Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
السداد والمقاربة
يقول ﷺ : ﴿سددوا﴾ معنى: سددوا أي: اطلبوا السداد من العمل الأصلح الأقوى: ﴿وقاربوا﴾ أي: إذا لم تستطيعوا السداد فقاربوا، ولذلك يقول ﷺ لـ علي ﵁ وأرضاه كما رواه مسلم: ﴿قل: اللهم اهدني وسددني﴾ وفي لفظ: ﴿قل: اللهم إني أسألك الهداية والسداد واذكر بهدايتك هدايتك الطريق، وبسدادك سداد السهم﴾ فالسداد هو طلب القصد والصواب في العمل؛ ثم لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿فإن لم تستطيعوا أن تسددوا فقاربوا﴾ أي: إذا لم تستطع أن تأتي على الهدف فحول الهدف، لا أن يكون الهدف في المشرق وتضرب في المغرب، لا.
يكون حوله، إذا أخطأت فيكون قريباً منه، أي: قريباً من الصواب.
وأبشروا: يقول ﷺ : أبشروا، ما دام أنكم تسددون وتقاربون فمن التسديد والمقاربة أنا إذا أخطأنا تبنا إلى الله ، وإذا أسأنا استغفرنا لأننا من الخطائين، وأبونا آدم ﵇ هو أول من سن لنا الخطيئة، ومن يشابه أبه فما ظلم، وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، فأما أن نقلده في الخطيئة ولا نقلده في التوبة فهذا ظلم وجور، لا يستشهد في الأذهان ولا في الأعيان.
стр. 6582
البشرى لمن سدد وقارب
يقول ﷺ : ﴿أبشروا﴾ أي: ما دمتم على ذلك فأبشروا ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾.
عند قول الرسول ﷺ : أبشروا، كلام، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون مع الرسول ﷺ ، يأتون إليه فيسمعون كلامه ﷺ ، فينقلهم كأنهم في رحاب الجنة، وكأنهم في عرصات القيامة، ينسون الأهل والزوجات والأموال والمساكن، وإذا رجعوا إلى دورهم غفلوا بعض الغفلة، ونسوا بعض النسيان مما ذكره ﷺ ، فأتى حنظلة بن الربيع الكاتب: ﴿أتى إلى أبي بكر ﵁، وقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة! قال: غفر الله لك، وما ذاك؟ قال: نكون مع الرسول ﷺ فيحدثنا في الآخرة حتى كأننا نراها رأي العين، ثم نعود فنلاعب أطفالنا وننسى كثيراً، فيقول: أبو بكر وأنا والله كذلك، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ ، فذهبوا إلى الرسول ﷺ وأخبروه، فقال ﷺ : والله لو تكونوا كما تكونون عندي في حلق الذكر أو في الذكر، لصافحتكم الملائكة في السكك، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة﴾ لأن هناك ساعة للترويح، وساعة قد يخلو بها الإنسان المسلم في المباحات التي ليست بحرام، وهناك ساعات الجد والعمل والعبادة، هذا هو المفهوم، ولا يستطيع الإنسان أن يمضي في هذه الحياة إلا أن يروح على نفسه، ويأخذ بعض المباحات التي لا حرام فيها.
стр. 6583
الاستعانة بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة
ثم يقول الرسول ﷺ : ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾ الغدوة: هي أول النهار بعد صلاة الفجر إلى الضحى، وهي معروفة عند العرب، وفي الحديث قوله ﷺ : ﴿إذا غدا المسلم إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح﴾ ويقول : ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥].
في كتابه بالغدو: أول النهار، والآصال: هي ما بعد صلاة الظهر إلى الغروب، يقول النابغة الذبياني:
زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود
أي: في غدو النهار، فيقول ﷺ : ﴿استعينوا بالغدوة﴾ أي: ما بعد صلاة الفجر، وأغلى وقت في حياة المسلم هو ما بعد صلاة الفجر، إذا أراد مهمة أو عبادة أو ذكراً فعليه بذاك الوقت، وإذا أراد أن يطلع في كتاب أو يفهم فعليه بما بعد صلاة الفجر، وإذا أراد عملاً ما، أو سفراً، أو تجارة فعليه بما بعد صلاة الفجر، ولذلك روى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي صخر الغامدي أن الرسول ﷺ قال: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ ومن أراد كذلك أن يخصص وقتاً لقراءة القرآن وتدبره فبعد صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧ - ١٨] قالوا: تنفس وكأنه كان في الليل مكبوتاً حزيناً، فتنفس مع الإصباح، وتنفست معه الطيور، ووزعت الأرزاق في الصباح، والمواهب والأعطيات، ونزل خير الله ورحمته، فيقول ﷺ استغلوا هذه الساعة، أي: بعد صلاة الفجر وهذه بالغدوة والروحة، قال أهل العلم: الروحة بعد صلاة العصر، ومن لم يستطع بعد صلاة العصر فقبل الغروب قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨] فبعد صلاة الفجر وقبل صلاة المغرب هما أفضل وقت، وأصفى وقت للمسلم ليحاسب نفسه، ويراجع معاملته مع الله من ذكر وعبادة.
ثم يقول النبي ﷺ : ﴿وشيء من الدلجة﴾ أي: من الليل، خذوا قليلاً بعد صلاة الفجر، وقليلاً بعد صلاة المغرب، وخذوا قليلاً من الدلجة، وكأنه يقول في السحر؛ لأنها أعظم ساعة تتصل فيها بالحي القيوم ﵎، ولم يقل ﷺ : واستعينوا بالدلجة؛ لأنه نهى عن قيام كل الليل، إنما يقام شيء من الليل قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] وحملها بعض أهل التفسير على أنهم يصلون قليلاً من الليل، فليكن للمسلم ساعة من أي جزء من أجزاء الليل، وإن لم يستطع ذلك فليوتر قبل أن ينام، ثم ليذكر الله ؛ لتسبح روحه في الملأ الأعلى، وليكون من الذاكرين الله وهو نائم على فراشه، وهذا هو نوم العباد الصالحين المتصلين بالحي القيوم، هذه هي قضايا هذا الحديث، يريد ﷺ أن يقرب إلى الأفهام أن هذا الدين ليس بالمغالبة، وإنما هو باليسر وبالسهولة، وبأخذه بالتي هي أحسن؛ لأن الله تعالى يسره للناس.
стр. 6584
حديث تحويل القبلة
الحديث الثاني: عن البراء ﵁ وهو البراء بن عازب، وسوف نسرد الحديث وقضاياه: ﴿أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر إلى مكة وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت﴾ وكان اليهود وأهل الكتاب قد أعجبهم، إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك على الرسول ﷺ .
стр. 6585
نزول النبي ﷺ في المدينة
هذا الحديث يتكلم عن القبلة، وعن البيت العتيق وعن بيت المقدس، الرسول ﷺ قدم المدينة فنزل على أجداده، وأجداده هم بني عدي بن النجار، وليسوا أجداده كما في هذا الحديث ولا أخواله، ولكن في هذا الحديث تجوز، أي: مسامحة في اللفظ، وإنما هم أخوال جده عبد المطلب، نزل عندهم النبي ﷺ ليكرمهم، وإلا فالرسول ﷺ لم يحدد أن ينزل في أي مكان، أول ما قدم المدينة، وأطل بطلعته البهية على الناس، قام الأنصار بما يقارب خمسمائة رجل بالسيوف، فاستقبلوه بـ الحرة، وحيوه بأجمل التحية، يقول أنس: ﴿ما كنت أظن أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت الأنصار يبكون مما رأوا من النبي ﷺ ﴾ ولذلك يقول الأول:
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
فكانوا يقولون: إلينا يا رسول الله؛ لأنهم ستة منازل، وست قرى، كل قرية تقول: انزل عندنا يا رسول الله! يقول عمرو بن عوف: انزل عندنا يا رسول الله، عندنا السيف والجد والمنعة، فيقول ﷺ : ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ حتى الناقة مأمورة من السماء، تمضي بأمر الله، وتنيخ بأمر الله؛ لأنه قضاء الله ورسالة الله، فكان ﷺ يترك الناقة وكان الناس حول الناقة يمشون، كل يريد أن يأخذ بزمامها، فيبتسم النبي ﷺ إلى الناس، ويسلم عليهم، فأخذت الناقة تسير وكان يريد في نفسه ﷺ أن تنزل عند أجداده أو أخواله بني النجار ليكرمهم ﷺ بذلك، ولكنه استحيا ﷺ أن يقول: أريد آل فلان من تلك القبائل، فتركها فأراد الله أن يوافق رسوله في هذا النزول، فأتت الناقة فلما أصبحت في منازل بني النجار الذي هو مكان مسجده ﷺ اليوم، أناخت هناك، فقالوا: انزل يا رسول الله! قال: لا.
ثم قامت مرة ثانية، ثم استعرضت ثم رجعت مكانها، فأخذ أبو أيوب رحل رسول الله ﷺ ، ونزل ﷺ معه.
стр. 6586
تحويل القبلة
لما نزل ﷺ المدينة ظل يصلي ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، على خلاف بين أهل العلم، منهم من يحسب الكسر في الأيام فيجعلها سبعة عشر شهراً، ومنهم من يلغي بعض الأيام فيجعلها ستة عشر شهراً، كان يصلي ﷺ إلى بيت المقدس، ولكن كان يحز في نفسه فلا يريد أن يوافق اليهود؛ لأن اليهود يأخذون هذا حجة عليه ﷺ ، ويقولون: انظروا إليه، حتى القبلة يستقبل قبلتنا في فلسطين وهي بيت المقدس، ما عنده قبلة يستقبلها، فكان ﷺ يدعو الله كثيراً، ويقلب وجهه في السماء، ويدعو أن يحول الله قبلته إلى البيت العتيق، فيقول ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] فولاه الله شطر البيت العتيق، فلما انحرف ﷺ إلى البيت العتيق، قال اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] فأتى الرد من الله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢] سفهاء لا أحلام لهم ولا عقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] وهل لكم بيت المقدس أو مكة؟ وهل هي من دخلكم أو من صنيعكم؟ يقول الله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢] لله المشرق والمغرب، له ما كان يولي إليه في بيت المقدس وفلسطين، وله الكعبة ومكة ولا دخل لكم أنتم، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢] فأمر الله رسوله ﷺ أن يستقبل البيت العتيق، ويترك بيت المقدس، فوَّلى البيت العتيق، فأتى ﷺ فلما ولَّى شطر البيت العتيق، أرسل رجلاً ممن كان معه ﷺ ، وقال: اذهب إلى بني سلمة في قباء، وأخبرهم أن القبلة قد حولت فليتحولوا، فأرسل عباد بن بشر ﵁، وهو من الشباب الذين رباهم ﷺ على سمع وبصر، وتركوا كل لذة في الدنيا وكل راحة، وجعلوا أوقاتهم وأيامهم ولياليهم شهادة في سبيل الله تعالى، أرسله ﷺ في مهمات، فكان يأتي في كل مهمة وهو ناجح ظافر فالح، ويدعو له ﷺ بالجنة.
أرسله ﷺ مع رجال معه من الأنصار ليغتال سيد خيبر من كفار اليهود؛ لأنه كان يهجو النبي ﷺ ، فقال: ﴿يا عباد! اذهب إلى ذاك﴾ ذهب عباد ونادى ذلك اليهودي في ظلام الليل، فخرج ذلك اليهودي، فقتله بالسيف، ثم عاد عباد إلى الرسول ﷺ ، فقال الرسول ﷺ لما رأى وجه عباد ذاك الشاب المستنير بالإيمان: ﴿أفلح وجهك يا عباد قال: ووجهك يا رسول الله! قال: ماذا فعلت به؟ قال:
صرخت له فلم يعلم بصوتي وأقبل طالعاً من رأس جدر
فعدت له فقال من المنادي فقلت: أخوك عباد بن بشرِ
فأقبل نحونا يهوي سريعاً فقطعه أبو عبس بن جبر
وكان الله سادسنا فعدنا بأعظم نعمة وأجل نصر
فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿اللهم اغفر لهم وأدخلهم الجنة﴾ وبقي عباد ﵁ على العهد، يقوم الليل دائماً، وكان يبكي بصوته إذا قام الليل حتى يقول ﷺ : ﴿رحم الله عباداً! لقد أذكرني البارحة آية كنت أنسيتها من القرآن﴾ فهو ﷺ ينسى فترة، ولكن يعود له القرآن لأنه منزل في قلبه لا ينسى منه شيئاً، لكنه ينسَّى ولا ينسى، إلا ما شاء الله.
وحضر عباد معركة اليمامة ضد مسيلمة الدجال الكذاب، وضرب على وجهه بالسيف أكثر من عشر ضربات بعد أن قتل ما يقارب خمسمائة مقاتل حتى ما عرفوه وقتل ﵁، ولكنه لم يقتل أبداً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٧٠].
أرسله ﷺ فأتى إلى بني سلمة الذين هم في قباء -الآن المسجد المعروف- وهم يصلون العصر فقال: إن القبلة قد تحولت فتحولوا، فدار الإمام وهو في الصلاة، ولم تبطل صلاتهم؛ لأن الحركة إذا كانت في صالح الصلاة لا تبطل الصلاة، وفيه من الحكم والفوائد:
أن خبر الواحد يقبل، فالرسول ﷺ أرسل هذا، فقبلوا خبره وامتثلوا خبره، وتحولوا عن القبلة رضي الله عليهم.
هذا الحديث وهذا ما ورد فيه، ولم نعرج على بعض الخلاف للألفاظ التي لا طائل من ورائها.
стр. 6587
الإسلام يهدم ما قبله
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنه﴾.
هذا الحديث من المبشرات، وهو من أعظم ما يهدى للأمة الإسلامية، وراوي الحديث أبو سعيد من جلة أصحاب محمد ﷺ ، عالم من علمائهم، وشاب من شبابهم، مات أبوه في معركة أحد قتيلاً، ولذلك هو من الأنصار، وقتل (٨٠%) في سبيل الله من الأنصار رضوان الله عليهم، ولم يمت منهم موتاً إلا ما يقارب (٢٠%) لكلام أهل العلم في ذلك، فدعا له أبوه وهو شهيد بأن يبارك الله فيه، فبارك الله في هذا الولد الصالح، فكان مع الرسول ﷺ دائماً وأبداً، سمع الرسول ﷺ يقول: ﴿إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها﴾ الإسلام يهدم ما قبله من أفعال الجاهلية، مهما فعل الإنسان قبل أن يدخل هذا الدين، أشرك أو قتل أو زنى أو شرب الخمر أو سرق، ثم دخل في هذا الدين فكأنه ما زال داخلاً في هذا الدين، ولا يكتب عليه شيء من أعمال الجاهلية إذا أحسن الإسلام.
стр. 6588
شرح الحديث وذكر حديث يؤيد معناه
حضرت الوفاة كما روى الإمام مسلم حضرت عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فبكى بكاء طويلاً، حتى أشفق عليه الناس، ثم حول وجهه إلى الحائط، وكان عمرو بن العاص فاتح مصر في عهد عمر ﵁، وداهية العرب، يقول عمر: [[رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب]] لدهائه وسياسته، فلما حضرته الوفاة بكى بكاء عظيماً، فقال له ابنه عبد الله: ما لك تبكي يا أبتاه؟ قال: [[إني كنت على طباق ثلاث؛ كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، فلو مت على تلك الحالة لخشيت أن أكون من جثا جهنم، وكان أبغض الناس إلي رسول الله ﷺ ثم أسلمت، فقدمت عليه في المدينة، فلما رآني هش وبش في وجهي ﷺ ، وقام وحياني وأجلسني بجانبه، فمددت يدي وقلت: يا رسول الله! مد يدك لأبايعك، فبسط يده فقبضت يدي، فتبسم النبي ﷺ وقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أشترط يا رسول، قال تشترط ماذا؟ قلت أن يغفر ذنبي، فتبسم ﷺ وقال: يا عمرو! أما تعرف أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها، قال عمرو فأسلمت، فوالله ما كان أحد من الناس أحب إلي من رسول الله ﷺ ، والله ما ملأت عيني إجلالاً منه، والله لو سألتموني الآن أن أصفه لما استطعت أن أصفه، فلو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم لعبت بي الدنيا ظهراً لبطن فلا أدري!! هل يؤمر بي إلى الجنة؟ أم يؤمر بي إلى النار؟ ولكن معي كلمة سوف أحاج بها عند الله، ثم قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ]] ثم قبض يده وغسل ويده مقبوضة، وأدخل إلى أكفانه وقبره ويده لا تزال مقبوضة، ويقول وهو في سياق الموت: [[حلوا أزراري، فسأله ابنه: كيف تجد الموت، صف لنا الموت؟ قال: كأن جبال الدنيا على صدري، وكأنني أتنفس من ثقب إبرة، ثم قال: حلوا أزراري فإني محاسب في قبري علي أن أدافع عن نفسي]] ﵁ وأرضاه.
والشاهد: أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها، فيقول الرسول ﷺ : ﴿إذا أسلم العبد وحسن إسلامه﴾ قال ابن حجر: حسن إسلامه، أي حسن بالإخلاص، فلم ينافق في الدين، ولم يراء، ولم يطلب بعمله السمعة والنفاق، حسن إسلامه؛ فلم يصر على الصغائر والكبائر، ولا يشترط في المسلم أنه لا يذنب أبداً، لأنه ليس ملكاً من الملائكة؛ لأنها ما خلقت للتكليف، ولا تبتلى بالذنوب، وأما الإنسان المسلم أو غيره فإنه يدخل في الذنب، ويغفر الله له بالتوبة.
стр. 6589
الدواوين عند الله ثلاثة
﴿إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها﴾ أي: قدمها رويت أَزْلَفها، وهي بمعنى قدمها، فإذا غفر الله له كل سيئة في الجاهلية كان قدمها، كان بعد ذلك القصاص، أي كلما عمل من حسنة وسيئة وهو مسلم كان القصاص عند الله ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] ميزان للحسنات وميزان للسيئات، والدواوين عند الله ثلاثة:
الأول: ديوان يغفره الله : وهو ما كان بين العبد وبين الله وتاب منه.
الثاني: ديوان لا يغفره الله أبداً: وهو الشرك بالله ، هذا لا يغفره أبداً، بل يدخل صاحبه النار، ولا يأبه بعمله، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
الثالث: ديوان يتعلق بمشيئة العبد: وهي ذنوب العباد بين بعضهم البعض، الغيبة وظن السوء واغتصاب الأموال، وسفك الدماء، هذه تحت مشيئة العباد، إن عفوا عفا الله، وإن سامحوا سامح الله، وإن أبوا فإن الله يقتص من بعضهم البعض، فهذه الدواوين عند الله .
وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها، فضلاً من الله، وجوداً وكرماً إلى سبعمائة ضعف، وفي رواية ابن عباس الصحيحة: إلى أضعاف كثيرة؛ لأن الله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] إلى أضعاف كثيرة قد يضاعفها الله إلى أكثر من سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها جوداً وكرماً من الله.
فالذنوب التي نحدث بها أنفسنا ولم نعملها يكتبها الله حسنة كاملة، وإذا عملناها كتبها الله سيئة واحدة، وانظر إلى لفظ كاملة وواحدة، واللفظ واحد، لكن هذه بشارة الرسول ﷺ ، وجذب للأرواح واستقطاب للقلوب إلى الله ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ﵎.
فيا لسعادة من يدخل هذا الدين؛ ويعتنق هذه الشريعة السمحة؛ ويواصل السير إلى الله ولن يهلك على الله إلا هالك، وليتدبر المسلم منا الآن، يجد أن يومه حافل بالسعادة إذا داوم على الصلوات الخمس في جماعة، وداوم على الوضوء وقراءة القرآن والذكر والاتصال بالله؛ سوف يجد أنه لن يهلك على الله إلا هالك.
هذا الحديث الذي زفه النبي ﷺ بشرى للأمة، وأخبرنا أن الله صاحب المن والعطايا وهو صاحب الجود والإحسان ﵎.
стр. 6590
تكلفة النفس بما تطيق
ثم أورد البخاري ﵀ رحمة واسعة القضية التي كان أسلفها قبل حديثين وهي قضية يسر الدين وسهولته؛ قالت عائشة ﵂: ﴿أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه! عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا -أو تملوْا- وكان أحب الدين إلى الله أو إليه ما داوم عليه صاحبه﴾.
стр. 6591
معاملة النبي ﷺ للنساء
عن عائشة الصديقة بنت الصديق، المطهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، زوج نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة وأم المؤمنين، أم عبد الله، ولم يتزوج ﷺ بكراً سواها، ولذلك فقد كانت تسأل الرسول ﷺ ، تستفتيه في مسألة وتداعبه، تقول: ﴿يا رسول الله! أرأيت لو نزلت في عجوة -أي في مكان وفي واد لم يرع- ونزلت بغنمك ونزلت في واد قد رعي، أيهم أحسن؟ فيتبسم النبي ﷺ ويقول: الوادي الذي لا يرعى﴾.
ويقول ﷺ : ﴿إنني أعرف رضاك من غضبك﴾ وهذا من تعامله ﷺ مع أهله، ومع المرأة، لا كما يفهمها أعداء الإسلام، وهذا هو القدوة لكل إنسان أن يتعامل الإنسان مع أهله كما يتعامل ﷺ مع أهله، يقول: ﴿إني أعرف رضاك من غضبك! قالت: بماذا يا رسول الله؟ قال: إذا رضيت قلت لا ورب محمد -تقسم بالله ثم تذكر اسمه- وإذا غضبت قلت: لا ورب إبراهيم، فتقول هي ﵂: والله ما أهجر إلا الاسم﴾ يعني فقط الاسم، أما المسمى فلا تهجره.
دخل النبي ﷺ عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ -هذه المرأة اسمها الحولاء بنت تويت القرشية وكانت كثيرة العبادة؛ والصيام، وكثيرة الصلاة، دخل ﷺ وهي جالسة عند عائشة، فكان النبي ﷺ يسأل لأنه يريد أن يتصل بالناس جميعاً، يتصل بالعجوز وبالمرأة وبالجارية وبالطفل، لأنه مكلف أن يبلغ الرسالة إلى جميع الناس، حتى تقول عائشة: ﴿ما غرت من امرأة من جاراتي ومن ضرائري ما غرت من خديجة وقد ماتت قبل أن آتي رسول الله ﷺ ﴾ لأن النبي ﷺ كان يسأل عن صديقات خديجة، فيرسل لهن الهدايا، حتى كان يقطع اللحم من الشاة فيقول: اجعلوا هذه لصديقة خديجة فلانة، وهذه لعمة خديجة، ويقول: ﴿حسن العهد من الإيمان﴾.
حتى دخلت عجوز على رسول الله ﷺ فقطع حديثه مع الناس، وقال: ﴿كيف أنتم يا فلانة، هل أتاكم من أمطار، كيف أنتم بعدنا﴾ لأن النبي ﷺ قد سكن معهم في البادية ردحاً من الزمان، وتأثر الناس بهذه المواقف منه ﷺ .
стр. 6592
شرح حديث: عليكم من الأعمال ما تطيقون
يقول: من هذه؟ فتقول: هذه فلانة، ثم تذكر عائشة من صلاتها، يعني أنها تقوم الليل وتكثر من النوافل والعبادة وكأنها ذكرت هذا والمرأة جالسة تسمع، فالرسول ﷺ أنكر، فيقول ﷺ : مه، هذه كلمة عربية أصلها ما هذا؟ فاختصرتها العرب فقالت: مه، يقول ﷺ : مه، يعني لماذا تقولين هذا الكلام، أو كيف تقولين هذا الكلام وهي جالسة، فكأنه أنكر عليها أن تمدحها في وجهها، لأن المدح هو الذبح، ويقول ﷺ لأحد الناس يمدح صاحبه: ﴿ويلك قطعت عنق صاحبك﴾.
وكأن الصحيح والراجح أن قوله ﷺ مه، أي كيف تعجبين من كثرة عبادة هذه، ثم يذكر ﷺ السبب، فيقول: ﴿عليكم من الأعمال بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إلى الله، وفي -لفظ إليه- ما داوم عليه صاحبه﴾ ينكر ﷺ على عائشة أن تعجب بكثرة إجهاد هذه المرأة نفسها، ويقول: لا.
دين الله سهل وميسر، فعليكم بما تطيقون، فإن الذي يكثر على نفسه ينقطع ويمل، فيقطع الله عنه الثواب، ولذلك يقول: خذ من العمل ما تستطيع أن تواصل عليه، وأن تستمر عليه، والإنسان فقيه نفسه، وأعرف بنفسه.
ولذلك لا تقلد أحداً في العبادة، ترى بعض الناس آتاه الله بسطة في الجسم وصحة وقوة، فيواصل الصيام والقيام، فتقلده في ذلك فتنقطع حتى ما تستطيع أن تصلي الظهر مع الناس، وهذا ليس مطلوباً؛ لأن الإنسان أعرف بنفسه، والناس طاقات، قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].
يقول أحد العلماء في صحيح البخاري في شرحه: وقد جربنا وجرب الناس قبلنا أن من تنطع في العبادة، وغلا فيها، أنه يفضي به ذلك إلى الانقطاع، وإلى ترك المعهود والانصراف عنه، بل الذي يقتصد في العمل ويداوم أفضل عند الله ، لأن القليل المداوم خير من الكثير المنقطع.
يقول حافظ الحكمي:
عليك بالقصد بقول وعمل ودم عليه واجتهد ولا تمل
ولذلك يقول ابن الجوزي في شرح هذا الحديث: إنما كره ﷺ الغلو والإفراط في العبادة لأنه يؤدي بصاحبه إلى الانقطاع، والمداومة على القليل خير من التكثير لسببين: الأول أن من داوم على قرع الباب دائماً يوشك أن يفتح له، تجد بعض الناس ينشط يوماً من الأيام على صلاة الضحى فيقوم فيصلي ثلاثين ركعة، لكن يأتي اليوم الثاني ويتفكر في تعبده، وأن ظهره كاد أن ينكسر أمس، فيقول: يكفي هذا، فلا يصلي أبداً، ولو أنه صلى ركعتين وداوم عليها لكان خيراً عند الله وأدوم وأحسن.
ولذلك كان ﷺ يكلف الناس ويتكلم إلى الناس دائماً باليسر والسهولة، يقول لـ عبد الله بن عمرو: اختم القرآن في شهر، لكن يأتي الآن متحمس وهذا كثير في الشباب، فيقول: كيف أختم القرآن في شهر، بل أختمه في ثلاثة أيام إن شاء الله، بعد ذلك يختمه في سبعة شهور، ولذلك لو داوم عليه شهراً لما كره هذا الوقت، لكنه كره إلى نفسه العبادة فمل منها، ومل من الترداد فهجره أكثر من شهر.
ويقول أبو هريرة: ﴿أوصاني رسول الله ﷺ بثلاث وصايا لا أدعهن حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام﴾ وهذه سهلة ميسرة، يفعلها الإنسان ويداوم، لأن من يداوم على ركعتي الضحى في كل يوم يصلي في السنة سبعمائة ركعة، لكن لو قلت له: جزاك الله خيراً صل في اليوم سبعمائة ركعة من أجل أن ترتاح في السنة، لما استطاع ذلك، ولأفضى به ذلك إلى ما يفعله الصوفية، لأنهم يحسبون هذه ويجعلونها في اليوم، حتى يقول ابن القيم: بعضهم كان يصلي خمسمائة ركعة، وكان ينام وهو يصلي، أهم شيء فقط عندهم العدد؛ من قلة فقههم في دين الله .
стр. 6593
معنى قوله: لا يمل الله حتى تملوا
فيقول ﷺ : ﴿فوالله لا يمل الله حتى تملوا﴾ وهنا قضية كيف يقول ﷺ لا يمل الله، وهل يمل الله ﵎؟ وهذه فيها بسط، فالله يوصف بصفات الكمال، أما صفات النقص فلا يوصف بها ، لا يجوز أن يقول الإنسان: كل صفة يوصف بها العبد يوصف بها الله، لأن العبد يجوع ويمل وينام ولكن الله مبرأ عن صفات النقص، فهو لا يمل ﵎، لكن معنى الحديث، لا يقطع ثواباً، وهذا من أفعال المقابلة، كأنه يقول: فلان لا ينقطع عن خصمه حتى ينقطع، وجزاء سيئة بمثلها، والله يقول جزاء السيئة التي يفعلها سيئة مثلها، يعني أنا نعذبه يوم القيامة مثلما فعل بالسيئة، وليس معناه أن عذاب الله سيئة، لكن من باب المقابلة، فقابل ﷺ في هذا الحديث، وقال: ﴿لا يمل الله﴾ على المقابلة ليس على المعنى، لأن في الكلام مجازاً ومعناه لا يقطع الله ثوابه.
﴿وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه﴾ وورد في لفظ في الصحيح: ﴿أحب الدين إلى رسول الله ﷺ ﴾ وكلا المعنيين صحيح، فإن المحبوب عند الله محبوب عند رسوله ﷺ ، فإن الرسول ﷺ مبلغ عن الله ﵎.
قال ابن العربي: ولا يجوز أن نسند المحبة إلى الله ، بل بمعنى الإرادة، وقال أهل السنة: الإرادة شيء والمحبة شيء، لله إرادة تليق بجلاله، وله محبة تليق بجلاله ، لا تدخل هذه في هذه، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 6594
فضل لا إله إلا الله
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير﴾ هذا الحديث أيضاً من المبشرات، لكن لا بد من بعض البيان وبعض الوقفات معها.
أولاً: عن أنس، مر معنا أنس كثيراً، وهو خادم الرسول ﷺ .
وروى النعمان عن ماء السماء كيف يروي مالك عن أنس
دعا له ﷺ كما تعلمون بطول العمر، فأطال الله عمره حتى بلغ المائة، وأكثر الله ماله، وبارك فيه، وهو من السعداء إن شاء الله في الدنيا والآخرة، كان يخدم الرسول ﷺ دائماً وأبداً، فأورثه الله بفضل الخدمة بركة في الدنيا والآخرة.
стр. 6595
(لا إله إلا الله) تحتاج إلى الإخلاص للتخلص من النار
قال ﷺ : ﴿يخرج من النار﴾ وفي لفظ في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿يقول الله : أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله﴾ وفي مثل هذا الحديث ومثل: ﴿من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ أو ﴿من قال: لا إله إلا الله لا يخلد في النار﴾ يقول بعض الناس: إذا قلت لا إله إلا الله دخلت الجنة، وهذه شهادة من رسول الله ﷺ .
لكنه قد يقول: لا إله إلا الله ويكفر بلا إله إلا الله، فلا ينفعه قولها؛ لكن الرسول ﷺ يقول: ﴿خالصاً من قلبه﴾ ثم إنه قد يقول: لا إله إلا الله ويدخل النار، ولا يخلد في النار، ثم يدخل الجنة، فمن للإنسان إذا دخل ألف سنة أو خمسمائة سنة أو مائة سنة ثم جلس في النار، ثم يخرج من النار، هذا نسأل الله السلامة عذاب لا يطيقه إلا من كتب الله عليه الشقاء، نسأل الله العافية.
لكنه خير من غيره، يعني خدماته قليلة هذا الذي يدخل النار مائة سنة أقل من الذي يدخل دائماً بلا خروج، يعني إقامة أبدية، نسأل الله السلامة والعافية.
فالرسول ﷺ يقول: ﴿إذا أدخل الله أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة﴾ وهم الذين ما تعرضوا للنار من أهل الجنة من الموحدين الذين قاموا بالفرائض، وتابوا إلى الله، ﴿قال الله : أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله﴾ بعد أن يدخلوا، ثم يخرج من في قلبه مثقال وزن شعيرة من خير، فيخرجون وقد اسودوا من طول ما لبثوا، وقد أصبحوا حمماً، فيغمسون كما مر معنا في نهر الحياة، وهو نهر قريب من الجنة، ثم يخرجون وعليهم أسماء: هؤلاء الجهنميون، يعرفهم أهل الجنة، فيدخلون الجنة، ويقول النبي ﷺ : ﴿كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية﴾ فيدخلون الجنة ويعرفهم الناس، ثم يمحو الله عنهم هذا الاسم الذي على جباههم ووصمة العار، فيكونون من أهل الجنة، لكن من يريد أن يعلق رجاءه وآماله بهذه الأحاديث التي فيها إشارة إلى عذاب بعض الموحدين؛ لأن بعض الناس يدخل النار -نسأل الله السلامة- وقد صلى وصام، فيقول الله : خذيهم يا نار، إلا جباههم فإنهم طالما سجدوا بها لي أو كما ورد في بعض الآثار، لأنهم ارتكبوا أعمالاً أوجبت دخولهم النار، وهم من الموحدين، لكنهم لا يخلدون في النار.
стр. 6596
شرح ألفاظ حديث الإخراج من النار
ووزن شعيرة يقول ابن حجر: كأن الشعيرة في بعض البلاد أكبر من البرة؛ لأنها قدمت هنا، وهذه مقاييس هي عند الله ، لكن الرسول ﷺ يقربها للأذهان، ولذلكم يقول : ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ليقربها إلى أذهان الناس.
ويقول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] فأتى النبي ﷺ بهذا البيان، تقريباً للأذهان.
قال ﷺ : ﴿ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير﴾ والبرة قالوا: أقل من الشعيرة، وهذا فيه دليل على أن الأعمال تتفاضل، بتفاضل ما في القلوب وبعض الناس يقف بالصف بجانب صاحبه يصليان، وراء إمام واحد، في مكان واحد، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، كما قال أهل العلم.
هذا في قلبه إيمان وإخلاص ومحبة وشوق، والبعيد في قلبه نفاق ورياء وسمعة، فيفاوت الله بين الصلاتين، كما بين السماء والأرض، ويحاسب الله العباد على ما في القلوب من الأعمال، ولذلك يقول : ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] ويقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر اللاتي هن خَوَافٍ على الناس، وهن باديات على الله : ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]]].
فالمقصود أن المسلم يهتم بالقلب أكثر مما يهتم بعمل الجوارح، ولذلك طلب أهل السنة كـ ابن رجب وغيرهم من أهل العلم: أن يجتهد المؤمن في تصحيح قلبه، أكثر مما يجتهد في الأعمال الظاهرة، يقول ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
﴿ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير﴾ يقول ابن عباس ﵄: [[إذا وضعت يدك في التراب، ثم نفضتها فخرج منها شيء فهو الذر]] وقال ابن حجر: الذر هو الشيء الذي لا يرى بالعين المجردة، ولكن يرى في ضوء الشمس؛ وقال غيره: الذرة هي هذه الحشرة الصغيرة التي ترى وتمشي وتسمى عند الناس (ذرة) لكن سواء كان بهذا المفهوم أو هذا، أو أقل مقدار يعرفه الناس، يحاسب الله العبد به يوم القيامة.
أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله، هل في الحمر زكاة؟ فقال ﷺ : ما أنزل علي إلا هذه الآية الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]﴾ فكل ذرة يعملها المسلم يلقاها عند الله ، فبكى الأعرابي وولول وهو يقول: أنحاسب على الذرة.
стр. 6597
مرض رسول الله ﷺ ووفاته
قال الإمام البخاري ﵀ رحمة واسعة: عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: ﴿أن رجلاً من اليهود، قال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على النبي ﷺ ، وهو قائم بـ عرفة يوم جمعة﴾.
стр. 6598
المعنى الإجمالي للحديث
معنى الحديث على الإجمال: أتى رجل من اليهود اسمه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين! يخاطب عمر في خلافة عمر، عندكم آية في القرآن لو كانت هذه الآية نزلت علينا لعظمها لاتخذنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً، قال عمر: ما هي الآية؟ قال: قوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على الرسول ﷺ وهو قائم بـ عرفة في يوم جمعة.
ويجد لفظ آخر أورده ابن حجر، أن عمر قال: [[الحمد لله، نزلت في يوم هو لنا عيد، يوم الجمعة، ويوم عرفة عيد لنا كذلك]].
стр. 6599
حجة الوداع في يوم الجمعة
والرسول ﷺ حج وكان حجه في يوم جمعة، لأن الكفار الجاهليون من كفار قريش خالفوا بين الأشهر، عندهم أربعة أشهر لا يقتلون فيها أحداً، فإذا أرادوا الانتقام من عدو قدموا بعض الأشهر وأخروا بعضها حتى يستحلوا الدماء، فجعلوا صفر مكان محرم، وشوال مكان ذي القعدة، وخالطوا بين الأشهر، وقدموا وأخروا، فقال الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٣٧].
فلما أراد الرسول ﷺ أن يحج، أتى وإذا الأشهر مخلوطة ليست منسقة ولا مرتبة، فترك ﷺ الحج، وكان يرسل أمراء من قبله ﷺ يقودون الحجيج، حتى إن آخر حجة حجها أبو بكر قبل حجته ﷺ كانت في شهر ذي القعدة، ما أتت في ذي الحجة؛ لأن الأشهر ما ترتبت لهم.
فالرسول ﷺ لما لم تترتب له الأشهر ما حج أبداً، فأرسل أبا بكر الصديق فحج بالناس، وكان حجه في ذي القعدة، ولما رتب الله الأشهر وأعادها، كما يقول ﷺ يوم عرفة: ﴿إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض﴾ فأدار الله له ذي الحجة، فأتى النبي ﷺ حاجاً، فوافق الجمعة اليوم التاسع، وهو واقف بعرفة، فكان حجه موافق لسنة الله في الأيام، فنزلت عليه الآية وهو على ناقته بـ عرفة، يقول : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فوقف ﷺ يقرأ على الناس، فبكى أبو بكر!! فقال الناس: كيف يبكي هذا الشيخ؟! يخبرنا ﷺ أن الله تعالى يقول: أكملت لكم الدين، وأتممت عليكم النعمة، فيبكي هذا الرجل، فسألوا أبا بكر: ما لك تبكي؟ فقال: أجل الرسول ﷺ قد دنا.
قال أبو سعيد: فكان أفقهنا وأعلمنا أبو بكر ﵁ وأرضاه، وعاد ﷺ بعد هذه الآية ومكث ثمانين ليلة، وقيل ثلاثاً وثمانين أو أربعاً وثمانين، ثم توفي النبي ﷺ بعدها، ولذلك يقول : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
стр. 6600
مرض الرسول ﷺ
قال أنس: [[مرض ﷺ يوم الخميس]] ويقول ابن عباس وهو في الحرم، وهو يقلب الحصباء بيديه: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! ثم يبكي حتى يرثي له جلساؤه، ثم يعود فيرفع رأسه، ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس!! ثم يبكي حتى يرثي له جلساؤه، قال: يوم الخميس بدأ بالرسول ﷺ مرضه، فلما مرض ﷺ في يوم الخميس، أراد أن يقوم لصلاة الظهر فثقل ﷺ ، فقام من على فراشه لأنه سمع الأذان فسقط بأبي هو وأمي على الفراش، فقام مرة ثانية فسقط، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس.
فأتى بلال فقال: الصلاة يا رسول الله؟ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فأخذ بلال يبكي، ويقول: الله المستعان! أول يوم من الأيام يأمر النبي ﷺ أبا بكر وأول يوم يتوقف ذاك النبع الفياض، وذاك النور الذي يرى دائماً في المحراب يؤم الناس، مسئول البشرية وهادي الإنسانية يقف أمام الصفوف وهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة ويتعطل عن العطاء وعن الأخذ، وعن البذل، وعن التعليم والتوجيه، إن في الأمر شيئاً، كأنه يراد أن يقبض إلى الله تعالى.
فتقول عائشة وهي تبكي وتجعل الخمار على وجهها ﵂ وأرضاها: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف -يعني كثير الحزن ما يستطيع أن يقرأ بالناس، كان يقرأ الفاتحة فيقطعها بالبكاء، لا يستطيع أن يتمها - فمر غيره يا رسول الله! فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: ﴿إنكن صويحبات يوسف -وفي لفظ- صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس!!﴾ فخرج بلال ينادي أبا بكر ﵁، وقال: يا أبا بكر قم صل بالناس، يأمرك ﷺ أن تصلي بالناس، فدمعت عينا أبي بكر ﵁، لأنه علم أن في الأمر شيئاً، وقال: الله المستعان!
فقام يصلي بالناس، قال أنس: ﴿فلما دخلنا في الصلاة كشف ﷺ الحجاب، وهو قطعة من قماش على باب غرفته ﷺ ، وغرفته في الروضة، تشرف مباشرة على المحراب الذي كان يصلي فيه ﷺ ، قال: فالتفتنا بأبصارنا إليه ﷺ فرأينا وجهه، كأنه ورقة مصحف، وهو يتبسم إلينا ﷺ ، فظننت أنه لما تبسم يريد أن يخرج، قال: فكدنا نفتتن في الصلاة -كادوا يقطعونها من الفرحة- فأشار النبي ﷺ أي مكانكم، ثم أرخى الحجاب﴾ وتبسمه ﷺ كأنه فرح وسر بهذا المنظر العجيب، منظر هؤلاء الذين كانوا وثنيين لا يعرفون الله، وكانوا يسجدون للحجارة، ويعبدون التمر، وكانوا كالأنعام والبهائم، ثم أخذهم ﷺ بفضل من الله ورحمة؛ فزكاهم ورباهم ووجههم وعلمهم، ثم قاموا صفوفاً، كل إنسان منهم أمة من الأمم، فيتبسم ﷺ لهذا الموقف.
стр. 6601
الوداع وموت الرسول
أسدل ﷺ الستار، وبقي ما يقارب ثلاثة أيام، ثم خرج إلى الناس في خطبة أخيرة ليودع الناس ويودعونه، خرج وأخذ بجانبه العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه، وفي الجانب الآخر علياً، وأخذت أقدامه تخط في الأرض من شدة المرض، وكان عليه عمامة دسمة أي: متينة، بدينة على رأس رسول الله ﷺ ، وقيل: في يده قضيب.
فجلس على المنبر، ثم أخبر الناس، ثم قال: ﴿أيها الناس؛ اللهم من سببته أو شتمته أو لعنته -يعني: من المسلمين- فاجعلها له قربة ورحمة عندك، ثم قال: أيها الناس! من آذيته بسب أو شتم أو أخذت شيئاً من ماله فاقتصوا مني اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار﴾ فبكى الناس جميعاً، وقام أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، ثم أخذ ﷺ يخبر الناس، ويعظهم، ويقول: ﴿تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي﴾.
فودعوا رسول الله ﷺ وودعهم، ثم عاد ﷺ واستمر به المرض، وفي اليوم الأخير من أيامه ﷺ أتاه اليقين، وأخذ يقول: ﴿لا إله إلا الله، اللهم أعني على سكرات الموت، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ثم قبضت روحه وكان النبي ﷺ يقول: ﴿اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى﴾ فتقول عائشة: ﴿خيرت -بأبي أنت وأمي- فاخترت يا رسول الله﴾.
وأتم الله النعمة، وأكمل الدين، قال أبو ذر ﵁: ما ترك ﷺ أمراً، ولا طائراً يطير بجناحيه إلا وأعطانا منه خبراً، فأكمل الله به هذا الدين، فمن قال: إن في الدين نقصاً، أو يحتاج إلى تكميل فهو ضال مضل، أزاغ الله قلبه وسمعه وبصره، بل الدين كامل، والشريعة كاملة، فله الحمد وله الشكر على هذا الدين، وله منا الرضى، نسأل الله أن يرضى عنا وعنكم.
стр. 6602
الأسئلة
стр. 6603
إقبال النفس وإدبارها
السؤال
يقولون النفس تقبل وتدبر، وقد شبهت بالطفل الصغير، فمثلاً يقول: ينشط المسلم في يوم فيجد نفسه يريد أن يصلي كثيراً فيصلي ويكثر، أربع ركعات أو أكثر، ثم يتكاسل في يوم من الأيام فلا يصلي إلا ركعتين، فهل يحاسب العبد على هذا؟
الجواب
إن في النفس إقبالاً وإدباراً، لكن ليكن عند الإنسان شيء من العمل ميسور يستطيع أن يداوم عليه حضراً وسفراً، لكن إن زاد عليه فلا حرج إن شاء الله، كأن يختم القرآن في شهر، يقرأ في كل يوم جزءاً، فالجزء هذا يقرؤه في اليوم، لكن إذا نشطت فزدت عليه فبها ونعمت، ولا تقل عن هذا الجزء إلا أن تكون مسافراً أو مريضاً؛ لأن المسافر إذا سافر أو مرض كتب الله له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً؛ فضل من الله ، وكأن تصلي الضحى ركعتين فتداوم على الركعتين، لكن تتنشط في يوم من الأيام، فلك أن تصلي كما كان يصلي النبي ﷺ كما ذكر في بعض الأحاديث، ثمان ركعات، أو ست ركعات، أو أربع ركعات، أو تزيد ما شاء الله، فهذا لا يمنع ذلك، وليس هناك تعارض بين هذا الحديث وبين ما أسلفنا، فإن الممنوع هو أن يتنطع الإنسان ويشدد على نفسه في العبادة حتى يمل الدين ويكره العبادة، ويفضي به إلى الانقطاع نسأل الله العافية.
стр. 6604
حكم تارك الصلاة
السؤال
هل تارك الصلاة يخلد في النار؟
الجواب
أهل العلم لهم في المسألة رأيان: رأي يقول: تارك الصلاة ليس بكافر، ويعذب بفسقه، لكنه لا يخلد.
والرأي الثاني وهو الصحيح: أنه كافر، من ترك الصلاة عمداً فقد كفر، لقوله ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ ويقول ﷺ : ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ فإذا تركها فقد كفر، وماذا يبقى معه بعد أن يترك الصلاة من الإسلام، يبقى معه أن يقول: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم حبب إلي هذا الدين وزينه في قلبي، ما يبقى شيء أبداً، وهذا الذي عليه أهل العلم من المحققين.
стр. 6605
حكم لبس السراويل الكاشفة للعورة تحت الثوب
السؤال
ما حكم الصلاة في السراويل القصيرة تحت الثوب الخفيف؟
الجواب
إن كانت العورة تبدو منه فلا تصح الصلاة فيه، وتعاد عند كثير من أهل العلم، وأفتى ابن تيمية ﵀ في المسبل وهي صورة توافق هذا أنه يعيد وضوءه ثم يصلي، وإن كان هناك شفاف ولا يبدي شيئاً من العورة فلا بأس عليه إن شاء الله لكنه يكره الصلاة به.
قضية أخرى: قضية الإسبال في الصلاة، فإن كثيراً من أهل العلم يذهبون إلى أن المسبل يعيد الصلاة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ورد حديث في أبي داود، أن النبي ﷺ : ﴿رأى رجلاً مسبلاً ثوبه فقال: أعد وضوءك﴾ وبذلك أفتى ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 6606
حكم رفع الصوت بقراءة القرآن بين الأذان والإقامة
السؤال
ما حكم رفع الصوت بالقرآن بين الأذان والإقامة؟
الجواب
رفع الصوت لغير حاجة لا يجوز، والحاجة في أن يكون بجانبك رجل يريد أن يستمع، وهو لا يستطيع أن يقرأ القرآن، بشرط ألاَّ يتضرر الآخرون فلك أن ترفع بقدر الحاجة، أو يكون ليس في المسجد أحد، أو أناس لا يتضررون فلك أن ترفع، أما أن ترفع صوتك، وتشوش على الناس، فالفتوى فيما قال الإمام مالك بن أنس عندما سئل عمن يفعل ذلك فقال: أرى أن يضرب بالأحذية ويخرج من المسجد.
стр. 6607
حكم السلام على حلقة علم أو قرآن
السؤال
ما حكم السلام على حلقة العلم، أو على من يقرأ القرآن؟
الجواب
الظاهر والمعروف من النصوص أنه يسلم عليهم، وإن قال بعض أهل العلم: لا، فلا دليل لهم؛ لأنه كان يسلم على الرسول ﷺ وهو في الصلاة، وكان يرد الرسول ﷺ بيده وهو يصلي، فما دام يسلم وهو في صلاة، فمن باب أولى أن يسلم على حلقة العلم والذكر، وعلى حلقة القرآن، وفي الفصل الدراسي يسلم ولا شيء في ذلك.
وهناك حديث عن أبي واقد الليثي في البخاري: لما دخل رجل سلم، ودخل الثلاثة وفي حديث عمران بن حصين في السنن: ﴿أن الرجل دخل والرسول ﷺ يعلم الناس، فقال: السلام عليكم، قال: عشر، فقال الثاني: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون، فقال الثالث: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون﴾ فأقره ﷺ على ذلك الأمر.
стр. 6608
حديث (لا صمت إلا في ثلاث)
السؤال
ما صحة هذا الحديث: ﴿لا صمت إلا في ثلاث: عند قراءة القرآن، وعند الزحف، وعند اتباع الجنائز﴾؟
الجواب
هذا الحديث لا يصح، وليس بحديث، ولا يرفع للرسول ﷺ ، وإنما في معناه شيء من القبول يبينه ببعض التفسير، عند قراءة القرآن مطلوب أن يسمع؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
فلا يجوز رفع الصوت، ومن رفع صوته عند قراءة القرآن فقد شابه المشركين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] وعند الزحف ورد عن معاذ كما في البداية والنهاية عن أبي عبيدة ﵁، أنهم قالوا لأناس وهم يقاتلون أهل الروم في اليرموك: اصمتوا أيها الناس! ولا تتكلموا، ولا ترفعوا أصواتكم فإن رفع الصوت في المعركة فشل، لكنه يذكر الله سبحانه ويحمده، يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال:٤٥] قيل لـ ابن تيمية: كيف أمرنا الله أن نذكر الله عند ملاقاة الكفار وقت المعركة، وهو وقت شغل -وقت مجابهة الأعداء، ووقت مقاتلة-؟ قال: لأن علامة المحب أن يذكر المحبوب وقت الأزمات، قاله ابن تيمية، أما سمعت أن عنترة يقول في محبوته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
стр. 6609
الفرق بين الفاسق والعاصي
السؤال
هل يجوز أن نطلق على المسبل إزاره فاسق؟ وما هو الفرق بين الفاسق والعاصي؟
الجواب
الفاسق اسم إضافة، يختلف باختلاف الإطلاقات، وأهل السنة يطلقونه على من ترك شيئاً من الفرائض، ليس الصلاة، لأن الصلاة لها حكم خاص وهو الكفر، لكن من ترك شيئاً، أو تعاطى شيئاً، كالسرقة فهو فاسق، بشرط ألا يستحل هذا العمل، فإن استحله فهو كافر.
وبعض الناس يطلقه على من يترك بعض الآداب، وأما هذا ففاعله عاص لله تعالى، وكأنه يتحفظ بهذه الإطلاقات، والفاسق هو من ارتكب الكبائر، والكافر هو من استحلها أو كفر بالله العظيم ، فكأن العاصي من أتى الذنوب من الصغائر، وخالف بعض المندوبات، ولو أنه يشمل الجميع، وكأن الفاسق من أخذ الكبائر، ولكنه لم يكفر ولم يستحلها، والكافر من أنكرها واستحلها وكفر بالله العظيم.
стр. 6610
حكم الصلاة وراء الإمام المسبل أو الحالق لحيته
السؤال
ما صحة الصلاة وراء الإمام المسبل، أو الحالق لحيته؟
الجواب
أما المسبل؛ فإن صُلي وراءه وكان إماماً راتباً فلتصل وراءه، وصلاته صحيحة لا شك، يقول بعض السلف: السؤال عن الإمام الراتب بدعة لا تعرف عند السلف، لك أن تصلي وراءه سواء كان حليقاً أو مسبلاً إذا كان إماماً راتباً في المسجد؛ لأن الصحابة صلوا وراء الفسقة، أمثال الحجاج وغيرهم ولم يسألوه، لأنهم مأمومين.
وأما إن كان إماماً متبرعاً لفعل الخير للمسلمين، فيؤخر ويصلي مكانه آخر، وإن حضرت وصلى الناس وصليت ورأيت بعد الصلاة أنه مسبل، فصلاتك في نفسك صحيحة، ولا عليك إن شاء الله، وما أعلم أن هناك دليلاً لمن قال أنها تبطل الصلاة أو تعاد.
стр. 6611
حكم حفظ مقاطع من القرآن لمدة وترك بقيته
السؤال
ختم القرآن في ثلاثين يوماً أو أربعين يوماً، فهل يعني حفظ مقاطع من القرآن مدة، وترك بقية القرآن يعتبر هجراً للقرآن؟
الجواب
الصحيح أنه من انشغل بحفظ القرآن فهو مأجور مشكور، ولا عليه من بقية القرآن إذا أراد أن يحفظ القرآن كله، كأن يأخذ جزءاً من القرآن يحفظه في شهر، والبقية ما قرأه في هذا الشهر فما عليه حرج إن شاء الله؛ لأنه متشاغل بالقرآن، وابن عمر ثبت عنه أنه حفظ سورة البقرة في ثمان سنوات، ثم نحر بدنة ناقة للناس وضيفهم عليها، ولذلك يقول ابن مسعود: [[إنكم في زمان تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، وسوف يأتي زمان تحفظ حروفه وتضيع حدوده]] تجد الشاب الصغير يحفظ عشرين جزءاً والناس يصلون وهو لا يصلي، وتسأله ولا يخطئ أبداً في القرآن، لأن حفظ القرآن أصبح مهنة عند الناس، ويحفظ فقط للجوائز وللأقلام وللحقائب الدبلوماسية، وللمدح من الوالد، وليعلق شهادته في البيت، فهذا الزمان الذي حذر منه ابن مسعود ﵁.
стр. 6612
حكم الهجر فوق ثلاثة أيام للمصلحة
السؤال
هل يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام للمصلحة؟
الجواب
نعم يجوز، لكن ما بين المسلم والمسلم لأسباب دنيوية ثلاثة أيام فقط، كأن يطأ على رجله وهم يصلون صلاة الظهر، فله أن يهجره ثلاثة أيام لكن لا يزيد عليها، وأما في الأمور الدينية فيهجر، قال الإمام البخاري في الصحيح في باب الأدب: باب الهجر إلى خمسين يوماً، ثم أتى بحديث كعب بن مالك: ﴿أن النبي ﷺ هجره خمسين يوماً﴾ فلك أن تهجر خمسة وأربعين يوماً، وخمسين يوماً، لمصلحة دينية إذا كان لوجه الله ، أما لأنه أخطأ عليك، أو لأمر ما، أو ضرب ابنه ولدك، أو تقول أنا هجرته لوجه الله أن يكتب لي الله عظيم الأجر، فالله أعلم وهو أدرى.
стр. 6613
التوفيق بين الحقوق الخاصة والعامة
السؤال
لله حقوق وللرسول وللوالدين وللأقارب وللمسلمين حقوق أيضاً فكيف نوفق بينهما؟
الجواب
توفق بينهما بدون اختلاف، فالله علمنا بحقوقه في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وحقوق الوالدين والأقارب والمسلمين هي من الميسورة والمسهلة، لكن قاعدة: ﴿لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾ [[إذا أمرتك أمك -كما قال الحسن في صحيح البخاري معلقاً- أن تصلي العشاء في البيت فصل العشاء في المسجد]] أمرتك ألا تقرأ القرآن فاعصها واقرأ القرآن، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
هذا ونسأل الله التسديد والهداية، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يثيبنا وإياكم، وأن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا يجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يفقهنا في سنة رسوله ﷺ .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6614
ساعة الصفر
غزوة الأحزاب من أعظم غزوات المسلمين، فيها تجمع أحزاب الكفر لاستئصال شوكة المسلمين والقضاء على دينهم، ولقد بلغ حال الصحابة فيها مبلغاً حرجاً حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وفي هذه الغزوة مواقف عظيمة، وأحداث جسيمة أظهرت ثبات الرسول ﷺ وأصحابه.
فتصفح هذه المادة لترى هذه الأحداث عن قرب، وتأخذ منها الدروس والعبر.
стр. 6615
من أحداث غزوة الأحزاب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ومع حادثٍ آخر، وموقف آخر من مواقف الرسالة الخالدة؛ التي أتى بها رسول الهدى ﷺ ، ومع الإمام البخاري وهو يتحدث لنا عن غزوة الأحزاب، تلك الغزوة كما قال بعض العلماء العصريين: بلغ رسول الله ﷺ هو والصحابة في هذه الغزوة درجة الصفر، أي: أن فيها انتهت الآمال، وانقطعت الحبال، إلا حبل الله ؛ حتى يقول الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].
стр. 6616
ضيافة جابر للمصطفى ﵊ وما فيها من المعجزة
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في غزوة الأحزاب وهو يسوق بسنده إلى جابر ﵁ وأرضاه، قال جابر: ﴿بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الأحزاب إذ عرضت لنا كدية -أي صخرة وهم يحفرون الخندق- قال: فشكونا إلى رسول الله ﷺ ، فنزل ﵊ إلى الخندق بمعولٍ بيده، وعلى بطنه حجرٌ مربوطٌ من الجوع ﵊، قال: فلما رأيت آثار الجوع في بطنه ﵊، ذهبت إلى أهلي، وقلت: هل عندكم من شيء؟ قالت: عناق وشيءٌ من شعير، فَذبحتُ العناق وطحنت هي الشعير وعجنته، ثم ذهبت إلى الرسول ﵊، فأخبرته الخبر وقلت: يا رسول الله! تعال أنت واثنين معك، قال: فلما انتهيت من كلامي لرسول الله ﷺ -وكان قد ساره الخبر لئلا يشعر الناس- نادى ﵊ في أهل الخندق، وقال: يا أيها الناس! إن جابراً صنع لكم طعاماً فحيهلاً بكم -وكانوا مئات من الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبلغوا من المجاعة مبلغاً عظيماً الله أعلم به- فلما سمعوا الخبر ألقوا المساحي من أيديهم والمكاتل وهرعوا إلى الصوت زرافات ووحداناً.
وانطلق أمامهم مربي البشرية، ومعلم الإنسانية ﷺ قال جابر: فأتاني من الحياء ما الله به عليم.
فدخل ﵊ وقال: يا جابر! أين اللحم؟ قلت: يا رسول الله! في البرمة قال: وأين العجين؟ قلت: هذا هو يا رسول الله، فبصق ﵊ فيه -بصقاً مباركاً طيباً ألذ من العسل المصفى، وأحلى من الشهد، ودعا الله وسمى- ثم قال: يا جابر! أدخل الناس عليَّ عشرة عشرة﴾ فأخذ الصحابة يدخلون عشرة عشرة والرسول ﵊ صاحب الضيافة في هذا اليوم يدخلهم ويدنيهم ﷺ ، فكلما أكل عشرة قاموا وأتى عشرة، ثم يقوم العشرة فيأتي عشرة، فدخل هذا العدد الكثير، وهو عدد جيشٍ ضخم يريد أن يرد كيد المعتدين عن المدينة المنورة، فلما انتهوا نظر ﵊ إلى اللحم كما هو لم ينقص شيئاً، وإذا بالشعير بحاله لم ينقص شيئاً.
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
ثم قال: ﴿يا جابر! تعال كل، قال: فدنوت فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ وهو يتبسم وقال: أشهد أني رسول الله، فيقول جابر: أشهد أنك رسول الله، فيقول: يا جابر! كل أنت وأهلك واقسم لجيرانك -أو كما قال ﵊ قال جابر: فقسمنا على جيراننا، فوالذي نفسي بيده لقد باتوا على خبزٍ ولحمٍ في تلك الليلة﴾ وقد ذكر الله هذه الغزوة وعلق عليها، وندد في كتابه بالمعتدين، وأخبر أنه قطع دابرهم، وفل شوكتهم، وأنه كفى المؤمنين القتال.
قال جل ذكره وهو يتحدث في سورة الأحزاب عن ساعة الصفر التي بلغها الرسول ﷺ والصحابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:٩ - ١١] ثم يتحدث الله عن المنافقين: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢].
стр. 6617
تجمع الأحزاب لاستئصال المسلمين في السنة الخامسة للهجرة
وغزوة الأحزاب وقعت حدثاً تاريخياً في واقع المسلمين في السنة الرابعة وقيل في الخامسة، والأصوب أنها في الخامسة، فمن قال في الرابعة ألغى الكسر، ومن قال في الخامسة جبر الكسر، وهذه الغزوة من أشد الغزوات في حياة الرسول ﷺ ، وكادت هذه الغزوة أن تودي بالرسالة وبصاحبها وأن تجتاح الصحابة والمهاجرين والأنصار، وأن تقطع حبل هذه الرسالة، ذلك أن العرب اجتمعوا في حزبٍ ائتلافي، وكونوا جيشاً يريدون به خوض المعركة ضد المصطفى ﷺ .
وهذا الحزب الائتلافي المشرك يتكون من قريش التي بغت على رسول الهدى ﷺ ، ويقودها آنذاك أبو سفيان ومن غطفان التي يقودها عيينة بن حصن ومن بني قريظة اليهود الذين نقضوا عهد الله وكفروا برسل الله.
اجتمعوا عشرة آلاف وتوجهوا إلى المدينة وتعاهدوا وتواعدوا على أن يقاتلوا رسول الله ﵊ حتى ينتهي الدين تماماً، وتنتهي لا إله إلا الله من الأرض، وتنتهي الرسالة، فلا يكون هنالك رسولٌ ولا رسالة، ولا مصل ولا صائم، ولا معتمرٍ ولا حاج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] يقول أحد المفكرين المسلمين: إن المشرك أو الملحد الذي يريد أن يطفئ نور رسالة الإسلام كالطفل الذي ينفخ في الشمس، وهل يطفئ الطفل نور الشمس؟! فهذه رسالته ﵊.
نزل الأحزاب هناك وتمركزوا حول المدينة، وجعلوا النخل وراء ظهورهم، وطوقوا المدينة والرسول ﵊ داخل المدينة، وتصوروا هذا الحدث العظيم، تصور أنك في قرية من القرى مثل المدينة المنورة أنت وجماعة معك، وينزل بك عشرة آلاف مقاتل من أشجع شجعان العرب على الإطلاق؛ كل مقاتل يغلي دمه حقداً وحسداً وبغياً وعدواناً على من في المدينة، يقطعون عنهم الإمدادات، المواصلات، وكل ما استطاعوا أن يقطعوه قطعوه، نزلوا هناك، وحق للقرآن أن يتحدث ويقول ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] فالقلب في موضعه لكنه من الخوف يرتفع حتى يبلغ الحنجرة، ضاقت الأمور وزلزلوا زلزالاً شديداً حتى يقول الله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] حتى أن بعض من أسلم ظن أن الرسالة سوف تنتهي، ولن يعود هناك توحيد في الأرض ولا إسلام، فلما نزلوا هناك اعتد ﵊ بقوة الله ، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ واجتمع بالصحابة الأخيار الذين قاتلوا في بدر وأحد؛ أصحاب السيوف البيضاء، وأهل الأيادي الطولى في دين الله ، واستشارهم ماذا يفعلون؛ فالموقف مربك، أيتركهم يدخلون، ثم يقاتلهم في الزقاق وفي السكك وعلى أفواه الطرق، أم يستسلم ويقدم خطةً استسلامية لينتهي الدين، أم يقدم غرامة مالية وهو لا يملك هو والصحابة ما يملئون بطونهم من الخبز، حتى يربط على بطنه ﷺ الحجارة، أم ماذا يفعل؟
لكن الله في السماء.
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
فتوجه إلى الحي القيوم الذي إذا نصر نصر، وإذا هدى هدى.
واستشار أصحابه ﵊، فتقدم الرجل الذكي المدره الداهية سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه الباحث عن الحقيقة، الذي أتى يقطع آلاف الأميال ليملأ قلبه بلا إله إلا الله، وبعض الناس يسكنون في بعض الأحياء القريبة من المساجد ويسمعون: لا إله إلا الله تتردد فلا يأتون ولا يستمعون.
стр. 6618
حفر الخندق وما فيه من بشارات
فأشار سلمان بأن يُحفر حول المدينة خندقٌ لا تخترقه خيول المشركين، فاستجاب ﷺ لهذا الرأي، وقام الصحابة يحفرون الخندق، وشاركهم المصطفى ﵊ بحفر الخندق بيده، وقامت المعاول والمساحي تشتغل ورسول الهدى ﷺ معهم، كل اثنين من الناس معاً، فأحدهم يحمل المكتل على ظهره، والآخر يعبئ المكتل (الزنبيل).
والرسول ﷺ جعل له رفيقاً من هذا الجيش، وهو جعيل، وهو رجلٌ ضعيفٌ، فكان رفيقاً للرسول ﷺ ، فكان ﵊ ربما يعبئ له الزنبيل، فيحمله هذا المسكين حتى يوصله إلى المكان الآخر، وربما يحمل ﷺ الزنبيل، وكان يقول له ﷺ : يا جعيل! أنت عمرو، فيقول الصحابه:
سماه من بعدِ جعيل عَمْراً وكان للبائس يوماً ظهراً
وأخذوا ينشدون هذا النشيد الحبيب ليحركوا النخوة القتالية في نفوس المقاتلين؛ الذين ما أصبح في بطونهم شيءٌ من الطعام، وأوشكوا أن يسقطوا على وجوههم من الجوع، فأخذ ينشد معهم ﷺ كما قالوا:
سماه من بعدِ جعيل عَمْراً وكان للبائس يوماً ظهراً
يقول: عمرا، ويقول ظهراً.
وأتى ﵊ في كوكبةٍ من الصحابة وهم يحفرون، فأخذ يردد معهم ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فثبت الأقدام إن لاقينا إنا إذا كيد بنا أبينا
وهذه الأطروحة والأنشودة الغالية أرسلها عبد الله بن رواحة المقاتل العظيم نشيداً للمسلمين، فكان ينشد بها ﷺ .
وبينما هو يحفر ﵊ إذ هو بـ زيد بن ثابت قد أخذ سلاحه عليه ونام في الخندق وهو شاب، فأتى ﵊ يمازحه فحمله بيده، وكان ﵊ قوي البنية، قوي العاطفة، زعيماً إدارياً يقود الدنيا إلى الله ، فحمله بيده وقال له: ﴿قم يا أبا رقاد﴾ فتبسم الصحابة رضوان الله عليهم.
وبينما هم يحفرون، عرضت لهم في الخندق صخرة كبيرة، فتوقفوا عن الحفر؛ لأنها لا تعمل فيها المعاول، ولا تشتغل فيها المساحي، فدُعي الرسول ﷺ ، فأتى والحجر على بطنه الشريف؛ فأين الذين يرمون الموائد في الزبالات والقمائم.
والمسلمون يموتون جوعاً وعرياً وهلاكاً في أفغانستان وفلسطين وإفريقيا وفي كل صقع؟ وهم يموتون في المستشفيات تخماً وحبطاً وتبجحاً بنعمة الله .
فينزل ﵊ فيطلب فأساً، فيناول فأساً ﵊ فيضرب الصخرة؛ فتلمع لمعاناً رهيباً في الجو، فيقول: ﴿والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور كسرى، وإن الله سوف يفتحها عليَّ، ثم يضرب الضربة الثانية فتلمع الصخرة لمعاناً رهيباً في الجو، ويقول: والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور قيصر الروم، ثم يضرب ضربة ثالثة ويلمع البرق العجيب في الجو ويقول: والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور صنعاء﴾ أو كما قال ﵊.
فيتغامز المنافقون ويقولون: لا نجد كسرة الخبز وهو تلمع له قصور كسرى وقيصر!
فلذلك صور الله هذه الصورة ونقلها لنا وهو يبكتهم ويخزيهم -انظر إلى الرسالة الخالدة كيف انتشرت في الأرض- قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] يقولون: لا قصور كسرى ولا قصور قيصر ولا صنعاء وإنما هذا غرور وكذب، ولكن بعد خمسٍ وعشرين سنة يسقط إيوان كسرى الطاغية الظالم على وجهه في الأرض، وينصدع بتكبيرات كتائب الإسلام التي دخلت، فهل هذا غرور؟! وهل هذا كذب؟! وهل هذا دجل؟!
من الذي سجد في صحراء سيبيريا؟!
ومن الذي أعلن لا إله إلا الله في الأندلس؟
ومن الذي خاض بحر الجنج إلا أتباع من ضرب تلك الصخرة.
أرواحنا يا ربِّ فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
وبينما هو يحفر ﵊، وقد بلغ به الجوع مبلغه، واحمر وجهه من الجوع مع الصحابة، أتاه جابر، فوجد هذا الجائع العظيم وهو يكد ويكدح لصالح: لا إله إلا الله، فذهب إلى امرأته وعرض عليها الخبر، وكانت امرأة صالحة قوامة صوامة، فقالت: عندنا عناق، والعناق عند العرب لا تكفي إلا اثنين أو ثلاثة، فما بالُك إذا كانوا جائعين، وبعض الناس يستطيع أن يأكل عناقين إذا جاع لكبر جسمه أو لتعبه.
وقالت: وشيءٌ من شعير فذبح جابر العناق، وسلخها وأنزلها في القدر، وأتى بالشعير فطحنته زوجته وعجنته، وذهب ونادى الرسول ﷺ بصوتٍ خافت؛ لئلا تنفضح المسألة ولا تصبح شائعة فيأتي الناس، فيتكدسون في الشوارع على عناق وعلى شيءٍ من شعير.
لكن الرسول ﷺ رفع صوته ونادى الناس، فظن جابر أن الرسول ﷺ ما فهم الدعوة، فقال في نفسه: حسبنا الله ونعم الوكيل، وذهب ووصل الناس مع الرسول ﷺ وقدم الطعام، ولكن بركة الهادي ﷺ ، والمعجزة الحقة من رب السماوات والأرض تنزل على هذا الطعام، فيأكلون عشرة عشرة، فينتهون كما سلف في الحديث.
стр. 6619
مبارزة علي ﵁ لعمرو بن ود
ويعود ﵊ إلى الخندق، فيأمر بالنساء والأطفال فيلجئهم في الحصون وراء ظهره ﵊، ويدعو الأبطال لينزلوا في أرض المعركة، فينزل ابن أبي طالب ذاك الفارس الذي سجَّل أسطورة الفداء في ذاك اليوم، ويتم والحمد لله حفر الخندق حول المدينة، ويأتي أبو سفيان فيتمركز قريباً من الخندق وتأتي غطفان وتنزل بجانبه، وتأتي قريظة من اليهود، فلما اجتمعوا قال أبو سفيان: إن هذا شيء لا تعرفه العرب، وإنما هو من عند فارس.
ويحاول أبو سفيان أن يخترق الخندق ثلاث مرات ولا يستطيع، وفي المرة الرابعة يخترق أحد فرسان المشركين، واسمه: عمرو بن ود وهو من أشجع العرب على الإطلاق، يسمى بيضة البلد، فيخترق الخندق بفرسه يثب به وثباً ويقفز به قفزاً -وسلاحه عليه- فيدعو: من يبارز؟ من يبارز؟ فيبرز له علي بن أبي طالب.
وعلي في السابعة والعشرين من عمره، وذاك فوق الخمسين، وذاك كأنه اسطوانة، وإن شئت فقل: عمود، فإن عمرو بن ود يصفه المؤرخون: بأنه عظيم جسيمٌ مدره فياض.
فينزل ويقول: من يبارز؟ فيبرز له علي، هو في السابعة والعشرين من عمره لكنه يتوقد حماساً وغيرة لدين الله ، فقال له عمرو بن ود: من أنت؟ قال: أنا ابن أبي طالب فقال له: أنت ابن شيخ الأباطح؟ لأنهم يعرفون أبا طالب، قال: نعم، قال: إنك شابٌ وإني لا أحب أن أهريق دمك، أي: لا أحب أن أذبحك أو أن أسيل دمك، يظن الرجل أنه استعد مائة في المائة للذبح، فقال علي: ولكني والله أحب أن أهريق دمك، فنزل من على فرسه ونزل علي، وكان على علي درع قصيرٌ ﵁، ولكن:
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
وتجاولا، وسد الغبار الأفق، وأصبح المسلمون يكبرون من هذه الناحية، والمشركون يقولون: اعلُ هبل، اعلُ هبل، اعلُ هبل، وأصبحت الرؤية منسدة أمام الأعين، والرسول ﵊ يلتجئ إلى الله أن ينصر هذا الفارس المجاهد؛ فارس الإسلام والمسلمين الذي خرج غيرةً لدين الله، وما أخرجته إلا (لا إله إلا الله) وما وقف في هذا الموقف إلا لينصر شرع الله ، والله يغار، والله يغضب لأوليائه، والنصر للمؤمنين مهما بلغ كيد المعتدين، ومهما ضرب المسلم وأهين، فإن الدائرة على أعداء الله، وينكشف الغبار وإذا بـ أبي الحسن ﵁ وأرضاه -ورحم الله تلك العظام- على صدر الكافر وقد ذبحه كما تذبح الشاة، فيكبر الرسول ﷺ ، ويعود علي مرتجزاً ومنشداً أغنية المعركة وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث غابات كريه المنظره
أكيلهم بالسيف كيل السندره
ويلتجئ ﷺ إلى الله أن يفك هذا الحصار الذي طوق هذه المدينة، ونحن واجبنا أن نلتجئ إلى الله أن يفك كل حصار على الإسلام، فإنه قد حصر الإسلام في كل مكان، ففي أفغانستان يخنق الإسلام ويموت الأطفال في الشوارع، وعلى مطارح الطريق، وتهدم المنازل على رءوس الشيوخ، وفي فلسطين يأتي أعداء الله من إخوان القردة والخنازير بالهراوات، وما كان لهم أن يعتدوا على أعراض المسلمين لكن:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي هل لك بين الأمم منبرٌ للسيف أو للقلم
أو ما كنتِ إذا البغي اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دم
ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم
أين لا إله إلا الله التي تلبي دعوة المسلم من قطرٍ إلى قطر؟ لكن أملنا في الله .
стр. 6620
انهزام المشركين بجنود الله والاستكشاف عن أخبارهم
ويظلم الليل وتهب رياحٌ شديدة وراء الخندق، فتقتلع الأشجار وتأخذ الخيام فتلقيها على الأرض، أما ما دون الخندق -والمسافة بضعة أمتار- فنسيمٌ عليل بارد على القلب، فسبحان الله! يوم يُذكِّر المؤمنين يقول: انظروا كيف أرسلنا الرياح فهي هوجاء عاصفة تلقي بالشجر في هذه الناحية، وفي هذه الناحية نسيم، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩] ريحاً عاصفاً وجنوداً من السماء، وفي تلك الليلة الظلماء الدامسة أراد ﵊ أن يعلم أخبار المعتدين وراء الخندق، قال حذيفة: كدنا من الظلام إذا مد أحدنا يده لم يرها، فيقول ﵊: من يذهب إلى الأعداء ويأتينا بخبرهم؟ فيسكت الناس جميعاً؛ لأن المسألة مسألة موت، لأنهم في جوع، وخوف، ومتلفة، وتعب وإعياء لا يعلمه إلا الله، فيقول ﷺ : ﴿من يذهب وهو رفيقي في الجنة﴾ انظر إلى الجائزة، ليس هناك دراهم ولا دنانير، ولا مناصب ولا كراسي، ولا سيارات أو وظائف، أو قصور.
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
فيسكت المقاتلون، فيقول: ﴿من يذهب وهو رفيقي في الجنة؟ فيسكتون، فيقول: قم يا حذيفة!﴾ وهذا أمر لا يحتاج فتوى، فهذا أمر ولا بد أن ينفذ هذا الأمر إن كنت تؤمن بالله، قال حذيفة: ﴿فلما سمعت اسمي ما كان لي من أمر الله، ولا من أمر رسوله ﷺ بد، فقمت وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، وبي من الخوف ما لا يعلمه إلا الله -في ظلام لا يعلمه إلا الله- قال: فدعاني رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله﴾ انظر ما أحسن الدعاء! وهو الآن أصبح في حراسة وحفظ الله.
يا واهب الآمال أنت حفظتني ورعيتني
وعدا الظلوم عليَّ كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فذهب، قال: فوالله ما وجدت للخوف مكاناً في قلبي، وقال: مرةً أحبوا على يدي؛ لأنه في ظلام بين النخل لا يرى يده، ومرة أمشي حتى نزلت الخندق وذهبت ودخلت في جيش المشركين، فوجدتهم حلقاً حلقاً وأبو سفيان يتدفأعلى نارٍ عنده قد أوقدها، وهذا هو القائد العسكري للحملة كلها، وهو رئيس الحزب الائتلافي غطفان وقريش واليهود، قال حذيفة: فلما جلست رأيت الريح ما أبقت لهم خيمةً إلا أخذتها، وأخذت تكفأ القدور من على النار، فتجعله على وجهه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] قال أبو سفيان وكان من أذكياء العرب: يا أيها الناس! إن الرياح لم تبق لنا قدراً ولا خيمةً إلا أخذتها، فالتمسوا فإني لا آمن أن يرسل محمد في هذا الليل من يأتيه بخبرنا، قال حذيفة: فقال أبو سفيان: كلٌ منكم يسأل من بجانبه، قال حذيفة: فخفت أن يسألني من بجانبي فسبقت وقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ونزلت إلى هذا وقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، لأنه لو سكت وقالوا: من أنت؟ وأتى باسمٍ غريب أو كذب لكُشف فسبقهم.
قال حذيفة: فرأيت أبا سفيان قام على بعيره وقال: أيها الناس! إني مرتحل، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب:٢٥] ردهم والغيظ والنار في صدورهم، لم ينالوا خيراً من الإسلام والمسلمين: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب:٢٥].
ثم التفت الله إلى أبناء القردة والخنازير وقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧] فخرج أبو سفيان، وانفل هذا الحزب الظالم، الذي ائتلف لسحق الحق.
следующие страницы →