Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
حكم أخذ الهدية مع وجود شبهة فيها
السؤال
لقد ذهب أحد أصدقائي الذي أرجو الله لنا وله الهداية إلى أحد محلات الغناء، واشترى خمسة أشرطة غناء، وكان مكافأته على ذلك أن أُهديت له ساعة يد من ذلك المحل، وكان ممن لا يلبس الساعات، فأهدى لي هذه الساعة، وسألتُه كيف جاءته، فأخبرني بالقصة السابقة، فهل ألبس هذه الساعة؟ أم ماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: أرى أن تنصحه، وأن تعلم أن الذي أعطاه الأشرطة الغنائية إنما هذا من باب الإفساد في الأرض، والغناء محرم بإجماع أهل العلم، وقد أفسد البيوت، وعليك أن تناصحه دائماً.
ثانياً: عليك أن تذهب فتهدي له خمسة أشرطة من الأشرطة العلمية المؤثرة إن كنت تريد الخير.
ثالثاً: أما الساعة فدخولها لك دخول شرعي، بواسطة الهدية، وقد يكون أنفع لقلبه أن تقبلها، فالرسول ﷺ قبل من بعض الناس جبراً لقلبه، واستمالةً له، وأرى أن تحاول إحضاره للدروس والمحاضرات، علَّ الله أن يهديك وإياه.
стр. 6547
كيف نعمل لهذا الدين
السؤال
أريد أن أعمل لهذا الدين، فكيف أعمل؟
الجواب
الصحيح: أن هذه مشكلة، وأعرف أن الجمع الهائل هذا يريد العمل للدين، ويريد أن يخدم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن بعضهم محتار، لا يدري كيف يتقدم ولا كيف يتأخر.
والحقيقة: أنه قد طرحت حلول، وطرحت اقتراحات، والشيخ الدكتور ناصر العمر له شريط بعنوان: مشروع مقترح، حبذا سماع هذا، وغيره من الندوات، وشراء الشريط الإسلامي، الكتيب، إلقاء الكلمات، التأثير، أخذ الإخوة -إذا كنت لا تستطيع على ذلك- أن تأخذهم وتحضرهم للدرس والمحاضرة، هذا من أسباب الخير.
стр. 6548
كيف تزيل قسوة قلبك
السؤال
كنت أحس بلذة عظيمة مع القرآن والإيمان، ولكن أظلم قلبي، وبقلبي قسوة لا يعملها إلا الله، فماذا أفعل؟
الجواب
أسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً بطاعته وبذكره، وأن يهدينا وإياك سواء السبيل، وعليك بكثرة الذكر والقرآن، وأنا أوصيك بمجالسة الصالحين، والكف عن المعاصي والتوبة منها، ثم حضور مجالس أهل الخير والعلم والفضل؛ فإنها تلين القلوب بإذن الله.
стр. 6549
دور المرأة في المجتمع
السؤال
المرأة ما دورها في الحياة؟
الجواب
المرأة لها دور وأعظم دور، وهو الدور الذي قدمه محمد ﷺ للمرأة، وعلمها كيف تكون داعية ومعلمة ومربية، وهذا لا يخفى على أحد، وسوف أخصص بإذن الله جزءً هائلاً من الأسئلة في الدروس المقبلة إن شاء الله، لاهتمامات النساء، حتى يكون لهن دور.
ثم إن الكلام الموجه في الدروس والمحاضرات من تفسير وحديث وعقيدة هو للرجل والمرأة، وليس للرجال فحسب؛ لأنه أحياناً نستخدم أسلوب المذكر، فتظن النساء أن ليس لهن في الكلام دخل.
مع العلم أن أم جميل ذكرناها الليلة، بذكرٍ الله أعلم به.
وهن لسن من طراز أم جميل، بل هن من طراز عائشة وزينب.
لنا الفواطم ربات العلا ولنا كل الزيانب هن أهل وعمات
على كل حال: أكتفي بهذا القدر؛ لئلا أطيل، وأنا أشكر الإخوة، وقد وصلتني رسالة من بعض الإخوة يقول فيها: إنني أكيف البرنامج يوم السبت، حتى العزائم والدعوات أجعلها بعد صلاة العشاء، وأحضر بمن يأتيني من الزوار في هذا الدرس، فأنا أشكره على رسالته، وأشكر هذا الجهد المبارك منه، وهذا التنسيق.
وأسأل الله أن يحفظه ويحفظكم جميعاً، وأن يثيبكم على الحضور، وأن يتولانا وإياكم.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6550
يا حبذا الجنة واقترابها !
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وقد حث الله ونبيه ﵌ على هذا الأمر العظيم، فتسابق رجال الإسلام إليه من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
وفي هذه المادة ذكر لبعض مواقف هؤلاء الأبطال.
стр. 6551
الدين الإسلامي يقوم على الجهاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من حكمة الله أن جعل من أسباب ثبات هذا الدين أن يقوم علم الجهاد، يقول : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] فالرسل تأتي بالبينات، وهذه البينات لا تثبت إلا بحديد وقوة وجهاد، فديننا مصحف وسيف، وكان رسولنا ﵊ يصلي بالناس ويقاتل أمامهم؛ يقوم في الليل قارئاً وتالياً وعابداً وناسكاً، ويحمل السيف في النهار مقاتلاً ومجاهداً ومتقدماً، وكان من لوازم هذه الفترة التي لا تنسى أن نتكلم عن الجهاد الذي عاشه أسلافنا والناس جميعاً لا يعترفون إلا بالقوي، ولا يحترمون إلا القوي إذا لم يكن هناك دين وورع ومخافة من الله.
والعرب في الجاهلية كان بعضهم يزري على بعض بضعفه وذلته وعدم قتاله، يقول أحد شعرائهم وقد سُرقت إبله، فذهب إلى قبيلته يستنجدهم فما أنجدوه وما نصروه، فقال في مقطوعة له:
لو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي بنو اللقطية من ذهل بن شيبانا
يقول: أنا لو كنت من آل فلان، ما أخذ إبلي آل فلان، لكني منكم وأنتم جبناء:
قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم هبوا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً
فلامهم على ضعفهم وجبنهم وذلهم.
وهذا عمر ﵁ وأرضاه يأتيه أناس يشكون أن أحد الشعراء يسب قبيلتهم، قالوا: يا أمير المؤمنين! سبنا وشتمنا وجدعنا، قال: ماذا يقول فيكم؟ قالوا: يقول لنا:
قُبيِّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردلِ
فهل هذا سب أو مدح؟ هو مدح عند أهل الإسلام لكنه عند أهل الجاهلية سب، قبيِّلة يعني: صغيرة ذليلة.
قال عمر: يا ليتني منهم، وهو لا يدري أنه سب، قالوا: يا أمير المؤمنين! يعني أننا جبناء.
ولا يردون الماء إلا عشيةً إذا صدر الوارد عن كل منهلِ
قال: هذا أحسن للزحام، يقول: ما يأتون بالإبل إلا إذا صدر الناس عن الماء من الخوف والخور، قالوا: يا أمير المؤمنين يسبنا ويجدعنا، فعرف عمر ﵁ وأرضاه فأدب الشاعر، يقول زهير:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلمِ
فأمر الله بالجهاد، وحمل لا إله إلا الله والسيف للقتال، ومبارزة العدو، وقد فعلها خلفاء الإسلام فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه لما رأى أن الأمر سوف يخرج من يده في حروب الردة، وقد قال عمر: أرى أن نفاوضهم، وكأنها مسائل فنية فنعرض الأمر مثلاً على مجلس الأمن، فإن قرر بالأغلبية قاتلناهم، لكن تحول أبو بكر إلى أسد وصعد المنبر، وقال: [[والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﵊ لقاتلتهم عليه]] قال الصحابة: لا نرى قتالاً، قال: [[والذي نفسي بيده لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة]] ثم استدعى خالداً، وأعطاه الراية من على المنبر، ثم أدب المارقين تأديباً عظيماً، فعادوا ودخلوا في دين الله، فهذا هو منطق القوة.
عمر بن الخطاب أتاه الهرمزان يفاوضه على الصلح، يقول: نعطيكم بعض الأراضي، واتركوا لنا بعض الأراضي، كان يظن المسألة مسألة الضفة الشرقية والضفة الغربية لكن المسألة ليست مسألة أراضي أو رمال، بل المسألة أن تهيمن لا إله إلا الله في الأرض، فـ عمر لا يكتفي بـ إيران، أو تركيا أو أفغانستان يقول: هذه الأرض لا بد أن تفتح كلها بلا إله إلا الله، إما أن يجيبوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لماذا المفاوضة على الأرض؟ فهو لا يسمع مفاوضة على الأرض، فأرسل سعد بن أبي وقاص بجيش عرمرم عداده اثنان وثلاثون ألفاً كل واحد منهم في قلبه لا إله إلا الله، يحمل الموت ويصدق اللقاء، وفتحت الأرض حتى يقول الشاعر:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
وهذا معاوية يختلف مع علي ﵁ وأرضاه وكلٌ مجتهد والحق مع علي، فيكتب ملك الروم لـ معاوية كتاباً يقول فيه: يا معاوية أجتمع أنا وإياك على علي لتستتب لك الخلافة، فهذا الكلب عدو الله وجدها فرصة أن علياً متشاجر مع معاوية، فيدخل في صراع ضد علي بن أبي طالب، فلو كان غير معاوية، لقال: حيهلاً وسهلاً، فكتب له معاوية: [[من معاوية بن أبي سفيان إلى كلب الروم.
أمَّا بَعْد
فوالذي نفسي بيده إن تقدمت بكثيب -يقصد الأرض- أو عبرت بسفينة البحر، لأجتمعن أنا وابن عمي علي بن أبي طالب عليك، فالحذر الحذر!]] يقول: أنا وعلي تحت مظلة لا إله إلا الله، فابن عمي يحمل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وأنا أحمل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ابن عمي يصلي كما أصلي، ويصوم كما أصوم، أما أنت فمجرم، فلا تقترب أبداً، ولو اقتربت، اجتمعت معه ضدك.
стр. 6552
المعتصم وفتح عمورية
وتستمر الحال، ويحاول الروم -أهل الصليب- أن يجربوها تجربة خاطئة مع المسلمين، وقد حدث في سوقهم في عمورية في شمال تركيا أن أتت امرأة ضعيفة مسلمة، فلما عرضت ما معها في السوق وكانت وحيدة، ليس في السوق مسلم إلا هي وأعرابي عنده بضاعة في السوق، فقام روميٌ، فلطمها على وجهها، فصاحت: وامعتصماه! من هو المعتصم؟ إنه الخليفة في بغداد، أمير المؤمنين، المعتصم أخو المأمون وابن هارون الرشيد والمعتصم هو الخليفة العسكري الذي كان يأخذ السيخ ويكتب به اسمه في الهواء، كان يربط رجليه في وتدين، ثم يقفز فيكسر الوتدين، ويقطع الحبال، ويعتلي على ظهر البغلة، يقول أهل التاريخ: لم يكن أقوى منه جسماً، قالت المرأة: وامعتصماه! فتضاحك الروم، وقالوا: انتظري للمعتصم حتى يأتي على فرسه الأبلق لينصرك في هذا المكان، بيننا وبين المعتصم ما يقارب ألف ميل، فذهب هذا الأعرابي من السوق إلى بغداد ودخل، قال: أريد الإذن من أمير المؤمنين، قال الحرس: ماذا تريد؟ قال: أمرٌ خطيرٌ، فأدخلوه، ومثل أمامه، قال: يا أمير المؤمنين! كنت يوم كذا وكذا في سوق عمورية، فضُربت امرأة مسلمة بين الكفار، فصرخت باسمك من عمورية تقول: وا معتصماه! فتضاحكوا، وقالوا: انتظريه على فرسه الأبلق لينصرك، فوثب من على الكرسي، وثبة معناها أن يقف له التاريخ، قال: والذي لا إله إلا هو لا يصل رأسي ماءٌ من جنابة حتى أنصرها بإذن الله، القتال القتال، أعلنوا في الأقاليم من يستطيع حمل السلاح ويتخلف فإن عقوبته الإعدام، وجهز جيشاً عرمرماً عداده تسعون ألفاً، وجعل إمامه في الصلاة أبا يوسف القاضي الحنفي العالم، وبدأ الاستغفار والتوبة والعودة إلى الله، ثم مضى بالجيش، ولما وصل حدود الروم بدأ يحرقها مدينة مدينة، أول مدينة وصل إليها بدأت النيران تشتعل في الروم، ثم قال: أين عمورية؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! في الشمال، قال: يأتيها حسابها.
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجربِ
يقول أبو تمام: كل مدينة تغار من الأخرى، يقول: فالخراب يسعى فيها أعدى من الجرب في الغنم، ووصل إليها هناك، قال: هذه عمورية؟ قالوا: نعم، قال: الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالوا: نفاوضك على الصلح، قال: حتى أرى حريقاً في المدينة، لا صلح حتى أرى الحصون تحترق، وبدأت الحصون تحترق، وأتى فارس الروم، فقال: من يبارز؟ قال المعتصم: أنا أبارزك، فنزل المعتصم، فلما برز، قام المعتصم -من الشجاعة- فخلع الدرع من على صدره وقد كان من أشجع الناس، فالتقى بالرومي، فضربه الرومي، فنشب سيف الرومي في درع المعتصم فأخذ المعتصم سيفه، فضرب الرومي، فقسمه نصفين، ثم بدأت المعركة، فسحقهم سحقاً عظيماً، فلما دخلها قال: لن أخرج من المدينة حتى يأتي الرجل الذي ضرب المرأة، فاجتمعوا وقالوا: هذا هو المجرم، فأتوا به، قال: أين المرأة؟ فأتوا بالمرأة، قال: يا أمة الله! أنا المعتصم، وهذا هو الرجل الذي لطمك، فهو عبدٌ لك إن شئت أعتقتيه لوجه الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، وإن شئت فهو مولى لك، قالت: قد أعتقته يا أمير المؤمنين!
стр. 6553
أحوال المسلمين اليوم مع الجهاد
وأما اليوم فـ:
ربَّ وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتمِ
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصمِ
أمتي هل لكِ بين الأممِ منبرٌ للسيف أو للقلمِ
أتلقاك وطرفي حاسرٌ خجلاً من أمسك المنصرمِ
ألإسرائيل تعلو رايةٌ في حمى المهد وظل الحرمِ
أوما كنت إذا الموت اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دمِ
كم من امرأة اليوم تقول: وا معتصماه! واإسلاماه! في أفغانستان وفلسطين والفلبين ولا يجيبها مجيب، كم من طفل يقتل! كم من مسجد يهدم! كم من شعيرة لله تسحق! ثم لا مجيب يجيب! بلغت الأمة من الذلة والمهانة يوم تركت الجهاد وتخلت عن الدين مبلغاً لا يعلمه إلا الله، يقول ﵊: ﴿إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم﴾ وبيع العينة منتشر وهي أن تباع السلعة من الرجل ديناً، ثم يشتريها بثمن أقل قسطاً قسطاً ومقدماً وهذا موجود وفاشٍ ﴿وأخذتم أذناب البقر﴾ تتحول الأمة من أمة جهاد إلى أمة مزارعة، والزراعة ليست حراماً، لكن أبطال الإسلام وشباب لا إله إلا الله وحملة التوحيد يتحولون إلى باعة بطاطس، وخيار وباذنجان وجرجير وخس في الأسواق، ويصبح حمل السلاح لا يطيقه إلا القليل، ويصبح الآلاف من الشباب لا يستطيع أحدهم شحن المسدس والرمي به، ولا يحمل الرشاش، بل أجزم جزماً لو اعتدي على كثير من البيوت الآن لما استطاع الشباب المدافعة عن بيوتهم، بعضهم لا يملك سلاحاً، عندهم سكاكين للبصل في المطبخ، والسلاح أصبح كيماوي ومزدوج، وبعضهم عنده سلاح لكنه لا يستطيع أن يرمي، ولا يصيب الهدف، وما لديه تدريب قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] والرسول ﵊ ربى شبابه على القوة العسكرية وعلى حمل السلاح والأنفة، اسمع إلى أبي تمام يصور معركة المعتصم في عمورية، لما انتهى المعتصم، وعاد إلى بغداد، عاد وعلم النصر فوق رأسه والعلماء يبكون لنصر الله ويفرحون، واستقبلته الأمة ونساء الأمة وأطفال الأمة، لأنهم أثبت عدة للا إله إلا الله، وقف أبو تمام يحيي هذا البطل ويقول:
السيف أصدق إنباءً من الكتبِ في حده الحد بين الجد واللعبِ
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطبِ
يا يوم وقعة عمورية انصرفت عنك المنى حفلاً معسولة الحلبِ
ثم قال:
تدبير معتصمٍ بالله منتقم لله مرتقب في الله مرتغب
ثم يروي أبو تمام قصة المنجمين الذين أتوا قبل المعركة إلى المعتصم وقالوا: لا تحاربوهم هذا الشهر، قال: ولمَ؟ قالوا: لأن برج الثور حل علينا، وبرج الثور إذا حل، لا ينتصر المقاتل، قال: آمنت بالله وكفرت بكم، قال: أبو تمام:
أين الرواية أم أين الدراية كم صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذبِ
طلاسم وأحاديثٌ منمقةٌ ليست بنفع إذا عدت ولا غربِ
فالنصر في شهب الأرماح لامعةً بين الخميسين لا في السبعة الشهبِ
فالنصر في السيوف وليس في النجوم، إلى أن يقول في آخرها:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجربِ
إلى أن يقول للخليفة: أنت لست الذي انتصر، بل الله الذي رمى بك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]:
رمى بك الله جنبيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يصبِ
إنه تدبير الله وقوته ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] إن يخذلكم بأعمالكم وتصرفاتكم وأكلكم الربا وسكوتكم على المنكرات؛ تبرج النساء، وانتشار المخدرات، وضياع الشباب: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] من يقدم لكم النصر؟ فهذه أمور عاشها السلف.
стр. 6554
موقف هارون مع نقفور
هارون الرشيد كانت تسلم له الجزية من كل الأقاليم، وكان يحكم اثنين وعشرين دولة من دول العالم الآن، وهو في بغداد، وقد صعد مرة على قصره في بغداد، وكان مكتوباً على سيفه الحاج الغازي هارون الرشيد، يغزو سنة ويحج سنة، وكان يتنفل في النهار مائة ركعة، صعد على القصر وكان يستبشر بالمطر، فالناس في قحط، فمرت سحابة، قال: اللهم اسقنا الغيث، اللهم اسقنا الغيث، فمرت السحابة، فتبسم وقال: أمطري أنى شئت، فإن خراجك سوف يأتيني إن شاء الله، يقول: اذهبي حيثما شئت، إن تريدين الذهاب إلى إفريقيا، فـ إفريقيا في حكمي، وإن تريدين آسيا إلى السند، فـ السند لنا، وإن تريدين الشمال إلى طاشقند فـ طاشقند لنا.
ماتت امرأة كانت تحكم الروم، فتولى نقفور بعدها، فكتب لـ هارون الرشيد كتاباً، وهو لا يعرف هارون الرشيد يقول: أمَّا بَعْد:
فإن المرأة التي كانت قبلي كانت ضعيفة العقل، وكانت تدفع لك الجزية، وأما أنا الآن فلن أدفع لك درهماً ولا ديناراً، فوصل الكتاب وقرأه هارون الرشيد، ومن الاستهتار به أنه لم يكتب في ورقة أخرى، بل أخرج القلم وكتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم.
أمَّا بَعْد فالجواب ما تراه لا ما تسمعه.
ثم قال لقائده: جهز جيشاً، فجهز جيشاً وما أمسى إلا وقد طوق الروم وأخذوا قائدهم وكتفوه، وقالوا له: هل تدفع الجزية؟ قال: أدفع الجزية، قالوا: مضاعفة، قال: مضاعفة، فقد كانوا يدفعون على الواحد عشرة دراهم، فجعل هارون على الواحد عشرين درهماً.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلمِ
أما نصف البيت فنؤمن به، وأما نصفه الآخر فنكفر به، ولكن نقول:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقى مربض المستأسد الضاري
فالأمة تعيش في سؤدد وقوة وعظمة حتى يتخلى الناس عن الجهاد، ويتولى جيلها وشبابها عن حمل السلاح، وحتى يكون الكافر المستعمر يدرب قوته، ويجرب سلاحه.
стр. 6555
تخاذل العلمانيين عن الجهاد
في الحرب العالمية الثانية أدخلت أمريكا الفتيات في الجيش، ونحن نقول: لا، هذا حرام وخطأ، والعلمانيون يدخلون شبابهم في الجيوش، ويحولون الثانويات إلى جيش، لكن اهتمامات شبابنا إلا من رحم ربك، سطحية افتح يا سمسم جمع الطوابع المراسلة هواية صيد الحمام وصيد الدجاج السفر إلى بانكوك وباريس التصفيق المنتخب، إننا نحتاج إلى حمل سلاح، وإلى جهاد في سبيل الله، ونسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يوفق ولاة الأمر لما يحبه ويرضاه، وأن ينصر بهم الدين، وأن يحمي بهم مقدساته، يقول : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] هذه الآية يستشهد بها صدام في الإذاعة، في بيانه الرسمي يقول: انفروا خفافاً وثقالاً، لحماية المقدسات.
قلنا: أنت يا صدام آخر من تنفر، فأنت تنفر لكن على الأطفال والنساء، وعلى أعراض المسلمين، وأنت تنفر لكن على الجيران وهدم البيوت وتمزيق المصاحف، وأنت تنفر لكن لهدم المساجد ولقتل الدعاة والعلماء، فأنت آخر من يتكلم عن المقدسات، أما من ينفرون خفافاً وثقالاً، فهم أبناء التوحيد وأتباع محمد ﵊، وأنصار لا إله إلا الله، ليسوا بأتباع ميشيل عفلق والبيطار، أنت لا يحق لك أن تتكلم، لأنك نجس، ولا يجوز أبداً أن تدخل البيت إلا بعد أن تسلم، إذا قلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ودخلت في الإسلام، وسجدت لله، وحكمت الشرع في شعبك، وكففت عن سفك الدماء، فعندما تنادي بحماية المقدسات، أما الآن فلا يجوز لك أن تطوف أو تسعى أو تتكلم عن المقدسات، غيرك الذي يحمي المقدسات: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠].
فالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة لمن ترك هذه التجارة، فكأن السائل يقول: ما هي التجارة؟ قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:١١ - ١٢] فلما علم الله من أوليائه أنه يحبهم وأنهم يحبونه، قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [الصف:١٣] فما علموا ما هي الآخرى حتى بينها الله ، فإذا هي خصلةٌ من الجهاد ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] ولكن النصر والفتح القريب من الله ينزله على أوليائه متى شاء، فتقدم أهل السلاح يحملون أرواحهم على أكفهم وفتح الله لهم السوق، فأتوا من الصباح، فعرضوا السلعة، وقالوا: من يشتري؟ قال الله: أنا أشتري، والشاهد محمد ﷺ وأما الثمن فالجنة، وأما السلعة فأرواحكم، قال: تبيعون؟ قالوا: نبيع، فتبايعوا في السوق، ثم قام الأولياء عن الرسول ﵊، فقال: هل تريدون أن تردوا البيعة؟ قالوا: لا، ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، وتمت البيعة، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإذا تفرقا فقد وجب البيع.
ومن الذي باع الحياة رخيصةً ورأى رضاك أعز شيءٍ فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيراً
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
стр. 6556
موقف للبراء بن مالك في جهاد الكفار
حضر المسلمون معركة تستر بين المسلمين والكفار، وكان قائدها أبا موسى الأشعري فالتقوا، فإذا جيش الكفار أكثر من المسلمين، قال: يا براء بن مالك! تعال.
والبراء بن مالك ثيابه مقطعة، ليس عنده دراهم، ولا قصر أو سيارة ولا رصيد أو شيكات، ولا شيء عنده إلا لا إله إلا الله، قالوا: نسألك بالله أن تقسم على الله اليوم أن ينصرنا، قال: سبحان الله! قالوا: الرسول ﷺ أخبر أنك إذا أقسمت على الله أبر قسمك، ففي صحيح البخاري: ﴿أتي رسول الله ﷺ بأخت البراء يريد القصاص منها، لأنها كسرت ثنية امرأة أخرى، فقال ﷺ للمرأة هذه أن تأخذ دية، وهي تقول: لا بد أن تكسر ثنية الربيِّع أخت البراء، فقال ﷺ : لا بد من القصاص، حكم الله، قال البراء بن مالك: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيِّع؟ قال: نعم قال: والله لا تكسر ثنيتها -سبحان الله! يحلف على أمر عظيم- قال الرسول ﷺ : اذهبوا إلى تلك هل ترضى بالأرش، بعد ما حاور، فذهبوا، فرضيت، قال ﵊: ربًّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك﴾ ودخل عليه أخوه أنس وإذا هو رافع رجلاً على رجل، وهو منقعر على ظهره، ويرفع النشيد الإسلامي داخل البيت، قال أنس: تنشد وأنت من الصحابة؟! لكن كان نشيده إسلامياً قوياً، كان نشيده يصل إلى القلب، كان نشيده من النشيد الخالد مثل:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
كان نشيده مثل نشيد علي ﵁:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث غابات كريه المنظره
أكيلكم بالسيف كيل السندره
ونشيد جعفر:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبةٌ وباردٌ شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
ليس نشيداً ميتاً، كنشيد الطعام والشراب، أو نشيداً من الذي يميت القلوب، فهذا لم يكن عندهم، قال: تنشد وأنت من الصحابة؟! فقال: اسكت عني، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد قتلت مبارزة مائة فارس، ولن أموت إلا شهيداً، فحضروا تستر، قالوا: تقدم، قال: انتظروني قليلاً، فانتظروه، فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتحنط وتطيب، قال: [[اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا وأن تجعلني أول قتيل]] وبدأت المعركة وقتل أول الناس وانتصر المسلمون: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 6557
ألا إن سلعة الله الجنة
قال ابن القيم: إن سلعة هذا شأنها لقد هيئت ليوم عظيم وخطب جسيم.
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
فثمن الجنة هو بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق (من يزيد) فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون: أهل الأغنيات الماجنات، والمجلات الخليعات، وترك الصلوات، وأهل الكيرم والبلوت، وتقدم لها أهل لا إله إلا الله، وأهل إياك نعبد وإياك نستعين من أمثال خالد وسعد وعلي وبلال.
إن دندن الطبل في الخراب دندنا آيات حق علي وبلال دندنها
وقام المحبون ينتظرون من أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم، فتقدم الصحابة: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] فأتى أبو بكر بجسمه النحيف، فباعه إلى الله، فكان صدِّيقاً، وأتى عمر، فقاتل في الغزوات، فاغتيل في المحراب، وأتى عثمان فضرج بالدماء على المصحف، وأتى علي، فاغتيل في الكوفة مع صلاة الفجر، لأن نفوسهم قد بيعت بعقد ثابت، والله رضي العقد وشهده جبريل والملائكة، فأما أرواحهم فهي في حواصل طير خضر ترد الجنة وتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
قال: لما كثر المدعون للمحبة، طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، ولو أعطي الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فتقدموا بالشهود، قيل: ما شهودكم؟ قالوا: شاهدان عدلان، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، قالوا: ما هي؟ قالوا: قال الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فاتبعوه ﵊، فأوصلهم إلى رضوان الله، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسل، وجلس البطالون، وتقدم المؤمنون، فهذه سلعة الله عرضت في سوق الجائزة، فكسبها أصحاب الرسول ﷺ وفازوا بها، وطمأنهم الله على ذلك، فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
حضر جابر بن عبد الله وكان أبوه على الجمل في أحد فقال أبوه: يا جابر، انتظرني قليلاً، فذهب جابر في طلب مخيم الجيش، لأنه صغير في تلك الفترة لا يستطيع أن يقاتل مثل أبيه، وما بقي إلا ساعة وأتى، وإذا الجمل واقف، والرسول ﷺ جالس عليه الكآبة والحزن والصحابة جلوس، قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: أبوك هذا، فإذا هو قد ضرب ثمانين ضربة، وإذا هو مغطى بثوب بين يدي الرسول ﵊، قال: فكشفت عن وجه أبي، فإذا هو قد قتل، قلت: يا رسول الله! هذا أبي؟ قال: هذا أبوك، قال: فأخذت أبكي وأخذ الناس ينهونني، ورسول الله ﵊ لا ينهاني، فقال له الرسول ﵊: ﴿يا جابر! ابك أو لا تبك، فوالذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده يا جابر! لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان﴾ يكلمه الله مباشرة، من فوق سبع سماوات، ويكلمه بلا ترجمان، يقول الله له: تمن، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فأنزل الله قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠].
فحيهلاً إن كنت ذا همةٍ فقد حداك حداة الشوق فاطو المراحلا
وقل للمنادي حبهم ورضاهمُ إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
وقف ابن القيم يحيي أصحاب الرسول ﵊ ويقول:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألمُ
لأنتم على قرب الديار وبعدها أحبتنا إن غبتم أو حضرتمُ
اللهم اجمعنا بهم في الجنة، اللهم أدخلنا في زمرتهم، اللهم اسقنا من حوض نبيك ﵊.
стр. 6558
من مواقف السلف في الجهاد
ثم يقول ﵊: ﴿انتدب الله -أي: هيأ الله- لمَن خرج في سبيلي لا يخرجه إلا إيمان بي﴾ لا لشعار باطل، أو من أجل التراب، والقومية، ولكن من أجل لا إله إلا الله: ﴿وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي، ما قعدت خلف السرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل﴾ قال ابن كثير: وقد رزقه الله الشهادة ﵊، فإنه مات مسموماً شهيداً، وقال ﵊: ﴿مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم﴾ صائم النهار قائم الليل القانت بآيات الله، لا يفتر عن صيام ولا صلاة حتى يرجع، وتكفل الله للمجاهد في سبيله بأن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجرٍ أو غنيمة.
стр. 6559
ابن المبارك ورسالة إلى الفضيل
أحد الخلفاء المسلمين لما دعا بالجهاد في حدود الروم، كان ابن المبارك المحدث الزاهد العابد يفتي في الحرم، فسمع داعي الجهاد، فخرج من الحرم، وأخذ بغلته وركبها، ولبس السيف والدرع، قال له أهل مكة: ابق معنا يا بن المبارك قال: والله لا أبقى
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
وذهب يقاتل، يقول عنه تلاميذه: كان من أشجع الناس، قتل في اليوم الأول سبعة فرسان، وأتته في أثناء المعركة رسالة من الفضيل بن عياض من الحرم، يقول فيها: يا بن المبارك تركت الحرم والعلم والفتيا، فكتب ابن المبارك رسالة إليه يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطلٍ فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
فلما أتت الرسالة للفضيل بكى وبلها بالدموع ﵃ وأرضاهم.
يقول أحدهم:
أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا أوطانهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
ووافت أحدهم ميتته قتيلاً وشهيداً في سبيل الله في قندهار، فلما حضرته سكرات الموت، قال: بلغوا بناتي السلام وأنا في قندهار، ثم قال:
بـ قندهار ومن تكتب منيته بـ قندهار يرجم دونه الخبر
يقول: أين أنا وأين هم؟ هو في قندهار، لكن في سبيل الله.
خرج سعيد بن عثمان بن عفان غازياً في سبيل الله، وكان مالك بن الريب قاطع طريق في حدود خراسان يسرق القوافل، لا تمر قافلة إلا سرقها، وكان سفاكاً للدماء، فمر به سعيد بن عثمان ﵁ وأرضاه وناداه، فقال: من أنت؟ قال: مالك بن الريب فقال: وما عملك؟ قال: الله أدرى بعملي، قال: ألا تتوب؟ قال: كيف؟ قال: خرجنا نحن في سبيل الله، قال: ماذا تريدون؟ قال: نبيع أنفسنا إلى الله، قال: سبحان الله! أنا آكل أموال الناس سرقة، وأنتم تبيعون أنفسكم إلى الله، اللهم إني أشهدك أني تبت إليك، فتاب وأناب، وذهب معهم، وقاتل معهم الكفار، وبعد المعركة وهو راجع لدغته حية، فأتوا به وهو في سكرات الموت، فقال قصيدة من أعجب ما قيل في القصائد العربية يرثي نفسه، يقول فيها:
وأشقر خنذيذ يجر لجامه إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا
فلله دري يوم أترك طائعاً بني بأعلى الرقمتين وداريا
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
إلى آخر ما قال، وهي أبيات تقطع القلب تقارب الثلاثين بيتاً.
стр. 6560
عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة
يقول ﵊: ﴿لغدوة في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ وسبب الحديث أن الرسول ﵊ ودع الصحابة صباح الجمعة للغزو في سبيل الله في مؤتة بعد صلاة الفجر، ثم قام وخطب الناس، وقال: يا أهل مؤتة! قائدكم زيد بن حارثة، فإن قتل فـ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فـ عبد الله بن رواحة، ثم أرسلهم على بركة الله، فودعوه ومشوا، فلما مشوا تخلف ابن رواحة ليصلي الجمعة مع الرسول ﵊، وظن الرسول ﷺ أن ابن رواحة قد مضى، فصلى ﷺ الجمعة، وإذا ابن رواحة يودعه بعد الصلاة ويعانقه، قال: ﴿أما ذهبت مع أصحابك؟﴾ قال: وددت يا رسول الله! أن أراك آخر ما أراك على المنبر، فقال ﷺ : ﴿لقد فاتتك غدوة في سبيل الله، لغدوة أو روحة في سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ فقال الصحابة: يا بن رواحة تعودون بالسلامة إن شاء الله، قال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغ تقذف الزبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا
فرزقه الله الشهادة، يوم ورد المدينة ينظر إلى الناس ويبكي ويقول:
خلف السلام على امرئ ودعته في النخل خير مودعٍ وخليل
يعني: الرسول ﵊، فنسي أهله وأطفاله وزوجته وإخوانه، وتذكر الحبيب ﵊، وأتى إلى المعركة، وكان يصوم -كما في البخاري - في السفر، وحضر المعركة مع صلاة المغرب وكان صائماً، فأتته النوبة، فقد قتل زيد بن حارثة أول النهار، وتقدم جعفر فقطعت يداه، واحتضن الراية، فقتل، فلما أتى الغروب، قال المسلمون: يا بن رواحة! يا بن رواحة، وإذا هو يأكل مع الغروب، لأنه يريد أن يتقوى، كان يأخذ من عرق بيده من اللحم، فلما سمع جلبة الصفوف ينادونه، ما عاد للطعم مذاق، وانتهى طعم الأكل، انتهى الطعام والشراب، أقبل على الجنة، فرمى ما في يده وأخرج اللقمة وقال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أقبل الناس وشدوا الرنة
مالي أراك تكرهين الجنة
هل أنت إلا نطفة في شنة
فقاتل وقتل، وقام ﵊ في المدينة وقد أراه الله المعركة من وراء ما يقارب ألف ميل، وعلم ما جرى في نفس اللحظة فقام وأخبر الصحابة، وقال: ﴿ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تقدم زيد بن حارثة ثم بكى ﵊، لأنه رأى أسامة، قالوا: ما لك يا رسول الله؟ قال: شوق الحبيب إلى حبيبه، قال: فقتل، وتقدم جعفر الطيار، فقتل، وقد أبدله الله بيديه جناحين في الجنة يطير بهما في الجنة حيث يشاء، ثم تقدم ابن رواحة فقتل، والذي نفسي بيده لقد رأيتهم على أسرة ثلاثة من ذهب قد دخلوا الجنة﴾ ثم يقول ﷺ في آخر كلامه: ﴿وتقدم خالد بن الوليد وهو سيفٌ من سيوف الله سله الله على المشركين، فأخذ الراية من غير إمرة، وفتح الله عليه﴾ فهذه بعض المواقف للمجاهدين المسلمين.
ويقول ﵊ فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿أيما عبدٍ من عبادي خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له -إن أرجعته- أن أرجعه بما صاب من أجرٍ أو غنيمة، وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة﴾ أخرجه النسائي.
يقول أنس بن مالك: لما التقى المسلمون في اليمامة مع مسيلمة الكذابة، قال ثابت بن قيس بن شماس: يا أيها الأنصار! انتظروني، فانتظروه، فذهب فاغتسل وتحنط، ثم أخذ سيفه، وقال: بئسما عودتم أقرانكم، وبئس ما فعلتم، يقصد: مسيلمة، ثم قاتل ﵁ وأرضاه، وقال بعض المؤرخين: حفر لقدميه في الأرض، ثم غرس قدميه، ثم ثبت في المعركه يقاتل حتى قتل في سبيل الله.
стр. 6561
من أحاديث المصطفى ﷺ في الحث على الجهاد
وقال ﷺ : ﴿جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم﴾ رواه أحمد وهو صحيح، المجاهد لا يجد هماً ولا غماً، وهذا مجرب، وسلوا من ذهب إلى أفغانستان، فإن عندهم الخبر اليقين، وقال ﵊: ﴿أنا زعيم -والزعيم هو الذي يقوم بالضمان- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت بربض الجنة -في أسفل الجنة- وببيت في وسط الجنة، وأنا زعيمٌ لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة، من فعل ذلك، لم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت﴾ رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم وهو صحيح صححه ابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي، وقال ﷺ : ﴿من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة -مقدار ما تحلب الناقة- وجبت له الجنة﴾ حديث صحيح رواه أبو داود والدارمي والنسائي، وصححه ابن حبان ورواه أحمد وغيرهم.
كان أبو بكر يودع أسامة ﵁ وأرضاه، وأسامة يذهب لتنفيذ وصية الرسول ﷺ بعد وفاته ﷺ ، فقال أسامة: [[يا خليفة رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله]] وكأن أبا بكر ما غبر قدمه في سبيل الله، وهو الذي منذ أسلم وقدمه مغبرة في سبيل الله، وكأنه لم يقاتل في تلك الجبهات، وفي تلك الأيام المشهودة، وكأنه لم يقدم روحه في أكثر من غزوة يريد ما عند الله، فرزقه الله الصديقية العليا التي هي بعد النبوة مباشرة، يقول ﵊: ﴿إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة﴾ رواه البخاري في التوحيد (باب وكان عرشه على الماء) وأحمد من حديث أبي هريرة، يقول ﷺ : ﴿فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة﴾ وقال ﵊ لـ أبي سعيد: ﴿من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة﴾ فعجب أبو سعيد، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله، فأعادها، ثم قال رسول الله ﵊: ﴿وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾ رواه مسلم والنسائي، وقال: ﴿من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فُلُ -ترخيم يا فلان- أي فل هلَّم؛ فمن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم.
وأرجو أن تكون منهم﴾ رواه البخاري ومسلم والنسائي.
أبو بكر ﵁ وأرضاه يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية، لأنه صادق مصل صائم مجاهد ذاكر، كل شيء فيه، يضرب في كل غنيمة بسهم، فهو الذي اكتملت فيه أعمال الخير، وقد صح عند مسلم أن الرسول ﵊ قال للصحابة: ﴿هل زار أحد منكم مريضاً اليوم؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله! قال: هل شيع أحد منكم جنازة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: هل تصدق أحدٌ منكم بصدقة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: هل أصبح أحدٌ منكم اليوم صائماً؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة﴾ كان يجمعها كلها مع أنه كان هزيل الجسم ضعيف البنية، لكن -سبحان الله! - قلبه فيه همة تمر مر السحاب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] وقال ﵊: ﴿من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فسبعمائة﴾ هذه سبعمائة تتكرر كثيراً، يقول : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
جاء أعرابي والرسول ﵊ يدعو إلى البذل في سبيل الله، وليس عند الأعرابي شيء، قال: ﴿يا رسول الله! والذي نفسي بيده ما عندي من الدنيا قليل ولا كثير، ولكن عندي هذه الناقة، فخذها في سبيل الله، قال ﵊ -وكانت الناقة مخطومة بليف- فإن لك بها عند الله يوم القيامة سبعمائة ناقة في الجنة﴾ حديث صحيح، فهذا جزاؤه عند الله ، لأنه قدم ما عنده، ﴿ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضاً، أو أماط الأذى عن طريق؛ فله الحسنة بعشرة أمثالها، والصوم جنة، ومن ابتلاه الله بجسده، فهو له حطة﴾ أي: كفارة.
رواه أحمد في المسند من حديث أبي عبيدة وفي سنده عياض بن غطيف ويقال: غطيف بن الحارث ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، فلم يذكر فيه جرحاً، ولا تعديلاً، وباقي رجاله ثقات وفي الباب عند أحمد والترمذي والنسائي من حديث خريم بن ثابت مرفوعاً: ﴿من أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت له سبعمائة ضعف﴾ وسنده صحيح وقد صححه الحاكم.
стр. 6562
ضرورة تحديث النفس بالغزو في سبيل الله
يبقى هناك أمر عظيم وهو أن تحدث نفسك بالغزو في سبيل الله: ﴿من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿جاهدوا المشركين بأموالكم وألسنتكم﴾ وفي رواية: (وأنفسكم) وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ إذا سأل الإنسان الشهادة بصدق، أعطاه الله الشهادة ولو مات على فراشه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وقد ذكر ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل أبياتاً لأحد الشعراء، وقد ارتاح لها ابن تيمية، يقول فيها:
وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبه
يقول: يا ربي والله لو أدخلتني النار، لأقولن لأهل النار: أنا والله كنت أحب الله.
وأفنيت جسمي في أمورٍ كثيرةٍ وما منيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتمُ من كان فيها مجاهداً سيكرم مثواه ويحسن شربه
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
﴿أتى أعرابي إلى الرسول ﵊ فبايعه، فلما بايعه على الإسلام أعطاه مالاً، قال: يا رسول الله! ما على هذا بايعتك، بايعتك على أن يأتيني سهمٌ يقع هنا ويخرج من هنا -أي: في حلقه ويخرج من قفاه- قال ﵊: إن تصدق الله يصدقك﴾ فأتت المعركة، فأتاه سهمٌ وقع في لبته وخرج من قفاه، فقال ﵊ والرجل قد أصبح قتيلاً: ﴿صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله﴾ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
فتحديث النفس بالغزو والجهاد وإعداد الجيل وإعداد الأمة، وإخراج جيل يجاهدون ويقاتلون ويحملون لا إله إلا الله، هو الأمر المطلوب وهو المفروض علينا جميعاً، وقال ﵊ كما رواه أحمد والحاكم وهو حديث صحيح بمجموع طرقه: ﴿من أعان مجاهداً في سبيل الله، أو غارماً في غرمه، أو مكاتباً في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله﴾ فليس هناك ظل آخر، أرض المحشر كلها شمس تدنو من الرءوس إلا من أظله الله.
فنسأل الله أن يظلنا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ويقول ﵊ والحديث عند البخاري والترمذي وأحمد: ﴿من اغبرت قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار﴾ >
ابن المبارك لما ذهب إلى الجهاد مرَّ في الليل، فرأى قصر عبد الله بن طاهر أمير خراسان، قال: يا فلان، والله لليلتي هذه خيرٌ لي من قصر ابن طاهر، يا فلان ضيعنا حياتنا في المسائل وقال فلان وقال فلان، ما الحياة إلا الجهاد في سبيل الله؛ فرضي الله عنه وأرضاه، ويقول ﵊: ﴿لا يجتمع شحٌ وإيمانٌ في قلب رجل واحد، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في أنف واحد﴾ يقول ابن المبارك في قصيدته:
ولقد أتانا من كلام نبينا قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ
لا يجمعان غبار خيل الله في أنف امرئٍ ودخان نارٍ تلهبُ
ابن المبارك من أكبر الشعراء، وهو عالم محدث، لكنه من أكبر الشعراء، وشعره من أجمل الشعر وهو صاحب: يا عابد الحرمين، وهو صاحب:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم
قوله للشيء لا إذاقلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
وهو الذي يقول:
إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهمُ كابن رحمٍ رفيقِ
ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق
وهو صاحب:
عجبت لدجال، يقصد: الجهم بن صفوان
عجبت لدجال دعا الناس جهرةً إلى النار واشتق اسمه من جهنمِ
إلى آخر تلك الأبيات الجميلة، غفر الله له وأكرم مثواه، وقد ذكر الإمام أحمد قوله ﵊: ﴿من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعةً من نهار، فهما حرامٌ على النار﴾ وذكر ﵊ قوله: ﴿لا يجمع الله في جوف رجل غباراً في سبيل الله ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله، حرم الله سائر جسده على النار، ومن صام يوماً في سبيل الله، باعد الله بينه وبين النار مسيرة ألف سنة﴾
اللهم باعد وجوهنا عن النار، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحرمنا على النار.
стр. 6563
مواقف لبعض الصحابة في اليرموك
قصة في الجرحى في سبيل الله من أعجب القصص، لما حضر المسلمون مع خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه معركة اليرموك، كان معهم الحارث بن هشام، أخو أبو لهب، كان من سادات مكة، كان يكسو الكعبة سنة وكفار قريش يكسون الكعبة سنة، قاتل الرسول ﵊ في الغزوات الكثيرة حتى هجاه حسان بقصيدة يقول فيها:
إن كنتِ كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشامِ
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجى بفضل طمرة ولجامِ
فلما أسلم الحارث بن هشام، أخبره بالقصيدة فبكى، وقال: والله لأجلون العار عن نفسي، يقول حسان: لمحبوبته: إن كنت كاذبة، فالله ينجيك مثل ما نجا الحارث بن هشام عنا يوم بدر يوم فر وترك أصحابه سبعين مقتلين، وهو من أفرس الفرسان، لكن غلبه حسان في الشعر، فبكى وقال: والله لأطهرن العار عن نفسي، فلما أتت معركة اليرموك، خرج من مكة، وكان يربي سبعين يتيماً في البيت، وكان من أغنى الأغنياء، وكان لا يشبع حتى يشبع كل من عنده في الدار، فلما خرج بكى اليتامى وتعلقت به الأرامل والمساكين قالوا: أين تذهب يا أبانا، قال: أذهب لأجلّي عني العار لأني أقسمت، فخرج إلى اليرموك، فلما أتى وقت الضائقة ووقت الشدة، لبس أكفانه، وقال للمسلمين: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم خرج، فقاتل قتالاً عظيماً ما سمع الناس بمثله، فقتل، فأتوا به، فحمله خالد بن الوليد وهو والحارث من أسرة واحدة، فاحتضنه، وقال: يا عماه! قتلت؟ قال: نعم قتلت جلوت العار عني
إن كنتِ كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشامِ
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا بفضل طمرَّة ولجامِ
يا خالد! هل رأيتني تركت الأحبة؟ فبكى خالد، وقال: لا والله ما تركت الأحبة، وإذا عكرمة بن أبي جهل الذي أبوه فرعون هذه الأمة يقول: من يبايعني على الموت؟ لأن الدائرة دارت على المسلمين في تلك الفترة، ولما رأى خالد جيش الروم، أقبل، قال: لا إله إلا الله يا خيل الله اركبي، وتقدم أحد الروم إلى فرس خالد الأشقر فطعنه، فوقع الفرس على وجهه، فإذا خالد على الأرض واقفاً، واعتزى خالد وصاح، فسمع صديقه عكرمة، فقال: من يبايعني على الموت؟ يظن عكرمة أن خالداً قتل، فتقدم عكرمة، فشقوه بالرماح، فحملوه شهيداً في آخر رمق إلى الحارث ووضعه خالد بجانبه، وبعد قليل إذا ابن عكرمة يهادى، وإذا رجل من المسلمين يؤتى به كذلك، قال خالد: ماذا تريدون؟ فالتفت إلى عكرمة وكان في الرمق الأخير وهو يشير إلى الماء يريد ماءً، فأخذ خالد ماءً بارداً من الخيمة وسلمه لـ عكرمة، فرفض عكرمة حتى يشرب الحارث عمه، فسلموها إلى الحارث، فرأى الشاب الصغير، فرفض حتى يشرب الشاب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] فأعطى الشاب، فرفض حتى يشرب المسلم، فأعطى المسلم، فامتنع، فأعطاه إلى الحارث، فوجده قد مات، فأعاده إلى عكرمة، فوجده قد مات، وإلى الشاب وقد تاقت روحه وخرجت ومات، وإلى المسلم، وقد انتهى، فانسكب الكوب من يد خالد وبكى وقال:
[[زعم الناس أنا لا نموت من ضرب السيوف لا ورب البيت بل قصعاً تحت الرماح]]
اللهم فاسقهم من جنتك، قال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩]
وذكر ابن ماجة ﵀ أنه ﵊ قال: ﴿من راح روحة في سبيل الله، كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسكاً يوم القيامة﴾ وهذا الحديث إسناده حسن، فيجعل الله مثل وزن هذا الغبار مسكاً.
стр. 6564
السلطان نور الدين وجهاده لأعداء الله
نور الدين محمود زنكي هذا كردي من الأكراد الذين قتلهم شر حكام العراق، وهو ابن عم صلاح الدين الأيوبي الذي فتح بيت المقدس وصاحب حطين.
ونور الدين زنكي أمره عجيب، يقولون: عدول العالم الإسلامي ستة: الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ونور الدين زنكي، كان إذا بقي من الليل ثلث، قام الحراس على قصره، فأيقظوا أهل مدينة دمشق وأيقظوا العسكر يصلون كلهم في الليل حتى يأتي الفجر، كان يقاتل في سبيل الله في الغزوات، فجمع الغبار الذي اجتمع له من الغزوات وصنعت منه لبنة له، وجعلت عند رأسه في القبر، هذا الغبار الذي كسبه في المعارك من ثيابه، ومن خوذه، وملابسه على فرسه؛ جمعوا منه لبنة توسدها ﵁ وأرضاه.
نور الدين محمود له قصة عجيبة، وهي قصة القبر وهي أن بعض الناس من النصارى أرادوا الاعتداء على قبر الرسول ﵊ وأخذ جثمانه الشريف ﵊، وكان نور الدين محمود في دمشق، فرأى في المنام أن الرسول ﵊، يقول: أنقذني يا محمود! فقام، فسأل العلماء، فقالوا: قبره يؤذى ﵊، فجهز جيشاً عرمرماً، ودخل المدينة وطوقوها بالجيش، ودعا الناس إلى وجبة الغداء، وقال: من تخلف فاقتلوه، فأتى الناس جميعاً إلا مغربيين في مسجد الرسول ﷺ تظاهرا بالعبادة، وهم نصارى، لكن تظاهروا بلباس المسلمين، قال: هل بقي أحد؟ قالوا: ما بقي إلا مغربيان، قال: عليَّ بهما، فلما أُتي بهما، فإذا هما كما رآهما في المنام بجانب الرسول ﵊، وهو يقول: أنقذني ويشير إلى الاثنين، فسألهما، فلم يخبرا، قالوا: عباد وزهاد، فأمر الجنود أن يجلداهما بالسياط، فجلدوهم فاعترفوا، فذهب فوجدهم قد حفروا تحت البساط إلى قبره ﵊، فصب ما حول القبر قيل: بالرصاص وقيل: بالفضة، فهو هناك إلى الآن.
نور الدين محمود كان عنده مهرجان، وقد جمع الجيوش بعد فتح بعض المدن، فقام أحد الحكماء، وقال:
مثَّل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمورُ
إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي وما لك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدورُ
فبكى حتى سقط من على كرسيه على وجهه ورشوه بالماء، كان من أخشع الناس لله والشاهد هذا الغبار، وأتى ابن عمه صلاح الدين الأيوبي ﵁ وأرضاه، ففتح فتحاً ما سمع الناس بمثله، فرفع الله منازلهم وجمعنا بهم في عليين، يقول بعض المؤرخين: نور الدين لما مات، رؤي في المنام وهو يطير من شجرة على شجرة، قيل: أأنت نور الدين محمود؟ قال: أنا نور الدين محمود، قالوا: أين أنت؟ قال: أما كان في الحديث يقول ﵊: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ وهذا ذكره ابن كثير، لكن ما ذكره في ترجمة نور الدين محمود، بل ذكره في ترجمة رجل من الأكراد في أول المجلد الرابع عشر، أو آخر الثالث عشر، والصحيح أنها في نور الدين محمود، وقصة القبر ذكرها السهيلي، قصة القبر، وأنا ذكرتها بمن رواها في شريط: (قتل المجرمين عدالة) ومن خرجها، فمن أراد أن يراجع هذه القصة فليراجعها في شريط: (قتل المجرمين عدالة) وقال ﵊: ﴿ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار﴾ رواه أحمد في المسند، يقول هنا: ما في بطن الإنسان من خوف أو جزع، وليس الرهج هنا الغبار، لكن الرهج في غير هذا الحديث الغبار، (رهجُ السنابك) هو الغبار، ولكن حين أتى مع القلب يصرفه إلى الخوف والجزع، فهو من أسماء المعاني لا من أسماء الذوات التي هي الغبار، وعرف بالسياق، فليعلم هذا أيها الإخوة الأجلاء.
стр. 6565
الأسئلة
стр. 6566
التدرب على السلاح
السؤال
أرجو أن تنبه على هؤلاء الإخوة بأنه قد فتح هذا اليوم مكتب تدريب المتطوعين وذلك في خميس مشيط سلاح المهندسين؟
الجواب
أنا أنبه الآن أن هذا مشروع موفق، وأن هذا يهاب به ويشاد ويشكر من قام به ومن أمر، نسأل الله لهم الرشد والسداد والصلاح ظاهراً وباطناً، فمن لوازم المسلم أن يذهب وأن يتعلم حمل السلاح، ويتدرب، فإنها فرصة، لأن السلاح أصبح متطوراً ومعقداً، ولو مدة شهر كل يوم ساعتين من الرابعة إلى السادسة عصراً، وسوف يكون هناك إن شاء الله حضور من بعض الدعاة وطلبة العلم، وتوجيه بعض الكلمات في التوحيد والتوكل على الله وفي التوبة والعقيدة، ومع ذلك توجيه إلى آداب الجهاد وسنته ﵊ وآدابه في ذلك، وهي أيام مشهودة وفاضلة، فمن ذهب فلينو نية صالحة وصادقة، ويريد بهذا أن يحدث نفسه بالغزو، وأن يتهيأ للشهادة في سبيل الله، وأن يتهيأ للقتال تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 6567
ضرورة التوكل على الله
السؤال
أرجو أن تنبه الناس على الاعتماد على الله لا على الاعتماد على غيره؟
الجواب
أنا تكلمت في أول الحديث عن الاعتماد على الله، وهو الركن الذي لا يغلب: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] فالناصر هو الله وأقول: لا بد للناس أن يقفوا مع التوكل كثيراً، وأن يعودوا بأنفسهم إلى مسألة التوحيد، وهذا ينبه على الدعاة وعلى طلبة العلم أن يكرروها في دروسهم ومحاضراتهم وندواتهم كثيراً، ويلزموا الناس بها، ويشدوا من الأزر في هذه مثلاً، لأنه وجد خور في بعض الجوانب عند الناس، بعض الناس خاف من الموت، وبعضهم هلع، وبعضهم يقول: نحن مغلوبون، وهذا خطأ، وهذا قاله بعض المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] وأما الأتقياء فقالوا كما قال أصحاب الرسول ﵊: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢].
стр. 6568
توقع نتائج حرب الخليج
السؤال
بعضهم يتساءل ما هي النتائج التي تتوقعونها في الخليج؟
الجواب
الله أعلم ولا يعلم الغيب إلا الله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥].
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ
تقضون والفلك المسير ساخرٌ وتقدرون وتضحك الأقدار
والأمم والشعوب والدول والحكومات كالذر، فالله بكلمة كن فيكون يغير الأمور، أبرهة الأشرم أتى لمهاجمة الحرم فأتى الخبر عبد المطلب جد الرسول ﵊، وأبرهة الأشرم كانت عنده قوة، فالفيل في تلك الأيام لا يطاق مثل: الكيماوي، فالعرب لا تدري ما هو هذا الفيل، فلما دخل وادي محسر وقف الجيش، فأتى الخبر لـ عبد المطلب، قال: لا نستطيع لـ أبرهة، والحكمة أن نخرج بأطفالنا ونسائنا إلى رءوس الجبال، لكن قبل أن نخرج اتركوني ألقي أبياتاً وقد كان مشركاً، لكن أراد أن يوصي بها، فذهب إلى الكعبة، فأخذ بحلقة الكعبة وقال:
يا رب إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
وقد كان عبد المطلب مشركاً ولكن فيه نخوة وشجاعة وشهامة، وكان من سادات العرب:
يا رب إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك
فنحن لا نستطيع القتال، وأما هو فذهب إلى أبرهة، وسمع أبرهة أنه قادم، وقال حراس أبرهة وهو جالس في طرف وادي محسر وقد نزل في خيام وهيلمان وألوف من الجنود، قالوا: عبد المطلب أقبل، قال: من؟ قالوا: شيخ مكة، فظن أبرهة أنه جاءه يفاوضه مفاوضة سلمية في ترك بعض الأراضي والوقوف حتى يأتي ويصلح بينهم، فوصل عبد المطلب، فلما وصل قام أبرهة وأجلسه على السرير، ثم نزل معه، رآه جليلاً وشيخاً وفيه وقار، وكان سيداً من السادات، حتى يقول ﷺ : ﴿أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب﴾
قال: ماذا تريد؟ قال: أريد إبلي عندي مائة ناقة أخذها جنودك، قال أبرهة: ظننت أنك عاقل أتيت أهدم بيتك وبيت آبائك وأجدادك، وأتيت تكلمني في الناقات، أعطوه الإبل، فأعطوه الإبل، قال: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه، ثم تولى، فتقدم أبرهة، فوجهوا الفيل إلى البيت، فرد الله رأسه إلى اليمن، ضربوه فرفض، فتقدم أبرهة والجيش وتركوا الفيل، فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل، يقول بعض المفكرين العصريين: الأفواج الاستطلاعية، والمفسرون من السلف على قسمين: قسم يقول: خلقها الله من البحر، وقسم يقول: خلقها الله تلك اللحظة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وفي الصباح يقف عبد المطلب يتباكى هو والنساء والأطفال في رءوس الجبال، وإذا بجبال مكة تمتلئ من هذه الطيور، ويأتي كل طير معه حجر كالحمصة بين أرجله مكتوب عليها اسم الجندي، فلان بن فلان صاحب الحفيظة كذا ورقم الهاتف كذا، يعني: حجر أبرهة يهوي عليه لا على غيره، وعلى الجندي الذي في الطابور الخامس فلا تأتي إلى الطابور السادس، فسحقهم الله، ثم يقول الله للرسول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] أما سمعت؟ أما حدثك أشياخ مكة ماذا فعلنا بعدوهم؟ لأن أبا جهل يقول: يا محمد لو اتبعناك تخطفتنا العرب ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧] يقول: أوما سمعت ماذا فعلنا؟ أما قرأت الأخبار؟ أما أتى في التاريخ؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] سماهم أصحاب الفيل تهويلاً لهم، ولم يقل أصحاب أبرهة، مثل: الناس معهم حمار يقال لهم تصغيراً أصحاب الحمار: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] بعض أهل العلم يقول: كانت هذه إذا رمت عادت فأخذت حجارة من جديد أي: أنها تعود إلى قواعدها وتتحمل مرة ثانية، وهذه هي التي ما شوهدت في التاريخ، وما صنعت في المصانع، وما عرفت إلا الغارات الموفقة، وما أخطأت واحدة منها، وهي عناية الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
ونستودعكم الله على أمل اللقاء بكم، وشكر الله لكم تعاونكم وحضوركم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الشهداء في سبيله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6569
الباحثون عن الحقيقة
إن أكبر قضية في حياة الإنسان هي قضية البحث عن الهداية ومعرفة الله وإفراده بالعبودية والتوحيد، والذي يريد الهداية عليه أن يحرص عليها ويلتمسها في مظانها، ويدعو الله أن يثبته عليها، فإن من طلب الشيء وجده، ولنا أسوة حسنة في صحابة رسول الله ﷺ في البحث عن الهداية، أمثال سلمان والطفيل بن عمرو الدوسي وغيرهما، فيجب علينا أن نتأسى بهم، وأن نبحث عن الهداية وأسبابها ونتجنب موانعها.
стр. 6570
البحث عن الهداية
الحمد لله رب العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
والصلاة والسلام على رسول الله خير من تكلم بالقرآن وفهمه وبلغه، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس: إن أكبر قضية في حياة الإنسان، هي قضية البحث عن الهداية، وقضية معرفة الله ، فإنه لا أكبر من الله، فلا إله إلا الله، ولا إله غير الله.
الله ربي لا أريد سواه هل في الوجود حقيقة إلا هو
قد ضل من يرجو سواه وأفلست من كل خير في العلا يمناه
يقول عز من قائل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنعام:١٩] ولذلك كانت هذه القضية هي القضية الكبرى التي ينبغي للمسلم أن يبحث عنها، فأين الباحثون عن الحقيقة الكبرى؟
وأين الملتمسون للهداية؟
وأين المتطلعون إلى معرفة الله؟
стр. 6571
بحث سلمان عن الهداية
لنقف اليوم مع بعض أولئك النفر الصالحين، مع المتلمسين للهداية، والباحثين عن الحقيقة.
وفي مقدمتهم، وفي أولهم سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه، سلمان ابن الإسلام الذي لما اجتمع مع نفر من العرب فسألوه عن نسبه، حيث يقول هذا: أنا قرشي، وذاك يقول: أنا قيسي، وذاك يقول: أنا تميمي، فقال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
هو لا يعرف إلا الإسلام، فأبوه الإسلام، وأمه التقوى.
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
أتى من أرض فارس، يتلمس الهداية، ويطلب النور ويريد لا إله إلا الله، وأبو جهل وأبو لهب وأبو طالب، عند الركن اليماني والحجر الأسود يبغضون لا إله إلا الله ويحاربونها، فعجباً كيف يقود قدر الله وهدايته واصطفاؤه هذا الرجل من وراء بلاد فارس، ليكون من حماة الإسلام؟ وكيف تطرد قدرة الله وعنايته هذه الشرذمة وهم عند الحجر الأسود والركن اليماني، فيموتون ويكون مصيرهم إلى نار جهنم.
كان سلمان يعبد النار من دون الله الواحد القهار.
وأصبح عابدو الأصنام حماة البيت والركن اليماني
يقول عن نفسه: كنت مع أبي وكان من سدنة النار التي يسجد لها المجوس من دون الله فانشغل ذات يوم من الأيام في شغل له في مال؛ فأرسلني لأوقد النار مكانه، قال: فذهبت فأوقدت النار، فمررت في طريقي؛ فوجدت قوماً من النصارى يعبدون الله على دين المسيح عيسى بن مريم ﵇، قال: فأعجبتني عبادتهم، وتلهيت معهم ساعة، وعدت إلى أبي في المساء، فقال لي: أين كنت؟ فأخبرته الخبر، قال: فحبسني ووضع الحديد في رجلي -لأنه خرج عن دينه، وخاف أن يرتد عن دين المجوسية، وهكذا حماس أهل الباطل لباطلهم، فأين حماس أهل الحق لحقهم؟
قال: فسألت الناس هل هناك من دين مثل هذا الدين في غير هذه الأرض؟ قالوا: نعم في الشام في سوريا، قال: فمر بي ركبٌ فوضعت الحديد من رجلي وركبت معهم وتركت أبي وأهلي لألتمس الدين الحق، قال: فأركبوني معهم حتى نزلت بـ الشام، فأنزلوني عند راهب في صومعة، فجلست عنده، فوجدته رجل سوء شريراً يأمر الناس بالصدقة ويأكل أمولهم، ويأمرهم بطاعة الله ويعصي الله في الخفاء.
قال: فلما مات حملوا جنازته، وحفروا له قبراً، قلت: لا تسرعوا إن هذا رجل سوء، عنده سبع قلال من المال من الذهب والفضة، وأريتهم إياها، فرجموه بالحجارة، ولعنوه وصلبوه، قال: ثم سألت الناس، فدلوني على راهب في العراق، فذهبت إلى ذاك الراهب في صومعته؛ فوجدته من أعبد الناس لله ومن أصدقهم لمولاه، ما رأيت رجلاً غير المصلين أفضل منه -يستثني المسلمين- قال: فكنت معه بأحسن حال، فلما دنت منه الوفاة، قلت: إني صاحبتك وإن للصحبة حقاً، فدلني على رجل صالح، قال: فدلني على رجل صالح آخر فذهبت إليه، فوجدته كصاحبه في الصلاح والعبادة، فلما دنت منه الوفاة -وللفائدة فإن سلمان عاش ثلاثمائة سنة في الجاهلية، والمجوسية والنصرانية، وفي الإسلام، فهو مجرب كل التجارب، وهو مخضرم أكل عليه الدهر وشرب، واستقرأ الحوادث والوقائع والأيام، وخرج بنتيجة أنه لا دين إلا دين الله الذي رضيه للناس- قال: فلما دنت منه الوفاة، قلت: بحق الصحبة معك، دلني على رجل صالح في الأرض، قال: لا أعلم راهباً بقي في هذه الأرض، ولكن هذا زمان مبعث رسول يرسل من العرب، قد أظلك زمانه، وهو يخرج في هذه الأيام، وسوف يهاجر من بلاده إلى أرض ذات نخل بين حرتين، أرض شديدة الحرارة، فإذا سمعت به فاذهب إليه.
قال: فاشتغلت ببعض الكسب فحصل لي بعض الأموال من البقر والغنم، فتعرضت على ساحل البحر، فوجدت أناساً من العرب من التجار؛ فأعطيتهم الإبل والبقر والغنم أجرة على أن يحملوني إلى الجزيرة، قال: وكانوا ظلمة، وادعوا أني عبد لهم -وما أصابته عبودية ولا رق إلا لله ﵎ قال: فلما نزلنا ظلموني وباعوني من رجل من أهل وادي القرى قريباً من المدينة -وانظر إلى عناية الله كيف يقربه ﵎ من المدينة - قال: فأتى رجلٌ من اليهود في تلك الليلة من أهل المدينة، فاشتراني من هذا الرجل في وادي القرى؛ فذهبت معه، فكنت أجذ له النخل، وأسقي له على الناضح، وأشتغل له في الزراعة، وأتلمس الأخبار، وأتسمع الأنباء عن مقدم رسول الله ﷺ .
قال: وبينما أنا في النخلة، وإذا بيهودي آخر أتى يستهزئ ويستهتر على اليهودي الثاني صاحب المزرعة، ويقول: أتى جد بني قيلة -وبنو قيلة: هم الأنصار، وجدهم أي: حظهم، أي: رسول الله ﷺ قال له: أقدم اليوم؟ قال: نعم قدم، قال سلمان: فو الله ما إن سمعت كلامه وقع في أذني، حتى أصابتني رعدةٌ في جسمي فكدت أسقط من أعلى النخلة.
من الفرح لما وقع الخبر في أذنيه.
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ فزعت منه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
قال: فوقفت بجانب سيدي، وقلت: ما الخبر؟ فلطمني على وجهي لطمة أجلستني، وقال: عد إلى شغلك، ما شأنك وهذا الشأن؟ قال: فعدت، وكان آخر الرهبان الثلاثة أخبرني بعلامات الرسول ﷺ وهي ثلاث علامات:
أولها: أنه لا يأكل الصدقة.
وثانيها: أنه ﷺ يقبل الهدية.
وثالثها: أن بين كتفيه خاتم النبوة.
قال: فلما أظلم الليل أخذت مكتلاً معي من تمر، وأتيت به رسول الله ﷺ وهو في قباء حيث بنو سلمة في أعالي المدينة، فسلمت عليه؛ فرأيت وجهه ليس بوجه كذاب كأنه البدر.
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
فوضعت المكتل بين يديه، وقلت: سمعت أنكم غرباء قدمتم؛ فخذوا هذا التمر صدقة، قال: فأمسك ﷺ ولم يأكل، وقال لأصحابه: كلوا بسم الله، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، قال: ثم عدت إلى النخل فلما أتت الليلة المقبلة، حملت مكتلاً آخر، وأتيت به رسول الله ﷺ ؛ فوضعته بين يديه، وقلت: هذه هدية، فقال: بسم الله وأكل، فقلت: هذه الثانية.
قال: ومشيت وراءه فأخذ يلمحني بعينيه ﷺ ، وعلم أنني أريد أن أرى خاتم النبوة بين كتفيه؛ فرفع رداءه ﷺ فرأيت خاتم النبوة بين كتفيه، فانحنيت عليه أبكي وأقبله، قال: فهداني الله وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأعتقني ﷺ .
وسار سلمان في طريق الهداية، وتوجه رسول الله ﷺ بتاج: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ فهو من أهل البيت نسباً في التقوى، وسلالة عريقة في النجابة والنبل والجهاد، وهو من أهل البيت في العبادة والطهارة والنزاهة، ولذلك كان من أصدق الناس مع رسول الله ﷺ .
فيجب علينا أن نتأسى به في طلب الهداية، والذي يحرص على الهداية ويلتمسها ويدعو الله أن يبلغه سبل الهداية يجدها، ويوفقه الله لها، ويعطيه الله ما تمنى، والذي يعرض عن الهداية، ولا يحرص عليها، ولا يريدها، يطبع الله على قلبه، ويسيء ذكره، ويجعل الشيطان يستحوذ عليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ويقول عز من قائل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
فيا من يريد الهداية التمسها تجدها، فإن الهداية لا تتعلق بنسب ولا بمنصب ولا بولد ولا بمال ولا بجاه، ولكن الله ينظر إلى قلوب العباد، فإذا رأى قلباً يستحق الهداية أعطاه وأولاه واجتباه واصطفاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 6572
الطفيل بن عمرو الدوسي وقصة إسلامه
ورجل آخر، ورائد ثان من رواد الحقيقة ومن الباحثين عن النور، الطفيل بن عمرو الدوسي، كان يعيش في جبال السراة، لا يعلم أن هناك رسولاً، ولا كتاباً، ولا إلهاً، فلما أراد الله أن يهديه ويهدي قومه به، قدم مكة من السراة من جبال زهران في دوس قدم في التجارة؛ فرآه كفار قريش، فعلموا أنه سيد شريف لبيب، فخافوا عليه من الإسلام، فأتوا إليه وتجمعوا عليه، وقالوا: يا طفيل! أنت سيد في قومك، ومعنا هنا رجل كاهن ساحر، إذا سمعت كلامه فرق بينك وبين زوجتك، وبينك وبين أولادك، قال: فو الله ما زالوا يخوفونني به حتى جعلت القطن في أذني لئلا أسمع شيئاً.
قال: فكنت أرى رسول الله ﷺ ، ينزل يصلي في الحرم، وأرى علامات الصدق في وجهه، قال: فاقتربت منه -انظر إلى هداية الله كيف تقرب البعيد, وانظر إلى الشقاء كيف يبعد القريب- قال: فما زلت أتقرب منه، وقلت لنفسي: عجباً لي! أنا رجلٌ لبيبٌ وشاعر لا يخفى علي حسن الكلام من قبيحه، قال: فما زالت نفسي تحدثني حتى وضعت القطن من أذني، فاستمعت إليه وهو يقرأ القرآن، فوقع القرآن في قلبي، قال: فسلمت عليه؛ فرد ﵇، فأخبرته الخبر، وقلت: ما الذي تدعو إليه؟ فأخبرني ﷺ بالإسلام، فوقع حب الإسلام في قلبي، وهذه عناية الله واصطفاؤه، فقلت: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
قال: ﴿ممن الرجل؟ قلت: من دوس، فتبسم ﷺ ﴾ لأن دوساً تبعد الكيلو مترات عن مكة فيهدي الله منهم هذا الرجل وأهل البيت كفرة بالله العظيم، يعبدون الحجارة من دون الله، فقلت: يا رسو الله! ادع الله أن يجعل لي آية وعلامة وكرامة أدعو قومي بها، فقال ﷺ : ﴿اللهم اجعل له آية﴾ قال: فذهبت فلما انحدرت على قومي -في بلاد زهران - وإذا بالنور في وجهي أصبح مد البصر، فقلت: اللهم اجعله في غير وجهي، فإني أخاف أن يقول قومي: هذه مثلة أو مرض، فجعله الله في عصاي؛ فكان كالقنديل، فلما وصلت إليهم، أقبل أبي ودنا مني، فقلت: أنت مني حرام، وأنا منك حرام حتى تؤمن بديني، قال: وما هو دينك؟ فأخبرته، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قال: ودنت مني صاحبتي، فقلت لها مثل ما قلت لأبي، فشهدت أن لا إله إلا الله، ثم خرجت على قومي؛ فأخبرتهم الخبر فكفروا وأعرضوا، وعدت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! غلب الزنا على دوس، فادع الله عليهم، قال: فرفع يديه واستقبل القبلة، فقلت في نفسي: هلكت دوس، فقال ﷺ : ﴿اللهم اهد دوساً وأت بهم، اللهم اهد دوساً وأت بهم، اللهم اهد دوساً وأت بهم﴾ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
قال: فعدت إليهم، فآمنوا كلهم عن بكرة أبيهم، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقدمت بهم إلى رسول الله.
وبقي الباحث عن الحقيقة الطفيل بن عمرو الذي هداه الله إلى لا إله إلا الله وافياً مجاهداً عابداً، ناصراً لكلمة الحق، حتى أتت معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب الدجال، وقبل أن تصبح صباح المعركة نام الطفيل بن عمرو؛ فرأى في نومه كأن رأسه حُلق، وكأن طائراً خرج من فمه، وكأن امرأة أدخلته في فرجها، وكأن ولده يجري وراءه فلم يدركه -رؤيا في المنام- فأولها في الصباح، فقال: أما الطائر فروحي تخرج من فمي، وأما حلق رأسي فيقطع رأسي في سبيل الله، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تبتلعني فيها، وأما ابني الذي يجري بعدي فهو يطلب الشهادة ولا يوفق بها في هذه المعركة.
وابتدأت المعركة، وقتل الطفيل بن عمرو في سبيل الله، ومن أجل لا إله إلا الله، فكان ممن قال الله فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠] والبحث عن الحقيقة قائم لمن يريدها إلى قيام الساعة، وأتى الله بأجيال يحبهم ويحبونه، فمن أراد الله وفقه الله إليه، ومن أعرض عن الله استغنى الله عنه وطبع على قلبه وجعله من الأشقياء: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] ويهدي الله لفضله، ويمنح الله عطاءه من يريد عطاءه.
فيا أيها الجيل! ويا أيتها الأمة المباركة! ويا أيها الناس المحمودون بتقواهم وبعبادتهم! هلموا إلى الهداية، واطلبوا النور من الله الواحد الأحد، والتمسوها في كل حين وآن، في سجودكم، وأدبار صلاتكم، وصيامكم، وابتهالاتكم، علَّ الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 6573
أسباب الهداية
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! إن الهداية من أعظم ما يمن الله به على العبد، وإن لها أسباباً، فمن أسبابها:
أولاً: تلاوة كتاب الله وتدبره، والعمل به، ومن لم يتله فليعمل به، فإن أعظم تلاوة له العمل به قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] فمن لم يهتد بالقرآن فلا هداه الله، ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله، فإنه النور والنجاة.
ثانياً: سنة المصطفى ﷺ ، والاهتداء بهديه، والاستنارة بنوره ﵊، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
ثالثاً: كثرة الدعاء والابتهال للحي القيوم في كل وقت وآن، أن يثبتك الله ويهديك، ويريك رشدك ويصلح بنيك وبناتك وأهل بيتك، فإن هذا أعظم المثوبة والفخر في الدنيا والآخرة.
رابعاً: التقرب إلى الله ﵎ بالنوافل، من صلاة وصيام وصدقة وبر وجهاد، فإن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾.
стр. 6574
موانع الهداية
وأما موانع الهداية التي تحول بين العبد وبينها فكثيرة:
أولها: خبث النفس، فتجد بعض الناس معرضاً عن الله، لا يريد الله ولا الدار الآخرة، ولا يريد ذكر الله ولا كتابه ولا رسوله، وإذا ذكر الله في مجلس أو ذكر رسوله ﷺ اشمأز واحمر وجهه، وتكدَّر خاطره، وساء حاله، فنعوذ بالله من هذا الخبث.
يقول عز من قائل في من هذا شأنه وحاله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] وما صرف الله من صرف عن الهداية إلا لأنهم لا يريدونها.
ثانيها: مرض الشبهه، وهو مرض الشك والإلحاد الذي ابتلي به كثيرٌ من الشباب إلا من رحم الله، شكٌ في القدرة والإيمان، وشكٌ في الرسول ﵊، ولذلك حوربنا في هذه الفترة بحرب شعواء، أعظم من حرب الطائرات والصواريخ، إنها حرب الإلحاد، والرأي العفن المتخلف، رأي لينين واستالين وماركس الذي نشروه في المعمورة، واجتاحوا به البلاد الإسلامية، وأورثوا الشبه والشكوك في المجلات، والجرائد، والمؤلفات، واتخذوا في نشرها الوسائل المغرية، حتى ألحد كثير من الناس بالله العظيم، وصرفوا الناس عن باب المسجد، وعن تلاوة القرآن، ودلوهم على جهنم وبئس المصير.
ثالثها: مرض الشهوة، والتهالك على الحطام والشهوات، ولا نعني بذلك أن المال حرام، فجمع المال مطلوب، والصحابة جمعوا المال، ولكن لا يعبده الإنسان من دون الله، وكثيرٌ من شباب الإسلام ابتلوا بالشهوات، إلا من عصم ورحم الله وابتلوا بالزنا، والخمر، والفحش، والإعراض عنه ﵎؛ فتركوا الطاعات، وهجروا المساجد، وقاطعوا كتاب الله ، وامتلأت بهم السجون، فما نفعت فيهم الحدود، لأنه لا يقومهم إلا لا إله إلا الله، ولا يهديهم إلا فتح من الله، في أن يعودوا إليه ، فإنه هو الذي يهدي، وهو الذي يوفق: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين!
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6575
سددوا وقاربوا
قال رسول الله ﷺ : (الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا).
والله لم يكلفنا في هذا الدين بأشياء لا نستطيع القيام بها، وإنما أمرنا بأشياء يسيرة يستطيع أن يعملها من يسرها الله عليه، والذين يكلفون أنفسهم بأشياء لا يستطيعون القيام بها؛ فإنهم يخالفون أمر النبي ﷺ .
وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
стр. 6576
يسر الدين
الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فمعنا في هذه الليلة حديث عظيم، من الأحاديث التي دبَّج بها الإمام البخاري رحمه الله تعالى صحيحه يقول: وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: ﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾.
هذا الحديث أول قضية فيه؛ هي قضية (إن الدين يسر) والرسول ﷺ ما جاء إلا لسعادة الإنسان وليحمل هذا اليسر، يقول ﵎: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] والدين الإسلامي يسير على من يسَّره الله عليه، ليس على كل الناس ميسر، بل هو من أصعب الأمور على المنافقين، نسأل الله العافية والسلامة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] ويقول ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
أي: كأنما يعرج بنفسه في السماء فيختنق من قلة التنفس، فوصفه بالصاعد في السماء، كلما ارتفع كلما ضاق نفسه.
يقول أبو هريرة قال ﷺ : ﴿إن الدين يسر﴾ ودائماً يمر معنا أبو هريرة ﵁، وكم من مرة مر معنا وأراد الله أن يرفع اسمه، وأن يضوع اسمه في المنتديات، وفي مجالس المسلمين، فهذا الرجل عناية الله أتت به من بلاده، وهو في قرية بعيدة من قرى جبال السراة، ويأتي إلى رسول الله ﷺ ليدخل في هذا الدين، وأكسبه الله تعالى من هذا النور، ومن هذا العلم، فرفع الله اسمه، وأبى كثير من أهل الحرم الذين كانوا يطوفون بالبيت، وكانوا بجانب الحطيم وزمزم أن يسلموا، فأخفض الله ذكرهم، وأدخلهم ناراً تلظى؛ لأنهم ما استضاءوا بهذا الدين.
يقول ﷺ : ﴿إن الدين يسر﴾ لأن الله يقول للرسول ﷺ : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨].
стр. 6577
اليسر في التفكير
يقول سيد قطب ﵀: نحن لم نطلب ولا يطلب منا في الدين أن نفكر في مسألة تشق على أذهاننا.
ولذلك يقول عمر ﵁، كما علق عنه البخاري: [[نهينا عن التكلف]] مسألة لا تستطيع أن تهضمها أو لا يستطيع ذهنك أن يفهمها لا يجوز لك أن تتدخل فيها، أو تعمل ذهنك فيها، بل كل مسائل هذا الدين مُسلَّمات وبديهيات، ومفهومات لدى جمهور المسلمين، أما المسائل العويصة والصعبة فيقول عمر: [[نهينا عن التكلف]] فهذا اليسر في التفكير.
стр. 6578
اليسر في العمل والعبادة
واليسر في العمل والعبادة، فكل عبادة أتى بها الرسول ﷺ تناسب جمهور الناس، فلم يكلفنا الله شططاً، ولذلك مر ﷺ برجل من الصحابة، وهو يركع ويصلي ويخفض رأسه ويكثر من الركعات، فالتفت بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ كما ذكره أحمد في المسند، وقالوا: ﴿هنيئاً له يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : لا، خير دينكم أيسره﴾ وفي مسند الإمام أحمد: ﴿أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة﴾ أي: السهلة الواضحة، التي يستطيع الإنسان أن يتمشَّى معها طول العمر، فهذا هو السهل المحبوب الطيب عند الله .
ولذلك التكثير من العبادة ليس مطلوباً قصداً في الدين، لأن الله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل: أيكم أكثر عملاً، وإنما دخل التكثير والكثرة بلا جودة من الصوفية، يصلي أحدهم في اليوم خمسمائة ركعة، أو ثلاثمائة ركعة، ويظن أن هذا هو الدين، ولكن الدين الذي أتى به محمد ﷺ سهل ميسر على من يسَّره الله عليه، حينها لما رأى الناس تيسيره ﷺ دخلوا في هذا الدين زرافات ووحداناً.
стр. 6579
اليسر في القرآن
فهو سهل ميسر، واليسر والسهولة في هذا الرجل العظيم الذي أتى ليقود البشرية ﷺ يرونه فإذا هو رجل سهل، يتعامل مع الناس بوضوح ويسر وتواضع، يمازح الأطفال ويلاعبهم، ويجلس مع أصحابه ﷺ ، ويزورهم في أماكنهم، ويقضي مع العجوز الساعات الطويلة، فإذا هو سهل ميسر ﷺ .
يقول ﵎: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣] ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ويقول سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ويقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
حينها يقول ﷺ : ﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ وسوف يأتي بعد حديثين حديث آخر يعاضد هذا الحديث، لكن لا يتوهم متوهم أن معنى اليسر هو التفلت، أن يصلي الصلاة متى يريد وفي أي وقت، وأن يصوم متى يريد، وأن يتفلت على تعاليم القرآن ويقول: الدين يسر، فهذه العبارة يستخدمها بعض الناس على أهوائهم.
ولذلك يقول ابن الجوزي في أحد كتبه: إن الأعراب فهموا من أن الدين يسر، أنه التفلت على شريعة الله، حتى إن أحد الأعراب سافر مع رسول الله ﷺ فرأى أن الرسول ﷺ يقصر الصلاة الرباعية ركعتين، والظهر ركعتين والعصر والعشاء، فلما عاد سأله إخوانه من الأعراب البدو، قالوا: ماذا وجدت في سفرك هذا؟ قال: أحسن ما وجدنا أن الرسول ﷺ حذف عنا ركعتين، وسوف يحذف إن شاء الله في السفر الثاني ما بقي من الركعات، يريد أن تبقى المسألة يسراً على الطبيعة، فلا صلاة ولا صيام.
وذكر ابن الجوزي أن أعرابياً آخر بشروه بالهلال أنه أهل عليهم، قالوا: نبشرك بهلال رمضان، قال: والله لأشتتن شمله في الأسفار، أي: لا يستقر حتى آخر الشهر، يقول ابن الجوزي: وهذا منع فهمه كثير من الخلف، يظنون أن اليسر هو التفلت من الفرائض.
لا.
هناك حد وسط لا بد أن يسير معه الإنسان، ولكن لا ينقص عنه، وسوف يأتي حديث النوافل.
стр. 6580
الغلبة للدين
﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ لفظ الحديث: ﴿ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ ويجوز على رواية: ﴿ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه﴾ على أن: (أحداً) مفعول به أو فاعل، فمعنى هذا اللفظ، أي: أن الإنسان أو المسلم إذا شاد الدين غلبه الدين، لأن كثرة طرق هذا الدين لا يستطيع أن يقوم بها الإنسان، وفكر في نفسك وأنت مسلم تحب الله والدار الآخرة: هل تستطيع أن تقوم بالجهاد، وبر الوالدين على أكمل وجه؟ وصلاة الليل، والنوافل، والعبادات، والإنفاق في سبيل الله، وتعليم الناس، والخشوع في الصلاة بحيث لا تفكر في أمر آخر؟ إلى آخر تلك الأمور لا يستطيع أحد أبداً.
ولذلك يقول النبي ﷺ : ﴿ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ لأن الدين دائماً يغلب، حتى القرآن غالب لن يغلب، مهما حفظ الإنسان كتاب الله ، واستجراه في صدره، ثم قال: سأصلي بالناس، يجد أنه سوف يخطئ وينسى بعض الآيات أو الحروف، لأن هذا الدين قوي ومتين، كما قال ﷺ في لفظ آخر: ﴿فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع﴾ المنبت: هو الذي يسابق بالخيل أو بالجمال، فيسبق المتسابقين في أول الطريق، ويجهد دابته ثم ينقطع في وسط الطريق، فلا أبقى ظهر دابته، ولا قطع الطريق.
ولذلك يقول أبو سليمان الخطابي: رأيت بعض الصوفية يصلون الضحى إلى مائة ركعة، فإذا أتت صلاة الظهر ناموا وتركوا صلاة الظهر إلى قرب العصر، وهذا من قلة الفقه في الدين، وبعضهم يقوم الليل من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فإذا قربت صلاة الفجر نام عنها، وصلاها مع طلوع الشمس، ما هذا الفقه الأعوج!!
فالشريعة التي أتى بها محمد ﷺ هي سهلة ميسرة على من فقهها وفهمها، لا على فهم الصوفية والخوارج، ولذلك قابلت الخوارج طائفة أهل السنة بالتشدد في الدين، حتى أنه ﷺ يقول: ﴿يحقر أحدكم صلاته إلا صلاتهم، وقراءته إلى قراءتهم، وصيامه إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية﴾ يكثرون من نوافل العبادات، ولكن ما دخل الإيمان في صدورهم، وما وقر في قلوبهم، حتى من قلة فقههم مر بهم خنزير وهم قرب دجلة، فقالوا: مر بسلام، فقالوا للراشد منهم: كيف تقول هذا الكلام قال: لأن الله يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣].
أهذا الخنزير من الناس!! ثم مر بهم نصراني، فقال: إن أحدكم عدى على نخلتي فجذ منها؟ قالوا: خذ ثمن نخلتك، يعني: عوضوه ومر بهم عبد الله بن خبيب ﵁ فذبحوه -وهو من الصحابة- كما تذبح الشاة، وأخذوا امرأته وهي حبلى فبقروا بطنها وأخرجوا الجنين وذبحوه.
ولذلك قال ﷺ : ﴿لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ وقتلهم أمير المؤمنين أبو الحسن ﵁ وأرضاه، وهي من حسناته عند الله ﵎، صفى حسابهم في غداة واحدة أربعة آلاف، ثم سجد لله شكراً أن قتلهم، لأن في قتلهم قربى إلى الله ﵎، ولما قتلهم خرج عبد الرحمن بن ملجم وكان في جبهته كركبة العنز من كثرة السجود، ومن كثرة ما يصلي في الليل، فشحذ سيفه بالسم الأزرق شهراً، ثم عدا على أمير المؤمنين سيف الله المرتضى أبي الحسن ﵁ فقتله، فلما طعنه وحمل عليه ﵁ دعي بهذا المجرم الخبيث عبد الرحمن بن ملجم، وقال علي: ما حملك على ما فعلت، قال: هذا السيف شحذته بالسم شهراً، وحلفت بالله العظيم أني أقتل به شر الناس، قال علي: فأنت شر الناس، والله لا يقتل بهذا السيف إلا أنت، فقتل بسيفه الذي قتل به أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه، حتى أنه لما أتوا ليقطعوا لسانه قبل أن يقتل، قال: كيف تقطعوا لساني، وأتعطل عن ذكر الله!!! وهذا من قلة الفقه في دين الله .
بل الفقه ليس هو التخلع والتجافي كما فهمه الأعراب، ولا الانحراف عن هذا الدين، ولا هو الغلو والإفراط كما فهمه الخوارج، لكن دين الله هو الوسط.
стр. 6581
السداد والمقاربة
يقول ﷺ : ﴿سددوا﴾ معنى: سددوا أي: اطلبوا السداد من العمل الأصلح الأقوى: ﴿وقاربوا﴾ أي: إذا لم تستطيعوا السداد فقاربوا، ولذلك يقول ﷺ لـ علي ﵁ وأرضاه كما رواه مسلم: ﴿قل: اللهم اهدني وسددني﴾ وفي لفظ: ﴿قل: اللهم إني أسألك الهداية والسداد واذكر بهدايتك هدايتك الطريق، وبسدادك سداد السهم﴾ فالسداد هو طلب القصد والصواب في العمل؛ ثم لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿فإن لم تستطيعوا أن تسددوا فقاربوا﴾ أي: إذا لم تستطع أن تأتي على الهدف فحول الهدف، لا أن يكون الهدف في المشرق وتضرب في المغرب، لا.
يكون حوله، إذا أخطأت فيكون قريباً منه، أي: قريباً من الصواب.
وأبشروا: يقول ﷺ : أبشروا، ما دام أنكم تسددون وتقاربون فمن التسديد والمقاربة أنا إذا أخطأنا تبنا إلى الله ، وإذا أسأنا استغفرنا لأننا من الخطائين، وأبونا آدم ﵇ هو أول من سن لنا الخطيئة، ومن يشابه أبه فما ظلم، وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، فأما أن نقلده في الخطيئة ولا نقلده في التوبة فهذا ظلم وجور، لا يستشهد في الأذهان ولا في الأعيان.
стр. 6582
البشرى لمن سدد وقارب
يقول ﷺ : ﴿أبشروا﴾ أي: ما دمتم على ذلك فأبشروا ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾.
عند قول الرسول ﷺ : أبشروا، كلام، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون مع الرسول ﷺ ، يأتون إليه فيسمعون كلامه ﷺ ، فينقلهم كأنهم في رحاب الجنة، وكأنهم في عرصات القيامة، ينسون الأهل والزوجات والأموال والمساكن، وإذا رجعوا إلى دورهم غفلوا بعض الغفلة، ونسوا بعض النسيان مما ذكره ﷺ ، فأتى حنظلة بن الربيع الكاتب: ﴿أتى إلى أبي بكر ﵁، وقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة! قال: غفر الله لك، وما ذاك؟ قال: نكون مع الرسول ﷺ فيحدثنا في الآخرة حتى كأننا نراها رأي العين، ثم نعود فنلاعب أطفالنا وننسى كثيراً، فيقول: أبو بكر وأنا والله كذلك، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ ، فذهبوا إلى الرسول ﷺ وأخبروه، فقال ﷺ : والله لو تكونوا كما تكونون عندي في حلق الذكر أو في الذكر، لصافحتكم الملائكة في السكك، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة﴾ لأن هناك ساعة للترويح، وساعة قد يخلو بها الإنسان المسلم في المباحات التي ليست بحرام، وهناك ساعات الجد والعمل والعبادة، هذا هو المفهوم، ولا يستطيع الإنسان أن يمضي في هذه الحياة إلا أن يروح على نفسه، ويأخذ بعض المباحات التي لا حرام فيها.
стр. 6583
الاستعانة بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة
ثم يقول الرسول ﷺ : ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾ الغدوة: هي أول النهار بعد صلاة الفجر إلى الضحى، وهي معروفة عند العرب، وفي الحديث قوله ﷺ : ﴿إذا غدا المسلم إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح﴾ ويقول : ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥].
في كتابه بالغدو: أول النهار، والآصال: هي ما بعد صلاة الظهر إلى الغروب، يقول النابغة الذبياني:
زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود
أي: في غدو النهار، فيقول ﷺ : ﴿استعينوا بالغدوة﴾ أي: ما بعد صلاة الفجر، وأغلى وقت في حياة المسلم هو ما بعد صلاة الفجر، إذا أراد مهمة أو عبادة أو ذكراً فعليه بذاك الوقت، وإذا أراد أن يطلع في كتاب أو يفهم فعليه بما بعد صلاة الفجر، وإذا أراد عملاً ما، أو سفراً، أو تجارة فعليه بما بعد صلاة الفجر، ولذلك روى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي صخر الغامدي أن الرسول ﷺ قال: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ ومن أراد كذلك أن يخصص وقتاً لقراءة القرآن وتدبره فبعد صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧ - ١٨] قالوا: تنفس وكأنه كان في الليل مكبوتاً حزيناً، فتنفس مع الإصباح، وتنفست معه الطيور، ووزعت الأرزاق في الصباح، والمواهب والأعطيات، ونزل خير الله ورحمته، فيقول ﷺ استغلوا هذه الساعة، أي: بعد صلاة الفجر وهذه بالغدوة والروحة، قال أهل العلم: الروحة بعد صلاة العصر، ومن لم يستطع بعد صلاة العصر فقبل الغروب قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨] فبعد صلاة الفجر وقبل صلاة المغرب هما أفضل وقت، وأصفى وقت للمسلم ليحاسب نفسه، ويراجع معاملته مع الله من ذكر وعبادة.
ثم يقول النبي ﷺ : ﴿وشيء من الدلجة﴾ أي: من الليل، خذوا قليلاً بعد صلاة الفجر، وقليلاً بعد صلاة المغرب، وخذوا قليلاً من الدلجة، وكأنه يقول في السحر؛ لأنها أعظم ساعة تتصل فيها بالحي القيوم ﵎، ولم يقل ﷺ : واستعينوا بالدلجة؛ لأنه نهى عن قيام كل الليل، إنما يقام شيء من الليل قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] وحملها بعض أهل التفسير على أنهم يصلون قليلاً من الليل، فليكن للمسلم ساعة من أي جزء من أجزاء الليل، وإن لم يستطع ذلك فليوتر قبل أن ينام، ثم ليذكر الله ؛ لتسبح روحه في الملأ الأعلى، وليكون من الذاكرين الله وهو نائم على فراشه، وهذا هو نوم العباد الصالحين المتصلين بالحي القيوم، هذه هي قضايا هذا الحديث، يريد ﷺ أن يقرب إلى الأفهام أن هذا الدين ليس بالمغالبة، وإنما هو باليسر وبالسهولة، وبأخذه بالتي هي أحسن؛ لأن الله تعالى يسره للناس.
стр. 6584
حديث تحويل القبلة
الحديث الثاني: عن البراء ﵁ وهو البراء بن عازب، وسوف نسرد الحديث وقضاياه: ﴿أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر إلى مكة وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت﴾ وكان اليهود وأهل الكتاب قد أعجبهم، إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك على الرسول ﷺ .
стр. 6585
نزول النبي ﷺ في المدينة
هذا الحديث يتكلم عن القبلة، وعن البيت العتيق وعن بيت المقدس، الرسول ﷺ قدم المدينة فنزل على أجداده، وأجداده هم بني عدي بن النجار، وليسوا أجداده كما في هذا الحديث ولا أخواله، ولكن في هذا الحديث تجوز، أي: مسامحة في اللفظ، وإنما هم أخوال جده عبد المطلب، نزل عندهم النبي ﷺ ليكرمهم، وإلا فالرسول ﷺ لم يحدد أن ينزل في أي مكان، أول ما قدم المدينة، وأطل بطلعته البهية على الناس، قام الأنصار بما يقارب خمسمائة رجل بالسيوف، فاستقبلوه بـ الحرة، وحيوه بأجمل التحية، يقول أنس: ﴿ما كنت أظن أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت الأنصار يبكون مما رأوا من النبي ﷺ ﴾ ولذلك يقول الأول:
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
فكانوا يقولون: إلينا يا رسول الله؛ لأنهم ستة منازل، وست قرى، كل قرية تقول: انزل عندنا يا رسول الله! يقول عمرو بن عوف: انزل عندنا يا رسول الله، عندنا السيف والجد والمنعة، فيقول ﷺ : ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ حتى الناقة مأمورة من السماء، تمضي بأمر الله، وتنيخ بأمر الله؛ لأنه قضاء الله ورسالة الله، فكان ﷺ يترك الناقة وكان الناس حول الناقة يمشون، كل يريد أن يأخذ بزمامها، فيبتسم النبي ﷺ إلى الناس، ويسلم عليهم، فأخذت الناقة تسير وكان يريد في نفسه ﷺ أن تنزل عند أجداده أو أخواله بني النجار ليكرمهم ﷺ بذلك، ولكنه استحيا ﷺ أن يقول: أريد آل فلان من تلك القبائل، فتركها فأراد الله أن يوافق رسوله في هذا النزول، فأتت الناقة فلما أصبحت في منازل بني النجار الذي هو مكان مسجده ﷺ اليوم، أناخت هناك، فقالوا: انزل يا رسول الله! قال: لا.
ثم قامت مرة ثانية، ثم استعرضت ثم رجعت مكانها، فأخذ أبو أيوب رحل رسول الله ﷺ ، ونزل ﷺ معه.
следующие страницы →