Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
الأسلوب الرابع: التورية في الخطاب
الفضيحة ليست بنصيحة، الفضيحة علامة فشل، والداعية لا يفضح الناس ولا يصرح بالأسماء على رءوس الأشهاد، والرسول ﷺ استخدم أسلوب التورية والإمام الشافعي يكتب لـ أحمد رسالة يقول فيها:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
تعمدني بنصحك:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
أتريد أن تفضحني على رءوس الأشهاد لكي تقودني إلى الجنة؟ قلبي لا يرضى أبداً، هذه طبيعة وضعها الله في الناس، ولذلك كان يقف ﷺ فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا فيعرف صاحب الخطأ خطأه ولا يدري الناس أن صاحب الخطأ أخطأ.
صاحبنا نحن أزد شنوءة من قبائلنا نحن أهل الجنوب، ابن اللتَبِيَة أو اللتْبِيَة كما ضبط عند ابن حجر وغيره، أسلم فوضعه ﷺ على الصدقات، قال تذهب تجمع الزكوات من الناس والأغنام والمواشي وتأتي بها قال: أبشر حباً وكرامة يا رسول الله.
فيذهب إلى أهل الغنم فيؤدون له هدية، والهدية للعمال غلول لا تجوز، ولولا أن الرسول ﷺ عينه ما أهدوا له هدية، أتى في المدينة يسوق الغنم، وإذا بسربين من الأغنام في الميمنة وفي الميسرة، قال ﷺ ما هذه؟ قال: هذه لكم، وهذه أهديت إلي، الرسول ﷺ غضب.
وقال ﷺ : الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، دائماً الأخبار الخطيرة يبثها ﷺ من على المنبر، لكن هل يقول على المنبر: ابن اللُّتْبِيَة؟ لا، قال: ﴿ما بال أقوام أرسلهم لجمع الصدقات فيأتي أحدهم فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفسي بيده لا يأخذون كثيراً ولا قليلاً إلا أدوه يوم القيامة﴾ أو كما قال عليه الصلاة السلام.
فقام رجل أسمر من الأنصار من الأمراء فقال: خذ عملك يا رسول الله! قال: ولم؟ قال: سمعتك تقول ما قلت الآن وقام رجل آخر بخيطين اثنين من صوف قال: هذا أخذته من غنيمة كذا وكذا، ومن غزوة كذا وكذا، قال ﷺ : ﴿كيتان من النار﴾.
إذاً: الشاهد التورية فلم يكن ﷺ يظهر الأسماء، ولا يفضح على رءوس الأشهاد، ومخاطبة الناس فن، ولذلك ينصح -وهذه من سيرة الرسول ﷺ من يأتي إلى قبيلة أو مجتمع ألا يجرح شعورهم بل يمدحهم بما فيهم من الخير الرسول ﷺ قال: لبني عبد الله من بني شيبان: ﴿يا بني عبد الله! إن الله قد أحسن اسمكم واسم أبيكم فاستقيموا أو أسلموا﴾ أو كما قال ﷺ ، ليس الصحيح أن يأتي الإنسان إلى مجتمع فيسبه ويقدح فيه ثم يطلبهم إلى الهداية، القلب لا يتحمل، والشعور ينجرح، وماء الوجه يسكب، فحنانيك ترفق إنها القلوب.
стр. 6512
أهل الحسبة في الإسلام
أهل الحسبة اختفوا إلا قليلاً في هذا العصر، تعريفهم كما قال أهل العلم: هم طائفة من المؤمنين جندوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير طلباً للأجر من الله تعالى وإصلاح العباد والبلاد.
هذه مواصفاتهم، ليس عندهم ألغاز ولا أحاجي ولا دنميت، عندهم إصلاح الناس، يأخذون الإنسان من الخمارة ومن البارة إلى طريق الجنة، يأخذون الإنسان التائه الضال العربيد المغني الراقص بدلاً من أن يضل المسلمين ويطيل ويرقص ويدقدق، يقولون: هذه طريق الجنة، وصلِّ الخمس، بدل أن يجلس على الشاطئ يغازل بنات المسلمين يقودونه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هؤلاء هم أهل الحسبة، ولا يلزم أن يكونوا موظفين وعندهم بطاقات، بل يلزم أن يكون عندهم شيء من الفهم والعقل والخوف من الله والإخلاص، هؤلاء هم أهل الحسبة.
وأعظم من اشتغل في الحسبة أصحاب الرسول عليه الصلاة السلام، ومن التابعين سعيد بن المسيب: كان ينزل إلى أسواق المدينة وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة إلى أن وصل الحال إلى شيخ الإسلام فأعلن الحسبة بطائفة معه من الناس، فكان ينزل إلى سوق دمشق ويأمر ويقيم الحدود؛ لأنه وجد في عهده من لا يقيم الحدود، فقام بنفسه وأقام الحدود، فكان خطيباً على المنبر وداعيةً وواعظاً ومفتياً ومجاهداً وزاهداً وعابداً.
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
ينزل إلى السوق مع مقصه إذا رأى طويل الشوارب تصدق وتبرع عليه وقصها، قال: هذا خلاف السنة، مر في السوق، فوجد نصرانياً يتكلم في الرسول ﷺ فتقاتل هو وإياه وارتفعت القضية إلى السلطان فجلد ابن تيمية، لكنه جلد في سبيل الله.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
دخل التتار وهو في غرفته قرب سوق دمشق فخرج وشرب في اليوم السابع عشر من رمضان كأساً من الماء، وقال لأهل دمشق: اشربوا الماء، وأفطروا، فالعدو أقبل، يجب عليكم وجوباً أن تخرجوا للجهاد، خرج وأخذ السيف وسله وقاتل، حتى يقول بعض الناس: سمعت شظايا كسار سيف شيخ الإسلام في معركة شقحب من على رءوس الناس، أي عالم هذا العالم؟! أي إنسان هذا الإنسان؟! الحقيقة بالغنا فيه، لكن حبك الشيء يعمي ويصم.
يقولون لـ ابن الجوزي: أنت تحب أحمد أكثر من اللازم، يعنون أحمد بن حنبل فقال على المنبر:
أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
.
стр. 6513
مواطن تواجد أهل الحسبة
ما هي المواطن التي يتواجد فيها أهل الحسبة؟
أهل الحسبة يجوبون النوادي وتجمعات الناس والأسواق، ودكاكين الباعة وأهل الخياطة، والمجالس العامة والحوانيت وأهل الصياغة، فيأمرون وينهون بالحكمة والموعظة الحسنة.
إذاً: أهل الحسبة ليس لهم حد، وقضية تحجيم الدعوة في المساجد ليس بصحيح، الداعية يدخل إلى نوادي الرياضة يأمر وينهى؛ لأن محمداً ﷺ دخل سوق عكاظ، الذي كان فيه خمر وزناً ورباً فأتى بجمله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى لا إله إلا الله.
الداعية يدخل إلى المقاهي ينصحهم؛ لأن الذين أتكلم فيهم الآن في المسجد كلهم أولياء لله، سواء كان أحدهم ظالماً لنفسه أو مقتصداً أو سابقاً بالخيرات، لكن في المجمل هم أولياء لله، ولم يأتِ أحدهم إلا ليصلي، لكن قل لي: عشرات الناس الذين في المقاهي، والأندية، والشواطئ، من الذي يدعوهم إلى الله؟!
كل الذين أمامي أعرف أن باستطاعتهم أن يكونوا دعاة إلى الله، وأعرف أن منهم علماء ومشايخ أفضل من المتكلم وأعلم وأحرص على الدعوة.
في تجمع من التجمعات، عند عالم من العلماء، في إحدى المدن تجمع ستة آلاف شاب لحضور هذه المحاضرة، تكاثرهم الناس ورأوا أن العدد كثير -وهو كثير- فلما خرجوا من المحاضرة رأوا نادياً رياضياً، فوجدوا فيه ما يقارب ستين ألف شاب، اجتمعوا للتشجيع، ستة آلاف هنا وستون ألفاً هناك! لأن أهل الخير يوم يجتمعون في مكان يتكاثرون أنفسهم، لكن من يدعو هؤلاء الستين ويدخلهم المسجد، صحيح أن دعوة الناس الجاهزين سهلة، وأن الذين تهيئوا للهداية سهلة، ولكن من الذي يخرج الناس من الضلالة إلى الهدى إلا أولياء الله ، وهي مهمة الأنبياء والرسل، ولذلك الرجل كل الرجل من يأتي برجل من المقهى لا يعرف الله فيعرفه بالله، يأتي به إلى المسجد، أما من يتكلم في من هو متهيئ سني عابد فهذا أمره سهل، ولو أنه مأجور على كل حال.
стр. 6514
وسائل أهل الحسبة
نحن نعيش في العصر الذي نعيش فيه، ولكن منهجنا يبقى الكتاب والسنة، لأن البعض كتب في بعض هذه الرسائل -وقد قرأت بعضها- يقول: لا تسرفوا في استخدام الوسائل وتخرجوا عن المنهج، فإن الرسول ﷺ دعا إلى الله على حمار فنصره الله! هل نترك السيارة الأمريكية، نسافر إلى الطائف نلقي المحاضرات على حمير؟! ونقول: يحرم التكلم في مكبرات الصوت لأن الفرنسيين صنعوها، ونترك المراوح واللمبات والنظارات، والأقلام، ونقول: صنعها الكفار، فهذا ليس بصحيح، هذه الوسائل وجدت فنستخدمها؛ لأننا إن لم نستخدمها استخدمها أهل الباطل ودمرونا بها والله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] أليس من القوة أن نأخذ هذه الوسائل؟ بلى.
وسائل السلف كانت الخطابة، وما زالت هي الوسيلة المستخدمة إلى الآن، ولابد من سياط الوعظ في القلوب.
ولا يمكن استغناء الأمة عن الوعاظ ولا عن الفقهاء، الفقهاء مهمتهم أن يفتوا الناس عن الماء إذا خالطه الكافور، وعن بيع العينة، وعن أقسام المياه الثلاثة، ولابد من هذا الواعظ الذي يذكر باليوم الآخر، أما أن نتكلم دائماً عن الماء المشمس والماء إذا خالطه كافور، وعدة المطلقة فسوف تقسوا القلوب ولو أنها فقهت شيئاً من أمور الدين، ولا نبقى دائماً نقول للناس: تموتون وتبعثون وتحاسبون، فأين العلم؟ لابد من مدرسة الوعظ، ومدرسة العلم، وكذلك كان درس النبي ﷺ ، بل القرآن وعظ ترغيبي ترهيبي وعلم تنصيصي فقهي، كما قاله كثير من العلماء، فلا بد من المسارين الاثنين.
فشكر الله جهود العلماء الذي يفقهون ويفتون الناس، وشكر الله جهود الوعاظ الذين يعظون الناس، كلنا بحاجة إلى مدرسة الوعظ ومدرسة الفقه، أما الكلمة العابرة فطيبة.
وأخبركم بقصة رجل حدثت له عندما ذهب مع بعض الشباب إلى مكة لأداء العمرة في رمضان، وفي أثناء الطريق كان هناك محل غناء، فذهبوا فوجدوه يغني ويطبل فنسقوا له خطة لإدخاله في مصيدة الهداية، وليدلوه على الجنة فقط، فهم يريدون منه شيئاً قادياً، أرسلوا أحدهم قالوا: أنت تتكلم قبلنا كأنك لا تدري بنا ولا ندري بك، فذهب هذا الرجل فألقى عليه موعظة، وبعد أن عاد الأول ذهب الثاني، وكأنه لا يشعر بالأول، فألقى عليه موعظة، رجع الثاني وذهب الثالث فصب عليه موعظة.
الرجل انذهل قال: الناس حدث لهم شيء، كلهم يأتونني في وقت محدد، فأخرج لهم بنفسه كتيباً صغيراً عن تحريم الغناء، وأعطاهم موثقاً من الله أن يتوب وأن ينقل تسجيلاته إلى تسجيلات إسلامية.
تصوروا لو أن حلاقاً يحلق ذقون المؤمنين، يتبرع بحلق اللحى من الأذن إلى الأذن كل صباح، لو أنه يمر به عشرات الناس؛ في طريقك وأنت تأخذ خبزاً للأهل وتقول له: اتق الله، أنت على خطأ، وأخوك يمر به وابن عمك وجارك حتى يتوالى عليه عشرة أو عشرين في اليوم، ما هو شعور هذا الحلاق؟ هل يقر له قرار، ويبقى عنده فكر؟!
وهؤلاء الخياطون أصبحوا ثكنات الإفساد في الأرض، بعضهم أصبح يدمر ما لا تدمره مدارس الاستشراق، هندوك وبوذيون وسيخ، يحملون الفاحشة الكبرى، وتعرضوا لعباد الله، ولإماء الله بالفساد المفرق، فهؤلاء لو تعرضوا للكلمات، نحن لا نقول: قاتلوا الناس لكن كلمة اتقوا الله خافوا الله، كبائع المجلات الخليعة وصاحب الاستريو الغنائي وكثير من الباعة الغشاشين، فأين الكلمات العابرة التي كان يطلقها السلف، كانوا يطلقون الكلمات العابرة، ويرشدهم محمد ﷺ ، كان يمر على الأسواق ويتكلم مع الباعة، وأين تأليف القلوب بشيء من الدنيا؟
أحد الصالحين من الدعاة يعتمد على الدعوة الفردية ولا يذهب إلا إلى المجرمين وإلى رءوس الشياطين، الإنسان الملتحي لا يدعوه لأنه متوجه، لكن يبحث عن مجرم، وعن أحد رءوس الشياطين، فيذهب فينصبّ عليه، ويدعوه، وبعد شهر أو شهرين يأتي به يصيده صيداً، كما يقول أحد الدعاة: السوق مناهبة؛ الشيطان ينهب، وأنت تنهب فانهب مع الشيطان، فسئل عند طريقته في الدعوة فقال: أولاً: أدعو الشخص إلى زيارتي في البيت، فإذا قدم إلى بيتي قدمت له وجبة دسمة، ولا أتكلم له عن شيء، يتغدى ويشرب الشاي، ثم أرافقه إلى الباب، ولا ألقي عليه محاضرة.
والمرة الثانية: أهدي له هدية.
والمرة الثالثة: أقوم في الثلث الأخير فأدعو الواحد الأحد أن يهدي قلبه.
والله لقد سمعت هذا الكلام من رجل في الستين من عمره، وهذا الرجل مجرب لا يأتي إلا برءوس الشياطين يدخلهم في دين الله.
قال: فوسيلتي، هذه الوسائل، هدية، ووليمة، ودعاء في الثلث الأخير، والمرة الرابعة أذهب فأدعوه، وفي الأخير يستجيب، قال: وجربت عشرات الناس بل بلغوا المئات الآن، واستجابوا وأصبحوا من أولياء الله، وقد رأيت بعضهم يبكون إذا سمعوا الذكر، هذا هو الداعية، أما الذي يأتي إلى أناس جاهزين فيتكلم فيهم فهو محسن على كل حال، لكن ذاك نوع آخر.
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وقال آخر:
لا يدرك المجد إلا سيد فطن لما يشق على السادات فعال
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
هذا أسلوب من أساليب أهل الحسبة في الإسلام، وأولياء الله موجودون، فهم في القرى وفي المدن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
أما الأساليب التي جَدَّت وبإمكان الدعاة استخدامها الآن، فمنها: إهداء الكتاب أو الكتيب أو الشريط الإسلامي، وقد أثر الشريط الإسلامي في الناس تأثيراً بالغاً، فيهدي لهم ليسمعوه في البيوت أو في السيارات.
ومنها: المنشور والرسالة: أن تكتب رسالة لحبيبك وصديقك.
ومنها: الاتصال بالهاتف.
ومنها: الكتابة في الصحف، وغيرها من الوسائل التي ينبغي على الدعاة المشاركة فيها.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6515
الأسئلة
стр. 6516
منهج محمد الغزالي
السؤال
ما قولكم في إباحة محمد الغزالي المعاصر للغناء، وتضعيف الحديث الذي في صحيح البخاري الذي يحرم الغناء؟
الجواب
أولاً: الشيخ محمد الغزالي المفكر الإسلامي المعروف، والذي يدرس الآن في جامعة الجزائر رجل مشكور على كل حال وله حسنات، وهو من الدعاة الذين نحسبهم والله حسيبهم عنده صدق وإخلاص لهذا الدين، ولا نضعه في مواضع بعض المفكرين المغرضين الذين يحملون عداءً لهذا الدين، فهو صادق ويعرف منه هذا الأمر ويحارب الإلحاد والزندقة، لكن ظهر له في الأخير كتاب أثار بعض الريبة والاتهامات والنقد له، وهذا الكتاب اسمه السنة بين أهل الحديث وأهل الفقه، ورأيت هذا الكتاب وقد رد عليه كثير من أصحاب الفضيلة العلماء والمشايخ وطلبة العلم، ومن أحسن ما علمت أنه رد عليه الشيخ سلمان العودة من القصيم وكتابه موجود بعنوان حوار هادئ مع الغزالي، وتنشر المسلمون حلقات منه، وله أشرطة في السوق، ورد عليه الشيخ محمود الطحان وغيره لكن ردهم بسيط سهل.
وخلاصة الكلام: أن الغزالي يؤخذ عليه مآخذ وأمره إلى الله ونزنه بميزان سورة الأحقاف: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
عرف بالاستقراء لكتبه أنه يقدم العقل كثيراً على النقل، وهذا المنهج منهج معتزلي، وهو منهج المناطقة والمتكلمين من الأشاعرة، وقد رد ابن تيمية على هؤلاء بكتاب درء تعارض العقل والنقل وضحَّى بـ الرازي فيه فذبحه إلى الطريقة الإسلامية على القبلة، فيؤخذ ويراجع كتاب ابن تيمية ليتحقق المسألة في هذا الأمر، وأنه لا تعارض بين العقل والنقل، لكن الغزالي ينتبه له، حتى أن له منهجاً في الحديث، وقد نقله في كتبه مثل فن الدعاء للرسول ﵊ وغيره من الكتب فهو يرى أن الحديث إذا كان معناه صحيحاً بالعقل قبلناه ولو كان ضعيف السند، وإذا كان معناه لا يقبله العقل رددناه ولو كان صحيح السند.
مثل ماذا يا غزالي؟ قال: مثل الحديث الذي في صحيح البخاري، يقول: إن موسى ﵇ لما أتاه ملك الموت ضرب عينه ففقأها فذهب إلى الله فرد عليه عينه، قال: هذا لا يوافقه العقل فهو مردود، وهذه قاعدة يردها بالإجماع علماء السنة وأهل الحديث وأهل المصطلح ولا يقبلونها، وهي خطيرة كل الخطورة، وقد تعرض لها الألباني بالرد لكنه لم يسم المردود عليه، ولو أنه ناله في بعض الكتب ورد عليه.
المنهج الثاني: أن الشيخ الغزالي تساهل في حجاب المرأة المسلمة، وبيَّن أن الحجاب لا يشمل الوجه والكفين، وذكر أن هذا أتى من الحجاز ومن ناحية نجد، وأن أول من أتى بها أهل نجد ولم تكن معروفة في العالم الإسلامي، وقد أخطأ خطأين: أولاً: أساء الفهم، ثانياً: أساء إلى التاريخ.
فأما إساءته للفهم فإن أدلة الكتاب والسنة تدل على أن الوجه والكفين لابد من تحجيبهما، ولا بد من إدخال الحجاب في ذلك.
وأما التاريخ فلم يأتِ أولاً من نجد، فـ نجد من بلاد الله ومن بلاد المسلمين يشملها ما يشمل غيرها والرسول ﷺ بعث للناس كافة بشيراً ونذيراً للعالمين.
المنهج الثالث: مزلق الغناء، وقد تبع في ذلك ابن حزم وابن الطاهر المقدسي، فأباحه وقال: لا شيء فيه، بل يردد هو وبعض المفكرين أسماء ليس لها داعي من المغنيات وعفا الله عنهم.
والصحيح أنه محرم لحديث أبي مالك الأشعري في البخاري والذي اعترض عليه الغزالي: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ هذا الحديث تعرض له الدارقطني وابن حزم وقالوا: البخاري لم يدرك هشام بن عمار، لأنه قال: وقال هشام بن عمار: حدثنا فلان ثم ساق الحديث، والصحيح أن البخاري أدرك هشام بن عمار وروى عنه يقيناً.
المنهج الرابع: الغزالي يقول: للمرأة أن تتولى الأمر والحكم في الإسلام، ولها أن تشارك في البرلمان، وأن تدلي بصوتها، وأن تتولى الوزارة، وهذا رأي خاطئ لقوله عليه الصلاة السلام: ﴿لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾ فالمرأة في الإسلام لها شئونها لكنها لا تشارك في البرلمان ولا تتولى، ولا يزال قوم تتولاهم النساء أمرهم في سفال وذلة وصغار، وليس عندنا في الإسلام هذا المبدأ، فليتنبه الغزالي ومن وراء الغزالي.
المنهج الخامس: غفر الله له وسامحه الله أنه تناقض في الصفات، فهو مرة أشعري ومرة ينتقد الأشاعرة، ومرة يأخذ في الصفات بمذهب أهل السنة فلا يُدرى حاله، والسبب في ذلك: أن منهجه وعظي عاطفي وليس بعلمي فقهي، إنما يعتمد العاطفة، مرة يمدح الأشاعرة ويقول: هم الذين نزهوا الله، فقد أخطأ في هذا كثيراً سامحه الله، بل منهج أهل السنة هو المنهج الصحيح، والأشاعرة أخطئوا في ذلك، ولم يكن منهجهم صائباً.
يأتي مرة ويقول: أنا لا أعرف رباً له قدم، سبحان الله! إذا أثبت رسول الله قدماً نثبتها لله بلا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
سادساً: الغزالي في كتاب ظلام من الغرب يقول في كلام فيما معناه: إننا يمكن أن نتضامن مع نصارى العرب ونكون جبهة واحدة، نحن العرب مسلمين ونصارى ضد من ناوأنا، سبحان الله! النصراني يكون أخاً لنا ضد عدونا متى كان هذا؟! هذا معناه غبش في الولاء والبراء.
ويقول: إن العربي يحمل حب محمد عليه الصلاة السلام، كيف يكون العربي النصراني يحمل حب الرسول ﷺ وهو يكذب الرسول ﷺ ؟!
فليتنبه لهذا الرجل ولا تغمط حسناته، فإنه قد أجاد في كثير من كتبه، ويستفاد منها مثل كتاب جدد حياتك وعلل وأدواء وهموم داعية فله حسنات على كل حال، لكن يتنبه لهذا الأمر، ويوقف عند حده في هذه المسائل.
وكما قال مالك: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة السلام.
وإنني أعتب على بعض الإخوة من طلبة العلم على إهدار حسنات الناس، فإنك تجد لبعض الناس حسنات، فيهدرونها بخطأ واحد، ويضيعون جهده ويدعون عليه، وينسفون ما بناه من صروح في خدمة هذا الدين وجهد، فيمزقونها تماماً، وهذا إجحاف، وبعضهم ينسى هذه الزلات والخطايا ويضفي أثواب المدح على صاحب الخير، والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].
стр. 6517
تنبيهات هامة
ينبه على الإخوة المصطافين بأمور نريد أن نذكرها لأننا سمعناها من بعض المشايخ وبعض أهل الفضل والقائمين على الدعوة:
الأمر الأول: أنا أعرف أن أمامي أهل استقامة ورشد وخير والتزام بالحجاب حتى في أماكن الاصطياف وعدم الاختلاط، لأنه تسوهل في بعض المخيمات أن يأتي قرابة من مناطق متعددة، فيجلس الرجال والنساء سوياً، وهذا يخالف منهج الله وكتاب الله، وهذه جلسة جاهلية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
الأمر الثاني: وجد ضياع الوقت في المنتزهات، فلا يوجد عندهم في جلساتهم قراءة قرآن ولا تدارس حديث، ولا استماع شريط إسلامي، ولا ذكر لله، ولا زيادة نوافل، وهذا خطأ، لأن المسلم ليس من مقصده ضياع الوقت، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
الأمر الثالث: وجد أن بعضهم يؤذي جيرانه برفع أصوات الغناء والمسجلات التي فيها أصوات تغضب الله ، وهذا خطأ، وقد شكي كثيراً من هذه الظاهرة، وهذه لا تبشر بالخير.
الأمر الرابع: الإسراف في الوجبات وتناول المطعومات والمشروبات، وهذه حلال لكن الإسراف فيها هو المحرم، قال تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء:٢٦].
هذا ما حصل في هذه الليلة، وأعود مرة رابعة، وأقول للإخوة الذين ينزلون تهامة للدعوة في القرى كما أخبرتكم: إن أحد المحسنين تقدم بسيارة تبرع جزاه الله خيراً، وهي على وشك أن تشترى بما يقارب خمسين ألفاً، وجهزها للدعاة الذين ينزلون إلى ضواحي تهامة لتعليم الناس الإسلام الذي أتى به محمد ﷺ ، وجهة البادية، والقرى المجاورة لـ أبها ودائماً كل يوم جمعة في العصر يجتمع الإخوة هنا وينطلقون إلى هذا الضواحي يعلمون الناس الدين بشيء مبسط ميسر، وقد قال ﷺ : ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ يعلمونهم الفاتحة والوضوء والصلاة، وينهونهم عن الكبائر والمحرمات؛ لينقذوهم من النار ويدلوهم على الجنة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
وأدعوكم كما ذكرني بعض الإخوة في رسائلهم أن أنبه على الإخوة لشراء الأشرطة وإهدائها للناس لتكون أسلوباً للدعوة، لأنه ليس كل أحد يستطيع الكلام مع الناس، فإهداء الشريط الإسلامي مطلوب، وأنا أدعو أهل التسجيلات الإسلامية أن يعنونوا في آخر كل شريط بطلب إهداء الشريط إلى الإخوان المسلمين وإلى الأخوات المسلمات وإلى إدخاله البيوت علَّ الله أن يصلح به وأن يهدي به وينفع.
شكر الله لكم استماعكم، وجمعني بكم في دار الكرامة، وثبتنا وإياكم على الاستقامة، وألهمنا كلمة الخير والعدل والسلامة، وأحلنا بها الجنة، وثبتنا وإياكم حتى نلقاه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وأعتذر عن بعض الأسئلة لأنها إما سؤال شخصي أو سؤال لا يناسب عرضه على الناس، وبالإمكان الاتصال بي أو بأحد الإخوة من طلبة العلم للإجابة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6518
المسد والنصر والكافرون
هذا الدرس تفسير لثلاث من قصار السور وهي: سورة المسد، والنصر والكافرون.
وفي تفسير سورة المسد دروس، منها: أن النسب لا ينفع لدخول الجنة، وأن عداوة القرابة ليس فوقها عداوة.
وفي تفسير سورة النصر دروس، منها: أن أعظم نصر للعبد أن ينتصر على نفسه، وأن النصر الأكيد هو نصر الله لأوليائه على أعدائه، وأن التوبة فتح من الله.
وفي تفسير سورة الكافرون دروس، منها: أن على المسلم أن يتميز بمعتقده، ويتبرء من الكفر وأهله، ويعلن أنه لا التقاء أبداً مع أهل الباطل.
стр. 6519
تفسير سورة المسد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحن وجه الشمس إيمانٌ وقوة نسبٌ حُرُّ ومجدٌ وفتوه
كرب عمي، وقحطان أبي وهبوا لي المجد من تلك الأبوه
والسيوف البيض في وجه الردى يوم ضرب الهام من دون النبوه
نحن من أحمد صغنا مجدنا رصع الحق أكاليل علوَّه
ثمن المجد دمٌ جدنا به يوم حطمنا من الباغي عتوَّه
في مساء السبت حيينا بكم مسجد الصديق يزهو بالأخوه
أيها الأخيار! يا أحفاد من نصروا الإسلام واجتاحوا عَدُوه
وأناروا العقل في ليل الهوى يوم كان الكفر في سبعين هُوَّه
إنني أحييكم في هذا اللقاء تحية خالدة مباركة.
وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطيِّب بطيبكم والمبارك بوجودكم أن يجمعنا في دار الكرامة.
والحقيقة: أن هذا الدرس يصل عمره إلى الخمس سنوات، وفي كل مساء سبت أسعد كثيراً، وأجد - يعلم الله - من النشاط يوم السبت والفرحة والبهجة ما لا يعلمه إلا الله؛ لأنني ألتقي بصفوة المنطقة، في العلم، والصلاح، والفكر والأدب والخير، فهم الصفوة الطيبة المباركة، الذين تركوا أعمالهم، وأشغالهم وارتباطاتهم، وحضروا هنا لأربعة أمور:
الأمر الأول: ليباهي بهم الله في ملائكته.
الأمر الثاني: لتحفهم الملائكة.
الأمر الثالث: للتتنزل عليهم السكينة.
الأمر الرابع: لتغشاهم الرحمة.
ولعلكم في مساء كل سبت تنصرفون مفغوراً لكم بإذن الله، كما صح في الأحاديث.
وإن السعادة كل السعادة تغمر الإنسان بقصوره وبما عنده من عجز، وبما عنده من تطفل على العلم، وعلى موائد العلماء، أن يجد مثل هذه الطاقات المباركة من الشيوخ الكبار في السن، الصالحين الذين بلغوا الستين والسبعين، ويأتون من أطراف المنطقة، ومن القرى؛ ليحضروا بشيخوختهم وبكبر سنهم هذه الدروس، فيشاركون الشباب توجههم مع محمد ﵊.
وأجد كذلك الآباء وهم يجلسون أمام أبنائهم وهم يحدثونهم عن محمد ﵊ وعن ميراثه.
وأفرح وأنا أجد زملائي من طلبة الجامعات والثانويات والمعاهد والمتوسطات والابتدائيات، وهم يحفون كل مساء سبت فيحضرون فأسعد بهم، وأتمنى من الله أن يحشرني معهم، تحت لواء محمد ﵊.
أهلاً وسهلاً والسلام عليكمُ وتحية منا تُزَف إليكمُ
أحبابنا! ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدنيا وفيها أنتمُ
مرَّت ثلاثة دروس في التفسير:
الدرس الأول: (قل أعوذ برب الناس).
والدرس الثاني: (قل أعوذ برب الفلق).
والدرس الثالث: (قل هو الله أحد) وكان في محاضرة.
والدرس الرابع هذه الليلة: ثلاث سور: (المسد، والنصر، والكافرون).
والسبب في إقحام ثلاث سور في درس واحد؛ لما أتاني من بعض الرسائل والاتصالات الهاتفية من كثير من الأحبة، وبعض المشايخ أثابهم الله، منهم من أبدى ارتياحه كثيراً، ودعا، وأشكره على حسن ظنه، ومنهم من لاحظ ووجه، والملاحظ والموجه أحب إلي من المثني والمادح، فرأوا أنه يمكن أن يكون هناك طول إذا أخذت السورة القصيرة من المغرب إلى العشاء، فحببوا لو يختصر في الشرح، ويربط واقع الناس بالقرآن، وتؤخذ سورتان أو ثلاث أو على حسب الحاجة في الدرس الواحد.
فاستجبت لرأيهم شاكراً، فالدرس الرابع هذه الليلة سوف يكون في هذه السور الثلاث.
ونبدأ مع كلام من يحسن كلامه، ومن ترتاح الأسماع لكلامه، وكلامنا مع كلامه بينه بَون، كالبَون الذي بينه وبين خلقه، كلامنا نسبته إلى كلامه كالخزف والفخار إلى الجوهر الغالي الثمين، فكلامه : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] أما كلامنا فإنه عرضة للباطل أن يأتيه أحياناً، وعرضة للوهم وللسهو وللغلط، أما كلامه، فإنه شرفه أن يعترضه غلط أو وهم أو سهو.
أولاً: سورة المسد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]
стр. 6520
خبث أبي لهب
سمعتم جميعاً هذا الكلام وتسمعونه في كل يوم، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور.
من هو أبو لهب؟ أبو لهب: هو عم محمد ﵊، عمه في نسب الدم والطين، لا في العقيدة ولا في الدين، عمه من أسرته (بني هاشم) الأسرة الماجدة عبر الكرة الأرضية طولاً وعرضاً ومع ذلك بدأ به باسمه فمرغه في التراب، فلا عمومة إلا عمومة الدين، ولا خئولة، إلا خئولة الدين، ولا نسب إلا نسب الدين، ولا محبة إلا محبة الدين.
من هو أبو لهب؟
أولاً: أبو لهب: أستاذ للجهالة وللإعراض وللعناد وللقوى الشريرة في العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ثانياً: أبو لهب: رجل تكبر بجاهه وأسرته، ورفض الحق ورفض (لا إله إلا الله، محمداً رسول الله).
ثالثاً: أبو لهب: رجل كتب الله عليه ألا يسلم، ولا يؤمن ولا يعرف الحق، ولا يسجد لمن أنزل (لا إله إلا الله).
رابعاً: أبو لهب: عنده بيت، هيأه بأبنائه وبزوجته وبماله وبإرادته لحرب محمد ﵊.
خامساً: أبو لهب: يقف في الصف المعارض والمعسكر المحايد لمحمد ﵊.
زوجته (حمالة الحطب) هي أم جميل، تحمل الحطب في طريق محمد ﵊ تحاربه صباح مساء.
أحد أبنائه اعترض على الرسول ﷺ وبصق في وجه محمد أشرف الناس، فقال ﵊: ﴿اللهم سلط عليه كلباً من كلابك﴾ لم ينتصف ﵊ منه ولم يمد يده، ولم يطلب الثأر لنفسه، بل قال: ﴿اللهم سلط عليه كلباً من كلابك﴾ فخرج هذا في سفر إلى الشام، ونام في وسط القافلة، فقال له أصحابه: ما لك تتخفى وتختبئ وسطنا؟! قال: أخشى أن يُرسل عليَّ كلبُ محمد في الليل، ولكن هل يحميه من الله حامٍ؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١] فجعله رفقته وأصحابه وسطهم، وفي وسط الليل الدامس أرسل الله عليه أسداً وهو من كلاب الله، فقام الأسد يتشمشم الناس ليتعرف على ذاك الجسم الخبيث الذي بصق في وجه محمد ﵊، فاستيقظ الناس وهم مضطجعون على ظهورهم ونظروا وإذا الأسد ملك الحيوانات يبحث عن فريسة، فكان الرجل يُخْلَع مكانه، وكان عرقه يتصبب، فيشمه الأسد، وينظر إلى خياشيمه فيتركه؛ لأنه ليس الفريسة، إنما أرسله الله على رجل باسمه وبعينه، حتى أتى إلى هذا الابن الضال المجرم للأب الضال المجرم، فالتَقَمَ رأسه لقمة واحدة.
стр. 6521
سبب نزول قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)
ما سبب السورة؟ ولماذا نزلت؟ لماذا هذا الهجوم الصاعق فيها، حتى قوافيها صواعق تلتهب كالقذائف، لهب وأبو لهب، ونار ومسد، وحبل وحمالة حطب، كلها وقود ونار وقذائف وألغام وديناميت، لماذا؟
قام ﵊ على الصفا بعد الأربعين من عمره لما أنزل الله عليه: (اقْرَأْ) وأنزل عليه (لا إله إلا الله، محمداً رسول الله) فجمع كفار قريش جميعاً وجمع بني عبد مناف، وجمع بطون قريش في الحرم، حتى اكتظ بهم الحرم من أوله إلى آخره، رجالاً ونساءً وأطفالاً ليقرأ عليهم منشوراً إلهياً خطيراً لم يسمع الناس بمثله.
يقول أحد المفكرين العصريين: إن أعظم مفاجأة طرقت العالم مفاجأة الرسول ﵊، والله يقول: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢] أي نبأ أعظم من نبأ إرساله ﵊؟ هل سمعت خبراً أعظم من إرسال هذا الأمي؛ لينقذ الدنيا ويقودها إلى الله؟ لا.
فلما اجتمعوا جميعاً قال ﵊: ﴿يا معشر قريش! أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً في بطن الوادي تريد أن تُصَبِّحكم، أمُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً...﴾.
يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً يريد اجتياحكم، وغزاة يريدون تحطيمكم، أتصدقوني؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً.
قال: ﴿...إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا﴾.
فمن الذي يرد؟ أبو لهب، العم أخو الوالد.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهندِ
تستطيع أن تتحمل كل إساءة من البعيد، إلا القريب هذا أخو الوالد، في سن الرسول ﵊، شيخ شابت لحيته، لكن:
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتى
...
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ما بال أشيب يستهويه شيطان
قام وراء الرسول ﵊ وجرجره بثيابه وقال: تباً لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا؟
يقول لمحمد ﷺ : تباً لك وخسارة لك، ضيعتنا من أشغالنا وأعمالنا، وقطعت علينا راحتنا، لتدعونا إلى هذا الأمر البسيط السهل، فسكت ﵊، فتولى الله من فوق سبع سماوات الرد عليه.
стр. 6522
بيان قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)
قال: اتركه، سوف يعلم من المتبوب والخاسر والهالك، فقال سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
قال أهل العلم: كرر في البدء التباب توكيداً وحثاً على أنه سوف تتب يده لا محالة، (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ).
ماتبت يدك يا محمد: لكن تبت يدا أبي لهب؛ لأنها يدٌ خائنة عميلة، مرتزقة، عدوة لله ورسوله، أما يدك يا محمد! فهي نظيفة بيضاء نقية طاهرة، كماء الغمام.
والله لا تخسر، ولا تهلك مبادؤك، ووالله لتنتصرن، أما هو فـ (تَبَّتْ).
قالوا: ذكر يده كناية عن سعيه، وكسبه، ومنهجه، ومبادئه.
والحقيقة: أن كل من سلك طريق أبي لهب من الناس سواءً كان صاحب منصب، أو صاحب فكر، أو قلم، أو علم، أو أدب، أو موهبة يفعل فعله سوف ينال جزاءه لا محالة من الله.
كنيتُه: أبو لهب، وهي في الحقيقة: كنية استحقت أن يذكره الله باللهب في الآخرة، وسوف يصلى اللهب ويذوقه.
قال ابن كثير: فيها معجزة ظاهرة، فإن الله أخبر أنه لا يتوب ولا يسلم، فما تاب ولا أسلم بل مات على كفره.
(وَتَبَّ): التباب هو الخسار والهلاك والدمار والانسحاق والضياع، ولك أن تختار من هذه الكلمات الخمس ما شئت، لكنها لا ترقى إلى مسألة (تبَّ).
стр. 6523
بيان قوله تعالى: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)
كان أبو لهب صاحب مال، وكان من تجار قريش، وكان يلبس الذهب؛ لكنه بعيد عن الله ولا ينفعه ذلك، قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] قالوا: سمى ماله وما يكسبه في المستقبل لن ينفعه أبداً، فليس له رصيد عند الله، ولذلك ترى بعض الناس يتعزز برصيده أحياناً، وتجده يكون لنفسه مكانة اجتماعية، إما بمنصبه، وإما بماله، أو بولده، أو بأسرته، أو بجاهه، وهو عدو لله، فنقول له: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] وما أغنى عنه ولده وما كسب، وما أغنى عنه جاهه ومنصبه وما كسب.
стр. 6524
بيان قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ)
هذا قسمٌ من الله أن يصليه النار جزاءاً لهذه المواقف المخزية منه، كان ﵊ يشكو إلى الله ، ما يصيبه، يقول: ﴿إلى من تكلني؟ إلى قريب ملكته أمري؟ أم إلى بعيد يتجهمني؟﴾.
يقول: يا رب! امنعني واحمني، البعيد يتجهمني، والقريب تملكه أمري، مثل أبي لهب، يسومني سوء العذاب.
كان يقف ﷺ في الأسواق يعلن دعوته، يقف في سوق عكاظ يقول: ﴿يا أيها الناس! قولوا (لا إله إلا الله) تفلحوا﴾ ويأتي أبو لهب وراءه، ويقول: لا تصدقوه، هذا مجنون من بني هاشم، هذا ابن أخي قد جُنَّ، هذا ساحر، هذا كاهن، وكان يأخذ التراب ويحثوه على وجه الرسول ﵊، ويسكت ﵊.
يدخل ﷺ الخيام على الحجاج يعلن دعوته، وتوحيده، يقود القلوب إلى الله، وهذا يدخل وراءه في الخيام يكذبه، لا إله إلا الله!
أي صبر يتحمله الإنسان! حتى أن الله يقول لرسوله ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] أي أنه قد ضاقت قلوب الناس إلا قلبك.
فتأمل هذا، فلا يعاقبه ﷺ ويوكله إلى الله.
﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣].
وتهدأ مشاعره ﵊ وتخمد ثائرته؛ لأن الإنسان مهما أوتي من الصبر والحلم، إلا أنه قد يبلغ في درجة أن يغلي دمه على البغي والعدوان والطاغوت؛ لكن الله يسليه.
قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]
стр. 6525
بيان قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)
حتى امرأته المجرمة سوف تذوق ما ذاق، هي مخزومية، وكانت تدخل الحرم وتقول: أين مُذَمَّم، تعني الرسول ﷺ ، دخلت وفي يديها، في يدها اليمنى حجر، وفي يدها اليسرى حجر، تريد أن تضر بها رسول الله ﷺ ، فاقتربت واقتربت، وأبو بكر جالس بجانب الرسول ﷺ ، فجعل الله من بين يديها سداً ومن خلفها سداً فأغشاها فلم تبصر، فتقول لـ أبي بكر: أين صاحبك؟ قال: التمسيه، وهذا جواب سديد، بمعنى: ابحثي عنه، قال: ولَمَ؟ قالت: يسبني، وهو لم يسبها ولكنه بعد هذه السورة سبها الله، الله الذي تولى سبها وهددها، قالت: لقد علمت قريش أني ابنة سيدها، وماذا يغني عنك أيتها الفتاة! أنك ابنة السيد؟! ماذا يغني عنك وأنت كفرت بـ (لا إله إلا الله) وكفرت بتعاليم محمد ﷺ وكفرت بالحجاب، وبالبيت الإسلامي، وبالكتاب والسنة، ثم كانت تنشد وتقول:
مُذَمَّمَاً أبَيْنا ودينَه قلينا
وأمره عصينا
وهي تقصد محمداً، يقول ﷺ : ﴿انظروا كيف يخرس الله ألسِنة قريش عن اسمي فيسموني مذمماً، وأنا محمد﴾.
ثم تعود إلى البيت.
يخرج ﷺ إلى المسجد الحرام في الليل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، فتأخذ هي الشوك في حزم الحطب وتنثره في طريقه، فيصيبه الشوك، وتدمى عقباه، ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
فيقول : حبلها هذا الذي تحمل به الحطب، وحطبها هذا سوف نوقد عليه وعلى رأسها وشحمها ودمها في نار جهنم.
وأعظم العقوبات أن تعذب العاصي بآلته، وأن تدمره بسلاحه.
وبعض أهل العلم من أهل التفسير يرون أن حمالة الحطب: هي التي تمشي بالنميمة بين الناس، وهي بالفعل كذلك، كانت تفعل هذا وهذا، كانت تذهب إلى البيوت تستثير الناس ضد الرسول ﵊، وكان زوجها يستثير الرجال ضد محمد ﷺ .
وامرأة أبي لهب هذه موجودة، توجد في الأندية، وفي المسارح، وفي الأقسام العلمية، وفي المستشفيات، وفي أقسام الإعلام، وهي تمثل تلك المرأة القديمة التي تعارض منهج الرسول ﵊، فهي تمشي بالنميمة في سب أهل العلم والفضل، وأهل الدعوة، والصلاح، وهي تمشي بالخزي والعار في عداء هذا الدين, وهي تمشي بالهدم والتدمير في معارضة كلما أتى به الرسول ﷺ .
امرأة أبي لهب موجودة.
فمن تحارب الحجاب: فهي امرأة أبي لهب.
ومن تحارب الدعوة: فهي امرأة أبي لهب.
ومن تدعو إلى الاختلاط والسفور: هي من جنس امرأة أبي لهب.
ومن تستهزئ بأهل الفضل والعلم والدعوة: هي من جنس امرأة أبي لهب.
وسوف تصلى ناراً ذات لهب.
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): قال الشافعي -وهذا من استنباطه-: يقر المشركون إذا أسلموا، يقصد: على عقد النكاح فإذا أسلم الرجل المشرك مع امرأته أقروا يقرون على العقد الأول ولا يُنقض نكاحهم، فإن الله أقر أن امرأة أبي لهب امرأة له، فسماها وقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] وهذا من فقه الشافعي؛ لأن الله سماها امرأة.
وكان ﵊ يقر من أسلم على العقد الأول، ولم يكن ينقضه.
وقول آخر لأهل العلم: إن من كان كافراً وأسلم فإنه يجدد العقد، أو من ارتد فترك الصلاة مثلاً ثم عاد فيجدد العقد، والقول الأول هو الأسلم وهو قول الشافعي وغيره.
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): قالوا: لم يسمها استهجاناً لذكرها، وقيل: لأنه اكتفى بتسمية زوجها، فألحقها به، واسمها: أم جميل.
وقالوا: إن العقد سوف يستمر إلى النار، أي: سوف يبقى عقد الزوجية هذا ونعوذ بالله إلى النار.
قالوا: وما سمعنا أن زوجين قرن بينهما إلى المطاف الأخير في مقعدين في النار إلا هذه وذاك، وتجد بعض المجرمين مقروناً بإجرامه هو وزوجته حتى يلقوا الله في نار جهنم.
وبعض الأحيان يفترق الزوجان هذا عن هذا، كنوح وزوجته، هذا من معسكر (لا إله إلا الله) وهذه من معسكر الضلالة والخزي، ولوط وزوجته، وفرعون وزوجته، فرعون في النار، وزوجته في الجنة, ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] قال ابن القيم: سألتِ الجار قبل الدار، قالت: عندك، فبنى الله لها قصراً في الجنة عنده.
стр. 6526
بيان قوله تعالى: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)
في جيدها: في عنقها، وذكر الله الجيد، قالوا: لأنه موطن الجَماَل، والعرب إذا أنشدت شعراً في الجمَاَل ذكرت الجيد، فذكر أن هذا الجيد الذي كانت تتجمل به هذه المرأة، وكان يسمونها أم جميل سوف يلطخ بالنار، وسوف يجعل فيه حبل من مسد، قيل: من ليف، وقيل: من حديد والعياذ بالله فتجرجر به في نار جهنم، حبلها الذي تربط به حزمة الحطب هذه، يربط بعنقها وتجرجر على وجهها وظهرها في نار جهنم ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
وقال بعض المفسرين: في رجلها، وفي يدها.
وأقول في جيدها، الأحسن في عنقها.
стр. 6527
الدروس المستفادة من سورة المسد
في السورة دروس:
الدرس الأول: معجزة له ﵊، كما سلف معنا:
أن الله ذكر أن هذا لن يهتدي وسوف يعذب وبالفعل مات هو وزوجته وهما كافران.
الدرس الثاني: أن هذا أسلوب أدبي مطلوب، وهو الإغلاظ على أهل الكفر والنفاق، قال تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣] فلا يعترض معترض، كما يكتب بعض الكتبة -الآن- ويقولون: إن بعض العلماء وبعض الدعاة تناولوا بعض الفجرة والمنافقين والكافرين والمرتدين بشيء من التجريح، وهذا لا ينبغي، فيرد عليهم أن أسلوب القرآن أحياناً قد يغلظ على الفاجر والمنافق وعلى الكافر تأديباً وترغيماً وتقويماً وتعنيفاً له.
الدرس الثالث: أن على العبد أن ينجو بأسرته من نار جهنم، وليعلم أن النسب لا يكفي، فإن أقرب الناس من الرسول ﷺ هو أبو لهب، ولكن لم تنفعه هذه القرابة، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] بينما بلال مؤذن أهل الحبشة، وداعي السماء أتى من الحبشة فأسلم على (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وله قصر في الجنة كالربابة البيضاء.
فـ بلال نحبه، ويحبه مسلمو اليونان، ومسلمو اليابان، ومسلمو الصين، ومسلمو المغرب، ومسلمو الجزيرة، وكل مسلم يحب بلالاً، وكل مسلم يكره أبا لهب، فهذا قريب أصيل قرشي، وهذا بعيد في النسب لكنه عبد حبشي، فرفعه الله بـ (لا إله إلا الله) وأخزى الله هذا؛ لأنه كفر بـ (لا إله إلا الله).
الدرس الرابع: أن عداوة القرابة ليس فوقها عداوة، ولذلك ابتلى الله رسوله؛ ليرفع درجته بعداوة القرابة، وعداوة البعيد، وعداوة المرأة، وعداوة الرجل، وعداوة الغني، وعداوة الفقير، ثم نصره الله نصراً مؤزراً.
الدرس الخامس: أن من المؤسسات المحاربة للإسلام، مؤسسات المرأة، وهي التي تنشأ على غير تقوى من الله ورضوان، وتصد عن منهج الله، وهي خلايا أقامتها الصهيونية العالمية وأذنابها الذين تأثروا بالاستعمار وبالكفر، لحرب الدين بواسطة المرأة بما تكتب، وما تنشر وما تقرر وما تربي فلينتبه لهذا.
وهي مدارس توجد في المستشفيات، وفي الأندية، وفي المدارس، وفي المحافل، وفي الجمعيات، وعدد بلا حرج، وهي مدرسة أم جميل.
ومدرسة الضلال لأولئك هي مدرسة أبي لهب.
ومدرسة محمد ﷺ هي مدرستكم أنتم.
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
وذكر الأستاذ سيد قطب ﵀ في الظلال وهو ينقل مشاهد يوم القيامة، وجمال السورة، قال في جمالها: أنها متناسقة العبارات، وصدق! بل هي بديعة كل الإبداع، ورائعة كل الروعة، وفيها من أسلوب الهجوم المؤدى الذي ينتهي بوصم القذائف، فإن فيها قلقلة، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
стр. 6528
تفسير سورة النصر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣].
ثلاث آيات، فيها قضايا:
стр. 6529
خطبة النبي ﷺ بعد نزولها
يقول ابن عمر ﵁ فيما رواه البزار والبيهقي: ﴿نزلت سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف ﷺ أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرُحِّلَت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة، وودعهم ﵊، وبكى وأبكى، وقال: يا أيها الناس! إنكم مسئولون عني غداً، وأنا مسئول عنكم، فما أنتم قائلون؟ وكانوا مائة وأربعة عشر ألفاً -وقفوا وعيونهم وأبصارهم وأسماعهم وقلوبهم ودماؤهم تجري بحبه ﵊، مائة وأربعة عشر ألفاً، من أنحاء الجزيرة العربية، وقفوا ينظرون إليه وهو يتكلم إلى التاريخ، ويتكلم إلى الدهر، أعلن التوحيد وندد بالشرك، وأقام حقوق الإنسان، وألغى التمييز العنصري، وألغى الربا، وقام بخطبة عظيمة، ثم في الأخير استثارهم وأبكاهم، وجعلهم في موقفٍ صعب، وفعل كذلك في يوم عرفة على صعيدٍ واحد، وهم في الأردية البيض، أردية الكفن- وأخذ يقول ويرفع سبابته: إنكم مسئولون عني غداً وأنا مسئول عنكم، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد﴾ فبكى أبو بكر الصديق وبكى بعض الصحابة، وقالوا: أجله ﵊ نُعِي إليه.
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣].
المعنى: أنت يا رسول الله! قدمتَ الرسالة، وأنهيتَ مهمتك، وأديت دورك في الحياة، والآن نقبض روحك، لنوفيك أجرك غير منقوص، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى:٤].
الآن انتهيتَ بعد ثلاثة وعشرين، كفيت وعلَّمت، قدمت كتاباً وسنة، قدمت منهجاً للعالم، أخبرت الأمة بالشريعة الربانية، والآن نقبض روحك.
وبكى الناس، وأنزل الله بعدها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
دخل العرب في دين الله أفواجاً العام التاسع من الهجرة، وهي عام الوفود؛ لأن قبائل العرب عقدت اتفاقاً فيما بينها، فقالوا: ننتظر حتى إذا انتصر على قبيلته قريش دخلنا معه، وإذا انتصرت قريش عليه، كنا مع قريش، يظنون أن المسألة لعب كرة، منتخب ومنتخب، وفريق وفريق، ولا يعلمون أن الله مع رسوله، لا يعلمون أن الله أرسل رسوله بجيش جرار، يوم فتح مكة، وقال له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح:١ - ٣].
فلما انتصر ﷺ ورأوا انتصاره على قريش دخلوا في دين الله، فكانت القبيلة تسلم في يوم واحد، وهذه مسلمة الفتح؛ لأن إسلامهم سهل، والذي يسلم سهلاً يخرج سهلاً.
أما إسلام أبي بكر فهو إسلام من جنس آخر، وإسلام العشرة المبشرين بالجنة جاء في وقت التعذيب والمحنة، في وقت الفقر والجوع، فجعلهم الله من المبشرين بالجنة.
وترى بعض الناس وقت الرخاء، إن أعجبه الوضع وكان مرتاحاً دخل وصلى وخشع في الصلاة وقرأ القرآن، لكن إذا أتته هزات أرضية أو عواصف رملية ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
وبعضهم إذا مرضت ابنته يتسخط على الله!
ذكر لنا بعض المشايخ، وهو ثقة: أن عامياً من بعض الناس، يقول: كان لجاري سبع بنات وعندي بنت واحدة اسمها هيلة، فمرضت هذه، فكان يدعو الله أن يرزقه بنتاً، أو يرزقه ابناً، فرزقه الله هذه البنت، وصاحب الوديعة له أن يرتد الوديعة متى شاء، فهو المعطي، وهو الذي يأخذ، وهو الذي يجعل هذا عقيماً، وهذا ولوداً، ويرزق هذا بنات، وهذا بنيناً، وهذا بنيناً وبنات، فمرضت هذه البنت، وليس لديه غيرها، فأخذ يبكي ويقول: يا رب! فلان عنده سبع بنات، وتأخذ بنتي، ثم ذكر: أنه خرج من الباب، فأخذ ينظر في السماء، ويقول: يا رب! ما وجدتَ غير هيلة لتأخذها؟! سبحان الله! ومن الذي خلقها؟! ومن الذي صور وأعطى غير الله الواحد الأحد؟!
فبعض قبائل العرب دخلوا جملة في الدين، ولذلك لم يكن ﷺ يعد لهم حساباً كثيراً، فمشايخ القبائل في عهده ﷺ دخلوا في آخر المطاف الإسلام، كان يعطي الواحد منهم مائة ناقة، أعطى الأقرع شيخ تميم: مائة، وصفوان: مائة، وأبا سفيان مائة، فأسلموا بشيء مادي، ولذلك لما أتت الدائرة في حنين فروا أول الناس، وهربوا وتركوا رسول ﷺ في المعمعة، وكانوا سبباً في الهزيمة في أول المعركة، وإلاَّ فقد انتصر ﷺ ؛ لأنهم عندما رآهم الناس هربوا هربوا معهم، حتى أن بعض الأنصار هربوا، وهربت الجمال والخيول، وأخذ أبو سفيان يقول: الآن بطل السحر يظن أن رسول الله ﷺ ساحراً، حتى ذاك اليوم، وأخذ صفوان بن أمية يقول: لا يرد الناس اليوم إلا البحر، يقصد البحر الأحمر، فنزل رسول الله ﷺ ، ولم يبق معه إلا ستة، وهم الستة الذين أسلموا لأول مرة، أي أن الإسلام القوي الممتاز كان في الذين أعلنوا في وقت القوة ووقت العنف والشدة فوقفوا معه، فأخذ السيف وجرده، وقال: ﴿أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب﴾ والحقيقة: عند المؤرخين أنه ﷺ هزم ألف مقاتل وحده، كان قبله ألف، من قبائل هوازن، وقائدهم مالك بن عوف النصري نزل مسربلاً بالحديد، يقول: فقلت له:
فقلت لهم ظنوا بألف مدججٍ سراتهم في الفارسي المسردِ
كان معه ألف مقاتل في القلب، لأن هوازن معها ميمنة وميسرة وقلب، فنزل ﷺ فضرب القلب فهزمه، وهزم الجيش كله ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤].
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
стр. 6530
فقه ابن عباس في سورة النصر
جمع عمر ﵁ وأرضاه الصحابة، وسبب جمعهم: أن ابن عباس كان يدخل عليهم وعمره أنذاك [١٣] سنة، وكان ذكياً فطناً، دعا له ﷺ في الليل الدامس أن يفقهه الله في الدين، وأن يعلمه التأويل، فكان إذا نزلت السورة كُتِبَ معناها في قلب ابن عباس، وكان عمر ﵁ وأرضاه خليفة، وأعضاء مجلس الشورى عنده من كبار الصحابة يشترط فيهم أن يكونوا من أهل بدر، ومن العشرة المبشرين بالجنة، أما بقية الناس فلا يدخلون، فيدخل كبار الناس والعلماء، ويدخل معهم ابن عباس، فيُجْلِس ابن عباس على يمينه، وفي الأخير تكلم العشرة وتكلم بقية الصحابة، وقالوا: [[عندنا أبناء مثل ابن عباس، وأكبر منه، فلماذا يدخل عمرُ ابن عباس ويترك أبناءنا؟]] ومجلس الندوة لا يدخله مثل ابن عباس؛ لأن السن القانونية عند عمر لا يسمح له، وأن يكون عنده مواهب في الإسلام، فلا يشترط عمر أن يكون أبيض، أو أحمر، أو أسود، ولا يكون من أسرة آل فلان، ولا يكون سبق أن تولى كذا وكذا، بل يشترط فيه شروطاً هي:
أولاً: أن يكون من المتقدمين في الإسلام.
ثانياً: أن يكون صادقاً مع الله، يدفع دمه في أي لحظة، لخدمة (لا إله إلا الله).
ثالثاً: ألا يكون منافقاً، أو عميلاً، ولا زنديقاً، أو فاجراً.
رابعاً: أن يستولي حبُّ الله ورسوله على لحمه ودمه.
فكان يدخل هؤلاء، فجلس الصحابة، وكان عندهم صراحة، فقالوا لـ عمر: [[لِمَ تدخل ابن عباس وتترك أبناءنا؟]]-فقال ابن عباس: [[فأدخلني مرة، وعلمت أنه ما أدخلني إلا ليريهم علمي وفطنتي]] أو كما قال- فقال عمر في أول المجلس قبل أن يفتتح جدول العمل: [[ما ترون وما تقولون في قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟]] قال بعض الصحابة: [[معنى ذلك: إذا أسلم الناس ودخلوا في دين الله، أمر الله رسوله أن يسبح وأن يستغفر]] قال: [[وأنتَ يا فلان؟]] قال: [[ما أرى إلا هذا]] قال: [[وأنتَ يا ابن عباس؟]] قال: [[أجل الرسول ﵊ نُعِي إليه]] أجَلُه قَرُبَ، قال: [[صدقت! ما أعلم منها إلا كما تقول]] فلما علموا ذلك، سكتوا، وأيقنوا أن عمر كان مصيباً في إدخاله لـ ابن عباس.
стр. 6531
بيان قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
الفتح هو: مكة و (نَصْرُ اللَّهِ): لم نسمع في التاريخ برجل انتصر كما انتصر محمد ﷺ .
وفي الحقيقة أن نصره لم يكن رخيصاً، فبعض الناس ربما ينتصر في ساعات، أو في جولات في أول المعركة، لكنْ هو ما انتصر حتى شاب رأسه، وشابت رءوس أعدائه، خاض غزوات هائلة، وسرايا واقتحامات، ودفع أغلى ما يملك، وقُتِل من أصحابه المئات، وقُتِل أحبابُه وأقاربُه، وشُجَّ رأسُه، وانكسرت ثنيتُه، وفُلِّل سيفه، واقْتُحِمَت عليه خيمته مرات، دارت عليه إحدى عشرة محاولة اغتيال، ولكنه في الأخير ينتصر.
أتى بنصر، لكن بثمن باهظ.
ثمن المجد دم جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا
فلما انتصر ﵊ انتصر انتصاراً لم يسمع الناس بمثله، دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل، في عشر كتائب.
الكتيبة الأولى: ألف مقاتل، لا يُرى منها إلا العيون، وكانت مدججة بالسلاح والحديد.
الكتبية الثانية: ألف من قبيلة أسلم.
الكتبية الثالثة: ألف من قبيلة مزينة.
الكتبية الرابعة: ألف من قبيلة أشج.
الكتبية الخامسة: ألف من قبيلة جهينة.
الكتبية السادسة: ألف من قبيلة أسد.
وهكذا ألفٌ فألف.
ثم دخل هو بالأنصار، وكان وسطهم، فلما رآى أعلامهم ترفرف على ريع الحجون قريباً من الحرم المكي، وهي ترتفع، يرفعها الزبير؛ دمعت عيناه من الانتصار، وهذه الدموع دموع النصر، دمعت عيناه وسالت على خده، قال ابن القيم: ونكس رأسه حتى أصابت لحيتُه قَتَبَ الفرس، أو قَتَبَ الناقة تواضعاً لله.
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
وأخذ ﷺ ينحدر بالجيش من ريع الحجون تجاه الحرم، وأخذن النساء يخرجن بالخمار، كل امرأة تخرج بالخمار، وتأتي على فرس أحد المقاتلين معه ﷺ فتضرب وجه الفرس بخمارها، أما المقاتلون من الكفار، ففروا إلى رءوس الجبال، فتبسم ﵊ وقال: أين أبو بكر؟ قالوا: هنا يا رسول الله! قال: تعال، فقَرُبَ منه، قال: كيف يقول حسان؛ لأنه ﷺ لم يكن يحفظ الشعر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] ولأن حساناً قال قبل المعركة بستة أشهر:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها (كَداءُ)
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخُمُر النساءُ
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاءُ
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاءُ
وهي قصيدة رائعة بديعة، شكره ﵊ عليها ودعا له، وقال: ﴿إن الله يا حسان! شكر لك بيتك﴾ الله من السماء شكر له هذه القصيدة.
فلما أتت المناسبة كأن حساناً كان يعيش لحظات المعركة، فقد خرجت النساء يضربن الخيول على وجوهها، فقال ﷺ : كيف يقول حسان يا أبا بكر! قال: يقول:
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخُمُر النساءُ
قليلاً قليلاً وإذا السيوف تلمع عند الخندمة، فقال ﷺ : ما هذا؟ قالوا: خالد لقي قتالاً؛ لأن رسول الله ﷺ وزع العشرة آلاف أربع فرق، تُسْقِط مكة أمامه يوم الفتح، العاصمة المقدسة تكون لمحمد ﷺ ، ليست لـ أبي جهل ولا لـ أبي لهب، ليست لأعداء الله، وإنما الأرض لله يورثها من يشاء، فهذه الأقدام المستعمرة الخائنة الخاسئة لا يحق لها أن تعيش على الأرض، فسقطت مكة إلا خالد بن الوليد فإنه دخل فلقيه كفار قريش يقاتلونه في الخندمة، أحدهم كان يسل السيف كل صباح، ويسقيه سماً حتى أصبح السيف أزرقاً فقالت له زوجته: ماذا تفعل به؟ قال: أقتل به محمداً، وقال:
هذا سلاح كامل وأَلَّه وصاحبي بالله ما من عله
يقول: ليس عندي من علة في جسمي، والسيف كامل, وسوف أقتل محمداً، فخرج يلتقي خالداً، فأظهر خالد الهزيمة، واستدرجهم من بين البيوت، والسكك، فخرجوا وراءه فلما أصبحوا في الصحراء كَرَّ عليهم أبو سليمان، فأخذ يُعمل فيهم السيوف إلى صلاة الظهر، فدخل صاحب السيف هذا، وأغلق عليه بابه مع امرأته، فقالت: أينك قاتلك الله؟ أين سيفك؟ أين السم الذي حشوته شهراً؟، قال:
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
يقول: إن القادة الذين هم أحسن مني ومنك وأبطل وأشجع قد فروا، فكيف أنا!
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
والمسملون خلفنا في غمغمه يلاحقونا بالسيوف المسلمة
المسلمون يصيحون ويكبرون، هذا جيل محمد ﷺ ، وطلابه.
والمسلمون خلفنا في غمغمة يلاحقونا بالسيوف المسلمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
وهذا عذر وجيه.
دخل ﷺ وفُتِح له الحرم، ومشى ومشى، ثم أتى إلى البيت، فأزال الأصنام، وكان بيده قضيب، فكان يشير إلى الصنم إشارة، فيسقط الصنم على ظهره، ويشير إلى قفاه، فيسقط على وجهه، فلا يسقط إلا ويصبح -وبعضها من الحجارة- حباً منثوراً في الأرض.
فكان ﷺ يقول: ﴿﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١]﴾ ثم يُخْرِج ﷺ حِلَق باب الكعبة، والعشرة الآلاف طوقوا أبواب الحرم، لا يدخل داخل ولا يخرج خارج، وكفار قريش كلهم في الحرم، هؤلاء القادات الكافرة الذين قاتلوه في بدر وأحد، كل هؤلاء أمامه، فقال: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟﴾ أي: أن السيف في يدي وليس عندكم سيوف، والسلاح عندي وليس عندكم سلاح، والله نصرني والهزيمة عليكم, ماذا تتوقعون من الجزاء المر؟
فأخذوا يتباكون، ويقولون: أخٌ كريم، وابن أخ كريم، الآن جاءت الأخوة، فقال: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء، عفا الله عنكم﴾.
стр. 6532
بيان قوله تعالى: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً)
أي أنه: إذ رأيت الناس يدخلون بالعشرات والمئات والقبائل في دين الله، فماذا تفعل؟ قال:
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣] فأكثر من الاستغفار؛ فإنا نريدك، وأكثر من التوبة، فإنا نريد أن نقربك إلينا، وأكثر من الذكر، فإن مهمتك قد انتهت.
كان ﵊ بعد أن نزلت هذه السورة، يقول في ركوعه وسجوده: ﴿سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي﴾ يتأول القرآن، وقالت عائشة: ﴿كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قوله: سبحان الله وبحمده، أستفغر الله وأتوب إليه﴾.
وقال ﷺ : ﴿إن ربي أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان تواباً، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]﴾.
стр. 6533
الدروس المستفاده من سورة النصر
في سورة النصر دروس:
الدرس الأول: أن أعظم نصر للعبد: أن ينتصر على نفسه، وقد انتصر المسلمون على أنفسهم، فنصرهم الله على أعدائهم.
الدرس الثاني: أن النصر الأكيد: هو نصر الله لأوليائه على أعدائه، لا انتصار المسلم على المسلم، والحروب المفتعلة التي تجريها الشعوب والدول الإسلامية فيما بينها، أو القبائل الإسلامية العصبية الجاهلية، ليست من الانتصارات.
الدرس الثالث: أن الفتح العظيم: أن يفتح الله عليك بالتوبة، فإذا فتح عليك بتوبة، فقد فتح عليك فتحاً مبيناً.
والفتح هنا: فتح مكة، ومنه بدأت الرسالة تشع في أنحاء العالم، وبدأت الشعوب تدخل في دين الله، وبدأت جيوشه ﵊ تذهب إلى المدن والقرى تحررها من ران الطاغوت.
الدرس الرابع: أنه لا يستوي من أسلم من قبل الفتح وقاتل، ومن أسلم من بعد الفتح وقاتل، ولا يستوي من أحب الدين؛ لأن الدين محبوب، ومن أتى مجاملة، أو حضر ليستمع هكذا، أو تفرجة لا يستوي مع الأول، ولا يستوي كذلك من قدم تضحيات من جهده ووقته للدعوة، ومن ماله، ومن عرق جبينه، ومن جلس متفرجاً سلبياً، يصلي الصلوات مع الناس، وقد يزكي، وقد يحج ويعتمر؛ لكنه لا يضحي ولا يعطي ولا ينفق، أفهولاء الآخرون مثل الذين أسلموا من قبل الفتح؟! أمثل عرق أبي بكر الصديق، وجهد عمر، ودم علي، وجمجمة عثمان، هؤلاء الأبطال الذين ضحوا بكل غالٍ ورخيص، حتى انتصرت (لا إله إلا الله)؟! أما الذين أسلموا بعد الفتح، فهم كالمفترج، فإن انتصر الإسلام فهم معه، وإن كان الدين عالياً فهم معه، وإن كان الدعاة في خير فهم معهم، وإن كانت الأمور ميسرة وليس فيها منغصات فالأمور سائرة، أما إن كان هناك خوف أو تنغيص أو ملاحظة أو شدة، فلا، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ويقولون: اتركونا نصلي، ونزكي ونصوم، ويظن أحدهم أنه إذا صلى وزكى وصام فقد أدى رسالته لهذا الدين، ولكنه ينسى أن الكافر يضحي لمبادئه أكثر من تضحيته هو لها، فهذا السلبي لا ينفع الدين ولا ينفع الإسلام، وقد ينجو في الآخرة، لكنه لا يرتفع عند الله درجات.
الخامس: أن الإنسان لا يزهو بعمله، فإن الرسول ﷺ أزكى الناس عملاً، وأخلصهم نهجاً، وأصدقهم لهجة، ومع ذلك قال له الله: (وَاسْتَغْفِرْهُ).
يقولون: إن من الدروس في هذه السورة: أن الله ذكره بأنه مهما قدم للدين، ومهما دفع من تضحيات، فإنه مقصر ﵊، هكذا قال أهل العلم، فبالنسبة للكمال الذي يريده من العبد فإن الرسول ﷺ قيل له: حتى أنت يا رسول الله! وذلك لما قال: ﴿لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا.
إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١].
الدرس السادس: أن الأعمال الصالحة تُخْتَم بالاستغفار، فمن السنة بعد الصلاة أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] هذا بعد الحج، وقِسْ على ذلك باقي الأعمال.
الدرس السابع: أن على العبد إذا دنا أجله، وقرب رحيله، أن يكثر من التوبة والاستغفار، وهذا لا يعني أن الشباب ليس عليهم توبة واستغفار، لا.
ولكن من قَرُبَتْ راحلتُه وأشرفت على منى ورأى المصلى، وجنب الغضا أن عليه أن يكثر من الاستغفار، وأن يطلب الرضا من الواحد الأحد الذي يعلم السر وأخفى.
ثم ذكر أنه تواب يقبل التوبة ، وأنه لطيف بعباده، وأنه كريم، وأنه ما طرق بابه أحدٌ فرُدَّ، هل سمعتم بأحدٍ قرع باب الله في توبة، ورُدَّ؟ فإن الله يغفر الذنب و ﴿يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥].
стр. 6534
تفسير سورة الكافرون
ثالثاً: سورة الكافرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]
ثبت في صحيح مسلم عن جابر: ﴿أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وبـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في ركعتي الطواف، وكان يقرأ بهما ﷺ في الركعتين اللتين بعد صلاة المغرب في الراتبة﴾ وكان ﷺ يحب هاتين السورتين؛ لأنها جردت الإخلاص والتوحيد لله تعالى.
وفي صحيح مسلم: من حديث أبي هريرة: ﴿أن رسول الله قرأ بهما في ركعتي الفجر﴾ وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن.
وروى الطبراني: ﴿أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] حتى يختمها﴾
وعن الحارث بن حلبة قال: قلتُ: يا رسول الله، علمني شيئاً أقوله عند منامي، قال: ﴿إذا أخذت مضجعك من الليل، فاقرأ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ؛ فإنها براءة من الشرك﴾.
سورة عظيمة، وتجريدٌ للتوحيد خالصٌ، وتكريرٌ للمبادئ في تناسق عجيب.
هذه السورة براءة من كل من اعتنق الكفر، أو كل من مال إلى الكافرين، أو كل من أحبهم، أو كل من رغب في مبادئهم، أو كل من أشرك مع الله، أو كل من نافق.
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) إن المأمور بهذا محمد ﷺ ، وكل من يتبعه إلى يوم القيامة.
стр. 6535
سبب نزول سورة الكافرون
سبب نزول السورة: أن كفار قريش أتوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد! نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة، فقال رسول الله ﷺ : حتى أراجع ربي، أي: حتى أرى.
ورسول الله ﷺ لن يعبد الأصنام سنة، والرسول ﷺ لم يسجد لصنم قط، حتى قبل إنزال النبوة عليه، وقبل إرساله بالرسالة.
فيقولون: أنت تعبد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى سنة، فإذا انتهت السنة بدأنا نعبد إلهك.
سبحان الله! أهذه لعبة قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] يقول : يريدون أن تدهن معهم فيدهنون معك، لكن الدين لا مداهنة فيه، ولا خشخشة، فالدين أبلج، حق, واضح، صراط مستقيم.
فكأنه يقول: أذهبُ إليهم وأُخْبِرُهم بهذا الرد من الله ، والرسول ﷺ يعلم أنه لن يوافقهم؛ لكن يريد أن يأتي الرد أقوى من الواحد الأحد، أن يقول: قال لي ربي، أنا متكلم عن الله ، أنا مرسل من عند الله، وكان بالإمكان أن يقول: لا.
لا أعبد إلهكم سنة أبداً، وعليكم أن تؤمنوا، لكن أراد أن يكون الكلام والرد من الواحد الأحد، فقال الله: يا محمد! ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] أي: اجمعهم، فَجَمَعَهُم قالوا: وماذا رد عليك ربك؟ قال رد علي بما يأتي، قالوا: وما هو؟ قال:
أعوذ بالله من الشطيان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]
стр. 6536
سبب تكرار قوله تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)
وهنا مسألة:
يقولون: لماذا كرر: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٥،٣] مرتين؟
وفي الإجابة آراء:
الأول: كُرِّرت الآية للتأكيد، فالله أراد أن يؤكد لرسوله ﷺ هذا الكلام، ويؤكده كذلك للكفار.
هذا الرأي الأول.
الثاني: ما حكاه البخاري، وغيره من المفسرين أن المراد بـ (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): في الماضي (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) في المستقبل.
ٍ
الثالث: أن ذلك تأكيد محض كما قلتُ.
الرابع: وقد نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) نفي الفعل؛ لأنها جملة فعلية.
(لا أَعْبُدُ) لن أفعل فعلكم.
وقوله: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) نفي قبوله لذلك بالكلية، والجملة الاسمية أكثر نفياً.
ومعنى الكلام: لا يكون هذا شرعاً، ولا فعلاً، ولا أقبله نهجاً، ولا عقيدة، ولا أخلاقاً، ولا سلوكاً أبداً.
стр. 6537
مسائل سورة الكافرون
في سورة الكافرون مسائل:
من المسائل في السورة أيها الناس الآتي:
المسألة الأولى: أن على المسلم أن يتميز بمعتقده، ومن ذلك:
١ - أن يكون لك تَمَيُّز، لا تشابه الكفار في الحركات، ولا السكنات، ولا في الأخلاق، ولا في السلوك.
من الهزيمة التي دخلت علينا، والغزو الفكري، والأخلاقي والسلوكي: أن كثيراً ممن يصلي ويصوم من أبناء المسلمين يشابهون الكفار في كثير من جوانب الحياة.
٢ - أحياناً: الرطانة في الكلام تعتبر شعبة من شعب النفاق لغير حاجة، فإذا كانت لغير حاجة فهي شعبة من شعب النفاق، ذكر ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم.
٣ - أن بعضهم يشابه الكفار في جلوسه، وهيئته، ويعجب بهم، ويثني عليهم، ويمدحهم، ويصفهم بالأوصاف الجميلة، وينتقص المسلمين فحذارِ من هذا.
المسألة الثانية: أن على الإنسان ألا يحاول أن يلتقي مع أهل الباطل في منتصف الطريق.
وأذكر أن أحد الناس، فيه هوس في فكره والعياذ بالله، وفيه ظلمة في معتقده، ولو أنه يصلي، قال له بعض العلماء: نرى أنك تتميز في كلامك، وفيما تكتب، وتتميز حتى تكون على بصيرة، قال: لا أحسن شيء أن تمسك العصا من وسطها.
وماذا يعني: أن تمسك العصا من وسطها؟ إن هذا منهج النفاق ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢] الله ذكر المنافقين في سورة النساء، فيقول: بأنهم يريدون إصلاح الأمور، ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢].
فإذا قلتَ: في الساحة بعض الحداثيين الملاحدة الذين يتكلمون بالكفر، قال واحد: لا، أستغفر الله! احملوهم على أحسن محمل.
وإذا قلتَ: إنه يسب الله، قال: ربما يكون له محمل آخر، ربما له توجيه، وإذا قلتَ: إنه يسب الرسول ﷺ ، قال: لا تدري أنت بنيته، أتحكم عليه؟ فإذا قلتَ: يستهزئ بالحجاب، قال: وَلَوْ وَلَوْ، وإذا قلتَ: يستهزئ بالعلماء، قال: وَلَوْ وَلَوْ.
وَلَوْ وَلَوْ؟! هذا من جنس الذي يقول: الالتقاء في منتصف الطريق، بمعنى: أن يُمايِزج بين الأفكار، ويقول: كل شبابنا فيهم خير، وأبناء الجزيرة ليس عليهم بأس، ولا تكفرون الناس، واحملوهم على أحسن المحامل.
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥١ - ٥٢] قيل: المقصود بـ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥٢] الذين قالوا هذه الكلمة.
إن بعض الناس لسوء معتقده، وسوء بصيرته بالدين، يغلب الفجرة على المؤمنين من طلبة العلم والعلماء والدعاة، ويصفهم بالاتزان، وببعد النظر، وباتساع المعرفة والآفاق، وانشراح الصدر، وأدب الحوار، قال : ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥١ - ٥٢].
قضية أنك تلتقي مع الفاجر على أنصاف الطريق، مثل الحلول، كأن تقول له: اكتب أنت، ولا بأس أن تكتب، ولا بأس أن نكتب، ونتحاور أنا وإياك، مثلاًَ: دعنا نتكلم في قضية القضاء والقدر، ربما تكون ثابتة، وربما غير ثابتة، ثم تقام في ذلك ندوة.
سبحان الله! أمثل هذه القضايا تُطْرح؟!
أنا رأيت محرر صحيفة كتب رسالة إلى بعض الدعاة، ورأيتُ جزءً منها يقول فيها: نريد أن نفتح حواراً عن القضايا، حتى القضايا الكلية في الإسلام، سبحان الله! أتحاورني أن محمداً ﷺ كان رسولاً أو لم يكن، أنا أمزق حوارك في وجهك، أنا لا أقبل، محمدٌ ﷺ أصبح حبه يسيل في دمي، وفي سمعي وبصري، تجلس معي في القرن الخامس عشر، وأسيادك تنهار بهم الشيوعية واللعنة الغارقة في موسكو، وتجالسني الآن لأثبت لك نبوة الرسول ﷺ ؟
والسيوف البيض في وجه الردى يوم ضرب الهام من دون النبوة
منذ ألف وخمسمائة سنة، وأبناؤنا تسيل دماؤهم في الجبهات من أجل مبادئ محمد ﷺ ، والألوف المؤلفة تقتل في سبيل الله في الهند والسند وطاشقند وأسبانيا، وفي كل مكان، ثم تأتيني لأجلس معك في ندوة في نادٍ أدبي ونقرر القضاء والقدر؟ ونقرر الخلافة الراشدة؟ وأتكلم لك: هل هذه الأمور الغيبية صحيحة أم لا؟ وأتكلم لك: هل الرسالة هي للناس كلهم أم أنها فقط للدول العربية والإسلامية؟
ليس هنا حوار، فهناك أمور تقبل الحوار، وهناك أمور لا تقبل الحوار، وليس فيها إلا قطع الرءوس، (دون خَرْط القَتاد) صحيح: أنني أقبل الحوار في بعض الأمور الفرعية التي تقبل الحوار، فتحاورني فيها، مثلما تحاور مالك والشافعي، ما معنى: نريد الحوار المفتوح، ونريد أن نسمع الرأي الآخر؟! أتريد أن تسمعني رأي شامير في المسجد؟ ورأي استالين ولينين؟ ورأي الشيطان؟ وأقول لك هذا حوار؟ فإذا غضبتُ عليك، قلتَ: لا تتشنج علينا، ليس عندك أدب، أنا ليس عندي أدب؟ بل أنت ليس عندك أدب، أنت قليل أدب، هذا من ضمن ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١].
الله يقول للفجرة: قل لهم: لا.
لا التقاء، هذا الذي هو النفاق والكفر والنفاق في النار.
стр. 6538
بيان قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١ - ٢] أبداً.
لا أنتهج نهجكم، ولا ألتقي معكم، ولا أجلس معكم، ولا أحاوركم، أنا حجتي بيضاء: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) أنا عندي الكتاب والسنة، أنا عندي مبادئ وليس عندكم مبادئ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧].
يقول بعضهم: لماذا لا نطرح الآن حواراً عالمياً بين الأديان، فنأتي بالإسلام، ونأتي بعقيدة البعث ميشيل عفلق وزمرته الفاشلة، ونأتي بـ الشيوعية الماركسية، ونأتي بالرأسمالية، وبـ اليهودية، ونأتي بالإسلام، فيمثل الإسلام بعض المشايخ، ويمثل هؤلاء لجنة، وأولئك لجنة، ثم نعقد بينهم مقابلة وحواراً، فتبث وسائل الإعلام هذا الحوار على الهواء مباشرة، ونسمع أيهما الأحق، سبحان الله! ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] وجزاء من يفعل هذا الفعل أن ينبأ بهذا الكلام، وكذلك الذي يريد أن يطرحها للناس؟ حتى بعض المسائل الظاهرة في الدين يريدون عرضها الآن للحوار، وهي مسائل بت فيها الإسلام، وانتهى حكم الإسلام فيها.
مثل:
- دور المرأة في الحياة، يريدون المعالجة فيها.
- نصوص أجمع عليها أهل العلم، يريدون أن تعالج، وأن تعاد دراستها الآن.
هذا هو مرض القلوب.
стр. 6539
بيان قوله تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)
(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): حتى أنتم لا تعبدون ما أعبد، وهذا صحيح، فإن الكافر والفاجر والمنافق لا يعبد الذي أنت تعبد، ولا يعتقد ما تعتقد، ولو صلى معك أحياناً.
قرأتُ في نشرة، أحدهم ذهب إلى جنيف، ليحضر المؤتمر الذي عقد قبل فترة فيها، وقد كان من المقرر أن يعقد في نيويورك، ولكنه مُنِع هو من دخول نيويورك، فحول إلى جنيف، فخطب خطبة، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] توقف، وقد قيل: (وقف حمار الشيخ بالعقبة)؛ لأنه لو أكمل الآية لانتهى ما عنده؛ لأنه هو فاشل، والله يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] ولكن ماذا بعدها؟ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
فنزل اليهود ليصلوا صلاتهم في الطقوس، والنصارى في الكنيسة، وقال هو: أن أصلي الصلاة العربية للقومية العربية؛ لأن محمداً قومي، والقوميون العرب الفشلة الآن يفتخرون بمحمد فقط، لأنه قومي منهم؛ لذلك يمدحونه بالقصائد؛ لكن يقولون: أما رسالته ففيها نظر، وأما قوميته فنعم.
﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٣ - ٥] لكم منهجكم ولي منهجي.
стр. 6540
الدروس المستفادة من سورة الكافرون
دروس من سورة الكافرون:
في سورة الكافرون دروس:
الدرس الأول: أن على الإنسان أن يكون صريحاً في مبادئه: فلا يكون مُلَبَّساً عليه، يعلن مبادءه نقية واضحة، ولا يتدسس ببعض الأمور، وفي الأصل ليس عند العلماء والدعاة شيءٌ خافٍ، فعندهم مبادئ تعلن كل جمعة من على المنبر، وعندهم كذلك مبادئ يؤذَّن بها كل يوم خمس مرات.
الدرس الثاني: لا تستعد أبداً، ولا تحاول في وقت من الأوقات أن تطرح بعض المسائل التي فصل الدين فيها للحوار، فإن بعض المسائل إذا كنت مستعداً أن تحاور فيها مع أناس في قلوبهم مرض، فقد أخطأتَ.
الدرس الثالث: ألا تترك شيئاً من دينك من أجل أن ترضي بعض الناس، أو تجبر خاطرهم، فهذا هو النفاق الصريح.
الدرس الرابع: أن المسلم مستقل في مبادئه، وفي أخلاقه، وسلوكه؛ لأن دينه كامل.
الدرس الخامس: ألا تطمع في الكافر الذي أعلن إعراضه وهجومه على الدين، وتأمل في أن تمشي أنت وإياه في خط واحد، مثل تلك الندوة التي عقدت قبل سنوات، والتي قالوا عنها: بأنها لتقريب وجهات النظر بين المسلمين والنصارى،، يأتي بابا شنودة مع بعض العلماء، ويقولون: هذا لتقريب وجهات النظر بين المسلمين والنصرانية.
هل كانت بيننا وبينهم خطوط مشتركة؟ قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣] أما أن تأتي لتقرب لي النصرانية الآن وهي دين باطل بعد إرسال الرسول ﵊ فلا يصح هذا.
وغيرها الكثير، وقس عليها من المسائل ما الله به عليم.
انتهت السور الثلاث.
ومعنا إن شاء الله في درس مقبل سورة الكوثر، والماعون، وقريش.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
стр. 6541
الأسئلة
ففي الدرس الماضي رتبت الأسئلة على نواحٍ:
- منها أسئلة تربوية: وسوف يُجاب عنها في درس مقبل مع الأسئلة التي سوف ترد ولن تهمَل بإذن الله.
- ومنها أسئلة عن الفقه، ومسائل تهم المسلم في عبادته.
- ومنها أسئلة متفرقة عن بعض المشكلات، وبعض الخواطر.
- وهنا أسئلة خاصة أشكر من كتبها، ومن أرسلها ناصحاً وموجهاً، وسوف تكون محل العناية والنظر.
والله يتولانا وإياكم.
стр. 6542
قراءة سورتي الإخلاص والكافرون في راتبة المغرب
السؤال
ما هي الحكمة من قراءة سورتي الكافرون، والإخلاص، في راتبة الفجر، وراتبة المغرب؟
الجواب
لأن هاتين السورتين أخلصتا التوحيد لله ، فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أخلصت الأسماء والصفات، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] فيها براءة من الشرك والمشركين.
стр. 6543
نصيحة للتائبين
السؤال
قبل عرض السؤال هناك كلام حول هذا السؤال؟
صاحب السؤال يبدو أنه لأول مرة يحضر المسجد، وأنا أرحب به، وحياه الله، وأدعو الله له بالتوفيق ولإخوانه وأمثاله، فإنه شرف لنا ولكم أن يزيد أحد التائبين والصالحين في دخول هذا المسجد، وأنا بدوري أضعها أمانة في أعناقكم، أن من استطاع منكم أن يُحْضِر أخاً له في أي درس، أو محاضرة، أو أي ندوة فهو مشكور مأجور، ولو تبنينا مشروعاً قاله بعض العلماء بأن يأتينا كل أخ في الدرس المقبل بأخ له، أو بصديق، وليحرص على أناس لا يحضرون الدروس، أو ليس لهم ميل إلى المحاضرات، أو ميل إلى الدعوة، أن يحضرهم حتى يهديهم الله على يديه، لأن النبي ﷺ قال: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
وأنا أتوقع أن الأخ إذا حضر ولو كان غير ملتزم، وأخذتَه - مثلاً - من الحديقة والملعب والكرة، وجئت به وأجلسته بين هذا العدد الهائل والحشد المبارك، ثم رأى الصالحين، ورأى جلوسهم، ورأى أذكارهم، وغشيته السكينة، وحفته الملائكة، وتنزلت عليه الرحمة، فإنها تكون ليلة مباركة في عمره.
يا ليلة الجزع! هلا عدت ثانيةً إن زمانَك هطالٌ من الديمِ
ولعلك أن تكون أنت المفتاح لقلبه، ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ ألا تريدون أن نجرب في الأسبوع المقبل بأن يُحْضِر كلٌّ منا واحداً، وهذا الأمر أتركه بين يديكم، وقد فعل فضيلة الشيخ المبارك أبو بكر الجزائري في جدة قبل ما يقارب سنة، في ندوة قال فيها: أريدكم غداً أن يُحْضِرَ كلُّ واحد منكم واحداً، فأتت الندوة، فإذا هي الضعف من الضعف من الندوة التي قبلها، والناس على الفطرة، وهم قريبون.
أنا أرى أن بعض الناس يجعل بينه وبين الإخوة حواجز، فالذين يجلسون الآن على الأرصفة من الشباب، ضيعوا أوقاتهم، وما وجدوا من يأخذهم إلى الدروس والمحاضرات والندوات، عندهم طيبة، وهم على الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
وأنا أجزم جزماً أن ذلك الشاب الذي يلعب الكرة الآن ونحن مجتمعون هنا، أنه لو مر به أحد الكفرة وسب عنده رسول الله ﷺ أنه يقاتله ويسكب دمه كالماء البارد من أجل محمد ﷺ ، فلماذا لا نأخذ هؤلاء ونحضرهم ونقربهم من جنة عرضها السماوات والأرض؟ ألا نشفق عليهم؟ لا نريد لهم الضرر، لا في أجسامهم، ولا في دنياهم، فإذا كنا نعتقد ذلك، فإن أعظم الضرر أن نتركهم هكذا، بعيدين عن التوجيه، وبعيدين عن المحاضرات، وعن (قال الله، وقال رسوله) تنتهبهم شياطين الإنس والجن، في سهرة لاهية، ودخان، وضياع، وبلوت، وأغنية ماجنة، ومجلة هابطة.
ألا إني أرشح ترشيحاً ثانياً، واقتراحاً ثانياً: أن نذهب إلى هؤلاء ونزورهم في أماكن لعبهم، وندعوهم بالتي هي أحسن، ونبصرهم، وحبذا لو أهدينا لكل واحد منهم شريطاً مؤثراً؛ علَّ الله أن يهدي قلبه؛ فإن هذا من أعظم ما يكون، وبهذه الأعمال تُصْلَح القلوب، وتُمْطَر البلاد، ويُقِيْمُ اللهُ الأمن، ويعم الرخاء.
صاحب السؤال يقول: أنا حضرت وأنا ممنون ومسرور بهذا اللقاء، وأتمنى أن أقدم شيئاً للإسلام وللدعوة، وأتمنى أن يُقَطَّع جسمي في سبيل الله، وأنا أول ليلة أحضر، ماذا اقدم لهذا الدين؟ فبماذا تنصحوني؟
الجواب
أسر الله قلبك، وأضحك سنك، هذه بداية الالتزام.
فاسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يثبتك، وأن يزيد في أمة الرسول ﷺ من أمثالك من التائبين.
شكراً لك ولجسمك الذي يريد أن يمزق من أجل محمد ﷺ .
شكراً لك وللحمك ولدمك ولشحمك الذي يريد أن يذهب في سبيل الله.
أسأل الله أن يجعلني وإياك والحضور من الشهداء، الذين ينور الله لهم قبورهم، ومصائرهم ودرجاتهم.
والحقيقة: أن مثل هذه الأفكار، وهذه الكلمات تنبع عن معدن أصيل، وفطرة جيدة، أرادها الله لهذه الأمة.
فالحمد لله الذي جعل الناس يَفِدُون بالعشرات، وكم يمر من تائبين من هذا الجيل المبارك، وكم يفرح الإنسان وهو يلقى شاباًً يقول: أنا لأول مرة أحضر، وتبتُ من شهر أو من شهرين واهتديت، إنها الفرحة الغامرة، حتى يعلم الله أن الإنسان أحياناً يفرح أعظم من أن يبشر بمولود إذا علم أن هذا ولد من جديد في الإسلام.
يقول شيخ الإسلام: للإنسان ميلادان اثنان:
١ - ميلاد: يوم ولدته أمه، يوم سقط رأسه على الأرض.
٢ - وميلاد يوم اهتدى في ركاب محمد ﷺ .
ثم يقول في مختصر الفتاوى: ولكل إنسان مسلم أبوان اثنان:
١ - أبوه الجثماني.
٢ - وأبوه الروحاني.
فأما أبوه الجثماني: فهو أبوه الذي ولده.
وأما أبوه الروحاني: فهو محمد ﵊.
السؤال
ما حكم الاحتفال بالمولد؟
الجواب
الاحتفال بالمولد بدعة، وسبق التنبيه على ذلك، وسيأتي تفصيل لهذا الكلام إن شاء الله.
стр. 6544
التحذير من الخوض في أحداث أفغانستان
السؤال
حذر الشيخ ابن باز وحذر من الخوض في أحداث أفغانستان الأخيرة، فأريد من الإخوة طلبة العلم ألا يخوضوا، فماذا ترى؟
الجواب
وأنا معك في ذلك، وعلى المسلم أن يحفظ لسانه، ويحمي سمعه وبصره، وما دام أن سماحة الشيخ وهو القمة العلمية، وهو عالِم العالَم الإسلامي الآن قد قال هذا الكلام، فكلامه على العين وعلى الرأس، وعلينا أن نقبله، وعلينا أن نطيع هذا الوالد والإمام العظيم، وهذا الشيخ الفاضل، أثابه الله ورفع منزلته.
وصدق فيما قال، فإن الخوض لا يأتي بخير، وبعضهم يتكلم بغير علم.
стр. 6545
كيف نستمر في الدروس
السؤال
أحياناً أريد الحضور لمثل هذه الدروس واللقاءات ولكني بعيد عن المكان، وقد لا أجد سيارة، وأبنائي لا يستطيعون الحضور، أو لا يوافقوني في الحضور، فماذا أصنع؟
الجواب
شكر الله لك، ويظهر أن هذا شيخ كبير، وأنه يريد الحضور، فالرجاء منه أن يستمر على هذا الخير، حتى يختم الله له بخير، وباستطاعته إذا صدق مع الله أن يهيئ له أسباب الحضور، أو أن يحاول في أحد أبنائه أن يحضر معه، عسى الله أن ييسر لنا ولكم أسباب الخير.
стр. 6546
حكم أخذ الهدية مع وجود شبهة فيها
السؤال
لقد ذهب أحد أصدقائي الذي أرجو الله لنا وله الهداية إلى أحد محلات الغناء، واشترى خمسة أشرطة غناء، وكان مكافأته على ذلك أن أُهديت له ساعة يد من ذلك المحل، وكان ممن لا يلبس الساعات، فأهدى لي هذه الساعة، وسألتُه كيف جاءته، فأخبرني بالقصة السابقة، فهل ألبس هذه الساعة؟ أم ماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: أرى أن تنصحه، وأن تعلم أن الذي أعطاه الأشرطة الغنائية إنما هذا من باب الإفساد في الأرض، والغناء محرم بإجماع أهل العلم، وقد أفسد البيوت، وعليك أن تناصحه دائماً.
ثانياً: عليك أن تذهب فتهدي له خمسة أشرطة من الأشرطة العلمية المؤثرة إن كنت تريد الخير.
ثالثاً: أما الساعة فدخولها لك دخول شرعي، بواسطة الهدية، وقد يكون أنفع لقلبه أن تقبلها، فالرسول ﷺ قبل من بعض الناس جبراً لقلبه، واستمالةً له، وأرى أن تحاول إحضاره للدروس والمحاضرات، علَّ الله أن يهديك وإياه.
стр. 6547
كيف نعمل لهذا الدين
السؤال
أريد أن أعمل لهذا الدين، فكيف أعمل؟
الجواب
الصحيح: أن هذه مشكلة، وأعرف أن الجمع الهائل هذا يريد العمل للدين، ويريد أن يخدم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن بعضهم محتار، لا يدري كيف يتقدم ولا كيف يتأخر.
والحقيقة: أنه قد طرحت حلول، وطرحت اقتراحات، والشيخ الدكتور ناصر العمر له شريط بعنوان: مشروع مقترح، حبذا سماع هذا، وغيره من الندوات، وشراء الشريط الإسلامي، الكتيب، إلقاء الكلمات، التأثير، أخذ الإخوة -إذا كنت لا تستطيع على ذلك- أن تأخذهم وتحضرهم للدرس والمحاضرة، هذا من أسباب الخير.
стр. 6548
كيف تزيل قسوة قلبك
السؤال
كنت أحس بلذة عظيمة مع القرآن والإيمان، ولكن أظلم قلبي، وبقلبي قسوة لا يعملها إلا الله، فماذا أفعل؟
الجواب
أسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً بطاعته وبذكره، وأن يهدينا وإياك سواء السبيل، وعليك بكثرة الذكر والقرآن، وأنا أوصيك بمجالسة الصالحين، والكف عن المعاصي والتوبة منها، ثم حضور مجالس أهل الخير والعلم والفضل؛ فإنها تلين القلوب بإذن الله.
стр. 6549
دور المرأة في المجتمع
السؤال
المرأة ما دورها في الحياة؟
الجواب
المرأة لها دور وأعظم دور، وهو الدور الذي قدمه محمد ﷺ للمرأة، وعلمها كيف تكون داعية ومعلمة ومربية، وهذا لا يخفى على أحد، وسوف أخصص بإذن الله جزءً هائلاً من الأسئلة في الدروس المقبلة إن شاء الله، لاهتمامات النساء، حتى يكون لهن دور.
ثم إن الكلام الموجه في الدروس والمحاضرات من تفسير وحديث وعقيدة هو للرجل والمرأة، وليس للرجال فحسب؛ لأنه أحياناً نستخدم أسلوب المذكر، فتظن النساء أن ليس لهن في الكلام دخل.
مع العلم أن أم جميل ذكرناها الليلة، بذكرٍ الله أعلم به.
وهن لسن من طراز أم جميل، بل هن من طراز عائشة وزينب.
لنا الفواطم ربات العلا ولنا كل الزيانب هن أهل وعمات
على كل حال: أكتفي بهذا القدر؛ لئلا أطيل، وأنا أشكر الإخوة، وقد وصلتني رسالة من بعض الإخوة يقول فيها: إنني أكيف البرنامج يوم السبت، حتى العزائم والدعوات أجعلها بعد صلاة العشاء، وأحضر بمن يأتيني من الزوار في هذا الدرس، فأنا أشكره على رسالته، وأشكر هذا الجهد المبارك منه، وهذا التنسيق.
وأسأل الله أن يحفظه ويحفظكم جميعاً، وأن يثيبكم على الحضور، وأن يتولانا وإياكم.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6550
يا حبذا الجنة واقترابها !
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وقد حث الله ونبيه ﵌ على هذا الأمر العظيم، فتسابق رجال الإسلام إليه من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
وفي هذه المادة ذكر لبعض مواقف هؤلاء الأبطال.
следующие страницы →