← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

الشمولية وقول الحق ومن مميزات هذه المدرسة: أنها تؤمن بالشمولية في حياة العبد؛ الروح والفكر، ذهب الفلاسفة إلى الفكر -فقط- فقست قلوبهم، وذهب الصوفي إلى الروح -فقط- فجهلت عقولهم، وذهب أهل السنة والجماعة إلى الفكر وإلى الروح فاكتمل عندهم: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]. وقد ذكر الله الفكر والذكر في آية واحدة، والفكر تفرد به الفلاسفة ففكروا في غير النصوص، والذكر تفرد به الصوفية فذكروا الله بغير الذكر الشرعي، فأخبر الله في القرآن بالفكر الشرعي لـ أهل السنة والجماعة وبالذكر الشرعي لـ أهل السنة والجماعة فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. ومن معالم هذه المدرسة: أنها تقول الحق لا تخشى في الله لومة لائم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] فهي تبلغ بقوة؛ لأنها تحمل الميثاق ولا ترهب إلا من الله، ولا يجمع أهل السنة والجماعة على السكوت على منكر أو باطل فقد عصمهم الله، كما سوف يأتي ذكر ذلك؛ لكن المقصد أنهم يحملون ميثاقاً ويبلغونه الناس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] فـ أهل السنة والجماعة يبينون، وانظر إلى أعظم البيان فيما فعله الإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، قامت الدولة والجيش والسلطة والعامة في كفة وقام أحمد بن حنبل في كفة وحده: كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم واستمر يدافع ويبين الحجة حتى نصره الله. وهذا ابن تيمية قامت المحسوبية والكيان الموجود في عصره في كفة؛ فقام وحده يعارض في كفة أخرى، وتعرض للحبس والجلد، وتعرض لأنواع الإساءة والإدانة ومع ذلك ثبت منهجه، وكلكم يسمع بـ ابن تيمية ويعرف كتبه، ولكن الذين عذبوا ابن تيمية وسجنوه وآذوه، لا نعرف أسماءهم وليس لهم عندنا مكانة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 6687

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه المدرسة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو الواجب الشرعي الإيماني؛ الذي أحمله كل فرد منا جميعاً، أن نكون باذلين مضحين، وعلى الأقل انظر إلى أهل المبادئ المنتنة من النصرانية والشيوعية واليهودية، هذه التضحيات وهذه الأعطيات وهذا التحمس والتمزق والتهالك على مبادئ فاسدة ممسوخة. في مؤتمر مدريد يسافر شامير إلى القدس حتى يحضر اليوم المقدس عندهم يوم السبت، وكثير من الوفود لا يصلون صلاة الجمعة، ويقولون: أتينا نمثل المسلمين!! انظر إلى هؤلاء النصارى كيف يذهبون إلى المؤسسات والمستشفيات والشركات ليبثوا سمومهم للناس؛ حتى يحرفونهم عن الدين الصحيح إلى الدين المنحرف؛ أفلا يكون للمؤمن غيرة؟ ألا يكون له حماس؟ ألا يكون له توقد إيماني؟ ألا يكون له إبداع في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قواعد أهل السنة والجماعة وأدبهم وحكمتهم وضوابطهم؟

стр. 6688

نبذ التعصب وهذه المدرسة لا ترضى بالتعصب المذهبي ولا الحزبية المغلقة، فهي تعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، التعصب المذهبي كان وصمة في جبين الأمة الإسلامية على مر التاريخ، ولك أن تضحك ما شئت إذا قرأت المنتظم لـ ابن الجوزي أو البداية والنهاية أو أمثالها من الكتب، يذكر لك أن في سنة كذا وكذا تضارب الأحناف والحنابلة بالأحذية عند المسجد، كان عندهم خلاف في مسألة فرعية فتصارعوا عند المسجد بالأحذية، والروم يغزون شمال البلاد الإسلامية ويأخذون الممالك، ويدمرون المدن، ويستولون على بلاد المسلمين، وهؤلاء يتضاربون على سنة من السنن! ثم يذكر لك صورة أخرى أن واعظ الشافعية قام ليعظ الناس فقام عليه الحنابلة فبطحوه أرضاً وضربوه، أهذه صورة تقدم؟! لأنه حنفي وأنا مالكي وهو شافعي وأنا حنبلي!! لابد أن نعرف أن هؤلاء المجتهدين يريدون الحق -أقصد أهل المذاهب- لكن أن نجعل بين الأمة قواسم مذهبية فهذا خطأ خطير، والواجب على أهل السنة والجماعة -الآن- أن يسعوا إلى إنزال هذه اللّافتات والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإلى توحيد الكلمة وجمع الصف. برمجة العبد في مسار ضيق وفي دائرة محدودة حتى يحب ويوالي من هذه النظرة الصغيرة الضيقة فلا يفهم إلا بهذا المنظار، ولا يقرأ إلا بهذا المنظار، ولا يسمع إلا في هذا المنظار، ولا يحب إلا من وافقه في هذا المسار ويكره من خالفه ولو كان فاضلاً!! هذه ليست من الإسلام، وليس في القرآن إلا حزبان: حزب الله وحزب الشيطان، فاجعل نفسك مع حزب الله ؛ فكل من والى في الله وقام بفرائض الله، وانتهى عن المحرمات التي حرم الله فهو أخوك، أما تمزيق الأمة إلى حزبيات ضيقة مغلقة متخلفة فهذه لا يريدها الإسلام وهي مدانة بحكم الشرع. يقول ابن عباس ﵁ وأرضاه وهو يسأل عن مسألة فأفتى فيها بقول الرسول ﷺ ، فقال رجل: لكن أبا بكر وعمر قالا: كذا وكذا. قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال الله وقال رسوله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!! وهما هذان الشيخان الجليلان العظيمان، فكيف بغيرهم من الناس؟. وهذه المدرسة تدعو إلى جمع الكلمة ونبذ الفرقة كما ذكرت سالفاً، وإلى مناصحة من ولاَّه الله الأمر بالحكمة والكلمة اللينة، فإن هذه فريضة على الرعية للراعي، والدعاء له بالصلاح في ظهر الغيب. وهي مدرسة ليس عندها معصوم إلا الرسول ﷺ ، بعض الناس عندهم اثنا عشر معصوماً، أما نحن فليس عندنا إلا معصوم واحد، حتى لا يؤخذ كلام العلماء على أنه مسلم، بل يحتاج إلى عرض على الكتاب والسنة؛ ولذلك يقول بعض العلماء: كل يحتج لقوله إلا الرسول ﷺ فإنه يحتج بقوله. فـ مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم يحتاج قوله أن يحتج له بقول المعصوم ﵊ أو بقول الله ﵎.

стр. 6689

لا تجتمع الأمة على ضلالة هذه المدرسة لا تجتمع على ضلالة، وهذه بشرى أزفها لكم، فإذا رأيتم أهل السنة والجماعة اجتمعوا على أمر فاعرفوا أنه حق، وأنه هو الأمر الذي أراده الله ورسوله ﵊، وإذا اختلفوا ففيه نظر، لكن الله عصمهم أن يجمعوا على ضلالة، وحديث ﴿لا تجتمع أمتي على ضلالة﴾ ضعيف، لكن من مجموع النصوص ودلالات البراهين يدل على أنه صحيح المعنى. أما كلمة ابن تيمية في مختصر الفتاوي: الإجماع حجة قاطعة والاختلاف رحمة واسعة. فيقصد في الفرعيات، وبعض العلماء له ملاحظة على هذه الكلمة، وعموماً نجري على ابن تيمية القاعدة الأولى أنه ليس معصوماً، وأن علينا أن نحتج لقوله ولا نحتج بقوله، فيحتاج إلى حجة إلا إذا وافق الدليل.

стр. 6690

خير الأمة علماؤها ومن معالم هذه المدرسة: أن أخيارها علماؤها، وهم عدول مزكَّون بخلاف أهل الكتاب من بني إسرائيل، فإن أشرارهم علماؤهم. فأشرار بني إسرائيل علماؤهم، هم أهل المصائب والفتن والكوارث والمحن، وخيار الأمة الإسلامية علماؤها ودعاتها، ورد كما عند الخطيب البغدادي وابن عدي أن الرسول ﷺ قال: ﴿يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين﴾ أو كما قال ﷺ . ويرى ابن عبد البر أن من حمل العلم فهو عدل، العدل عندنا من حمل العلم، ولذلك لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً، فحمل طالب العلم للعلم يزكيه، ويعدله ويعتبر مقبولاً عند أهل السنة والجماعة، وهذا رأي لـ ابن عبد البر ووافقه بعض أهل العلم وخالفه آخرون. وذكر الله علماء بني إسرائيل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] ويقول في موطن آخر: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] فهناك من العلماء أشرار ومردة وخونة، والعلماء هنا بررة مخلصون صادقون، أقل وأضعف عالم عندنا أنه يحب الله ورسوله، وأنه -إن شاء الله- لا يمكن أن يرضى في دماء الأمة المعصومة ولا في أعراضها، ولا في سمعتها أو منهجها، ولكنهم ليسوا بمعصومين.

стр. 6691

الجهاد خلف كل بر وفاجر ومدرسة أهل السنة والجماعة ترى الجهاد وراء كل بر وفاجر ما لم نرَ كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فالصلاة وراء أئمة الجور والجهاد معهم وارد حتى نرى منهم كفراً بواحاً، فإذا رئي هذا فلا طاعة، هذا منهج رباني ذكره رسول الهدى ﵊ كما في صحيح مسلم. ونرى الدعوة لهم وجمع الشمل ومناصحتهم، ولا نعتبر أن مناصحة ولاة الأمر فتنة، ولا نرى أنه من سوء نية، لكنه من حسن نية، ومما أعطى الله أهل العلم من الميثاق، ورزقهم من البصيرة، أن يناصحوا بالحكمة، والتي هي أحسن، واللين حتى يصلح حال الأمة.

стр. 6692

مميزات عقدية .

стр. 6693

مبدأ الولاء والبراء الولاء والبراء عند أهل السنة والجماعة التي ينادي بها سماحة الشيخ عقيدة، يرون أن الولاء والبراء، والحب والبغض عقيدة، لا يسيرون الحب والبغض بلا ضابط، بل كما ورد عند أبي داود: ﴿من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان﴾ والله ﵎ يقول في الولاء: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦] ويقول سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. والملاحظ في بعض الملتزمين من المقصرين من أمثالنا: أن الواحد منهم إذا التزم، لا يزال يستمر في صحبة كثير من الأشرار والمنحرفين عن السنة، ممن يستمعون الغناء -مثلاً- أو يتخلف عن الصلوات، أو يتمرد على السنة، تجده أكيله وشريبه دون أن يدعوه، فإذا قلت له: لماذا لا تنفصل؟ أو لماذا لا يكون لك انفصال عنه وهجر حتى يعود؟ قال: أنا أرتاح له، فدل على أنه لا يحمل الولاء والبراء. أيضاً: وجد ثلم في الولاء والبراء في بعض الشركات والمؤسسات، أن يستقدم النصراني واليهودي والبوذي والسيخ، فتجدهم يؤاكلون ويشاربون ويلاطفون، ويزارون ويحترمون وهذا نقض للولاء والبراء. كتب أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه- كتاباً إلى عمر يستشيره في كاتب عنده هل يستكتبه، فقال عمر: [[لا. فقال: إنه فطن يا أمير المؤمنين! قال عمر: قاتلك الله! تُقربهم بعد أن أبعدهم الله، وتُحبهم بعد أن أبغضهم الله، وترفعهم بعد أن أنزلهم الله!! أو كما قال ﵁، فطرده أبو موسى]] فنصيحتي لأهل رءوس الأموال والتجار والمؤسسات والشركات أن يتقوا الله في هذا المنهج الرباني، ولا يستقدموا عمالاً غير مسلمين، أو خبراء أو مستشارين أو غير ذلك من أي عمل؛ لأن هذا محرم في الإسلام.

стр. 6694

الاتباع ظاهراً وباطناً والكف عما شجر بين الصحابة من معالم مدرسة أهل السنة والجماعة: أنها توجب الاتباع الظاهر والباطن في أعمال الجوارح والقلوب، لا تكتفي بالباطن فقط، تجد بعض الناس يرى أن عمل الظاهر أو الجوارح قشور، لا تتكلم عنده في الثوب واللحية ولا في نحو هذه المسائل، ويرون أنها قشور وهم القشور بأنفسهم!! بل هي لباب، وكل ما أتى به ﷺ فهو لباب. فهذه المدرسة تعنى بالظاهر أن يكون سلوكك ومظهرك وشخصيتك على السنة، وتعنى بالباطن فتجرد الروح من الذنوب والخطايا؛ من الكبر والحقد، والحسد والغل، والعجب والغرور ونحو ذلك، هذه هي المدرسة الربانية الرائدة التي تعتني بالظاهر والباطن، وبعض المناهج يعتنون بالباطن أكثر من الظاهر وبعضهم بالعكس، فيخالفون السنة في هذا وهذا والكمال جمع الأمرين. والمدرسة هذه توقر الصحابة وتحترمهم وتكف عما شجر بينهم، ورد بين الصحابة خلاف، وسئل عامر الشعبي عن أهل صفين، فقال: ما لهم؟ تقاتلوا ولم يفر بعضهم من بعض؛ لأن علياً ﵁ لقي معاوية ﵁ بمائة ألف ومعاوية لقيه بمائة ألف فاقتتلوا في صفين. قال عامر الشعبي لما سئل عن جيش علي ومعاوية قال: أهل الجنة التقوا فاستحى بعضهم أن يفر من بعض. وقال عمر بن عبد العزيز وقد سئل عن تلك الفتن والدماء قال: دماء سلم الله منها سيوفنا فلماذا لا نسلم منها ألسنتنا؟ وهذا هو الواجب على المؤمن، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وإذا رأيت الإنسان يبحث عن ذنوب الصحابة، ويضخم خطاياهم، ويبحث عن الإشكالات والفتن التي حدثت، فاتهمه على الإسلام، واعرف أن في قلبه مرضاً أو هوى -والعياذ بالله- فهم يكفون ويقولون: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ونعلم أنهم أفضل منا، وأن عندهم أعمالاً صالحة كالجبال، وكما قال ﷺ : ﴿ولو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه﴾.

стр. 6695

لا يكفرون بالكبائر وهذه المدرسة لا تكفر أهل الكبائر ما لم يستحلوها؛ خلافاً لمن زعم أن الدعاة يكفرون الناس ويبدعونهم ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] الدعاة من برز منهم وأصبح إمام مسجد أو أصبح يسمع له أو يستطيع الفتيا ولو في صغائر المسائل لا أعلم أحداً منهم يكفر مسلماً، ولا يكفر صاحب كبيرة ما لم يستحلها، وتجد من يتنكت على هؤلاء الدعاة ويعلق عليهم ويستهزئ بهم، لم يدرس الشريعة سنة واحدة، بينما أقل واحد من هؤلاء الدعاة درس الشريعة ست عشرة سنة، فانظر إلى الحيف! وانظر كيف تعطي القضية إلى غير أهلها، حتى إنك تجد بعض الكتبة يكتب عن التطرف، ويحلل التطرف وهو لا يحسن الشريعة ولا يجيد أن يتكلم عن الشرع، حتى أن بعض المنافقين يقول: هؤلاء الدعاء يفهمون الدين بالمقلوب! سبحان الله!! أتباع دين محمد يفهمون الدين بالمقلوب! الذين قرأوا المنهج الرباني، وتبحروا في علم الكتاب والسنة يفهمون الدين بالمقلوب! فمن إذاً يفهم الدين فهماً صحيحاً راشداً؟! من هو إذاً الذي يقود الأمة ويوجهها؟ ويخرجها من الظلمات إلى النور؟ من يرفع علم التوحيد إلا علماء الأمة ودعاتها، ولكنَّ مقصدهم من ذلك -وهم يعرفون أنهم جهلة بهذا الشرع- أن يبطلوا ثقة الناس بالعلم والدعاة والعلماء. أيها الإخوة! هذه نصيحة أقولها سراً ولا تخبروا بها أحداً!! والمجالس بالأمانات وليكن كلامنا بيننا أثابكم الله: على طالب العلم والداعية أن يكسب ثقة الناس؛ فإذا كسب ثقة الناس فقد كسب الحب والرشد والقبول، ويُكسب ذلك بالعمل وبالعلم، وباتباع مدرسة أهل السنة والجماعة، واحترام أهل العلم، وجمع الكلمة؛ فإذا حصل هذا فليقل ما شاء. ويستطيع ذلك حين لا يكون فظاً غليظاً، فإنه إذا كان فظاً غليظاً لا يرافقه أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] قال ابن المبارك: وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرم قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم الموافقة في الخير، واللين، وهي مدرسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، هل رأيت ألطف منه عبارة؟! هل سمعت أحسن منه إشارة؟! هل سمعت أنه قدح أو نال أو جرح؟ لا هو على الباطل سيف مصلت، لكن مع إخوانه وطلابه، ومع الدعاة هو المدرسة الربانية، والتوجيه والرشد، واللطافة والحكمة والهدوء؛ تتمثل في هذه المدرسة التي هو إمامها، أثابه الله وحفظه ذخراً للإسلام والمسلمين.

стр. 6696

الإيمان يزيد وينقص، والنفع المتعدي أفضل من اللازم أيضاً أهل السنة عندهم الإيمان يزيد وينقص، وأهل السنة يرون أن النفع المتعدي أفضل من النفع اللازم، فهم يضحون بأوقاتهم في الدعوة، وقد غلب على البعض من الدعاة فتوى لا أدري من أفتاهم بها، أصابهم ورع بارد، فتجد أن الواحد منهم في النفع اللازم فقط من نوافل وصلاة وصيام، وهي جيدة، وطيبة وتنفعه عند الله، لكن أعظم منها رد الأرواح إلى الله، وهداية القلوب، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال النبي ﷺ : ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ وهذا كما قال ﵊ في السنن: ﴿الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم﴾ وهو الكفاح العظيم والجهاد الكريم الذي بعث به ﷺ ؛ أن تدل وتدعو، وأن توجه وتنصح وترشد، وأن تكون فاعلاً، ونفعك متعدياً يصل إلى الناس ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فالدعوة أفضل من النفع اللازم الذي خيَّله بعض الناس لبعض الناس فرضوا به وركنوا إليه.

стр. 6697

أسباب بطء الغيث وانقطاع الرحمة قبل أن أنهي محاضرتي هذا هناك تساؤلات تكثر حول بطء نزول الغيث؟

стр. 6698

منع الزكاة الجواب قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] ولا نيأس من روح الله، لكن هناك أسباب منعت القطر من السماء، من أعظمها: منع الزكاة، أو عدم صرفها صرفاً شرعياً؛ كما أمر به ورسوله ﵊؛ فكثير من الناس قد لا يدفع الزكاة ويتهاون بذلك، فما منعت الزكاة إلا جف القطر. ومنهم من يصرفها لكن في غير مصارفها الصحيحة الشرعية، فقد تجده يصرفها في مصارف قد تصل إلى بعض الكفرة بأنواعهم كالنصارى والبوذيين، أو في مشاريع ليست من مصارف الزكاة الثمانية، إلى غير ذلك من الوجوه. فالواجب أن تصرف في مصرفها الشرعي الذي أمر به ﷺ ، ودل عليه القرآن.

стр. 6699

التعامل بالربا أيضاً: التعامل بالربا وكثرته وانتشاره، وهو مما يؤسف ويندى له جبين المسلم، وقد قال ﷺ : ﴿لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه﴾ وتجد أن هؤلاء يتورعون في دقائق المسائل، ويأخذ أحدهم الجبال من الربا ولا يبالي، ويأتي مع المصلين في صلاة الاستسقاء يقول: يا رب! يا رب! وقد ذكره ﷺ ، فقال: ﴿أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟﴾ أي: لا يستجاب له، فهذه المعاملات الربوية سد منيع دون نزول الغيث، وروى أبو يعلى بسند فيه كلام أن الله ، يقول: ﴿وعزتي وجلالي! لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع لمنعت عنكم قطر السماء﴾.

стр. 6700

ظلم العمال والأجراء من الممارسات الخاطئة أيضاً في مجتمعاتنا: ظلم العمال؛ فإن عندنا قطاعاً هائلاً من المسلمين الوافدين يعملون هنا؛ أخرجتهم الحاجة والجوع والفقر من بلادهم، أتوا إلى إخوانهم -والبلاد الإسلامية من طولها إلى عرضها بلد واحد- ليروا العطف والرحمة، ففوجئوا بمعاملات قسرية قاسية من كثير من قساة القلوب، وكم شكا هؤلاء وكم بكوا! تصوروا أن بعض العمال يتقاضى راتباً لا يبلغ الثلاثمائة ريال، وتصوروا أن العشرة إلى أكثر يجمعون في غرفة واحدة ويعاملونهم كالحيوانات! تصوروا أن الواحد منهم يأخذ عرق هذا وجوعه، وكده وتعبه مالاً في دخله، ويأكل من دخل هذا العامل الضعيف؛ الذي يكدح على عشرة أطفال في بلاده. وتصوروا أن بعضهم يؤخر الراتب عن هذا العامل أشهراً طويلة حتى يشكوه، ثم يقيم هذا الحجة عليه، ويتكلم عليه، ويدمغه بالبرهان، وبذاك من ضعف الغربة، وضعف اللهجة مابه، حتى يأخذ حقه عليه! ثم نقول بعد هذا كله: لِمَ لَمْ ينزل القطر من السماء؟! إنها ذنوب تراكمت فتأخر عنا الغيث، ولكننا لا نزال نطمع في رحمة الله .

стр. 6701

التمييز العنصري أيضاً من الممارسات الخاطئة: التمييز العنصري بين المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] هذه لافتة الإخاء الإيماني، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال ﷺ : ﴿كلكم لآدم وآدم من تراب﴾ لكن بعض الناس لا يعبأ! فيمايز هذا لبلده أو لجنسه أو لدمه أو للونه أو لحيثيات أخرى، والحقيقة أن هذا محرم في شرع الله، والواجب علينا أن نتحد ونتآخى تحت منهج الله، وألا نميز بين الشعوب ولا بين الأجناس أو المواطن؛ لأننا نتعبد الله بكتاب وسنة. هذه أفكار أردت أن أطرحها هذه الليلة بين أيديكم، وأسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، وأن يتولانا وإياكم في الدارين.

стр. 6702

قصيدة الوحي مدرستي الكبرى وهذه قصيدة ألقيت في محاضرة (خطاب عالم الأمة) ولكني أعيدها؛ لطلب الأخوة، عنوانها: (الوحي مدرستي الكبرى) وهي مشاعر عن مدرسة أهل السنة والجماعة بثت في أبيات، وقد قيلت مقدمة القصيدة في بعض المناسبات لكني أكلتها حتى قاربت الأربعين بيتاً: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ربى مكة تاريخ ملحمة على ثراها بنينا العالم الفاني دفنت في طيبة روحي ويا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمَّان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاسألوا يا قوم قرآني جبريل يغدو على قومي بأجنحة من دوحة الطهر في نجواه عرفاني بدر أنا وسيوف الله راعفة كم حطمت من عنيد مارد جاني كتبت تاريخ أيامي مرتلةً في القادسية لا تاريخ شروان وما استعرت تعاليماً ملفقةً من صرح واشنطن أو رأس شيطان وما سجدت لغير الله في دعة وما دعوت مع معبودنا ثاني وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزاني فقبلتي الكعبة الغراء يعشقها روحي وأنوارها في عمق أجفاني وليس لي مطلب غير الذي سجدت لوجهه كائنات الإنس والجان لا أجمع المال مالي كل أمنية طموحة تصطلي بركان وجداني وكل فدم جبان لا يصاحبني على الشجاعة هذا الدين رباني ليت المنايا تناجيني لأخبرها أن المنايا أنا لا لونها القاني ليرم بي كل هول في مخالبه ما ضرني وعيون الله ترعاني ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني مريض جسم صحيح الروح في خلدي حب لأحمد من نجواه عرفاني بلال صوتي هتاف كله حسن أذانه في المعالي رجع آذاني وعزم عمار في دنيا فتوته أسقي شبابي به من نهره الداني عصا الكليم بكفي كي أهش بها على تلاميذ فرعون وهامان ونار نمرود أطفئها بغادية من الخليل فلا النيران تصلاني في حسن يوسف تاريخي وملحمتي من صنع خالد لا من صنع ريجان داود ينسج درعي والوغى حمم لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني دعني ألقن قوماً ما لهم همم إلا على العزف من دان ومن دان قوم مخازنهم نهب ومطعمهم سلب وموكبهم من صف فئران هم في الرؤى نقطة سوداء إن لمعوا يا للرجال وهذا العالم الداني يا جيل يا كل شهم يا أخا ثقة يا بن العقيدة من سعد وسلمان يا طارق يا صلاح الدين يابن جلا يا عين جالوت يا يرموك فرقان يا بائع الأنفس الشماء في شهب من الرماح على دنيا سجستان يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم في شقحب النصر أو في أرض أفغان يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم من كل أروع يوم الروع ظمآن يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه قصف العوالي من سمر ومران هيا إلى الله بيعوا كل ثانية فصوت رضوان ناداكم وناداني سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6703

يوم من أيام الله تحدث الشيخ -حفظه الله- عن غزوة من غزوات الرسول ﷺ وهي غزوة حنين, وذكر أسباب هذه الغزوة وما عاناه المسلمون من بداية الهزيمة، بسبب افتخارهم بقوتهم, فأدبهم الله بهذا الأدب ليعلموا أن القوة لله جميعاً وأن النصر من عنده وحده. وأوضح الشيخ مواقف الرسول ﷺ وثباته وشجاعته في الحروب وأدبه مع الأسرى, وإكرامه وتأليفه لوجهاء القبائل الذين يرجى منهم الإسلام، ثم ختم حديثه بدروس مستفادة من هذه الغزوة.

стр. 6704

غزوة حنين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ومع يوم من أيام الله الخالدة التي جعلها لرسوله ﵊، ومع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وهو ينتقل بنا في صحيحه إلى غزوة من غزوات المصطفى ﷺ , ينتقل بنا من المدينة المنورة إلى وادي حنين في تهامة بين الطائف ومكة , لينقل لنا مشهداً تاريخياً من المعركة العالمية التي خاضها رسول الله ﷺ بنفسه, وشارك فيها أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار, والتي ذكرها الله في كتابه في سورة التوبة فقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٧].

стр. 6705

الرسول يواسي الأنصار بعد غزوة حنين قال الإمام البخاري ﵀: (باب غزوة حنين) حدثنا محمد بن عبد الله -أي المسندي - حدثنا هشام حدثنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، قال: ﴿أعطى رسول الله ﷺ بعض العرب الذين شهدوا حنيناً , كلاً منهم مائة ناقة، وترك الأنصار. فاجتمع الأنصار وقالوا: غفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً وسيوفنا تقطر من دمائهم أفلا يعطينا؟! فسمع ﵊ ذلك, فجمعهم في حظيرة -وفي رواية الزهري في قبة من أدم- ثم أشرف عليهم وقال: يا معشر الأنصار, ما قالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو ما سمعت يا رسول الله، أما رؤساؤنا وفقهاؤنا فلم يقولوا شيئاً, وأما شبابنا فقالوا: غفر الله لرسول الله, يعطي قريشاً من المال ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقام ﵊ خطيباً. فقال: يا أيها الناس, صدقتموني وقد كذبني الناس، وآويتموني وقد طردني الناس، ونصرتموني وقد خذلني الناس. فقالوا: لله المنة ولرسوله، فرفع صوته. فقال: ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى. قال: وأتيتكم فقراء فأغناكم الله بي؟ قالوا: بلى. قال: وأتيتكم متخاذلين فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى، والمنة لله ولرسوله. فرفع صوته وقال: يا معشر الأنصار, أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير, وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فوالله لما تذهبون به إلى رحالكم خير مما يعود به الناس، يا معشر الأنصار, أنتم الشعار والناس الدثار, والله لو سلك الناس شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار وواديهم، غفر الله للأنصار، ورحم الله الأنصار، ورحم الله أبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار, فارتفع بكاؤهم وقالوا: رضينا بالله رباً وبمحمد نبياً﴾. هذه الرواية جمعها البخاري وبددها وصنفها في كتابه على حسب ما رأى من إخراجه الفني في الصحيح ﵀ رحمة واسعة. وهذا الحديث حدث عالمي هائل، وهو من أرق الأحاديث في السيرة النبوية, وهذا الحديث من أعظم خطبه ﵊، رواه الجمع عن الجمع وتناقله الأنصار عن الأنصار, وهو أعظم حديث للأنصار رضوان الله عليهم وأرضاهم، وكانت هذه القصة في معركة حنين الخالدة التي تناقلها أهل التاريخ والسير باستفاضة, وهي معركة مذهلة ذكرها الله في كتابه, وجعل قسماً من سورة التوبة في حدث هذه الغزوة.

стр. 6706

أسباب غزوة حنين أما سببها: فإن الرسول ﵊ حين فتح الله عليه مكة وانتهى منها في السنة الثامنة, سمع أن أهل الطائف اجتمعوا على مالك بن عوف النصري وهو شاب ذكي أريب شجاع, عمره يقارب الأربعين سنة، وهو من شباب العرب الشجعان، جمع قبائل هوازن التي هي قبائل الطائف ومنها: عتيبة الآن, وقبائل ثقيف وشيء من قبائل غطفان ونجد ومعهم بعض بني تميم, فجمعهم جميعاً ثم قال: أيها الناس يظن محمد أنه إذا فتح مكة -يعني رسول الهدى ﷺ أنه سوف يأتينا في الطائف , ثم حلف باللات والعزى لنقاتلنه قتالاً ما سمعت العرب بمثل هذا القتال، ثم قال: نخرج إليه ونلاقيه واخرجوا معكم بالإبل وبالبقر وبالغنم وبالنساء والأطفال, وأما النساء والأطفال فاجعلوهم صفين خلفكم, واجعلوا الإبل صفاً, والبقر صفاً, والغنم صفاً, حتى يخرج الرجل وهو يعلم أن وراءه أهله وماله فيقاتل عن أهله وماله. فخرج بهم, وسمع رسول الهدى ﷺ أن هذا الرجل الشجاع العربي قد جمع قبائل العرب، وتوجه يريد ملاقاة رسول الله ﷺ ، وكان قوام جيشه اثنى عشر ألفاً كلهم من أشجع العرب, وهم أرمى العرب على الإطلاق, لا يرمي راميهم بالسهام إلا أصاب, وتوجه بهم في كتائب تتدفق كالسيول.

стр. 6707

الإعداد النبوي للغزوة علم بذلك ﷺ فقام خطيباً في الناس وأعلن الحرب على مالك بن عوف النصري , وعد كتائبه فكانت اثني عشر ألفاً من المقاتلين، فجعلهم عشر كتائب عليها عشرة قواد، ثم ذهب ﵊ وتمركز في وادي حنين لأن المثل عند العرب: ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا " والرسول ﷺ يخاف أن يتقدموا إلى مكة أو إلى المدينة فيصعب عليهم مقاتلتهم, فباغتهم ﵊ فلاقاهم في وادي تهامة في أرض يقال لها حنين. وبات ﵊ في تلك الليلة ومعه اثنا عشر ألفاً, فيهم المؤمن الصادق الإيمان من أمثال أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي؛ الذي يقول أحدهم -من كثرة يقينه وإيمانه-: [[والذي لا إله إلا هو لو كشف الله لي الحجاب ورأيت الجنة والنار ما زاد إيماني ويقيني مثقال ذرة]] وفيهم مسلمو الفتح الذين أسلموا ترغيباً وترهيباً, وأسلموا رجاء الغنائم, ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. ثم توقف ﵊ فقال: من يحرسنا الليلة وله الجنة، فتبرع أصحابه وقاموا أمامه, وقال ابن أبي حدرد: أنا أحرسكم يا رسول الله على الشرط -أي على شرط الجنة- فصعد الجبل ومشى ﵊. فلما اقترب الفجر قال الرسول ﷺ لحارسه ابن أبي حدرد: انتبه للقوم فإنا نخاف منهم أن يباغتونا في غسق من الليل -وكان ﵊ يعرف هذه الأمور والقوم من رماة العرب- وإنا نخاف إذا رمونا أن تفر منا الخيل والإبل فلا يثبت أحد. فقال ابن أبي حدرد: لبيك وسعديك يا رسول الله، فقام في رأس الجبل, وكان مالك بن عوف النصري وقبائل العرب المقاتلة في جهة الوادي, والرسول ﵊ في الجهة الأخرى, وابن أبي حدرد في رأس الجبل. نام ﵊ ونام أصحابه، فلما لمع الفجر وأذن المؤذن، قام ﷺ فتوضأ وصلى ركعتي الفجر, وإذا بذاك الحارس سهر من أول الليل حتى أقبل الفجر ثم نام، وكان ذلك أمر الله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨] فقام ﷺ لما سمع المؤذن يؤذن في الناس للصلاة, ولما ﷺ رسول الله ﷺ بهم, وإذا الجبل كأن أعلاه أقبل على أسفله. قال ابن أبي حدرد: استيقظت فإذا مالك بن عوف النصري في أول كتيبة كأنها السيل الجرار شاكون في السلاح, قوامها ألف وقد وصل إلى جانبي, ووالله لا يمكنني إلا أن أرفع صوتي إلى رسول الله ﷺ . فقال مالك بن عوف النصري: احبسوهم بالنبل, وكانوا من رماة العرب, فأخذوا يرمون من رءوس الجبال بالنبل, فصارت كالغمام على رءوس الناس، فطوقت معسكره ﵊, وأحدثت ذهولاً عاماً في الناس, وأخذت الخيول والإبل تفر في كل جهة. فقام ﵊ ودعا الناس إلى المعركة وإلى أن يستقبلوا مالك بن عوف النصري؛ أما الجبل فأقبل بعضه على بعض، ونزل الاثنا عشر ألفاً من الجبل جميعاً, ووراءهم الإبل ثم البقر ثم الغنم, وبين الإبل والمقاتلة النساء والأطفال. وقد قال دريد بن الصمة لـ مالك قبل المعركة وكان حكيماً من حكماء هوازن، وقد كان رجلاً أعشى لا يبصر كثيراً, وهو شاعر مشهور قال: يا مالك! إنني أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير وثغاء الشاة, فلماذا جمعت الناس وجمعت هذا الجيش؟ قال: إني أخاف أن يفروا إذا علموا أن أهلهم في ديارهم وأموالهم. قال: والله ما هذا بالرأي -ويحلف باللات- لا يرد المنهزم شيء. فأراد الناس أن ينخذلوا عن مالك بن عوف النصري , فسل سيفه وهو في الجبل, ثم قال: يا معشر العرب, إما وافقتموني هذا اليوم، وإلا اتكأت على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا: وافقناك، فكان لسان حال دريد بن الصمة: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد فنزلوا ووافقوا مالك بن عوف.

стр. 6708

الرسول ﷺ ينادي أصحابه وأما الرسول ﵊ فنادى في الناس إلى الجبل, فأقبلت الكتائب, ولكن خانتهم الإبل والخيول ففرت، وفر كثير من الناس, بل الصحيح كما في السيرة لـ ابن إسحاق وغيره أنه لم يثبت إلا ثمانون, ثم فر الثمانون وثبت ستة, فأخذ ﷺ ينادي في الناس ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله، فلما رأى أنهم فروا من بين يديه وأن الرجل يركب جمله ليأتي يؤم القوم ويأتي للقتال، فيطرد عنه الجمل، فيترك الجمل، ويهوي على أرجله في الأرض، ويأخذ سيفه وقوسه، ويأتي صاحب الفرس على فرسه، فيأبى الفرس أن يعود لأنه جفل, فينادي ﵊ في الناس فلا يسمعون في الأخير لما رأى أن الدائرة خاف أن تدور على الإسلام وأهله، ومعنى ذلك أن هوازن تصفي حساب هذه الرسالة الخالدة, وسوف ينتهي الإسلام ويقطع دابره من الأرض, فترجل ﷺ وكان على بغلته, وقال: ﴿أنا ابن العواتك﴾ فلما وصلت أرجله إلى الأرض سل سيفه وقال: ﴿أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب﴾. فانتسب إلى جده ﵊, والعرب أمة ذكية إذا رأت المعركة ورأت الجيوش تهدَّرت بالشعر. قال أهل السير: الرسول ﵊ لما رأى الموقف ورأى السيوف والرماح جاد خاطره بهذا البيت ليشجع نفسه, ويقول: ﴿أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب﴾ وحرام عليه أن يفر؛ لأن الله قال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤]. ثم قال: يا عباس! يا عم رسول الله؛ إذ كان في الناس وكان معه بجانب بغلته وفي الجانب الآخر أبو سفيان بن الحارث ابن عمه من مسلمة الفتح الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكان العباس بن عبد المطلب جهوري الصوت, وكان كما يقول ابن حجر ينادي غلمانه من على سطح بيته وهم في الغابة فيسمعونه, قال: نادِ في الناس، فقال: يا معشر المهاجرين! يا معشر الأنصار! هلموا إلى رسول الله ﷺ فلم يستجب أحد, لأن الخيول والإبل أخذتهم, ومسلمة الفتح أتى عليهم هذا الأمر سهلاً وطيباً؛ لأن بعضهم كان يضمر العداء للرسول ﵊, وكان منهم أبو سفيان بن حرب؛ لأنه أسلم يوم الفتح في مكة وفي نفسه ما فيها على الإسلام. فقال لما رأى كتائب الرسول ﵊ تفر: ما يردهم اليوم إلا البحر. يعني: البحر الأحمر. ويقول صفوان بن أمية: اليوم بطل السحر. يظن أن الرسالة سحر أبطل اليوم, والرسول ﷺ نادى في الأنصار؛ لأنهم بايعوه يوم العقبة على أن يحموه مما يحموا منه أولادهم وأطفالهم ونساؤهم وأموالهم, فهو يذكرهم ذاك الميثاق والعهد الذي بينه وبينهم ﵊, وهو يذكرهم ذاك العقد الذي وقعوه والذي أتى به -كما يقول ابن القيم - أتى به جبريل, وأملاه رب السماوات والأرض, والمشتري الله , والسلعة الجنة, والثمن أرواحهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. ناد يا أهل الشجر. قال: يا من بايع رسول الله تحت الشجرة, يا من تنزلت فيهم سورة البقرة, فلم يجب أحد، قال: ناد بني الخزرج وهم القبيلة الثانية من قبائل الأنصار, لأن الأنصار قبيلتان: الأوس والخزرج، فنادى في الخزرج فلم يجب أحد.

стр. 6709

الرسول ﷺ وقد حمي الوطيس قال: ناد في بني الحارث، وكانوا عشيرة واحدة, ولحمة واحدة قوامها ثمانون رجلاً من أشجع العرب على الإطلاق, كانوا يشربون الموت كما يشربون الماء، ومدحهم شعراء العرب وقالوا: كانوا إذا حضروا المعركة تحمر أحداقهم حباً للموت، فلما سمعوا: يا بني الحارث تشجعوا؛ لأن الرسول ﷺ خصهم أمام الناس بهذا الاسم, فتواثبوا من خيولهم وإبلهم, ثم أخذوا أغماد سيوفهم وكسروها على ركبهم، ثم أتوا بالسلاح وهبوا لنجدة الرسول ﷺ , وقد كان يقاتل من بعد الفجر إلى الضحى وما تأخر خطوة واحدة, بل وقف ﵊ أمام الجيش , وأوقفهم في منتصف الجبل, فما تقدم منهم جندي واحد. ثم أخذ حفنة من التراب ورمى بها وقال: ﴿شاهت الوجوه﴾ قال العباس: والله ما بقيت عين أحد منهم إلا وقعت فيه ذرة, فأخذت تدمع عيونهم. فلما رأى بني الحارث أقبلوا على أقدامهم معهم السيوف فتح لهم ﷺ طريقاً, فتقدموا بينه وبين الكتيبة الوسطى, كتيبة مالك بن عوف النصري، فاقتتلوا معه حتى سُمع شظايا السيوف -أي: كسار السيوف- من على رءوس الناس, فقال ﵊: ﴿الآن حمي الوطيس﴾. قال أهل العلم: هو أول من قالها من العرب, وهو مَثَلْ, وحمي أي: اشتد، والوطيس: هو التنور الذي يخبز فيه, ومعناه أن الأمر ضاق, وأنه لا يفرجه إلا رب السماوات والأرض. فأخذ بنو حارث يقاتلون حتى تكسرت كثيراً من سيوفهم, فأخذوا يعوضون من المسلمين سيوفاً، وتوارد الناس، والتحمت الكتائب بعده ﷺ , وأخذ يرد هؤلاء على أعقابهم في أعلى الجبل, فأخذوا يتأخرون، فما أُذن لصلاة الظهر إلا وقد سُلسلوا في السلاسل وقيدوا في الأسلاب. وأخذ ﵊ يقول لـ ابن أبي حدرد: ﴿خذ إليك السبي﴾ أي: النساء والأطفال, أنت يا فلان عليك بالإبل, وأنت يا فلان عليك بالغنم، وأنت يا فلان عليك بالبقر. قال ابن كثير: فجمع ﷺ من الغنائم ألوفاً مؤلفة لا يعلمها إلا الله. وقدر ابن إسحاق الغنم بأربعة وعشرين ألف رأس، والإبل بسبعة آلاف؛ لأنهم أهل بادية وهم أكثر العرب مواشي. وتقدم ﵊ إلى كتيبة مالك بن عوف النصري وهم ألف، وردهم على أعقابهم، فأعلنوا الهزيمة, ثم فروا وتركوا نساءهم وأطفالهم وإبلهم وبقرهم وغنمهم. فأخذ ﵊ يلحق بهم هو والجيش.

стр. 6710

شيبة بن عثمان في غزوة حنين وبينما هو يطاردهم بالجبل ﵊، وإذا برجل من المسلمين اسمه شيبة بن عثمان، وهو صاحب مفتاح الكعبة, والمفتاح في ذريته وفي نسله إلى اليوم, وقد أسلم يوم الفتح, وكان في قلبه شيء على الرسول ﵊. قال: فخرجت معه إلى حنين والله ما كان من قصدي أن أنصره أو أقاتل معه, ولكن قصدي إذا سنحت لي فرصة أن أقتله, ومعي خنجر كخافية النسر جعلتها تحت إبطي سممتها بالسم شهراً. ثم أخذ يلاحظ الرسول ﵊ حتى يقترب منه فيغتاله. قال: فاقتربت منه فوجدت عن يمينه العباس بن عبد المطلب فخفت الرجل، قلت: عمه لن يسلمه إليّ, وسوف يقتلني في الحال، فأتيت عن يساره فوجدت ابن عمه أبا سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمه وسوف يقتلني في الحال، فتأخرت وراءه فأمكنتني الفرصة فتقدمت، وإذا شواظ من نار نزل من السماء, رجف له قلبي، فلم أرَ أمام بصري, فرجعت خلفي خطوتين, والله لقد كان يلتمع بصري حتى وضعت يدي على وجهي. فالتفت إليّ ﷺ وهو يتبسم وقال: يا شيبة، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قلت: يا رسول الله, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: اللهم اغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم أخذه ﷺ بيده، وما ذكرها لي بقية حياته ﵊. ثم فرَّ مالك بن عوف النصري إلى حصون الطائف، فانطلق ﵊ وراءه وقال للناس: عليكم بالسبي من النساء والأطفال أكرموهم، وعليكم بالإبل والبقر والغنم احصروها، وذهب ﵊ بما معه من المقاتلين ولحقهم في حصون الطائف.

стр. 6711

نهاية غزوة حنين حاصر النبي ﷺ ومن معه مالكاً في الحصون, فمكثوا في حصونهم وأرسل له مالك بن عوف النصري -وكان رجلاً شهماً ذكياً- قال: يا رسول الله! إن العرب سوف تعيبنا أبد الدهر إذا نزلنا لك بالقوة، لكن اذهب فإذا أصبحت في الجعرانة فإنا سوف نأتيك مسلمين, وكأنا أتيناك نطلب الصلح. وكان الرسول ﵊ لبيباً حليماً آتاه الله حسن الخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فعاد ﷺ وأمر الناس أن يعودوا.

стр. 6712

النبي ﷺ يقسم الغنائم وصل ﵊ الجعرانة وتأخر بالناس, وأعلن أنه يريد أن يؤدي عمرة, لئلا يتعجل الناس بالذهاب، فتأخر مالك بن عوف النصري قائد القبائل, لأنه سوف يأتي مسلماً فقام ﷺ يوزع الغنائم, وانظر إلى المتأخرين وقت المغارم ووقت القتال يتقدمون. فيأتي حكيم بن حزام وهو سيد من سادات قريش من مسلمة الفتح وهو ليس في الإسلام كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان يكسو الكعبة سنة, وقريش جميعها تكسو الكعبة سنة. فقال: تقدمت إلى رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله! أعطني من مال الله، قال: يا حكيم: أتنظر الغنم التي بين الجبلين من غنم هوازن، قال: نعم، قال: هي لك، فأخذها، وأتى في النهار الثاني، وقال: أعطني يا رسول الله، قال: خذ مائة ناقة، وكان ذلك ليتألفه في الإسلام؛ لأنه إذا أسلم أسلم معه ألوف. فأتى في اليوم الثالث وهو يظن أن الدعوة مفتوحة, كل يوم مائة ناقة، فقال: يا رسول الله أعطني فأعطاه ﷺ ، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال حِلوٌ خضرٌ، وإن الله مستخلفكم فيه -شارك مسلم البخاري في هذه الرواية-فينظر ماذا تعملون فيه, فإياكم والدنيا، يا حكيم اليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا هي التي تعطي واليد السفلى هي التي تأخذ، فقال حكيم: والله يا رسول الله, ما أسأل بعدك أحداً ولا أرزأ بعدك أحداً. فكان حكيم بن حزام متعففاً من أموال الناس, يسقط سوطه وهو على الفرس، فلا يسأل أحداً من الناس أن يرفعه له, بل ينزل يأخذ السوط، حتى أتى أبو بكر فأعطاه من بيت المال فرفض، وأعطاه عمر فرفض، وقال عمر يوم الجمعة: [[يا معشر المسلمين, أشهدكم على حكيم بن حزام أنني أعطيته عطاءه فأبى، فلا يكون خصمي يوم القيامة]] قال حكيم: إنني قلت لرسول الله ﷺ وعاهدته، والله لا أرزأ أحداً بعده من الناس, فلن آخذ من أحد بعد رسول الله ﷺ شيئاً.

стр. 6713

توزيع النبي ﷺ للغنائم وأعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب الذي كان قائداً رهيباً عسكرياً من قواد قريش, أعطاه مائة ناقة ليتألفه للإسلام، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري الغطفاني مائة ناقة، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة, وأعطى كثيراً من صناديد نجد من مائة ناقة ليتألفهم على الإسلام. فلما أعطاهم العطاء, أعطى العباس بن مرداس سيد بني سليم خمسين ناقة ولم يعطه مائة, وكان العباس رجلاً شاعراً، فصنف قصيدة ورفعها للرسول ﷺ ، يقول فيها: كيف تعطيني خمسين ناقة وتعطي أبا سفيان مائة وتعطي الأقرع مائة, وعيينة مائة؟ يقول: أتجعل نهبي ونهب العُبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع يقول: آباؤهم ما كانوا يفوقون أبي, فكيف تفوقهم اليوم علي؟ -في قصيدة طويلة- فوصلت القصيدة إلى الرسول ﵊ وهو في خيمته, فقال أبو بكر -وكان حفاظة داهية نسابة يحفظ الأشعار والأخبار- قال: يا رسول الله! أتدري ماذا يقول عباس بن مرداس السلمي، قال: لا، قال: إنه يقول: أتجعل نهبي ونهب العُبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع فتبسم ﵊ وأخذ يقلب شيئاً في يده, والله يقول من فوق سبع سماوات: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] وكان إذا سمع قصيدة كسر أبياتها؛ لأنه لو كان ألقاها لقال القرشيون أو أهل الوثنية: إن هذا القرآن شعر, وبالفعل قد قالوا: إنه شعر: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] فيقول ﷺ وهو ينشد الأبيات: أتجعل نهبي ونهب العُبيد بين الأقرع وعيينة فكسر البيت، فتبسم أبو بكر وقال: صدق الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩].

стр. 6714

النبي ﷺ مع الأنصار فخرج ﵊ إلى الناس، وإذا برجل من الأنصار أمام الخيمة, فقال: ما وراءك؟ قال: يا رسول الله الأنصار اجتمعوا وتقاولوا كلاماً وقالوا: غفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً وصناديد نجد ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال ﵊: كيف أقوال ساداتكم وفقهائكم؟ قال: ما قالوا فيك شيئاً يا رسول الله. هذا قول سفهائنا, وقيل: شبابنا وفتياننا. فقال ﵊: اذهب إلى سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي (الإمام الكبير الشهيد الذي قال عنه الذهبي: الجواد الفارة) يجمع لي الأنصار. فذهب إليه وأخبر سعد بن عبادة وجمع الأنصار في حظيرة, ثم أتى ﷺ ودلف عليهم وعليه بردة, فخطبهم تلك الخطبة التي مرت, ولما انتهى ﷺ وأقنع الأنصار أن الدنيا زائلة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. ولذلك يقول ﵊ في حنين: ﴿يا أيها الناس -وهم يطاردونه يطلبون الغنائم حتى ألجئوه إلى شجرة فنشب رداؤه في الشجرة وقال: فكوا علي ردائي- والله لو كان لي كجبال تهامة إبلاً وبقراً وغنماً لأنفقتها فيكم, ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذابًا، ثم قال: والله إني لأعطي أناساً منكم لما جعل الله في قلوبهم من الطمع والهلع، وأدع قوماً منكم لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان والسكينة منهم عمرو بن تغلب قال عمرو بن تغلب -وهو يروي هذا الحديث وكان في حياته كلما رواه بكى-: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾. ولما صلّى ﷺ صلاة العصر وقد قسم الغنائم وأخذ أبو سفيان مائة والأقرع مائة وعيينة مائة وأخذوا يستاقونها, وإذا مالك بن عوف النصري ومعه وفد قوامه ثمانية أنفار على خيولهم الشقر, وهم يخوضون في الصحراء حتى وصلوا إليه بعد الصلاة، فوقفوا على رأسه فأنزلهم ﷺ ، فقام مالك بن عوف النصري سيد هوازن وكان شاعراً لبيباً خطيباً وفصيحاً، فقال: [[يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, ائذن لي أن أقول أبياتاً قال: ما إن رأيت وما سمعت بمثله في الناس كلهم كمثل محمد أعطى وأجزل للنوال إذا اجتدى ومتى تشأ يخبرك عما في غدِ وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسمهري وضرب كل مهندِ فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة خادر في مرصد ]] فاستحسنها ﷺ فقال: ماذا تريد يا مالك؟ لأن قصيدته هذه مقدمة يريد منها شيئاً, يريد السبي والإبل والبقر والغنم أن تعود. ولذلك يقول عمر ﵁ وأرضاه: [[نعم الرجل يقدم أبياتاً بين يدي حاجته]] لأن هذه الأبيات فيتامين (واو) تسهل للشخص أمره, فمن تعسر عليه أمر من بعض الناس فعليه أن يدعو, وإذا لم يصادف شيئاً فعليه أن يسجل له أربعة أبيات, فسوف يلبي دعاءه إن شاء الله. فـ مالك بن عوف يعرف العرب أن سوف يستجيبون, فأتى بأربعة أبيات, فعرف ﷺ أنه يريد شيئاً "إياك أعني واسمعي يا جارة" قال: يا مالك! إن أحب القول إلي أصدقه فماذا تريد؟ قال: يا رسول الله! أريد السبي وأريد المال، يقول: أريد النساء والأطفال وأريد المال, قال ﵊: اختر بين اثنتين إما السبي وإما المال. كأنه يقول له: بعدما هزمناك وألحقنا بكم الدائرة نرد لك السبي والمال سالمة مسلمة، في شرع من هذا؟! فسكت وقال: ما أعدل بالنساء شيئاً -يقول: كيف تخيرني بين الإبل وبين النساء؟ علي بالأطفال والنساء، فقال ﵊: ردوا عليه نساءه وأطفاله، فقال بعض العرب: والله لا نرد عليه نساءه وأطفاله -لأن بعض النساء أصبحوا سبايا- فقال ﷺ : ﴿لا ندري من طيب منكم ممن لم يطيب ولكن ارفعوا ذلك إلى عرفائكم﴾ فبعضهم وافق وبعضهم أبى. فقام ﵊ خطيباً فيهم وذكرهم بالله وبالسماحة وبالعفو وقال: ردوا عليهم السبي والذي لا يرده منكم إلا بشيء فأنا أعوضه في أول ما يغنمنا الله , فردوا له السبي من النساء ومن الأطفال. فقاموا يأخذونها. وأما الإبل والبقر فراحت في رحمة الله, ورجع مالك بن عوف النصري مسلماً مؤمناً ونزل ﵊ معتمراً. وبقيت أحداث من هذه القصة لأن البخاري روى أول الحديث ثم هالته قصة الحديث, فما استطاع أن يكمل الحديث, لأنه يريد الموعظة والعبرة فسكت وقال: الحديث.

стр. 6715

دروس من غزوة حنين وفي هذا الحديث أمور وقضايا ودروس وعبر والسيرة مفسرة للقرآن، يقول سيد قطب: "أعظم ما يفسر القرآن سيرة الرسول ﵊, فإن الله يذكر الأحزاب, فالمسلم الذي يعرف معركة الأحزاب يعرف معاني السورة, ويذكر بدراً، فالذي يعرف معالم بدر يعرف ما هو المقصود بـ بدر في القرآن, وكذلك حنين , فالسيرة أعظم ما يفسر كتاب الله ، والسيرة درس عقدي ودرس عملي وفقه وأحكام وأدب وسلوك ورقائق لمن تدبرها وعقلها:

стр. 6716

الدرس الأول: أن القوة لله جميعاً لا عبرة بالكثرة فالنصر من عند الله ، أكبر جيش جمعه الرسول ﷺ جيش حنين كانوا اثني عشر ألفاً، فلما رآهم أبو بكر الكتيبة تتدفق بعد الكتيبة، قال: [[لا نهزم اليوم من قلة]] والمسلمون بشر أتاهم ضعف واتكلوا على قوتهم المادية, فأراد الله أن يلقنهم درس عقيدة لا ينسونه, وهو أن القوة من عند الله, وأن النصر من عند الواحد الأحد, فيقول الله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة:٢٥] يقول: اذكروا كم نصركم الله في مواطن كثيرة: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] قال أهل التفسير: قال أبو بكر: [[لن نغلب اليوم من قلة]] فأخبره الله بالانهزام في أول المعركة, وأن النصر من عند الله فانهزموا، فدرس للإنسان ألا يغتر بقوته وألا يعتمد على حوله وذكائه وفطنته. قال ابن القيم في كلام معناه: فوض الأمر إلى الله , وأعلن عجزك, فإن أقرب العباد من الله الذين يعلنون الانكسار بين يديه. فأقرب العباد إلى الله أشدهم انكساراً إليه، وأقربهم إلى النصر أشدهم تواضعاً لله, وكلما ذل العبد وتواضع لله رفعه الله, وكلما تكبر، قال الله: اخسأ فلن تعدو قدرك, وعزتي وجلالي لا أرفعك أبداً. فكان هذا الدرس في العقيدة: أن القوة من عنده ﵎, وأنه هو الذي يهدي وينصر, ويسدد فلا قوة تأتي من غيره مهما أجلبوا بخيل ورجل وقوى واتصلوا بأمور فإنها كبيت العنكبوت: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].

стр. 6717

الدرس الثاني: إرسال العين لطلب أخبار العدو فإن الرسول ﵊ أرسل ابن أبي حدرد وقال: اجلس بينهم وخذ أخبارهم وائتني بأعلامهم -هذا قبل المعركة- فجلس بينهم في الليل، فسمع مالك بن عوف النصري يقول: إذا أتينا غداً فصبحوهم واضربوهم ضربة رجل واحد، فأخبر الرسول ﵊، فإرسال العين لصالح المسلمين لا بالإضرار بالمسلمين, لكن لتقصي الحقائق ولنصرة الإسلام, ولتأييد كتاب الله ولرفعة لا إله إلا الله لا بأس به.

стр. 6718

الدرس الثالث: أخذ السلاح من المشرك والرسول عليه الصلاة السلام لما أراد حنيناً قال لـ صفوان بن أمية وقد كان طلب مهلة أربعة أشهر حتى يفكر في دخول الإسلام- قال: ﴿يا أبا وهب: أتعيرنا مائة درع وسلاحها؟ قال: غصباً يا محمد، قال: بل عارية مضمونة﴾ فأخذها ﷺ عارية مضمونة، فلا بأس باستعارة السلاح من المشرك, فلو قاتل المسلمين كافر فلا بأس أن يأخذوا من كافر آخر سلاحاً آخر يقاتلون به هذا الكافر, فإن الرسول ﵊ فعله سواء بشراء, أو عارية, أو على مصالح مشتركة يتبادلها الفريقان فلا بأس بذلك.

стр. 6719

الدرس الرابع: ضمان العارية إذا تلفت فإن صفوان ﴿يقول: غصباً يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة﴾ يقول: إذا تلفت هذه الدروع والسلاح نضمنها لك, فلما تلفت بعض السيوف وتكسرت في أيدي الأنصار كما يقول الأول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول: كلهم ما شاء الله أخلاقاً وسماحاً وجوداً وشجاعةً لكن فيهم عيب واحد وهو يمدحهم قالوا: ما هو؟ قال: سيوفهم مثلمة من كثرة ما قاتلوا الأعداء. فالصحابة تثلمت سيوفهم وثلموا سيوف صفوان بن أمية , فأتى يقلب السيوف وهي مثلمة فيقول: للرسول ﷺ : أهذا سلاحي؟ فيقول ﷺ : نضمنها لك، قال: لا لقد أسلمت والإسلام خير لي لا آخذ منها شيئاً، فرزقه الله الإسلام, وهو خير من الدروع والسيوف، وقبل المعركة كان صفوان وراء الزبير بن العوام. ويقول أحد عيون الرسول ﷺ الذين أرسلهم ليكونوا بين مالك بن عوف النصري وقبائل الطائف , يقولون: وقفنا معهم فلما مرت كتائب الرسول ﵊، سمعنا مالك بن عوف النصري يقول: أي كتيبة هذه؟ وقد مدوا سيوفهم على آذان خيولهم- قالوا: هؤلاء بنو سليم لا يقتلون أحداً ولا يقتلون، يعني: أنهم عند العرب ليسوا بشجعان. قال: والكتيبة الثانية -أناس مروا على الخيل سيوفهم معروضة على أكتافهم- قالوا: هذا الموت الأحمر الأوس والخزرج، قال: ومن مر، قالوا: مر خيال واحد -ذكر هذا ابن كثير - على رأسه عصابة حمراء كأنه صقر على فرسه نحيف، قال: هذا الزبير بن العوام واللات والعزى لا يفارقنكم حتى يخالطكم بسيفه. قالوا: فلما اقترب الزبير وراء الكتيبة ووراء الشجر أقدم إليهم ثم خالطهم بسيفه, حتى عمل فيهم معركة. وكان صفوان يقول: لما رأيت الزبير دخل في الكتيبة فررت. لأنه من أهل المداخل: أما صفوان فلا يورط نفسه في هذه الورطات، بل ينتظر حتى تأتي مائة ناقة؛ ﵃ جميعاً وأرضاهم ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 6720

الدرس الخامس: مشابهة هذه الأمة الأمم السابقة هذا الحديث علق عليه ابن تيمية في الرسائل والمسائل يقول: لما نزل رسول الله ﷺ في حنين نزل الناس في الظهيرة ومعهم سيوفهم وسلاحهم -وهذا الحديث عند أبي داود من حديث أبي واقد الليثي - قالوا: يا رسول الله! إن للمشركين ذات أنواط -أي: ذات معاليق يعلقون فيها سلاحهم- فاجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؛ فقال ﵊: ﴿الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾. فيقول ابن تيمية: "سوف يقع في هذه الأمة ما وقع في اليهود والنصارى؛ فإن علماءنا إذا فسدوا كان فيهم شبه من اليهود -نعوذ بالله من ذلك- فإن اليهود تعلموا العلم ولم يعملوا به؛ فختم الله على قلوبهم ولعنهم وغضب عليهم، قال جل ذكره: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى؛ فإنهم يعبدون الله بلا علم, لا يتفقهون في الدين؛ فلهم صلاة وصيام وذكر لكن على ضلالة: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. يقول ابن تيمية: وسوف يقع في هذه الأمة ما وقع بين اليهود والنصارى لهذا الحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] قال ابن تيمية: "سوف تأتي طوائف وأحزاب في هذه الأمة تقول: ليست الطائفة الأخرى على شيء ونحن على الحق، وتقول الأخرى: لستم على شيء ونحن على الحق فهي السنن".

стр. 6721

الدرس السادس: النهي عن مشابهة المشركين يقول النبي ﷺ : ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ حتى في الأزياء، قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "أمرنا أن نتبع السنة، ونهينا عن مشابهة أجناس المشركين والأعاجم إذا خالفوا السنة والحيوانات والبهائم" ثم ذكر أمثلة على ذلك. فمشابهة أهل الكتاب من أعظم ما جرنا إلى الخطر وإلى مخالفة السنة، فهي حرام بالإجماع إذا لم يكن في سنتنا مستند. مثلاً: يقول بعض الناس: نرى بعض الخواجات يربون لحاهم، وإذا ربينا لحانا ألا يكون ذلك مشابهة لهم؟ يقول أحد العلماء: كذلك إذ دخلوا في الإسلام ألا نخرج نحن حتى نخالفهم؟! نسأل الله العافية والسلامة؛ فمعنى المخالفة أن نقف نحن على الحق الذي معنا الذي أتى به ﷺ ونخالفهم فيما خالفوا فيه الإسلام, أما ما وافقوا فيه الإسلام فلا نتزحزح نحن إذا دخلوا في الإسلام أو وافقوا بعض السنن التي عندنا.

стр. 6722

الدرس السابع: التكبير عند التعجب والاستغراب فالرسول ﷺ لما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط قال: الله أكبر! وهذه من أحسن الكلمات التي تقال في النوادي والمحافل, فنحن لا نعرف التصفيق وليس في ديننا تصفيق، ولا يصفق إلا اللاهون اللاغون إذا أعجبوا بمقولة أو كلمة. فعلى المسلمين أن يكبروا, فإن التصفيق والمكاء والتصدية من علامات الجاهلية ومن شعائر الوثنية , والله ذكر المشركين وطوافهم بالبيت فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] أي: صفيراً وتصفيقاً, فذم التصفيق ، وقال ابن مسعود: [[كان أصحاب الرسول ﷺ إذا أعجبهم شيء كبروا]] وربما كبر ﵊ فكبروا خلفه, ولذلك يقول: ﴿أترضون أن تكونوا ثلث الجنة؟ قالوا: بلى، قال: ألا ترضون أن تكونوا نصف الجنة؟ قالوا: بلى، قال: فإنكم ثلثا أهل الجنة، فكبروا جميعاً﴾. صفوفها عشرون بعد المائة أما ثمانون فمن ذي الأمة فثلثا الجنة، وفي رواية: ﴿نصف الجنة﴾ من أهل السنة والجماعة، فالتكبير مطلوب عند التعجب والاستغراب، أو من حدث أو كلمة حماسية، أو من بيت أو قصة, فسنتنا أن نكبر وألا نتشبه بأهل الكتاب الذين أضلهم الله على علم وطبع على قلوبهم.

стр. 6723

الدرس الثامن: الحراسة في الغزو إن الرسول ﵊ إذا كان في الأسفار أو الغزو جعل حارساً يحرس الناس، وما كان يعطيه راتباً ﵊، بل كان يعدهم بالجنة, جنة عرضها السماوات والأرض, فكانوا يتسارعون إلى هذا، كما فعل حذيفة في الليلة الظلماء عند أهل الأحزاب، وضمن له ﷺ الجنة. وكما حرس بلال بن رباح المسلمين في غزوة من الغزوات فقال له ﷺ : يا بلال! ارمق لنا فجر هذه الليلة، فقام بلال فرمق من أول الليل, فلما قرب الفجر صلى الليل ما شاء الله، ثم جلس برمحه عند الناقة، فاعتمد عليها فنام، فلما نام جاء الفجر, ثم طلعت الشمس حتى أصاب الناس حر الشمس, فاستيقظ عمر ﵁ أول الناس، فاستحيا عمر أن يذهب إلى رسول الله ﷺ ويقول: قم صل، ومن عمر حتى يوقظ رسول الله ﷺ ؟! وله ذلك فإنها من المصالح والفوائد لكنه استحيا. فأتى بجانب أذن الرسول ﵊، وقال: الله أكبر، الله أكبر، فاستيقظ ﵊ وقد استيقظ أكثر الناس وأصابهم من الخوف ما الله به عليم, تذكروا أنهم ما صلوا, وأن الشمس قد طلعت وارتفعت, فقال ﷺ : لا عليكم، ثم أمرهم أن يقوموا، وقال يا بلال: أين رمقك الفجر هذه الليلة، فقال بلال: أخذ بنفسي يا رسول الله ما أخذ بأنفسكم، فتبسم ﵊. يقول: أنتم وقعتم فيما وقعت أنا فيه, فلماذا تعاتبونني على هذا؟ فصلّى ﵊ فصلوا، والشاهد أن الرسول ﵊ كان يجعل حارساً من الصحابة في الغزو وفي الأسفار لفوائد: ١ - أن يوقظ المصلي والموتر في الليل. ٢ - أن يخبر الناس بهجوم طارئ على جيشهم وعلى متاعهم وعلى أهلهم. ٣ - تدريب الرسول ﵊ أصحابه على هذا العمل الجهادي الشاق. ٤ - أن يجعل أجوراً لأهل هذه الأعمال ليتباروا في عمل الآخرة وليتقدموا عند الله. قال عمار بن ياسر: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، قال: فلما أمسينا ذات ليلة، قال: من يحرسنا هذه الليلة؟ فسكتنا، فقال: ليقم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، قال: فقمت، وقام عباد بن بشر ﵁ وعن عمار , الشاب الصادق الذي قتل يوم صفين ضرب على وجهه حتى سقط لحم وجهه من كثرة السيوف, ولما رآه الصحابة قالوا: نشهد أنك عند الله من الشهداء. فبدأ عباد بالحراسة ثم قام يصلي, فبدأ يقرأ في سورة الكهف، فأخذ الأعداء ينظرون إليه وهو حارس يقرأ في الليل, وهم لا يعرفون الصلاة ولا القراءة فأخذوا يرمونه بالسهام, وما أراد أن يقطع القراءة، فأخذ كلما انغمس السهم في جسمه يخرجه وينزله في الأرض, ويستمر في القراءة، وكلما أتى السهم الآخر أخرجه ودماؤه تنصب من جسمه, وأتى السهم الآخر ويخرجه, فلما غلبته الدماء خفف في الصلاة, وقام وزحف إلى عمار، وقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أقتل فتفتح ثغرة على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين ما ختمت هذه الصلاة حتى أتم سورة الكهف، فقال عمار: رحمك الله، ألا كنت أيقظتني؟! فأخبره، فقام عمار ﵁ وأدركوا هذا, فأيقظوا الرسول ﵊، وهذا يوضح لنا كيفية حراسة الصحابة للرسول ﵊ وللمسلمين. وكان حارسه ﵊ ربما حرسه عند باب بيته قبل أن ينزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] يقول أنس: رجعنا مع رسول الله ﷺ من خيبر فلما اقتربنا من المدينة دخل ﷺ بيتاً له -أي خيمة- قال: فسمعته بالليل يقول: ﴿ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة﴾ قال: فأتى سعد بن أبي وقاص فسمع من بعض الناس أن الرسول ﵊ يقول: ﴿ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة﴾ فتوضأ سعد بن أبي وقاص ولبس سلاحه وأخذ سيفه ووقف عند باب الخيمة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فلما عَلِم ﷺ بـ سعد قال: ﴿اللهم اغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر﴾ فكان من الحراس الصادقين. أفضل أيام أبي عبيدة: قيل لـ أبي عبيدة -وقد مر معنا هذا- أي يوم من أيامك أنت عند الله؟ وأي ليالٍ من لياليك أحسن عند الله؟ قال: ليلة واحدة من ليالي اليرموك، قالوا ما هي؟ قال: كنت أمير الجيش فقمت وسط الليل وقد نام الناس جميعاً، وكان ذاك اليوم مطيراً، والناس في نومة ما أحسن للمقاتل والمسافر منها، فأيقظت امرأتي وقلت: أتريدين ليلة من ليالي الجنة؟ قالت: بلى، قلت: قومي معي نحرس الناس، فقام يدور هو وامرأته في المخيم كلما رأوا إنساناً قد خرج لحافه من عليه ردوا اللحاف وألحفوه حتى أصبح الصباح، فهي من الليالي الخالدة التي يتقدم بها أبو عبيدة وكأنه ما عنده من الليالي إلا هذه الليلة، وكل لياليه لله .

стр. 6724

الدرس التاسع: الالتفات في الصلاة للحاجة وقد مر في القصة لكننا أسلفنا هذا الحدث وتركناه, فإن الرسول ﵊ لما أرسل ابن أبي حدرد وقيل أنيس بن أبي مرثد أخذ ﷺ يصلي الفجر وهو يلتفت هكذا في الشعب لينظر هل يأتيه الخبر أو لا ويخفف الصلاة. قال أهل العلم: للمسلم إذا كانت حاجة أن يلتفت ولكن لا يجعلها عادة, فالرسول ﵊ فتح الباب وهو في الصلاة، وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة، وتناول بعض الأمور وهو في الصلاة، والتفت هنا إلى طليعة القوم للحاجة, وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند حسن عن سهل بن الحنظلية، قال: أرسل ﷺ يوم حنين طليعة القوم، فأخذ يلتفت إليه في الصلاة وينظر إليه بين شقق الشعب أو كما قال.

стр. 6725

الدرس العاشر: الفوز بالجنة للحارس في سبيل الله أتى الذي حرس المسلمين تلك الليلة قال له ﷺ : ﴿متى نمت؟ قال: في صلاة الفجر، قال: اذهب فقد أوجبت، ما عليك ما عملت بعدها﴾ رواه النسائي ويقول ابن كثير: ورواه أبو داود. وهذا ليس معناه فتح باب الرجاء له ليعمل بالمعاصي؛ لأنه يعلم ﷺ أن هذا العبد أتقى لله أن يغتر بهذا الكلام, بل جعل له ضماناً وبشارة أن يدخله الله الجنة، قال: ﴿اذهب فقد أوجبت ما عليك ما عملت بعدها﴾ وهذا من باب قوله ﷺ : ﴿إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾.
следующие страницы →