← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

وسائل اللين وسائل اللين أمور: - منها: البسمة الحانية. - ومنها: الزيارة. - ومنها: الهدية. - ومنها: الخدمة التي توجهها له، كأن يكون مريضاًَ فتزوره. أحد المغنين زاره كثير من الشباب أثابهم الله من أهل الاستقامة، فكرروا عليه الزيارة في المستشفى، فلما خرج وجد أن الأخيار إخوانه؛ لأن الفسقة ما زاروه، أهل الطنبور والعود هجروه في المستشفى، وأتى الأخيار فزاروه، وقدموا له الخدمات، حتى أخجلوه، وفي الأخير عاد إلى الله وتاب؛ لأن هذه معناها ما يقول المتنبي: وما قَتَل الأحرارَ كالعفو عنهم ومَن لك بالحر الذي يحفظ اليدا يقول: إذا أردت أن تقتل الحرَّ، فجُد عليه، وتفضل عليه، هذه المنن هي من اللين، ولذلك قدَّم ﵊ الكافر، أعطى بعض الكفرة، وهم في التوجه إلى الإسلام مائة ناقة فأسلموا، عفا عن كثير منهم، تبسَّم، وزار، وأهدى ﵊.

стр. 6477

الغلظة والشدة وضررها أما الانقباض، والفظاظة، والغلظة، فهي أول خسارة في معالم هذا الدين، لذلك بعضهم يأتي إلى صاحب مكان -وهذا ورد في كثير من الأمكنة- فيقول له: يا فاسق، أغلق محلك. لماذا تأتي بفاسق؟ ما موقع (يا فاسق) من الإعراب؟ هل هي مبتدأ أو خبر؟ هل هي فعل ماضٍ أو مضارع؟ لماذا أتيتَ بـ (فاسق)؟ أليس عندك في المعجم غيرها؟ ألا تحفظ غير هذه الكلمة؟ وأنتم تعرفون القصة المشهورة لأحد الوعاظ، الذي مرَّ بجزار فقال: "صلِّ يا حمار"، قال: "الحمار لا يصلي، لكن يا عدو الله أقْصِمُك بهذه الصامولة اليوم". ثم أخذ يطارده؛ ليعلمه أدب الدعوة، الجزار يريد أن يلقنه درساً في الدعوة لا ينساه؛ لأن الحمار لم تكتب عليه الصلاة! فلو استبدل هذه الكلمة بلفظة أخرى لكان أحسن. وبعضهم يجعل من الجزئية طريقاً حائلاً في طريق دعوته. نُقل إلى بعض العلماء أن طالباً بادئاً دخل في مجلس، والمجلس ليس له، إنما لأحد الناس، دعاه يتغدى مع قوم ضيوف، فدخل المجلس، أتدرون ماذا فعل؟! وجَدَ على المخَدَّة مكتوباً عليها: (الله أكبر) فقام هذا الشاب، فأخرج مفتاح سيارته، ونقضَ المخدة من (الله أكبر) نقضاً، ثم قطع ما هو مكتوب عليها، فوَجَمَ صاحب البيت، وتكدرت الضيافة، وتحول البيت إلى صمت مُطْبِق، وإلى رعب مخيف، وإلى غضب لا يعلمه إلا الله، لماذا؟ أولاً: هل تكلمتَ بينَك وبين صاحب البيت؟ ثانياً: هل البيت لك؟ ثالثاً: هل استأذنته؟ رابعاً: أما في البيت من هو أكبر منك سناً، فتخبره؟ وفي الأخير أصبحوا ينقلون هذه الكلمة عن الدعاة جميعاً، وعن طلبة العلم، وشباب الصحوة، لأن أهل الخطأ أو أهل الانحراف، إذا وجدوا صورة واحدة عمَّموها. قالوا: يفعلون ويفعلون، ومُتَزَمِّتون، وفيهم من الغلظة، وهي لم تقع إلا من شاب واحد، فجعلوها قاعدة مطَّردة، تسري على جميع الشباب.

стр. 6478

العمل بما يدعو إليه من معالم دعوته ﵊: أنه كان يعمل بما يدعو إليه. قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. إن من يدعو بكلام جميل وفعله فعل قبيح إنما يُكَذِّب دعوته، ولذلك لا يثق الناس في الواعظ الذي خالط الناس، ثم ماحَلَهُم في الدنيا وخاصمهم، فلا تجدهم يَقْبَلون منه، فإذا قام يعظهم يوم الجمعة، ينامون ولا يستفيدون، ويدعون عليه بعد الصلاة، فيقال: أما قال كلاماً جميلاً؟ أما أتى بقرآن وسنة؟ قالوا: بلى، أتى بقرآن وسنة، لكنكم لا تعرفون أخباره، نحن نعرف سيرته، ونعرف ترجمته، كلامه كذب، لأنه يكذبه بفعله، لا نقبل منه أبداً. ولذلك لا يتأثرون، تجد بعض الخطباء خمسين سنة في قرية، ما استفادوا منه مسألة واحدة، بسبب أن عمله وقف عائقاً في طريق القبول منه والاستفادة، يريدون أن يستفيدوا ويسمعوا، لكن يتذكرون أفاعيله. أحد الوعاظ بكى على المنبر، فيقول أحد الجماعة بعدما خرج: "لا تصدقوه في البكاء، والله ما بكى إلا على الأراضي التي أُخِذَت منه"، ويقرءون حياته، ويرون كلامه بعمله.

стр. 6479

أدب الفُتيا في منهجه ﷺ من أدب الدعوة: أدبُه وهديُه ﵊ في الفُتيا. كيف كان يفتي الناس ﵊؟ كان له ﵊ في الفتيا آداب:

стр. 6480

عدم التكلف روى الحاكم بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا أدري ذو القرنين نبيٌّ أم لا، ولا أدري تُبَّع نبيٌّ أم لا، ولا أدري هل الحدود كفارات لأصحابها أم لا﴾ والله أخبر رسوله بهذا الأدب، فقال له: (وما يدريك) (وما أدراك) قال بعض الفضلاء -من باب الفائدة-: "إذا قال الله: (وما أدراك)؛ فسيخبره بالجواب بعد هذا الاستفهام، وإذا قال: (وما يدريك)؛ فلن يخبره بالجواب"، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] فلن يخبره عن الساعة، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة:١ - ٤] فأخبره. فإذا جاء في القرآن: (وما أدراك) فانتظر الجواب، فإنه سوف يأتيك، وإذا قال: (وما يدريك): فلا تنتظر الجواب. سئل علي بن أبي طالب عن مسألة، فقال: [[لا أدري، وما أبردها على قلبي]] وقال: ابن سيرين: [[إذا فات العالم كلمة: (لا أدري) فقد أُصِيبَت مَقاتِلُه]]. والناس في هذه المسألة أيضاً طرفان ووسط: - منهم: طلبة علم يقولون في كل شيء: لا أدري، من باب الورع البارد. يقال له: كم أركان الإسلام؟ قال: لا أدري. يسأله العامِّي: كم أتمضمض في الوضوء؟ قال: لا أدري، الله ورسوله أعلم! قلنا: ورَعُك باردٌ سامِجٌ ميِّتٌ، أنتَ كتمت العلم بهذا الورع المُهَلْوِس الموسْوِس. - وبعضهم: قابلهم، فأفتى في كل مسألة، اسأله في كل مسألة، لن يقول: لا أدري، بل يدخل في كل مسألة، ويجيب على كل معضلة، مسائل لو عُرِضت على عمر ﵁ وأرضاه لجمع لها أهل بدر، ومع ذلك يفتي بطلاقة، ويتحدث بقوة، ويشرح ولا عليه! لأنه يقول: إذا قلتُ: لا أدري انكسر جاهي مع الجماعة، والذي عقد رءوس الحبال يحلها، نفتي الآن، وإن شاء الله نبحث عن المسألة، وتجده أحياناً يقول: للعلماء فيها أقوال: قول يقول كذا، بلا أدلة؛ لأنه يدري أنه لا يخرج من الأقوال، لكن إذا قلتَ له: ميز الضعيف من القوي؛ فلن يجيب. - ومنهم قوم توسطوا -أثابهم الله- فأفتوا فيما يعرفون، وسكتوا عما لا يعرفون؛ وهم أهل الجادَّة، وأهل الخوف من الله. ثانيها: أما المسائل التي عرضت عليه ﵊ فكان موقفه منها ثلاثة مواقف، جوابه على ثلاثة أضرب: - جواب الحكيم. - وجواب المطابقة. - وجواب الزيادة. فجواب الحكيم: أن يُسأل عن مسألة، فيترك المسألة ويأتي بجواب آخر لسؤال آخر، وهذا يسمى عند أهل البلاغة: جواب الحكيم، قال الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] فما مكان الجواب؟ ما هو شرح السؤال؟ السؤال يقول كفار مكة لمحمد ﵊: "كيف الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر يكبر، ثم يعود صغيراً؟ هذه أسئلة أطفال الروضة، أتى كفار مكة يقولون: يا محمد! ما للهلال يبدو صغيراً صغيراً، ويكبر ويكبر، ثم يصغر يصغر حتى ينتهي؟ وهل الرسول ﷺ مكلف أن يجيبهم عن هذا السؤال؟ لماذا لم يسألوا عن فائدة الهلال؟ وعن المصلحة من الهلال؟ فأورد الله السؤال، ولكن لم يورد الجواب على السؤال، قال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] وهو معروف سؤاله، ثم أجاب بجواب لسؤال آخر، فقال: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. فائدة الهلال: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. وكان ﵊ ربما أجاب بالمطابقة، يسأله السائل، فيقول: نعم، يسأله السائل فيقول: لا. وربما زاد على سؤال السائل، يقول السائل والحديث عند الخمسة بسند صحيح: ﴿يا رسول الله! إنا نركب البحر، وليس معنا إلا الماء القليل، فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ -اسمع الجواب- قال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ هذه أرقى أنواع البلاغة، التي لا يصل إليها الإنسان، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. فسأله عن الماء، فأفتاه بالماء وأفتاه بحل الميتة؛ لأن مَن جَهِل الماء، فمن باب أولى أن يجهل حكم الميتة، وقوله: ﴿هو الطهور ماؤه﴾ ظرَّفها بمعرفتين، والتظريف بمعرفتين يقتضي الحصر، كقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤] ﴿هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ أربع كلمات أوخمس أو ست، جَمَعَت معاني البلاغة، ولذلك شرحها بعض العلماء في عشرات الصفحات، وعجزوا عن شرحها. هذه مسألة.

стр. 6481

كيف نكون أمام الخلاف ؟ اعلموا -يا أيها الإخوة- أن الخلاف أنواع، منه: - خلافٌ يُفَسَّقُ صاحبُه ويُضَلَّل. وهو ما خالف في مسائل أجمع عليها أهل السنة، وهي مسائل الأصول، فهذا لا يؤجَر ولا يشكَر. - ومن خالف في المسائل الفرعية، مجتهداً وأصاب؛ فله أجران، ومن أخطأ؛ فله أجر واحد.

стр. 6482

أدب الخلاف والأدب في هذا: أن تعذر أهل العلم، وأن تعرف أنهم لا يتعمدون الخطأ، وأنهم يريدون الله والدار الآخرة، ولكن لهم أعذار: - منهم من بلغه الدليل، ومنهم من لم يبلغه، فهذا أفتى بالدليل، وذاك برأيه. - ومنهم من صحَّ عنده الحديث، ولم يصح عند الآخر. - ومنهم من كان الحديث عنده ناسخاً، وعند الآخر منسوخاً. - ومنهم من فهم من الحديث ما لم يفهمه الآخر. فهؤلاء معذورون، وعليك أن تترحم عليهم، ولا تُشَنِّع على خلافهم لجميع الناس، ولا تُظْهِر عَوَرَهم، ولا تتبجح بأنك أصبت، فإنهم أخطئوا في جزئية، وأصابوا في آلاف الجزئيات.

стр. 6483

اطِّراح التكلف ومن معالم دعوته ﵊: اطِّراح التكلف. يقولون: إذا زاد البياض أصبح برصاً. التكلف في الصوت ضياع لمعالم الصوت، تجد المقرئ قارئاً من أجمل الناس صوتاً، فلا يرضى بقسم الله له في الصوت الحسن، ولا يرضى بهذه الموهبة، حتى يتكلف ويشحب بصوته، ويرفع بنَفَسِه حتى تضيع هذه الموهبة بسبب التكلف، قال عمر في كتاب الأدب من صحيح البخاري: ﴿نُهِينا عن التكلف﴾ تجد الخطيب بارعاً ومفيداً، لكن يتكلف، ويريد أن يقلد غيره فيضيع، يقولون: الغراب قلد مشية الطاوس، فضيع مشيته ومشية الطاوس، أراد أن يعود لمشيته الأولى فضيَّع. والتقليد هذا ظاهر عند بعض الناس من بعض البادئين؛ أنهم يريدون أن يكونوا صُوَراً طبق الأصل لبعض الناس، حتى يقلد العالِِم في سَعْلَتِه، وفي تَنَحْنُحِه، وصوته، خلق الله له صوتاً ولك صوتاً، وله سَعلةً ولك سَعلة، وله كحَّة ولك كحَّة، وله عُطاس ولك عُطاس، فأما أن تقلده بهذا التقمص فهذا يسمى إذابة للشخصية، ويسمى موت لمعالم الإنسانية في النفس، تسحق شخصيتك سحقاً. ولكن قلده في العلم، وفي المعنويات، والكرم، والصبر، وفي الحلم. التكلف هذا عندما دخل على المسلمين ضيَّع معالم سيرتهم، حتى التكلف في الأسئلة، يسألون عن أسئلة ما أنزل الله بها من سلطان ما وقعت، ولكن سَلُوا فيما وقع، وقد أتى بعضهم يسأل عن مسائل كثيرة، منها: ما رأيكم في أطفال أهل الفطرة؟ وتجد هذا عامياً لا يعرف سجود السهو، هل هو قبل السلام؟ أو بعد السلام؟ وماذا تقولون في تُبَّع؟ هل هو نبي أو لا؟ فأنا محتار، من البارحة وأنا أفكر في هذا الموضوع. ومسائل أخرى وأخرى. إذاً: فلا بد من طرح التكلف. هذه معالم من تربيته ﵊، ومن نهجه في الدعوة، ولعلَّ في الحلقة المقبلة إن شاء الله معالم أخرى في حياته، ولكن هذه إنما هي دروس أو إيحاءات من سيرته ﷺ ، في باب الدعوة، كيف دعا إلى الله؟ وكيف علَّم؟ وكيف أفتى؟ وقبل أن ننتهي أستمع إلى سؤالين أو ثلاثة. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 6484

الأسئلة .

стр. 6485

حكم تعلم العلوم الدنيوية السؤال ما المقصود بذكر العلم والعلماء في القرآن الكريم؟ فإن كان المقصود بذلك: العلم الشرعي، فما مصيرنا نحن الذين ندرس الهندسة والطب؟ فهل لنا مثل أجرهم؟ مع العلم أننا نحرص على تعلم العلم، وحضور المحاضرات، وسماع الأشرطة الإسلامية، وقراءة الكتب الدينية المفيدة. الجواب أولاً: أشكرك على هذا السؤال، وهذا يُنْبِي عن فهم، وقد نُبِّه عليه في كثير من الدروس والمحاضرات، ولكنك أثرت مسألة، وددتُ أنني تطرقت لها في أثناء الكلام. اعلم أن العلم إذا أطلق في الكتاب؛ فمعناه علم الكتاب والسنة. ثانياً: لا تظن أنك إذا تعلمتَ الهندسة، أنك لستَ مأجوراً بتعلمك لها، بل العجيب كل العجيب والغريب كل الغريب؛ أني وجدتُ أناساً في الهندسة والطب أكثر تقوىً وصلاحاً من كثير ممن يدرسون الشريعة وأصول الدين. هذا على الكرسي من الصباح إلى صلاة الظهر، ست محاضرات، في فتح الباري، وفي رياض الصالحين , ومع ابن حجر، ومع ابن تيمية، ومع الشوكاني، ومع الصنعاني، ومع ذلك تجده فاسقاً من الفسقة والعياذ بالله! وهذا من الصباح، في التجريح والتشخيص والتحليل، وتجده ولياً من أولياء الله. فاعلم أن هذه المسألة واردة، وأحمد الله على أن وُجِدَت الصحوة في كثير من هذه القطاعات، حتى تدخل في بعض المستشفيات، فترى الأطباء يذكرون بـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، من سيرتهم وأخلاقهم وتعاملهم. فإذا سُبِقْتَ إلى العلم والفُتيا، فلا تُسْبَق على التقوى، لا يسبِقُك أحدٌ على التقوى والانضباط، فإنه قد سبق كثيرٌ من الناس كثيراً من أهل الشريعة في هذا الجانب، وصدقوا مع الله، فأعطاهم الله ما تمنَّوا، ورفع منزلتهم . ثالثاً: اعلم أن الإسلام تخصصات، وأن من أراد أن ينصر الدين من باب الشريعة فله ذلك، وهو مأجور، ومن أراد أن ينصره من باب الطب أو الهندسة أو أي تخصص، فهو مأجور ومشكور. والأمةُ فرضٌ عليها فرض كفاية؛ أن تقوم بهذه التخصصات. ويوم تركنا الطب والهندسة لغيرنا؛ غُزينا في عقر دارنا، وأنا سمعتُ من بعض الفضلاء أن النصارى اجتمعوا في الكنيسة، فقال لهم رئيسهم أو كبيرهم الذي علمهم السحر: "تعلموا الطب، واغزوا بلاد المسلمين "، لماذا؟ "... لابتزاز أموالهم، ولكشف عورات نسائهم، ولقطع نسلهم". فيوم وجد الطبيب المجرم، وأتى الورع البارد في فتراتٍ من الفترات، وتركوا تعلم الطب، أتت هذه النوعية، كشفوا عورات النساء في المستشفيات، وقطعوا النسل، وأخذوا الأموال من أيدي الناس. فيا أيها الإخوة! يا أطباء الإسلام! ويا مهندسو الإسلام! اعلموا أنكم على ثغرة من الثغرات، من كان في الحراسة كان في الحراسة، ومن كان في الساقة كان في الساقة، ومن كان في الطب كان في الطب، ومن كان في الهندسة كان في الهندسة. وما يدريك؟ لعل أكبر أمل لك بعد الفرائض أن تدخل الجنة بالهندسة وبالطب. حسان بن ثابت دخل الجنة بعد الفرائض بالقافية والشعر؛ لأنه نصر الإسلام به. وامرؤ القيس يوم أجرم شعره؛ كان قائد الشعراء إلى النار. وخالد بن الوليد دخل الجنة؛ لأنه كان يجيد عمليات قطع الرءوس عن الأكتاف، كان يَفصل الجماجم ﵁، له طريق خاصة في الذبح، على الطريقة الإسلامية، يستقبل بالأبطال القبلة، ثم يُذَبِّحُهم كما تُذَبَّح الدجاج، فدخل الجنة بهذه الطريقة الممتازة. وأُبَي بالقراءة. وزيد بن ثابت بالفرائض. وابن عباس بالتفسير. فأنت ما عليك وزر ولا حرج، غفر الله لنا ولكم.

стр. 6486

حكم التبول قائماً السؤال يسأل الأخ العزيز عن حديث الرسول ﵊: ﴿استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه﴾ ويقول: إن جميع دورات المياه في سكننا نحن الطلاب، هي من التصميم الغربي، فهل يجوز التبول قائماً؟ فإن كان لا، فما هي الطريقة الصحيحة والمذكورة في هذا الحديث؟ الجواب أنا أرى أن الأحوط لك أن تبول جالساً، فإن لم تستطع، وكان عليك ضرر من عَود الرذاذ، أو عَود البول، وأصبحت المضرة أعظم من المصلحة، فَبُل قائماً، فقد صحَّ عنه ﵊، عند البخاري ومسلم، من حديث حذيفة: ﴿أنه أتى سُباطةَ قومٍ، فبال قائماً ﵊﴾ والسُّباطة هي: المزبلة، وجاء عن بعض العلماء من علماء السلف؛ أنه خاف ﷺ أن يتلوث من هذه السباطة فبال قائماً، فإذا تأكدت أنك إن لم تفعل ذلك وقَعْتَ فيما وقَعْتَ فيه فلك ذلك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].

стр. 6487

خاتمة عن فضل حِلَقِ الذِّكْر ومجالس العلم وفي الختام: أشكركم وأسأل الله لي ولكم التوفيق. وقبل أن أنتهي، هنا مسائل أنبه عليها باختصار: مثل هذا المجلس، ولو لم يكسب السامع فيه فائدة، فليعلم أنه خرج بفوائد إذا أحْسَنَ النية: - أن الملائكة حفت به. - وأن الرحمة تنزَّلت عليه. - وأن السكينة غشيته. - وأن الله ذكره في ملأ خير من هذا، وهم الملائكة. - وأننا نطمع في أمر خامس، وهو من أحسنها؛ أن يقال لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم، فتقول الملائكة: ﴿يا رب! عبدك فلان إنما جلس لحاجة، قال: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ ويُروى في حديث مُخْتَلَفٍ في صحته: ﴿مَن جلَس بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، فهي كحجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ ولعله إن شاء الله حديث حسن. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6488

يوسف ﵇ في بيت العزيز تضمنت قصة نبي الله يوسف ﵇ كثيراً من العظات والعبر، والشيخ في هذه الخطبة إذ يقتبس جزءاً هاماً من هذه القصة -وهو ما يتعلق بفتنة يوسف في بيت العزيز- إنما يقدم نموذجاً رائعاً وقدوة صالحة للشباب في كل زمان، وستبقى عبارة يوسف وصرخته: (معاذ الله!) ملاذاً للشباب المسلم في كل زمان. وقد تحدث الشيخ في مطلع حديثه عن سيرة يوسف حتى وصوله إلى بيت العزيز، وأورد أقوال المفسرين في معنى: (برهان ربي) ومواضيع أخرى هامة ومفيدة تضمنتها هذه المادة.

стр. 6489

فتنة يوسف والبئر اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد ﷺ ، عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت. في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآياتك. من استنصرك نصرته، ومن حاربك خذلته، ومن عصاك أدبته، ومن تقرب إليك بالطاعات أحببته وقربته، أنت رب الطيبين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من أرسلته شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا ً. أمَّا بَعْد: أيها الناس: فلنستمع إلى القرآن وهو يواصل معنا عرض قصة يوسف في إبداع عجيب وفي تصوير مشرق رائع، بعد أن تركناه في الجب غريباً وحيداً ولكن معه الله يؤنسه، فالله قال عن نفسه: ﴿أنا جليس من ذكرني﴾ فمن ذكره فهو معه ، ولذلك يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم رُبَّ ذكرى قربت من نزحا بك أستجير ومن يجير سواكا فأجر غريباً يحتمي بحماكا إني ضعيف أستعين على قوى جهلي ومعصيتي ببعض قواكا يقول الله ﵎: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:١٩ - ٢٤]. ترك في البئر وحيداً، وعاد إخوته يبكون بكاء كاذباً، ويعرضون دماً كذباً على قميصه، تركوه وحيداً ولكن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىمعه، ولذلك قال أهل العلم: لما أنزل يوسف ﵇ في الجب أخذ يذكر الله، ويكبر ويهلل، قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف:١٩] هو في صحراء منقطع، في بيداء ليس معه أنيس إلا الذئب، وحيداً في الفلاة لكن الله أتى بهذه القافلة، وبهذا الموكب العظيم لينقذ يوسف ﵇ من الجب أتت القافلة من الشام تريد فلسطين فضلت طريقها، وسوف تعترض على طريقها مصر فذهبت إلى تلكم الصحراء لحكمة أرادها الله، وعناية الله تتابع من يريد الله، ورعاية الله تذهب مع عباده أنّى حلوا وأنّى ارتحلوا، يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: وهو يتحدث عن رعاية الله وعنايته، يقول أحد الصالحين: رأيت عصفوراً كل يوم يأخذ من المزبلة لحماً وخبزاً ويذهب به ويضعه في نخلة، وعهدي بالعصفور أنه لا يعشعش في النخل فصعدت؛ لأرى ماذا هناك، فرأيت حية عمياء كلما أتى العصفور بهذا اللحم فتحت فاها وأكلت. إن الذي سخر العصفور للحية العمياء هو الذي سخر تلكم القافلة ليوسف ﵇ لتأخذه من البئر، وأدلى واردهم دلوه في البئر، والقرآن عجيب في العرض، رائع في الأداء، بديع في التصوير، لم يقل: أدلى دلوه، ثم تعلق يوسف بالدلو، ثم سحب الوارد الدلو، فقال له: من أنت؟ ثم ذهب به إلى أصحابه، بل جاء بالفاء التعقيبية؛ لأن عنصر المفاجأة في الآية يقتضي ذلك ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ [يوسف:١٩] أدلى دلوه فتعلق يوسف ﵇ بالدلو، وسحب الدلو فرأى غلاماً صبيحاً أوتي شطر الحسن، فقال لأصحابه: (يا بشرى)! وقرأ أهل الشام: (يا بشرايا هذا غلام) -أي: خادم وعبد أبيعه لي- ثم يقول عز من قائل: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف:١٩] وقيل: أخفوه عن الناس لأنهم ما أخبروا الناس به خوفاً أن يجدوا أباه أو إخوانه، وما علموا أن إخوانه هم الذين تركوه، وهم الذين طرحوه وهجروه وأبعدوه ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:١٩].

стр. 6490

فتنة شراء العزيز له فالله يتابع سيرة وقصة هذا الرسول الكريم، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠] وشرى هنا بمعنى باع، بثمن بخس، وهو: الدنيا وما فيها لو دفعت في مثل يوسف لكانت بخساً وغبناً، وخسارة ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] لم يقل: موزونة بل قال: معدودة؛ لأن المعدود دائماً أقل من الموزون، فلو قال: موزونة لكانت كثيرة. ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] أي: لا يرغبون فيه. ومن اشتراه؟ ومن ابتاعه؟ إنه ملك مصر العزيز ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف:٢٢] ولم يذكر العزيز باسمه لأمرين اثنين: ١/ لأن بطل القصة يوسف ﵇ فما كان لعنصر ثانٍ أن يتدخل في القصة. ٢/ ولأن كلمة العزيز لا يستحقها العزيز لأن العزيز من أعزه الله بطاعته، والشريف من دخل في عبودية الله: ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف:٢٢] أي: أحسني طعامه وشرابه، ومكساه ومنامه، عسى أن ينفعنا في أغراضنا ويقرب لنا بعض حوائجنا، أو نتخذه ولداً ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [يوسف:٢٢] كان العزيز حصوراً لا يأتي النساء، وكانت امرأته عقيمة، فأرادا أن يتخذا هذا الغلام ولداً يترعرع في بيتهم، يهدءون ويرتاحون إليه، وهم لا يشعرون أنه لن يكون لهم ولداً وسوف يكون نبياً من الأنبياء، ورسولاً يحمل رسالة السماء إلى الأرض، وداعية إصلاح، يحرر الشعوب، ويقود الأجيال إلى الله، فكيف يباع الحر في مصر؟ وكيف يسود العبد هناك؟! أيباع الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟! عجبت لـ مصر تهضم الليث حقه وتفخر بالسنور ويحك يا مصر سلام على الدنيا سلام على الورى إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر

стр. 6491

فتنة يوسف مع امرأة العزيز وأقوال المفسرين فيها بيع ﵇ ومكث في قصر العزيز تقياً عابداً متعلقاً بالحي القيوم، وتمر الأيام ويزداد حسناً إلى حسنه، وجمالاً إلى جماله، فتراوده امرأة العزيز، فيا للفتنة العظيمة! وياللمحنة اللئيمة! شاب أعزب غريب، شاب فيه هيجان الشهوة، ليس له أهل يعود إليهم، وغريبٌ لا يخشى على نفسه من السمعة القبيحة كما يخشى صاحب الوطن ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٢٣] تعرضت له كثيرا ًوتجملت له دائماً، وهي ذات منصب وذات جمال، ملكة في قصر ملك، ولكن الله معه يحفظه ويسدده، وفي يوم من الأيام غلقت الأبواب وكانت سبعة، وقال: غلقت، ولم يقل: أغلقت، زيادة في المبنى والمعنى، وغلقت للتكثير والتأبيد، غلقت الأبواب وخَلَت هي وإياه، ولكن الله يراهما ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] الذي يسمع ويرى، تجملت وتزينت وخطرت وهمت به وهم بها، خليا بالمعصية لكن ما خليا عن عين الله: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يران يا من سترت مثالبي ومعايبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام علي من يلقاني وقف ﵇ وحيداً وهم بها، أصابه شيء من النقص البشري، وألمت به الفاحشة ولما يفعل، هاجت الشهوة في قلبه ﵇، ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فما هو برهان ربه يا ترى؟ اسمعوا إلى أقوال المفسرين أعرضها عليكم ثم نخرج بالصحيح الراجح إن شاء الله، قال: ابن عباس ﵄: [[لما هَمَّ يوسف بها سمع هاتفاً يهتف يقول: يا يوسف! إنني كتبتك في ديوان الأنبياء فلا تفعل فعل السفهاء]] وقال السدي: سمع هاتفاً يهتف ويقول: يا يوسف! اتق الله إنك كالطائر الذي يزينه ريشه فإذا فعلت الفاحشة نتفت ريشك. وقال بعض المفسرين كما أورد ذلك ابن جرير الطبري: رأى لوحة في القصر مكتوب عليها ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] وقال غيرهم: رأى كفاً مكتوباً عليه (إن عليكم لحافظين) إننا نحفظ تصرفاتكم وحركاتكم وسكناتكم، إننا نراكم، وفي رواية عن ابن عباس ﵁ قال: [[لما هم يوسف ﵇ رأى أباه يعقوب في طرف الدار قد عض على أصبعه ويقول: يا يوسف اتق الله]] وهذه الروايات أوردها ابن جرير وابن كثير. وقال بعض أهل العلم من المفسرين أيضاً: فلما همَّت به وهمَّ بها قالت: انتظر! قال: ماذا؟ فقامت إلى صنم في طرف البيت فسترته بجلباب على وجهه، صنم لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يأكل ولا يشرب، قال: مالك، قالت: هذا إلهي أستحي أن يراني، فدمعت عينا يوسف، قال: أتستحين من صنم لا يسمع ولا يبصر ولا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأنا لا أستحي من الله الذي بيده مقاليد الأمور! ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم أن برهان ربه الذي رآه واعظ الله في قلب كل مؤمن، والحياء من الله والخجل من الله، فارتد عن المعصية، وعاد منيباً إلى الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] تذكر الوقوف بين يدي الله يوم يحشرهم حفاة عراة غرلاً بهما، فبرهان ربه: واعظ الله في قلبه، يعظه بالتوحيد، ويناديه بالتقوى. فهل آن لشباب الإسلام أن يتحرك واعظ الله في قلوبهم؟! وهل آن للمسلمين أن يجعلوا من يوسف ﵇ قدوة لهم؟ فيا من يتطلع على عورات المسلمين! أليس لك في يوسف ﵇ قدوة؟! ويا من يعامل ربه بالمعاصي ويرتكب الجرائم ويحرص على الزنا! أما رأيت يوسف ﵇ قد خلا بامرأة جميلة ذات منصب فتذكر واعظ الله في قلبه؟! ويا من يدعو إلى تبرج المرأة وإلى الاختلاط! أرأيت ما تفعل الخلطة والتبرج؟! يوسف نبي معصوم كاد أن يزل وأن يهلك!! وأنت تنادي المرأة بأن تتبرج وتسفر عن وجهها!! فأين الواعظ، وأين التقوى، وأين مراقبة الله؟! يقول ﵊: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس، يقول ﵊ ﴿لا تتبعوا النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية﴾. فيا شباب الإسلام! أما رأيتم ماذا فعل يوسف؟ ثم قال الله له: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] لنعمر مستقبله باليقين، لنجعله من ورثة جنة رب العالمين، مع المؤمنين الخالدين، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] فإذا أخلص العبد لله، حماه الله من المحن وجنبه الشرور. يقول سعيد بن المسيب ﵀: [[إن الناس تحت كنف الله وظله إذا أراد أن يفضح بعضهم رفع ستره تعالى عنهم]]. فيا شباب الإسلام! ويا معاشر المسلمين! انظروا إلى هذا التقي النقي الورع، انظروا إلى من راقب الله فأسعده الله، ونجاه الله وحفظه. يا واهب الآمال أنت منعتني وحفظتني وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 6492

فتنة اتهام امرأة العزيز ليوسف الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدون إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رسول رب العالمين، وقدوة الناس أجمعين، وهداية السالكين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: ثم ماذا كان بعد هذا؟ قال الله : ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف:٢٥]-يريد أن يهرب وهي تلاحقه- ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف:٢٥] شقت قميصه وهي تلاحقه وتدعوه إلى نفسها وهو يلتجئ إلى الله ويصيح بأعلى صوته، وصوته يدوي في القصر، ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] قال جمع غفير من المفسرين إن معنى قوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: إن زوجك وسيدي أحسن استقبالي وضيافتي فكيف يكون جزاء معروفه ورد جميله أن أخونه في أهله؟ وقال السدي: إنه ربي أحسن مثواي: إنه إلهي الحي القيوم اجتباني ورباني وعلمني وحفظني، فكيف أخون الله في أرضه؟ وكيف أعصي الله؟ وكيف أنتهك حرماته؟ فيا من أراد أن يتجاوز المحرمات ويتعدى على الحرمات! تذكر معروف الله عليك، وقل: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] قل: لا أعصي الله؛ لأنه رباني وكفاني ورزقي وآواني. ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] إنها قصة كلها مفاجئات، وإذا بسيده -وزوجها- لدى الباب وانظر إلى كيد النساء، تسبق يوسف بالكلام، وتلطم وتبكي وتشتكي، تقول: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] غلق علي الأبواب، ودعاني لنفسه، فما هو جزاؤه عندك إلا السجن أو عذاب أليم؟ قال ابن عباس: [[يضرب بالسياط]]. وقال يوسف بلسان الصادق الناصح الأمين التقي الورع الزاهد: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦] فمن هو الشاهد يا ترى؟ قيل: رجل من أبناء عمومتها شهد عليها، وقيل: ابن خالها، وقيل: رجل من الخدام، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه طفل صغير كان في الغرفة لا يتكلم فأنطقه الله الذي أنطق كل شيء، أتوا إلى الطفل في المهد فقال: صدق يوسف وكذبت المرأة، هي التي همت به، وهي التي راودته ودعته إلى نفسها. ولذلك في مسند أحمد أن الرسول ﷺ قال: ﴿أربعة تكلموا في المهد: ماشطة امرأة فرعون، والغلام الذي مع جريج، وعيسى ﵇، والغلام الذي شهد ليوسف ﵇﴾ وهذا سند جيد، وهذا الشاهد، وقبل أن يفضح المرأة عرض قصة ليستدل بها على أن يوسف هو الصادق قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٢٦] فبدأ بتصديقها، لأنها ملكة ولأنها صاحبة منصب، ولأن التهمة بعيدة عنها ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٧] فأتى الحكام والشهود وحضر الناس فاطلعوا فرأوا قميص النقي التقي قُدّ من دبره، فصدقوه وأعلنوا براءته، واستخلصوه ووفوه حقه من التبجيل والإكرام، إلا بعض الأمور التي سوف تأتي. ثم قال الله على لسان العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩] أي: لا تتكلم ولا تتحدث به في المجالس لا توزعه في الأندية، وكثير من الناس يتبجح في المجالس بالمعصية. وقال بعض المفسرين: إن العزيز قال ليوسف: أعرض عن هذا، ولا تتحدث به إلى الشعب المصري فيبثها ويوزعها. ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩] انتصار على النفس الأمارة بالسوء ما بعده انتصار، وهل النصر العجيب إلا أن ينصرك الله على نفسك، وأن يعلي حظك، وألا يخيب ظنك، وأن يحفظك من الفتن، ومن المحن ومن المعاصي ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. يا من حفظ يوسف ﵇ احفظنا بحفظك، ويا من رعاه ارعنا برعايتك يا أرحم الراحمين، ويا من حرسته احرسنا بعينك التي لا تنام إنك على كل شيء قدير. عباد الله صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وأرض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً. وارذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 6493

ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الدين الإسلامي قام على أسس وقواعد تحفظ للمجتمع الأمن والاطمئنان والسعادة، ومن هذه الأسس: الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، والشرع قد جعل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضوابط وآداباً، واشترط لأهله مواصفات، وجعل لهم في نبيهم قدوة يقتدون به.

стр. 6494

صور من حياة السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، والصلاة السلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام الله عليكم ورحمة وبركاته، وأسعدنا الله بكم وبكل مؤمن، وأسعدنا جميعاً في دار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله منا أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. معنا هذه الليلة محاضرة بعنوان: (ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ما هي الضوابط التي يقوم عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما هي آداب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ تلكم القضايا نسمعها في هذا الدرس مستضيئين بنور الكتاب والسنة، متوكلين على الله الواحد الأحد، جاعلين محمداً ﷺ إمامنا وقدوتنا. إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا فصلى الله على محمد ما ذكره الذاكرون، وغفل عنه الغافلون. وقبل أن أبدأ بشيء من التفصيل في هذه المحاضرة أحب أن أستعرض معكم أهم القضايا التي نتدارسها في هذا الدرس: أولاً: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانياً: الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثالثاً: الأسس التي يقوم عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رابعاً: هديه ﷺ في الأمر والنهي. خامساً: أهل الحسبة في الإسلام من هم؟ وما هي مواصفاتهم وأهليتهم؟ سادساً: سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمر والنهي. اعلموا -بارك الله فيكم- أن بعض علماء أهل السنة عدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام، وأوجبوه وجوباً قطعياً. وتحدث شيخ الإسلام في المجلد الثامن والعشرين من فتاويه عن هذا، وقال: من ميزات الأمة المحمدية أن فضَّلها الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمم التي سبقت ما أمرت كلها بالمعروف في كل معروف، ولا نهت كلها عن المنكر في كل منكر، بل كان بعضها يأمر ببعض المعروف، وبعضها ينهى عن بعض المنكر، فلما أتى الله بالأمة المحمدية الرائدة الخالدة أمة الكتاب والسنة، الأمة التي نصبت جبهتها للشمس لترفع لا إله إلا الله، قال لها الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] قرأ أبو حفص الفاروق قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فقال: [[والذي نفسي بيده لا يتم أول الآية حتى يتم آخرها]] لا نكون خير أمة حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله، نأمر بالمعروف ولو كان السيف على الرأس، وننهى عن المنكر ولو كان الموت يتحشرج في الحناجر.

стр. 6495

طاوس بن كيسان وسوف أذكر قصتين لعالمين زاهدين عابدين من علماء الإسلام، أولهم طاوس بن كيسان، عابد ومولى من الموالي، ليس له أسرة عريقة من أسر العرب، ولكن رفعه الله بالتقوى والعلم، كان زاهداً من علماء اليمن من تلاميذ ابن عباس ﵄ وأرضاهما، وطاوس بن كيسان راوية ثبت ثقة إمام، بل زاد بعضهم في صفته: ثبت ثبت، إمام حجة، لا يسأل عن مثله. ذهب إلى اليمن فكان يقول الحق ولو كان مراً، دخل على محمد بن يوسف -أخي الحجاج بن يوسف الثقفي وكان ظالماً غاشماً مارداً سفاكاً للدماء- فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فأعطاه مرة كساءً فأخذه من على رأسه، ووضعه تحت أرجله في الأرض، فقال: مالك؟ قال: ما أتيتك لتكسوني، وإنما أتيتك لآمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر. قال له: وهل عندي منكر؟ قال: الظلم فاشٍ، أي: منتشر. ذهب إلى بغداد - دار السلام - ليقابل أبا جعفر المنصور وأبو جعفر لا يسأل عن مثله، أدهى دهاة ملوك الأرض، حتى قال الإمام أحمد: من مثل ابن أبي ذئب كلَّم أبا جعفر، وأبو جعفر هو أبو جعفر؟ بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر قال تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر دخل طاوس عليه، وكان على أنفه ذباب فأقلقه، ترك المواضع كلها، ترك السكر، والحلوى، ولا يقع الذباب بحفظ الله ورعايته إلا على أنف هذا السفاك، الذي يذبح الملوك مثل ما يذبح الدجاج، فيترك الذباب الأمراء والوزراء والعلماء ويأتي يقع على أنفه، فأخذ أبو جعفر يذب الذباب، فيطير ويقع على أنفه، قال: يا طاوس! عندي سؤال؟ قال: ما هو سؤالك؟ قال: لماذا خلق الله الذباب؟ قال طاوس: يا أمير المؤمنين! خلق الله الذباب ليذل به أنوف الطغاة! وهذا أحسن جواب سمع في التاريخ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] قال أهل العلم: لو أخذ الذباب شيئاً من الطعام ما استطاع أهل الأرض أن يتخلصوه منه.

стр. 6496

الأوزاعي الأوزاعي الإمام العظيم لما سئل عنه بعض أهل العلم قال: لا يسأل عن مثله، ريحانة أهل الشام. قيل: رئي في المنام أن نجماً هوى من السماء، فقيل لبعض العلماء: ما تأويل ذلك؟ قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي. وسألوا أحد تابعي التابعين، قال: رأيت ريحانة قطعت من الأرض وارتفعت إلى السماء، قال: الأوزاعي يموت. كان الأوزاعي يسكن في الأوزاع في حارة من حارات بيروت عاصمة لبنان وهي ما زالت إلى الآن تسمى بالأوزاعي. أتى عبد الله بن علي عم السفاح وعم أبي جعفر ففتح دمشق وقتل من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر اثنين وثلاثين ألف مسلم يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون الصلوات الخمس، سفك دماءهم حتى جرت السكك بالدماء، وأدخل بغاله وخيوله مسجد بني أمية ثم جلس في المسجد، وقال: من يعارضني؟ قال له وزراؤه لا يعارضك أحد، قال: هل تعلمون أحداً يمكن أن يقول لي: لا؟ قالوا: إن كان أحد يقول لك لا فـ الأوزاعي قال: عليَّ بـ الأوزاعي. فلما ذهبوا إلى الأوزاعي قام عبد الله بن علي فدخل قصره، وقال لجنوده: صفوا صفين، واحملوا السيوف معكم حتى نرهب الأوزاعي المحدث العالم، علَّه أن يتخاذل في كلامه معنا. ذهبوا إلى الأوزاعي فقالوا: يريدك عبد الله بن علي عم السفاح قال: الله المستعان! انتظروني قليلاً، فذهب فاغتسل، ولبس أكفانه من تحت الثياب، ما معنى لبس الأكفان؟ خطر ممنوع الاقتراب، معناه: أنه سيقول كل ما في رأسه، فليغضب من يغضب، وليرض من يرضى، لبس أكفانه وثيابه، وأتى معه عصا يتوكأ عليها وهو في الستين، بينه وبين القبر قاب قوسين أو أدنى! ماذا يريد بعد الستين؟ يقول سفيان الثوري: [[من بلغ منكم الستين فليأخذ كفناً له وليبع الدنيا بلا شيء]]. قال: فدخلت عليه وفي يد عبد الله بن علي خيزران، وقد غضب وعلى جبينه عرق من الغضب، قال: من أنت؟ قال: أنا الأوزاعي. قال: ما رأيك في الدماء التي سفكناها؟ قال: لا يجوز لك ولا يحل لك، حدثني فلان -حتى السند يحفظه- عن فلان عن فلان. عن جدك ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾. فنكت بالخيزران في الأرض وحوله الوزراء، فرأيتهم يتقبضون ثيابهم خوفاً من دمي لا يرش ثيابهم، والأوزاعي أخذ يرفع عمامته يتهيأ لضربة السيف كي لا يتلكأ السيف في العمامة. قال: فرفع طرفه، وقال: والأموال التي أكلناها. قال: قلت له: إن كان حلالاً فحساب، وإن كانت حراماً فعقاب. قال: خذ من أموالنا ما شئت. قلت: لا أريد أموالك. قال: فسلم لي بدرة -البدرة كالكيس فيه مال- قال: فوزعتها على الجنود وهو يراني، حتى بقي كيس النقود فرميت به عند أرجله، قال: فغضب غضباً ما غضب مثله أبداً، وانتظرت متى يضرب السيف. ثم قال لي: اخرج، فخرج والناس عند الباب، فقالوا: كيف نجاك الله يا أوزاعي؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو لما دخلت عليه تصورته على كرسيه كالذباب، والله ما تذكرت إلا الله بارزاً على كرسيه يوم العرض الأكبر. سبحان الله! لأن من يقدر الله يهون عليه كل شيء. دخل ابن تيمية الإسكندرية فاجتمع غلاة الصوفية والمبتدعة يريدون قتله، قال الناس: يـ ابن تيمية يريد هؤلاء أن يقتلوك؟ قال: كأنهم والله الذباب عندي. ابن أبي ذئب المحدث الكبير، جلس يدرس في مسجد الرسول عليه الصلاة السلام، فدخل المهدي بن أبي جعفر المنصور وقد كان خليفة، فقام أهل المسجد جميعاً إلا ابن أبي ذئب لم يقم، قال: لماذا لا تقوم يـ ابن أبي ذئب؟ قال: والله لقد كدت أقوم لك لكني تذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذاك اليوم، قال: اجلس، والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت. والشاهد من هذا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة، ولكن ليس من يسمع الفريضة أن يبدأ بها كما قال الأول: أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل إنما له ضوابط وحدود وآداب، فلنستمع إلى ذلك.

стр. 6497

فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فلا خير في كلام الناس إلا من أمر منهم بالمعروف أو نهى عن المنكر أو أصلح بين الناس أو أمر بصدقة. قرية من قرى بني إسرائيل قص الله قصتها في القرآن، وأسلوب القرآن لا يحدثنا عن أسماء القرى لا يقول: اسمها أيلة أو يافا أو حيفا أو النقب لأن هذا ليس فيه مصلحة، يقول الله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] لم يسم لنا البحر أيضاً؛ لأنه ليس في ذلك مصلحة لنا أن يكون البحر الأبيض المتوسط أو البحر الأحمر أو المحيط الأطلنطي أو المحيط الهندي، إنما الشاهد: أنها قرية على ساحل البحر، أتت هذه القرية فحرم الله عليهم صيد السمك والحوت يوم السبت، فقال : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٣]. فأتى يوم السبت فحرم الله عليهم أن يصطادوا، فكانت السمك والحيتان تأتي على ساحل البحر حتى تكاد تقفز على الناس، فإذا انتهى يوم السبت وأتوا يصطادون يوم الأحد لا يجدون سمكة واحدة، ابتلاء من الله. فقالوا: عجيب! يحرم الله علينا الصيد يوم السبت وفيه يأتي السمك، وبقية الأيام لا يأتي السمك لابد أن نحتال بحيلة، ندخل السمك يوم السبت في خنادق وأنهار ونغلقها، فإذا أتى يوم الأحد اصطدناها. انظر إلى الخيانة وقلة الأمانة! ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] حرَّم الله عليهم الشحوم فأذابوها وجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها، فخندقوا الخنادق، وفتحوا الأنهار، وأتت الحيتان ودخلت، فإذا دخلت أغلقوا عليها، فإذا أردت أن تعود إلى البحر لا تستطيع أن تعود، وفي يوم الأحد يصيدون. انقسم أهل القرية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم فعلوا هذه الفعلة النكراء، الغشيمة الصلعاء، والداهية الدهياء، وعصوا رب الأرض والسماء. والقسم الثاني: سكتوا كالشيطان الأخرس لم يتكلموا بشيء، كل يقول: نفسي نفسي! والقسم ثالث: قالوا: هذا منكر؛ فخافوا الله، واتقوا الله، وقالوا لهؤلاء الفاسقين: لا نساكنكم في أرضكم، أنتم في جهة من القرية ونحن في جهة، وبنوا بينهم سوراً عظيماً وقالوا: لا تدخلون إلينا ولا نخرج إليكم، أنتم عصاة وأعداء لله، قد تعديتم حدود الله؛ والله لا نأتيكم ولا تأتونا أبداً، تركوا بينهم نوافذ فقط للتهوية أو للنظر بعضهم ينظر لبعض، وأتى عذاب الله. وابن عباس ﵁ وأرضاه متوقف يقول: ما أدري ما فعل بالثالثة التي سكتت وعكرمة يقول: أظن أن الله أنجاها وفي الصباح أتى أمر الله الذي لا يرد عن القوم الخاسرين، فقال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] كلمة كن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] أمسوا رجالاً ونساء آدميين وناموا ولهم أعضاء وعيون، يتكلمون ويبصرون، وأصبحوا وهم قردة، وفي الصباح قام هؤلاء فلم يسمعوا صوتاً لأولئك ولا حركة، فنظروا إليهم من النوافذ فوجدوهم قردة. فيقولون: أين فلان منكم؟ فيرفع القرد يده يقول: أنا، ينادون أين فلانة بنت فلان فترفع يدها. سبحان الله! هؤلاء هم الممسوخون، وبقي هؤلاء نجاهم الله، أما الطائفة الثالثة فنتوقف فيها لا ندري ما فعل الله بها لكنها طائفة في الحقيقة لم تقدم خيراً لدينها وما غضبت لله. وفي بعض الآثار أن عابداً من بني إسرائيل اعتزل في قرية، وكان يصلي ويصوم ويعبد الله، لكن المنكرات حوله، الزنا، الربا، شهادة الزور، التقاتل، التناحر، فأنزل الله جبريل، وجبريل ﵇ متخصص في الإبادة والنسف والإحراق، ولذلك كان بنو إسرائيل لا يحبون جبريل. يقولون كما في صحيح البخاري للرسول عليه الصلاة السلام من الذي يأتيك؟ قال: جبريل! قالوا: لو سميت لنا غير جبريل لكنا أسلمنا وأطعناك، قالوا: إن جبريل هو الذي كشف أسرارنا، وهتك أستارنا، فأنزل الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] ويكفي أن الله عدو لهم لأنهم عادوا هذا، فنزل ﵇ أراد القرية فوجد العابد وعاد إلى الله والله أعلم قال: يارب! عبد في القرية يعبدك كيف ندمره معهم؟ قال: به فابدأ، لأنه لم يتمعر وجهه من أجلي. فعلم من ذلك أن خطورة السكوت تعم، وأن الإنسان الذي يعيش سلبياً في المجتمع ليس بمسلم كامل الإسلام، نعم قد ينجو في الآخرة، لكنه أساء لدينه ولمستقبله ولأمته ولبلاده.

стр. 6498

الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عليه الصلاة السلام كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ ولعلماء أهل السنة شرحان اثنان ومنهجان في هذا الحديث. المنهج الأول: ينزل معنى الحديث على أصناف الناس، من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، هذا لأهل السلطة التنفيذية، للقضاة والأمراء، لمن في يدهم سوط وسيف، فهذا القسم لهم ﴿فليغيره بيده﴾. ﴿فإن لم يستطع فبلسانه﴾ هذا للدعاة وللعلماء وطلبة العلم. ﴿فمن لم يستطع فبقلبه﴾ هذا للذي لا يملكون حجة وبياناً ولا سيفاً ولا سناناً، فهم: ليسوا من العلماء والدعاة، ولا من الأمراء والقضاة، فعلى هؤلاء أن ينكروا بقلوبهم. المنهج الثاني: وهو منهج تدريجي تطويري على جميع المسلمين، على المسلم أن ينهى أولاً بيده إن استطاع؛ كما ستأتي الشروط، فلا يجلب مفسدة أعظم، يقول لأحد الناس: لا تسبل إزارك ثم يضربه على وجهه مع الصباح كفاً حاراً، فيأتي هذا، فيقسم بالله لا يصلي في المسجد، كما فعل من فعل من بعض الناس وأخذته العزة بالإثم، فأصبح فاجراً مركباً بعد أن كان فاجراً بسيطاً. ﴿فإن لم يستطع فبلسانه﴾ يتكلم، لكن إذا خشي الضرر فعليه أن ينكر بقلبه، وهذه درجات، وهما منهجان لا ثالث لهما في شرح الحديث. وقف أبو بكر ﵁ وأرضاه -كما عند الترمذي وأحمد - على المنبر، فقال: ﴿يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذا الآية وتحملونها على غير محملها، وهي قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت الرسول عليه الصلاة السلام يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشكوا أن يعمهم الله بعقاب من عنده﴾. أي: أن كثيراً منكم لا يفهم معنى الآية، ويظهر لبعض الناس أن معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: أقيموا أمر الله في نفوسكم، والتزموا أوامر الله ولا عليكم من الآخرين، وهذا خطأ، فإن معنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: إذا أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، فلا يأتيكم ضرر إذا وقع العذاب ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: بعد أن تأمروا وتنهوا. واعلموا أن الرسول عليه الصلاة السلام قال في أكثر من مناسبة: ﴿والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه قصراً، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، ثم يلعنكم كما لعن الذين من قبلكم﴾ نعوذ بالله من لعنة الله، والحديث عند أبي داود وغيره. والله يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. وربما يتساءل متسائل فيقول: ما هي المنكرات التي يمكن أن نحولها؟ فنقول له: أما رأيت إلى المنكرات، وإلى رءوس الشياطين، وإلى الفتن صباحَ مساءَ، وإلى ما قذفتنا بها الثقافة والحضارة المادية من رجس ومعاصٍ والعياذ بالله، تدخل عند الخياط فتجد عشرات المنكرات، وكذلك عند المصور، والحلاق، والبائع، وغالب الناس، كل مكان لا يخلو من منكر يحب عليك إذا رأيته أن تغيره بحسب المستطاع. لكن أما ترى عشرات الناس ومئات الناس من أهل الدعوة والاستقامة يمرون صباحَ مساءَ ولا يتكلمون بكلمة، هذا من الأمر السلبي الذي تعيشه الأمة الإسلامية في هذا الزمن، وله تفصيل سوف يأتي.

стр. 6499

أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي ستة، ومن لم يقم بها فقد نقص عليه شيء من مواصفات ومؤهلات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسردها ثم أفصلها: الأول: العلم بالمعروف والعلم بالمنكر، ولا يعلم المعروف والمنكر إلا بالكتاب والسنة. الثاني: الحكمة في الأمر والحكمة في النهي. الثالث: تحصيل المصلحة من الأمر والمصلحة من النهي، ولا تكون المصلحة أقل بل تكون أعظم. الرابع: التدرج في المأمورات والمنهيات، كما فعل بعض الناس، رأى رجلاً أجنبياً يدخن، فأتى يتكلم معه في تحريم الدخان، سبحان الله! نصراني لا يعرف الله ولا اليوم الآخر ولا يعرف الجنة ولا النار، هو لم يسلم ولم يتوجه إلى الله ، ولن ينفعه إذا ترك الدخان وحرم الدخان، أو رأى زنديقاً أو بوذياً يسبل ثيابه أو يأكل باليسار، فيقول: لا تأكل باليسار لأنه ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر بسند رجاله ثقات أن الرسول ﷺ قال: ﴿إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله﴾ هو لا يعرف البخاري ولا مسلماً ولا أبا هريرة ولا محمداً ولا الله ولا اليوم الآخر، فهذا لا يجدي فيه. الخامس: الحلم والصفح والصبر. السادس: عمل الآمر بالمأمور واجتنابه للمنهي، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].

стр. 6500

العلم بالمعروف والمنكر فلا يكون المعروف معروفاً إلا إذا دل عليه الكتاب والسنة، أنت لا تقول للناس: هذا معروف وهو ليس بمعروف، كيف نعرف أن هذا الأمر صحيح إلا بالكتاب والسنة، بقول الله وبقول الرسول عليه الصلاة السلام، أن نأتي إلى أشياء ونقول: هي المعروف وهي ليست بمعروف فليس بصحيح. مثل: أن نتحكم في جلسات لم يأتِ بها الكتاب والسنةِ، ونقول للناس: اجلسوا هكذا، كلوا هكذا، تكلموا هكذا؛ فإن هذا ليس بصحيح. ولا يعرف المنكر أنه منكر إلا إذا عرف من الكتاب والسنة أنه منكر، ولو قال بعض العلماء: إنه منكر ولكن ليس في كتاب الله أو في سنة الرسول ﷺ أنه منكر فليس بمنكر، فهذا قاعدة عظيمة، وأحسن من شرحها فيما علمت الشاطبي في كتاب الاعتصام.

стр. 6501

الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد من الحكمة في تغيير المنكر فيكون الآمر والناهي حكيماً، فليس كل إنسان يستطيع أن يأمر وينهى، فالجاهل والسفيه يفسد أكثر مما يصلح، مثل من يريد تغيير منكر فيجر على الأمة سفك الدماء، واختلاف الكلمة، وتشتيت الأطفال، وتشريد النساء، فهذا أساء وليس بحكيم، بل إبقاء المنكر كما هو أحسن من استحداث فتنة أعظم، لأنه المقصود من قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣] فمن قاتل لتكون فتنة لم يحسن بل أساء.

стр. 6502

تحصيل المصلحة من الأمر والنهي ذا علمت أن هؤلاء يعودون من الضلالة إلى الهدى، ويصلح حالهم فلك أن تأمرهم، أما إنسان يأمر بعض الناس، ويعلم أنه سوف يزداد شراً وخبثاً فالمصلحة ألا تأمر ولا تنهى، كأن تأتي إلى بعض الناس وهو جالس في مكانه فتدعوه إلى الله وتعلم أنه سوف يسب الله لو دعوته، فالمصلحة ألا تدعوه وألا تنهاه قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] وقد وجد من بعض الناس أنه دعا بعض الناس إلى سيرة الرسول ﷺ فسب هذا المعرض رسول الله ﷺ .

стр. 6503

التدرج في المأمورات والمنهيات فمثلاً عند أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر تبدأ أولاً بالعقيدة، وبالفرائض، لا يصح أن نأتي إلى مجتمع لا يقيم الصلوات، فندعوه إلى تربية اللحى، لا ينفعنا أن يربي الناس لحاهم وليس لديهم إيمان، لا ينفعنا الشعر إذا لم يكن هناك شعور. الرسول ﷺ أتى والخمر يُشرب داخل الكعبة وداخل الحرم، فهل قال لهم: إن الخمر حرام، اتركوا الخمر؟ وهم أليسوا ملحدين، زنادقة، يسجدون للأصنام والأوثان، تركهم والخمر وقالوا: ماذا تريد؟ قال: قولوا كلمة تدين لكم بها العرب والعجم قال أبو جهل: وأبيك وعشراً، نعطيك ولو طلبت مئات الكلمات ما هي الكلمة؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، قال: أما هذه فلا، هذه تغير الدنيا، هذه معناها: الدخول في الدين أو النار. فلذلك بدأ ﷺ بالعقيدة عندما أرسل معاذاً إلى اليمن فقال: ﴿ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ ثم تدرج إلى الزكاة، والصوم، والحج، لكن أن يأتي الإنسان إلى قريب له لا يصلي، معرض فاجر فيبدأ معه في جزئيات، وهذا ليس بصحيح، قد يجاملك ويفعل ذلك لكنك لم تفعل شيئاً في الدعوة.

стр. 6504

الصبر والحلم والصفح وهذه الثلاث من ضرورات الداعية المسلم. يقول لقمان ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] قال أهل العلم: إنما قال ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] لأنه سوف يبتلى ويؤذى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] ضربوا الرسول عليه الصلاة السلام، شجوه حتى سال الدم من وجهه، أتوا إلى بعض الأنبياء فكانوا يضربون النبي حتى يغمى عليه ثم يفيق ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، أتوا بالسيوف فنشروا بعض الأنبياء من بني إسرائيل بالمنشار حتى قسموه نصفين، طاردوا زكريا ففر، وأخذ يحيى فذبحوه، ثم قتلوا زكريا، وكلهم يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ولذلك سوف نستمع إلى نماذج من حياته ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 6505

التطبيق قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما عمل الآمر بالمعروف واجتنابه عن المنكر فهذا ضرورة، ولا يجعل الله تأثيراً ولا قبولاً لمن يخالف قوله فعله، يقول عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] قال: لا أريد أن أنهاكم عن شيء وأفعله أو آمركم بشيء ولا آتيه. لكن ليعلم أن هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل: وهي قضية أنه لا يلزمك أن تفعل النوافل التي تقولها، ويلزمك أن تفعل الفرائض التي تقولها للناس، فلا يلزم الداعية النوافل التي يقولها للناس أن يفعلها جميعاً لأنه قد لا يستطيع، مثل ماذا؟ مثل أن تأمر الناس بالصدقة قد لا يكون عندك عشاء ليلة، فمن أين تتصدق، حتى تتوقف إذاً عن دعوتهم إلى الصدقة، لا مرهم بالصدقة، قد تدعوهم إلى قيام الليل لكنك لا تستطيع في بعض الفترات أن تقوم الليل، فعليك أن تدعو وتواصل فالنوافل أمرها في سعة، أما الفرائض فلا، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].

стр. 6506

هدي النبي ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما ميزات هديه ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكما يلي:

стр. 6507

الأسلوب الأول: الدعوة إلى العقيدة أولاً عندما أتى ﷺ دعا إلى العقيدة، وقف على الصفا فجمع الناس وقال: يا أيها الناس! يا بني عبد مناف! يا بني هاشم يا بني كعب بن لؤي! يا بني تيم! فاجتمعوا جميعاً حتى ملئوا ما بين الصفا والمروة فقال: ﴿يا أيها الناس لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تصبحكم أمصدقي أنتم؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك، لا أملك لك من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! أنقذ نفسك، يا بني هاشم!﴾ فلما انتهى قام أبو لهب (والأقارب عقارب). وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند ليتها جاءت من البعيد! قام وقال: أدعوتنا؟ لهذا قال: نعم. قال: تباً لك سائر اليوم، فتولى الله الرد عليه من فوق سبع سماوات، فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] فما زال يدعو ثلاث عشرة سنة إلى لا إله إلا الله.

стр. 6508

الأسلوب الثاني: البدء بالأقارب فأول ما ينطلق المسلم من بيته ومن أولاده ومن أطفاله، حتى يجعل بيته ثكنة إسلامية تشع بالأنوار والخير والهداية. هل يليق أن يذهب إنسان فيروي الظمأى ويشبع الجوعى وأهله يموتون جوعاً وظمأ؟ ليس هذا بلائق، الأقربون أولى بالمعروف ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فعلها ﷺ ، فعلى المسلم أن يبدأ ببيته ثم الجيران ثم القرابة وهكذا، فكان هديه ﷺ أن يبدأ بالقرابة قبل الناس.

стр. 6509

الأسلوب الثالث: اللطف واللين فلا يوجد ألطف من محمد عليه الصلاة السلام، ولذلك قال عنه : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. يجلس في المسجد عليه الصلاة السلام ومعه أصحابه، ويأتي أعرابي وهو ذو الخويصرة اليماني فيبول في طرف المسجد، ويقوم الصحابة يريدون أن يبطحوه. كل بطاح من الناس له يومٌ بطوح البطح أسلوب من التعزير، هو أن يوضع الرجل على بطنه فيضرب حتى لا يدري أين القبلة! هل هي هنا أم هناك؟ فإذا استفاق استفاق وهو يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، فقام الصحابة فقال عليه الصلاة السلام: ﴿لا تُزرِمُوه﴾ وفي رواية: ﴿لا تقطعوا عليه بوله﴾ أو كما قال ﷺ فتركوه، فلما انتهى استدعاه ﷺ ووضع يده على كتف الرجل، وهذه يد الأنس واللطافة والتحبيب وقال: ﴿إن هذه المساجد لا تصلح لأذى ولا لقذر، وإنما هي للصلاة والذكر والتسبيح، عليَّ بذنوب من ماء﴾ المسألة سهلة حلها محمد عليه الصلاة السلام. يقول برناردشو لو كان محمد ﷺ فينا لحَلَّ مشاكل العالم وهو يشرب فنجان القهوة. والشاهد ليس في شرب القهوة؛ لكن في هدوئه ﷺ ، المشكلة سهلة لكن لو قام الصحابة وتركهم ﷺ ضربوه وضربهم وهرب من المسجد وكفر بالله ثم تكونت شائعة مغرضة ضد الإسلام، ونفر الناس عن الرسول عليه الصلاة السلام، لا يزال يأتي ويقول: فروا وانجوا بأنفسكم، أتيت إلى رسول يضرب الناس ليس عنده إلا بطح على الأرض، الذي يريد البطح والفرش والضرب يأتي إلى المدينة فلا يسلم الناس، فاستدعاه الرسول ﷺ وبين له. وقام الرجل فتوضأ وأتى يصلي، وقال في التشهد الأخير: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فالتفت الرسول ﷺ من الصلاة، فقال: من الذي دعا آنفاً؟ هو يعرف رسول الله ﷺ أنه الأعرابي هل يقولها أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي؟ لا. هؤلاء علماء وسادة ونجوم يعرفون، والواحد يوجه ملايين من الناس، قال: من قالها؟ -وأسلوب التورية سوف يأتي معنا هو العنصر الرابع في أسلوبه ﷺ قال الأعرابي: أنا وما أردت إلا الخير، قال: ﴿لقد حجرت واسعاً﴾ أي: ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] فعاد إلى قومه فأخبرهم بأخلاق الرسول عليه الصلاة السلام فدخلوا في دين الله أفواجاً. أعرابي آخر وأصل الحديث في الصحيحين يمشي الرسول ﷺ مع الصحابة متوجهاً إلى المسجد والأعرابي يأتي من ورائه ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فيسحبه سحباً عنيفاً، فيلتفت ﷺ وهو يتبسم، وفي رواية مسلم يضحك، وقد كان بإمكانه أن يلتفت بدون تبسم أو ضحك، فهو يأسر القلوب، وفي كل بسمة أسر، وفي كل حركة هداية، وفي كل إشعاعة نور. نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاًَ يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا التفت وهو يضحك، قال: ما تريد؟ قال: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك. كلمات ليس لها داعي، لكن العقول الفاسدة الجافة لا تعرف الأدب، نسأل الله أن نكون ممن منَّ عليه بالإسلام. فأتى الصحابة ليؤدبوه فقال: دعوه، فأخذه وذهب به فأعطاه شيئاً من المال، فنزل إلى الصحابة، فقال: يا أعرابي هل أحسنت إليك؟ قال: لا، ما أحسنت إلي، فأخذه ﷺ مرة ثانية فزاده، قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم! جزاك الله من أهل وعشيرة خير الجزاء. قال: عد إلى أصحابي، فإذا سألتك أمامهم، فقل هذا الكلام ليذهب ما يجدون في صدورهم، عاد فسأله، قال: نعم جزاك الله من أهلٍ وعشيرة خير الجزاء، ثم أسلم الرجل. هذا في رواية أنس أنه أسلم، وأنا أستغفر الله إن كنت وقفت منه موقف المعارضة. ثم قال ﷺ : ﴿إنما مثلي ومثلكم ومثل الأعرابي كرجل كان له دابة فرت منه فذهب يطاردها، فأتى الناس يلاحقونها، فما زادت إلا فراراً، قال الرجل للناس: أيها الناس! دعوني ودابتي أنا أعلم بدابتي﴾ هذه الرواية سندها جيد وليست إلا عند مسلم، لكني أقول: سياقها بهذا بالزيادة، ﴿فأخذ -هذا الرجل- خشاشاً من خشاش الأرض وخضرة الأرض وأشار للدابة فأتت فأمسكها وقيدها، قال: ولو تركتكم والأعرابي لضربتموه ثم كفر ثم دخل النار﴾ أو كما قال عليه الصلاة السلام، حلم وأناة ولطف ولين.

стр. 6510

لين موسى وهارون مع فرعون أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] يقول ابن كثير قال ابن عباس: أي: منياه بالملك والشباب والصحة، قل يا موسى لفرعون إذا أسلمت متعك الله بشبابك وبملكك وبصحتك. بالله نحن ونحن بسطاء، والواحد منا ليس له ذاك الأثر في المجتمع، لو أتانا رجل ولو كان أعلم أهل الدنيا وقال: يا فلان قاتلك الله لِمَ لا تستقيم على أمر الله؟! دمر الله مستقبلك لِمَ لا تتوب إلى الله؟! والله ليغضبن أحدنا وليخرجن إليه مقاتلاً. لكن ما رأيك بملك من الناس أو زعيم من الزعماء يرى أن الدنيا يجب أن تصغي له وأن تسير في مساره، وأن تسجد له من دون الله، فأتى إليه موسى وقال قولاً ليناً. قال أبو أيوب الأنصاري معنى قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] أي: نادياه بالكنية قولاً يا أبا مرة وكان اسمه أبو مرة مرر الله وجهه في النار، فكان يقول له والمترجم بينهما هارون: يا أبا مرة إذا أسلمت أبقى الله لك ملكك، يا أبا مرة يا أبا مرة والكنية فيها لطافة. أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه فالسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من خلقي إني وجدت ملاك الشيمة الأدب ولذلك قد يتهم بعض الناس بعض الدعاة بسبب التنازل في بعض الكلمات ولها مقاصد، وقدوتهم في ذلك موسى ومحمد على الأنبياء جميعاً صلاة الله وسلامه، والقلوب لا تنقاد إلا بالحب. دخل رجل من الوَّعاظ على هارون الرشيد قال: يا هارون! قال: نعم، قال: استمع لي لأقولن لك اليوم كلاماً شديداً، قال: والله لا أسمع، قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] كيف يدخل إلى القلوب بكلمة قاسية؟ هذا لا يكون، كان أسلوبه ﷺ الدخول إلى قلوب الناس باللين، نحن نتحدى وغيرنا يتحدى أن يوجد في كتب السنة أو كتب السيرة كلمة بذيئة قالها الرسول ﷺ . هل سمعتم أنه قال لكافر: يا حمار أو يا منتن أو يا قبيح أو كذا؟ لا، كان عفيفاً قريباً من القلوب حتى أسر الناس. وفي السيرة لابن هشام بسند جيد أن أبا سفيان لما عفا عنهم ﷺ في الحرم بكى أبو سفيان، وقال: لا إله إلا الله ما أرحمك، ولا إله إلا الله ما أبرك، ولا إله إلا الله ما أوصلك، ولا إله إلا الله ما أكرمك، فرفع رسول الله ﷺ طرفه ورد كما رد يوسف: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] عفا عنهم ولذلك كسب قبائل العرب. يقول الأستاذ علي الطنطاوي: نحن العرب مثل قرون الثوم إذا كشفت قرناً خرجت ثلاثة قرون!! وإذا كشفت القرن الثاني خرج ثلاثة، كلهم زعماء وكلهم أهل سيوف ما جمعهم قبل الإسلام ملك ولا زعيم ولا دولة ولا حضارة ولا ثقافة ولا فنون ولا هيئة، اليهود والنصارى واليونان والصين والرومان وفارس مجتمعون إلا العرب. الواحد منهم أخوه من أبيه وأمه يذبحه عند مربط الشاة على عود من الحطب، الواحد منهم يجزر أخته بالسيف كما يجزر الدجاجة. أمة همجية لولا أن الإسلام نظمها وقادها إلى الله، قال : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] يوم كانت هذه الأمة تعلن ولاءها واقفة لله نصرها وجمع كلمتها، لكنها لما أعرضت عن منهج الله؛ هزمت وتقهقرت. كما يقول أحدهم متحدثاً عن العرب: دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العرب أبلت سياط حزيران ظهورهم فقبلوها وباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا إلى أن يقول: لكن أُبشِّر هذا الكون أجمعه بصحوة لم تدع في صفنا جربا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا إلى أن يقول فيها: لا بائع الرخص في سوق النخاسة أو من همه في الورى أن يكسب اللعبا إنما هذه وقفة، وللحديث كلام آخر، وإنما أتكلم في موقفه ﷺ يوم قاد هذه الأمة باللين والحكمة.

стр. 6511

الأسلوب الرابع: التورية في الخطاب الفضيحة ليست بنصيحة، الفضيحة علامة فشل، والداعية لا يفضح الناس ولا يصرح بالأسماء على رءوس الأشهاد، والرسول ﷺ استخدم أسلوب التورية والإمام الشافعي يكتب لـ أحمد رسالة يقول فيها: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة تعمدني بنصحك: تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة أتريد أن تفضحني على رءوس الأشهاد لكي تقودني إلى الجنة؟ قلبي لا يرضى أبداً، هذه طبيعة وضعها الله في الناس، ولذلك كان يقف ﷺ فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا فيعرف صاحب الخطأ خطأه ولا يدري الناس أن صاحب الخطأ أخطأ. صاحبنا نحن أزد شنوءة من قبائلنا نحن أهل الجنوب، ابن اللتَبِيَة أو اللتْبِيَة كما ضبط عند ابن حجر وغيره، أسلم فوضعه ﷺ على الصدقات، قال تذهب تجمع الزكوات من الناس والأغنام والمواشي وتأتي بها قال: أبشر حباً وكرامة يا رسول الله. فيذهب إلى أهل الغنم فيؤدون له هدية، والهدية للعمال غلول لا تجوز، ولولا أن الرسول ﷺ عينه ما أهدوا له هدية، أتى في المدينة يسوق الغنم، وإذا بسربين من الأغنام في الميمنة وفي الميسرة، قال ﷺ ما هذه؟ قال: هذه لكم، وهذه أهديت إلي، الرسول ﷺ غضب. وقال ﷺ : الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، دائماً الأخبار الخطيرة يبثها ﷺ من على المنبر، لكن هل يقول على المنبر: ابن اللُّتْبِيَة؟ لا، قال: ﴿ما بال أقوام أرسلهم لجمع الصدقات فيأتي أحدهم فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفسي بيده لا يأخذون كثيراً ولا قليلاً إلا أدوه يوم القيامة﴾ أو كما قال عليه الصلاة السلام. فقام رجل أسمر من الأنصار من الأمراء فقال: خذ عملك يا رسول الله! قال: ولم؟ قال: سمعتك تقول ما قلت الآن وقام رجل آخر بخيطين اثنين من صوف قال: هذا أخذته من غنيمة كذا وكذا، ومن غزوة كذا وكذا، قال ﷺ : ﴿كيتان من النار﴾. إذاً: الشاهد التورية فلم يكن ﷺ يظهر الأسماء، ولا يفضح على رءوس الأشهاد، ومخاطبة الناس فن، ولذلك ينصح -وهذه من سيرة الرسول ﷺ من يأتي إلى قبيلة أو مجتمع ألا يجرح شعورهم بل يمدحهم بما فيهم من الخير الرسول ﷺ قال: لبني عبد الله من بني شيبان: ﴿يا بني عبد الله! إن الله قد أحسن اسمكم واسم أبيكم فاستقيموا أو أسلموا﴾ أو كما قال ﷺ ، ليس الصحيح أن يأتي الإنسان إلى مجتمع فيسبه ويقدح فيه ثم يطلبهم إلى الهداية، القلب لا يتحمل، والشعور ينجرح، وماء الوجه يسكب، فحنانيك ترفق إنها القلوب.

стр. 6512

أهل الحسبة في الإسلام أهل الحسبة اختفوا إلا قليلاً في هذا العصر، تعريفهم كما قال أهل العلم: هم طائفة من المؤمنين جندوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير طلباً للأجر من الله تعالى وإصلاح العباد والبلاد. هذه مواصفاتهم، ليس عندهم ألغاز ولا أحاجي ولا دنميت، عندهم إصلاح الناس، يأخذون الإنسان من الخمارة ومن البارة إلى طريق الجنة، يأخذون الإنسان التائه الضال العربيد المغني الراقص بدلاً من أن يضل المسلمين ويطيل ويرقص ويدقدق، يقولون: هذه طريق الجنة، وصلِّ الخمس، بدل أن يجلس على الشاطئ يغازل بنات المسلمين يقودونه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هؤلاء هم أهل الحسبة، ولا يلزم أن يكونوا موظفين وعندهم بطاقات، بل يلزم أن يكون عندهم شيء من الفهم والعقل والخوف من الله والإخلاص، هؤلاء هم أهل الحسبة. وأعظم من اشتغل في الحسبة أصحاب الرسول عليه الصلاة السلام، ومن التابعين سعيد بن المسيب: كان ينزل إلى أسواق المدينة وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة إلى أن وصل الحال إلى شيخ الإسلام فأعلن الحسبة بطائفة معه من الناس، فكان ينزل إلى سوق دمشق ويأمر ويقيم الحدود؛ لأنه وجد في عهده من لا يقيم الحدود، فقام بنفسه وأقام الحدود، فكان خطيباً على المنبر وداعيةً وواعظاً ومفتياً ومجاهداً وزاهداً وعابداً. هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ينزل إلى السوق مع مقصه إذا رأى طويل الشوارب تصدق وتبرع عليه وقصها، قال: هذا خلاف السنة، مر في السوق، فوجد نصرانياً يتكلم في الرسول ﷺ فتقاتل هو وإياه وارتفعت القضية إلى السلطان فجلد ابن تيمية، لكنه جلد في سبيل الله. إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم دخل التتار وهو في غرفته قرب سوق دمشق فخرج وشرب في اليوم السابع عشر من رمضان كأساً من الماء، وقال لأهل دمشق: اشربوا الماء، وأفطروا، فالعدو أقبل، يجب عليكم وجوباً أن تخرجوا للجهاد، خرج وأخذ السيف وسله وقاتل، حتى يقول بعض الناس: سمعت شظايا كسار سيف شيخ الإسلام في معركة شقحب من على رءوس الناس، أي عالم هذا العالم؟! أي إنسان هذا الإنسان؟! الحقيقة بالغنا فيه، لكن حبك الشيء يعمي ويصم. يقولون لـ ابن الجوزي: أنت تحب أحمد أكثر من اللازم، يعنون أحمد بن حنبل فقال على المنبر: أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب .

стр. 6513

مواطن تواجد أهل الحسبة ما هي المواطن التي يتواجد فيها أهل الحسبة؟ أهل الحسبة يجوبون النوادي وتجمعات الناس والأسواق، ودكاكين الباعة وأهل الخياطة، والمجالس العامة والحوانيت وأهل الصياغة، فيأمرون وينهون بالحكمة والموعظة الحسنة. إذاً: أهل الحسبة ليس لهم حد، وقضية تحجيم الدعوة في المساجد ليس بصحيح، الداعية يدخل إلى نوادي الرياضة يأمر وينهى؛ لأن محمداً ﷺ دخل سوق عكاظ، الذي كان فيه خمر وزناً ورباً فأتى بجمله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى لا إله إلا الله. الداعية يدخل إلى المقاهي ينصحهم؛ لأن الذين أتكلم فيهم الآن في المسجد كلهم أولياء لله، سواء كان أحدهم ظالماً لنفسه أو مقتصداً أو سابقاً بالخيرات، لكن في المجمل هم أولياء لله، ولم يأتِ أحدهم إلا ليصلي، لكن قل لي: عشرات الناس الذين في المقاهي، والأندية، والشواطئ، من الذي يدعوهم إلى الله؟! كل الذين أمامي أعرف أن باستطاعتهم أن يكونوا دعاة إلى الله، وأعرف أن منهم علماء ومشايخ أفضل من المتكلم وأعلم وأحرص على الدعوة. في تجمع من التجمعات، عند عالم من العلماء، في إحدى المدن تجمع ستة آلاف شاب لحضور هذه المحاضرة، تكاثرهم الناس ورأوا أن العدد كثير -وهو كثير- فلما خرجوا من المحاضرة رأوا نادياً رياضياً، فوجدوا فيه ما يقارب ستين ألف شاب، اجتمعوا للتشجيع، ستة آلاف هنا وستون ألفاً هناك! لأن أهل الخير يوم يجتمعون في مكان يتكاثرون أنفسهم، لكن من يدعو هؤلاء الستين ويدخلهم المسجد، صحيح أن دعوة الناس الجاهزين سهلة، وأن الذين تهيئوا للهداية سهلة، ولكن من الذي يخرج الناس من الضلالة إلى الهدى إلا أولياء الله ، وهي مهمة الأنبياء والرسل، ولذلك الرجل كل الرجل من يأتي برجل من المقهى لا يعرف الله فيعرفه بالله، يأتي به إلى المسجد، أما من يتكلم في من هو متهيئ سني عابد فهذا أمره سهل، ولو أنه مأجور على كل حال.

стр. 6514

وسائل أهل الحسبة نحن نعيش في العصر الذي نعيش فيه، ولكن منهجنا يبقى الكتاب والسنة، لأن البعض كتب في بعض هذه الرسائل -وقد قرأت بعضها- يقول: لا تسرفوا في استخدام الوسائل وتخرجوا عن المنهج، فإن الرسول ﷺ دعا إلى الله على حمار فنصره الله! هل نترك السيارة الأمريكية، نسافر إلى الطائف نلقي المحاضرات على حمير؟! ونقول: يحرم التكلم في مكبرات الصوت لأن الفرنسيين صنعوها، ونترك المراوح واللمبات والنظارات، والأقلام، ونقول: صنعها الكفار، فهذا ليس بصحيح، هذه الوسائل وجدت فنستخدمها؛ لأننا إن لم نستخدمها استخدمها أهل الباطل ودمرونا بها والله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] أليس من القوة أن نأخذ هذه الوسائل؟ بلى. وسائل السلف كانت الخطابة، وما زالت هي الوسيلة المستخدمة إلى الآن، ولابد من سياط الوعظ في القلوب. ولا يمكن استغناء الأمة عن الوعاظ ولا عن الفقهاء، الفقهاء مهمتهم أن يفتوا الناس عن الماء إذا خالطه الكافور، وعن بيع العينة، وعن أقسام المياه الثلاثة، ولابد من هذا الواعظ الذي يذكر باليوم الآخر، أما أن نتكلم دائماً عن الماء المشمس والماء إذا خالطه كافور، وعدة المطلقة فسوف تقسوا القلوب ولو أنها فقهت شيئاً من أمور الدين، ولا نبقى دائماً نقول للناس: تموتون وتبعثون وتحاسبون، فأين العلم؟ لابد من مدرسة الوعظ، ومدرسة العلم، وكذلك كان درس النبي ﷺ ، بل القرآن وعظ ترغيبي ترهيبي وعلم تنصيصي فقهي، كما قاله كثير من العلماء، فلا بد من المسارين الاثنين. فشكر الله جهود العلماء الذي يفقهون ويفتون الناس، وشكر الله جهود الوعاظ الذين يعظون الناس، كلنا بحاجة إلى مدرسة الوعظ ومدرسة الفقه، أما الكلمة العابرة فطيبة. وأخبركم بقصة رجل حدثت له عندما ذهب مع بعض الشباب إلى مكة لأداء العمرة في رمضان، وفي أثناء الطريق كان هناك محل غناء، فذهبوا فوجدوه يغني ويطبل فنسقوا له خطة لإدخاله في مصيدة الهداية، وليدلوه على الجنة فقط، فهم يريدون منه شيئاً قادياً، أرسلوا أحدهم قالوا: أنت تتكلم قبلنا كأنك لا تدري بنا ولا ندري بك، فذهب هذا الرجل فألقى عليه موعظة، وبعد أن عاد الأول ذهب الثاني، وكأنه لا يشعر بالأول، فألقى عليه موعظة، رجع الثاني وذهب الثالث فصب عليه موعظة. الرجل انذهل قال: الناس حدث لهم شيء، كلهم يأتونني في وقت محدد، فأخرج لهم بنفسه كتيباً صغيراً عن تحريم الغناء، وأعطاهم موثقاً من الله أن يتوب وأن ينقل تسجيلاته إلى تسجيلات إسلامية. تصوروا لو أن حلاقاً يحلق ذقون المؤمنين، يتبرع بحلق اللحى من الأذن إلى الأذن كل صباح، لو أنه يمر به عشرات الناس؛ في طريقك وأنت تأخذ خبزاً للأهل وتقول له: اتق الله، أنت على خطأ، وأخوك يمر به وابن عمك وجارك حتى يتوالى عليه عشرة أو عشرين في اليوم، ما هو شعور هذا الحلاق؟ هل يقر له قرار، ويبقى عنده فكر؟! وهؤلاء الخياطون أصبحوا ثكنات الإفساد في الأرض، بعضهم أصبح يدمر ما لا تدمره مدارس الاستشراق، هندوك وبوذيون وسيخ، يحملون الفاحشة الكبرى، وتعرضوا لعباد الله، ولإماء الله بالفساد المفرق، فهؤلاء لو تعرضوا للكلمات، نحن لا نقول: قاتلوا الناس لكن كلمة اتقوا الله خافوا الله، كبائع المجلات الخليعة وصاحب الاستريو الغنائي وكثير من الباعة الغشاشين، فأين الكلمات العابرة التي كان يطلقها السلف، كانوا يطلقون الكلمات العابرة، ويرشدهم محمد ﷺ ، كان يمر على الأسواق ويتكلم مع الباعة، وأين تأليف القلوب بشيء من الدنيا؟ أحد الصالحين من الدعاة يعتمد على الدعوة الفردية ولا يذهب إلا إلى المجرمين وإلى رءوس الشياطين، الإنسان الملتحي لا يدعوه لأنه متوجه، لكن يبحث عن مجرم، وعن أحد رءوس الشياطين، فيذهب فينصبّ عليه، ويدعوه، وبعد شهر أو شهرين يأتي به يصيده صيداً، كما يقول أحد الدعاة: السوق مناهبة؛ الشيطان ينهب، وأنت تنهب فانهب مع الشيطان، فسئل عند طريقته في الدعوة فقال: أولاً: أدعو الشخص إلى زيارتي في البيت، فإذا قدم إلى بيتي قدمت له وجبة دسمة، ولا أتكلم له عن شيء، يتغدى ويشرب الشاي، ثم أرافقه إلى الباب، ولا ألقي عليه محاضرة. والمرة الثانية: أهدي له هدية. والمرة الثالثة: أقوم في الثلث الأخير فأدعو الواحد الأحد أن يهدي قلبه. والله لقد سمعت هذا الكلام من رجل في الستين من عمره، وهذا الرجل مجرب لا يأتي إلا برءوس الشياطين يدخلهم في دين الله. قال: فوسيلتي، هذه الوسائل، هدية، ووليمة، ودعاء في الثلث الأخير، والمرة الرابعة أذهب فأدعوه، وفي الأخير يستجيب، قال: وجربت عشرات الناس بل بلغوا المئات الآن، واستجابوا وأصبحوا من أولياء الله، وقد رأيت بعضهم يبكون إذا سمعوا الذكر، هذا هو الداعية، أما الذي يأتي إلى أناس جاهزين فيتكلم فيهم فهو محسن على كل حال، لكن ذاك نوع آخر. وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وقال آخر: لا يدرك المجد إلا سيد فطن لما يشق على السادات فعال لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال هذا أسلوب من أساليب أهل الحسبة في الإسلام، وأولياء الله موجودون، فهم في القرى وفي المدن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١]. أما الأساليب التي جَدَّت وبإمكان الدعاة استخدامها الآن، فمنها: إهداء الكتاب أو الكتيب أو الشريط الإسلامي، وقد أثر الشريط الإسلامي في الناس تأثيراً بالغاً، فيهدي لهم ليسمعوه في البيوت أو في السيارات. ومنها: المنشور والرسالة: أن تكتب رسالة لحبيبك وصديقك. ومنها: الاتصال بالهاتف. ومنها: الكتابة في الصحف، وغيرها من الوسائل التي ينبغي على الدعاة المشاركة فيها. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6515

الأسئلة
следующие страницы →