Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
ضيافة جابر للمصطفى ﵊ وما فيها من المعجزة
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في غزوة الأحزاب وهو يسوق بسنده إلى جابر ﵁ وأرضاه، قال جابر: ﴿بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الأحزاب إذ عرضت لنا كدية -أي صخرة وهم يحفرون الخندق- قال: فشكونا إلى رسول الله ﷺ ، فنزل ﵊ إلى الخندق بمعولٍ بيده، وعلى بطنه حجرٌ مربوطٌ من الجوع ﵊، قال: فلما رأيت آثار الجوع في بطنه ﵊، ذهبت إلى أهلي، وقلت: هل عندكم من شيء؟ قالت: عناق وشيءٌ من شعير، فَذبحتُ العناق وطحنت هي الشعير وعجنته، ثم ذهبت إلى الرسول ﵊، فأخبرته الخبر وقلت: يا رسول الله! تعال أنت واثنين معك، قال: فلما انتهيت من كلامي لرسول الله ﷺ -وكان قد ساره الخبر لئلا يشعر الناس- نادى ﵊ في أهل الخندق، وقال: يا أيها الناس! إن جابراً صنع لكم طعاماً فحيهلاً بكم -وكانوا مئات من الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبلغوا من المجاعة مبلغاً عظيماً الله أعلم به- فلما سمعوا الخبر ألقوا المساحي من أيديهم والمكاتل وهرعوا إلى الصوت زرافات ووحداناً.
وانطلق أمامهم مربي البشرية، ومعلم الإنسانية ﷺ قال جابر: فأتاني من الحياء ما الله به عليم.
فدخل ﵊ وقال: يا جابر! أين اللحم؟ قلت: يا رسول الله! في البرمة قال: وأين العجين؟ قلت: هذا هو يا رسول الله، فبصق ﵊ فيه -بصقاً مباركاً طيباً ألذ من العسل المصفى، وأحلى من الشهد، ودعا الله وسمى- ثم قال: يا جابر! أدخل الناس عليَّ عشرة عشرة﴾ فأخذ الصحابة يدخلون عشرة عشرة والرسول ﵊ صاحب الضيافة في هذا اليوم يدخلهم ويدنيهم ﷺ ، فكلما أكل عشرة قاموا وأتى عشرة، ثم يقوم العشرة فيأتي عشرة، فدخل هذا العدد الكثير، وهو عدد جيشٍ ضخم يريد أن يرد كيد المعتدين عن المدينة المنورة، فلما انتهوا نظر ﵊ إلى اللحم كما هو لم ينقص شيئاً، وإذا بالشعير بحاله لم ينقص شيئاً.
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
ثم قال: ﴿يا جابر! تعال كل، قال: فدنوت فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ وهو يتبسم وقال: أشهد أني رسول الله، فيقول جابر: أشهد أنك رسول الله، فيقول: يا جابر! كل أنت وأهلك واقسم لجيرانك -أو كما قال ﵊ قال جابر: فقسمنا على جيراننا، فوالذي نفسي بيده لقد باتوا على خبزٍ ولحمٍ في تلك الليلة﴾ وقد ذكر الله هذه الغزوة وعلق عليها، وندد في كتابه بالمعتدين، وأخبر أنه قطع دابرهم، وفل شوكتهم، وأنه كفى المؤمنين القتال.
قال جل ذكره وهو يتحدث في سورة الأحزاب عن ساعة الصفر التي بلغها الرسول ﷺ والصحابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:٩ - ١١] ثم يتحدث الله عن المنافقين: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢].
стр. 6617
تجمع الأحزاب لاستئصال المسلمين في السنة الخامسة للهجرة
وغزوة الأحزاب وقعت حدثاً تاريخياً في واقع المسلمين في السنة الرابعة وقيل في الخامسة، والأصوب أنها في الخامسة، فمن قال في الرابعة ألغى الكسر، ومن قال في الخامسة جبر الكسر، وهذه الغزوة من أشد الغزوات في حياة الرسول ﷺ ، وكادت هذه الغزوة أن تودي بالرسالة وبصاحبها وأن تجتاح الصحابة والمهاجرين والأنصار، وأن تقطع حبل هذه الرسالة، ذلك أن العرب اجتمعوا في حزبٍ ائتلافي، وكونوا جيشاً يريدون به خوض المعركة ضد المصطفى ﷺ .
وهذا الحزب الائتلافي المشرك يتكون من قريش التي بغت على رسول الهدى ﷺ ، ويقودها آنذاك أبو سفيان ومن غطفان التي يقودها عيينة بن حصن ومن بني قريظة اليهود الذين نقضوا عهد الله وكفروا برسل الله.
اجتمعوا عشرة آلاف وتوجهوا إلى المدينة وتعاهدوا وتواعدوا على أن يقاتلوا رسول الله ﵊ حتى ينتهي الدين تماماً، وتنتهي لا إله إلا الله من الأرض، وتنتهي الرسالة، فلا يكون هنالك رسولٌ ولا رسالة، ولا مصل ولا صائم، ولا معتمرٍ ولا حاج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] يقول أحد المفكرين المسلمين: إن المشرك أو الملحد الذي يريد أن يطفئ نور رسالة الإسلام كالطفل الذي ينفخ في الشمس، وهل يطفئ الطفل نور الشمس؟! فهذه رسالته ﵊.
نزل الأحزاب هناك وتمركزوا حول المدينة، وجعلوا النخل وراء ظهورهم، وطوقوا المدينة والرسول ﵊ داخل المدينة، وتصوروا هذا الحدث العظيم، تصور أنك في قرية من القرى مثل المدينة المنورة أنت وجماعة معك، وينزل بك عشرة آلاف مقاتل من أشجع شجعان العرب على الإطلاق؛ كل مقاتل يغلي دمه حقداً وحسداً وبغياً وعدواناً على من في المدينة، يقطعون عنهم الإمدادات، المواصلات، وكل ما استطاعوا أن يقطعوه قطعوه، نزلوا هناك، وحق للقرآن أن يتحدث ويقول ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] فالقلب في موضعه لكنه من الخوف يرتفع حتى يبلغ الحنجرة، ضاقت الأمور وزلزلوا زلزالاً شديداً حتى يقول الله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] حتى أن بعض من أسلم ظن أن الرسالة سوف تنتهي، ولن يعود هناك توحيد في الأرض ولا إسلام، فلما نزلوا هناك اعتد ﵊ بقوة الله ، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ واجتمع بالصحابة الأخيار الذين قاتلوا في بدر وأحد؛ أصحاب السيوف البيضاء، وأهل الأيادي الطولى في دين الله ، واستشارهم ماذا يفعلون؛ فالموقف مربك، أيتركهم يدخلون، ثم يقاتلهم في الزقاق وفي السكك وعلى أفواه الطرق، أم يستسلم ويقدم خطةً استسلامية لينتهي الدين، أم يقدم غرامة مالية وهو لا يملك هو والصحابة ما يملئون بطونهم من الخبز، حتى يربط على بطنه ﷺ الحجارة، أم ماذا يفعل؟
لكن الله في السماء.
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
فتوجه إلى الحي القيوم الذي إذا نصر نصر، وإذا هدى هدى.
واستشار أصحابه ﵊، فتقدم الرجل الذكي المدره الداهية سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه الباحث عن الحقيقة، الذي أتى يقطع آلاف الأميال ليملأ قلبه بلا إله إلا الله، وبعض الناس يسكنون في بعض الأحياء القريبة من المساجد ويسمعون: لا إله إلا الله تتردد فلا يأتون ولا يستمعون.
стр. 6618
حفر الخندق وما فيه من بشارات
فأشار سلمان بأن يُحفر حول المدينة خندقٌ لا تخترقه خيول المشركين، فاستجاب ﷺ لهذا الرأي، وقام الصحابة يحفرون الخندق، وشاركهم المصطفى ﵊ بحفر الخندق بيده، وقامت المعاول والمساحي تشتغل ورسول الهدى ﷺ معهم، كل اثنين من الناس معاً، فأحدهم يحمل المكتل على ظهره، والآخر يعبئ المكتل (الزنبيل).
والرسول ﷺ جعل له رفيقاً من هذا الجيش، وهو جعيل، وهو رجلٌ ضعيفٌ، فكان رفيقاً للرسول ﷺ ، فكان ﵊ ربما يعبئ له الزنبيل، فيحمله هذا المسكين حتى يوصله إلى المكان الآخر، وربما يحمل ﷺ الزنبيل، وكان يقول له ﷺ : يا جعيل! أنت عمرو، فيقول الصحابه:
سماه من بعدِ جعيل عَمْراً وكان للبائس يوماً ظهراً
وأخذوا ينشدون هذا النشيد الحبيب ليحركوا النخوة القتالية في نفوس المقاتلين؛ الذين ما أصبح في بطونهم شيءٌ من الطعام، وأوشكوا أن يسقطوا على وجوههم من الجوع، فأخذ ينشد معهم ﷺ كما قالوا:
سماه من بعدِ جعيل عَمْراً وكان للبائس يوماً ظهراً
يقول: عمرا، ويقول ظهراً.
وأتى ﵊ في كوكبةٍ من الصحابة وهم يحفرون، فأخذ يردد معهم ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فثبت الأقدام إن لاقينا إنا إذا كيد بنا أبينا
وهذه الأطروحة والأنشودة الغالية أرسلها عبد الله بن رواحة المقاتل العظيم نشيداً للمسلمين، فكان ينشد بها ﷺ .
وبينما هو يحفر ﵊ إذ هو بـ زيد بن ثابت قد أخذ سلاحه عليه ونام في الخندق وهو شاب، فأتى ﵊ يمازحه فحمله بيده، وكان ﵊ قوي البنية، قوي العاطفة، زعيماً إدارياً يقود الدنيا إلى الله ، فحمله بيده وقال له: ﴿قم يا أبا رقاد﴾ فتبسم الصحابة رضوان الله عليهم.
وبينما هم يحفرون، عرضت لهم في الخندق صخرة كبيرة، فتوقفوا عن الحفر؛ لأنها لا تعمل فيها المعاول، ولا تشتغل فيها المساحي، فدُعي الرسول ﷺ ، فأتى والحجر على بطنه الشريف؛ فأين الذين يرمون الموائد في الزبالات والقمائم.
والمسلمون يموتون جوعاً وعرياً وهلاكاً في أفغانستان وفلسطين وإفريقيا وفي كل صقع؟ وهم يموتون في المستشفيات تخماً وحبطاً وتبجحاً بنعمة الله .
فينزل ﵊ فيطلب فأساً، فيناول فأساً ﵊ فيضرب الصخرة؛ فتلمع لمعاناً رهيباً في الجو، فيقول: ﴿والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور كسرى، وإن الله سوف يفتحها عليَّ، ثم يضرب الضربة الثانية فتلمع الصخرة لمعاناً رهيباً في الجو، ويقول: والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور قيصر الروم، ثم يضرب ضربة ثالثة ويلمع البرق العجيب في الجو ويقول: والذي نفسي بيده لقد أضاءت لي قصور صنعاء﴾ أو كما قال ﵊.
فيتغامز المنافقون ويقولون: لا نجد كسرة الخبز وهو تلمع له قصور كسرى وقيصر!
فلذلك صور الله هذه الصورة ونقلها لنا وهو يبكتهم ويخزيهم -انظر إلى الرسالة الخالدة كيف انتشرت في الأرض- قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] يقولون: لا قصور كسرى ولا قصور قيصر ولا صنعاء وإنما هذا غرور وكذب، ولكن بعد خمسٍ وعشرين سنة يسقط إيوان كسرى الطاغية الظالم على وجهه في الأرض، وينصدع بتكبيرات كتائب الإسلام التي دخلت، فهل هذا غرور؟! وهل هذا كذب؟! وهل هذا دجل؟!
من الذي سجد في صحراء سيبيريا؟!
ومن الذي أعلن لا إله إلا الله في الأندلس؟
ومن الذي خاض بحر الجنج إلا أتباع من ضرب تلك الصخرة.
أرواحنا يا ربِّ فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
وبينما هو يحفر ﵊، وقد بلغ به الجوع مبلغه، واحمر وجهه من الجوع مع الصحابة، أتاه جابر، فوجد هذا الجائع العظيم وهو يكد ويكدح لصالح: لا إله إلا الله، فذهب إلى امرأته وعرض عليها الخبر، وكانت امرأة صالحة قوامة صوامة، فقالت: عندنا عناق، والعناق عند العرب لا تكفي إلا اثنين أو ثلاثة، فما بالُك إذا كانوا جائعين، وبعض الناس يستطيع أن يأكل عناقين إذا جاع لكبر جسمه أو لتعبه.
وقالت: وشيءٌ من شعير فذبح جابر العناق، وسلخها وأنزلها في القدر، وأتى بالشعير فطحنته زوجته وعجنته، وذهب ونادى الرسول ﷺ بصوتٍ خافت؛ لئلا تنفضح المسألة ولا تصبح شائعة فيأتي الناس، فيتكدسون في الشوارع على عناق وعلى شيءٍ من شعير.
لكن الرسول ﷺ رفع صوته ونادى الناس، فظن جابر أن الرسول ﷺ ما فهم الدعوة، فقال في نفسه: حسبنا الله ونعم الوكيل، وذهب ووصل الناس مع الرسول ﷺ وقدم الطعام، ولكن بركة الهادي ﷺ ، والمعجزة الحقة من رب السماوات والأرض تنزل على هذا الطعام، فيأكلون عشرة عشرة، فينتهون كما سلف في الحديث.
стр. 6619
مبارزة علي ﵁ لعمرو بن ود
ويعود ﵊ إلى الخندق، فيأمر بالنساء والأطفال فيلجئهم في الحصون وراء ظهره ﵊، ويدعو الأبطال لينزلوا في أرض المعركة، فينزل ابن أبي طالب ذاك الفارس الذي سجَّل أسطورة الفداء في ذاك اليوم، ويتم والحمد لله حفر الخندق حول المدينة، ويأتي أبو سفيان فيتمركز قريباً من الخندق وتأتي غطفان وتنزل بجانبه، وتأتي قريظة من اليهود، فلما اجتمعوا قال أبو سفيان: إن هذا شيء لا تعرفه العرب، وإنما هو من عند فارس.
ويحاول أبو سفيان أن يخترق الخندق ثلاث مرات ولا يستطيع، وفي المرة الرابعة يخترق أحد فرسان المشركين، واسمه: عمرو بن ود وهو من أشجع العرب على الإطلاق، يسمى بيضة البلد، فيخترق الخندق بفرسه يثب به وثباً ويقفز به قفزاً -وسلاحه عليه- فيدعو: من يبارز؟ من يبارز؟ فيبرز له علي بن أبي طالب.
وعلي في السابعة والعشرين من عمره، وذاك فوق الخمسين، وذاك كأنه اسطوانة، وإن شئت فقل: عمود، فإن عمرو بن ود يصفه المؤرخون: بأنه عظيم جسيمٌ مدره فياض.
فينزل ويقول: من يبارز؟ فيبرز له علي، هو في السابعة والعشرين من عمره لكنه يتوقد حماساً وغيرة لدين الله ، فقال له عمرو بن ود: من أنت؟ قال: أنا ابن أبي طالب فقال له: أنت ابن شيخ الأباطح؟ لأنهم يعرفون أبا طالب، قال: نعم، قال: إنك شابٌ وإني لا أحب أن أهريق دمك، أي: لا أحب أن أذبحك أو أن أسيل دمك، يظن الرجل أنه استعد مائة في المائة للذبح، فقال علي: ولكني والله أحب أن أهريق دمك، فنزل من على فرسه ونزل علي، وكان على علي درع قصيرٌ ﵁، ولكن:
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
وتجاولا، وسد الغبار الأفق، وأصبح المسلمون يكبرون من هذه الناحية، والمشركون يقولون: اعلُ هبل، اعلُ هبل، اعلُ هبل، وأصبحت الرؤية منسدة أمام الأعين، والرسول ﵊ يلتجئ إلى الله أن ينصر هذا الفارس المجاهد؛ فارس الإسلام والمسلمين الذي خرج غيرةً لدين الله، وما أخرجته إلا (لا إله إلا الله) وما وقف في هذا الموقف إلا لينصر شرع الله ، والله يغار، والله يغضب لأوليائه، والنصر للمؤمنين مهما بلغ كيد المعتدين، ومهما ضرب المسلم وأهين، فإن الدائرة على أعداء الله، وينكشف الغبار وإذا بـ أبي الحسن ﵁ وأرضاه -ورحم الله تلك العظام- على صدر الكافر وقد ذبحه كما تذبح الشاة، فيكبر الرسول ﷺ ، ويعود علي مرتجزاً ومنشداً أغنية المعركة وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث غابات كريه المنظره
أكيلهم بالسيف كيل السندره
ويلتجئ ﷺ إلى الله أن يفك هذا الحصار الذي طوق هذه المدينة، ونحن واجبنا أن نلتجئ إلى الله أن يفك كل حصار على الإسلام، فإنه قد حصر الإسلام في كل مكان، ففي أفغانستان يخنق الإسلام ويموت الأطفال في الشوارع، وعلى مطارح الطريق، وتهدم المنازل على رءوس الشيوخ، وفي فلسطين يأتي أعداء الله من إخوان القردة والخنازير بالهراوات، وما كان لهم أن يعتدوا على أعراض المسلمين لكن:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي هل لك بين الأمم منبرٌ للسيف أو للقلم
أو ما كنتِ إذا البغي اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دم
ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم
أين لا إله إلا الله التي تلبي دعوة المسلم من قطرٍ إلى قطر؟ لكن أملنا في الله .
стр. 6620
انهزام المشركين بجنود الله والاستكشاف عن أخبارهم
ويظلم الليل وتهب رياحٌ شديدة وراء الخندق، فتقتلع الأشجار وتأخذ الخيام فتلقيها على الأرض، أما ما دون الخندق -والمسافة بضعة أمتار- فنسيمٌ عليل بارد على القلب، فسبحان الله! يوم يُذكِّر المؤمنين يقول: انظروا كيف أرسلنا الرياح فهي هوجاء عاصفة تلقي بالشجر في هذه الناحية، وفي هذه الناحية نسيم، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩] ريحاً عاصفاً وجنوداً من السماء، وفي تلك الليلة الظلماء الدامسة أراد ﵊ أن يعلم أخبار المعتدين وراء الخندق، قال حذيفة: كدنا من الظلام إذا مد أحدنا يده لم يرها، فيقول ﵊: من يذهب إلى الأعداء ويأتينا بخبرهم؟ فيسكت الناس جميعاً؛ لأن المسألة مسألة موت، لأنهم في جوع، وخوف، ومتلفة، وتعب وإعياء لا يعلمه إلا الله، فيقول ﷺ : ﴿من يذهب وهو رفيقي في الجنة﴾ انظر إلى الجائزة، ليس هناك دراهم ولا دنانير، ولا مناصب ولا كراسي، ولا سيارات أو وظائف، أو قصور.
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
فيسكت المقاتلون، فيقول: ﴿من يذهب وهو رفيقي في الجنة؟ فيسكتون، فيقول: قم يا حذيفة!﴾ وهذا أمر لا يحتاج فتوى، فهذا أمر ولا بد أن ينفذ هذا الأمر إن كنت تؤمن بالله، قال حذيفة: ﴿فلما سمعت اسمي ما كان لي من أمر الله، ولا من أمر رسوله ﷺ بد، فقمت وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، وبي من الخوف ما لا يعلمه إلا الله -في ظلام لا يعلمه إلا الله- قال: فدعاني رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله﴾ انظر ما أحسن الدعاء! وهو الآن أصبح في حراسة وحفظ الله.
يا واهب الآمال أنت حفظتني ورعيتني
وعدا الظلوم عليَّ كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فذهب، قال: فوالله ما وجدت للخوف مكاناً في قلبي، وقال: مرةً أحبوا على يدي؛ لأنه في ظلام بين النخل لا يرى يده، ومرة أمشي حتى نزلت الخندق وذهبت ودخلت في جيش المشركين، فوجدتهم حلقاً حلقاً وأبو سفيان يتدفأعلى نارٍ عنده قد أوقدها، وهذا هو القائد العسكري للحملة كلها، وهو رئيس الحزب الائتلافي غطفان وقريش واليهود، قال حذيفة: فلما جلست رأيت الريح ما أبقت لهم خيمةً إلا أخذتها، وأخذت تكفأ القدور من على النار، فتجعله على وجهه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] قال أبو سفيان وكان من أذكياء العرب: يا أيها الناس! إن الرياح لم تبق لنا قدراً ولا خيمةً إلا أخذتها، فالتمسوا فإني لا آمن أن يرسل محمد في هذا الليل من يأتيه بخبرنا، قال حذيفة: فقال أبو سفيان: كلٌ منكم يسأل من بجانبه، قال حذيفة: فخفت أن يسألني من بجانبي فسبقت وقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ونزلت إلى هذا وقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، لأنه لو سكت وقالوا: من أنت؟ وأتى باسمٍ غريب أو كذب لكُشف فسبقهم.
قال حذيفة: فرأيت أبا سفيان قام على بعيره وقال: أيها الناس! إني مرتحل، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب:٢٥] ردهم والغيظ والنار في صدورهم، لم ينالوا خيراً من الإسلام والمسلمين: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب:٢٥].
ثم التفت الله إلى أبناء القردة والخنازير وقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧] فخرج أبو سفيان، وانفل هذا الحزب الظالم، الذي ائتلف لسحق الحق.
стр. 6621
إصابة سعد بن معاذ وحكمه في بني قريظة ووفاته ﵁
أما سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه فله الموقف المشهور يوم الخندق، وإن ننس كل موقف فلن ننسى موقفه.
فالشاب الذي بلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً، أما ثلاثون فكانت في الجاهلية، وأما سبعٌ ففي الإسلام، لكنها سبع سنوات تعادل سبعة قرون، لأنه لا يجوز لك بعد أن تهتدي إلا أن تجعل كل دقيقة لله ، فبعد سبع سنوات جعله الله شهيداً يهتز له عرش الرحمن، حتى يقول بعض المفكرين: بعض الناس يعيش في الإسلام سنة لكنها خيرٌ عند الله من ألف سنة.
عاش فلما أصبح في هذا السن نزل ليشارك في الخندق وينزل بدرعٍ عليه، فلما تصاول الفريقان أرسل ابن عرقة أحد المشركين سهماً، فوقع في ذارع سعد بن معاذ صاحب الخطب والمواقف المشهودة التي لا تنسى أبد الدهر، أسكن الله تلك العظام الجنة، وسقاه من الحوض المورود، وحشرنا معه وإياكم أجمعين.
فوقع سهم في ذراعه فقال ذاك الكافر: خذها وأنا ابن عرقة، فقال سعد بن معاذ: عرق الله وجهك في النار، وعاد ﵁ وأرضاه وذراعه يسيل بالدم وتقبل منه ﷺ هذه الهدية التي رفعها إلى الله وهي نفسه، لأنه وقع السهم في الأكحل، والأكحل عند العرب من أصعب المناطق التي إذا ضربها السهم فإن معناه الموت والقتل، وكان يرتجز لما ضرب بالسهم ويقول:
لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل ما أجمل الموت إذا الموت نزل
فيأتي ويسيل دمه قطرة قطرة وجاماً بعد جام، ودفعة بعد دفعة، لكنه يسيل مسكاً أذفر، يلقى الله الريح ريح المسك واللون لون الدم.
فيضرب له ﷺ خيمةً في المسجد وينزله فيها ليمرضه من قريب، ويأتيه ويزوره في تلك الليالي ودمه يسيل، وسعد يلتفت إلى القبلة ويرفع يده ويقول: اللهم إن كنت أبقيت حرباً لقريش مع رسولك ﵊ فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب فتوفني في هذه الساعة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
ثم يستمر الحال به، ويزوره ﵊، وبينما يفتح ﷺ قريظة قال: من ترضون أن يكون حكماً بيني وبينكم؟ فقالوا: نرضى بـ سعد بن معاذ؛ لأنه كان حليفهم في الجاهلية، وظنوا أنه سوف يداهنهم ويحابيهم، وظنوا أن الصداقة مكانها، ولكن ما دروا أن الأحداث تغيرت، وأن القلوب غير تلك القلوب.
قال الرسول ﷺ : اذهبوا إلى سعد وأتوا به، فذهبوا إليه فأركبوه على حمار، وكان رجلاً طويلاً، وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، وعليه مطارف -كلما لبس لباساً أثقله وأغرقه من دم ذراعه، فأخذوا يركبونه وحوله صف من الأنصار، وعن يمينه صف وعن يساره صف، ويقودون الحمار ويقولون: يا أبا عمرو! تلطف بحلفائك، أي: حاول أن تشفع لهم، أو مثل هذا الكلام الطائش، فيقول: والله لا تأخذني بالله لومة لائم، فلما وصل إلى الرسول ﷺ قال: أيرضى بحكمي من هنا؟ احترام للرسول ﷺ ، قال: نعم.
وقال: أترضون بحكمي؟ -يقول: لأبناء القردة والخنازير- قالوا: نعم.
فيلتفت ويقول: أحكم فيهم -يا رسول الله- بأن تقتل مقاتلتهم -كل من حمل السلاح يعدم إعداماً- وأن تسبى ذراريهم، وأن تؤخذ أموالهم، فتبسم ﷺ وقال: ﴿فوالذي نفسي بيده لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات!﴾.
هذا هو حكم الله في أعداء الله، وقتلة الأنبياء والرسل.
أخذوا صحيفة الرسول ﷺ -المعاهدة- يوم دخل المدينة ووقعها فوقعوها: أنه إذا اعتُدي على المدينة أو على أي حيٍ من أحياء المدينة أن يكونوا يداً واحدة، أو على أي حيٍ من أحياء اليهود أن يقوموا يداً واحداً، فأتوا إلى هذه الصحيفة فشقوها، وتفلوا فيها، وداسها بعضهم بأرجله، وقالوا: تنفع محمداً صحيفته، ودخلوا مع أعدائه في حلفٍ وحزبٍ ائتلافي ليهاجموا المدينة فما جزاؤهم إلا هذا.
وعاد سعد وقام السيف يجزر في أعداء الله حتى ارتفع النهار، وقتل سبعمائة ملك من ملوكهم في الخندق، وسُبيتْ ذراريهم وأُخذتْ أموالهم، وعاد سعد فيسيل جرحه، ويعود ﷺ سعداً وهو في آخر رمق، وهو يتلفت إلى الحياة وهي زهيدة في عينه، ذهبها لا ينفع، وفضتها لا تجدي، لا مناصب، ولا دور ولا قصور، وإنما الدور والراحة العميمة في الجنة، ويودعه ﷺ وهو في الرمق الأخير، قالت عائشة: ﴿فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد كنت أنظر من صائر الباب، فأعرف بكاء رسول الله ﷺ من بكاء عمر من بكاء أبي بكر﴾.
وأخذ أبو بكر -كما في سير النبلاء للذهبي - يقول: [[واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد]] لأنه هو القائد الشهير في الأنصار، فلما ارتفعت روحه قال في الألفاظ الأخيرة: جزاك الله يا رسول الله، عن الإسلام خير الجزاء، لقد لقينا ما وعدنا ربنا حقاً.
ثم توفي فأخذ النبي ﷺ يدعو له.
لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهمٍ يموت بموته بشرٌ كثير
ويقول ﷺ : أتدرون ماذا حدث لموت سعد؟ قالوا: لا والله، قال: ﴿والذي نفسي بيده لقد اهتز عرش الله لموت سعد﴾ وفي بعض الروايات لما توفي سعد اهتز عرش الله لموته، فأخذت الملائكة بأقطاب العرش يقولون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
وأخذ حسان يترنم بمرثية عظيمة وهو من شعراء الأنصار يقول:
وما اهتز عرش الله من موت هالكٍ سمعنا به إلا لـ سعد أبي عمر
ويحضر ﷺ مراسيم تشييع الجنازة والدفن، ويكفكف ثيابه، فيقولون: ما لك يا رسول الله؟! قال: ﴿والله ما أرى شبراً في الأرض إلا وفيه ملك، والله لقد شيع سعداً سبعون ألف ملك من ملائكة السماء﴾ ويستحق هذا الفارس البطل الشاب الذي بذل مهجته في سبيل الله، فهنيئاً لأولئك النفر: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
ويعود أبو سفيان، وتعود غطفان وقريش، ويُسحق بنو قريظة سحقاً تاماً، وتنتصر: لا إله إلا الله، وترتفع كما كانت دائماً وأبداً.
إن هذا الدين لن يموت، إنه يمرض ولكنه لا يموت، وإنَّ أصحابه يمرضون ولكن لا يموتون، وسوف ينتصر -بإذن الله- مهما طالت الأزمان.
стр. 6622
غزوة بني قريظة
وينتهي ﷺ من المعركة ويعود من الخندق، والغبار قد عبأ ثيابه ﷺ وقد أشعث رأسه، فيدخل إلى المغتسل، ويخلع درعه وثيابه ويغتسل بالماء ﷺ ، فيأتيه جبريل ويقول: يا رسول الله! تضع الدرع من عليك والسلاح! والله ما وضعت الملائكة الدروع من عليها والسلاح، وإنها تريد بني قريظة؛ لأنهم خانوا العهد، فيقول النبي ﷺ : ﴿أيها الناس! لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة﴾ وهم قريب من المدينة، فيخرجون في كتائب، ويخرج جبريل في أول الكتائب ﵇، والغبار ينقاد من على رأسه، قال أحد الصحابة: مر بنا رجلٌ كأنه دحية الكلبي، والغبار على رأسه وعليه عمامة بيضاء، فقال ﵊: هل رأيتم أحداً مر من هذا المكان، قلنا: نعم يا رسول الله! رأينا دحية الكلبي، فتبسم وقال: ليس ذاك بـ دحية الكلبي ولكنه جبريل، ذهب بالملائكة إلى بني قريظة، فوصل ﵊، فلما اقترب من بني قريظة، قال: يا إخوان القردة والخنازير! انزلوا عليكم لعنة الله، قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت فحاشاً، اسمع التلطف ما أحسنه، وهم قبل ليلة كانوا يزعزعون المدينة ويزلزلونها، ويشعلون النار، فأخذ ﵊ يحرق أشجارهم، وأخذ يضيق الحصار عليهم.
стр. 6623
قصة أبي لبابة
وفي الأخير قالوا: أرسل لنا رجلاً، فقال: من يخرج إليهم؟ قال أبو لبابة: أنا، فقال ﷺ : اصعد لهم في الحصون، فصعد إليهم وكان حليفاً لهم، فلما رأوه بكوا بكاءً شديداً وتنابحوا في وجهه كالكلاب، وأخذوا يقدمون الأطفال والجواري في وجهه، ويقولون: أترضى بأن يذبح هؤلاء؟ بماذا تنصحنا؟ أتنصحنا أن ننزل لمحمد أم تنصحنا أن نبقى في حصوننا؟ فقال: كذا، (يشير بيده إلى رقبته) يقول: إذا نزلتم فسوف يذبحكم الرسول ﷺ ، وهذه الإشارة تكفي عن الكلام.
فينزل ﵁ وأرضاه وقد أساء وعلم أنه قد أساء، فيذهب ولا يمر بالرسول عليه ﷺ ولا بالصحابة، ولكن يذهب إلى المسجد فيأتي إلى سارية من سواري مسجده ﵊، فيربط نفسه بالسارية ويبكي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لا أفك نفسي ولا أحل الحبل حتى يحله الرسول ﷺ ، لقد خنت الله ورسوله، وبالفعل هذه خيانة، فيسمع ﵊ ويقول: أين أبو لبابة؟ ما عاد إلينا، قالوا: حدث من أمره كذا وكذا، فيقول ﵊: وأنا والذي نفسي بيده لا أحله حتى يتوب الله عليه.
لأنه هو الذي أساء، فلما أنزلهم ﷺ وذبحهم توجه إلى المدينة ونزل فيها وأخذ الصحابة يمرون على أبي لبابة وهو يبكي بكاءً مراً، وكلما اقترب منه رجل ليحل الحبل أبى قال: لا.
حتى يحله الرسول ﷺ ، فينزل الله توبته من فوق سبع سماوات، ويغفر له ذنبه، ويقوم ﵊ فيفك الحبل بيده، فيقوم وقد فرح بتوبة الله بتوبته.
هذه أحداث الأحزاب والخندق، وإن شئت فألحق معها بني قريظة وما حدث فيها، وفي هذه القصة مسائل:
стр. 6624
المسائل المهمة في غزوة الأحزاب
стр. 6625
حضور جابر للمعجزات
جابر بن عبد الله رجل الموقف المشهود ومعجزته في أن الرسول ﷺ دعا في طعامه بالبركة، وبارك الله في طعامه، وجابر من أكثر الصحابة روايةً للمعجزات، ودائماً يعيش المعجزات مع الرسول ﵊.
فمن ضمن المعجزات التي يرويها جابر، يقول: ﴿استلفت من يهودي مالاً فأتى يستقضيني أو يطلب مني القضاء، فما وجدت له شيئاً إلا من تمر، فضيق عليَّ؛ فذهبت إلى الرسول ﷺ فقال: اجمع لي ما عندك من التمر، قلت: يا رسول الله! لا يكفي! قال: اجمعه لي، قال: فجمعته على حصير، فأتى رسول الله ﷺ ودعا فيه بالبركة، قال: فقضيت اليهودي، وقضيت كل من له دينٌ عليَّ وبقي التمر كما هو، كأنه والله لم ينقص تمرةً واحدة، فقال لي ﵊: يا جابر! أخبر عمر بن الخطاب بهذا، قال جابر: فذهبت إلى عمر فأخبرته، فتبسم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنه رسول الله، والله لقد علمت أنه ما خرج إلى تمرك إلا وسوف يبارك الله في التمر﴾.
ومرة ثانية في صحيح مسلم، يقول جابر: ﴿خرجت مع رسول الله ﷺ في البرية في إحدى الغزوات، يقول: فانطلقت معه ليقضي حاجته ﷺ ، فقال: يا جابر! اذهب إلى تلك الشجرة فقل: يقول لكِ رسول الله: تعالي، فذهب إليها وقال لها: يقول لكِ رسول الله ﷺ : تعالي﴾ وهذا الحديث في صحيح مسلم؛ الذي سنده كنجوم السماء.
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
قال: ﴿فقلت لها: تعالي، قال جابر وقد عمي في آخر حياته: والذي أخذ بصري لقد رأيتها تخد الأرض خداً، أي: تشق الأرض شقاً، فأتت ووقفت عنده!! ثم ذهب إلى الشجرة الأخرى، فقال لها: يقول لكِ رسول الله ﷺ : تعالي، فأتت تشق الأرض حتى وقفت بجانب أختها!! فلما انتهى ﷺ قال: يا جابر! قل لهما تعودان فعادتا إلى مكانيهما، ثم قال جابر: أشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله﴾.
стр. 6626
لمن تكون الدنيا ؟
ومما يستنبط من هذه الغزوة أن هذه الدنيا يعطيها الله البر والفاجر، وأن أولياءه قد يجوعون ويتعبون ويضربون ويسجنون، ولكن الخاتمة لهم والعاقبة للمتقين: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
стр. 6627
حذيفة بن اليمان وقصة الفداء
حذيفة بن اليمان صاحب قصة الفداء، والذي قدم نفسه رخيصة فحفظه الله في تلك الليلة، وأعطاه الله الجنة، كان الرسول ﷺ يدفع الثمن للصحابة سلعةً ليست برخيصة، وهي السلعة الغالية الجنة، لم يكن يمنيهم بالدنيا أبداً، ولذلك ينبغي على المسلم والمربي أن يجعل أماني أبنائه وتلاميذه وطلابه الجنة؛ فلا يقل لأبنائه: من يحفظ منكم جزءاً من القرآن؛ أعطيه سيارة، فإذا حفظ الجزء؛ أعطاه سيارة، فأخذ يفحط بها ويدور وينسى الجزء، وفي الأخير ينسى الصلاة فلا يصلي مع الناس في المسجد، ولا يجعل أمانيهم دائماً في الأكل والشراب والأموال، ليتعلق دائماً وهو يدعو في السجود، ويقول: اللهم نجحني لآخذ الأموال.
ولذلك لم يقل رسول الله ﷺ لـ أبي بكر سوف تكون الخليفة بعدي، ولا قال لـ خالد سوف تقود الجيش، ولا قال لـ علي سوف يكون ترتيبك الرابع في الخلافة، فإن الدنيا سهلة وهينة.
ولذلك لما انتصروا، وقدمت لهم الدنيا؛ ما رضوا بها؛ لأنها لا تكافئ تعبهم، ولا توفي ما قدموه للإسلام، فإنسان يجهد ستين سنة ويتعب ويجوع ويضرب ظهره، ويمزق جلده في سبيل الله وبعدها يحصل على إمارة!!
إن الإمارة لا تكافئ هذا التعب، يقول: أنا لا أريد إلا الجنة، ولا أريد إلا رضا الله، حتى يدعى سعد بن أبي وقاص إلى الخلافة، فيقول: لا والله أنا لا أريد الخلافة، قالوا: لم؟ قال: أنا لا أسعى إلى الخلافة، فخلافة الدنيا لا تساوي تعب سعد بن أبي وقاص ساعة واحدة من نهار، حتى يقول: والله إني أولى بعد موت علي بالخلافة، وإني أولى بها من بردي هذا.
ولما حضرته الوفاة أخذت ابنته تبكي، فقال: [[ابكي أو لا تبكي، فوالله إني من أهل الجنة]] قال الذهبي: صدقت هنيئاً لك ومريئاً، والله إنه من أهل الجنة؛ لأن النبي ﷺ بشره بالجنة.
فمن الدروس التربوية هنا: أن على الأستاذ والمربي وصاحب البيت أن يربي ابنه على هذا، فيقول: إذا حفظت جزءاً أو شيئاً من القرآن؛ دعاك الله يوم القيامة على رءوس الأشهاد، وألبسك حللاً من حلل الجنة، والحافظ منكم يدعوه الله كما صح في الحديث ويقول: ﴿اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك أو درجتك عند آخر آية تقرؤها﴾ وهذه الأماني والتربية التي أحدثها ﷺ في الكون، ولذلك بقيت تربيته خمسة عشر قرناً.
стр. 6628
إنشاده ﷺ وجواز الحداء
النشيد في المعركة هو أغاني المعركة التي تستحبه العرب دائماً، فهم ينشدون، فالرسول ﷺ أنشد واستمع له، وردد الصحابة معه ﷺ ، فلك أن تنشد وأنت مسافر، وذكر ابن الجوزي في كتاب مناقب عمر: أن عمر قال: [[أنشدوا لنا في السفر، فهو زاد الراكب]].
فما أحسن النشيد الذي يحثك على طاعة الله! ويحبب لك القدوم بين يدي الله ويرفع من معنوياتك! وهذا يسمى الحداء عند العرب، وسبب الحداء -كما مر معنا في مناسبة- أن رجلاً من العرب ضرب غلامه، فبكى الغلام، فأخذت الرواحل تهز رءوسها وتمشي بقوة، فاكتشف هذا الاكتشاف العجيب، أن الإبل تسرع على الحداء، فكانوا ينشدون.
وفي صحيح البخاري أن أنجشة صاحب الصوت الجميل أخذ ينشد فأخذت الجمال تلعب بالنساء على ظهورها وتكاد أن تسقطهن، ويقول ﵊: ﴿يا أنجشة! رويداً بالقوارير﴾ -يعني بالنساء لا تسقطهن من على الجمال.
стр. 6629
جواز المزاح بضوابط
وفيه مداعبته ﷺ لـ زيد بن ثابت، وجواز المزاح إذا لم يخل بالشرف، ولم يكن فاحشاً ولا مكثراً صاحبه، قيل لـ سفيان الثوري: المزاح هجنة، أي يهجن الإنسان، ويقلله ويصغر من قدره، قال: بل سنة، ولذلك كان رسول الله ﷺ ألطف الناس، وكان قريباً إلى القلوب، لأنه يأسر الأرواح إلى الله ، ولم يكن يقبض وجهه في وجوه الناس؛ لأنه يريد أن يقود الناس إلى جنة عرضها السماوات والأرض، لذلك يقول فيه سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
стр. 6630
علي بن أبي طالب يذبح طاغية المشركين
وعلي دائماً فارسٌ في القتال، وهو صاحب أسطورة التضحية والبذل في سبيل الله، فرضي الله عنه وأرضاه، أقبلت إليه الدنيا وقد تولى الخلافة فأدبر عنها، وأخذ يقول للشباب وللأجيال وللمدارس وللمؤسسات العلمية وهذه المقولة مكتوبة في صحيح البخاري يقول: [[يا أيها الناس! إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]] رضي الله عن عبده المرتضى علي بن أبي طالب، وسيفه المنتضى، وحشرنا معه في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
стр. 6631
تأخير صلاة العصر ودعاؤه ﷺ على المشركين
وقد صح في أحاديث أن الصلوات التي فاتته يوم الخندق وهو محاصر: صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب ثم دخل في صلاة العشاء، هذا في روايات، وبعض أهل العلم يصحح صلاة الظهر، وبعضهم يضعفها، لكن الذي في الصحيحين أن الرسول ﵊ قال: ﴿شغلونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً﴾ وفي رواية: ﴿شغلونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- ملأ الله صدورهم وقبورهم ناراً﴾ يعني المشركين.
وسبب ذلك أن عمر أتى إلى الرسول ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! والله ما صليت العصر! قال ﷺ : وأنا والله الذي لا إله إلا هو ما صليت العصر إلى الآن -وقد غربت الشمس- فأتى ﵊ بعدما غربت الشمس، فأذن بلال وأقام فصلى الظهر؛ وهذا في رواية ذكرها ابن كثير ثم صلى العصر ثم صلى المغرب، ثم صلى العشاء﴾ ثم بيَّن ﷺ في هذا أموراً، وأول شيءٍ نستفيده أن الصلاة الوسطى صلاة العصر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فالقول الراجح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
الأمر الثاني: ما هي العلة في أن يؤخر ﷺ الصلوات هنا، والله قد شرع صلاة الخوف وقت المعركة؟
فالسؤال المطروح: لماذا لم يصل ﷺ صلاة العصر وقد فرض الله صلاة الخوف؟ يجاب عن هذا بجوابين لا ثالث لهما عند أهل العلم:
الجواب الأول: أن صلاة الخوف لم تنزل إلا متأخرة، ولم تفرض صلاة الخوف آنذاك، ولو فرضت لصلاها ﵊ صلاة الخوف، وهذا جواب للإمام الشافعي، ورد عليه أن صلاة الخوف نزلت قبل الخندق، فلا دليل له إذاً في النسخ.
وقيل: إن الرسول ﷺ نسي الصلوات، وهذا جوابٌ بعيد ولا أعده من الجوابين، لكن أورده ابن كثير وغيره أن الرسول ﷺ نسي هو والصحابة الصلوات، فما صلوها إلا بعد المغرب.
وقيل: يستبعد أن ينسوا؛ لأنهم أكثر الناس اهتماماً بالصلاة، ولأنهم جمعٌ غفير فكيف ينسون كلهم ويجمعون على النسيان؟ لا يكون هذا.
والجواب الثاني: أن الرسول ﷺ شغل حتى ما استطاع أن يصلي صلاة الخوف، فأخرها ﷺ فبدأ يصليها مرتبةً ﷺ .
القضية الأخرى الكبرى: من فاتته صلواته فهل له أن يقضيها مرتبة، أو له أن يقدم أو يؤخر فيها.
وهذه تشمل صورتين: مثلاً نمت عن صلاة العشاء، وصلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، واستيقظت بعد صلاة العصر، فماذا تفعل؟
السنة أن تقضيها مرتبة، فتبدأ بالعشاء ثم الفجر، ثم الظهر، ثم العصر هكذا، ولا تقدم بعضها على بعض.
واستدل الشافعية بترتيب الفوائت بهذا الحديث، لكن هنا صورة يوردها ابن تيمية، مثلاً: نمت أنت عن صلاة الظهر، وأتيت المسجد، فوجدت الناس يصلون العصر، فهل لك أن تدخل معهم لتصلي العصر، ثم تصلي الظهر بعدها، أم تنفصل وتصلي الظهر ثم تدخل معهم؟ أم تصلي الظهر معهم وهم يصلون العصر فتشاركهم في صلاة العصر، وأنت تصلي الظهر؟ لك حلان في هذه المسألة:
أولاً: لك أن تدخل معهم بنية أنك تصلي الظهر وهم يصلون العصر، فتصلي الظهر ثم تصلي العصر بعد.
ثانياً: أن تدخل معهم فتصلي العصر، فإذا صليت العصر فصل بعدها الظهر، وهذه الصورة التي يقع فيها كثير من الناس وحلها كما ذكرت، والحل الأخير هو الأصوب والراجح إن شاء الله فيما يظهر، فتدخل معهم في صلاة العصر، فإذا صليت العصر فصل بعد العصر الظهر.
стр. 6632
سعد بن معاذ وجرحه في الخندق
إن الشهيد الذي يقتل في غير معركة يغسل؛ لأنه أثر أنه غسل؛ لأنه ما مات في المعركة مباشرةً، وإنما مرَّض فترة من الزمن، ثم مات بعدها من هذه الجراح، فغسِّل وكفن وصلي عليه، فالشهيد الذي لا يقتل مباشرة في المعركة، وإنما يبقى فترة أشهر يغسل ويصلى عليه، هذا هو الراجح في هذه المسألة.
стр. 6633
نعيم بن مسعود الداهية الأريب والدبلوماسي الناجح
فهذه من كلمات بعض أهل العلم في هذا العصر؛ يتحدثون عن أحد الناس الذين شتتوا كلمة المشركين، فـ نعيم بن مسعود مسلم من غطفان، أتى إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أسلمت، وإن لي رأياً ومكيدةً في الحرب، فهل تأذن لي أن أشتت كلمة المشركين، وأن أقول في غيابك ما أقول؟ قال ﷺ : خذل عنا ما استطعت، أي خذل في صفوف المشركين في صالح الإسلام ما استطعت.
فذهب هذا الإسلامي الأريب الداهية إلى المشركين، فأتى كل قبيلة على حدة، ظاهره النصيحة، وباطنه يريد أن يفت في عضدهم ويشتت شملهم، فذهب إلى كفار قريش فقال: أما ترون أني أخوكم وأني ناصحٌ لكم؟ قالوا: لا نتهمك، قال: أرى أن اليهود سوف يقولون لكم إذا نزلتم في المدينة، لا نقاتل معكم حتى تعطونا أسرى من أشرافكم، وقصدهم أنهم يذبحونهم أو يقدمونهم لمحمد لأنهم اتفقوا مع محمد وقد لاموا أنفسهم على حربه وقالوا: إذا أتانا المشركون فسوف نأخذ من أعيانهم أناساً ونعطيك إياهم فداءً فاقتلهم وارض عنا، قالوا: أصبت ونصحت وأجدت، وهذا العهد بك.
ثم ذهب إلى غطفان وقال: يا غطفان! أنا أخوكم وصديقكم ولا تتهموني، قالوا: لا نتهمك أنت الناصح، قال: إن اليهود سوف يأخذون من أشرافكم أناساً ويطلبونكم أسرى؛ فلا تعطوهم أسارى فإنهم سوف يعطونهم محمداً يقتلهم لأنهم ندموا، قالوا: أجدت وذلك العهد بك.
ثم ذهب إلى اليهود وقال: يا بني قريظة! أنا صاحبكم وأخوكم، قالوا: صدقت لا نتهمك، قال: فإن قريشاً وغطفان سوف يقاتلون محمداً ثم يذهبون، ويتركون الدائرة عليكم فيقتلكم ويسبي ذراريكم، فأرى أن تأخذوا من أعيانهم أسارى، وتأخذوا من وجوههم أناساً، ليكونوا أسارى عندكم حتى يقاتلوا معكم إلى آخر المعركة، قالوا: ذاك الرأي ولا نتهمك.
فالتقوا جميعاً فبدأت اليهود تقول: أعطونا من أعيانكم، فقالت قريش: صدق نعيم بن مسعود يا أعداءنا! أو كما قالوا، وقامت غطفان وقالوا: نصحنا نعيم بن مسعود، فأخذوا يتحاثون بالتراب ويتسابون ففت الله في عضدهم.
ولذلك المكيدة جائزة ضد أعداء الله ، والحرب خدعة، ولك أن تخدع أعداء الله ، أو كل كافرٍ ومنافق بما للإسلام صلاح، وأن هذا ليس من النفاق، ولا يعد من الذنوب وإنما يعد في الصالح العام.
стр. 6634
إدخال الناس عشرة عشرة على الطعام
ويمكن أن يؤخذ منه سنة أن من يجلس على المائدة -هذا الأولى والأحسن اقتداءً بفعله ﷺ أن يكون عشرة عشرة، فإذا قدمت الناس في وليمة أو في مناسبة فاجعلهم عشرة عشرة لتصيب السنة كما فعل ﵊، وليتنا نطبق في أمورنا وشئوننا في الحياة كما نفعل في الطعام، فأحاديث الطعام والحمد لله محفوظة، لكن أحاديث القيام بأمر الله وبالاستقامة على أمره تنسى كثيراً.
فإن من قدم إحدى عشر على مائدة سوف يبقى من أهل السنة والجماعة إن شاء الله، ولكن لو قدم عشرة لا بأس، وإذا نقص ضيوفك وما كانوا إلا ثمانية فلا تؤخرهم؛ حتى تبحث عن اثنين وتحضرهم، فيجوز أن تقدمهم ثمانية بالإجماع.
стр. 6635
ابتلاء المؤمنين
ومنها امتحان المؤمنين بالخوف والفزع، فبعض المرات حين تأتيك الأزمات اعلم أنها تربية من الله وتهذيب لروحك، تخاف من امتحان أو رسوب، تأتيك زلزلة، أو مرض، أو محن، أو حادث يصاب به قريبك، فاعلم أنها تربية روحية لقلبك لتتصل بالله ، وأنت لا تدري هل التربية في الأمن أم في الخوف، أو في الجوع أو في الشبع، فاعتبر أن كل منزلة ينزلك الله فيها أنك إنما تتعبد الله فيها، حتى يقول ابن تيمية: إن كل لحظة يمر بها المؤمن هي تربية له فتدبر ذلك.
وابن الوزير العلامة اليمني صاحب العواصم والقواصم يقول في كتابه إيثار الحق على الخلق: إن الله قد يبتلي بعض الناس بالمصائب والأحزان والخوف يبتليهم ليردهم إليه، وليدخلهم باب التوحيد، فالتوحيد لا يحصل بمحاضرات ولا قراءة كتب، لكنك كلما زلزلت وامتحنت كلما زاد توحيدك واعتصامك بالله ، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
стр. 6636
فوائد عن صلاة العصر في بني قريظة
ومنها صلاة العصر في بني قريظة, وهذا فيه لأهل العلم كلام، يقول ﵊: ﴿لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة﴾ فكان فهم الصحابة لهذا الخبر على قسمين:
قسم يظنون أنه يريد ﷺ العجلة، ولكن ليس على ظاهر الخطاب، فصلوا العصر في أماكنهم أو في الطريق، وذهبوا إلى بني قريظة، وقسم أخروا صلاة العصر حتى صلوها في بني قريظة؛ لأنهم فهموا أن المراد الظاهر.
ونستفيد منه فوائد:
أولاً: أن الخلاف وارد في هذه الأمة، وأن الخلاف في الفروع جائز، وأنه رحمة واسعة، كما يقول ابن تيمية: الإجماع حجة قاطعة، والخلاف رحمةً واسعة، وأن الخلاف يجري حتى بين الصحابة، ولا يشنع أحدٌ على أحد، ولا تتقاتل الأمة إذا اختلفت في وضع اليدين على الصدر، أو وضعها تحت السرة، فلا يقوم أحدٌ فيدعو أدبار الصلوات أن الله يجعل كيدهم في نحرهم ويدمرهم، ويجعلهم غنيمة للمسلمين؛ من أجل أنهم وضعوا أياديهم تحت السرة، لا يكون هذا، وأن أحدهم إذا قام فرأى أنه يجهر بالبسملة لا يخرج من الملة والدين، بل يبقى من المسلمين إن شاء الله.
فهذه مسائل فرعية يُختلف فيها دائماً وأبداً، وأنت لا تنازع كثيراً، إذا رأيت إنساناً اقتنع بهذا الفكر في الفرعيات، فاتركه وادع الله له، والمسألة في سعة والحمد لله.
أما أن يحمل بعضنا على بعض الضغائن في هذه الجزئيات، فهذا من قلة الفقه في الدين، وقلة العلم، وهذا الوارد والمعروف إن شاء الله.
ولذلك قد تشغل المجالس ويرتفع الصوت، ويتهاجر الأحباب؛ على مسألة من يبدأ به في المجلس بالفنجان، هل من وسط المجلس أو من آخره؟
وقد يأتي بعض طلبة العلم -إذا سميناهم طلبة علم- فيختلفون، فبعضهم يقول: تدور الأرض حول الشمس، وبعضهم يقول: الأرض ثابتة، فيقومون يقتتلون، وبعضهم يعض بعضاً ويتقرب بدمه إلى الله، يقول الشيخ/ علي الطنطاوي: الله لا يسألنا يوم القيامة ولا يسألنا منكر أو نكير، هل الشمس تدور أم الأرض تدور، فهذه من ترف المسائل، فنحن لسنا من علماء الهيئة، فالله يعلم بها، نشهد بأن الله الذي خلقها، وأنه الذي خلق الشمس ولا تزيدنا هذه المسائل إلا إيماناً، سواء تدور ثلاثين مرة أو واحداً وثلاثين مرة فالحمد لله والشكر، ولا ندخل أنفسنا في هذه المسائل.
ولذلك ذكر أن بعض الناس نزل في بادية عند عوام وعندهم عرس في خيمة -أخبرنا بهذا ثقات، والثقات كثروا في هذا العصر- فأخبرنا فقال: حضرنا هذه الوليمة، وقلنا لبعض هؤلاء تكلم في الحاضرين، قال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سمعتم المقالة الآثمة التي صدرها الكفار أنهم يقولون: إن الأرض تدور، ووالله الذي لا إله إلا هو إنها لا تدور، ثم أخذ يورد الحجج، من ضمن الحجج القوية التي أوردها يقول: منذ أن خلقني الله في قرية بني فلان ما دارت القرية، فانظر إلى هذا الرد العلمي الوجيه القوي، كيف يرد هذا الرد.
المسألة تطول، لكن الشاهد من القصة أن الخلاف وارد.
والفائدة الثانية: من الصلاة عند بني قريظة أن من أخر الصلاة لعذرٍ وجيه، من نوم أو لأنه ظن أن الوقت معه فبان خلاف ذلك، فإن شاء الله ليس ملاماً، أما من أخرها بدون عذر وخرج وقتها فإنه قد أبطل وقتها وأبطل أداءها، حتى قال بعض أهل العلم: إذا أخرها متعمداً حتى خرج وقتها، فلا يقضيها؛ فإنه ذاك الوقت بلغ درجة الكفر، فالمسألة مسألة وقت، لكن الصحابة تأولوا في هذه المسألة ﵃ وأرضاهم.
стр. 6637
كرامات الأولياء وخرافات الدجالين
ومنها أن الملائكة شاركت في المعركة وهذا عضد للرسول ﷺ وأنها كرامات لأولياء الله لا تنقطع أبد الدهر، سواءً في عهد الصحابة أو في عهدنا، فإذا سمعتم بالكرامات فلا تكذبوها.
ولكن كذلك لا نشرك في سماع الكرامات، وذلك كأن تأتينا كل يوم عجوز تحدثنا: أنها رأت ملائكة تنزل من السماء، وأنها صلت على سطح بيتها، أو كذا فنقول: ما شاء الله صدقتي، لأن الملائكة شاركت في بني قريظة! فنحن نؤمن بالكرامة، لكن إذا ثبتت بأسانيد، وكانت لا تخالف القواعد الشرعية.
وهنا خطبٌ عجيب وكذبٌ صراح: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] يقول الكاتب: إخواني المسلمين، أخواتي المسلمات فرصة: فتاة عمرها ثلاث عشرة سنة مرضت مرضاً شديداً وعجز الأطباء في علاجها، وفي ذات ليله اشتد عليها المرض وبكت المسكينة حتى غالبها النوم، ورأت في منامها: بأن السيدة زينب ﵂ وأرضاها وضعت في فمها قطرات، وبعد أن استيقظت من النوم وجدت نفسها أنها قد شفيت من مرضها تماماً، وطلبت منها السيدة زينب ﵂: أن تكتب هذا الرواية مرةً واحدة، لا أدري في أبها أو في خارج أبها على المسلمين والمسلمات لينظروا في قدرة الله ﵎، وعند توزيع النسخة وجدت الآتي:
النسخة الأولى: وصلت إلى يد فقير، كتبها ووزعها على الناس وبعد مضي ثلاثة عشر يوماً أغناه الله ، بعد ما كتبها ووزعها، ووصلت إلى يد عامل أهمل في كتابتها ثلاثة عشر يوماً ففقد عمله، أي فصل من العمل بقرار رجعي.
النسخة الثالثة: وصلت إلى يد غنيٍ رفض كتابتها وتوزيعها وبعد ثلاثة عشر يوماً افتقر، فنرجو إبلاغ الإخوة بها ونشرها بين الناس.
وأنا ما قرأتها، إلا لفائدة أن تعرفوا أنها كذب، لكن لتأتي بأخبار غيرها، فهذه المنشورات كثرت في الناس، ووجد قبل أسابيع وهي قبل أشهر ووزعت قبل سنوات الكتابة من خادم المسجد النبوي أحمد، أو الحرمين، أو الحرم المكي، وقال فيها كلاماً طويلاً، وهذا كذب صراح ولم يحدث هناك شيء وليس للمسجد خادمٌ كما قال بعض أهل العلم اسمه أحمد، وإنما دجلٌ وتضليل على أمة الله، وقصدهم إشغالهم عن العلم، وهؤلاء إما مخرفون، وإما أناس مستهزئون بالدين، وبرسالة محمد ﷺ .
فإياكم وإياهم! لا يغرونكم عن دينكم، والغرائب هذه كثرت في هذا الزمن، كل إنسان يحدث بغريبة ويجلعها كرامة، والذي يلاحظ أن الغرائب والعجائب أمور، منها ما هو قدح في الدين، وهذا أتى على يد المشعوذين والمسمعين والكهنة والعرافين -قاتلهم الله أنى يأفكون- نصبوا أنفسهم دجاجلة في كل قرية، الواحد منهم يدعي علم الغيب، حتى سمعنا في قرية قريبة أن فيها امرأة دجالة أفاكةٌ أثيمة، أنها تقول: تعلم الغيب وتعلم البلاد التي فيها ماء، والآبار التي فيها، فيأتيها الناس ويقولون: نحن من الأرض الفلانية، فتقول: فيها ماء وفيها كذا، واحفر ثلاثة عشر متراً أو خمسة عشر متراً وسوف تجد الماء.
وهذه المرأة يعينها الجن في الخبر، وغيرها من الدجالين يعينونها، فيعطونها كلمة فتزيد عليها مائة كذبة، وهؤلاء من أتاهم وصدقهم بما قالوا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، ومن أتاهم فلم يصدقهم، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة.
وأما غيرهم من الذين يستدلون بعلامات، كرؤية الصخور والعروق في الأرض والشجر، فهذا لا بأس إن شاء الله؛ لأن لهم مقداراً من الرؤية، ولهم أحاسيس في التربة أعطاهم إياها الله ، فلا بأس باستخدامهم وبالاستعانة بهم في البحث عن الماء، أما الذين يدعون ولا يأتون ولا يحضرون فهؤلاء كذبة ودجلة على شرع الله، فينتبه لذاك المنشور وينتبه لهذا.
وقد أكثروا الكذب في دين الله، وانتشر بين الناس أن زينباً ﵂ وأرضاها لها كرامات حتى بعد موتها، والإنسان إذا مات لا يصبح له أثر، والرسول ﷺ بعد موته لا يحل ولا يحرم، ومن رآه في المنام فكأنما رآه ﵊، لأن الشيطان لا يتمثل بصورته الحقيقية، فهو ﵊ إذا رُئي فهي بشرى للرائي أو تحذير له، فإن بعض الناس قد يراها فيكون بشرى له، وبعضهم يراه قد يكون تحذيراً له، يقول: انتبه، إنك مجرم، وإنك مسرف على نفسك، تب إلى الله .
وانتشر بين الناس حتى سمعنا أن بعضهم إذا عرك عينه أو دخل في عينه شيء قال: يا فاطمة بنت النبي، إن كان دقيقاً فدقدقيه، وإن كان شديداً فأخرجيه أو كما قال وهذا كذب! فإنه استعان بها وهي ميتة لا تنفع ولا تضر ﵂ وأرضاها، حتى نسبوا من الأباطيل على علي بن أبي طالب ما سمعت بأذني من أحدهم أنه قال: أتينا من البلد الفلاني وفيه نهر جارٍ يجري، قلت: سبحان الله! قال: مر علي بن أبي طالب على هذا النهر، فرأى تلك الصخور، ورأى أهل الأراضي ما عندهم ماء، فضرب برمحه في الصخرة فخرج النهر، فرددت عليه وقلت: هذا كذب، قال: لا، نعوذ بالله، قاله العلماء والناس، وأنا أشهد أنه صحيح.
فالمقصود أن بعض الأساطير والخرافات ترسخ في قلوب الناس، وما علاجها إلا العلم الشرعي، وإني أدعو إخواني جميعاً إلى التفقه في الدين، وإلى نشر العلم في القرى، وفي البوادي، وفي الصحاري، فإننا والحمد لله نعيش الصحوة، لكن الصحوة التي لا تكون على قال الله وقال رسوله ﷺ ، وعلى المصحف وصحيح البخاري وصحيح مسلم، صحوة مشكوكٌ فيها.
стр. 6638
واجب الدعاة
إن الصحوة الحقيقية تبنى على العلم النافع، وعلى الفقه في الدين، أما أن يبقى الناس في البوادي على خرافة وفي المدن على تعاسة، فهذه صحوة مشكوكٌ فيها، فليعلم إن شاء الله أن الأمة بخير، وأن واجبنا أن نجلس للناس، وأن نعلم الناس، ولا يستصغر أحدنا نفسه، بعض الناس يأتيه توجيه من الله وتوفيق ويقول: سوف أجلس للناس وأدرسهم هذا الكتاب، في بادية في قرية في حارة، في مدينة، فيأتي الشيطان اللعين، ولذلك يقول بعض المفكرين من الدعاة: الشيطان ثبت لدينا أن عنده شهادة دكتوراه في علم النفس، إذا أتيت من اليمين أتى بك من اليسار، فإذا صممت أن تجلس للناس جاءك، وقال لك بتلطف: من أنت حتى تجلس؟ أأنت الشيخ ابن باز؟! أأنت ابن عثيمين؟! يا فلان رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، اجلس في بيتك وتفقه في الدين حتى تبلغ أربعين سنة، وإن تخرجت من الثانوية فادخل الجامعة حتى تأخذ الشهادة، وإذا تخرجت من الجامعة فخذ الماجستير، وإذا أخذت الماجستير فخذ الدكتوراه وتصبح أستاذ مشارك حتى يسمع الناس كلامك، وهذه خطة ماسونية، يبقى الإنسان يحضر في بيته، ويكتب مذكرات، ويقابل بين نسخة بولاق ونسخة دار الشروق، والأمة ضائعة وكل إنسان يأتي ويتخرج وعنده العلم حتى والله الذي عنده الكفاءة يستطيع أن يدرس في البوادي عندنا، وليست المسألة بالطنطنة، ضاعت الأمة ونحن نراجع حساباتنا وشهاداتنا ونعلقها براويز في البيوت، والكتب ما شاء الله امتلأ المجلس وملأنا المكتبة من المجلدات والمؤلفات والقصص، وبعد الأربعين يموت الإنسان، وينقل إلى القبر، وما سمع الناس منه شيئاً، ويضيع الناس، ولذلك الأمة ليست بحاجة لكثرة الترف العلمي.
يروي الخطيب البغدادي أن الخليل بن أحمد النحوي الذكي الذي بلغ من ذكائه أنه أتى بخمسة عشر بحراً للعروض، رُئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: ذهبت بحور العروض والله ما نفعتني شيئاً، وذهب النحو ما نفعني شيئاً، قالوا: ماذا نفعك؟ قال: نفعتني سورة الفاتحة كنت أعلمها لعجائز عندنا في القرية.
إن تعليم الفاتحة لبادية من البوادي، أو لعجائز، أو لشيخين كبيرين؛ ضمينٌ أن يرفعك الله به حتى تصير كالكوكب الدري في الجنة.
ولذلك يأتي يوم القيامة كثير من الناس يحملون شهادة الدكتوراه، فيقول الله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥] فليست المسألة مسألة مظاهر؛ فالشكوى إلى الله من حالنا، وما وصلنا إليه، حتى وجدت شركيات في بعض النواحي، وعندنا صور ومستندات وزعت حتى عند كثير من الوجهاء والدعاة والعلماء في هذه المنطقة، صور أناس علقوا شاة بشجرة وهم يتقربون بهذه الشاة إلى هذه الشجرة، وصور أناس علقوا تمائم على القبر، وصور أناس يطوفون بقبر، وهذا موجود في هذه النواحي، فهل بقي أن نجلس في بيوتنا ونقول ما بقي عندنا علم، أصغر واحد، حضر في هذا المجلس يستطيع أن يغطي البوادي والقبائل والقرى، وأن يعلمهم الأمور المهمة في الدين، لأن البوادي والقبائل والناس لا يسألونك عن ابن لهيعة هل هو قوي الرواية أم لا؟ ولا يسألونك عن مستدرك الحاكم، ولا يسألونك عن مدريد وأين تقع، ولا يسألونك عن استراتيجية الدعوة وديكتاتورية المبدأ، وهذه الكلمات الرنانة، إنما يسألونك عن الفاتحة، وعن التحيات، وعن (قل هو الله أحد) وكيف نتوضأ، وكيف نتيمم.
شيخ كبير كتب يقول: أنا قدمت من البادية وعندي بعض الناس، قال: وأنا لا أدري إلا اليوم أن الإنسان إذا جامع امرأته يغتسل للجنابة، فكنت أصلي ولا أدري أن عليَّ غسلاً للجنابة، سبحان الله! أربعين أو خمسين سنة يعيشها، ولا يدري أن المجامع يغتسل من الجنابة، ذنب من هذا؟!
فالله الله في الدعوة إلى الله، والجلوس للناس وتعليمهم.
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتغمدنا وإياكم برحمته، وأن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص إنه سميع قريب مجيب الدعاء، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6639
الطامة الكبرى
إن الله تعالى خلق الخلق في هذه الدنيا ليبتليهم، وليرى أعمالهم، فهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار وامتحان.
ثم جعل الله بعد ذلك يوماً يحاسب فيه كل نفس بما عملت وبما صنعت، وذلك هو يوم القيامة.
وفي ذلك اليوم يجد كل إنسان ما قدم من عمل.
فلا ينفع مال ولا منصب ولا جاه ولا نسب، ولكن من تزود في هذه الدنيا فهو الفائز.
стр. 6640
إنكار المشركين ليوم المعاد
الحمد لله رب العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ من معلم أنار الله به أفكار البشرية، ونَّور به أفئدة الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس لم يكن لنا تاريخ قبل الإسلام ولم يكن لنا نور ولم تكن لنا معرفة ولا ثقافة، كنا نعيش لكن بلا هداية وبلا حبل يصلنا بالله ، حتى بعث الله فينا هذا الرسول ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فعلمنا وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وفهمنا وأدبنا ورقى بنا ﵊.
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
عنوان هذا الدرس: الطامة الكبرى.
الطامة الكبرى في القرآن والسنة: هي يوم القيامة، يوم العرض الأكبر على الله، وهي القضايا الكبرى التي عالجها ﵊ للوثنيين من العرب، الذين فهموا كل شيء إلا الطامة الكبرى، وعرفوا كل شيء إلا الطامة الكبرى، وما استعدوا أن يتنازلوا أبداً ليفهموا اليوم الآخر الذي أتى به ﵊.
فهموا كل الجزئيات إلا قضيتين اثنتين: قضية الألوهية: توحيد الباري ﵎ في العبادة والتوجه، وقضية اليوم الآخر فقد أنكروها تماماً ﴿وقَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢] وهذا استنكار منهم، يقول وهو يعالج هذه القضية ويدمغ أدمغتهم بهذه الأساسية الكبرى في الإسلام: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
стр. 6641
طرق تناول القرآن لليوم الآخر
يقول بعض العلماء: إن القرآن يتناول قضية اليوم الآخر على ثلاثة أضرب: إما بضرب الأمثلة، وإما بالابتداء الجازم، وإما بالقصص.
وصح عنه ﷺ أنه كان في مجلس مع قوم من الناس، فقدم العاص بن وائل بعظم يحته في يديه ثم نفخه، وقال: ﴿يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن يميته؟ فقال ﵊: نعم ويدخلك الله النار، ثم أنزل الله قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]﴾.
وضرب الأمثلة: هو أن يضرب الله من حياة الناس ومن استقرائهم وسبرهم ما يرونه عياناً بياناً أمامهم يدلهم على اليوم الآخر، وكثير من الناس يؤمن لكن إيمان الظن أن الله سوف يبعث من في القبور، لكن هذه القضية لو آمنا بها حق الإيمان ما كذبنا ولا غششنا ولا احتلنا ولا خادعنا ولا تأخرنا عن الصلوات ولا أكلنا الربا ولا فشا فينا الزنا، ولا جعلنا مجالسنا مسارح للغيبة، ولا هتك بعضنا عرض بعض، ولا أساء جار إلى جاره ولا أُخِذَت حقوق الناس، ولا سُلِبت أموالهم لأن هناك يوم آخر.
قال عمر ﵁ وأرضاه: [[والذي نفسي بيده لولا اليوم الآخر لكان غير ما ترون]].
أي: لتغيرت الموازين ولسطا القوي على الضعيف ولهتك الظالم عرض المظلوم، يقول وهو يقرر قضية الطامة الكبرى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:٩ - ١١] ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦] وهذه من قضية الاستقراء وضرب المثل.
وأما التقرير بالقصص في البعث والنشور، فيا لقصص القرآن من قصص! يقول بعض أهل السير: دخل عمر ﵁ وأرضاه المسجد في خلافته وبيده درة -قطعة عصا يخرج بها شياطين الجن من بعض الرءوس- وإذا برجل كبير في سنه يحدث الصحابة على كرسي من خشب في مسجد الرسول ﷺ ، فقال عمر: من هذا؟ قالوا: قاص.
قال: بماذا يقص؟ قالوا: يقص على الناس من كتب دانيال -وهو رجل عاش في قدم التاريخ وهذه القصص من أساطير الأولين وفيها خرافات- فأخذ عمر درته وتقدم إلى الرجل يضربه على رأسه ويقول: ويلك يقول الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وأنت تقص قصصك على الناس؟!
стр. 6642
من قصص القرآن في البعث والنشور
اسمع إلى أحسن القصص في قضية البعث والنشور، قضية الطامة الكبرى ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] هذا رجل من بني إسرائيل قيل: إنه رجل صالح، وقيل: إنه نبي على اختلاف بين المفسرين، والمقصود أنه مر بحماره على قرية بين بيت لحم وبيت المقدس، وكان عهده بالقرية أنها حية، أطيارها وحيواناتها وبشرها وحدائقها وبساتينها، ولكن الله أهلك من فيها، فنظر إليها وقلب طرفه في السماء وضرب يمناه بيسراه وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فأراد الله أن يجري قضية الإماتة والإحياء عليه، قال بعض العصريين: أدخله الله بحماره المختبر.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] ميتة لا حركة فيها ولا حياة ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩] قال بعض المفسرين: أماته الله ضحى، وبعثه بعد مائة سنة في وقت العصر، فلما انتبه عصراً؛ ظن أنه ما نام إلا من الصباح إلى العصر، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً -ثم استدرك- فقال: أو بعض يوم.
فقال الله له: ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] وكان عنده في خرجه على حماره طعام -الله أعلم به- ومكث الطعام عنده مائة سنة ولم يتغير، فسبحان الذي ما غير الطعام ومن طبيعته أن يتغير! وسبحان من أمات هذا في لحظة وأحياه بعد مائة سنة وقد بلي!
ثم أحياه الله قال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِك >) [البقرة:٢٥٩] كان حماره ميتاً فلما قام بحث عن حماره فوجد الجلد أصبح بالياً متقطعاً على التراب، فقال: أين الحمار؟! فأراه الله أنه قد أصبح في عالم آخر وأصبح رفاتاً ليريه الله كيفية الإحياء، فركبه الله بكلمة "كن" ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ركب العظام أمامه، ثم قال للحم: كن لحماً فكسا العظام لحماً، ثم ركب الجلد على الحمار، ثم نفخ الروح في الحمار فهز رأسه ومشى، ثم قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي انتبه لا يخالجك شيء من شك أو ظن أو أوهام أو حدس: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] وأن الله سوف يبعث من في القبور وأن هذه القضية الكبرى هي التي أتت بها الأنبياء والرسل بعد التوحيد.
القرآن يقرن كثيراً بين التوحيد والإيمان باليوم الآخر؛ لأنها القضية التي إذا ما رسخت في القلوب والعقول صلحت الأمة بإذن الله.
خرج إبراهيم ﵇ إلى ضفاف نهر -قيل: دجلة، وقيل: غيره- فرأى بقرة منحورة على شاطئ الماء وقد أتت النسور والغربان والذئاب والكلاب تأكل من هذه الفريسة، قال: يا رب! أنت تعيد الخلق يوم القيامة، وكذلك الحيوانات، فكيف تعيد هذه البقرة؟! فقد أصبح لحمها في بطون السباع والكواسر من الطيور، فلما قال ذلك؛ ذكر الله قصته، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] هو لم يشك لكن يقول كما قال ﵊: ﴿ليس الخبر كالمعاينة﴾ وعند البخاري في كتاب الأنبياء يقول ﵊: ﴿نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇﴾ والمعنى عند المحدثين على طريقتين:
قيل: لو كان يشك فمن باب أولى أن نشك نحن؛ لأننا أقل إيماناً منه وهذا على وجه التواضع، فهو لم يشك إذاً.
وقيل: ما دام أنه خاطر قلبه هذا الوارد، فنحن لا نأمن على قلوبنا أن يأتينا مثله.
والمعنى الأول هو الصحيح ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى -يعني آمنت- وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] قال الله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] قيل: ضمهن وقال بعضهم: قطع رءوسهم، فقطع الطيور ولا يهمنا أن تكون كما قال صاحب الخازن وغيره: وزاً أو بطاً أو حماماً أو دجاجاً
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
المقصود أنها طيور حية قطع رءوسها وأخذ الرءوس في يده ونثر لحومها وريشها وأجنحتها ودماءها على الجبال ثم نزل في السهول، وقال: تعالي بإذن الله؛ فأتى العظام والريش والأجنحة وتركب كل جزء من أجزاء الطائر ثم طارت قال الله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠].
стр. 6643
القرآن يتحدث عن اليوم الآخر
تعال إلى القرآن وهو يتحدث عن اليوم الآخر الذي ينبغي أن نعيشه في حياتنا، يقول ابن كثير في كتابه البداية: مر عمر ﵁ وأرضاه فسمع أبي بن كعب يقرأ بالناس قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥] فوضع الدرة من يده ووقع على الأرض وحمل إلى بيته ومرض شهراً كاملاً يعودونه لا يدرون مرضه! هذا أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه.
وقال الذهبي في المجلد التاسع من سير أعلام النبلاء: عن ابن وهب وقد ألف كتاب أهوال يوم القيامة، فأتى يقرؤه على الناس فسقط مغشياً عليه ثلاثة أيام ثم مات في اليوم الرابع! فهذا عبد الله بن وهب عالم مصر، وهو من رواة الصحيحين، محدث شهير جهبذ كبير، يروي مائة ألف حديث، قال عنه الإمام أحمد: ما رأينا أعبد منه.
هذا الرجل سقط مغشياً عليه بعد أن ألف كتابه أهوال يوم القيامة فنسأل الله أن يسهل علينا وعليكم أهوال يوم القيامة.
إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكل في الكتاب مرتب
وماذا كسبتم في شباب وصحة وفي عُمُرٍ أنفاسكم فيه تكتب
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] وتنكير اليوم تعظيم له، ولم يضفه ولم يعرفه بأل ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
من ميزة هذا اليوم أنه اليوم الذي يعود الخلق فيه إلى الله، وهذا أسلوب القرآن كلما أراد أن يذكر اليوم الآخر ذكر الرجعة؛ لأننا بدأنا من هناك وسنعود إلى هناك ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] والله يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام:٩٤].
يقول بعض المفسرين: سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل عليه غضب الله يقول: يزعم محمد أن لربه تسعة عشر من الملائكة أنا أكفيكم بعشرة وأنتم اكفوني بتسعة! فقال الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام:٩٤] وقيل هذه القصة سبب لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ [المدثر:٣١].
وقال راداً على من قال: يأتي بحشمه وجنوده وأبنائه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
هذه القصيدة قالها الواسطي لـ نور الدين محمود زنكي سلطان الشام، وكان قد عمل مهرجاناً جمع فيه الجيوش في دمشق فلما اجتمع الناس وظهرت الزينة واستعرض الجيش، خرج عليه الزاهد الواسطي فألقى عليه هذه القصيدة قالوا: فأغمي عليه من البكاء وسقط مغشياً عليه حتى رش بالماء! يقول فيها:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي وما لك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
стр. 6644
الطامة الكبرى وتباين الناس فيها
أيها المسلمون: يقول : ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] هذه هي الطامة الكبرى، وليوم القيامة أسماء منها: الغاشية والزلزلة والقارعة والطامة الكبرى والصآخة والحآقة، وغيرها من الأسماء ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] قال سيد قطب: نعرض مجردين مكشوفي السرائر والضمائر، الجسم مكشوف، والتاريخ مكشوف، والسجل مكشوف لله رب العالمين؛ فنسأل الله أن يسترنا وإياكم يوم الفضائح، وأن يغفر لنا ولكم الزلات، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.
стр. 6645
حال الصحابة مع الطامة الكبرى
﴿أتى أعرابي إلى الرسول ﷺ -وهذا الحديث سنده جيد- فقال: يا رسول الله! أين ألقاك يوم الزحام؟ (أي يوم العرض الأكبر)؟ فقال ﵊: في إحدى ثلاث مواطن لا أغادرها: إما عند الصراط، أو عند تطاير الصحف، أو عند الميزان﴾.
علم الصحابة كان علم اليقين وأما علمنا فهو ظن، والفارق بيننا وبينهم أنا نسمع عن اليوم الآخر ونعرف أن هناك يوم آخر ولكن هم يعملون ويكدحون ويتهيئون له، فأما نحن فقاعدون غافلون، هذا هو الفارق العظيم.
من الذي جعل جعفر الطيار ﵁ يأتي إلى مؤتة فتقطع يمينه ويساره ويحتضن الراية بعضديه ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
من الذي جعل أنس بن النضر يقول لـ سعد بن معاذ: [[إليك عني، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]].
قال أهل التاريخ -وأصل الحديث عند البخاري في كتاب الجنائز: باب البكاء على الميت-: لما حضرت معركة أحد أتى عبد الله بن حرام الأنصاري والد جابر ﵁ وأرضاه، فتمنى على الله الشهادة ورأى في المنام أنه أول قتيل في المعركة، وحضر معركة أحد بعد أن لبس أكفانه وسأل الله قبل المعركة بقوله: اللهم خذ هذا اليوم من دمي حتى ترضى.
وقتل ﵁.
قال جابر: فأتيت الرسول ﷺ وأبي مسجىً في ثوب، وأنا أبكي والناس ينهونني عن البكاء والرسول ﷺ لا ينهاني، فقال جابر -وقيل عمة جابر أخت عبد الله كما قال الشوكاني - قالت: يا رسول الله أأخي في الجنة فأصبح محتسبة أم هو غير ذلك؟ قال: ﴿إنها لجنان كثيرة وإن أخاك في الفردوس الأعلى﴾.
ثم قال ﵊: ﴿يا جابر! أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟ قال: لا.
يا رسول الله.
قال: والذي نفسي بيده! لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان فقال: تمن يا عبدي.
قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.
قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون؛ فتمن.
قال: أتمنى أن ترضى عني؛ فإني قد رضيت عنك.
قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾.
وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧] قيل: يا ليتني اتخذت الرسول ﷺ سبيلاً وطريقاً اهتدي به، وأل في الرسول هنا للعهد وهو محمد ﷺ ، أي: يا ليتني اتخذته إماماً وقدوة، وقد أغلق الله أبواب الجنة بعد مبعثه ﵊ فلا تفتح إلا من بابه.
стр. 6646
حال المعرضين عن الطامة الكبرى
يتعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لـ ابن الريوندي الملعون، أحد الزنادقة والفلاسفة الكبار، وهو محسوب على المسلمين وله بعض الكتب ويقولون عنه: فيلسوف الإسلام وهو عدو الإسلام، هذا الفيلسوف وقف على نهر دجلة ومعه كسرة خبز، فمر أحد العبيد بخيول وإبل، فقال: يا رب! ترزق هذا العبد الخيول والإبل وأنا فيلسوف الدنيا ما أجد كسرة!! هذه قسمة ضيزى، ثم رمى بالخبز في النهر.
هذا الملعون لما عرض له ابن تيمية قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
ويقول في مختصر الفتاوى: كل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض مغضوب عليها، وكل قلب لا يرى شمس هذا الدين فهو قلب ملعون - (أو كما قال) - وهذا هو الحق ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وعند مسلم في الصحيح قوله ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار -وفي لفظ آخر- ولا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار﴾ هذه دعوته.
يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ لبس الشياطين
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] وهم جلساء السوء وأدعياء الضلالة وعصابات الإجرام الذين وقفوا في طريق الأنبياء والرسل فصدوا عن سبيل الله، بالدسائس وبالأغراض وبالأذى، وبكل ما يصد عن منهج الله : ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].
وهذه سنة الله : أن يبقى الصراع أبدياً بين أهل الخير وأهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] أي: هادياً يهدي القلوب ونصيراً ينصر أولياءه.
ويقول سبحانه عن الطامة الكبرى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٤] وهذا مشهد من مشاهد يوم القيامة يأتي أهل الدنيا والأعمار الطويلة والساعات الفارغة التي صرفوها في الغناء الماجن وفي الغيبة والنميمة وفي شهادة الزور ومتابعة السهرة الحمراء والمجلة الخليعة والصد عن منهج الله.
يقول الله لهم: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٦] أي نزه الله نفسه عما يعتقده البعض أن الله خلق الناس عبثاً.
стр. 6647
حال الملوك عند الموت
دفن الخليفة العباسي المهدي وقد كانت ميزانيته كما يقول الذهبي: ثلاثمائة ألف ألف دينار في خزائنه، ثم سلب في صباح يوم باكر قال بعض المؤرخين: إنه شرب ماء بارداً فشرغ بالماء وغص به، وعنده الأطباء مثل ابن بختيشوع وأطباء الدنيا، ولكن:
مات المداوى والمداوى والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى
فمات على فراشه والوزراء على رأسه والعلماء والأطباء والأمراء، يقولون: إنه كان يقول وهو يشرغ: أأموت الآن؟ قالوا: نعم تموت.
فحملوه إلى المقبرة قال أبو العتاهية:
نح على نفسك يا مسكيـ ـن إن كنت تنوح
يقول: الذي يبطح الرجال له يوم يبطحه الله على رءوس الرجال، فهذا البطاح الذي كان يبطح الملوك في الأرض بطحه الله
كل بطاح من الناس له يوم بطوح ستر الله بنا أن الخطايا لا تفوح
وأتى ابنه هارون الرشيد فبنى قصراً عظيماً في الرقة، وستره بالستور وجعل فيه الحدائق والزهور وأجرى فيه الماء، وأخذ فيه الحيوانات والطيور، ثم قال للشعراء: ادخلوا وامدحوا القصر؛ فدخل أبو العتاهية بين الشعراء فقال لـ هارون الرشيد:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
قال: هيه (زد).
قال:
يجري عليك بما أردت مع الغدو مع البكور
يقول: بما تريد من الدنيا من المطعومات والملبوسات والمفروشات أنت في راحة.
قال: هيه.
قال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
قالوا: فخلع الستور، ونزل من القصر، وسكن بغداد.
يقول الوليد بن عبد الملك وهو في سكرات الموت ويلطم وجهه ويقول: يا ليت أمي لم تلدني ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩] لكن أهل التقوى وأهل البصيرة وأهل الولاية لا يقولون ذلك.
стр. 6648
حال الصالحين عند الموت
في ترجمة سعيد بن المسيب، عالم التابعين وزاهد الأمة لما حضرته الوفاة بكت ابنته فقال: [[لا تبكي علي، والله ما أذن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في مسجد محمد ﵊]].
هنيئاً لك:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيباً بماء فعادا بعد أبوالا
هذه مؤهلات المخلصين: صلاة في المسجد جماعة وذكر وتلاوة وخشوع وزهد.
أما الأعمش سليمان بن مهران فإنه: لما حضرته الوفاة قال لابنته: "لا تبكي علي، فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة ستين سنة"! هذه هي المؤهلات التي تنجي أصحابها.
أما الخليفة عبد الملك بن مروان الخليفة لما حضرته الوفاة بكى وقال: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما توليت الملك ولا عرفت الخلافة.
قال سعيد بن المسيب: " [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم]].
هذه القضية الكبرى علمها قوم علم الظن وعلمها قوم علم اليقين، فأما الذين علموا هذه القضية علم اليقين فحافظوا على الصلوات الخمس، وبروا مع الله، ووصلوا الأرحام، وأحسنوا إلى الجيران، وصدقوا، وأكثروا من ذكر الله، واجتنبوا الحرام، وأما أهل الظن فإنهم يصلون -ربما- مع الناس، ويصومون -ربما- مع الناس، ولكن سهرات مائعة وليال حمراء، وفجور ومراوغة لحدود الله وانتهاك لحرمات الله.
في صحيح البخاري: ﴿أن الرسول ﵊ تناول ذراع الشاة فنهش منه نهشة فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة.
أتدرون مما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين يقوم الناس إلى آدم فيقولون: يا آدم! اشفع لنا عند ربك أما ترى ما نحن فيه -أو كما قال ﵊ فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح فيقول: اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيعتذر ويقول: نفسي نفسي، فيأتون موسى فيعتذر، فعيسى فيعتذر، فيأتون الرسول ﵊ فيقول: أنا لها، أنا لها﴾.
قال حافظ الحكمي ﵀:
واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذي الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون ﷺ ، والذي ندعو له به في أدبار كل أذان: ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته﴾.
هذه هي الدعوة التي ندعو بها لرسولنا ﵊، وهذا هو المقام العظيم في الطامة الكبرى.
في الصحيح يقول ﵊ من حديث ابن عباس: ﴿إذا جمع الله الناس، يقول الله يوم القيامة: يا بن آدم جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته، أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا بن آدم مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته وجدت ذلك عندي الحديث﴾ وفي الحديث دروس منها: أن من فعل خيراً وجده ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ومنها: أن أقرب الناس من رب الناس أنفعهم للناس وهناك حديث يحسنه بعضهم مثل السخاوي: ﴿الخلق عيال لله ، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله﴾ وكثير من أهل العلم من المحدثين يضعفون هذا الحديث عنه ﵊، ولكن معناه صحيح.
стр. 6649
مواقف من استعداد السلف للطامة الكبرى
الطامة الكبرى كانت قضية متحركة في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم وفي أذهان السلف، يقولون عن سفيان الثوري ﵀: مكث يردد إذا زلزلت الأرض زلزالها من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، وهذا في سيرته ﵀، ويقول : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] والطامة هي التي لا أكبر منها ولا أعظم وهي التي تطم من هولها على الناس، وهي مأخوذة من الطم: وهو تراكم الشيء بعضه على بعض والله أعلم بمراده.
ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس:٣٣] من الصوت الصاخ؛ وهي التي تصخ الآذان بصوتها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] والزاد هناك تقوى الله .
دخل سعيد بن جبير على الحجاج والحجاج قد حكم على سعيد بن جبير بالإعدام غيابياً، وظل مطارداً منه ما يقارب اثنتي عشر سنة، ذكر المباركفوري في تحفة الأحوذي المجلد الأول قصة رائعة بديعة في مقابلة هذا الإمام مع ذاك الطاغية، فقال: "دخل سعيد بن جبير على الحجاج، فقال الحجاج له: من أنت؟ -والحجاج يعرف أنه سعيد بن جبير علامة التابعين، وزاهد الدنيا، والعابد الكبير- قال: أنا سعيد بن جبير.
قال: أنت شقي بن كسير.
فقال: أمي أعلم إذ سمتني.
فقال: شقيت أنت وشقيت أمك.
فقال سعيد: ليس هذا إليك.
قال الحجاج: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.
فقال سعيد: لو أعلم أن ذلك عندك لاتخذتك إلهاً.
فأحضر الحجاج له المال من الذهب والفضة ونثره أمامه ليرى ما هو تعليق سعيد بن جبير، فلما رأى الذهب والفضة قال: يا حجاج! إن كنت اتخذت هذا المال لتكف به عذاب الله عنك؛ فنعم ما فعلت، وإن كنت أخذته رياءً وسمعة؛ فاعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئاً.
فقال الحجاج: علي بالعود؛ فأتوا بجارية تغني وتضرب العود فبكى سعيد.
فقال الحجاج: بكيت من الطرب؟ قال: لا والله، لكن بكيت يوم رأيت عوداً قطع في معصية وجارية سخرت في غير طاعة.
فقال الحجاج: اقتلوه.
فلما قاموا لقتله، قال: ولوه لغير القبلة.
فقال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] قال: اطرحوه أرضاً.
فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥] قال: اذبحوه.
قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، خذها يا حجاج حتى ألقاك بها عند الله غداً: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي؛ فلما ذبحه ثارت ثائرة كالبثرة أو الدرهم -في كف الحجاج ومرض- فأخذ يخور كما يخور الثور وظل على هذه الحالة شهراً كاملاً لا يهنأ بنوم ولا بطعام ولا شراب، ويرى في المنام أنه يسبح في الدم حتى أخذه العزيز المقتدر".
أما والله إن الظلم شؤم وما زال المشوم هو الظلوم
إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
стр. 6650
شهادة فيلسوف على يوم المعاد
يقول الفيلسوف الألماني عالم النفس " كانت " في مذكرة مترجمة له: "في النظر إلى الوجود دليل على أن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة".
هو لا يعرف القرآن ولا يعرف السنة بل يعيش كالحيوان ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] لكن نظر بالاستقراء والسبر، فقال: في النظر إلى الوجود دليل على حياة أخرى، قيل له: كيف؟ قال: لأن مسرحية الحياة لم تنته.
أي: أنه رأى كم من الظلمة ظلموا الناس ثم لا ينتصف منهم، وغالب ومغلوب ثم لا يحكم على الغالب، وتنتهي الحياة، لابد من حياة أخرى وهي حياة يوم الدين.
стр. 6651
وقفة مع سورة القارعة
يقول سبحانه: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢] وسميت القارعة؛ لأنها كما قال ابن كثير وغيره من المفسرين: تقرع القلوب بهولها، وتقرع أبواب السلاطين والأغنياء والكبراء ﴿مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٢ - ٣].
يقول أهل العلم: إذا قال الله للرسول ﷺ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ [القارعة:٣] فسوف يخبره، وإذا قال: (وَمَا يُدْرِيكَ) فلن يخبره، فلما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٣] أخبره، وهناك يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] ولم يخبره، أما هنا فقد أخبره بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] هذه صورة ذكرها الله للناس ليتأملوها، ووالله الذي لا إله إلا هو إنها سوف تمر بنا رأي العين وسوف نراها جهاراً نهاراً لا لبس فيها.
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء
فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم في الحياة وعند الموت وفي اليوم الآخر يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 6652
ساعات الاحتضار ثبات وخذلان
يتحدث ابن القيم في الجواب الكافي عن سوء الخاتمة للمجرمين الذين يخزيهم الله بأعمالهم، فذكر أن رجلاً حضرته سكرات الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله.
قال:
أين الطريق إلى حمام منجاب
قالوا: قل لا إله إلا الله.
قال:
أين الطريق إلى حمام منجاب
فبحثوا عنه فوجدوه، كان مطبلاً مغنياً مطرباً لاهياً لاغياً لا يعرف كتاب الله ولا فرائضه.
ويقول ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين: حضروا رجلاً من التجار انهمك في الدنيا فقالوا: قل لا إله إلا الله.
قال: ٥×٦ كم تساوي؟ قالوا: قل لا إله إلا الله.
قال: ٥×٦ كم تساوي؟ نسأل الله أن يحسن خاتمتنا.
يقول الذهبي في كتاب التذكرة في ترجمة أبي زرعة المحدث الكبير الذي كتب ألف ألف حديث -أي: مليون- بالآثار والمراسيل والمقطوعات والموقوفات فقال: حضرت أبا زرعة الوفاة فأغمي عليه ولم يقل: لا إله إلا الله، فخاف أبناؤه وتلاميذه وبكوا عليه قالوا: سبحان الله! يغمى عليه وهو المحدث ولا يقول لا إله إلا الله! فاستفاق فقالوا: دعونا نذكره بحديث معاذ: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾.
وأبو زرعة يروي هذا الحديث من عشر طرق، فأرادوا أن يذكروه فضيعوا السند من خوف موت الإمام يقول الأول: حدثنا الربيع بن سليمان وقال الثاني: حدثنا غندر، وكلاهما خطأ، فأتى هو فجلس فقال: حدثنا هشيم عن فلان عن فلان عن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم مات.
! وهذه من كرامات الأولياء وهي من التثبيت لعباد الله الصالحين، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم يوم يضل الله أعداءه.
стр. 6653
مواقف من جحود المشركين
خرج ﵊ -والحديث صحيح- وإذا بكفار قريش جلوس في المسجد الحرام، ومنهم: أبو جهل، فقال ﵊: قولوا لا إله إلا الله.
فقال أبو جهل: أقسم باللات والعزى لا أؤمن لك حتى تشق لي هذا القمر؟ فقال ﷺ : أفئن شققته بإذن الله تؤمنون؟ قالوا: نعم.
فدعا الله أن يشق له القمر، فشق الله له القمر فلقتين، فقال لهم: آمنوا.
فنفضوا ثيابهم وقاموا يقولون: سحرنا محمد سحرنا محمد.
ولذلك من أسلوب السخرية بهم يوم العرض الأكبر يعرض الله لهم النار ويقول: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] أهذا سحر مثل القمر أو غير ذلك؟ ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦].
فيقول الله معلقاً على هذا الموقف: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٣].
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] وفي الآية قضايا:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ولم يقل يا أيها الذين آمنوا؛ لأن الخطاب عام يدخل فيه كل من كان إنساناً، فهو للمؤمنين ولغيرهم.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢] والمرضعة هي التي ترضع في التو والحال ابنها وطفلها وتضعه على ثديها ثم تقوم الساعة؛ فلا تدري من الهول فيقع الطفل في الأرض ولا تدري أنه وقع على الأرض!
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] قالوا: سكارى من الخوف الشديد ومن هول الأمر وليس من الخمر، أي لم يسكروا من الخمر وإنما من هول ما رأوا، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.
قال وهو يتحدث عن أصناف من المشركين الذين أعرضوا عن اليوم الآخر وكذبوا به وتولوا عنه واستهزءوا بالبعث بعد الموت وهم ثلاثة: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأبو جهل.
أما الوليد بن المغيرة فرزقه الله عشرة أبناء منهم خالد بن الوليد سيف الله المسلول: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩] فالميت هو الوليد والحي هو خالد، حي بالإيمان، وكان خالد قبل الإسلام ميتاً، كان ميتاً يوم ما عرف لا إله إلا الله، ولم ير النور حتى هداه الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فلما رأى النور وأبصر الضياء وعرف لا إله إلا الله أصبح حسنة من حسنات رسول الله ﷺ ، خاض في الجاهلية وفي الإسلام مائة معركة ما هزم في معركة واحدة!!
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
وأبوه كفر بالله، وأعرض عن لا إله إلا الله، وكان ليله غناء وزنا وشرب خمر وربا وتخلفاً عن فرائض الله، ونهاره سفكاً وسلباً وتكذيباً، قال الله حاكياً عنه:: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٧] قال أهل العلم: "صعودا" جبل في النار -نعوذ بالله منه- يصعد فيه المعذب مائة عام فإذا قارب أن ينهي رأس الجبل سقط على أم رأسه في وسط جهنم ثم عاد من جديد.
أما العاص بن وائل فقد كان له سيوف يصقلها عند خباب بن الأرت وخباب عبد ومولى وكلنا عبيد لله، ولكن خباب أصبح منارة من منارات الإسلام.
بلال وخباب وسلمان من أهل الجنة، وأبو جهل والعاص وأبو لهب من جثث جهنم، فهذه الأنساب ألغاها محمد ﷺ إذا كانت تمييزاً عنصرياً، وإذا كانت استعراضاً للأسر.
فذهب خباب بن الأرت إلى العاص بن وائل فقال: أعطني أجرة السيوف التي صقلتها.
قال: أتؤمن باليوم الآخر؟ - يستهزئ به- قال: نعم أؤمن.
فذاك يؤمن باليوم الآخر وهذا لا يؤمن، قال: فإذاً دعني، فإذا بعثني الله وإياك في اليوم الآخر سوف أقضيك هناك فعندي أموال وأولاد؛ فأنزل الله رداً عليه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ [مريم:٧٧ - ٨٠] فهذه قضية العاص بن وائل المجرم، الذي كفر باليوم الآخر، وهو صاحب العظم الذي حته أمام الرسول ﷺ .
ويقول أبو جهل: يا معشر قريش لا يهمكم -محمد ﵊ يتوعدكم بالزقوم يوم القيامة، أتدرون ما الزقوم؟ قالوا: ما ندري! قال: الزقوم: التمر والسمن.
فقال : ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٩] يقول -سخرية به- ذق هذا الزقوم سواء كان تمراً أو سمناً، وفسره أنت كما تريد وكما تتصور فوالذي لا إله إلا هو لتذوقنه؛ لأنك كنت عزيزاً بجاهليتك وكفرك في قومك.
стр. 6654
التزود من الصالحات هو النجاة يوم الطامة الكبرى
تزود للذي لابد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
والزاد: العمل الصالح، وأجمع الصالحون على أنه لا أعظم من تقوى الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور: أجمل بيت قالته العرب
الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد
وسوف يرى الناس بماذا تهيئوا وماذا حصلوا وماذا جمعوا يوم يجمعهم الله ، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان -وهذا الكلام هو كلام يليق بجلاله فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾.
وذكر ﵊ أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وهذا يوم الطامة الكبرى: عالم وجواد وشجاع.
يقول الله للعالم: أما علمك الله العلم؟ قال: بلى.
قال: فماذا فعلت فيه؟ -والله أعلم- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر.
فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقال: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل؛ خذوه إلى النار.
ثم يقال للجواد كذلك وللشجاع كذلك.
وهذا مصداق قوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] فأول الزاد الإخلاص: أن تقصد الله بالعمل، وأن تحذر من الرياء والسمعة كما قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩] وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
وعند مسلم عن جابر قوله ﵊: ﴿يقول الله : من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان له خالصاً كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قيل: أي: أصوبه وأخلصه، ومعنى أخلصه: أن يكون خالصاً لوجه الله، وأصوبه: أن يكون متابعاً لسنة الرسول ﷺ .
فأول شرط: الإخلاص لوجه الله.
والشرط الثاني: أن يكون إمامك في العمل محمداً ﷺ ، فلا تتبع غيره ولا تقتدي بسواه، ولا تبتدع من عندك شيئاً فإن المحدثات لا يقبلها الله ولا رسوله ﵊ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ﴾ [الكهف:١١٠] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤] ويقول ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.
إذاً فعليك أن تتعلم العلم الشرعي وهو الشرط الثاني من شروط القبول لتنجو من الخسارة والخذلان والعياذ بالله.
ومنها: أن تكثر من السجود، روى مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: ﴿كنت أبيت مع رسول ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل.
فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة.
قال: أو غير ذاك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وعند مسلم عن ثوبان: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.
стр. 6655
مواقف السلف في التزود للآخرة
أتدرون كم كان الإمام أحمد يصلي من غير الفرائض؟ يقول الذهبي وابن كثير وصاحب الحلية وهو شبه إجماع بين أهل السير: كان يصلي من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، وهو إمام أهل السنة والجماعة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال ابنه عبد الله: فلما جلد أبي كان يصلي مائة وخمسين ركعة.
رحم الله الإمام أحمد وجمعنا به في دار كرامته فهو إمام أهل السنة والجماعة، ذاك الرجل الذي وقف في وجه الباطل حتى نصره الله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله!
سئل ابن تيمية في المجلد العاشر من الفتاوي: ما هو أفضل عمل بعد الفرائض؟ -سأله أبو القاسم المغربي - فأجاب بجواب عظيم وقال: أما أفضل الأعمال بعد الفرائض فما أعلم أفضل من ذكر الله .
وهو شبه إجماع بين أهل العلم، وهذا الذكر هو أسهل الأعمال وأيسرها وأنفعها للعبد ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ودل عليه القرآن والسنة والأثر قال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١].
ويقول ﵊ عند أحمد وأهل السنن: ﴿ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ذكر الله﴾ فهو أفضل الأعمال.
فناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متا
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
والذكر يكون بالتهليل والتسبيح والتحميد والاستغفار والصلاة على الرسول ﷺ ، وأعظم الذكر تلاوة القرآن.
وأما بالنسبة للذكر الكثير المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] فقد قال ابن الصلاح: ذكر الله دائماً هو الذكر الكثير، وقال ابن تيمية: من ذكر الله بالأذكار الشرعية التي علمها معلم الخير ﵊ فقد ذكر الله كثيراً، وقال ابن عباس: أن تذكر الله في السراء والضراء، والحل والترحال - (أو كما قال) -.
وأولى الأقوال كما قال رسول الله ﷺ لـ ابن بسر لما قال له: ﴿يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي؛ فدلني على شيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فالله الله في كثرة الذكر، والله الله في التزود بالصالحات للقاء الله .
ومما يجعلك تعيش هذه القضية الكبرى (الطامة الكبرى): قصر الأمل، بأن تكون قصير الأمل، وأن تستعد للموت كما مثله الحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وقال ابن عمر -وبعض المحدثين يرفعونه إلى الرسول ﷺ : [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]].
يذكرون عن معاذ ﵁ أنه قال: [[والله ما نقلت قدمي من الأرض إلا خشيت ألا أضعها من فجاءة الموت]]-أو كما قال-.
وقالوا عن الربيع بن خثيم أنه قال: [[أنا أتحرى الموت مع الأنفاس]].
ولما بلغ سفيان الثوري الستين اشترى كفناً وقال: "حق على المسلم إذا بلغ ستين سنة أن يشتري له كفناً" ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قالوا: النذير هو الشيب، وقيل محمد، وقيل القرآن، وقيل النذير الموت، ولكن الشيب هو نذير للموت
إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها
وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها
يقول الإمام أحمد: والله ما وصفت الشباب وفواته إلا بشيء كان في يدي ثم سقط
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
اللهم تولنا فيمن توليت، واجعل خاتمتنا في مرضاتك وعلى سنة رسولك ﵊.
следующие страницы →