← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

وقفة مع سورة القارعة يقول سبحانه: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢] وسميت القارعة؛ لأنها كما قال ابن كثير وغيره من المفسرين: تقرع القلوب بهولها، وتقرع أبواب السلاطين والأغنياء والكبراء ﴿مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٢ - ٣]. يقول أهل العلم: إذا قال الله للرسول ﷺ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ [القارعة:٣] فسوف يخبره، وإذا قال: (وَمَا يُدْرِيكَ) فلن يخبره، فلما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٣] أخبره، وهناك يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] ولم يخبره، أما هنا فقد أخبره بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] هذه صورة ذكرها الله للناس ليتأملوها، ووالله الذي لا إله إلا هو إنها سوف تمر بنا رأي العين وسوف نراها جهاراً نهاراً لا لبس فيها. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم في الحياة وعند الموت وفي اليوم الآخر يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 6652

ساعات الاحتضار ثبات وخذلان يتحدث ابن القيم في الجواب الكافي عن سوء الخاتمة للمجرمين الذين يخزيهم الله بأعمالهم، فذكر أن رجلاً حضرته سكرات الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله. قال: أين الطريق إلى حمام منجاب قالوا: قل لا إله إلا الله. قال: أين الطريق إلى حمام منجاب فبحثوا عنه فوجدوه، كان مطبلاً مغنياً مطرباً لاهياً لاغياً لا يعرف كتاب الله ولا فرائضه. ويقول ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين: حضروا رجلاً من التجار انهمك في الدنيا فقالوا: قل لا إله إلا الله. قال: ٥×٦ كم تساوي؟ قالوا: قل لا إله إلا الله. قال: ٥×٦ كم تساوي؟ نسأل الله أن يحسن خاتمتنا. يقول الذهبي في كتاب التذكرة في ترجمة أبي زرعة المحدث الكبير الذي كتب ألف ألف حديث -أي: مليون- بالآثار والمراسيل والمقطوعات والموقوفات فقال: حضرت أبا زرعة الوفاة فأغمي عليه ولم يقل: لا إله إلا الله، فخاف أبناؤه وتلاميذه وبكوا عليه قالوا: سبحان الله! يغمى عليه وهو المحدث ولا يقول لا إله إلا الله! فاستفاق فقالوا: دعونا نذكره بحديث معاذ: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾. وأبو زرعة يروي هذا الحديث من عشر طرق، فأرادوا أن يذكروه فضيعوا السند من خوف موت الإمام يقول الأول: حدثنا الربيع بن سليمان وقال الثاني: حدثنا غندر، وكلاهما خطأ، فأتى هو فجلس فقال: حدثنا هشيم عن فلان عن فلان عن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم مات. ! وهذه من كرامات الأولياء وهي من التثبيت لعباد الله الصالحين، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم يوم يضل الله أعداءه.

стр. 6653

مواقف من جحود المشركين خرج ﵊ -والحديث صحيح- وإذا بكفار قريش جلوس في المسجد الحرام، ومنهم: أبو جهل، فقال ﵊: قولوا لا إله إلا الله. فقال أبو جهل: أقسم باللات والعزى لا أؤمن لك حتى تشق لي هذا القمر؟ فقال ﷺ : أفئن شققته بإذن الله تؤمنون؟ قالوا: نعم. فدعا الله أن يشق له القمر، فشق الله له القمر فلقتين، فقال لهم: آمنوا. فنفضوا ثيابهم وقاموا يقولون: سحرنا محمد سحرنا محمد. ولذلك من أسلوب السخرية بهم يوم العرض الأكبر يعرض الله لهم النار ويقول: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] أهذا سحر مثل القمر أو غير ذلك؟ ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦]. فيقول الله معلقاً على هذا الموقف: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٣]. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] وفي الآية قضايا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ولم يقل يا أيها الذين آمنوا؛ لأن الخطاب عام يدخل فيه كل من كان إنساناً، فهو للمؤمنين ولغيرهم. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢] والمرضعة هي التي ترضع في التو والحال ابنها وطفلها وتضعه على ثديها ثم تقوم الساعة؛ فلا تدري من الهول فيقع الطفل في الأرض ولا تدري أنه وقع على الأرض! ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] قالوا: سكارى من الخوف الشديد ومن هول الأمر وليس من الخمر، أي لم يسكروا من الخمر وإنما من هول ما رأوا، فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت. قال وهو يتحدث عن أصناف من المشركين الذين أعرضوا عن اليوم الآخر وكذبوا به وتولوا عنه واستهزءوا بالبعث بعد الموت وهم ثلاثة: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأبو جهل. أما الوليد بن المغيرة فرزقه الله عشرة أبناء منهم خالد بن الوليد سيف الله المسلول: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩] فالميت هو الوليد والحي هو خالد، حي بالإيمان، وكان خالد قبل الإسلام ميتاً، كان ميتاً يوم ما عرف لا إله إلا الله، ولم ير النور حتى هداه الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فلما رأى النور وأبصر الضياء وعرف لا إله إلا الله أصبح حسنة من حسنات رسول الله ﷺ ، خاض في الجاهلية وفي الإسلام مائة معركة ما هزم في معركة واحدة!! تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها وأبوه كفر بالله، وأعرض عن لا إله إلا الله، وكان ليله غناء وزنا وشرب خمر وربا وتخلفاً عن فرائض الله، ونهاره سفكاً وسلباً وتكذيباً، قال الله حاكياً عنه:: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٧] قال أهل العلم: "صعودا" جبل في النار -نعوذ بالله منه- يصعد فيه المعذب مائة عام فإذا قارب أن ينهي رأس الجبل سقط على أم رأسه في وسط جهنم ثم عاد من جديد. أما العاص بن وائل فقد كان له سيوف يصقلها عند خباب بن الأرت وخباب عبد ومولى وكلنا عبيد لله، ولكن خباب أصبح منارة من منارات الإسلام. بلال وخباب وسلمان من أهل الجنة، وأبو جهل والعاص وأبو لهب من جثث جهنم، فهذه الأنساب ألغاها محمد ﷺ إذا كانت تمييزاً عنصرياً، وإذا كانت استعراضاً للأسر. فذهب خباب بن الأرت إلى العاص بن وائل فقال: أعطني أجرة السيوف التي صقلتها. قال: أتؤمن باليوم الآخر؟ - يستهزئ به- قال: نعم أؤمن. فذاك يؤمن باليوم الآخر وهذا لا يؤمن، قال: فإذاً دعني، فإذا بعثني الله وإياك في اليوم الآخر سوف أقضيك هناك فعندي أموال وأولاد؛ فأنزل الله رداً عليه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ [مريم:٧٧ - ٨٠] فهذه قضية العاص بن وائل المجرم، الذي كفر باليوم الآخر، وهو صاحب العظم الذي حته أمام الرسول ﷺ . ويقول أبو جهل: يا معشر قريش لا يهمكم -محمد ﵊ يتوعدكم بالزقوم يوم القيامة، أتدرون ما الزقوم؟ قالوا: ما ندري! قال: الزقوم: التمر والسمن. فقال : ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٩] يقول -سخرية به- ذق هذا الزقوم سواء كان تمراً أو سمناً، وفسره أنت كما تريد وكما تتصور فوالذي لا إله إلا هو لتذوقنه؛ لأنك كنت عزيزاً بجاهليتك وكفرك في قومك.

стр. 6654

التزود من الصالحات هو النجاة يوم الطامة الكبرى تزود للذي لابد منه فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد والزاد: العمل الصالح، وأجمع الصالحون على أنه لا أعظم من تقوى الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور: أجمل بيت قالته العرب الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد وسوف يرى الناس بماذا تهيئوا وماذا حصلوا وماذا جمعوا يوم يجمعهم الله ، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان -وهذا الكلام هو كلام يليق بجلاله فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾. وذكر ﵊ أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وهذا يوم الطامة الكبرى: عالم وجواد وشجاع. يقول الله للعالم: أما علمك الله العلم؟ قال: بلى. قال: فماذا فعلت فيه؟ -والله أعلم- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقال: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل؛ خذوه إلى النار. ثم يقال للجواد كذلك وللشجاع كذلك. وهذا مصداق قوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] فأول الزاد الإخلاص: أن تقصد الله بالعمل، وأن تحذر من الرياء والسمعة كما قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩] وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]. وعند مسلم عن جابر قوله ﵊: ﴿يقول الله : من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان له خالصاً كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قيل: أي: أصوبه وأخلصه، ومعنى أخلصه: أن يكون خالصاً لوجه الله، وأصوبه: أن يكون متابعاً لسنة الرسول ﷺ . فأول شرط: الإخلاص لوجه الله. والشرط الثاني: أن يكون إمامك في العمل محمداً ﷺ ، فلا تتبع غيره ولا تقتدي بسواه، ولا تبتدع من عندك شيئاً فإن المحدثات لا يقبلها الله ولا رسوله ﵊ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ﴾ [الكهف:١١٠] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤] ويقول ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾. إذاً فعليك أن تتعلم العلم الشرعي وهو الشرط الثاني من شروط القبول لتنجو من الخسارة والخذلان والعياذ بالله. ومنها: أن تكثر من السجود، روى مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: ﴿كنت أبيت مع رسول ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذاك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وعند مسلم عن ثوبان: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.

стр. 6655

مواقف السلف في التزود للآخرة أتدرون كم كان الإمام أحمد يصلي من غير الفرائض؟ يقول الذهبي وابن كثير وصاحب الحلية وهو شبه إجماع بين أهل السير: كان يصلي من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، وهو إمام أهل السنة والجماعة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال ابنه عبد الله: فلما جلد أبي كان يصلي مائة وخمسين ركعة. رحم الله الإمام أحمد وجمعنا به في دار كرامته فهو إمام أهل السنة والجماعة، ذاك الرجل الذي وقف في وجه الباطل حتى نصره الله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله! سئل ابن تيمية في المجلد العاشر من الفتاوي: ما هو أفضل عمل بعد الفرائض؟ -سأله أبو القاسم المغربي - فأجاب بجواب عظيم وقال: أما أفضل الأعمال بعد الفرائض فما أعلم أفضل من ذكر الله . وهو شبه إجماع بين أهل العلم، وهذا الذكر هو أسهل الأعمال وأيسرها وأنفعها للعبد ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ودل عليه القرآن والسنة والأثر قال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١]. ويقول ﵊ عند أحمد وأهل السنن: ﴿ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله﴾ فهو أفضل الأعمال. فناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متا وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا والذكر يكون بالتهليل والتسبيح والتحميد والاستغفار والصلاة على الرسول ﷺ ، وأعظم الذكر تلاوة القرآن. وأما بالنسبة للذكر الكثير المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] فقد قال ابن الصلاح: ذكر الله دائماً هو الذكر الكثير، وقال ابن تيمية: من ذكر الله بالأذكار الشرعية التي علمها معلم الخير ﵊ فقد ذكر الله كثيراً، وقال ابن عباس: أن تذكر الله في السراء والضراء، والحل والترحال - (أو كما قال) -. وأولى الأقوال كما قال رسول الله ﷺ لـ ابن بسر لما قال له: ﴿يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي؛ فدلني على شيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فالله الله في كثرة الذكر، والله الله في التزود بالصالحات للقاء الله . ومما يجعلك تعيش هذه القضية الكبرى (الطامة الكبرى): قصر الأمل، بأن تكون قصير الأمل، وأن تستعد للموت كما مثله الحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وقال ابن عمر -وبعض المحدثين يرفعونه إلى الرسول ﷺ : [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]]. يذكرون عن معاذ ﵁ أنه قال: [[والله ما نقلت قدمي من الأرض إلا خشيت ألا أضعها من فجاءة الموت]]-أو كما قال-. وقالوا عن الربيع بن خثيم أنه قال: [[أنا أتحرى الموت مع الأنفاس]]. ولما بلغ سفيان الثوري الستين اشترى كفناً وقال: "حق على المسلم إذا بلغ ستين سنة أن يشتري له كفناً" ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قالوا: النذير هو الشيب، وقيل محمد، وقيل القرآن، وقيل النذير الموت، ولكن الشيب هو نذير للموت إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها يقول الإمام أحمد: والله ما وصفت الشباب وفواته إلا بشيء كان في يدي ثم سقط بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب اللهم تولنا فيمن توليت، واجعل خاتمتنا في مرضاتك وعلى سنة رسولك ﵊.

стр. 6656

أسباب معينة على التزود للآخرة

стр. 6657

تجديد التوبة ومما يعين على التزود لليوم الآخر: تجديد التوبة دائماً وأبداً؛ فإن العبد خطاء، ومن مذهب السلف أنهم يصبحون تائبين ويمسون تائبين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وعند ابن حبان عن عائشة ﵂ قالت: ﴿جاء رجل إلى الرسول ﵊، فقال: يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب -أي كثير الذنوب والخطايا- قال: تب إلى الله. قال: فأعود. قال: تب إلى الله. قال: فأعود. قال: تب إلى الله. قال: إلى متى يا رسول الله؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المدحور﴾ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فحق على العبد إذا أصبح أن يجدد توبته دائماً وأبداً. وعند أبي يعلى بسند فيه نظر يقول ﵊: ﴿يقول الشيطان: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار﴾ ولذلك طالما يقرن الله بين التوحيد والاستغفار فيقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فإنه لا يصلح الحال إلا بإخلاص الموحد المعبود وباستغفار من التقصير الموجود، ويقول سبحانه عن ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فالاستغفار دائماً يكون مقروناً بالتوحيد وأيضاً يقول النبي ﷺ : ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾.

стр. 6658

رد المظالم إلى أهلها ومن أسباب التزود للآخرة: رد المظالم على الناس، وهي المظالم التي أخذت من الأعراض والأموال والحقوق وذلك بأن ترد على أصحابها قبل ألا يكون درهم ولا دينار ولكن حسنات وسيئات، يؤخذ من سيئات الناس وتوضع عليك ويؤخذ من حسناتك وتدفع إلى الناس وهذه هي المقاصة عند الله يوم القيامة فلا درهم ولا دينار. صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق؛ لقي الله وهو عليه غضبان قالوا: ولو كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك﴾ وهذا الحديث من رواية سعيد بن زيد بن نفيل، وله قصة فقد كانت له مزرعة في العقيق والعقيق ضاحية من ضواحي المدينة فأتت امرأة عجوز فشكته إلى مروان بن الحكم، وقالت: هذا اغتصب أرضي ومزرعتي، والمزرعة له، فدعاه مروان والي المدينة وقال: أتأخذ حقها؟ قال: ما كان لي أن آخذ من حقها شيئاً بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان﴾ ولكن ليس له بينة وكان عليها أن تحلف أو تقسم. فأقسمت العجوز أن الأرض لها فأخذت الأرض. فقال سعيد بن زيد: [[اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في مزرعتها]] فعمي بصرها وذهبت تأخذ ماءً فوقعت في البئر ميتة. وهذه من كرامات الأولياء، والمقصود من هذا أن على العبد أن يرد مظالم الناس التي أخذها من عقار ودار ومال وأعراض بسب أو شتم وأن يستغفر لهم ويتوب من ذلك وأن يستسمحهم قبل العرض الأكبر وقبل الطامة الكبرى. هذه جولة عن هذه القضية التي يجب على الإنسان أن يعيشها صباح مساء، وأن يتأملها وأن يعلمها علم اليقين ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨] اللهم هون علينا السؤال يوم العرض الأكبر، ويسر علينا الوقوف يوم الحشر، وتولنا فيمن توليت. وأسأل الله أن يصلح أحوالنا الظاهرة والباطنة، ونسأله -كذلك- أن يصلح ولاة الأمر وأن يهديهم سواء السبيل، وأن يصلح علماءنا وأمراءنا وقضاتنا وموظفينا، ويصلح أمتنا وبيوتنا وشبابنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6659

الأسئلة

стр. 6660

زكاة الحلي السؤال هل في الحلي زكاة؟ الجواب قبل أن أجيب على هذا السؤال أحب أن أبين للإخوة أن الأحكام والمسائل الفرعية يختلف فيها أهل العلم والاختلاف وارد. يذكر ابن تيمية في مختصر الفتاوى كلمة يقول فيها: الإجماع حجة قاطعة والاختلاف رحمة واسعة، ويذكر في رفع الملام عن الأئمة الأعلام أسباباً لاختلاف أهل العلم، في هذه المسائل؟ والحمد لله أن الأمة لم تختلف في أصول دينها، ولا في معتقدها، والصحابة والتابعون وسلف الأمة أجمعوا على أصول الدين والمعتقد، أما المسائل الخفيفة فاختلفوا فيها توسيعاً للأمة ورفعاً للحرج، ومن تلك الأسباب: أن الحديث أو الدليل قد يبلغ عالماً ولا يبلغ الآخر. ومنها: أن الحديث قد يصح عند عالم وهو ضعيف عند عالم آخر. ومنها: أن هذا الحديث قد يكون ثابتاً عند هذا العالم منسوخاً عند العالم الآخر. ومنها: أن يفهم العالم من الدليل غير ما يفهمه العالم الآخر؛ فلا مشاحة، ولا منازعة. ولا يقول القائل: لماذا يختلف العلماء؟ وما هذا الاختلاف؟ وما هذا التموج؟ وما هذا التشويش؟ لا، الحمد لله كل على بصيرة، وكما صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد﴾ فكلهم مجتهد وكلهم يطلب الحق، لكن بعضهم يوفق للصواب وبعضهم يخفى عليه. والذي يظهر والله أعلم من أقوال أهل العلم ومن النصوص أن في الحلي زكاة لأدلة منها: أن بعض العلماء أخذوا من عموم القرآن قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] وهذا عموم، ودلالة العموم على أفراده وارد، ومن أفراده زكاة الحلي. الأمر الثاني: قوله ﵊ في صحيح مسلم: ﴿أيما صاحب ذهب وفضة لا يؤدي زكاته إلا صفحت له صفائح يكوى بها جنبه وظهره وجبهته يوم القيامة -أو كما قال ﵊﴾ وقد صح عنه ﵊ عند الحاكم وأبي داود بسند صحيح: ﴿أن امرأة دخلت على الرسول ﷺ بسوارين في يديها فقال ﷺ : أتؤدين زكاتها؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار!﴾ أو كما قال ﷺ ، وعند أبي داود بسند حسن أن أم سلمة دخلت على النبي ﷺ فقالت: ﴿أكنز هذا يا رسول الله؟ قال: أتؤدين زكاته؟ قالت: نعم. قال: فليس بكنز﴾. وأيضاً حديث فاطمة بنت قيس وحديث عائشة عند البيهقي وغيرها من الأحاديث التي تدل على وجوب زكاة الحلي، ثم الاعتبار أن هذا مال وأنه من النقدين العالميين وأنه من الأحوط على العبد أن يزكي عليه، فهذا هو الرأي الصحيح إن شاء الله، فعلى المسلم أن ينبه أهله على الأمر بزكاة الحلي -سواء لبس أم لم يلبس- على رأس الحول فعليه أن يثمنه بثمن ويخرج من النقود في الألف ريال خمسة وعشرون ريالاً وفي المائة ريال اثنين ونصف ريال.

стр. 6661

مسافة قصر الصلاة السؤال ما هي المسافة التي يقصر فيها المسافر؟ الجواب هذه المسألة مثل سابقتها فيها كلام طويل، وأحسن من تكلم فيها ابن تيمية فيما يقارب مجلداً كاملاً، والصحيح -كما قال- أن الله لم يحد ولا رسوله ﵊ مسافة القصر لا بالأميال ولا بالكيلومترات وإنما الذي يسمى سفر عند الناس فهو سفر، وما تعارف عليه الناس أنه سفر فهو سفر، يقصر فيه، ويفطر فيه الصائم؛ لأن الله أطلق السفر في القرآن ولم يحده بمسافة فقال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] فما تعارف عليه الناس أنه سفر فهو سفر، كأن يقول القائل منا مثلاً: أريد السفر من هذه المنطقة إلى منطقة أخرى فهذا سفر، لكن أن يأتي إلى منطقة قريبة ويقول: أريد السفر إلى المنطقة هذه فلا يسمى سفراً. والأصل في ذلك أن ما يسمى سفراً في اللغة وفي عرف الناس فهو سفر والله أعلم.

стр. 6662

أحكام المسح على الخفين السؤال ما هي كيفية المسح على الخفين؟ الجواب للخفين شروط أربعة عند المحدثين منها: أن تلبس على طهارة، ومنها: أن تكون مما يسمى خفاً في الشريعة، ومنها: ألا تتجاوز المدة، ومنها: ألا تخلع في أثناء مدة المسح. هذه هي الشروط الأربعة، أما الشروط التي وضعها بعض الناس ﵏ وأنها تسعة شروط أو ثمانية، وقال: أن يكون قائماً بنفسه، جلداً، ساتراً، لا ينفذ الماء. يقول ابن تيمية: هذه من الآصار والأغلال التي جاء محمد ﷺ لرفعها عن الأمة، فالصحابة كان لهم خفاف مشققة ويمشون عليها وربما لا يستطيعون المشي عليها ويمسحون عليها. فما ستر محل الفرض من قماش ونحوه فيمسح عليه بشرط أن يلبس على طهارة لحديث المغيرة: ﴿دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين﴾ وألا يخلعهما في أثناء المدة وألا تتجاوز المدة. وهذا هو القول الراجح، وللمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها لحديث صفوان بن عسال وعلي: ﴿أن الرسول ﷺ وقت للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام﴾ رواه مسلم. أما كيفية المسح: فبعد أن يلبس الخفين على طهارة، فإذا أحدث وأراد أن يتوضأ، فعليه أن يرش يده بالماء ثم يمسح برأس أصابعه من رأس أصابع الرجل إلى ظهر القدم وكذلك اليسرى، وذكر بعض العلماء في بعض حواشي الفقه أن: اليد اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى وهذا جائز لكن الأفضل أن يمسح اليمنى ثم اليسرى بعدها تيامناً.

стр. 6663

كفارة اليمين السؤال ما هي كفارة اليمين؟ الجواب كفارة اليمين ذكرها بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] فالأول على التخيير والثاني على الترتيب -بعد فمن لم يجد- إما إطعام عشرة مساكين، وجبة كاملة تكفيهم غداءً أو عشاء أما الفطور فهو رخيص ولا يدخل فيه لكن الغداء والعشاء مما يكفيهم وهذا في عرف الناس ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ -كسوة كاملة- أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] وفي قراءة ابن مسعود (متتابعات) وهو رأي الجمهور أن تكون متتابعة وهو الصحيح وهذه الكفارة تكون إذا حلف العبد على شيء ولم يفعله أو حلف ألا يفعل شيئاً وفعله.

стр. 6664

كيفية الغسل من الجنابة السؤال ما هي كيفية الغسل من الجنابة؟ الجواب الغسل الكامل من الجنابة كما ورد في حديث عائشة وميمونة أن يتوضأ صاحب الجنابة الوضوء الكامل وضوءه للصلاة، فإذا انتهى من الوضوء؛ بدأ فغرف ثلاثة غرف على رأسه وأوصل الماء إلى أصول الشعر وأروى البشرة، ثم أفاض على رأسه ثلاث مرات، ثم غسل الميامن قبل المياسر وما على من جسمه قبل ما سفل، وهذا هو الغسل الكامل. أما الغسل المجزئ فهو أن يعمم جسمه بالماء ولا يتوضأ قبل، وإذا نوى الوضوء دخل فيه وهو الصحيح إلا إذا مس فرجه فإنه يعود للوضوء. وأورد الشوكاني عن حذيفة يقول: من لم يطهره الغسل فلا طهره الله؛ لأن بعض الناس يقول: لابد من الوضوء مع الغسل، لكن إذا نوى دخول الوضوء في الغسل فإنه يكفي.

стр. 6665

أضرار العصبية السؤال هل لك أن تحدثنا عن أضرار العصبية؟ الجواب السائل يقصد العصبية القبلية الجاهلية التي أتى رسول الله ﷺ لهدمها ولقطعها وإزالتها قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. وقال ﷺ : ﴿المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه﴾. العصبية الجاهلية طاغوت وصنم موجود في بعض الأماكن والمجتمعات القبلية التي يكثر فيها القبائل، والتحزبات القبلية، وذكر مناقب القبيلة على حساب القبيلة الأخرى، وتربية الأطفال عليها فيرضعونهم مع اللبن العصبية الجاهلية والتمييز العنصري، يقول: أنا ابن فلان وهذه من دستور أبي جهل وفرعون وهامان وقارون، أما محمد ﷺ فإنه منها بريء، ولا إله إلا الله كم شتت من القلوب! وكم فرقت من الأرواح! وكم سفك في سبيلها من الدماء! وكم انتهكت في طريقها من المحارم، وهي من العادات الجاهلية التي لا تنتشر إلا في المجتمعات المتخلفة التي ما رأت نور الوحي، ولا سمعت بدعوة الرسول ﵊ أو سمعت سماعاً في الجملة. وعلى كل حال: فالله الله في التآخي وأخذ مقياس الإسلام، ففي حديث -فيه نظر- عن أسماء بنت يزيد: ﴿أن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة يقول: يا أيها الناس إني وضعت أنساباً ووضعتم أنساباً، فوضعتم نسبي ورفعتم أنسابكم (أي في الدنيا) اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم﴾ قلت: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وقلتم: أكرمنا فلان بن فلان وبالفعل قالها أبو جهل يقول: إنه سيد العير والنفير، وبلال مولى يباع، لكن أتى الإسلام فقال: لا بلال سيد وأنت حقير زنديق رعديد لأنك كفرت بلا إله إلا الله. وهذا سلمان الفارسي ﵁ جلس مع نفر من العرب، يريدون أن يكبتوا سلمان وهو في العراق فقال رجل: ممن أنت؟ قال: من بني تميم، والثاني من غطفان، والثالث من فزارة، ولما أتى الكلام إلى سلمان قال: أبي الإسلام لا أب له سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم يذكر ابن القيم في طريق الهجرتين كلاماً معناه: قالوا لـ أبي جهل: من أبوك؟ قال: العير والنفير، من أنت؟ قال: سيد أهل الوادي، ماذا تريد؟ قال: أريد الرئاسة أو ما يشبه ذلك. وقالوا لـ سلمان: ما زادك؟ قال: التوكل على الله. قالوا: وما عصاك؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قالوا: من إمامك؟ قال: محمد ﷺ . قالوا: ماذا يريدون؟ قال: يريدون وجهه. قالوا: أين مسكنهم؟ قال: المسجد. قال: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها﴾.

стр. 6666

حكم بيع التقسيط السؤال زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل. هل فيه شيء؟ الجواب لا أعلم فيه بأساً، زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل لا بأس فيه، وصورته أن تبيع سيارتك إلى أجل أو إلى ستة أشهر أو سنة ديناً فترفع القيمة من أجل الدين؛ لأنه لا يستوي البيع نقداً وديناً، فالدين مثلاً تقول هذه السيارة ديناً بمائة ألف ونقداً بخمسين ألف، فالمائة ألف كانت بسبب زيادة الأجل، وابن القيم يرى أن حديث أبي داود الذي فيه ﴿نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة﴾ ليس معناه هذه الصورة، ولو أن بعض الفقهاء مثل محمد حامد الفقي من العصريين ذكروا هذه الصورة لكن يقول ابن القيم: البيعتان في بيعة هي بيع العينة، أما زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل فوارد. لكن هناك صورة محرمة لابد أن ينتبه إليها، يعرفها كثير من الناس، وهي ما إذا أتى الرجل يطلب منك ثمن سلعته فتقول: لا أجد. فيقول: أزيد من الثمن وأزيد عليك الأجل، وهذا من فعل الجاهلية الذي تقول فيه عائشة: تقضي أو تربي. هل تقضيني الآن أو أمهلك وأزيد عليك في الثمن، فهذا محرم ولا يجوز. أما بيعتان في بيعة فهي بيع العينة التي هي محرمة، وصورتها أن يشتري رجل من رجل سلعة ديناً وبعد فترة يشتريها الأول نقداً بأقل من الثمن؛ فهذا أمر محرم، ويفعله بعض الناس، نسأل الله أن يتوب علينا وعليهم.

стр. 6667

حكم الإيداع في البنوك السؤال ما حكم الإيداع في البنوك؟ الجواب هذا يتكرر كثيراً، الإيداع في البنوك الربوية محرم، وقد أفتى كثير من علمائنا كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: هذا من التعاون على الإثم والعدوان، ولا يجوز الإيداع في هذه البنوك التي تتعامل بالربا، فلا الإستقراض منها ولا الإيداع فيها ولا التعامل معها يجوز؛ لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء﴾ حديث صحيح رواه مسلم عن جابر. وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6668

الدعاة والورقة الرابحة أهل السنة والجماعة هم وسط بين الفرق، ومن أئمة السنة الشيخ عبد العزيز بن باز، وقد وجه الشيخ لأهل السنة توجيهاً خطابياً فيه من الإرشاد الكثير، واستغله بعض الناس في الكلام على طلاب العلم من أهل السنة، وفي هذا الدرس يوضح الشيخ ما غمض فيها، ويبين أهم معالم أهل السنة والجماعة.

стр. 6669

خطاب ابن باز للدعاة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إخوة الإيمان! حملة التوحيد! رواد العقيدة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نعم! عنوان هذه المحاضرة: (الدعاة والورقة الرابحة) وقبل أن أبدأ؛ أشكر المولى على أن جمعني بهذا الجمع المبارك الكريم، وأسأله أن يتمم هذا الاجتماع بكم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشكر الزميلين الفاضلين: فضيلة الدكتور/ إبراهيم الهويمل، وفضيلة الشيخ/ أحمد الباتلي، وأتوجه إلى الله من هذا المنبر الكريم أن يحفظ إمام السنة، وعالم الأمة في هذا العصر؛ سماحة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وله مناسبة ولسماحته مقام في هذه المحاضرة؛ إذ خطابه الذي وجهه إلى الأمة هو الورقة الرابحة للدعاة إلى الله على بصيرة. ائذنوا لي قبل أن أبدأ بالمحاضرة أن ألقي على مسامعكم مقطوعة بعنوان: (أسماحة الشيخ). أسماحة الشيخ الجليل تحية تهدى إليك وأنت فيض خطابي براقة كجلال وجهك يا أبي محفوفة بالأهل والأصحاب أنا إن مدحتك صرت أمدح مهجتي فرضيت تلويحاً عن الإعراب يا بن الثمانين التي أفنيتها في العلم والأخلاق والآداب يا بن الثمانين التي أهديتها لله بين هداية وصواب يا بن الثمانين التي أمهرتها للمجد لا لملذة وكعاب أنت الصدوق إذا تلعثم كاذب برقاعة الأسمال والأثواب أنت الوفي إذا تعثر خائن وأتاك بالأحفاد والنواب لله درك لم تزل متوقداً كالفجر في إقدامه الوثاب حلفت قلوب الناس إنك صادق نسب المحبة أعظم الأنساب يا عالم الإسلام كل معلم تلميذكم في هذه الأحقاب بالله يا محبوب أي فضيلة خلفتها للصيد والأحباب أسرج فديتك خير جيل محمد من طنجة الفيحا إلى البنجاب عرضي لعرضك من سفيه فدية سود العيون تصان بالأهداب ودمي على مسعاك سال منادياً شاهت وجوه الزمرة الأذناب أهل الحداثة والتفرنج والخنا هم زعزعوا الإسلام بالأطناب مردوا على الكفر العظيم وظاهروا أسيادهم بالفكر والأسباب ورووا خطابك يا كريم فحرفوا ألفاظه أشباه أهل كتاب حملوه من مرض النفوس محاملاً مغلوطة في الحضر والأعراب وتقصدوا أعراضنا بخناجر مسمومة من صنع ذاك الغاب ورموا حمانا بالتطرف ويلهم من زمرة الأوثان والأنصاب يا رب فاقبلنا حماة عقيدة نرجوك في الأخرى عظيم ثواب أيها الكرام البررة! يا تلاميذ المدرسة الربانية؛ مدرسة أهل السنة والجماعة، المدرسة الخالدة التي تستمر وتعطي وتنتج، رضيها الله ، طائفة منصورة إذا اجتمعت معصومة من الخطأ والزلل، يمثل هذه المدرسة إمامها محمد ﷺ ، ومن تلاميذها: أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ: محمد بن عبد الوهاب، والشيخ: عبد العزيز بن باز، وهذه المسيرة الرائدة. وإنني من هذا المكان أدل الجيل على كتب جيدة علمها من علم! وطرحها من طرح؛ لفضيلة الشيخ الدكتور/ ناصر العقل، فلله دره! كيف أجاد في عرض مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة بعرض عصري مع احتفاظه بروح النص، وجلالة المأخذ من الكتاب والسنة، وأنا أدعوه من هذا المكان إلى المزيد من الكتابات والأطروحات في هذا المنهج الخالد وتوضيحه؛ وإنني لألتمس إليه باسمكم -جميعاً- أن يضع كتاباً في مسائل الدعوة والعمل، والخلاف والافتراق، وما للدعاة من مكانة، وماذا يجب عليهم تحت مظلة أهل السنة والجماعة؟! أيها الإخوة الكرام! سبق وأن ألقيت محاضرة بعنوان: (كيف يذبح الإسلام؟) وهي طريق إلى هذه المحاضرة التي هي بعنوان (الدعاة والورقة الرابحة) وسوف ألخصها في دقائق، عرض هناك كيف ذبح ديننا بسكاكين إسلامية، أي: أن الإسلام ذبح على الطريقة الإسلامية! ونحن نقول هذا مضطرين دفاعاً عن دين الله . ذكر الإمام الذهبي أن أحد المحدثين أتته سكرات الموت، وهذا المحدِّث طوال حياته يسمع حدثنا، حدثنا ويعيش معها، ويحبها، ويعشقها، ويتلذذ بها، فلمَّا سمع (حدثنا) وهو في سكرات الموت استفاق وجلس. قالوا: تجلس وأنت في سكرات الموت! قال: سقوني وقالوا لا تغنِّ ولو سقوا جبال سليمى ما سقيت لغنَّتِ والبيت لـ مجنون ليلى، ومعناه: أنه سقي الخمر - مجنون ليلى - فلما سكر غنى، قالوا: لا تغنِّ، الغناء حرام، قال: تسقوني الخمر ولا أغني؟! فالدعاة مضطرون إلى أن ينفاحوا ويكافحوا، وأنتم كذلك -جزاكم الله خيراً- يوم كثرتم السواد وحضرتم، منكم من هو أفضل من المتكلم وأعلم وأتقى وأنبل وأجل، ولكن حضر ليكثر السواد، وليراغم أهل الردة والنفاق، وليحضر بكيانه ليقف في جبهة التوحيد، ولينصر مسيرة أهل السنة والجماعة؛ فحضر أولئك ليكثروا السواد، ومنكم من هو على أبواب الامتحان، لكن أتى ليرابط على الثغر في مسجد فاضل، يسمع قال الله وقال رسوله ﵊.

стр. 6670

من مظاهر محاربة الدين ذكرت في تلك المحاضرة (كيف ذبح الإسلام) في قرآنه الخالد، الأطروحة الحضارية التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ؛ لينقذ البشر؛ أصبح يقرأ في الحفلات وعلى الموتى، وإذا صرع مصروع يقرأ عليه من مس، وهذا فحسب، ولو أن هذا من السنة، ووارد؛ لكن مهمة القرآن فوق ذلك. وانظروا الأعجوبة! إننا أبناء العرب أنا وأنت، وليست العروبة التي نتفاخر بها لكن اللغة العربية الخالدة، أنا وأنت أبناء قحطان وتغلب ومضر وربيعة ومذحج والأزد؛ أصبحنا ندرس في المساجد بأساتذة من العجم، فأصبح أساتذتنا -والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- من باكستان وأفغانستان، وليس هذا تهويناً بهم ولا ازدراء، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]. وذبح الإسلام في السنة، فطعن في رواتها، وفي أصحاب الرسول ﵊، وفي مصداقيتها، وآخر من طعن حاكم ليبيا الخسيس الحقير معمر القذافي، وهو يعرض في مذكراته وخطبه أن السنة ليست مصدر تشريع، وأن الرسول ﵊ صلح لفترة بدوية قديمة ولا يصلح الآن، وكأنه المقصود بقوله ﵊ في السنن: ﴿رُبَّ شبعان ريان متكئ على أريكة يأتيه الأمر من أمري، فيقول: حسبكم ما في القرآن، ما وجدتم من حلال فأحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه﴾ والله أعلم. وممن طعن في السنة من الكتبة المعاصرين أبو ريه -لا أرواه الله من الحوض المورود- وقد صلمه محمد أحمد الراشد في كتاب دفاع عن أبي هريرة، ولو كان هناك كتاب يرشح لهذا القرن كان هذا الكتاب المجيد، فأثابه الله. وذبح الإسلام بالطعن في الرسول ﷺ ؛ في شخصه الكريم، في عصمته، في عرضه، وآخر من فعل ذلك المجرم اللعين/ سليمان رشدي. ثم انظر إلى أهل البدعة ماذا فعلوا؟ تحركوا في خطب الجمعة باستنفار عجيب، وألقت إذاعاتهم وصحفهم، وحكموا على هذا المجرم بالإعدام غيابياً ولم يتحرك من أهل السنة أحد، والعجيب أنهم كما قال ﵊: ﴿كل له بواك إلا حمزة فلا بواكي له﴾. وطُعِن الإسلام في العلماء والدعاة لتسقط عدالتهم، وجاء سماحة الشيخ الوالد/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز يدافع عن الدعاة، ويصفهم أنهم من أهل السنة والجماعة، وأنا أدعو الذين لم يفهموا الخطاب أن يفهموه وأن يعيدوا قراءته، وأن يتمعنوه وأن يردوه إلى أهل العلم وأهل الاستنباط. وطعن الإسلام في أن حول العامة إلى المعيشة فحسب، لا نصرة للإسلام؛ فيشتغل الواحد منهم بمكسبه ومطعمه من الصباح إلى المساء. وطعن الإسلام في أن وجه الناشئة إلى المسائل الخلافية والجدل العقيم، والغرور والعجب، وعدم الوثوق بالعلماء.

стр. 6671

حديث معاذ وموقف الدعاة أمامه وقبل أن أدخل إلى هذه المسائل معي لكم هدية كأنها وقفة أو استراحه في غضون المحاضرة، أروي هذا الحديث من مسند أحمد ولو أن أصل الحديث في الصحيحين عن معاذ ﵁ وأرضاه، قال: ﴿كنت رديف الرسول ﷺ على حمار يقال له: يعفور﴾ سمى الحمار ومعنى ردفه: أي ركب وراءه مباشرة، ومعلم البشر وخير من خلق الله، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، يركب على حمار ﵊! فلما ردفه قال: ﴿سار بنا الحمار فعثر فسقطت أنا والرسول ﵊﴾ لك أن تتأمل المشهد ولك أن تتصور. ركب الرسول ﷺ الحمار ورديفه معاذ، وانطلق بهم الحمار، فعثر فسقط الرسول ﷺ من على الحمار، وسقط معاذ، قال: ﴿فذكرت من نفسي أسفاً﴾ يقول معاذ: تأسفت على سيد البشر ﷺ ؛ لأنه ليس زعيماً ولا مفكراً ولا أديباً ولا عالماً، وإنما سيد البشر، وخير من خلق الله! قال: ﴿فذكرت من نفسي أسفاً، وقام ﷺ يضحك -هكذا رواية أحمد - ثم ركب ثانية فعثر الحمار فسقط! فقام ﷺ يضحك -وعند أحمد الثالثة- ثم سار الحمار فقال ﷺ : يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار، وقال: وهل تدري ما حق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم﴾ وهي بشرى تحرَّج معاذ أن يخبر بها الناس، ولكن أخبر بها الناس عند موته تأثماً؛ لأن سيد العلماء خاف أن يتكل الناس على هذا الحديث ويتركوا العمل. ولذلك توج الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: (هذا الحديث في كتاب التوحيد بباب التوحيد وما يكفر من الذنوب). ثم أتى بهذا الحديث، فهي بشرى أزفها بين يديكم من محمد ﵊. أيها الإخوة الكرام! في غضون هذا الحديث، هناك مطالبات يطالب بها الداعية إخوانه وطلابه وأحبابه في هذه الفترة الحرجة من فترات التاريخ؛ التي كثرت فيها الردود والأهواء؛ وتشعبت فيها الأفكار، وتفرقت فيها الكلمة، ما هي العصمة يا عباد الله؟ كتاب الله وسنة محمد ﷺ ، والالتجاء بعد الله إلى العلماء، إلى أهل الفقه في الدين، إلى علماء أهل السنة والجماعة، ومنهم: كبار العلماء في بلادنا، فإن لهم من الحسنات ما الله به عليم، وإن أخطئوا في بعض المسائل فهم مجتهدون، وكما قال الأول: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع فلهم من العقيدة الصافية، ولهم من كثرة الاطلاع، ومن الفقه في الدين، ومن حب الله ورسوله ما يشفع لهم أخطاءهم التي لا يسلم منها البشر، فالرجاء الاحترام لهم، والالتفاف حولهم، وزيارتهم ومعرفة قدرهم، فإنها من الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله تعالى.

стр. 6672

مميزات أهل السنة والجماعة

стр. 6673

حب العلماء من ميزة أهل السنة أنهم يحبون العلماء، وأهل البدعة يمقتون ويبغضون وينفرون من العلماء. أيضاً عدم الاستقلالية بالفكر والفتوى والرأي، فإنه قد ينشأ الناشئ ويحصل على شيء قليل من العلم فيظن بنفسه الظنون، ويذهب بنفسه كل مذهب ويظن أنه بلغ رتبة الاجهاد، وحنانيك لا تطر حتى تريش، إذا أصبح للعبد ريش فليطر، ولا يستقل برأيه؛ فإن علياً -كما في البخاري - قال: [[رأي الاثنين أحب من رأي الواحد]]. وقال أهل العلم: ورأي الثلاثة أحب من رأي الاثنين. وكان عمر ﵁ إذا وقعت به معضلة جمع أهل بدر يسألهم ويستفتيهم، وفي بعض الآثار: ﴿أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار﴾ فالواجب على طالب العلم ألاَّ يستقل برأيه، وأن يشاور أهل العلم والفضل، وأن يعود إلى العلماء والدعاة ولا تعجبه نفسه؛ فإن العجب مهلكة، وهو من كبائر الذنوب، حتى تجد شيخ الإسلام ابن تيمية كما في المجلد العاشر والحادي عشر من الفتاوى ينبه على الكبائر التي في القلوب وتناساها الناس، نحن نتحدث الآن عن الكبائر الظاهرة، مثل: شرب الخمر والزنا والسرقة؛ ولكن هناك كبائر قد تكون أعظم من هذه الكبائر؛ كالعجب والحسد والكبر والغرور والعياذ بالله، وقد توصل العبد إلى درجة من الطاغوتية والنمرودية والتجبر على عباد الله، وعلى غمط الحق ودحره ما لا يعلمه إلا الله، حتى إنك تجد الناسك يقوم الليل ويصوم الإثنين والخميس، ويقرأ القرآن وهو يرد الحق، ويعجب برأيه، ويتفلت على أهل العلم، وينكر ويدحض الحجج.

стр. 6674

عدم التعالم والتطاول على العلماء ومنها: عدم التعالم والتطاول على الإخوة والزملاء؛ فإن الرسول ﵊ كما ورد في صحيح مسلم: ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد﴾ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وكان بعض السلف يرافقون ابن مسعود فالتفت إليهم، وقال: [[عودوا إلى بيوتكم، والله لو علمتم من أنا، لحثيتم التراب على رأسي]]. وكان إبراهيم النخعي إذا جلس على سارية جلس إليه اثنان، فإذا زادوا قام وتركهم، وكانوا يندسون خوف الشهرة والظهور، فنسأل الله أن يخرجنا منها مخرجاً حسناً، وأن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص والتوفيق. وإن من المطلوب في مثل هذه الفتن أن نلتم حول علمائنا وأن نستفيد منهم، وإذا كان هناك ما يوجب التنبيه نبهنا، فإنه قد يستفيد الفاضل من المفضول، فهذا هو واجب أهل السنة في وقت الفتن وتشعب الآراء والأهواء.

стр. 6675

معالم مدرسة أهل السنة أيضاً أيها الإخوة الكرام! أبين لكم معالم أهل السنة والجماعة التي يذب وينافح عنها سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز؛ لأنه صاحب فكرة، وصاحب أطروحة وعرض حضاري يلائم العصر قال الله وقال رسوله ﵊، فعلمك الوحي لا من علمه علم الرجال، ويقول في موطن آخر: تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف فهو يوجه هذه المسيرة، وينافح ويكافح عنها ويرد عن دعاتها رد الله عن وجهه النار يوم القيامة.

стр. 6676

تتبع الدليل من معالم هذه المدرسة: أنها مدرسة تتبع الدليل؛ فهي لا تتعرف إلا بالوحي، والعصمة لكتاب الله ولرسوله ﵊. قرأت أن بعض المستشرقين أراد أن يسلم وقد تعلم العربية وكان سبب إسلامه أن عرض عليه المصحف فابتدأ بسورة البقرة (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. قال له أحد الناس: ولم؟ قال: كل كاتب إذا كتب كتابه، بدأ في المقدمة يعتذر من النقص والتقصير إلا الله، فإنه بدأ متحدياً أن يوجد في كتابه نقص أو تقصير!! انظر إلى الكتبة! انظر إلى رسائل الماجستير والدكتوراه وكل كاتب في أي علم يقول: معذرة، وإن أتى سهو أو خطأ فمن نفسي، والشيطان، ومن وجد عيباً فليصلحه أو يتصل بي، لكن الله يقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] يقول: ليس فيه شك ولا نقص ولا تقصير ولا تردد ولا ريبة، ويقول عن كتابه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جمال العتق والقدم أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم لا إله إلا الله! سبحان من أنزله وأحكمه! فـ أهل السنة يؤمنون بهذا الدليل أنه وحي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] ورسوله ﵊ هو الذي قال: ﴿ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه﴾ قال تعالى فيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]. فمدرستنا مدرسة أهل السنة والجماعة ليس فيها معصوم غير الرسول ﵊، حتى تجد بعض الناس يبالغ في حب بعض المنظرين، أو الدعاة المشهورين أو العلماء، حتى يصير كلامهم صحيحاً لا يقبل الخطأ، وكلام غيرهم خطأ لا يقبل التصحيح، وهذا خطأ. وأنتم تعرفون فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عمن قال: إنه يجب أن يتبع إمام من الأئمة ولا يخالف قوله؟ قال: يستتاب من قال هذا القول؛ فإن تاب وإلا قتل. وكان الإمام أحمد -كما روي عنه في السير- يقول: خذ من حيث أخذ مالك والثوري وابن المبارك ومقصوده: من بلغ درجة الاجتهاد وأصبح لديه الملكة والآلة وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم على أن المقلد ليس من أهل العلم". ومقصودي أيها الإخوة الكرام! أن ميزة مدرسة أهل السنة والجماعة أنها تتبع الدليل؛ وهو قول الله وقول رسوله الله ﷺ . ويقول أحد الفضلاء في بعض كتبه: على طالب العلم أن يعتصم في كل مسألة بدليل من المعصوم ﵊، فالعلم إنما هو مسألة محققة بدليلها، والدليل مطلوب حتى نبه الله عليه في القرآن، فقال: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] فالعلم: هو الدليل. وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] وجاء في حديث رواه ابن خيثمة ولكن في سنده نظر كما ذكره ابن حجر: ﴿أن الرسول ﷺ نظر إلى الشمس، فقال للرجل: أترى هذه؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد﴾ دل على ذلك قوله : (َ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. وهو أن تعتصم في كل مسألة بدليل من المعصوم ﵊ ينقذك بإذن الله ويحميك، وهو البصيرة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] قال مجاهد -: البصيرة: العلم. وصدق، فإن أصحابه ﵊ لا يتعاملون بأهواء ولا عواطف ولا كلام فكري، سمعت بعض الناس في شريط أو شريطين ما يقارب ثلاث ساعات يتكلم في الدعوة ولم يأتِ بآية ولا حديث، فكلها مركزية الدعوة والمنهجية والأُطر، وهذا مجرد كلام، وإلا فالعلم آية وحديث، فهذا مَعْلَم بارز من معالم مدرسة أهل السنة والجماعة.

стр. 6677

البعد عن التكلف الثاني: مدرسة أهل السنة والجماعة التي ينادي بها سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز مدرسة ميسرة سهلة بعيدة عن التكلف والتعقيد، إنما دخل التعقيد يوم أتى الفلاسفة لا حيا الله مطلعهم. يقول ابن تيمية: إن الله لا يغفل عن المأمون؛ لأنه ترجم كتب الفلاسفة. ومن يوم بزغ علينا فجر المأمون وجد علم الكلام في العقيدة الصحيحة السلفية؛ عقيدة أهل السنة والجماعة. أُتي إلى الرسول ﵊؛ كما في السنن من حديث معاوية بن الحكم السلمي بجارية، فقال لها: ﴿أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة﴾. ما أحسن العقيدة! ما أسهل العرض! أتاه ضمام بن ثعلبة؛ كما في الصحيحين فسأل الرسول ﷺ عن الآيات البينات؛ فأخبره ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة ثم ولى، أليس هذا تيسير؟ فيقول ﷺ : ﴿من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾. وفي مسند أحمد بسند جيد أن أبا جُريَّ الهجيمي وفد على الرسول ﷺ من البادية، وانظر إليه ﷺ يتكلم له بحالة البادية، وببيئة البادية، وبوضعه الاجتماعي، يقول البدوي: ﴿من أنت؟ قال ﷺ : أنا رسول الله! قال: من أرسلك؟ قال: الله. قال: من هو الله؟﴾. أسئلة جادة حارة ساخنة! والرسول ﷺ لم يأتِ بتعريف الفلاسفة، المعقد؛ يقول ابن سينا: العقل الفعال. وغيره يقول: المؤثر، عرف الله نفسه لموسى حين كلمه كفاحاً، فقال له: يا موسى! ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وأعظم تعريف لله عند أهل السنة والجماعة أنه: لا إله إلا الله، وفي سورة محمد قال للرسول ﵊: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: قبل أن تدعو، وقبل أن تعمل أو توجه أو تربي، وقبل أن ترشد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] قال: أنت رسول من؟ قال: رسول الله. قال: من هو الله؟ فالرسول ﷺ يجيبه، لكن اسمع الإجابة الحارة المؤمنة الصادقة، قال: ﴿أنا رسول من إذا أصابك قحط وأنت في الصحراء فدعوته كشف عنك، وأنا رسول من إذا ضلت عليك راحلتك وأنت في البادية فدعوته ردها عليك﴾ فأسلم الأعرابي. هذه عقيدة ميسرة يدعو إليها أهل السنة والجماعة، فهم يقدمون ميثاق التوحيد، ويدعون الناس إليه بصدق وإخلاص حتى يقوم الناس على منهج رباني. فمن معالم هذه المدرسة: أنها ميسرة، قال تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] ما فيها تقعر ولا تنطع ولا تعمق، تلقي العلم بسيطاً سهلاً حتى يفهمه الناس. ومنهجه ﵊: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] بعث ﵊ رحمة للعالمين.

стр. 6678

محاربة أهل البدع والأهواء الثالث: من معالم هذه المدرسة التي ينادي بها سماحته: أنها تحارب البدع في الدين والأهواء، مدرسة صافية كالثوب الأبيض، لأنها ليست شركة تجمع، ولا مؤسسة لها أعضاء ووكلاء؛ إنما هي مدرسة ربانية لا تدخل فيها إلا بشروط وهي: أن تكون سنياً سلفياً صرفاً موحداً، لك منهج رباني تتعبد الله به، أما التلفيق والترقيع فهذا لا يصلح أبداً، حتى يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عامي موحد يغلب ألف مشرك مخلط. أو كما قال، وهذا صحيح، فإن علماء المبتدعة بحور في العلوم لكنهم مخلطون، وقد يكون عالم أهل السنة أقل في العلم، لكنه صافي المنبع كالنطفة من الماء، أو كالساقية الصغيرة أمام البحر المالح. يقول ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ وأول خطبة للصديق على المنبر: إنما أنا متبع ولست بمبتدع. فهو يخبر الناس، فيقول: أنا تلميذ، الشيخ مات، وأنا خليفته في المدرسة، فأنا متبع ولست مبتدعاً، لا أقنن لكم ولا أخترع، ولا أصنف، إنما أنا متبع للرسول ﵊. وقد كتب عمر بن عبد العزيز كتاباً كما في سنن أبي داود في السنة أنصح بقراءته وتأمله فهو من أحسن الكتب، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية وذكره كثير من أهل العلم، وذهب عمر بن عبد العزيز إلى أبعد من ذلك، فقال: وما بعد السنة إلا التعمق والتنطع أو كما قال.

стр. 6679

علماؤنا مجتهدون لا مقلدون أيها الفضلاء! علماء مدرسة أهل السنة والجماعة التي يذب عنها سماحته مجتهدون لا مقلدون، فإذا بلغوا رتبة الاجتهاد لا يجعلون كلام غير الرسول ﷺ ككلام المعصوم، ولا يأخذون كلام الناس كأنه نصوص قاطعة، إنما يأخذون المتون ويدرسونها الطلاب، فيها الصحيح وفيها الخطأ، مثل: زاد المستقنع وأنا ضد من يتهجم على مثل هذه الكتب كـ الروض المربع وزاد المستقنع، وهي ليست ككلام الرسول ﷺ ، في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم، إنما هي كلام فقيه أعلم منا، لكن فيه مسائل مرجوحة نبه عليها أهل العلم، وأعظم من نبه على مثل هذه الأخطاء شيخ الإسلام ابن تيمية، أول مسألة في زاد المستقنع يقول: والمياه ثلاثة. قال ابن تيمية: بل هي قسمان. ثم ذهب بعد ثلاثة أسطر وقال: وإذا اختلطت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب صلاة وزاد صلاة. وهذا من الآصار والأغلال، بل يتحرى ويصلي صلاة واحدة. وما مقصودي أن أنقد الكتاب هنا، لكن مقصودي هو ألا نجعل هذه المتون كأنها من كلام المعصوم ﵊، ثم لا نهاجمها، بل نتأدب مع العلماء، وأحسن من عرض لهذه الفكر هو ابن تيمية في أول كتاب الاستقامة بعرض جيد، فأنا أنصح طلبة العلم بقراءته.

стр. 6680

الوسطية أيها الأخوة! هذه المدرسة وسط بين الطوائف، فالأمة الإسلامية وسط بين الأمم، وأهل السنة وسط بين الطوائف قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] انظر إلى اختيار الله لهذه الطائفة المنصورة؛ أن جعلها وسطاً بين المرجئة والخوارج، فـ المرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، ويرون أن أصل الإيمان واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن إيمان أبي بكر مثل إيماني وإيمانك! أبو بكر الذي دفع دمه وعرقه ووقته وماله في خدمة ونصرة لا إله إلا الله مثلي ومثلك الذي لا يحضر الواحد منا إلا بكل إلحاح لصلاة الفجر!! هؤلاء المرجئة. وخالفهم الخوارج فوقفوا في الطرف المقابل، وقالوا: صاحب الكبيرة كافر خارج عن الملة، وهذا خطأ. وتوسط أهل السنة فقالوا: الإيمان يزيد وينقص، وصاحب الكبيرة فاسق بكبيرته ما لم يستحلها؛ فإن استحلها كفر، وإلا فهو مسلم، لكنه ناقص الإيمان كما ذكروا ذلك، وهذا هو الوسط. وسط بين الرافضة والنواصب، الرافضة غالوا في آل البيت حتى ألهوا علياً ﵁ وأرضاه، أتى ابن سبأ بفكرة لعينة إلحادية في عهد علي وقال: هو الإله. فلما سمع علي ﵁ ذاك؛ ضاق ذرعه وقام وأوقد النار في أخاديد، وأخذ مولاه قنبر وهو نشيط قوي وقال له: عليَّ بهم. فكان يجرهم قنبر ويضعهم في النار ويحرقهم ويقول علي: لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا يقول: لما رأيت أن هؤلاء خرجوا عن الملة أحرقتهم. فهذا موقف علي من الرافضة السبئية وهو موقف حازم يشكر عليه، أثابه الله عن الإسلام والمسلمين. أيضاً النواصب وقفوا في المقابل فسبوا أهل البيت، ووقف أهل السنة وسطاً، فعرفوا حقوق أهل البيت، بمقابل الرسول ﵊: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣].

стр. 6681

الواقعية من معالم مدرسة أهل السنة والجماعة أنها واقعية لا تجمح في الخيال!! فهي تخاطب الناس بالواقع، وتحل مشكلات الناس التي يعيشونها، وأنا أنصح إخواني طلبة العلم ألا يتكلفوا في المسائل التي لم تقع، قال ابن عباس لمولاه عكرمة وكان يفتي الناس: [[لا تفت الناس إلا في مسائل وقعت، فإنك إذا فعلت ذلك وضعت عنك نصف الكلفة]]. وأنت تجد كثيراً من الناس يفترضون افتراضات في أسئلتهم، وبعضهم يدخل في استشكالات واستفسارات لا تخصه، كبعض الناس يسمع أن رجلاً في الحارة طلق زوجته؛ فيذهب هو ويتبرع إلى العلماء، ويقول: رجل طلق زوجته وهو مغضب، ما حكم ذلك؟ فقيل له: أنت طلقت زوجتك؟ قال: لا. فقيل: من؟ قال: رجل في الحارة. وما دخلك برجل في الحارة؟! وكثير من الناس يتحمل أسئلة الناس وهمومهم! أيضاً: من المسائل الافتراضية التي كثر فيها الرد ما يُكتب في الصحف كثيراً، وأنا رأيت اثنين ممن يعدون أنفسهم في القمة الفكرية، ويسمون النخبة المثقفة، يتكاتبون في مسألة جدة، هل هي جِدة أو جَدة أو جُدة؟! يا أخي جِدة وإلا جَدة فهذا سواء، ولا يسألنا الله يوم القيامة عن الفتح والكسر والضم في جدة. وجازان أو جيزان وسوق عكاظ كم يبعد عن مجنة ثلاثة كيلو أو أربعة كيلو؟ وهل سوق عكاظ ثابت في الجزيرة؟ فألفوا مجلداً أن سوق عكاظ ثابت في الجزيرة العربية أثابهم الله؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك ظن الناس أن سوق عكاظ في الأرجنتين أو في البرازيل. وأخبرونا أيضاً أن أبرهة الأشرم قدم من جبال السروات ومر؛ لكن اختلفوا هل أتى من تهامة أو أتى من السراة. ولا يزالون يؤلفون ويكتبون وسوف يرسمون لنا خطاً للفيل! يا هذا! أهلك الله الفيل وأهلك أبرهة والعبرة: أن الكفر اندحر والتوحيد انتصر، لا تشغل الأمة ولا تشغلنا، الكفرة يصنعون صاروخ أرض جو، وجو أرض، وأرض أرض، وجو جو، وأنت تخبرنا عن الفيل من أين أتى! أيضاً مما وقع فيه كثير من الغثائيين وأنا أحترم المفسرين؛ لكن وجد في بعض كتب التفسير: أتوا إلى كلب أهل الكهف، ذكر الله في القرآن أنه كلب ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] ولو كان هناك فائدة من ذكر لونه لذكره الله، قالوا: مبرقش على عينيه نقطتان حمراوان لله درهم! وقال آخر: لا، بل هو أسود، وقال الثالث: خطأ بل هو أبيض. أبيض أو أسود المهم أنه كلب. وفي قوله : ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] أربعة من الطير، العبرة أنه يقتل طيراً ويحييه الله تعالى وهو على كل شيء قدير. قالوا: معناه: خذ بطاً وإوزاً -هذا في زاد المسير عودوا إليه وفي غيره من الكتب- وحماماً ودجاجاً، قال الآخر: لا. الدجاج لم يذكر وإنما هو غيره، لم يذكر الله هذه ولسنا في حديقة حيوانات، فلا نشغل الأمة بهذه المسائل. أيضاً يوجد كتيبات عن أدنى الأرض هل غور الأردن أو جزيرة العرب؟ يا أخي! عندنا مسائل عظمى من توجيه الجيل وتربية النشء وطرد الشرك والسحر والوثنية، وإقامة الأمة على ملة سمحاء، وتحرير الإنسان من رق العبودية لغير الله. بعثنا هداة مبشرين، ننقذ الإنسان ونخرجه من الظلمات إلى النور، هذا هو المطلوب في هذه المدرسة، فهي لا تجمح إلى الخيال. عمر ﵁ سائل: قال عمر: هل وقعت المسألة؟ قال: لا. قال: دعها حتى تقع، فإذا وقعت تجشمنا جوابها. وذكر الدارمي بسنده: أن صبيغ بن عسل تعلم سوراً من القرآن ثم ذهب إلى الصحابة في المجالس، وفي الجيش يقول: كيف يقول الله : ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] ويقول: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] ويقول: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] اجمعوا لي بين هذا الكلام، وكأن الرجل يريد أن يشكك، قالوا: لا نستطيع؟ الذي يجمع لك هذا هو عمر بن الخطاب، وهو الذي سيجمع أضلاعه لا يجمع له الأقوال، فأتوا به إلى عمر، فقال عمر: عليَّ بجريد النخل؛ لأن هذا دواء لا يخرج إلا من صيدلية الفاروق، فأتوا بجريد النخل الأخضر فرشَّه بالماء، ثم أمر به، فلما رآه، قال: والله لا يحول بيني وبينه أحد فبطحه. كل بطاح من الناس له شهم بطوح فضربه حتى فقد وعيه! فاستفاق الرجل، وقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد شفائي فقد برئت -والحمد لله- وإن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً. الآن برئ وعرف السنة، وعرف المنهج الرباني، تخرج من مدرسة أهل السنة والجماعة بتقدير ممتاز!! وبعض الناس يحتاج إلى مثل هذا التأديب؛ لأن الحجة -أصلاً- لا تنفعه، حجة الله بالغة لكن لا تنفعه؛ لأن في قلبه هوى.

стр. 6682

الدعوة إلى الجماعة ونبذ الفرقة مدرسة أهل السنة والجماعة تجمع وتوحَّد ولا تفرَّق، لا تحب الشتات، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ويقول : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. سبحان الله! العالم الآن يسعى إلى وفاق الدول وإخاء الإنسان، وتصبح أوروبا في دولة واحدة، وتتجمع الدول إلا هذا العالم الإسلامي كل يوم تنقسم الدولة إلى دولتين وإلى ثلاث!! مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موطنها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد فالتبديد والتشتيت ليس من منهج الله الذي أنزله على رسوله، بل الجمع وتوحيد الكلمة؛ لكن على المنهج الرباني منهج أهل السنة والجماعة. أما أن تتآخى معي وأتآخى معك، وتغض عن خطئي في العقيدة وأغض عن خطئك، وهذا لي وهذا لك فلا، ولابد من هذا المنهج؛ فمن وافقنا فهو أخونا وحبيبنا وفي مسيرتنا. فمدرسة أهل السنة والجماعة تنهى عن الشتات، ولا يشتت ولا يفرق إلا أهل البدع، وهم خطباء فتنة، حتى تجد الآن بعض الناس من الكتبة لا يتكلم في اللين، أو في الرخاء، أو في السعة، أو في حاجات الأمة، أو ما يحتاج إليه الناس من علم الدين والدنيا، إنما يبقى في مباته الشتوي، فإذا سمع ثائرة فتنة قام يتكلم! كما فُعِلَ بخطاب سماحة الشيخ. بعض الناس أظنه لا يحضر صلاة الفجر مع الناس! ويوم تكلم الشيخ أتوا يُعنونون، تقول إحدى الصحف: سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز يُحذِّر الدعاة من التكفير والتبديع والتفسيق. وهل الشيخ يتهم طلابه وتلاميذه أنهم يكفرون الناس وهي مدرسته؟! أنا ممن سماحته أنالت وممن دربت تلك الأيادي وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواه راحلتي وزادي ويأتي هذا الذي لا يعرف ولا يفهم نواقض الوضوء، يخبرنا أن الشيخ يُحذِّر، وبعضهم كتب في صحيفة الندوة يقول: وأنا كنت منذ زمن أعترض على هؤلاء وأحذر منهم حتى وافقني سماحة الشيخ. ومن أنت حتى يوافقك سماحة الشيخ؟! أنت يوافقك سماحة الشيخ؟! [[رأى عمر ﵁ وأرضاه بعض الناس أقبلوا وراء سارق، قطعت يده، لأن بعض الناس أوباش، فضوليون، فوضويون، لا يجتمعون إلا في الحوادث؛ حوادث المرور والحريق، تجدهم ليس عندهم أشغال فيجتمعون بسرعة في دقيقة واحدة، فاجتمعوا وراء السارق يمشون وراءه، فأخذ عمر ﵁ حفنة من التراب ونضحها على وجوههم، وقال: شاهت هذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر]] فتجد بعض الكتبة لا يكتب إلا في الشر والإثارات والفتن، والنيل من الدعاة والعلماء، وسماحته قام بسيف على العلمانيين والحداثيين والمرتزقة يذب عن مدرسته -مدرسة أهل السنة والجماعة - وهؤلاء الدعاة من روادها أثابهم الله.

стр. 6683

ربانية المصدر أيضاً: هذه المدرسة مدرسة متميزة ربانية، لا تستورد أفكارها من غير الوحي؛ لأنه ليس عندنا مواد نستقبلها من نابليون أو حمورابي أو هتلر أو من المادة الثانية عشرة أو التاسعة عشرة، عندنا: قال الله وقال رسوله، وهي مدرسة ربانية نزلت من فوق سبع سماوات، هم سندهم إذا رووه -كما تعرفون- عن صدام وميشيل عفلق وأحمد حسن البكري وهذا إبليس وفرعون إلى النار، وسندنا نحن يبدأ من البخاري ثم ينطلق إلى المديني إلى أحمد إلى الثوري إلى إبراهيم إلى علقمة إلى ابن مسعود إلى الرسول ﷺ هذا هو السند ذهبوا يرون المدح ذكراً ثانياً ومضوا يعدون الثناء خلودا نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا فهذه ربانية المدرسة، ولذلك لا نحتاج إلى أفكار أخرى ترد علينا، قال الشاعر: وما استعرت تعاليماً ملفقة من صرح واشنطن أو رأس شيطان وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزاني

стр. 6684

وضوح المبدأ والصدق في التعامل أيضاً المنتسبون إلى هذه المدرسة لا يكذبون بخلاف أهل الأهواء والساسة؛ فهم يحتاجون إلى الكذب كثيراً؛ لأن عدوك اليوم صديقك غداً، وصديقك اليوم عدوك غداً. أما أهل السنة والجماعة فمنهجهم واحد، تلقاه اليوم وبعد سنة؛ لأنه يحمل قال الله وقال رسوله ﵊ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨] لا يسعى إلى مطمع دنيوي إنما يسعى إلى إقامة شريعة الله، وإلى تصحيح عقائد الناس، وإلى توضيح المنهج الرباني، وإلى النهي عن الشرك والخرافات والخزعبلات، وإلى رد الناس إلى الصراط المستقيم هذا هو الملخص؛ فلذلك لا يكذبون، ولا يحتاجون إلى الكذب، وأعرف أن بعض الناس يسأل، وقد سأل بعضهم يقول: أخي يتخلف عن صلاة الجماعة فاختلقت عليه قصة عله أن يصلي في المسجد، فقلت له: رأيت في المنام أنك تعذب فسألتك لماذا تعذب؟ فقلت لي: إني لا أصلي في المسجد، فهل يجوز أن أقول مثل هذا أو أختلق أحلاماً وهي لم تقع حتى أخيف أهلي وحتى يعودوا إلى الله؟ و الجواب لا، لا يدعى إلى الله بحرام، وسبل الله وإقامة الحجة أوضح بكثير من هذه الطرق الملتوية، والغاية لا تبرر الوسيلة، فحجة الله بالغة، أقم عليه الحجة، حذره وأنذره، أما أن تكذب لتدعوه إلى صلاح فلا يجوز لك هذا، وفي كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ غنية عن الكذب، فهم لا يكذبون، بخلاف أهل الأهواء فهم أكذب الناس، يختلقون الأفاعيل، وبعضهم يقسم حتى على المصحف ولا عليه؛ لأن الإيمان انتزع من قلبه انتزاعاً.

стр. 6685

عدم التثريب على المجتهد إذا أخطأ وهذه المدرسة من مميزاتها أنها تعذر المجتهد المخطئ فيما يُخطئ فيه، مما يسوغ فيه الاجتهاد، وأقول لكم -وأنا واحد منكم ومن طلبة مدرسة سماحة الشيخ-: إن الخلاف في الفرعيات وارد منذ حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فلا يأتي العامة وينالون من أهل العلم إذا رأوهم اختلفوا في مسألة فرعية يسع فيها الخلاف، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام أعذار أهل العلم حين يختلفون. يقول ابن القيم في أعلام الموقعين: والصحابة -بحمد الله- لم يختلفوا في مسألة عقدية أبداً. فالعلماء لهم أعذار إذا اختلفوا في الفرعيات منها: أن يبلغك الحديث ولا يبلغني، ويكون عندك صحيحاً وعندي ضعيفاً، أو عندي ثابت وعندك منسوخ، أو أفهم فيه غير ما تفهم أنت هذه أعذار فلا نشنع على أهل العلم أنهم اختلفوا فيما يسع فيه الخلاف، ولذلك تجد بعض العامة يتشدق على العلماء يقول: هذا يحرم التصوير الفوتوغرافي وهذا يحلله؛ هذه فوضى. لا، هم اجتهدوا وأرادوا الخير والرسول ﷺ قال: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 6686

الشمولية وقول الحق ومن مميزات هذه المدرسة: أنها تؤمن بالشمولية في حياة العبد؛ الروح والفكر، ذهب الفلاسفة إلى الفكر -فقط- فقست قلوبهم، وذهب الصوفي إلى الروح -فقط- فجهلت عقولهم، وذهب أهل السنة والجماعة إلى الفكر وإلى الروح فاكتمل عندهم: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]. وقد ذكر الله الفكر والذكر في آية واحدة، والفكر تفرد به الفلاسفة ففكروا في غير النصوص، والذكر تفرد به الصوفية فذكروا الله بغير الذكر الشرعي، فأخبر الله في القرآن بالفكر الشرعي لـ أهل السنة والجماعة وبالذكر الشرعي لـ أهل السنة والجماعة فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. ومن معالم هذه المدرسة: أنها تقول الحق لا تخشى في الله لومة لائم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] فهي تبلغ بقوة؛ لأنها تحمل الميثاق ولا ترهب إلا من الله، ولا يجمع أهل السنة والجماعة على السكوت على منكر أو باطل فقد عصمهم الله، كما سوف يأتي ذكر ذلك؛ لكن المقصد أنهم يحملون ميثاقاً ويبلغونه الناس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] فـ أهل السنة والجماعة يبينون، وانظر إلى أعظم البيان فيما فعله الإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، قامت الدولة والجيش والسلطة والعامة في كفة وقام أحمد بن حنبل في كفة وحده: كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم واستمر يدافع ويبين الحجة حتى نصره الله. وهذا ابن تيمية قامت المحسوبية والكيان الموجود في عصره في كفة؛ فقام وحده يعارض في كفة أخرى، وتعرض للحبس والجلد، وتعرض لأنواع الإساءة والإدانة ومع ذلك ثبت منهجه، وكلكم يسمع بـ ابن تيمية ويعرف كتبه، ولكن الذين عذبوا ابن تيمية وسجنوه وآذوه، لا نعرف أسماءهم وليس لهم عندنا مكانة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 6687

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه المدرسة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو الواجب الشرعي الإيماني؛ الذي أحمله كل فرد منا جميعاً، أن نكون باذلين مضحين، وعلى الأقل انظر إلى أهل المبادئ المنتنة من النصرانية والشيوعية واليهودية، هذه التضحيات وهذه الأعطيات وهذا التحمس والتمزق والتهالك على مبادئ فاسدة ممسوخة. في مؤتمر مدريد يسافر شامير إلى القدس حتى يحضر اليوم المقدس عندهم يوم السبت، وكثير من الوفود لا يصلون صلاة الجمعة، ويقولون: أتينا نمثل المسلمين!! انظر إلى هؤلاء النصارى كيف يذهبون إلى المؤسسات والمستشفيات والشركات ليبثوا سمومهم للناس؛ حتى يحرفونهم عن الدين الصحيح إلى الدين المنحرف؛ أفلا يكون للمؤمن غيرة؟ ألا يكون له حماس؟ ألا يكون له توقد إيماني؟ ألا يكون له إبداع في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قواعد أهل السنة والجماعة وأدبهم وحكمتهم وضوابطهم؟

стр. 6688

نبذ التعصب وهذه المدرسة لا ترضى بالتعصب المذهبي ولا الحزبية المغلقة، فهي تعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، التعصب المذهبي كان وصمة في جبين الأمة الإسلامية على مر التاريخ، ولك أن تضحك ما شئت إذا قرأت المنتظم لـ ابن الجوزي أو البداية والنهاية أو أمثالها من الكتب، يذكر لك أن في سنة كذا وكذا تضارب الأحناف والحنابلة بالأحذية عند المسجد، كان عندهم خلاف في مسألة فرعية فتصارعوا عند المسجد بالأحذية، والروم يغزون شمال البلاد الإسلامية ويأخذون الممالك، ويدمرون المدن، ويستولون على بلاد المسلمين، وهؤلاء يتضاربون على سنة من السنن! ثم يذكر لك صورة أخرى أن واعظ الشافعية قام ليعظ الناس فقام عليه الحنابلة فبطحوه أرضاً وضربوه، أهذه صورة تقدم؟! لأنه حنفي وأنا مالكي وهو شافعي وأنا حنبلي!! لابد أن نعرف أن هؤلاء المجتهدين يريدون الحق -أقصد أهل المذاهب- لكن أن نجعل بين الأمة قواسم مذهبية فهذا خطأ خطير، والواجب على أهل السنة والجماعة -الآن- أن يسعوا إلى إنزال هذه اللّافتات والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإلى توحيد الكلمة وجمع الصف. برمجة العبد في مسار ضيق وفي دائرة محدودة حتى يحب ويوالي من هذه النظرة الصغيرة الضيقة فلا يفهم إلا بهذا المنظار، ولا يقرأ إلا بهذا المنظار، ولا يسمع إلا في هذا المنظار، ولا يحب إلا من وافقه في هذا المسار ويكره من خالفه ولو كان فاضلاً!! هذه ليست من الإسلام، وليس في القرآن إلا حزبان: حزب الله وحزب الشيطان، فاجعل نفسك مع حزب الله ؛ فكل من والى في الله وقام بفرائض الله، وانتهى عن المحرمات التي حرم الله فهو أخوك، أما تمزيق الأمة إلى حزبيات ضيقة مغلقة متخلفة فهذه لا يريدها الإسلام وهي مدانة بحكم الشرع. يقول ابن عباس ﵁ وأرضاه وهو يسأل عن مسألة فأفتى فيها بقول الرسول ﷺ ، فقال رجل: لكن أبا بكر وعمر قالا: كذا وكذا. قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال الله وقال رسوله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!! وهما هذان الشيخان الجليلان العظيمان، فكيف بغيرهم من الناس؟. وهذه المدرسة تدعو إلى جمع الكلمة ونبذ الفرقة كما ذكرت سالفاً، وإلى مناصحة من ولاَّه الله الأمر بالحكمة والكلمة اللينة، فإن هذه فريضة على الرعية للراعي، والدعاء له بالصلاح في ظهر الغيب. وهي مدرسة ليس عندها معصوم إلا الرسول ﷺ ، بعض الناس عندهم اثنا عشر معصوماً، أما نحن فليس عندنا إلا معصوم واحد، حتى لا يؤخذ كلام العلماء على أنه مسلم، بل يحتاج إلى عرض على الكتاب والسنة؛ ولذلك يقول بعض العلماء: كل يحتج لقوله إلا الرسول ﷺ فإنه يحتج بقوله. فـ مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم يحتاج قوله أن يحتج له بقول المعصوم ﵊ أو بقول الله ﵎.

стр. 6689

لا تجتمع الأمة على ضلالة هذه المدرسة لا تجتمع على ضلالة، وهذه بشرى أزفها لكم، فإذا رأيتم أهل السنة والجماعة اجتمعوا على أمر فاعرفوا أنه حق، وأنه هو الأمر الذي أراده الله ورسوله ﵊، وإذا اختلفوا ففيه نظر، لكن الله عصمهم أن يجمعوا على ضلالة، وحديث ﴿لا تجتمع أمتي على ضلالة﴾ ضعيف، لكن من مجموع النصوص ودلالات البراهين يدل على أنه صحيح المعنى. أما كلمة ابن تيمية في مختصر الفتاوي: الإجماع حجة قاطعة والاختلاف رحمة واسعة. فيقصد في الفرعيات، وبعض العلماء له ملاحظة على هذه الكلمة، وعموماً نجري على ابن تيمية القاعدة الأولى أنه ليس معصوماً، وأن علينا أن نحتج لقوله ولا نحتج بقوله، فيحتاج إلى حجة إلا إذا وافق الدليل.

стр. 6690

خير الأمة علماؤها ومن معالم هذه المدرسة: أن أخيارها علماؤها، وهم عدول مزكَّون بخلاف أهل الكتاب من بني إسرائيل، فإن أشرارهم علماؤهم. فأشرار بني إسرائيل علماؤهم، هم أهل المصائب والفتن والكوارث والمحن، وخيار الأمة الإسلامية علماؤها ودعاتها، ورد كما عند الخطيب البغدادي وابن عدي أن الرسول ﷺ قال: ﴿يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين﴾ أو كما قال ﷺ . ويرى ابن عبد البر أن من حمل العلم فهو عدل، العدل عندنا من حمل العلم، ولذلك لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً، فحمل طالب العلم للعلم يزكيه، ويعدله ويعتبر مقبولاً عند أهل السنة والجماعة، وهذا رأي لـ ابن عبد البر ووافقه بعض أهل العلم وخالفه آخرون. وذكر الله علماء بني إسرائيل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] ويقول في موطن آخر: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] فهناك من العلماء أشرار ومردة وخونة، والعلماء هنا بررة مخلصون صادقون، أقل وأضعف عالم عندنا أنه يحب الله ورسوله، وأنه -إن شاء الله- لا يمكن أن يرضى في دماء الأمة المعصومة ولا في أعراضها، ولا في سمعتها أو منهجها، ولكنهم ليسوا بمعصومين.
следующие страницы →