرج به من الظلمات إلى النور، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلامُ الله عليكم ورحمته وبركاته، وإن كان من شكر، فإني أشكر الله العظيم جلَّت قدرته على أن جمعني بهؤلاء الأبطال الأخيار، أولئك النفر الذين قدموا أحسن الخدمات لأمتهم الإسلامية ولشعبهم ولبلادهم، وكلمتي معكم هذا اليوم هي عن مبدأ أصيل من مبادئ هذا الدين. ماذا نحن إذا تركنا رسالتنا وتعاليمنا وديننا؟ أي أمة نحن إذا تخلينا عن مبادئنا ومنهجنا ورسالتنا الخالدة التي بعث الله بها محمداً رسول الهدى ﷺ ؟ كنا قبل أن يأتي محمد ﷺ أمة ليس لها حضارة، ولا أدب ولا رسالة، ولا خلق ولا سلوك ولا منهج كنا قبل الإسلام أمة ضائعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها أتى ﵊ وكان من أعظم أهدافه في العالم أن ينقذ الإنسان. والإنسان بلا إيمان ضائع في الحياة!! والإنسان بلا رسالة متفلت!! والإنسان بلا مبادئ في مستوى البهيمة والدابة!! والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. وأنت -يا أخي- إنما أنت جندي تمثل هذا الإسلام، وإنما أنت من مدرسة محمد ﵊، وإن ما تقدمه لأبناء أمتك الإسلامية هو في سجل حسناتك يوم أن تصلح ما بينك وبين الله وإذا انقطع الحبل الذي بينك وبين الله فلن يصلح ما بينك وبين الناس، يقول معاوية بن أبي سفيان لـ عائشة ﵄ جميعاًً: [[اكتبي لي وصية وأوجزي، فقالت: بسم الله الرحمن الرحيم سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿من أرضى الله بسخط الناس رضي عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضى الناس، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس﴾]]. وهذا مبدأ معروف؛ أن من قطع ما بينه وبين الله قطع الله ما بينه وما بين الناس.

стр. 6413

المحافظة على الصلاة ما هي أمانتك التي حملك الله إياها؟ وما هي أعظم هذه الأمانة؟ وما هي الوديعة التي أمرت بتأديتها؟! إنها الصلاة. والذي يخون الصلاة أول ما يخون مرءوسيه، وأمته، وشعبه، وبلاده، والذي لا يتشرف بالسجود للواحد الأحد على الأرض، سوف يسجد لوظيفته ومنصبه، وحذائه وسيارته وشهوته، يقول ﵊: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش﴾. سماه عبد؛ لأنه عبد غير الله، ولذلك يقول شاعر ال باكستان الشاعر محمد إقبال وهو يخاطب مبادئ الإسلام: ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً

стр. 6414

أهمية الحفاظ على الصلاة إن إرادتنا وقوتنا وعزيمتنا في أداء الصلاة جماعة كل يوم خمس مرات، والذي يتعاهد المسجد كل يوم خمس مرات سوف يكون أميناً مؤتمنًا، خالصاً صادقاً منيباً بحول الله وقوته، قال الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فصاحب الصلوات الخمس لا يمكن أن يخون أمته وشعبه. ولا يمكن أن يخون رسالته وأمانته. ولا يرتكب الفحشاء والمنكر. ولا يتعاطى المخدرات ولا يكذب ولا يخون. ولا يضيع وقته ولا أسرته، ولا يضيع منهجه في الحياة. ولذلك يخبرنا ﵊ بأول برنامجنا الصباحي يوم أن نستقبل الحياة. وما هي الحياة بلا صلاة؟! ما هي الحياة بلا إسلام؟! إنها حياة البهائم، والخواجة الذي يعيش كالبهيمة، يجيد صنع الطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة ولكنه ما صنع روحه، قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦ - ٦٧].

стр. 6415

من آثار ترك الصلاة صح عنه ﷺ في صحيح مسلم وغيره أنه قال: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء كبه على وجهه في النار﴾ ويوم أن تُترك صلاة الفجر جماعة توقَّع لصاحب هذا الترك كل شيء!! ولا تستبعد عليه كل جريمة!! فمن الذي قاد الشباب إلى السجون في المخدرات؟! ومن الذي قاد فتيان هذه البلاد وغيرها في السرقات والزنا والمخالفات والسيئات؟! إن السبب هو: يوم تركوا الصلوات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] والذي لا يعرف المسجد يعرفه الله السجن والذي لا يخاف من الله يخوفه الله من كل شيء والذي لا يرجو لقاء الله يسلط عليه من لا يرجو لقاءه. وقد استقرأت المطالعات المطروحة في الساحة عن أخبار الجيوش العربية التي دخلت فلسطين؛ فوجدت أن بعض الجيوش التي دخلت لتحرير فلسطين لم يكونوا يصلون، قيل لأحد قادات الجيوش العربية: لماذا لا تصلي؟! فقال: (إذا رجعنا وفتحنا فلسطين نصلي إن شاء الله) أما الآن فلا يصلي؛ فعلمه الله أنه ما دام لا يحفظه فلن يحفظه الله ! فترك هذا القائد حذاءه وفر إلى بلده وسلَّم الأرض. وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطبُ شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا

стр. 6416

الصلوات تمحو الخطايا إخوتي في الله: الرسول ﵊ يصف لنا الصلوات -ونحن نذنب ونخطئ ونغتاب، وتفلت منا الفلتات من اللسان والعين ومن كل عضو- يقول ﵊: ﴿مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جارٍ بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟! قالوا: لا يا رسول الله﴾ وفي لفظ لـ مسلم من حديث جابر: ﴿أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهراً يغتسل منه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شئ؟! قالوا: لا يا رسول الله، قال: ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا﴾ إن نار الدنيا تطفأ بالماء، وتطفأ بأمور ومفاعلات أخرى، لكن الآخرة نارها لا تطفأ لا تطفأ إلا لمن أنجاه الله، والفوز عندنا في الإسلام مبني على النجاة من النار، وعلى مبدأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] والخزي عندنا نحن أهل الإسلام هو دخول النار، وليس الخزي ألا تزاول عملاً في الحياة، ولا أن تعيش فقيراً أو مسكيناً أو مريضاً، لا!! الخزي هو دخول النار، قال الله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢].

стр. 6417

السعادة والصلاة إخوتي في الله: وجد في الساحة بعض الأمور التي طرحت، وضل بها الناس -عسكريون ومندوبون- وهي حرب شعواء وجهت لمن ترك الصلاة، وما بقي معنا من حبال الإسلام إلا الصلاة، ولذلك لما طعن عمر ﵁ وأرضاه وهو في سكرات الموت، قال: [[الله الله في الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]]. والرسول ﵊ وهو في سكرات موته نادى بالصلاة، وحث عليها، وتوعد من تركها، فإذا علم ذلك؛ فما وجد في الساحة من أمور تجرك إلى الفاحشة والجريمة، إنما هي من تخطيط المستعمر، وهي حرب استشراقية المجلة الخليعة والأغنية الماجنة والفيديو المهدم كل ذلك يقود الأمة إلى العار والدمار، وأذكياء الغرب وأساطين الغرب بدءوا الآن يعلمون أنه لا حل لهم إلا الإسلام، ومن ينظر إلى كتاب الأمريكي دايل كرنجي؛ يعلم أنه عرف الطريق لكنه ما عرف السعادة، يقول: (لا سعادة إلا أن تتعرف على الله) ومن أراد فليقرأ الكتاب، فهو موجود في أسواقنا ومكتباتنا لكن لما رخصت قيمة المسلم في نفسه بترك الصلاة بدأ يزاول هذه المعاصي المجلة الخليعة التي تحمل الصورة الداعرة؛ فتحبب الفاحشة والجريمة، والأغنية التي تشغل القلب وتلهيه عن محبوبه ومطلوبه وهو الله الواحد الأحد. قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان الصور التي تعرض في الساحة كلها لإضلال القلوب ولصدها عن باريها ﵎، لكن ما هو سر الخطر؟ إنه يوم أن ترك بعضنا الصلاة، وتهاون بعضنا بالصلاة أحد الأدباء العالميين المسلمين الكبار أتى إلى الجزيرة؛ فرأى المساجد ترتفع منائرها في السماء، ورآها مزخرفة وجميلة، لكنه لم ير مصلين؛ فبكى وقال: أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خال والعجب كل العجب أن الله يؤتي العبد ما تمنى، فمن كانت إرادته حفظ الله حفظه الله، ومن كان مقصده الزيغ أزاغ الله قلبه وهذا في القرآن، يقول الله لمن أراد وجهه : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ويقول للزائغين: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]. أحد الصالحين اسمه عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير كان إذا صلى الصبح رفع يديه وقال: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قالوا: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فأتته سكرات الموت وأذن لصلاة المغرب فقال: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت في الموت كيف نحملك إلى المسجد؟ قال: سبحان الله!! أسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح وأموت هنا، لا والله! فحملوه على الأكتاف ووضعوه في المسجد فصلى جالساً، فلما كان في السجدة الأخيرة قبض الله روحه]] ولذلك يقول محمد إقبال شاعر الإسلام: نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا هذا محمد إقبال عاش أربع لغات، وأربعة شعوب، وأربعة مبادئ، عاش في الهند وبريطانيا وألمانيا، ثم عاش في الإسلام فكان خاتمته الإسلام كان يدرس الاستشراق والفلسفة والمنطق، فرجع فقرأ سيرة الصحابة فكان يمطر الكتب بالدموع يقول في قصيدة منثورة أتى بها أبو الحسن الندوي في كتاب روائع إقبال، يقول: (يا رسول الله! أنا ملأت أنفي من تراب مدينتك فأخرجت حب الحضارة الغربية من قلبي. يا رسول الله! خذ من أعصابنا طنباً لخيمتك، ومن جماجمنا ابن عليها قصرك) ويقول لما زار لندن في محفل يتكلم عن الإسلام وعن شهداء أحد يقول: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان آذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا ويقول في صلاة الصحابة في الخوف، والسيوف تضرب، والرماح تتكسر على رءوسهم: نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا

стр. 6418

لا دين بلا صلاة ودين بلا صلاة معناه الضياع فلا منهج ولا أخلاق ولا سلوك كيف تطلب من الفرد -مدنياً كان أو عسكرياً- أن يكون صادقاً وهو لا يصلي؟! كيف تطلب منه أن يكون أميناً وهو لا يصلي؟! أم كيف تطلب منه أن يكون وفياً وهو لا يصلي؟! إن من هدم ما بينه وبين الله يهدم الله ما بينه وبين الناس. إن إرادتنا وقوتنا وأصالتنا وعمقنا في الصلوات الخمس، وحين نتركها نضيع -والله- هباءً منثوراً. إن مبدأ الصدق هو حفظ الله في ظهر الغيب، ولذلك يقول لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] ما مناسبة الإتيان بحبة الخردل؟ يقول: لو كانت الخردلة في صخرة صماء لا يظهر منها شيء، لأتى بها السميع البصير. لماذا؟! ليقول له: يا بني، لو تسترت بالجدران فإن الله معك ولو اختفيت وراء الحيطان فالله معك، ولذلك وجد في الناس من قلَّت رقابته للواحد الأحد؛ فضيع مسئوليته وأمانته وضيع عمله، فإن كان المسئول على رأسه بالسوط والتهديد، فهو أمامك عامل مخلص مجيب، ولكن إذا اختفيت عنه ضيع، لأنه في منظوره اختفى عن نظر الله، ومبدؤنا: ﴿اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يرك﴾. يقول الأندلسي وهو يوصي ابنه: وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني قيل للإمام أحمد: ما دليل قدرة الله؟ قال: يا عجباً! بيضة الدجاجة ظاهرها فضة بيضاء، وباطنها ذهب إٍبريز، فتفقس فيخرج منها حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟! وهذا أعرابي بدوي صلى في الصحراء ركعتين، فقال له رجل من الملحدين: لمن تصلي؟ قال لله. قال: هل رأيته، قال: عجباً لك! الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وليل داج، ونجوم تزهر، وبحر يزخر، ألا يدل على السميع البصير؟! قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا إنه الله قل للمريض نجا وعوفي بعد ما عجزت فنون الطب من عافاكا إنه الله فيوم تركت الرقابة وقعنا فيما وقعنا فيه، والرقابة تبدأ بالصدق مع الواحد الأحد. قام ﵊ على المنبر قبل معركة أحد بيوم، فأعلن الحرب على أبي سفيان، وندد بإجراءاته وظلمه وتعسفه حول المدينة، وقال: ﴿نقاتلهم في المدينة، ولا نقاتلهم في أحد فقام شاب في الخامسة والعشرين من عمره -يوم كنا نحمل المبادئ- قال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلنها، فتبسم ﵊، وقال: بماذا تدخل الجنة؟! قال: بخصلتين، أولها: أني أحب الله ورسوله، وثانيها: أني لا أفر يوم الزحف، قال ﵊: إن تصدق الله يصدقك، فبدأت المعركة وحضر هذا الشاب، وضاهى بنفسه يريد جنة عرضها السماوات والأرض لا يقاتل من أجل ناقة أو شاة أو بعير، لا بل من أجل رضى الواحد الأحد، فقتل، فمر به ﷺ ومسح التراب عن وجهه، وقال: صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله﴾ وليس بغريب أن يأتي من أمثالكم من الأبرار الأماجد فيعيدون سيرة السلف الصالح. من جدكم؟ خالد بن الوليد، الذي تحدى الموت، قيل له: يا خالد، إن كنت متوكلاً على الله كما تزعم فهذه القارورة مملوءة سماً فاشربها، فقال خالد: [[بسم الله توكلت على الله، وشرب القارورة كلها، ثم قال: الحمد لله، فما أصابه شيء]] لأنه توكل على الواحد الأحد.

стр. 6419

النصر بالطاعة والصلوات وجيوش لا تصلي كيف تنتصر؟ جيوش لا تعرف الله كيف تتوجه إلى الله؟! كيف ينزل النصر والفتح والرزق إلا من عند الواحد الأحد؟! النصر من هناك وليس من الأرض، أتينا إلى الدنيا وما عندنا إلا خيول قليلة، وثياب ممزقة، ورماح مكسرة، ففتحنا الدنيا، سعد بن أبي وقاص حضر القادسية بثلاثين ألفاً، وجيش فارس مائتان وثمانون ألفاً، فقام سعد يصلي الظهر بالمسلمين، فقال: الله أكبر، فكبر معه ثلاثون ألفاً، ركع فركعوا معه في لحظة واحدة، فسجد فسجدوا جميعاً؛ فقام رستم قائد فارس وهو ينظر من بعيد إلى الجيش بانتظام، فعظ أنامله وقال: (علم محمد الكلاب الأدب) بل علم ﷺ الأسود الأدب وقبل المعركة قال رستم قائد فارس لـ سعد: أريد أن ترسل لي جندياً من جنودك لأكلمه فهو يريد أن يعرف ماذا أصاب العرب، أمة جاهلة بدوية تريد أن تفتح الدنيا، ماذا أتاهم؟! هل أتاهم مس من الشيطان أو صرع من الجان؟! لا. بل أتاهم وحي من الرحمن. فأرسل سعد الصحابي ربعي بن عامر في الثلاثين من عمره وقال: [[لا تغير من هيئتك شيئاً فإنا لم نفتح الدنيا إلا بطاعة الله]] يقول: لا تأخذ شيئاً، لا تلبس تاجاً ولا ذهباً ولا حريراً، كن على هيئتك؛ لأن مبادئنا في قلوبنا، وإرادتنا تحطم الحديد فذهب ربعي بفرسه ورمحه وثيابه، ودخل بلاط رستم فلما رآه هو ووزراؤه وقواد الجيوش ضحكوا، قال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلم، والثياب الممزقة! قال ربعي: [[إي والله، إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. وبدأت المعركة، وفي ثلاثة أيام صفى سعد حساب المجرم وسحقهم في الساحة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] ودخل إيوان كسرى فكبر فانصدع الإيوان، ودمعت عينا سعد وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩]. حاصر قتيبة بن مسلم مدينة كابل ليفتحها، وقبل الحصار قال: [[التمسوا لي محمد بن واسع، العابد الزاهد أحد العباد الكبار فذهبوا فوجدوه قد صلى ركعتي الضحى واتكأ على رمحه ورفع سبابته إلى الواحد الأحد]] من أين يأتي النصر والفتح إلا من الله. ومن أين يأتي الرزق إلا من الله. يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني دخلت بعض الجيوش العربية إسرائيل ومكتوب على بعض الأعلام: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثان وضربت الدبابات في الصباح، وإذا بالجيوش قد دخلت بلادها مهزومة، وإذا الثكالى يندبن وينتفن رءوسهن، وإذا موشي ديان يتكلم على الشاشة ويضحك ويقول: العرب لا يعرفون القتال، ابن القرد والخنزير يتكلم على أناس تركوا الصلوات الخمس، وكفر بعضهم بالواحد الأحد فأخذهم؛ لأنه واجه في الساحة شكلاً آخر غير الشكل الذي واجه الصحابة به اليهود، ليسوا من أحفاد خالد وسعد وطارق وصلاح الدين ورجل آخر يقول في مجمع وهم يصفقون له: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم يقول: أعطوا لي ديناً يجمع العرب غير الإسلام: بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم فكان جزاؤه ما علمتم من تنكيس في خلقه وفي خلقه، نسأل الله العافية. قال قتيبة بن مسلم: [[التمسوا لي محمد بن واسع، فوجدوه يمد إصبعه ويدعو الله بالنصر، فعادوا إلى قتيبة فأخبروه، فقال: الحمد لله، والذي نفسي بيده لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير]] فإذا علم ذلك فلا نطلب التوفيق إلا من الواحد الأحد، والتوفيق إنما يأتي بأن نصلح ما بيننا وبين الله، ليصلح ما بيننا وبين الناس. يقول أحد الصالحين: والله إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وفي خلق خادمي. من يعص الله يصعب عليه كل أمر، مسئوله لا يرضى عنه، وأمته لا ترضى عنه، وولاة الأمور لا يرضون عنه، ومن تردى برداء ألبسه الله ذلك الرداء. فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

стр. 6420

آثار الذنوب والمعاصي ثم إني أوصيكم -وهذا العنصر الثاني:- باجتناب المعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإن آثار والمعاصي مقت وغضب ولعنة من الله الواحد الأحد. يقول الله عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] ويقول فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ الله﴾ [الجمعة:٥] والله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون﴾ [الحديد:١٦].

стр. 6421

مقارنة بين حادثتين لصالح وطالح اعلم أن من ضيع الله في الطاعات بالمعاصي، وأن من ثبته الله على الطاعات يثبته حتى الموت، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] حدثني بعض الإخوة أن في الجزائر شاباً عابداً ولياً من الأولياء، وقع عليه حادث انقلاب في سيارة، فأغمي عليه ثلاثة أيام، أتدرون ماذا كان يقول في الثلاثة الأيام؟ كان يقرأ الفاتحة على لسانة وهو مغمى عليه لا يدرك شيئاً، كان يرددها صباح مساء حتى أتاه الموت. شاب آخر بهذه البلاد أتاه حادث انقلاب سيارة، فوجد تحت العجلة وهو في حالة شنيعة، وهو يردد في إغماء: هل رأى الحب سكارى مثلنا ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ذلك الشاب يوم نشأ على الفاتحة مات على الفاتحة، وهذا يوم نشأ على (هل رأى الحب سكارى مثلنا) هو وأمثاله؛ ما رأى أفشل منهم في الحياة، فمات على ذلك؛ لأن معتقده ومبدؤه ومنهجه، والله يثبت من يشاء ويضل من يشاء، لكن بأسباب وإرادات ومزاولة من العبد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم إذا علم هذا فإن واجب العبد أن يكف عن المعاصي، وأن يتق الله ليثبته الله ويأخذ بيده، ونحن نقر بنعم الله علينا ظاهرة وباطنة، لكن وجد من بيننا من بدلوا نعمة الله كفراً، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨]. والذي يطالع الأحداث التي وقعت في الساحة قبل أيام؛ يرى أن هناك أناساً يعيشون بلا إدراك، وأنه ينقصهم الوعي، وأنه لابد على الداعية والأستاذ والأب في البيت أن يوجهوا ذلك الجيل جيل ترك المسجد! فلما ترك المسجد أتى ليشغل فراغه بكل شيء، جيل يتابع أحداث ما كان لها أن تتابع فهدد الأمن، وأزعج الناس، وضيع وقته ومستقبله، أرى الكافر منا أن هذه أمتنا، وأن هذه رسالتنا في الحياة زمجرة ورقص، وتصفيق وشهيق ونهيق وزفير والإسلام بريء من هذا، بل هو دين ومبادئ خالدة، ورسالة في الحياة: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] فالإسلام رسالة.

стр. 6422

الكف عن المعاصي وآثاره يقول الشافعي وقد شكا لشيخه النسيان وترك الحفظ فقال له محذراً من المعاصي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي أحد الناس نظر نظرة لا تجوز له، فقال له أحد العلماء: تنظر إلى الحرام! والله لتجدن غبها ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. وآثار الذنوب كثيرة: منها: قسوة القلب، وقسوة القلب ضرب به بنو إسرائيل ضربة قاصمة؛ لأنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم. ومن آثارها: اللعنة، لأن العبد إذا استمر بالذنوب وطبع على قلبه لعن والعياذ بالله. ومن آثارها: قلة البركة في الرزق. ومنها: الضنك في المعيشة، فقد رأيناهم ورأيتموهم يسكنون في القصور الشاهقة، بالسيارات الفارهة، والملابس والمشارب والمطاعم لكنهم ما وجدوا الأمن والسكينة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. إبراهيم بن أدهم -أحد الصالحين- يعيش على الرصيف، لا يجد إلا كسرة خبز، ولكنه بذكره وتلاوته وعبادته يعيش في رغد من العيش وفي جنة، قال له الناس: [[أأنت سعيد؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنا في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف]]. وشيخ الإسلام ابن تيمية ما كان يملك من الدنيا إلا ثوباً وعمامة، لكنه يقول وقد سجنه أهل البدع والمعاصي لما أنكر عليهم، قال: ماذا يفعل بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى سرت فهي معي أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة. وردوا عليه باب السجن فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. يقول له أحد الفجرة من السلاجقة: يا ابن تيمية، يزعم الناس أنك تريد أن تأخذ ملكنا. قال: ملكك؟! قال: نعم. قال: والله ما ملكك يساوي عندي فلساً واحداً لأنه يريد السعادة، والسعادة لا تحصل إلا بذكر الله، ومن يقرأ مثلاً كتاب دع القلق وابدأ الحياة لـ دايل كرنجي والإنسان لا يقوم وحده لـ كريس مرسون؛ يرى أنهم ما وجدوا السعادة، يقولون: بحثنا عن السعادة فأخفقنا وهذا الذي ألف الكتاب أخذ السكين ونحر نفسه فمات؛ لأنه ما وجد السعادة. فما هي السعادة؟! السعادة هي أن تتوضأ كل يوم خمس مرات وتصلي كل يوم خمس مرات، وأن تتزود بالنوافل السعادة أن تطالع القرآن المجيد وتتدبر آياته وأن تكون ذاكر بقلبك للواحد الأحد وأن تجدد التوبة لله دائماً وأبداً السعادة أن تربي بيتك على القرآن وعلى الشريط الإسلامي، على الكتاب الإسلامي، على الصلوات الخمس، وأن تخرج المنكرات والفواحش والمعاصي من بيتك؛ وأن تكون رجلاً حازماً، مربياً معلماً، موجهاً في مجتمعك وأمتك، وتقودهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. بعض الناس كبر في السن وقد جاوز الأربعين، حُدثنا عنه أنه لما أتت المباراة كان ينظر إلى الشاشة، فلما أتت الصلاة أراد ألا تفوته المباراة؛ فأخذ غترته وبسطها في الأرض، ثم نقر أربع ركعات وسلم ونظر أهذه صلاة؟! أهذه رسالة؟! أهذا قلب أؤتي نوراً؟! ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].

стр. 6423

الحرص على الدنيا وإهمال الدين وجد من بعض الناس أنه يتحمس للقضايا الدنيوية فلو ضيع ابنه عشرة ريالات لأقام الدنيا وأقعدها على تضييعها ولكن ابنه لا يصلي ويدخن ويستمع الغناء الماجن صباح مساء، ولا يقرأ القرآن، وهو مع العصابات المنحرفة في المقاهي والمنتديات ومع ذلك لا يغضب! فأي قلب هذا؟! من يهن يسهل الهوان عليه مالجرح بميت إيلام يا أيها الإخوة الأخيار! ويا أيها الأبطال! يا أبناء من رفعوا لا إله إلا الله، ووزعوها على البشرية! إنني أسألكم بالله العظيم، أن نعرف مسئوليتنا ومهمتنا وقصدنا في الحياة الدنيا؛ وإذا عرفنا ذلك نفعنا أمتنا وبلادنا وقدمنا أنفسنا، وإلا لو كانت المسألة مسألة تقدم مادي وحضاري دنيوي لغلبنا الكافر فإننا لم نصنع سيارة ولا طيارة ولا صاروخاً ولا برادة ولا ثلاجة، لكننا أتينا لنصنع القلوب، ولنقدم للناس إسلاماً وديناً يقول كريس مرسون: أعطيناكم الطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة وأنتم لم تعطونا الإسلام. فهم يريدون الإسلام لقد أخفق كل دين في الساحة إلا دين الإسلام فقد جربت العلمانية فإذا هي لعنة! وجربت النصرانية المحرفة فإذا هي لعنة! وجربت اليهودية المحرفة فإذا هي لعنة! وجربت الشيوعية فإذا هي لعنة! وأتى الناس يدخلون في دين الله، ولكن كثيراً من شبابنا الآن بدا معجباً، وبدا -عياذاً بالله- يحاول أن يخرج، وإذا كان شباب هذه الجزيرة يفكرون في بعض الأمور، فمن يحفظ هذا الدين؟! الجزيرة هذه هي التي خرج منها الإسلام، وقدرها الإسلام فهي مهبط الوحي -بلا تعصب- أبناؤها حملة نور التاريخ الذين تكلموا على منبر الدهر، وأسمعوا أذن الدنيا. فيا إخوتي في الله: هذه معلومات ليست بغريبة عليكم ولا جديدة، ولكن من باب الذكرى والاتعاظ؛ علّ الله أن يرحمنا لأن المعاصي قد كثرت، وسببها ترك الصلوات الخمس، ولذلك كتب عمر إلى سعد في القادسية: [[الصلاة الصلاة! فإن عدوكم لن يغلبكم إلا بمعاصيكم]]. إخوتي في الله: أسأل الله أن يغفر لي ولكم الذنوب والخطايا، وأن يجعلنا صالحين مصلحين، مصلين صائمين، ذاكرين عابدين: يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله

стр. 6424

نداء يا من يحافظ على أمن الناس: يا أيها الأفراد الأخيار الذين يقدمون النفع للأمة يا من يطفئ النار في الدنيا! أطفئوا عنكم نار جهنم إنكم تطفئون النار عن البشر، وتكونون حائلاً عن الأخطار -بإذن الله- عن الناس، فحيلوا بينكم وبين أنفسكم عن الخطر المدلهم خطر الآخرة، فلا نار إلا تلك النار، ولا عار إلا ذاك العار، ولا شنار إلا ذاك الشنار، ولا دمار إلا ما يحصل يوم الدمار فأنقذوا أنفسكم وبيوتكم من النار، فإن نار الدنيا تطفأ، وعار الدنيا ينتهي، وإن السيل الجارف في الدنيا يتلاشى، ولكن النتيجة الحتمية والمصير المحتوم هو الذي ينبغي أن نعد له ألف حساب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أسأل الله لي ولكم تسديداً وعوناً، وتوفيقاً وفتحاً، وهداية ورشداً، وأكرر مرة ثانية وثالثة ومرات شكري لكم على إنصاتكم، وجميل استقبالكم وحفاوتكم، وليس هذا بغريب عليكم، فأنتم من الإسلام، والإسلام بني على أكتافكم. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6425

الأسئلة

стр. 6426

تعليق الصور في البيوت ونحوها السؤال ما حكم تعليق الصور في المنازل ومكاتب العمل، من صور أرواح أو مجسمات؟ الجواب أما غير الأرواح كالمباني والجبال والأشجار، فلا بأس بتعليقها في المنازل والمكاتب، أما الصور ذات الأرواح فتعليقها لغير حاجة لا يجوز؛ لأنه من باب التعظيم، والتعظيم هو سر التوحيد، وتعظيم غير الله سر الشرك، وإنما دخل الشرك بين الأمم لأنهم عظموا غير الله بالصور وأمثالها، فتعليقها لا يجوز، وإنما يجوز من الصور المهمة والضرورية التي لا بد منها للإنسان في الحياة، كصورة الحفيظة وأشباهها، لأنه من باب التنظيم وأما غيرها فليس بجائز.

стр. 6427

درجة التزام المجاهدين الأفغان السؤال ذكرت أننا تركنا وضيعنا أفغانستان لما أضعنا الصلاة، فهل يعني هذا تقصير من المجاهدين الأفغان في الوقت الحاضر؟ الجواب لا يا أخي! بل المجاهدون الأفغان من المصلين الصلوات الخمس، وقد أثبتوا للمستعمر الشيوعي أن هناك إسلاماً، وأننا عدنا من جديد، وأن الكفر لن ينتصر أبداً المجاهدون الأفغان ثلة من البشر خرجوا بلا إله إلا الله، وبالصلوات الخمس، بسلاح بدائي مع دولة كبيرة من كبريات دول الأرض، فأرغموها وأذلوها أمام العالم، حتى شهد الكفر بعضه على بعض أنه ذُلَّ وخسر في الساحة. يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لهم خسفٌ ونسفٌ وتدمير وبركان كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان فروا على نغم البازوك في غسقٍ فقهقهت بالكلاشنكوف نيران حدثنا أحد دعاة وكبار المجاهدين من القادات: أن امرأة متحجبة من نساء المجاهدين نزلت ومعها بندقية تريد الماء من واد، فعرضت لها قافلة، فرفعت البندقية؛ فسلمت القافلة الروسية -ومعهم سلاح- فسلموا جميعاً. لأن عندهم مسألة: هي أن الأفغان لا يهزمون أبداً، ولذلك بدءوا في المصالحة والانسحاب، وما ذلك إلا لمن حافظ على الصلوات الخمس، لكن الذي ضيع الصلوات الخمس في فلسطين قبل خمس وعشرين سنة ما نفعته طائراته ولا دباباته ولا صواريخه.

стр. 6428

حكم الأغاني السؤال ما حكم الأغاني؟ الجواب الأغاني -أيها الإخوة- عرفتم من فتاوى أهل العلم أنها محرمة، وربما سمع بعضكم بعض فتاوى المترخصين، لكن ليس عندهم دليل: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤] فالصحيح أنها محرمة لأدلة منها: ما في البخاري قوله ﷺ : ﴿يستحلون الخمر والمعازف﴾ واستحلالها يكون بعد التحريم، ومنها قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: [[أقسم بالله أنه الغناء]] وفي آثر موقوف على ابن مسعود: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]]. ولـ ابن تيمية كلام مجيد في الغناء في كتاب الاستقامة بين أنه من أعظم الفواحش، وأنه الذي يقود إلى الزنا، وقال ابن القيم الغناء بريد الزنا. وأول عقوبات من يستمع الغناء: أن يصاب بقسوة القلب، وأن يكره الذكر والقرآن، وأن يبتعد عن المساجد، وأن يحبب له العشق والوله والغرام بالمحرمات، ومن نتائجه: أن يحرم الغناء في الجنة، وهو من نعيم أهل الجنة، الذي يقول فيه ابن القيم: فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان

стр. 6429

البوصلة السؤال البوصلة تستخدم في بعض البلاد خارج المملكة، فهل تعين اتجاه الكعبة؟ وهل يمكن أن يعتمد عليها؟ الجواب إذا علم أن هذه البوصلة صحيحة المعلومات فلا بأس بها؛ لأن أمر القبلة أمر اجتهادي، غالب ظن، فلا بأس إذا استصحبت معك بوصلة ودلتك بإشارتها على اتجاه القبلة أن تصلي عليها، وهذا من العلامات التي وجدت، ولكن تستخدم بشروط؛ لأنها قد تعمم إلى علم الفلك، وهذا فيه خطورة، حتى إنك تجد بعض البلدان تفطر وتصوم على الفلك في رمضان، وقد ناقش ابن تيمية هذه المسألة، ورأى أن المسلمين يفطرون على الرؤية المجردة، ويصومون على الرؤية بشهادة الشهود لا بعلم الفلك، فنحن لسنا متعبدين إلا بالرؤية إذا شهد عندنا شاهد لأننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وأما البوصلة فإذا وجدت للضرورة فلا بأس باستصحابها.

стр. 6430

قول (إن الله مع الصابرين) عند دخول المسجد السؤال بعض الناس عندما يدخل المسجد والإمام في أثناء الركوع يردد كلمة (إن الله مع الصابرين)؟ الجواب هذه الكلمة لم ترد، واشتهارها بين الناس بدعة، لم يرد فيها أثر ولا حديث صحيح، ولا ينبغي للإمام أن يتأخر، وقد سئل الإمام أحمد: هل ينبغي للإمام أن يتأخر؟ قال: لا أدري! لا أعلم فيه شيئاً، فما دام أن الإمام أحمد لا يعلم فيه أثراً، فنحن لا نعلم فيه أثراً. فالإمام عليه أن يراعي حال الناس مسجد فيه ألف مصلٍ، وهذا تخلف في البيت يشرب الشاي ثم أتى متأخراً، ويقول: (إن الله مع الصابرين) أيهدر حق ألف مصل من أجل رجل دخل متأخراً؟ لا. بل يؤدي صلاته مثلما كانت، وهذا لا ينبغي له أن يسرع وأن يتنحنح للإمام، لأن الرسول ﷺ يقول كما في الصحيح: ﴿إذا أتيتم إلى الصلاة فأتوا وعليكم السكينة، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموه﴾ ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة والحمد لله.

стр. 6431

زخرفة المساجد السؤال بعض المساجد تكثر الزخرفة فيها فتلهي المصلين، فما حكم ذلك؟ الجواب صح عنه ﷺ في المسند وغيره أنه قال: ﴿ما أمرت بزخرفة المساجد﴾ وإنما تبنى بناء طيباً جميلاً لا بأس به، ولكن الزخرفة وكثرة الخطوط والملهيات ليست من مقاصد المساجد في الإسلام، فينبه على هذا الأمر حتى ينتشر، وذلك لتبقى المساجد بيوتاً للعبادة والاتصال بالواحد الأحد، والذكر والدعاء للاشتغال بشيء.

стр. 6432

حكم اختلاط القرابة من غير المحارم السؤال هل يجوز للأخ أن يكشف على زوجة أخيه؟ الجواب الحمو! ليس له ذلك، فهو أجنبي، ولا يجوز له أن يكشف على زوجة أخيه، فقد جاء في صحيح البخاري أن الرسول ﵊ سئل عن الحمو؛ فقال: ﴿الحمو الموت﴾ لأنه مأمون الجانب فيه، ومطمأن إليه، ويأتي الخوف بل الموت من جانبه، لذلك لا يجوز له أن يكشف على زوجة أخيه.

стр. 6433

حكم الشراء بالتقسيط السؤال ما حكم شراء سيارة بالأقساط؟ الجواب هذا ظاهره الجواز، وأنا أعرف أن الأخ يسأل عن زيادة الثمن من أجل الأجل، وله صور كثيرة، وسأتكلم عن بعض الصور، فأقول: زيادة الثمن من أجل الأجل لا بأس بها، وهي حلال إن شاء الله، كأن يقال لك: هذه السيارة بثلاثين ألفاً إذا سلمت الثمن الآن، وبأربعين ألفاً بالتقسيط، فهذا لا بأس به؛ لأن زيادة الثمن من أجل الأجل، أما بعض الصور التي تحدث في المعارض: أن يبيعك ما ليس عنده، وتتبايع أنت وإياه ثم يشتري السيارة هو فلا يجوز، لقوله ﵊: ﴿لا تبع ما ليس عندك﴾.

стр. 6434

الموت من أجل إنقاذ الغير السؤال ما منزلة من يموت بحريق أو غرق أو هدم عند إنقاذه لأُناس مسلمين؟ الجواب نسأل الله له الشهادة، وهو من الشهداء الذين عدّهم ﵊، بل من أعظم الشهداء، فمن مات بهدم أو حريق أو غرق فهو شهيد من حيث هو، فلو تلف في البحر، أو مات تحت جدار انهد عليه، أو احترق بالنار فهو شهيد فكيف بإنسان يأتي لينقذ الأرواح، وينقذ كثيراً من المسلمين؟! فحسناته مركبة فهو شهيد من حيث الأصل ومأجور؛ لأنه في مقصد نبيل.

стр. 6435

العلاقة بين الرئيس والمرءوس السؤال ما العلاقة بين الرئيس والمرءوس في الإسلام؟ أرجو إلقاء بعض الضوء على ذلك؟ الجواب الرئيس والمرءوس في الإسلام يجمعهم أولاً: التفاضل بتقوى الله . الأمر الثاني: لا يطاع أحد من الناس مهما كان في معصية الخالق: ﴿لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾ الأمر الثالث: الرئيس يطاع في طاعة الله ، ويحترم ويقدر وتنفذ أوامره ما لم تتعارض مع الشريعة وإذا أخذنا الضوابط الثلاثة هذه أفلحنا ونجحنا؛ أن يكون هناك التقوى، وأن يكون هناك التحاب بين الرئيس والمرءوس ليس بالرتب والمناصب، وإنما بتقوى الله ، ثم لا نطيع أحداً من الناس في معصيته ، ثم نطيع مرءوسينا ونقدرهم ونحترمهم في طاعة الله الواحد الأحد ما لم يأمروا بمعصية، وهم إن شاء الله لا يأمرون بمعصية، فإن حدث هذا فلا يطاع أحد.

стр. 6436

تأخير الصلاة لعذر السؤال بعض الإخوة يتأخر عن الصلاة لانشغاله بحادث حريق، وإذا استمر حادث الحريق فمتى يصلي الظهر -مثلاً- أو العصر أو غيره؟ الجواب أولاً: لا تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فما دام الوقت معك فلك إذا كان هناك أمر مهم أن تقوم بالعمل، لكن إذا خشيت أن يفوتك الوقت فعليك أن تصلي الصلاة على أي حال، فلا يعذر من أخرها حتى يذهب وقتها أبداً، وإذا خشيت وأنت في مطافئ حريق أو أي مكان؛ فلك أن تصلي بالهيئة التي أنت عليها، ولا تترك أبداً ولو كنت في حريق مدلهم وحادث مرعب وأنت لا تستطيع أن تؤدي الصلاة إلا بكيفية صلاة الخوف فصلها صلاة الخوف هذا كما فعل كثير من الصحابة، وسنها رسول الله ﷺ ، أما أن تؤخرها إلى أن يذهب الوقت فهذا نكران وفجور وخذلان والعياذ بالله، وما أجاز أحد من أهل العلم التأخير حتى يفوت الوقت. إخوتي في الله: أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والعون والرشاد والسداد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6437

حوار بين روح القدس ومعلم البشرية حديث جبريل الطويل فيه من القواعد والأصول والآداب الشيء الكثير، وقد تعرض الشيخ لهذا الحديث شرحاً واستنباطاً وأحكاماً هامة لا يستغني عنها طالب العلم خصوصاً والمسلم عموماً.

стр. 6438

جبريل ومحمد ﵊ يتحاوران الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ﷺ ما تعاقب الليل والنهار، وما هطلت الأمطار، وما فاحت الأزهار، وما ترعرعت الأشجار، وعلى آله والتابعين لهم بإحسان. أشكر الله على أن جمعني بهذه الوجوه التي سجدت له، وبهذه القلوب التي أحبته، ثم أشكر مركز الدعوة بـ الدمام، وعلى رأسه فضيلة الشيخ حمد الزيد على تبنيه لهذه اللقاءات القيمة، وأما أنتم يا أيها الحضور فأقول: فَتْحُ نظمي ومقالي حمد رب العالمينا وصلاة الله تالي تبلغ الهادي الأمينا ما بدا نور الوصال في وجوه الساجدينا وعلى الدمام حالي والحضور المكرمينا أيها الإخوة: ماذا يقول المسلم يوم يرى هذه الجموع وقد توجهت إلى الله؟ يقول: المستقبل لهذا الدين. يقول: العظمة لـ خالد وطارق وصلاح الدين، ولسان الحال: نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا لسنا وإن كرمت أوائلنا يوماً على الأحساب نتكل أما عنوان المحاضرة فهو عبارة عن (حوار بين روح القدس ومعلم البشرية ﷺ وروح القدس ليس به خفاء، يقول حسان: وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس به كفاء يسمى: جبريل، ويسمى: روح القدس، وسمي روح القدس تسمية من الله ومن رسوله ﵊، وكان ﷺ يحرك داعيته حسان لينثر الأبيات اللاذعة على رءوس المشركين، فيقرب له المنبر، ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس يؤيدك﴾ وأجمل بيت قاله حسان في مدح جبريل ومحمد ﵊، يوم اشتركت القيادة في بدر، قيادة الملائكة مع قيادة الصحابة تحت علم محمد ﷺ ، يقول: وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد من يقول مثل هذا البيت؟ من ينحت مثل هذا الكلام؟ وهذا الحوار سؤال عظيم، أعظم سؤال فيما أعلم، ولعلكم تعلمون ذلك في السنة المطهرة قاطبة، وسوف يرويه لنا إمام معتبر، إن طلبته في الزهد وجدته، وإن استقرأته في الأدب والإشراق والعدل قرأته أبو حفص عمر بن الخطاب، وأنا أستحي منكم أن أعرف عمر! أأقول للبدر يا بدر ما أجملك؟!! مر أعرابي -بدوي- في الليل بناقة، ولمَّا أتعبه الظلام مرة يسقط ومرة يقوم، وإذا بالبدر قد بدا، والقمر قد طلع، فأصبح يرى مواقع الإبرة في الأرض. فقال: يا قمر! إن قلت: رفعك الله فقد رفعك الله، وإن قلت: جملك الله فقد جملك الله، وإن قلت: حسنك الله فقد حسنك الله. وأنا أتقاصر وأستحي أن أقف أمام هذه النهاية من النور عمر بن الخطاب. أقول: رفعه الله وقد فعل، وجمله الله وقد كان، وحسَّنه الله وقد حصل. يروي الحديث وأنا أسرده مع الشرح، ثم فيه دروس وقضايا ننتهي بها والله المستعان، وهو الذي يفتح ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 6439

الجلوس آدابه وأنواعه يقول عمر ﵁ وأرضاه: ﴿كنا جلوساً عند رسول الله ﵊﴾ انظروا الأدب! لم يقل: كان الرسول ﷺ جالساً معنا، العظيم دائماً يضاف إليه، ولا يضاف العظيم لغيره. كنا جلوساً مع الرسول ﵊، ومجالسه ﷺ كانت مجالس إيمان ويقين ونور، ساعة واحدة يجلسها الأعرابي مع محمد ﵊ يتحول إلى داعية وقائد وزعيم. شباب جلسوا معه ساعات ثم أخذوا سيوفهم يحملون (لا إله إلا الله) ويقتلون على ضفاف الفرات ودجلة وتستر! وعلماء الصحابة يخرجون من مسجده علماء في ساعات.

стр. 6440

آداب الجلوس قال: ﴿كنا جلوساً مع الرسول ﵊﴾. ومن الطرافة ما الفرق بين اقعد واجلس؟ تقول العرب للنائم إذا أرادت أن تجلسه: اقعد، وتقول للواقف: اجلس. قالوا: (بعد مشي جلسنا، وبعد نوم قعدنا). قال: ﴿كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ ﴾ وهي إضافة ما أحسن منها! يقول أبو هريرة: خرجنا مع الرسول ﷺ . ويقول زيد بن ثابت في الصحيحين: ﴿تسحَّرنا مع الرسول ﵊﴾. وليس من الأدب أن تأتي بفاضل أو نبيل أو عالم جليل، وتأتي وتقول: أتى معي، وركب معي، ودخل معي، وخرج معي لا، جلسنا مع الرسول ﵊، وإذا كان إمام المجلس محمد ﷺ فحسبك به! يقول مجنون ليلى: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا يقول: يكفي أن نذكرك للنوق وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا

стр. 6441

أنواع المجالس والمجالس مجلسان: مجلس لله، ومجلس للشيطان. فأما مجلس الله فمجلس أوليائه، وأولياء الله مجالسهم معروفة. قيل لـ ابن المبارك الزاهد الشهير: مع من نجلس؟ دلنا على جليس؟ فأنشد أبياتاً كأنه كتبها بدمه، قال: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأتِ حلقة مسعر بن كدام فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام مجلسكم هذا من أعظم المجالس لا لحضوري أنا، لكن لحضوركم أنتم ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا لأنفاسكم، ولجلوسكم، ولتسبيحاتكم خمس فوائد في مجلسكم هذا: ١/ لعل الله أن يغشانا بالسكينة. ٢/ ويحفنا بالرحمة. ٣/ وتتنزل علينا الملائكة. ٤/ ويذكرنا الله فيمن عنده. وخامسة أحلى من العسل: يقول الله لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم. فتقول الملائكة: يا رب! عبدك فلان جلس معهم هكذا -أي: ما أراد الجلوس وإنما رأى الجماهير فجمهر- قال: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من جلس مجلساً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه ترة يوم القيامة﴾ أي: حسرة وندامة. ومجالس أهل الخير إذا جلسوا فيها عمروها بالتقوى لما حضرت سكرات الموت عمر بن الخطاب وطعن، قال: [[ما آسى على الحياة إلا على ثلاث، ومنها: ومجالس قوم ينتقون لي أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر]]. مجالس أقوام هي لذائذ في الحقيقة، وبعض الناس لم يجد هذه المجالس؛ إما لوحشته في دهره؛ أو لأنه ما وجد صالحين فأخذ يبكي على مجالس الصالحين. أما المتنبي فيقول: أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ونحن نقول: يا أبا الطيب! لو عرفت جلساءنا لما مدحت الكتاب، بل خير جليس في الزمان رجل صالح، يتحدث إليك بقلبه المؤمن، وبسجداته وبتطلعاته الإيمانية، وبإقباله على الله.

стр. 6442

صفات سائل الرسول ﷺ عن الإسلام في الحديث -كما يقول أهل البلاغة- لف ونشر، فـ أبو حفص يلف لنا الحديث في موجز ثم ينشر، واللف معناه: جمع الحديث ونشره، ويسمى في لغة المتأخرين: الموجز والتفصيل، لكن هذه لغة عصرية. قال: ﴿جلسنا مع الرسول ﷺ -وفي رواية البخاري - بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ﴾ وساق مسلم الرواية كلها عن عمر، وساقها البخاري عن أبي هريرة قال: ﴿بينما نحن جلوس عند الرسول ﵊﴾. (بينما) تستخدم للفجاءة. إذ طلع: كل شيء بقضاء وقدر، لا يقال: رأيته فجأة، إلا في العربية، ولكن كل شيء بقضاء وقدر لا صدفة. قال: ﴿إذ طلع علينا رجل﴾. من هو الرجل؟ إنه جبريل. لماذا سماه عمر رجلاً وهو ملك؟ قالوا: لأنه اعتقد أنه رجل فسماه رجلاً، وما كذب عمر وما زاغ وما طغى في كلامه.

стр. 6443

معنى: شديد بياض الثياب ﴿إذ طلع علينا رجل -اسمع الأوصاف- شديد بياض الثياب﴾ وهذا أمر طيب، وهو شعار المسلم، والمسلم يحب البياض، ويلبس البياض، ويرتاح للبياض إلا للحاجة، وعند الإمام مالك في الموطأ قال عمر بسند صحيح: [[يعجبني أن يكون لباس القارئ أبيضاً]] حتى أبو مسلم الخراساني الذي قتل ألف ألف من المسلمين وذبحهم، يقول الذهبي: وقف أبو مسلم الخراساني، وعمامته سوداء، ولباس الثوب أسود، وكل قطعة فيه سوداء؛ لأن شعار دولة بني العباس السواد، وقف على المنبر فاعترض عليه أحد الرعية وسط الخطبة وقاطعه، وأبو مسلم هذا يقطر دماً ويتكلم بالدم، وسيفه يقطر دماً، قتل ألف ألف، فقال له هذا المسلم: يا أبا مسلم! ما لك تلبس السواد والرسول ﵊ يقول: ﴿البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم﴾؟ وأقول للسائل: ليتك ما أوردت هذا السؤال! رجل يقتل الرقاب، ويأخذ الحرمات، ويأكل الأموال، وتعترض عليه في لباسه! مثل أحد السلاطين الطغاة، كان عنده حرس يسبلون ثيابهم، وهذا الطاغية يقتل الأنفس ويمزق الأعراض، فقال له الواعظ: عندي لك كلام. قال: ما هو الكلام؟ قال: بيني وبينك أيها السلطان. قال: قل. قال: يقول الرسول ﵊: ﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ وجنودك يسبلون ثيابهم غفر الله لك! وهل المسألة مسألة إسبال؟ يقول الرجل: يا أبا مسلم تلبس السواد لقد خالفت السنة؟ فقال: حدثني فلان عن أبي الزبير عن جابر -وهذا الحديث في مسلم ولا أدري كيف أدركه أبو مسلم وهو ليس من أهل الحديث- حدثني فلان عن أبي الزبير عن جابر: ﴿أن الرسول ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء﴾ يا غلام! اضرب رأسه؛ فقطع رأسه!! الشاهد هنا: أن الأبيض مطلوب، وفي الصحيحين كان ﵊ يقول: ﴿ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾. لماذا الأبيض؟ لأن شريعتنا بيضاء، يقول ﵊: ﴿أتيت بها بيضاء﴾ دينه أبيض، وشريعته بيضاء، ولبسه أبيض، ومنهجه أبيض، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. وفي سنن النسائي بسند صحيح: أن عمر ﵁ وأرضاه أتى بنسخة من التوراة -وجد أوراقاً، أمة أمية تفرح بالمراسم والأقلام والألوان إذا وجدتها، عمر لا يقرأ، فلما وجد قراطيس عند أهل خيبر، وقيل: في مدراس عند أهل خيبر قال: آتي بها إلى الرسول ﵊ قال: يا رسول الله! خذ هذه من التوراة -أي: استفد منها- فغضب ﵊، وقال: ﴿أمتهوكون فيها يـ بن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي﴾ والشاهد هنا قوله: لقد أتيتكم بها بيضاء. فشريعته بيضاء. أبي بن كعب سيد القراء، قالوا في ترجمته: كان ثوبه أبيضاً، ولحيته بيضاء، ورأسه أبيضاً، وقلبه أبيضاً ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. قال: ﴿إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب﴾ لماذا استنكر عمر شدة البياض؟ قالوا: لأنه لو كان مسافراً لكان مدنس الثوب، وهذا لا يعرفونه؛ لكنه نزل فجأة شديد بياض الثياب.

стр. 6444

معنى: شديد السواد قال: ﴿شديد سواد الشعر﴾. شعر جبريل ﵇ في صورته الخلقية التي حوله الله إليها عجيب! كان يصوره الله في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان هذا الرجل جميلاً، فكان يقول الصحابة: رأينا دحية مر من هنا وعليه ثياب بيض، ويدخلون فيجدون دحية فيقولون: يا دحية، رأيناك خرجت. قال: أنا دحية، قالوا: بل رأيناك خرجت. قال: أنا موجود هنا؛ فيخبرهم ﷺ أنه غير ذلك. أحد المفكرين -لا زال حياً- كان في الحرم يصلي ركعتين عند المقام، فأتاه أحد الشباب، وقال: يا شيخ! يقول الناس: إنك مت. قال: لا أنا لم أمت. قال: والله لقد أخبرني ثقات. قال: أنا موجود أمامك. قال: لا. الذي قال لي ثقة ولا يكذب. قال: إن كنت صدقته فأجل أنا مت، لكنني عند المقام الآن! مثل ما قاله عيسى ﵇ فيما أورده الغزالي: مرَّ بسارق يسرق، فقال عيسى: لا تسرق. قال: يا روح الله! والله ما سرقت. قال: صدقتك وكذبت بصري. يكذب فيك كل الناس قلبي وتسمع فيك كل الناس أذني وهذا ليس هو الشاهد، بل الشاهد أن عمر ﵁ وأرضاه- وصفه أنه رجل، وأنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والسؤال الذي طرحه أهل السنة: كيف يتصور في هذه الصورة ﵇؟ و الجواب ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١] كان جبريل ﵇ له ستمائة جناح، كل جناح يسد ما بين المشرق والمغرب. جلس سفيان بن عيينة مع معتزلي ضال مبتدع، قال: دعنا من خزعبلاتك! أتعرف كيف ينص الجناحان؟ قال: نعم. قال: أعطني جناحاً ثالثاً ونصه؟ قال: لا أدري. قال: فكيف خلق له ستمائة جناح؟ قال: لا يكون هذا. قال: جبريل ﵇ له ستمائة جناح. فبهت المبتدع والله لا يهدي القوم الظالمين، كان كل جناح يسد ما بين المشرق والمغرب، ولما أرسله الله إلى المؤتفكات -قرى قوم لوط التي عصت الله- اجتاحهم بجناح واحد، ورفعهم وهي أربع قرى فيها ستمائة ألف، فلما اقتربوا وسمعت الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، رمى بهم في الأرض، فبعداً للقوم الظالمين.

стр. 6445

مزايا جبريل ﵇ وجبريل له مزايا، منها: أنه صاحب صاحبنا ﵊، جبريل صديق للرسول ﵊، دائماً في الأحاديث: أتاني جبريل، قال لي جبريل، رأيت جبريل، ذهبت مع جبريل ﵇، واليهود غضبوا على جبريل عليهم غضب الله. يقول ابن سلام للنبي ﷺ : من صاحبك من الملائكة؟ قال: جبريل. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] قال ابن حجر: لماذا عادى اليهود جبريل؟ لماذا لا يعادون ميكائيل وإسرافيل؟ قال أهل العلم: لأنه كشف أسرارهم للرسول ﵊، وفضحهم في سورة البقرة، وأخبر بما فعلوه يوم السبت، والرسول ﷺ أمي، أخبر بما فعلوا وبما كذبوا وبما غشوا وبما زنوا، فقالوا: فضحنا جبريل. وقالوا: لأنه دمرهم كثيراً. وقالوا: لأنه جاء بالرسالة إليهم؛ فحول الرسالة إلى العرب وإلى محمد ﷺ .
следующие страницы →