← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

أنواع المجالس والمجالس مجلسان: مجلس لله، ومجلس للشيطان. فأما مجلس الله فمجلس أوليائه، وأولياء الله مجالسهم معروفة. قيل لـ ابن المبارك الزاهد الشهير: مع من نجلس؟ دلنا على جليس؟ فأنشد أبياتاً كأنه كتبها بدمه، قال: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأتِ حلقة مسعر بن كدام فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام مجلسكم هذا من أعظم المجالس لا لحضوري أنا، لكن لحضوركم أنتم ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا لأنفاسكم، ولجلوسكم، ولتسبيحاتكم خمس فوائد في مجلسكم هذا: ١/ لعل الله أن يغشانا بالسكينة. ٢/ ويحفنا بالرحمة. ٣/ وتتنزل علينا الملائكة. ٤/ ويذكرنا الله فيمن عنده. وخامسة أحلى من العسل: يقول الله لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم. فتقول الملائكة: يا رب! عبدك فلان جلس معهم هكذا -أي: ما أراد الجلوس وإنما رأى الجماهير فجمهر- قال: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من جلس مجلساً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه ترة يوم القيامة﴾ أي: حسرة وندامة. ومجالس أهل الخير إذا جلسوا فيها عمروها بالتقوى لما حضرت سكرات الموت عمر بن الخطاب وطعن، قال: [[ما آسى على الحياة إلا على ثلاث، ومنها: ومجالس قوم ينتقون لي أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر]]. مجالس أقوام هي لذائذ في الحقيقة، وبعض الناس لم يجد هذه المجالس؛ إما لوحشته في دهره؛ أو لأنه ما وجد صالحين فأخذ يبكي على مجالس الصالحين. أما المتنبي فيقول: أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ونحن نقول: يا أبا الطيب! لو عرفت جلساءنا لما مدحت الكتاب، بل خير جليس في الزمان رجل صالح، يتحدث إليك بقلبه المؤمن، وبسجداته وبتطلعاته الإيمانية، وبإقباله على الله.

стр. 6442

صفات سائل الرسول ﷺ عن الإسلام في الحديث -كما يقول أهل البلاغة- لف ونشر، فـ أبو حفص يلف لنا الحديث في موجز ثم ينشر، واللف معناه: جمع الحديث ونشره، ويسمى في لغة المتأخرين: الموجز والتفصيل، لكن هذه لغة عصرية. قال: ﴿جلسنا مع الرسول ﷺ -وفي رواية البخاري - بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ﴾ وساق مسلم الرواية كلها عن عمر، وساقها البخاري عن أبي هريرة قال: ﴿بينما نحن جلوس عند الرسول ﵊﴾. (بينما) تستخدم للفجاءة. إذ طلع: كل شيء بقضاء وقدر، لا يقال: رأيته فجأة، إلا في العربية، ولكن كل شيء بقضاء وقدر لا صدفة. قال: ﴿إذ طلع علينا رجل﴾. من هو الرجل؟ إنه جبريل. لماذا سماه عمر رجلاً وهو ملك؟ قالوا: لأنه اعتقد أنه رجل فسماه رجلاً، وما كذب عمر وما زاغ وما طغى في كلامه.

стр. 6443

معنى: شديد بياض الثياب ﴿إذ طلع علينا رجل -اسمع الأوصاف- شديد بياض الثياب﴾ وهذا أمر طيب، وهو شعار المسلم، والمسلم يحب البياض، ويلبس البياض، ويرتاح للبياض إلا للحاجة، وعند الإمام مالك في الموطأ قال عمر بسند صحيح: [[يعجبني أن يكون لباس القارئ أبيضاً]] حتى أبو مسلم الخراساني الذي قتل ألف ألف من المسلمين وذبحهم، يقول الذهبي: وقف أبو مسلم الخراساني، وعمامته سوداء، ولباس الثوب أسود، وكل قطعة فيه سوداء؛ لأن شعار دولة بني العباس السواد، وقف على المنبر فاعترض عليه أحد الرعية وسط الخطبة وقاطعه، وأبو مسلم هذا يقطر دماً ويتكلم بالدم، وسيفه يقطر دماً، قتل ألف ألف، فقال له هذا المسلم: يا أبا مسلم! ما لك تلبس السواد والرسول ﵊ يقول: ﴿البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم﴾؟ وأقول للسائل: ليتك ما أوردت هذا السؤال! رجل يقتل الرقاب، ويأخذ الحرمات، ويأكل الأموال، وتعترض عليه في لباسه! مثل أحد السلاطين الطغاة، كان عنده حرس يسبلون ثيابهم، وهذا الطاغية يقتل الأنفس ويمزق الأعراض، فقال له الواعظ: عندي لك كلام. قال: ما هو الكلام؟ قال: بيني وبينك أيها السلطان. قال: قل. قال: يقول الرسول ﵊: ﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ وجنودك يسبلون ثيابهم غفر الله لك! وهل المسألة مسألة إسبال؟ يقول الرجل: يا أبا مسلم تلبس السواد لقد خالفت السنة؟ فقال: حدثني فلان عن أبي الزبير عن جابر -وهذا الحديث في مسلم ولا أدري كيف أدركه أبو مسلم وهو ليس من أهل الحديث- حدثني فلان عن أبي الزبير عن جابر: ﴿أن الرسول ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء﴾ يا غلام! اضرب رأسه؛ فقطع رأسه!! الشاهد هنا: أن الأبيض مطلوب، وفي الصحيحين كان ﵊ يقول: ﴿ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾. لماذا الأبيض؟ لأن شريعتنا بيضاء، يقول ﵊: ﴿أتيت بها بيضاء﴾ دينه أبيض، وشريعته بيضاء، ولبسه أبيض، ومنهجه أبيض، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. وفي سنن النسائي بسند صحيح: أن عمر ﵁ وأرضاه أتى بنسخة من التوراة -وجد أوراقاً، أمة أمية تفرح بالمراسم والأقلام والألوان إذا وجدتها، عمر لا يقرأ، فلما وجد قراطيس عند أهل خيبر، وقيل: في مدراس عند أهل خيبر قال: آتي بها إلى الرسول ﵊ قال: يا رسول الله! خذ هذه من التوراة -أي: استفد منها- فغضب ﵊، وقال: ﴿أمتهوكون فيها يـ بن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي﴾ والشاهد هنا قوله: لقد أتيتكم بها بيضاء. فشريعته بيضاء. أبي بن كعب سيد القراء، قالوا في ترجمته: كان ثوبه أبيضاً، ولحيته بيضاء، ورأسه أبيضاً، وقلبه أبيضاً ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. قال: ﴿إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب﴾ لماذا استنكر عمر شدة البياض؟ قالوا: لأنه لو كان مسافراً لكان مدنس الثوب، وهذا لا يعرفونه؛ لكنه نزل فجأة شديد بياض الثياب.

стр. 6444

معنى: شديد السواد قال: ﴿شديد سواد الشعر﴾. شعر جبريل ﵇ في صورته الخلقية التي حوله الله إليها عجيب! كان يصوره الله في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان هذا الرجل جميلاً، فكان يقول الصحابة: رأينا دحية مر من هنا وعليه ثياب بيض، ويدخلون فيجدون دحية فيقولون: يا دحية، رأيناك خرجت. قال: أنا دحية، قالوا: بل رأيناك خرجت. قال: أنا موجود هنا؛ فيخبرهم ﷺ أنه غير ذلك. أحد المفكرين -لا زال حياً- كان في الحرم يصلي ركعتين عند المقام، فأتاه أحد الشباب، وقال: يا شيخ! يقول الناس: إنك مت. قال: لا أنا لم أمت. قال: والله لقد أخبرني ثقات. قال: أنا موجود أمامك. قال: لا. الذي قال لي ثقة ولا يكذب. قال: إن كنت صدقته فأجل أنا مت، لكنني عند المقام الآن! مثل ما قاله عيسى ﵇ فيما أورده الغزالي: مرَّ بسارق يسرق، فقال عيسى: لا تسرق. قال: يا روح الله! والله ما سرقت. قال: صدقتك وكذبت بصري. يكذب فيك كل الناس قلبي وتسمع فيك كل الناس أذني وهذا ليس هو الشاهد، بل الشاهد أن عمر ﵁ وأرضاه- وصفه أنه رجل، وأنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والسؤال الذي طرحه أهل السنة: كيف يتصور في هذه الصورة ﵇؟ و الجواب ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١] كان جبريل ﵇ له ستمائة جناح، كل جناح يسد ما بين المشرق والمغرب. جلس سفيان بن عيينة مع معتزلي ضال مبتدع، قال: دعنا من خزعبلاتك! أتعرف كيف ينص الجناحان؟ قال: نعم. قال: أعطني جناحاً ثالثاً ونصه؟ قال: لا أدري. قال: فكيف خلق له ستمائة جناح؟ قال: لا يكون هذا. قال: جبريل ﵇ له ستمائة جناح. فبهت المبتدع والله لا يهدي القوم الظالمين، كان كل جناح يسد ما بين المشرق والمغرب، ولما أرسله الله إلى المؤتفكات -قرى قوم لوط التي عصت الله- اجتاحهم بجناح واحد، ورفعهم وهي أربع قرى فيها ستمائة ألف، فلما اقتربوا وسمعت الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، رمى بهم في الأرض، فبعداً للقوم الظالمين.

стр. 6445

مزايا جبريل ﵇ وجبريل له مزايا، منها: أنه صاحب صاحبنا ﵊، جبريل صديق للرسول ﵊، دائماً في الأحاديث: أتاني جبريل، قال لي جبريل، رأيت جبريل، ذهبت مع جبريل ﵇، واليهود غضبوا على جبريل عليهم غضب الله. يقول ابن سلام للنبي ﷺ : من صاحبك من الملائكة؟ قال: جبريل. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] قال ابن حجر: لماذا عادى اليهود جبريل؟ لماذا لا يعادون ميكائيل وإسرافيل؟ قال أهل العلم: لأنه كشف أسرارهم للرسول ﵊، وفضحهم في سورة البقرة، وأخبر بما فعلوه يوم السبت، والرسول ﷺ أمي، أخبر بما فعلوا وبما كذبوا وبما غشوا وبما زنوا، فقالوا: فضحنا جبريل. وقالوا: لأنه دمرهم كثيراً. وقالوا: لأنه جاء بالرسالة إليهم؛ فحول الرسالة إلى العرب وإلى محمد ﷺ .

стр. 6446

معنى: لا يُرى عليه أثر السفر قال عمر ﵁ وأرضاه: ﴿إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد﴾. من يحكي مثل هذه الكلمات؟! أرأيتم أجمل من هذه الكلمات؟! ﴿لا يُرى عليه أثر السفر﴾. السفر يا إخوان سفران: سفر له أوبة وهو السفر القصير، وهو سفرك من مكان إلى مكان، من الدمام إلى الرياض، فهو سفر مؤقت، وسفر لا أوبة بعده، وهو السفر إلى الدار الآخرة. كان الحسن البصري يبكي إذا ودع أصحابه، ويقول: وخفف وجدي أن فرقة واحد فراق حياة لا فراق ممات يقول: أنا أبكي عليكم لكن السهل أنكم سوف تعودون. قل لي بالله! من تفارقه من أصحابك وأحبابك وأبنائك كيف يكون شعورك بعده؟ لا لقاء إلا أن تكون صالحاً ويكون صالحاً، فيجمع الله بينكما في الجنة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. التهامي رجل مفلق، التهامي من أكبر شعراء العرب، كان يحب ولده كما يحب الإنسان ولده، فلما مات ابنه؛ دفنه في حوش البيت من شدة حبه له، ودفنه قريباً من المجلس، لكن وهل ينفع ذلك؟ سواء دفنه وراء ألف ميل أو عند المجلس سيان، لكن انظر إلى شغف الوالد بولده! يريد أن يستأنس بقبر ابنه، فلما دفنه قريباً منه كان يبكي عليه في الليل والنهار، وكان يقول: جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري d يقول: جاورته في البيت، لكن ما رضي جواري بل جاور الله. قال ابن كثير: رؤي التهامي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: ببيتي المشهور: جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري امرأة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فقدت زوجها، فبكت عليه سنة، ونصبت خيمة حول قبره، وهذه أفعال لم يقرها الإسلام، وبعد أن انتظرت سنة هل يخرج لها الحبيب من القبر؟ لم يخرج، ولم يكلمها ولو ليلة، سكوت أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضى معتبر مكثت سنة تنتظر أن يكلمها بكلمة فما كلمها. يقول المتنبي: مال أهل القبور لا يتحدثون؟ ما لهم لا ينطقون؟ أقول: يا متنبي! يقول الله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. يقول المتنبي: خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق لكن لا يتكلمون نصبت خيمتها سنة، ثم اقتلعت الخيمة؛ فسمعت هاتفاً يهتف -والعهدة على أبي الفداء ابن كثير - قال هاتف لأخيه: هل وجدوا ما فقدوا؟ قال: لا. بل يئسوا فانقلبوا. قال: ﴿لا يرى عليه أثر السفر﴾ والإنسان في سفر، يقول سيد قطب -متعه الله بالجنة- عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] يقول كلاماً ما معناه: يا أيها الإنسان! يا من حمل غمومه وهمومه! يا من حمل مقاصده! يا من حمل تبعاته! يا من حمل تصرفاته! إنك كادح إما في الخير أو في الشر كدحاً فملاقيه. أرى كلنا يبغي الحياة بحبه حريصاً عليها مستهاماً بها حباً وحب الجبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحق أورده الحربا كلنا كادح، الذي في البارة والخمارة كادح، صاحب المخدرات كادح، صحاب السيجارة كادح، الذي يرقص على الأغنية الماجنة كادح، الذي يسهر أربع ساعات على البلوت كادح، والمصلي كادح، والذي يبكي في آخر الليل كادح، والذي يجلس مع هذه الطلعات الإيمانية الرائدة كادح، والذي يقرأ ويعلم الناس كادح، ولكن اللقاء عند الله الواحد الأحد. وفي صحيح مسلم: ﴿أن الرسول ﵊ ذكر الرجل يطيل السفر-قالوا: سفر الآخرة أو سفر الدنيا، في جمع الأموال أو في العبادة- أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟!﴾.

стр. 6447

معنى: ولا يعرفه منا أحد قال: ﴿ولا يعرفه منا أحد﴾. والسؤال الذي أورده الشراح: لماذا يقول عمر: لا يعرفه منا أحد؟ هل جزم أن الناس لا يعرفونه؟ قالوا: على حسب ما ظهر لـ عمر، رأى الوجوه -وبإمكانك أن تستقرئ- أنه لم يعرفه أحد. فأتى فجلس، ما أحسن الأدب! أدب طالب العلم! الشيخ محمد ﵊، والتلميذ: جبريل ﵇، و السؤال لماذا أتى جبريل في هذه الفترة؟ قال أنس: [[منعنا من السؤال]]. منع الصحابة من السؤال لأن الله نهاهم عن كثرة الأسئلة؛ لأن الدعوة لو فتحت لاضطرت الأمة إلى تضييقات وإحراجات شديدة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة:١٠١] وقيل: السبب أن العرب كانوا يسألون أسئلة تافهة مثل وجوههم، يأتي الأعرابي ويربط ناقته في واد، ويقول: يا محمد! أين ناقتي؟ وهل يدري الرسول عنك وعن ناقتك؟! وهل أتى ليخبرك عن ناقتك؟! أعرابي آخر قال: بماذا يبعث الدجال يا رسول الله؟ قال ﷺ : ﴿يبعث معه ثريد (أي: لحم وخبز) فيغوي الناس بثريده، فمن أطاعه، وأكل من ثريده غوى. قال الأعرابي البدوي: والله الذي لا إله إلا هو لآكلن من ثريده حتى أتضلع، ثم أقول: آمنت بالله وكفرت بك﴾. هؤلاء الأعراب تضيع الصحون معهم، لو يترك لهم ﷺ المجال لسألوه في كل باب، وضيعوه ﵊، وضيعوا دعوته، فأتى الأمر (لا تَسْأَلوا) قفوا حتى يأتي الأمر من الله. يقول أنس كما في الصحيحين: [[فكان يعجبنا الرجل العاقل الذي يأتي يسأل الرسول ﷺ ]] ومن ثم أتى ضمام بن ثعلبة الذي مرت أحاديثه في جلسات، فسأل الرسول ﵊.

стр. 6448

أخلاق النبي ﷺ وتواضعه مع أصحابه دنا جبريل وأسند ركبتيه إلى ركبتي الحبيب ﵊، ما أحسن الصاحبين في رحلة ربانها محمد! كفرت بـ لينين وأذناب نهجه وآمنت بالرحمن والفوز مطلب أنا قصة من بدر أرسلها الهدى محمد يرويها وجبريل يكتب قال: ﴿جلس وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه﴾. على فخدي من؟ على فخذي محمد ﷺ ، وهذا من الأنس، وهذا من تواضعه ﵊؛ لأن من الناس من تستطيع أن تضع يديك عليه. كان ﷺ ربما شبك أصابعه بأصابع أصحابه، وربما داعبهم، يأخذ بكتف الصحابي ويضمه، يأتي إلى زاهر في السوق، وزاهر بدوي، يبيع سمناً وعسلاً، فيقول ﵊ كما في الصحيح: ﴿زاهر باديتنا ونحن حاضروه﴾. فأتى إلى زاهر وهو مشغول بالسمن والعسل، فأتى معلم الإنسانية وهادي البشرية من ورائه، فضمه إلى صدره وهو يقول ﵊: ﴿من يشتري العبد، من يشتري العبد﴾. وهو في السوق يحرج به، فأخذ زاهر يتفلت من يدي الرسول ﷺ ويلتفت، فلما رأى الرسول ﷺ أخذ يتحنك بكتفيه لا يريد أن يتركه، ويقول: يا رسول الله! كأني كاسد؟ أي: كأني مفلس، فقال: ﴿لكنك لست عند الله بكاسد﴾. إنها تربية، والمداعبة في السوق تحتاج إلى محاضرات، لماذا داعبه؟ ولماذا حرج عليه؟ ولماذا مزح عليه؟ أعنده وقت فراغ ﵊؟ بعض الناس الآن من متصوفة القرن الثالث، يقولون: لماذا لا تمشط لحيتك؟ قال: مشغول بالعبادة. عجيب! حتى في مشط اللحية مشغول؟! ومحمد ﷺ رجَّل رأسه، ومشط لحيته، ومازح الأعراب، وحمل الأطفال، وصلى بـ أمامة، وصعد الحسن والحسين على ظهره ﷺ ، وداعب وضحك وسابق عائشة! إنها حياة تكامل، روعة وجمال، أما أن تقصر في جانب وتظهر في جانب فهذا ليس بصحيح، بل هذا نقص. أتى الرسول ﷺ جرير بن عبد الله، فضرب على صدره، ورجل آخر نفث ﷺ وقرأ، كلها سكينة ولطف، وتجد بعض الناس من غلظته وفظاظته لا تستطيع أن تقربه، بينك وبينه ثلاثة أمتار، ولا تستطيع أن تنظر إليه، وإذا نظرت إليه تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! كأن سيف الحجاج بيده! ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] هكذا كان النبي ﷺ !! ﴿فوضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد!﴾ لأنه لو قال: يا رسول الله! لكشف نفسه، فكأنه لا يدري بالرسالة ولا يدري بالرسول ﷺ .

стр. 6449

الإسلام علم وعمل قال: يا محمد! ما الإسلام؟ فأخبره ﵊ بخبر علمي وعملي، وهذا تعريف الإسلام تعريف سهل بسيط، الإسلام لا يقتضي تعريفه محاضرات! الإسلام سهل بسيط، الإسلام تقبله العقول، الإسلام يوم ضبط بالكتاب والسنة أخذ يسري مثل الشمس، تنهار أمامه الشيوعية، يصبح الإسلام في مكان ويمسي في مكان آخر، يصبح في أذربيجان ويمسي في أوزبيكان، لماذا؟ لأنه الإسلام، لأنه الصدق والوضوح؛ لأنه يصل إلى النفس. قال: ما الإسلام؟ قال ﵊ في الجواب- ويستدل به البخاري على أن الدين عمل، ويأتي بهذا الحديث، قال: فأخبرهم عن دينهم، لأن المرجئة يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد فقط، لا. بل هو عمل يقولون: صلِّ أو لا تصلي، أنت مؤمن مثل المصلي، أنت وأنا مثل أبي بكر الصديق عند المرجئة! ويقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص كلنا سواء! عجيب! أنا وأنت على ما قدمنا للإسلام يوم نصلي صلاة الجماعة! لا جاهدنا، ولا قاتلنا، ولا عذبنا، ولا دفعنا أموالنا مثل أبي بكر! لا والله ولا يكون هذا. ﴿قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً﴾. جواب ما أحسن منه! ﴿قال: صدقت. قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه!﴾ لماذا عجب عمر؟ لأن الجاهل ليس عنده سابق علم، فلماذا يصدق أو يكذب؟ الطالب الآن إذا سأل الأستاذ وقال: يا أستاذ! ما حكم هذه المسألة؟ ثم قال: صدقت، أدبه الأستاذ، وسيقول له: تعلَّم الأدب، تصدقني أنت! أنت تدري أني صدقت أو كذبت، أصبت أو أخطأت في المسألة! قال عمر: عجبنا لهذا السائل أتى ليسأل، ويقول: صدقت! كيف يصدِّق الرسول ﵊؟!

стр. 6450

مسائل في لا إله إلا الله قوله: ﴿الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله﴾ أولاً: شهادة أن لا إله إلا الله الدنيا أقيمت عليها، والأرض دمرت خمس مرات من أجل (لا إله إلا الله) رسالته ﵊ تبدأ بلا إله إلا الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. يقول أبو هريرة كما في البخاري: ﴿يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه﴾. الله أكبر كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهلل

стр. 6451

حقيقة لا إله إلا الله يقولون: لا إله إلا الله نطقها سلمان فركب في سفينة النجاة، فأصبح لسان الحال يقول بين العواصف: ﴿سلمان منا آل البيت﴾. ولا إله إلا الله كفر بها أبو طالب فأصبح في ضحضاح من النار، في أخمصه جمرة يغلي منها دماغه. (لا إله إلا الله) تحول العبد من رعديد في مسلاخ الحمار إلى ولي من أولياء الله، والذي لا يحمل (لا إله إلا الله) أحقر وأذل من الحمار، يرقص ويشجع ويطرب ويغني ويزمر، لكن ما عليه نور أبداً؛ لأن شجرة (لا إله إلا الله) ما غُرست في قلبه وأعطوني من الإيمان ديناً شباباً مخلصاً حراً أمينا أمد يدي فأقتلع الرواسي وأبني المجد مؤتلفاً مكينا الرواسي تدكدك بلا إله إلا الله. يدخل جنود محمد ﷺ إيوان كسرى، فيهللون؛ فيقع الإيوان في الأرض. يدخل محمد ﷺ الحرم المكي وفيه ثلاثمائة وستون صنماً؛ فيقول: لا إله إلا الله ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] فتتنكس الأصنام على وجوهها يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله الآن من الناس من يقول (لا إله إلا الله) وهو لا يصلي! ويقول (لا إله إلا الله) وهو لا يزكي! ويقول: (لا إله إلا الله) وهو لا يحمل الإيمان، بل يهاجم أهل الإيمان ويستهزئ بهم، فهي كلمة فحسب. يوم أصبحت (لا إله إلا الله) كلمة في البراويز؛ أصبحنا كالعجائز من المعاجيز. ويوم أصبحت كلمة (لا إله إلا الله) معلقة في الدكاكين؛ تأخرنا في رحاب الضالين. ولكن (لا إله إلا الله) تنبعث من جديد؛ لتشهدها هذه الصحوة المباركة، رائدها محمد ﵊، ومصدرها الكتاب والسنة، وأنتم أساتذتها، ولك الحمد يا رب.

стр. 6452

اشتقاقات لا إله إلا الله يقول أهل العلم: من (لا إله إلا الله) اشتقاقات: الحسب، والتوكل، والمحبة، والقصد، والإرادة. فأما الحسب: فنطق بها إبراهيم فأصبحت النار هباءً منثوراً، وأصبحت باردة. كيف الحسب؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، والحسب نطق بها موسى ففجر الله له البحر، اضطرب موسى ووراءه فرعون بستمائة ألف، وقيل: بأكثر، وأمامه البحر، فالتفت؛ فقال هارون: نغرق اليوم! قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] بسم الله، حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فانفجر البحر. سبحان الله! الماء يغرق ولكن بحسبنا الله ونعم الوكيل لا يغرق. والنار تحرق ولكن إذا أتت (حسبنا الله ونعم الوكيل) لا تحرق، فإبراهيم ما أحرقته النار؛ لأنه التجأ إلى الواحد الغفار، وموسى ما غرق في البحر؛ لأنه التجأ إلى البر الرحيم. يدخل أحد الخوارج على أحد الصالحين بالسيف، وأراد هذا الصالح أن يضحك على هذا الخارجي، فـ الخوارج يكفرون الناس، مسلم يصلي ويعبد الله ويقرأ القرآن في البيت؛ فدخل الخارجي عليه بالسيف، يقول للصالح الذي يبكي من القرآن وهو فاتح للمصحف من ربك؟ قال: ربي البر؟ أي: الله، البر الرحيم، لكن الخارجي يتصور أنه يعني الصحراء! قال: ومن نبيك؟ قال: أميٌّ، أي الأميٌّ ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً منهم﴾ [الجمعة:٢] فقال: حق دمك. قال: أسألك بالله أن تنتظرني حتى أتشهد، ثم دعا الناس وقال: اشهدوا عليه، أجبته بجواب ما فهمه، هل يستحل دماء المسلمين بهذا الجواب؟ حسيبك الله يا خارجي، لا تفقه من الدين شيئاً وإنما هذا استطراد. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ومنها الحسب (حسبنا الله ونعم الوكيل) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [[حسبنا الله ونعم الوكيل! قالها إبراهيم لما أُلقي في النار؛ فجعلها الله برداً وسلاماً]]. كيف قالها؟ وضع في المنجنيق؛ فلما ركب في المنجنيق وأصبح في الهواء -تصور إبراهيم ﵇ إمام العقيدة وأستاذ التوحيد، وشيخ الإسلام في الهواء بين الأرض والمنجنيق والنار- أتاه جبريل في الجو في موقفٍ حرج ليس أحرج منه موقف وقال: يا إبراهيم! ألك إلي حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم. مد الجسور إلى الرحمن معتمداً واشدد يديك فإن الرب برهان والزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان يقولون للإمام أحمد إمام أهل السنة، وهو يجلد بالعصا على رأسه ويمزع جسمه: كيف التوكل؟ قال: مثل إبراهيم: يأتيه الجنود والحرس والوزراء، يقول ابن خاقان: يا أحمد ويعرض عليه خدماته. قال: لا أريد الخدمات. أتريد شيئاً؟ قال: أريد الله. صدق الإمام أحمد، ولذلك دكدك الإمام أحمد جيوش المعتصم ومن معه وانتصر، وهو وحيد وما هاب؛ لأن الله ثبته وكان معه. فألقي إبراهيم في النار فكانت برداً وسلاماً. أتوا إلى الرسول ﷺ وهو في أحد، وقد أنهك أصحابه وأصبحوا جرحى، وقالوا: يا رسول الله! إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، قال الله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. يذكر عن علي بن أبي طالب وكان في الكوفة يقضي بين اثنين، تحت جدار، والجدار يريد أن ينقض -ويريد أن ينقض ليس من المجاز بل هو من الحقيقة، وهذا وصف الله بأنه يريد أن ينقض- قالوا لـ علي: يا أمير المؤمنين! الجدار يريد أن ينقض عليك. قال: [[حسبنا الله ونعم الوكيل]]. وهي كلمة تقال للتوكل لا للتواكل، لا تأتِ وترم بنفسك من على عمارة مرتفعة، وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل! نعم، ولكن رأسك سوف يكون مع الكفرة في الأرض، ولا تأت وتنام في الطريق، وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل! هذا ليس من هذا. فقام علي من المكان، فلما ذهب سقط الجدار مكانه، وسَلِمَ علي، وهذه كرامة من كرامات الأولياء إن صحت عنه. وفي (لا إله إلا الله) محبة ذاقها الصحابة، فقد قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله . وفي (لا إله إلا الله) إرادة، فتعلق إرادة العبد بالله حتى ما يراد إلا هو. وفي (لا إله إلا الله) اعتماد، دخلوا على أبي بكر الصديق في مرض الموت، قالوا له: ماذا تشتكي؟ قال: ذنوبي. لا إله إلا الله! أبو بكر يشتكي ذنوبه! فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟ أبو بكر الذي ما وجد وقتاً ليذنب، من يوم أن أسلم وهو في قوة وفي جلاد، وسهاد، وجهاد، وعبادة وزهد، قدَّم دمه ودموعه ووقته ﵁ وأرضاه، قالوا: ماذا تشتكي يا خليفة رسول الله؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: ماذا تريد؟ قال: أريد المغفرة. قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني. قالوا: ماذا قال؟ قال: يقول: إني فعال لما أريد. أتته ابنته عائشة وهو في سكرات الموت، فقالت: يا أبتاه -وهو يلفظ الأنفاس الأخيرة إلى جنة عرضها السماوات والأرض- يا أبتاه! صدق الأول (تعني حاتم الطائي): لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فالتفت إليها مغضباً، وقال: يا بنية! لا تقولي ذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢]. عفاء على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين مُعَرَّجُ كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج جمعنا الله بهم في دار الكرامة! هذا الاعتماد على الله ، والتفويض إلى الله، والافتقار إليه، ولذلك جاء في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: أقرب الناس إلى الله أشدهم افتقاراً إليه. وله قصيدة اسمها (الفقرية) يقول في مطلعها: أنا الفقير إلى رب السماوات أنا المسيكين في مجموع حالاتي الفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي انظر إلى شعر ابن تيمية! شعر علماء، ليس كمثل شعر الشعراء، شعر عالم. يقول: ابن دقيق العيد في بيت له: واختلف الأصحاب في وجدنا فرجحوا نجواك وهو الصحيح كأنه من متون الفقه! فـ ابن تيمية كان يجيد هذا، وشاهدنا لـ ابن تيمية أنه افتقر واعتمد على الله فنصره الله. دخل الإسكندرية، فقالوا له: إن الناس قد جمعوا لك يريدون قتلك وذبحك، فنفخ في يديه -وكان شجاعاً صنديداً يركب الأهوال مثل الجبال، كان يدوس الرجال وهو فرد كأنه وهو فرد من جلالته في موكب يوم تلقاه وفي حشم فنفخ في يديه، وقال: والله كأنهم الذباب. دخل على الناصر قلاوون، فأصابت السلطان قلاوون حمى من ابن تيمية، رأى النجوم في النهار، علمه درساً في العقيدة لا ينساه، أراد أن يفترس ابن تيمية فافترسه ابن تيمية، كان قلبه قوياً، لماذا؟ كان ابن تيمية إذا صلى الصبح يبقى إلى الضحى يردد الفاتحة، ويستجلي أخبار ودرر وكنوز الفاتحة، كانت مصادرهم الكتاب والسنة، فقوي اعتمادهم وحسبهم وإيمانهم، وأصبح مصادر تلقينا أو بعضنا ما يلقى في الساحة من عفونات وأفكار البشر، فأصبحت ثقافتنا جامدة هامدة، ولا تجد هناك إلا قلة أعلنت توجهها وهم شباب الصحوة. لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنَّا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا أعرابي يصلي في الصحراء، قالوا: لمن تصلي؟ قال: لله. قالوا: هل رأيته؟ قال: البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وليل داج، أفلا تدل على السميع البصير؟! هذا توحيد غرسه محمد ﷺ ، وأهل الدكتوراة كثير منهم شهاداتهم معلقة عندهم في البيوت عليها عشعش العنكبوت وما نفعتهم في الإيمان ولا في الحسب، ولا التوجه، ولا في المحبة، والإرادة.

стр. 6453

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال: ﴿وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة﴾ السؤال لماذا لم يقل: تصلي، إنما قال: تقيم الصلاة؟ أي: تصلي صلاة تمنعك من الفواحش، تصلي صلاة تصلك بالله؛ لأن قطاعاً هائلاً من الناس اليوم يصلون لكن انظر إلى صلاتهم، يعلقونها بعد الصلاة في الأبواب، يقول: مكانك تحمدي أو تستريحي حتى صلاة العصر! ويقول: إن الله غفور رحيم، ولكن تدخل البيت فإذا الربا أمامك كالجثمان، والغناء والفتون والفجور والإعراض والفاحشة! الصلاة يقول الله عنها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] وما وقع من وقع في خزعبلات وتراهات ومعاصٍ وفواحش إلا يوم أخل بالصلاة، نسأل الله السلامة والعافية. الصلاة قرة عين المصطفى ﵊.

стр. 6454

بلال من مكة إلى بيت المقدس وفي صحيح البخاري أنه ﷺ في مرض الموت سمع نداء الحبيب بلال، أذن بلال بندائه الشجي، بلال يؤذن في الفتوحات والانتصارات، ففي فتح مكة المؤذن بلال، دخل ﷺ مكة وسقطت مكة بيده، فقال: يا بلال! قم فأذن. لماذا اختار بلالاً؟ ليسمع صفوان بن أمية وأبناء أمية بن خلف، ورعاديد أبي جهل، هذا الذي كانوا يسحبونه على الرمال ويعذبونه وهو يقول: أحد أحد، أحد أحد، أحد أحد وهم يذيقونه العذاب. قم أذن؛ فارتقى الكعبة، فيقول أحد الجاهليين لأخيه: ما كنت أظن العيش يطول بي حتى أرى هذا الغراب الأسود يؤذن من على الكعبة! ويقول الآخر: إن من الفوز للوليد أنه مات قبل أن يرى هذا الأسود يؤذن ويصيح من على الكعبة. لا والله إنه صوت الحق، وأذن بلال فبكى المسلمون، ومرة ثانية أذن بلال في بيت المقدس يوم شهدها وقادها عمر هناك. خرج عمر ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، فما خرج بحرس ولا بجنود، حارسه الله، كان قلبه معه يحمل التوحيد، قال لمولاه: [[أنا وإياك على الناقة. فقال عمر للمولى -ودائماً عمر عادل حتى في السفر والركوب والمشي: أنت تركب برهة وأنا برهة. قال: يا أمير المؤمنين! أنا مولى. قال: والله لتركبن برهة وأنا برهة، والذي ينزل منا يقود الجمل]] فقال: سمعاً وطاعة. فكان عمر يركب قليلاً؛ فإذا تعب المولى نزل عمر وقاد الجمل وركب مولاه! يريد عمر أن يستلم مفاتيح بيت المقدس، وهذا حدث عالمي أعظم من حوادث هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على التاريخ. والجيوش أمامه، بقيادة عمرو بن العاص وأبي عبيدة، وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، كل واحد بجيش مثل الجبل. لكن عمر لم يأخذ جيشاً، وانتظر الصحابة قدوم عمر وواجهوه في الطريق، فأشرف عليهم وإذا هو بثيابه القديمة المرقعة، والعصا في يده، وهو يقود الجمل، قال عمرو بن العاص: [[فضحتنا يا أمير المؤمنين]]. يقول: النصارى ينتظرونك تأخذ المفاتيح في أبهة وفي حرس ووزراء ومستشارين وفي كبار الصحابة، وتأتينا بجمل وزيادة على ذلك أنك أنت الذي تقوده!! فقال كلمة لو سمعها الدهر ووعاها، ولو وعتها القلوب وحفظتها، يقول: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]. والله لما أصبحنا أمة لموع وسطوع وألوان؛ اندحرنا والله، [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]. فأتى الصحابة وقالوا: نمشي معك يا أمير المؤمنين! قال: لا. انصرفوا. وذهب عمر، فخرج النصارى ليروا ويسمعوا عمر، هذا الإمام المعتبر، عمر الذي دوخ الدنيا، عمر الذي تخاف منه العجوز في حجر دارها وهي في بيت المقدس. خرجوا على السطوح فاقترب عمر، وأتت النوبة للمولى ليركب، واقتربوا من دخول بيت المقدس، فقال مولاه: النوبة لي يا أمير المؤمنين وهي لك؛ لأننا اقتربنا من الناس. قال: والله لا تنزل ولا أركب. واقترب عمر يقود الجمل، فرفع ثيابه من الطين عند مدخل بيت المقدس، فتباكى الناس على أسطح المنازل. إنه والله موقف مؤثر، بكوا من هذا الإمام العظيم، يرفع ثيابه من الطين، يالك من عظيم!! رعاك الله! ثم تقدم إلى بيت المقدس؛ فقال: يا بلال! عزمت عليك أن تؤذن هذا اليوم؛ لأن بلالاً اعتزل الأذان بعد وفاة الرسول ﷺ ، قدم استقالته لـ أبي بكر وقال: والله لا أؤذن لأحد بعد الرسول ﷺ . فقال عمر: كفر عن يمينك يا بلال، وأسألك بالله أن تؤذن. فأتى بلال! فرفع صوته بأذان الفتح. لا إله إلا الله! فبكى الصحابة والجيش جميعاً، فقد ذكرهم بالحبيب: وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائراً كان في صدري فتوحات وتوكل على الله، والشاهد: الصلاة. أتى ﷺ وهو في مرض الموت، فسمع بلالاً يقول: الله أكبر الله أكبر! فقام فتعثر ﷺ فسقط، فغسل بالماء فأغمي عليه خمس مرات، وفي الأخير قال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. وسارت هذه الكلمة فبكى الصحابة في المسجد، أشرف رجل من طرف المسجد؛ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. أين الإمام؟ تعطل الإمام، أين الحبيب؟ جلس الحبيب بأبي أنت وأمي! فداً لك من يقصر عن فداكا فلا ملك إذاً إلا فداكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا قال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، قال: صلِّ يا عمر بالناس؟ قال: أنت أولى؛ فتقدم أبو بكر، فلم يعرف الناس ماذا قال في الصلاة من كثرة البكاء على فقد إمام يقود الأمة إلى قيام الساعة، إلى الجنة، من تخلف عن ركبه والله لا يذوق سعادة، ولو جمع أموال الدنيا. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾ والله جلت قدرته يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 6455

حقيقة الزكاة : ﴿وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة﴾. والزكاة لها أمور: زكاة القلب تقوى الله، وزكاة العين غضها والنظر بها في آيات الله، وزكاة الأذن استماع الحق وكفها عن الباطل، وزكاة اليد نفع الناس وعدم البطش، وزكاة اللسان إنفاق ما أعطاك الله من العلم والدعوة والأمر بالمعروف، وحبسه عن الغيبة والنميمة والزور. وبالمناسبة أيها الإخوة! يا مباركين! يا أخيار! يا أبرار! نحن في هذا المجلس في تكييف عجيب، وفي راحة وفي هدوء واطمئنان، الثريا على رءوسنا، والهدوء ينتابنا، والارتياح معنا، والسكينة حلت علينا، لكن إخواننا رفعوا السلاح في الجبهات في أفغانستان، الموت ينتظرهم صباح مساء، يريدون أن يرغموا الكافر، لكنهم يريدون مساعدتهم مادياً، وبعد صلاة العشاء نرجو أن تقدموا لهم ما يحتاجونه من أموال لتلك العمائم التي ارتفعت بها (لا إله إلا الله) لتلك العمائم التي أرغمت أنف جرباتشوف وبريجنيف في الطين في التراب، لتلك العمائم التي رسمت (لا إله إلا الله) في هيئة الأمم. وهنا أبشركم بخبرين سارين: الخبر الأول وهو آخر خبر: أن مدينة هرات قد سقطت في أيدي المجاهدين، والعهدة على الأستاذ يوسف الحمدان، حدثنا بسندٍ رجاله ثقاة، سقطت هرات قبل يومين، ودخلها المجاهدون بالسلاح وبالكلاشنكوف بعد أن صلوا الفجر، فقد أرسل حكمتيار كتيبة إلى هناك وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا الخبر الثاني من نيويورك: أول مرة في عمر هيئة الأمم يصلَّى فيها صلاة الظهر أثناء انعقاد الجلسة الأخيرة، عندما صلاها وفد المجاهدين الأفغان هناك، حيث قام رئيس الوفد بحضور رئيس هيئة الأمم، فأخذ الميكرفون وحوله ورفع الأذان في هيئة الأمم؛ فخرج وفد إسرائيل، ووفد تشيكسلوفاكيا ودولة أخرى، وبقي الناس مشدوهين مثل الماعز. أما تعرفون هؤلاء المؤذنين؟! هؤلاء أبناء خالد، وسعد، وطارق، وصلاح الدين، أتوا يؤذنون في هيئة الأمم المتحدة، وهيئة الأمم المتحدة هي لهم وليست لكم يا كفار، وانزلوا من على الكراسي، واخرجوا من هذه الدنيا، فالأرض أرض الله، وهي للمجاهد المسلم. قام رئيس وفد المجاهدين يؤذن بصوته الجميل وعليه عمامته؛ ليخبر جرباتشوف أن الصحوة في كل مكانـ وأن الدين الإسلامي هو المهيمن على كل الملل والنحل، يقول الناس: إن الخبر هذا نقل على بعض الشاشات فأخذ المسلمون يبكون في مشارق الأرض ومغاربها. هيئة الأمم النجسة المنتنة التي ما رفع الأذان فيها مرة قط، حتى قام المجاهد الأفغاني هذا بثيابه التي لا تعادل عشرة من الريالات، يوم أتى الظهر أوقف رئيس هيئة الأمم المتحدة، ماذا تريد؟ حول المكرفون إليه، ثم دوى في المجلس: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، حتى ظن الأمريكان أنه رفع القلم عن المجاهدين، وهو ما رفع القلم إلا عن أذناب العملاء الخونة، أما أولئك فالله يكتبهم في الخالدين. إلى جنة الرضوان سرنا كتائباً نسجل في التاريخ أقدامنا دما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما فليست على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما فهم يريدون المساعدة، والمعاونة، والإغاثة لكم بالمرصاد عند الأبواب، بكراتينها، الكرتون يأخذ أربعمائة ألف أو خمسمائة ألف وهو يفضل أن تكون العملة من ورق الخمسمائة، فإن لم يكن فمن المائة، فإن لمن يكن فمن الخمسين، ومن تصدق بعشرة جاز، ومن تصدق بريال نفع، ولا يغيب على الله شيء، من تصدق بصدقة؛ فإن الله يقبلها ويربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تصبح كـ جبل أحد، أنتم أهل البسالات، خاصة المنطقة الشرقية، يقول أحد المجاهدين: أكثر نسبة من الشهداء في الدول الإسلامية من المنطقة الشرقية، أكثر الشهداء من هنا، واسألوا الصحف واسألوا الأنباء، فمثلما قدمتم أرواحكم، قدموا أموالكم يثيبكم الله، صح فيكم قول الشاعر: هم القوم يروون المكارم عن أبٍ وجدٍ كريمٍ سيدٍ وابن سيدِ وهزتهم يوم الندى أريحية كأن شربوا من طعم صرخد ويطربهم صوت الصوارم في الوغى بيوم الوغى لا ما ترى أم معبدِ وغيرهم يهتز للغناء والمجون، وهم يهتزون لـ (لا إله إلا الله) والإسلام، فرفع الله منزلتنا ومنزلتكم في الدنيا والآخرة.

стр. 6456

إجابة الرسول عن بقية أسئلة جبريل والسؤال طويل في هذا الحوار الشائق مع محمد ﵊ وجبريل ﵇، ولكن ماذا أفعل؟ بياني يقصر، وكلماتي تتلعثم، وهذا الحديث وحده هو منهاج، وهو دستور، وهو حياة، ماذا أقول؟ ماذا أتحدث؟ كيف أتصرف مع الألفاظ؟ إنه يحتاج إلى كلام طويل، ثم يقول في آخر الجواب من السؤال الأول في الفقرة الأولى: ﴿وأن تحج بيت الله إن استطعت إليه سبيلا﴾. ثم سأله: ما الإيمان؟ فأجابه. ثم سأله: ما الإحسان؟ فأجابه. ثم سأله: ما الساعة وما علاماتها؟ فأجابه. فشكر الله للسائل وللمسئول، وجمعنا الله بمحمد ﵊.

стр. 6457

فوائد من حديث جبريل هذا الحديث وحده جعله العلماء قاعدة من قواعد الدين، وهو أصل أصيل، وفيه فوائد: الأولى: أدب السؤال، وهذا أمر افتقرنا إليه يوم افتقدنا مصدر التلقي من الكتاب والسنة، وكيف تسأل؟ وكيف تكون سائلاً؟ الثانية: حرص المسلم على طلب السؤال، قال : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. الثالثة: الجواب الذي يجيبه ﵊، وأجوبته ﷺ على ثلاثة أقسام: ١/المطابقة. ٢/ الجواب الحكيم. ٣/ الجواب بأكثر من السؤال. المطابقة: كأن يفتي السائل، فيقول: نعم أو لا. وجواب الحكيم: أن يترك السؤال ويفتي بجواب لسؤال آخر، مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] وأما الجواب بأكثر من السؤال فمثل حديث: ﴿إنا نركب البحر ثم قال السائل: فهل نتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم، هو الطهور ماؤه، الحل ميتته﴾. والرسول ﵊ استخدم (لا أدري) ثلاث مرات في حياته، فقد روى الحاكم بسند صحيح، قال ﵊: ﴿لا أدري! أذو القرنين نبي أم لا؟ ولا أدري أتبعٌ لعين أم لا؟ ولا أدري هل الحدود كفارات لأصحابها أم لا؟﴾. وكان ﷺ إذا أراد أن يجيب نظر إلى حال السائل فأعطاه جواباً يناسب حاله، فقد ثبت في حديث صحيح أن غيلان الثقفي أتاه وهو قوي البنية، وقال: ﴿يا رسول الله! دلني على أفضل عمل. قال: عليك بالجهاد﴾ أعطى القوس باريها، وأتاه الشيخ الكبير ابن بُسر وقال: ﴿دلني على عمل. قال: عليك بذكر الله﴾ وأتاه أبو أمامة فقال: ﴿دلني على عمل؟ فقال: عليك بالصيام﴾ لكن من يستطيع على هذه الأجوبة إلا رسول الهدى ﵊.

стр. 6458

نداء إلى الأم المسلمة أيها الإخوة: أوجه كلمة إلى النساء: أولاً: أسأل الله لي ولكم وللنساء مغفرة عامة وخاصة، وإني لأحمد الله على ما هناك من صحوة في جانب النساء وعودة إلى الواحد الأحد، ولكن الأم المسلمة أطلب منها قضية واحدة: أن تدخل حديث جبريل بيتها، لكن لا تدخله في ورقة معلقة، ولا في برواز ملصق بحائط، ولا في شريط فحسب، تدخله بقلبها ولحمها ودمها في قلب طفلها، تنقش هذا الحديث في قلب الطفل، تربيه على طاعة الله، وعلى (لا إله إلا الله) من يوم يولد الطفل في الإسلام وهو ينقش في قلبه (لا إله إلا الله). فيا أمة الله! الطفل اليوم مسئوليتك، أنتِ الرائدة في البيت، اكتبي في قلب الطفل (لا إله إلا الله). أما أن يرسل الطفل فقط ثم يعود من كل مكان بأشعار وبأخبار، وأسعار وأمطار، ولا يحمل عقيدة ولا مبادئ، ما ينشد إلا اللعنات والسباب والشتائم؛ فهذا مسئولية الأم، وهي التي تحاسب عند الله. الطفل الذي ينشأ على الموسيقى ينشأ راقصاً، حتى تجد بعض الأطفال إذا انتظر عند الدكان ليأخذ غرضاً يرقص في وقت الفراغ، لا يريد أن يضيع شيئاً من حياته! وبعض الأطفال يهز رأسه في الفصل، متعلم ومتدرب على الغناء، وبعضهم يذهب بدون وعي فينشد أغاني، وإذا قلت له: اقرأ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] قال: لا أحفظ هذه السورة. هذا من القرآن؟ قلنا: نعم من القرآن. قال: متى نزلت؟ قلنا: نزلت قبل أن تدخل الموسيقى بيتك، وقبل أن تحفظ الأغنيات الماجنات، وقبل أن تتربى في هذا الجو المعتم، الجو الضائع، والطفل ولد مؤمناً لكن حسبنا الله، يريد بعض الناس أن يجعلوه ملحداً ومنحرفاً، لا! الطفل مؤمن، أتى بقرطاس من بطن أمه مكتوب على جبينه (لا إله إلا الله) ﴿كل مولود يولد على الإسلام؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ أتى حنيفاً مسلماً، لكن يبدأ التحركات، يرى أباه لا يصلي فيقلده، ويراه يكذب ويخون فينشأ خائناً كذاباً، ووالله إنه ولد أميناً صادقاً خائفاً من الله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]. يا أم! يا أخت! يا مسلمة! أنت مسئولة أمام الله في أطفالك، أدخلي القرآن في قلوب أطفالك، أدخلي ذكر جبريل وذكر محمد ﷺ في البيت، ضوِّئي البيت بالحديث النبوي علَّه أن يحيا حياة سعيدة طيبة. اللهم ثبتنا يا رب العالمين! واقبلنا فيمن قبلت، واغفر لنا خطايانا وذنوبنا. يقولون في الدمام صحب وإخوة وأسكنتهم لحمي وأسقيتهم دمي فإن رضوا فلا اللحم يسقي ولا الدم يكفي، ولكن الحب في الله وكفى. أسأل الله أن يجمعني بهم في دار الكرامة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6459

الأسئلة

стр. 6460

نصيحة لرجل كبير السن مازال عاصياً لله السؤال نريد منك بعض النصائح المختصرة حول رجل كبير في السن وما زال مصراً على بعض المعاصي؟ الجواب أشكر السائل على شعوره الطيب، وأثابه الله وأكرم مثواه وإياكم، وأما عن حال هذا الرجل الكبير في السن فأمر عجيب ونبأ غريب! الإنسان إذا شاب رأسه وشابت لحيته أتاه النذير. الإنسان إذا احدودب ظهره وكلَّ بصره وسمعه وقلبه أتاه النذير. الإنسان إذا فقد الشهية ظمأ إلى لقاء الله . الكبير إذا جاوز الستين كان عليه حقاً أن يشتري كفناً أو يتهيأ، فقد أصبح بينه وبين القبر قاب قوسين أو أدنى. أحد الفضلاء من الأدباء كان فقيراً يجمع الأموال، يجمع ويجمع، فلما أصبح في الثمانين رزقه الله بمال كثير! فقال: ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا رزقته بعدما بلغت سبعينا قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا يقول أطفاله: ما تتركنا ننام، تتأوه علينا في المنام، اتركنا ننام، من ماذا تشتكي؟ أظلمك أحد؟ قال: الثمانين. أهجرك أحد؟ قال: الثمانين. آذاك أحد؟ قال: الثمانين قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وجاء عنه ﷺ في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: ﴿أعذر الله امراً بلَّغه ستين سنة﴾ أي: انتهى العذر، يأتي يوم القيامة يقول الله له: لماذا فعلت؟ قال: ما أمهلتني حتى أتوب! ما أمهلك وقد أصبحت بعمر ثلاثة حمير؟! الحمار يعيش عشرين سنة، وأنت عشت عمر ثلاثة حمير وما تبت؟! قال: والله لو أمهلتني سنة لكنت ترى ماذا أصنع! سبحان الله! ستين سنة تجعل السفيه عاقلاً، ولذلك قال ﷺ في الصحيحين: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان﴾ شايب ويزني! ليته شاب؛ ولا يعذر الشاب؛ بل الزنا فاحشة! بل هو وصمة عار! بل هو ذنب! بل هو كبيرة من الكبائر! لكن وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً فما لك بعد شيبك قد نكثتا مشيت القهقرى وخبطت عشوا لعمرك لو وصلت لما رجعتا والله لو أطعت الرحمن لما رجعت، عمره ستون ويزني! ستون ومخرف! ويرقص على الأغنية! ويسهر مع الشيشة والدخان والبلوت في المقهى! هذا مجرم، ما كأنه يريد الخير، ولكني لا أقصده لذاته وإنما أقصد من يفعل ذلك؛ لكي يتوب. يذكر هذه القصة مثل صاحب الحلية وغيره، يقولون: كان رجل من بني إسرائيل عمَّره الله ثمانين سنة، أما الأربعين فصلح فيها أيما صلاح، أطاع الله، ثم أدركه الخذلان فعصى الله أربعين سنة، وأصبح شيبة، فالتفت إلى المرآة ورأى صورته وإذا به قد شاب رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر الشيب عجيب! الشيب نذير يقودك إلى القبر! قال: يا رب! أطعتك أربعين سنة، ثم عصيتك أربعين سنة، أتقبلني؟ فسمع قائلاً يقول: أطعت الله فأحبك الله، وعصيت الله فأمهلك الله، وإذا عدت إلى الله قبلك الله. ومع ذلك؛ فباب التوبة لا يزال مفتوحاً، فبعضهم تاب في التسعين، أصبح قاب قوسين منحني على عصاه، وكان في انحنائه على عصاه مجرماً ثم تاب، تداركه الله بتوبة قبل أن يموت بشهر أو بشهرين فتاب الله عليه، فالله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وأنا أوصيك مع كبير السن بأمور: أولاً: أن تنزله منزلته، فبعض الشباب إذا تكلم مع الشيخ الكبير كأنه يتكلم مع طفل، أما تدري أن هذا الشايب الكبير يظن أنه الإسكندر المقدوني أو فاتح الدنيا؟ فلابد أن تنزله منزلته، وتقول له: أنت أكبر تجربة، وأكبر عقلاً، وأكبر عمراً، ولكن ما رأيك حفظك الله في كذا؟ ثانياً: ألاَّ تجرحه وتنصحه أمام الناس، تدعو ضيوفاً وإذا اجتمعوا في المجلس تقوم وتقول: وأنت حفظك الله فعلت كذا يوم كذا وكذا هذا يزيده غلولاً وحقداً وغشاً ولا يقبل منك. ثالثاً: أن تحاول أن تسلط عليه بعض الدعاة المقبولين، إما بداعية أو بكتاب أو بمصحف أو بشريط، أو بدعوة في ظهر الغيب، ثم اجعل الأمور لله ولا تيأس من روح الله.

стр. 6461

افتقار الصحوة إلى بعض الأمور السؤال شباب عادوا إلى الله وصحوا من غفلتهم، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء في بداية صحوتهم؟ الجواب الصحوة ليست فقط عندنا، ليست في الرياض ولا في الدمام ولا في جدة ولا في أبها، هذه الصحوة مرت على الأخضر واليابس، هناك صحوة في أوزبيكان وأذربيحان وتشيكوسلوفاكيا، والله في استراليا أتت رسالة قبل مدة -والحسيب الله- من رجل لا أدري هل هو فلسطيني أو سوري، كتب يقول: الأشرطة التي تلقى بعد أسابيع تصلنا في استراليا، وإن الصحوة تجتاح الشباب المسلم هناك، والناس يدخلون في دين الله أفواجاً في استراليا سبحانك يا رب! حتى استراليا تعيش في صحوة! نعم؛ لأنها أرض الله، وبلد من بلاد الله، فهذه الصحوة أصبحت في كل قطاع، كل الناس يريد أن يركب في موكب النور الذي أتى به ﷺ ، ذاقوا العمالات والسخافات، جربوا لينين فوجدوه ملعوناً، جربوا هتلر فوجدوه ملعوناً، جربوا كانت وديكرت أحمقين ملعونين؛ فأتوا إلى محمد ﵊ فوجدوه نوراً وإماماً معصوماً ﷺ ! خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل لكن هذه الصحوة تحتاج إلى أمور: أولاً: تحتاج إلى علماء ومشايخ وقضاة ودعاة ينزلون للساحة، هذه الصحوة مثل الجمل الهائج، جمل ترسله بلا خطام، هذا الجمل يكسر الحيطان، ويدخل الحدائق، ويقتحم البيوت والمنازل، جمل شجاع لكن ما عنده خطام! هذه الصحوة مثل السيل تحتاج إلى نظام حبس وصرف، ونظام الحبس والصرف هم العلماء، والقضاة، وكتاب العدل، والدعاة، لينزلوا للشباب في حلقات ولو مصغرة، ولو لم يحضر الحلقة إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة؛ فإن الله سوف يبارك فيهم، فقضية نزول العلماء أمر عظيم وأمر مطلوب، وهم مدعوون في كل مكان إلى أن يقيدوا هذا الصحوة ويرتبوها. ثانياً: أن يحرص الشباب على التحصيل العلمي الشرعي، فصحوة بلا علم لا تساوي شيئاً، تثير حماساً وهيجاناً، فالصحوة تكون بعلم وبتأصيل، ومصدر التلقي هو الكتاب والسنة. ثالثاً: لا اختلاف! دعونا من الخلافيات، دعونا من النزاع، دعونا من الضغينة، أكلنا لحوم بعضنا في المجالس فلان من طائفة آل فلان وفلان، لا نقبل طريقته، وفلان ذهب مع فلان، وفلان نبرأ منه لماذا هذا الكلام؟ تزيدون الأمة جرحاً! نزيد الطعن في جرح الأمة! أقول وأنا طويلب علم: أنا مستعد أن أعمل مع كل مسلم فيما أصاب وأتجنب -إن شاء الله- إساءته، لا يمنعك أن تعمل مع أخيك ولو كان في مشرب آخر فيما أصاب ﴿لا يكن أحدكم إمعة! إذا أحسن الناس أحسن، وإذا أساءوا أساء، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فتجنبوا إساءتهم﴾ والحديث في الترمذي. لماذا لا تعمل مع إخوانك؟ يذكر ابن تيمية قاعدة مهمة، وقد ذكرتها مراراً ينقلها الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي علامة القصيم، يقول ابن تيمية: بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح!! يترك محاسن الناس والأفراد والطوائف ويأتي بعيوبهم في المجالس سامحهم الله فيهم كذا وكذا. لماذا لا تذكر محاسنهم؟ لماذا لا تتعامل معهم؟ لماذا لا تنصحهم في بيوتهم؟ النصيحة ورادة وليست الفضيحة. فالتي تعطل مسيرة الصحوة هي الخلافيات والمداخلات، والشيطان له وسوسة، كما قال ﷺ : ﴿إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم﴾. وأنا أرى أن يأتي أناس أهل الحل والعقد لا صغار الأسنان ولا أحداث، يأتون إلى هذه المشكلة فيحللوها، ويجلسون في مجالس وينظرون من المخطئ؟ وما هي المسائل التي ينبغي أن تدارس بضابط الكتاب والسنة لا برأي أحد من الناس مهما بلغ؟ وتعظيم هؤلاء الناس والزعماء المفكرين أنا أحبه، لكن أن يجعلوهم في مكانة محمد ﷺ فلا والله. تأتي بمفكر أو شهيد أو إمام، وتقول: قال، وكان يفعل، وكان يأكل، وكان يشرب أنا أحبه أكثر منك، لكنه رجل. يقول ابن عباس ﵄: [[يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال الله وقال رسوله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!]] أنا أعرف بعض الشباب عنده في جيبه معلومات كلها كلام رجل! يحفظها سرداً مثل الفاتحة! قال: وكان يقول كذا، وكان يقول كذا. أقول: محمد هو الرسول ﵊ وليس غيره، لا تغلوا في دينكم، ولا قداسات للأشخاص. انتبهوا يا إخوتي! المسألة مسألة عقيدة، والله ليس في قلبي ضغينة لأحد، وأنا أحبهم وأتولاهم، لكن لماذا هذا الأمر؟ نتقي الله في إيماننا ومعتقدنا وتوحيدنا هذا ما يحضرني في هذا الباب.

стр. 6462

لا تتردد في الانضمام إلى شباب الصحوة السؤال هذا شاب متردد بين الانضمام إلى الشباب الطيب وبين البقاء مع بيئة الغفلة، فما نصيحتك؟ الجواب والله يا أخي! ما مثلك يتوقف في مثل هذه المسألة، وأنا أجلك عن مثل لا أقصدك به، يقولون: حمار وقف يشاور نفسه بين ماء وعلف، الحمار جائع أصلاً؛ لكن رأى الماء فخاف أن يذهب إلى العلف يأكل فيموت قبل أن يأتي إلى الماء، فيذهب خطوتين إلى الماء، ثم يتذكر العلف فيذهب إلى العلف، فإذا اقترب من العلف تذكر الماء، فيقولون: مات بين الماء والعلف. والحمار -للفائدة- من أذكى الحيوانات وأنتم تعلمون ذلك! هذه قصة من كتاب كليلة ودمنة يقولون: ألقى الأسد فكاهة؛ فضحكت الحيوانات في الحال إلا الحمار، ضحك بعد ثلاثة أيام، قالوا: لماذا تضحك يا أبا حصن؟ قال: تذكرت الفكاهة. أما أنت يا أخي! فلا تتوقف عن القرب من الشباب، إذا رأيت المصلحة في القرب منهم، لكني أقول هذا نسبياً لبعض الأفراد، وليس هذا الجواب عاماً، بعض الأفراد لا يصلح إلا مع إخوانه في مخيم، في مدرسة، في مركز، وبعضهم قد ينمي نفسه بمطالعة خاصة أو باتصاله ببعض الأفراد، أو بإمامة مسجد، أو بخطابة، فهذا أحسن له ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].

стр. 6463

إليك يا من تستهزئ بالمؤمنين السؤال هناك بعض الإخوة يستهزئ بالإخوان الملتزمين، أرجو منك أن تنبهم على خطر الاستهزاء ولك جزيل الشكر؟ الجواب يقول ابن القيم: أهل البدعة يهاجمون أهل السنة، ومثلنا ومثلهم كمثل قول القائل: ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهانَ عليَّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني هل تدري من يهاجم شباب الصحوة؟ رجل باع حياته بسيجارة، أو رجل ضائع ضال مارد لا يعرف من القرآن حرفاً، ولا يعرف من السنة شيئاً، أو مروج مخدرات، أي: محكوم عليه بالإعدام غيابياًً. مروج مخدرات ويهاجم شباب الإسلام! أو رجل انسلخ من العقيدة فقلبه مريض، أو رجل جاهل وجد موقفاً من بعض الشباب فأجرى القياس على كل الشباب، فإن بعض الناس قد يأتي بموقف ليس بصحيح؛ فيجني على الشباب جميعاً. فأقول: ماذا أقول له؟ أقول له: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] وأقول له: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] وأقول له: قدمت لنا حسناتك، وما أظن أن لك حسنات، وأخذت من سيئاتنا في أطباق وعندنا سيئات يقيناً.

стр. 6464

الإيمان يزيد في مجالس الذكر السؤال عند المحاضرات ومجالس الذكر يزيد الإيمان، وينشرح الصدر، وبعد أيام يضعف الإيمان ويقل الذكر، فأرجو النصيحة في هذا؟ الجواب هذا السؤال مثل قول الأندلسي، شاعر من الأندلس ما كان شاعراً لكنه يقول: الليل ليل والنهار نهار والأرض فيها الماء والأشجار وصدق هذا السائل في قوله، فقد أتى بتحصيل حاصل: يزيد الإيمان في الذكر وينقص إذا فارق الذكر، وقد شكا الصحابة إلى الرسول ﵊ من هذا، فأخبرهم بالواقع وبالجبلة، فقال ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده! لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة﴾ أرجوك إذا أدبرت روحك، فألزمها الفرائض، وإذا أقبلت فأكثر من النوافل، إذا كلَّت روحك فأكثر من الذكر والتعلق والدعاء والابتهال خاصة بينك وبين الله، وأوصيك بعمل الصالحات في أوقات الرخاء علَّ الله أن يحفظك في أوقات الشدة ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].

стр. 6465

زيادة أجورنا على أجور الصحابة السؤال سمعت حديثاً ما معناه: أن أبناء هذه الأمة أو الأمم التي أتت بعد الرسول ﷺ عمل أحدهم يعدل بعمل بخمسين رجل من الصحابة، أرجو إفادتي في ذلك؟ الجواب هذا الحديث صحيح من حديث أبي ثعلبة الخشني، لما زار ﷺ المقبرة قال: ﴿وددنا لو أنا رأينا إخواننا، قالوا: ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني قوم يأتون بعدي -ثم ذكر الحديث ﷺ وقال: للعامل منهم أجر خمسين، قالوا: منا يا رسول الله؟ قال: منكم﴾ لكن أهل العلم يتكلمون على هذا الحديث، فيقولون: أما فضل الصحبة فلا يصل إليها أحد، ولكن مضاعفة الأجور بأجور الصحابة قد يصلها الإنسان منا خمسين ضعفاً من عمل الصحابي، ولكن إذا وصلنا إلى الصحبة تفَّوق علينا الصحابة بصحبتهم للرسول ﵊. ونعود للحديث في الصحيحين، قول النبي ﷺ : ﴿جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه﴾. ولماذا يضاعف لنا الأجر؟ لأن الصحابي يوم كان يصلي كان إمامه محمد ﷺ ، كان عن يمينه أبو بكر، وكان عن يساره عمر، ووراءه أبو هريرة وابن مسعود، وكان المقرئ أُبي، لم يكن عندهم مجلة خليعة، ولا شاشة مهدمة، ولا فتاة متعرية متكشفة سافرة، ولا خمر، ولا مخدرات، وكان الطائعون أكثر من العصاة، وكانت الهيمنة للإسلام فوجدوا أعواناً. أما نحن فحذاريك حذاريك من كل جانب تنهش! فكان أجرك كأجر خمسين من الصحابة.

стр. 6466

نصيحة بمناسبة قدوم شهر رمضان السؤال أرجو أن تقدم لنا نصيحة بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك؟ الجواب رمضان كفارة وفرصة لا تتعوض، وهو موسم ذهبي لمن استغله في طاعة الله، ووصيتي -أيها الإخوة- عن أمور هي من التخلية ثم آتي بأمور من التحلية: التخلية ظواهر لا تستحسن في رمضان: الإسراف؛ الإسراف في النوم، في الليل والنهار، حتى أن بعضهم ينام النهار كله، ثم يستيقظ على الإفطار، وكأنه ليس بصائم، صام في الحلم! لم يجد طعم الجوع، ولا طعم حرارة الظمأ ولا لذة قراءة القرآن والذكر، ومعايشة الصيام؛ لأن المقصد من الصيام أن تحس بالصوم. والإسراف في السهر؛ بعضهم أسرف في سهره إلى السحر، وأعرض عن التلاوة وعن ركعتي السحر، وعن النوافل، في لعب كرة، أسرف فيه حتى قسا قلبه وأصبح كالحجر. والإسراف في الأطعمة؛ يصفون الموائد بألوان وبأشكال ولا يأكلون منها إلا قليلاً، ثم يرمونها للكلاب والقطط؛ والمجاهدون المسلمون ينتظرون خبز العيش، وهناك ثلاثة عشر مليون مسلم فقير مهدد بالمجاعة! وإسراف في ضياع الأوقات؛ في لعب البلوت، والسهرات اللاغية، والنزهات التي لا تنفع، وإسراف في المعاصي غفر الله لنا ولكم. أما التحلية في رمضان فالقرآن، هذا المصحف اجعله كتابك، الإمام مالك، لما أتى رمضان يقولون: أغلق على كتبه وعطل مجالس التدريس والفتوى، وأخذ القرآن، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] كان السلف إذا دخل رمضان أخذوا المصحف وجلسوا في المسجد، يكررون ويعيدون ويختمون ويتدبرون ويستغفرون. الأمر الثاني: صلاة الجماعة في رمضان وفي غير رمضان، وفي رمضان آكد. الأمر الثالث: أدعوكم يا إخوتي لصلاة التراويح! من يدري لعلك تصلي صلاة التراويح فيغفر الله لك، من يدري لعل باكٍ دعا في الصفوف وبكى، فاستجاب الله دعوته، فغفر لك بمغفرته له. ومنها: الدروس لطلبة العلم أرى ألا تتوقف في رمضان. الإمام مالك أوقف الدروس لأن مالكاً كان في أمة علمية تزخر بالعلوم، لكن نحن بحاجة إلى نشاط من الدعاة في رمضان، والانطلاق إلى المؤسسات، إلى المراكز الحكومية، إلى الدوائر، إلى المدارس، إلى المساجد، التكلم، الخطب، الوعظ، أما أن يأتيك الشيطان ويقول: تحب الظهور! فقل له: اخسأ يا عدو الله والله لن تعدو قدرك. ظهور أو لا ظهور، يقولون: هذا السوق سوق مناهبة، إما أن تنهب أنت أو ينهب أهل الضلالة من شباب الإسلام، إما نهبت أنت في جعبتك وإلا نهب الشيطان في جعبته، والله أعلم.

стр. 6467

توبة عازف عود السؤال لقد كنت عازف عود واستمعت لمحاضرتك، وهداني الله وتبت إلى الله، فأرجو منك أن تدعو لي وتستغفر لي؟ الجواب أولاً: طوبى لك، وقرة عين لك، وأحسن الله إليك إحساناً وقد فعل، كنت عازف عود ولكن تتحول -إن شاء الله- إلى عازف قلوب، وعزف القلوب أحسن من عزف الأعواد، إذا عزفوا خشبة أو طنجة أو ناياً أو وتراً؛ فمحمد ﷺ عزف قلوب العالم فاستجابت لذكر الله، إذا غنوا بالترّهات والسخافات فنحن نردد الآيات البينات. إذا طربوا للعود في ساعة الخنا طربت لذكر الله فهو المحبب إذا ظمئ اللاهون للخمر والخنا فزمزم للأخيار ورد ومشرب وكعبتي الغراء بيتي وقبلتي وبستاني المعمور بالحب يثرب فشكر الله لك. ثانياً: دم على هذا الطريق، فالله أراد لك خيراً أن تتوب، وليس بعجيب أن تتوب، فالفنانون كثير منهم أعلنوا التوبة، جربوا الحياة فوجدوها مرارة وزهقاً وطفشاً، فعادوا فأعلنوا التوبة، واستسلموا لله ودخلوا المساجد؛ فرحبت بهم المساجد، وما استقبلوا من إخوانهم إلا بالضم، وبالعناق الحار، وبالبشاشة وبالاستقبال، وزادوا في صفوفنا. أنا أفخر بك الليلة أنك جلست معنا؛ لأنك انتصرت على نفسك، يقول الهنود: من انتصر على نفسه فهو أعظم ممن فتح مدينة. انتصرت أنت على نفسك، كان لك جمهور، أو كان زملاء أو جلساء وأصحاب فتركتهم وأتيت إلى جلساء أهل الخير، إلى الأولياء والصالحين، فطوبى لك، وأقر الله عينك بإيمانك، وزادك يقيناً وإيماناً، وثبتنا الله وإياك والحمد لله رب العالمين.

стр. 6468

أدب الدعوة في حياته ﷺ لقد بعث الله نبيه محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمره الله أن يدعو الناس إلى الإسلام، فدعا الناس إلى دين الله بقوله وفعله وسلوكه، بالحكمة والموعظة الحسنة. فلما رأى الناسُ أدبَه ﷺ وسلوكَه وأخلاقَه دخلوا في دين الله أفواجاً، وحتى ينجح الداعية في دعوته لا بد أن يلتزم بالآداب التي تحلى بها رسول الله ﷺ .

стр. 6469

مسائل في حديث: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. هذه الحلقة بعنوان: (أدب الدعوة في حياته ﵊. وهذا الأدب نحتاج إليه صباح مساء، ونحن ملزمون إن كنا نريد اتباع محمد ﵊ أن نتفقه في هذا الباب، وسوف أجعل لهذا الدرس حديثاً من المصطفى ﵊، تكون مسائل هذا الباب تدور في فلكه. هذا الحديث -كما تعرفون- رواه معاوية بن أبي سفيان ﵁، وعن أبيه، عن الرسول ﵊ قال: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ متفق عليه. ومسائل هذا الباب تتحدث عن مكانة العلم في دعوته ﵊: - التدرج في رسالته. - الصبر. - اللين. - اطِّراح التكلف. - أدب الفُتيا في منهجه ﷺ . - كيف ندعو إلى الله؟ راوي هذا الحديث هو: خال المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه، ونشهد أنه مِن كَتَبَة الوحي، وأنه ما تلبس بنفاق، وهذا من كلام أهل السنة فيه، وأنه لو كان فيه مغمز لما جعله ﵊ كاتباً، وهو خال المؤمنين، وهو أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوجة محمد ﵊، وله مناقب كثيرة نسأل الله أن يجمعنا به وبأمثاله في الجنة. أما قوله ﵊: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: إثبات الإرادة لله بقسمَيها. المسألة الثانية: ما معنى: ﴿يفقهه في الدين﴾؟ ولِمَ لَمْ يقل: يحفظه الدين؟ المسألة الثالثة: ما هو الفقه في الدين بضوابطه الشرعية؟ المسألة الرابعة: ما هو مفهوم المخالفة في الحديث؟

стр. 6470

العلم أول ما بدأ به ﵊: العلم. ولذلك قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. فمن لوازم الدعوة: أولاًَ: أن تعلم ما تدعو إليه: ومن دعا إلى أمر يجهله، فقد لبس على الناس، فإن طلب العلم لما تدعو إليه من المسائل، هو الأمر المقرر في منهجه الدعوي ﵊، قال الله لنبيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وتجدون جماهير المفسرين يقولون في قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] يقولون: الحكمة: هي العلم. ويقول ابن تيمية، فيما يُذكر عنه في كتاب الجهاد، يقول: "ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر"، بل حمل علماء الصحابة قوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] قالوا: البصيرة: هي العلم، وهي العلم الشرعي، الذي تدرك به أسرار الدعوة التي تدعو إليها.

стр. 6471

خطر الجهل من دعا الناس وهو جاهل؛ كان ما يفسد أكثر مِمَّا يصلح، وقد منع عمر ﵁ وأرضاه من تصدر للناس وهو جاهل، فقد ورد عنه في سيرته، أنه دخل المسجد، فوجد رجلاً يقص على الناس، على كرسي في مسجد الرسول ﵊، فسمعه يقص عليهم قصة دانيال فأخذه، مثل مَن يأتي اليوم في المسجد، فيقص على الناس قصة داحس والغبراء، أو قصة أبي زيد الهلالي، أو قصة الجارية تودد، أو قصة كسرى أنو شروان، وأمثالهم وأضرابهم، فـ عمر استمع إليه، فأخذ عمر الدِّرة، وتقدم ﵁ وأرضاه، فخفق رأسه خفقاً، وقال: لا تحدثنا في مسجدنا قاتلك الله، يقول الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] قالوا: منعه عمر؛ لأنه يتكلم بجهل، حتى القصة، لا بد إذا أُوْرِدَتْ أن تكون بضوابط شرعية، أما أن يتحدث الإنسان بكل ما يسمع، وقد تخالف هذه القصة قواعد الشرع، فهذا خطأ.

стр. 6472

قصص مكذوبة وهناك قصص موجودة، يذكرها بعض الوعاظ، جُمِعَت في شريط اسمه: قصص مكذوبة، فهي تُذْكَر يوم الجمعة على المنبر، والعلماء يصلُّون مع مثل هؤلاء الخطباء، مثل: قصة توبة مالك بن دينار، هذه قصة باطلة، لا أساس لها، أنه كان له ابنة، ثم ماتت البنت، ثم كان يشرب الخمر، وكان جندياً، ثم رآها في المنام، وقد فرَّ من ثعبان، فأنقذته بإذن الله، ثم تاب، ثم توضأ، ثم صلى وراء الإمام الشافعي، فهي قصة مكذوبة من نَواحٍ: - أولاً: سندها باطل. - ثانياً الإمام الشافعي لم يكن حياً آنذاك، فلقد وُلِدَ الإمام الشافعي بعد مالك بن دينار بما يقارب سبعين سنة، فكيف يصلي وراءه الفجر؟ أتظن أن الشافعي وُلِدَ في ليلة وكبر، ثم صلى إماماً بالناس؟! مالك بن دينار في عهد الحسن والشافعي بعده، قبل أحمد بسنوات، هذا أمر. - ثالثاً: مالك بن دينار لم يتزوج. - رابعاً: مالك بن دينار كان صالحاً من الصغر. أيضاً: مثل قصة وفاة الرسول ﷺ التي ينقلونها عن معاذ وهي موجودة في شريط في الأسواق، وأنه في اليمن، لما أتاه الخبر، حثا بالتراب على رأسه، وهذا خطأ، ما كان لـ معاذ أن يفعل ذلك، ثم قالوا: وكان معاذ يأتي يطرق الباب على أبي بكر، ويقول: أخبرني بوفاة الحبيب، فيلقي عليه أبو بكر محاضرة من وراء الباب، قال: مَن بالباب؟ مَن فَجع الأصحابْ؟ مَن وَلَّهَ الأحبابْ؟ ثم يلقي قصيدة، والقصيدة من قصائد مجنون ليلى ومجنون ليلى وُلِدَ بعد أبي بكر بمائة وخمسين سنة. أيضاً من القصص المشهورة: ما يُنْسَب إلى عمر، أنه سأل المَلَكَين في القبر، فقال: من ربكما؟ ما دينكما؟ من نبيكما؟ ومثل: قولهم: إن أبا بكر ﵁ سلم الله عليه وقال على لسان جبريل: بلِّغ أبا بكر السلام، وقل: إني رضيت عنه، فهل هو راضٍ عني؟ فقال أبو بكر: نعم، ولكن والله لا آمَنُ مكرَ الله ولو كانت إحدى رجليَّ في الجنة والأخرى خارج الجنة؛ فهذا ليس بصحيح، وليس بثابت، ولن يقوله. من القصص أيضاً: قصة علقمة وأمه، أنه كان لـ علقمة أمٌّ، وكان يقدم زوجتَه عليها، فلما حضرته الوفاة عُسِّرَت عليه الشهادة، فما استطاع أن ينطق الشهادة، فقال ﷺ : اجمعو لي حطباً، لأحرق علقمة، فجمعوا حطباً، فعَفَتْ أمه، فنطق الشهادة، فهذا ليس بصحيح. أيضاً: قصة ثعلبة، يوردها ابن كثير وابن الأثير: أنه امتنع عن الزكاة، فلم يقبلها أبو بكر، ولا عمر بعد وفاة الرسول ﵊، ومات على ذلك. هذه تخالف أصول الإسلام، قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] إلى آخر تلك القصص التي توجد في هذه المحاضرة والله أعلم. قال ﷺ في الصحيحين، في باب العلم: ﴿مثل ما بَعَثَنِي الله به من الهدى والعلم﴾ انظر إلى الألفاظ المنتقاة، من يستطع أن يصوغ مثل هذه الكلمات؟! ما بنى جملةً مِن اللفظ إلا وابتَنى اللفظُ أمَّةً مِن عفاء ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ هذا السطر الواحد نقف معه وفقات. يقول: ﴿مثل ما بعثني﴾ ولم يقل: أرسلني، يقول بعضهم: إنما قال: ﴿بعثني﴾ في باب التوحيد؛ لأنه بُعث في قوم أموات، والرسالة تأتي في باب الإخبار، لكن لما أتى إلى قوم أموات، قال: ﴿بعثني﴾ فكأنه يوم بُعِثَ في الأمَّة الأمية، كأنه بُعث حياً في أموات فأحياهم الله بدعوته. ﴿: مثل ما بعثني﴾ ولذلك في باب التوحيد يقول : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ [النحل:٣٦] وفي باب الإنذار والإخبار: قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [هود:٢٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] وهذه من البلاغة التي كان يستعملها ﵊ في ألفاظه. قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم﴾ أليس العلمُ هُدَىً؟ بلى، أليس الهُدَى علماًَ؟ بلى، لماذا لم يكتفِ ويقُل: مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث، لأن في الهدى علماً؟ ولماذا لم يقل: مثل ما بعثني الله به من العلم كمثل الغيث؟ وإنما قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم﴾ والعطف يقتضي المغايرة: فالهدى شيءٌ، والعلم شيءٌ، قال ابن تيمية: "الهدى: العمل الصالح، والعلم: العلم النافع". فالرسول ﵊ مبعوث بالعلم النافع والعمل الصالح، فمن عنده علم وليس عنده عمل صالح؛ فهو أشبه باليهود، وهو مغضوب عليه في الدنيا والآخرة، ومن عنده عبادة وليس عنده علم، ولا يعبد الله على بصيرة؛ فهو أشبه الناس بالنصارى، وهو ضال، قال الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]. فالعالِم الذي لا يعمل؛ سَمِّهِ مغضوباً عليه، والعابد الذي لا يعلم سَمِّهِ ضالاً، فالنصارى يعبدون الله في الكنائس والمغارات بلا علم، قال سبحانه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] وقال في اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] وقال في عالِم اليهود: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦] وقال فيهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] فوصفهم بالعلم لكن بلا عمل، وغضب الله عليهم، ولعنهم في مواطن كثيرة، وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١]. وأما النصارى: فحذر الله من اتباع منهجهم، فقال: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] فهم ضالُّون؛ لأنهم عبدوا الله بلا علم، قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "وقد وقع في أصناف الأمة بمشابهتهم لتلك الأمتين ما وقع، فوُجِدَ طلبةُ علمٍ لا يعملون، فهم مغضوب عليهم، ووُجِدَ مِن العُبَّاد من لا يفهمون ولا يسألون، فهم ضالون" هذه مسألة مقررة، ومن استقرأ الواقع وجد هذين الصنفين. هذه مسألة العلم. قوله: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ لماذا لم يقل: كمثل المطر؟ تَرَكَ المطر، وأتى بالغيث. - يقول بعضهم: الغالب في المطر إذا ذُكِر أن يكون بمعنى: العذاب، كما قال الله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء:١٧٣] هذا في الغالب، ليس على العموم، فترك ﷺ المطر، وأتى بلفظ الغيث. - ثم إن في الغيث غوثاً للقلوب. - ثم إنه صافٍ، الغيث ما زال صافياً، لم يُشَبْ بشائبة، ورسالته ﵊ لم تُشَبْ بشائبة، بل هي صافية نقية.

стр. 6473

طلب الأجر من الله من معالم دعوته ﵊، وهي دعوة الأنبياء: أنهم يطلبون الأجر من الله. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] وقال سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الأنعام:٩٠] فطلب الأجر لا يكون إلا من الله، والداعية إذا طلب أجراً من الناس، أو مثوبة على دعوته؛ سقط من أعينهم سقطة ما بعدها سقطة، فلا يقبلون له كلاماً، فهم لا يحترمونه في الباطن وإن احترموه في الظاهر، ولا يقبلون كلامه، ولا يجلسون على مائدته، وتراهم من أشنع الناس عليه في غيابه، والحديث المشهور: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ وهذا الحديث مما اضطربت فيه الأقوال، فبعضهم يضعفه، وبعضهم يصححه، لكن يقول ابن حجر: حديثٌ حسن رواه ابن ماجة، وغيره بسند حسن. إذا عُلِمَ هذا؛ فإن من زهد فيما في أيدي الناس؛ قَبِل الناس منه، والداعية لا يطلب الأجر من الناس، ولا يتقاضى مرتباً على دعوته، بل يطلب الأجر من الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] ولذلك ردَّ الله على كفار مكة، فقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠] كأنك تطلب منهم شيئاً، فهم مثقلون من الطلب الذي تطلبه، وقد غرموا عليك غرامة، بل أنت ما أخذتَ منهم شيئاً، ولذلك ما مدَّ يده. وإذا مدَّ الداعيةُ يدَه إلى الناس؛ باءت دعوتُه بالفشل، قال ابن الجوزي عن بعض الوعَّاظ، ذكرهم في القصاص، قال: كان يقف على المنبر، فيُبكي الناس، فإذا انتهى قال: " والله لا أنزل من على هذا المنبر حتى تملئوا هذا الخرج ذهباً "، وهذا مثل أحمد الغزالي، وهو أخو محمد الغزالي صاحبِ الإحياء، كان هذا يأخذ التبرعات بالقوة، ولذلك يقولون: ما قبل الناس منه فيما بعد، قدمت له امرأة سواراً من ذهب، تتبرع، قال: "قدمي السوار الآخر الذي في يدك اليسرى قطعها الله " فقدمته، وهؤلاء ذهبوا إلى الله . وبعضهم يطلب أجراً معنوياً، لا يطلب دراهم؛ لكن يحب أن يُصَدَّر في صَدْر المجلس، ويحب أن يُدعَى بسماحة الشيخ، وفضيلة الشيخ، وأن يُقَبَّل على رأسه، هذا إذا بُلِيَ به واستغفر الله منه أُجِرَ على ذلك، أما إذا طلب هذا الأمر وهو الأجر المعنوي والأجر الحسي فيكون الخلاص منه مدخولاً والرياء حاصلاً؛ بتواجد هذا الأجر المعنوي أو الحسي، ولذلك من يطلب هذه الأمور لا تأتي إليه، كتب أبو بكر لـ خالد: [[فِرّ مِن الشرف يتبعك الشرف]] أي: فِرّ من هذه الأمور، تتبعك هي، لكنك إذا تبعتها فرَّت منك. والله المستعان! وإنما تشوَّه علمُ مَن تشوَّه؛ لأنهم طلبوا الدنيا، وجعلوا علمهم شبكة للدنيا ومصيدة لها، فجمعوا وأخذوا، فطمس الله نور العلم منهم. يقول عبد القادر الجرجاني، في قصيدة مليحة له، وكان منقبضاً عن الدنيا، وعن الناس، كان يعلِّم الناس، ولا يأخذ على ذلك شيئاً، فقالوا: ما هذا الانقباض؟! فردَّ بقصيدة من أجمل القصائد: يقولونَ لي فيك انقباضٌ وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أأشقى به غَرساً وأجنيه ذلَّةً إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما يقول: أنا أشقى، وأذاكر في الامتحان وأتعب، ثم أكون محروماً من لذته ونوره، إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما

стр. 6474

التدرج في الدعوة ومن أدب الدعوة: التدرج في الدعوة. وهذا أدب نبوي، أن نبدأ بالأولويات مع الناس، ألا نقدم صغار المسائل قبل كبار المسائل، أن نعرف كيف ندعو الناس، ما هي كبريات المسائل التي ينبغي أن ندعو الناس إليها، وهذا فعله ﵊، أتى إلى الأصنام في الحرم، والخمر يُشرَب, والزنى يرتكب، فما أتى إلا يقول: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: معك غير هذا؟ قال: لا. قولوا لا إله إلا الله، قال لـ أبي جهل: كلمة واحدة، قلها لي، قال: وأبيك وألفاً، ما هي الكلمة؟ قال: لا إله إلا الله، قال: أما هذه فلا. كان يقول: لا إله إلا الله، وما تعداها ثلاث عشرة سنة، فلما ضمنتها القلوب؛ أتى ﵊ بالفرائض، فلما قامت القلوب بالفرائض، دعا إلى السنن. ليس بصحيح أن ندعو الناس إلى السنن وهم لا يقيمون الفرائض، إنسانٌ لا يصلي وتدعوه أن يربي لحيته، ولو كانت لحيته إلى الأرض، إنسانٌ يزني ويشرب الخمر، وتأتي إليه وتقاومه وتهجره من أجل أنه لا يأكل باليمين، وما ينفع ألا يأكل باليمين وهو ما أقام أعظم من ذلك، بل فَسَقَ وفَجَرَ في الإسلام. فالبداية بكُبْرَيات المسائل قبل صُغرياتها، ثم نعطي كل مسألة حقها. والناس في هذه المسائل ثلاثة: طرفان ووسط. - منهم من يأتي فيقيم الدنيا ويقعدها على جزئية، ويتبرأ من الناس، حتى تجده لا يصف الناس إلا بهذه الأوصاف، ما رأيكَ في فلان؟ فلا يَذْكُرُ علمَه، ولا حِلمَه، ولا صبرَه، ولا زهدَه، ولا صدقَه، ولا أمانتَه، ولكن يقول: عنده لحية. ما شاء الله، تبارك الله، أي: لو رأيته بلحيته وبقِصَر ثيابه لذكَّرك بأهل بدر، ولكن هل هذه هي الضوابط الصحيحة؟ وبعضهم ربما كان صادقاً، مؤتَمَناً، باراً بوالديه، مصلياً، لكن أساء وأخطأ في حلق لحيته، فتسأله عنه، قال: فاجر من الفجرة، حلق لحيتَه من الأذُن إلى الأذُن. وأنا أقول: من فعل ذلك ففيه فجور، لكن أما أنك تلغي حسناته بسبب هذا الذنب فليس بصحيح. - وبعضهم يقابل في الطرف الآخر، فأرخى الحبل حتى انسحب، قال: هذه قشور، المسألة ليست مسألة لِحَى، قلنا: ما هي المسألة؟ قال: إيمان، والمسألة ليست مسألة ثياب، المسألة ليست أكل باليمنى ولا أكل باليسار، المسألة أعظم من ذلك. حتى شذَّر الدين، وقطَّع الدين، ما بقي عليه إلا أن يقول عن الصلاة: المسألة ليست مسألة صلاة. ما هو هذا الإيمان الذي فهمتَه أنتَ وما فهمَه الصحابة؟! - وتوسط قومٌ، فأعطوا كل مسألة حقها، قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] فأعطَوا الصلاة حقها، واللحية مقدارَها، والثوب مقداره: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثيراً﴾ [البقّرة:٢٦٩].

стр. 6475

اللين والرحمة من معالم دعوته ﵊ ومنهجه التربوي في الدعوة: اللين والرحمة بالمدعو. وهذا أمرٌ لو أدركناه؛ لقاد الله لنا القلوب؛ لأن الناس مفطورون على فطرة الله، مفطورون على الخير، أترى لبائع أشرطة الجنس؟ أترى للمغني؟ أترى للسكير؟ كلهم إذا أثرت فيهم لا إله إلا الله، وهم مسلمون، ثارث في قلوبهم، لكن من يثير لا إله إلا الله؟ إن إثارة لا إله إلا الله بالتجريح موتٌ لهذه الفطرة، تميتها أنت في قلبه، لكنك لو أتيت إلى نوازع الخير في قلبه، وذكرته وأخذته، وحاولت أن تدعوَه استنار بإذن الله ، وقام واستيقظ ووُفِّق، قال الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٨ - ١٥٩]. واللين هنا: أن تُكسِب الإنسانَ مكانتَه، لا يصح أن تهز عليه مكانته، وأن تجرح مشاعره، ثم تقول: أدعوك إلى الله، بعد ماذا؟ لا يصح أن تهينه أمام الجماهير، ثم تدعوه إلى الله، لا يصح أن تشهِّر به على المنابر، ثم تدعوه إلى الله، هذا ليس بصحيح.

стр. 6476

وسائل اللين وسائل اللين أمور: - منها: البسمة الحانية. - ومنها: الزيارة. - ومنها: الهدية. - ومنها: الخدمة التي توجهها له، كأن يكون مريضاًَ فتزوره. أحد المغنين زاره كثير من الشباب أثابهم الله من أهل الاستقامة، فكرروا عليه الزيارة في المستشفى، فلما خرج وجد أن الأخيار إخوانه؛ لأن الفسقة ما زاروه، أهل الطنبور والعود هجروه في المستشفى، وأتى الأخيار فزاروه، وقدموا له الخدمات، حتى أخجلوه، وفي الأخير عاد إلى الله وتاب؛ لأن هذه معناها ما يقول المتنبي: وما قَتَل الأحرارَ كالعفو عنهم ومَن لك بالحر الذي يحفظ اليدا يقول: إذا أردت أن تقتل الحرَّ، فجُد عليه، وتفضل عليه، هذه المنن هي من اللين، ولذلك قدَّم ﵊ الكافر، أعطى بعض الكفرة، وهم في التوجه إلى الإسلام مائة ناقة فأسلموا، عفا عن كثير منهم، تبسَّم، وزار، وأهدى ﵊.

стр. 6477

الغلظة والشدة وضررها أما الانقباض، والفظاظة، والغلظة، فهي أول خسارة في معالم هذا الدين، لذلك بعضهم يأتي إلى صاحب مكان -وهذا ورد في كثير من الأمكنة- فيقول له: يا فاسق، أغلق محلك. لماذا تأتي بفاسق؟ ما موقع (يا فاسق) من الإعراب؟ هل هي مبتدأ أو خبر؟ هل هي فعل ماضٍ أو مضارع؟ لماذا أتيتَ بـ (فاسق)؟ أليس عندك في المعجم غيرها؟ ألا تحفظ غير هذه الكلمة؟ وأنتم تعرفون القصة المشهورة لأحد الوعاظ، الذي مرَّ بجزار فقال: "صلِّ يا حمار"، قال: "الحمار لا يصلي، لكن يا عدو الله أقْصِمُك بهذه الصامولة اليوم". ثم أخذ يطارده؛ ليعلمه أدب الدعوة، الجزار يريد أن يلقنه درساً في الدعوة لا ينساه؛ لأن الحمار لم تكتب عليه الصلاة! فلو استبدل هذه الكلمة بلفظة أخرى لكان أحسن. وبعضهم يجعل من الجزئية طريقاً حائلاً في طريق دعوته. نُقل إلى بعض العلماء أن طالباً بادئاً دخل في مجلس، والمجلس ليس له، إنما لأحد الناس، دعاه يتغدى مع قوم ضيوف، فدخل المجلس، أتدرون ماذا فعل؟! وجَدَ على المخَدَّة مكتوباً عليها: (الله أكبر) فقام هذا الشاب، فأخرج مفتاح سيارته، ونقضَ المخدة من (الله أكبر) نقضاً، ثم قطع ما هو مكتوب عليها، فوَجَمَ صاحب البيت، وتكدرت الضيافة، وتحول البيت إلى صمت مُطْبِق، وإلى رعب مخيف، وإلى غضب لا يعلمه إلا الله، لماذا؟ أولاً: هل تكلمتَ بينَك وبين صاحب البيت؟ ثانياً: هل البيت لك؟ ثالثاً: هل استأذنته؟ رابعاً: أما في البيت من هو أكبر منك سناً، فتخبره؟ وفي الأخير أصبحوا ينقلون هذه الكلمة عن الدعاة جميعاً، وعن طلبة العلم، وشباب الصحوة، لأن أهل الخطأ أو أهل الانحراف، إذا وجدوا صورة واحدة عمَّموها. قالوا: يفعلون ويفعلون، ومُتَزَمِّتون، وفيهم من الغلظة، وهي لم تقع إلا من شاب واحد، فجعلوها قاعدة مطَّردة، تسري على جميع الشباب.

стр. 6478

العمل بما يدعو إليه من معالم دعوته ﵊: أنه كان يعمل بما يدعو إليه. قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. إن من يدعو بكلام جميل وفعله فعل قبيح إنما يُكَذِّب دعوته، ولذلك لا يثق الناس في الواعظ الذي خالط الناس، ثم ماحَلَهُم في الدنيا وخاصمهم، فلا تجدهم يَقْبَلون منه، فإذا قام يعظهم يوم الجمعة، ينامون ولا يستفيدون، ويدعون عليه بعد الصلاة، فيقال: أما قال كلاماً جميلاً؟ أما أتى بقرآن وسنة؟ قالوا: بلى، أتى بقرآن وسنة، لكنكم لا تعرفون أخباره، نحن نعرف سيرته، ونعرف ترجمته، كلامه كذب، لأنه يكذبه بفعله، لا نقبل منه أبداً. ولذلك لا يتأثرون، تجد بعض الخطباء خمسين سنة في قرية، ما استفادوا منه مسألة واحدة، بسبب أن عمله وقف عائقاً في طريق القبول منه والاستفادة، يريدون أن يستفيدوا ويسمعوا، لكن يتذكرون أفاعيله. أحد الوعاظ بكى على المنبر، فيقول أحد الجماعة بعدما خرج: "لا تصدقوه في البكاء، والله ما بكى إلا على الأراضي التي أُخِذَت منه"، ويقرءون حياته، ويرون كلامه بعمله.

стр. 6479

أدب الفُتيا في منهجه ﷺ من أدب الدعوة: أدبُه وهديُه ﵊ في الفُتيا. كيف كان يفتي الناس ﵊؟ كان له ﵊ في الفتيا آداب:

стр. 6480

عدم التكلف روى الحاكم بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا أدري ذو القرنين نبيٌّ أم لا، ولا أدري تُبَّع نبيٌّ أم لا، ولا أدري هل الحدود كفارات لأصحابها أم لا﴾ والله أخبر رسوله بهذا الأدب، فقال له: (وما يدريك) (وما أدراك) قال بعض الفضلاء -من باب الفائدة-: "إذا قال الله: (وما أدراك)؛ فسيخبره بالجواب بعد هذا الاستفهام، وإذا قال: (وما يدريك)؛ فلن يخبره بالجواب"، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] فلن يخبره عن الساعة، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة:١ - ٤] فأخبره. فإذا جاء في القرآن: (وما أدراك) فانتظر الجواب، فإنه سوف يأتيك، وإذا قال: (وما يدريك): فلا تنتظر الجواب. سئل علي بن أبي طالب عن مسألة، فقال: [[لا أدري، وما أبردها على قلبي]] وقال: ابن سيرين: [[إذا فات العالم كلمة: (لا أدري) فقد أُصِيبَت مَقاتِلُه]]. والناس في هذه المسألة أيضاً طرفان ووسط: - منهم: طلبة علم يقولون في كل شيء: لا أدري، من باب الورع البارد. يقال له: كم أركان الإسلام؟ قال: لا أدري. يسأله العامِّي: كم أتمضمض في الوضوء؟ قال: لا أدري، الله ورسوله أعلم! قلنا: ورَعُك باردٌ سامِجٌ ميِّتٌ، أنتَ كتمت العلم بهذا الورع المُهَلْوِس الموسْوِس. - وبعضهم: قابلهم، فأفتى في كل مسألة، اسأله في كل مسألة، لن يقول: لا أدري، بل يدخل في كل مسألة، ويجيب على كل معضلة، مسائل لو عُرِضت على عمر ﵁ وأرضاه لجمع لها أهل بدر، ومع ذلك يفتي بطلاقة، ويتحدث بقوة، ويشرح ولا عليه! لأنه يقول: إذا قلتُ: لا أدري انكسر جاهي مع الجماعة، والذي عقد رءوس الحبال يحلها، نفتي الآن، وإن شاء الله نبحث عن المسألة، وتجده أحياناً يقول: للعلماء فيها أقوال: قول يقول كذا، بلا أدلة؛ لأنه يدري أنه لا يخرج من الأقوال، لكن إذا قلتَ له: ميز الضعيف من القوي؛ فلن يجيب. - ومنهم قوم توسطوا -أثابهم الله- فأفتوا فيما يعرفون، وسكتوا عما لا يعرفون؛ وهم أهل الجادَّة، وأهل الخوف من الله. ثانيها: أما المسائل التي عرضت عليه ﵊ فكان موقفه منها ثلاثة مواقف، جوابه على ثلاثة أضرب: - جواب الحكيم. - وجواب المطابقة. - وجواب الزيادة. فجواب الحكيم: أن يُسأل عن مسألة، فيترك المسألة ويأتي بجواب آخر لسؤال آخر، وهذا يسمى عند أهل البلاغة: جواب الحكيم، قال الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] فما مكان الجواب؟ ما هو شرح السؤال؟ السؤال يقول كفار مكة لمحمد ﵊: "كيف الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر يكبر، ثم يعود صغيراً؟ هذه أسئلة أطفال الروضة، أتى كفار مكة يقولون: يا محمد! ما للهلال يبدو صغيراً صغيراً، ويكبر ويكبر، ثم يصغر يصغر حتى ينتهي؟ وهل الرسول ﷺ مكلف أن يجيبهم عن هذا السؤال؟ لماذا لم يسألوا عن فائدة الهلال؟ وعن المصلحة من الهلال؟ فأورد الله السؤال، ولكن لم يورد الجواب على السؤال، قال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] وهو معروف سؤاله، ثم أجاب بجواب لسؤال آخر، فقال: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. فائدة الهلال: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. وكان ﵊ ربما أجاب بالمطابقة، يسأله السائل، فيقول: نعم، يسأله السائل فيقول: لا. وربما زاد على سؤال السائل، يقول السائل والحديث عند الخمسة بسند صحيح: ﴿يا رسول الله! إنا نركب البحر، وليس معنا إلا الماء القليل، فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ -اسمع الجواب- قال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ هذه أرقى أنواع البلاغة، التي لا يصل إليها الإنسان، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. فسأله عن الماء، فأفتاه بالماء وأفتاه بحل الميتة؛ لأن مَن جَهِل الماء، فمن باب أولى أن يجهل حكم الميتة، وقوله: ﴿هو الطهور ماؤه﴾ ظرَّفها بمعرفتين، والتظريف بمعرفتين يقتضي الحصر، كقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤] ﴿هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ أربع كلمات أوخمس أو ست، جَمَعَت معاني البلاغة، ولذلك شرحها بعض العلماء في عشرات الصفحات، وعجزوا عن شرحها. هذه مسألة.
следующие страницы →