← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

الدرس السادس: النهي عن مشابهة المشركين يقول النبي ﷺ : ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ حتى في الأزياء، قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "أمرنا أن نتبع السنة، ونهينا عن مشابهة أجناس المشركين والأعاجم إذا خالفوا السنة والحيوانات والبهائم" ثم ذكر أمثلة على ذلك. فمشابهة أهل الكتاب من أعظم ما جرنا إلى الخطر وإلى مخالفة السنة، فهي حرام بالإجماع إذا لم يكن في سنتنا مستند. مثلاً: يقول بعض الناس: نرى بعض الخواجات يربون لحاهم، وإذا ربينا لحانا ألا يكون ذلك مشابهة لهم؟ يقول أحد العلماء: كذلك إذ دخلوا في الإسلام ألا نخرج نحن حتى نخالفهم؟! نسأل الله العافية والسلامة؛ فمعنى المخالفة أن نقف نحن على الحق الذي معنا الذي أتى به ﷺ ونخالفهم فيما خالفوا فيه الإسلام, أما ما وافقوا فيه الإسلام فلا نتزحزح نحن إذا دخلوا في الإسلام أو وافقوا بعض السنن التي عندنا.

стр. 6722

الدرس السابع: التكبير عند التعجب والاستغراب فالرسول ﷺ لما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط قال: الله أكبر! وهذه من أحسن الكلمات التي تقال في النوادي والمحافل, فنحن لا نعرف التصفيق وليس في ديننا تصفيق، ولا يصفق إلا اللاهون اللاغون إذا أعجبوا بمقولة أو كلمة. فعلى المسلمين أن يكبروا, فإن التصفيق والمكاء والتصدية من علامات الجاهلية ومن شعائر الوثنية , والله ذكر المشركين وطوافهم بالبيت فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] أي: صفيراً وتصفيقاً, فذم التصفيق ، وقال ابن مسعود: [[كان أصحاب الرسول ﷺ إذا أعجبهم شيء كبروا]] وربما كبر ﵊ فكبروا خلفه, ولذلك يقول: ﴿أترضون أن تكونوا ثلث الجنة؟ قالوا: بلى، قال: ألا ترضون أن تكونوا نصف الجنة؟ قالوا: بلى، قال: فإنكم ثلثا أهل الجنة، فكبروا جميعاً﴾. صفوفها عشرون بعد المائة أما ثمانون فمن ذي الأمة فثلثا الجنة، وفي رواية: ﴿نصف الجنة﴾ من أهل السنة والجماعة، فالتكبير مطلوب عند التعجب والاستغراب، أو من حدث أو كلمة حماسية، أو من بيت أو قصة, فسنتنا أن نكبر وألا نتشبه بأهل الكتاب الذين أضلهم الله على علم وطبع على قلوبهم.

стр. 6723

الدرس الثامن: الحراسة في الغزو إن الرسول ﵊ إذا كان في الأسفار أو الغزو جعل حارساً يحرس الناس، وما كان يعطيه راتباً ﵊، بل كان يعدهم بالجنة, جنة عرضها السماوات والأرض, فكانوا يتسارعون إلى هذا، كما فعل حذيفة في الليلة الظلماء عند أهل الأحزاب، وضمن له ﷺ الجنة. وكما حرس بلال بن رباح المسلمين في غزوة من الغزوات فقال له ﷺ : يا بلال! ارمق لنا فجر هذه الليلة، فقام بلال فرمق من أول الليل, فلما قرب الفجر صلى الليل ما شاء الله، ثم جلس برمحه عند الناقة، فاعتمد عليها فنام، فلما نام جاء الفجر, ثم طلعت الشمس حتى أصاب الناس حر الشمس, فاستيقظ عمر ﵁ أول الناس، فاستحيا عمر أن يذهب إلى رسول الله ﷺ ويقول: قم صل، ومن عمر حتى يوقظ رسول الله ﷺ ؟! وله ذلك فإنها من المصالح والفوائد لكنه استحيا. فأتى بجانب أذن الرسول ﵊، وقال: الله أكبر، الله أكبر، فاستيقظ ﵊ وقد استيقظ أكثر الناس وأصابهم من الخوف ما الله به عليم, تذكروا أنهم ما صلوا, وأن الشمس قد طلعت وارتفعت, فقال ﷺ : لا عليكم، ثم أمرهم أن يقوموا، وقال يا بلال: أين رمقك الفجر هذه الليلة، فقال بلال: أخذ بنفسي يا رسول الله ما أخذ بأنفسكم، فتبسم ﵊. يقول: أنتم وقعتم فيما وقعت أنا فيه, فلماذا تعاتبونني على هذا؟ فصلّى ﵊ فصلوا، والشاهد أن الرسول ﵊ كان يجعل حارساً من الصحابة في الغزو وفي الأسفار لفوائد: ١ - أن يوقظ المصلي والموتر في الليل. ٢ - أن يخبر الناس بهجوم طارئ على جيشهم وعلى متاعهم وعلى أهلهم. ٣ - تدريب الرسول ﵊ أصحابه على هذا العمل الجهادي الشاق. ٤ - أن يجعل أجوراً لأهل هذه الأعمال ليتباروا في عمل الآخرة وليتقدموا عند الله. قال عمار بن ياسر: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، قال: فلما أمسينا ذات ليلة، قال: من يحرسنا هذه الليلة؟ فسكتنا، فقال: ليقم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، قال: فقمت، وقام عباد بن بشر ﵁ وعن عمار , الشاب الصادق الذي قتل يوم صفين ضرب على وجهه حتى سقط لحم وجهه من كثرة السيوف, ولما رآه الصحابة قالوا: نشهد أنك عند الله من الشهداء. فبدأ عباد بالحراسة ثم قام يصلي, فبدأ يقرأ في سورة الكهف، فأخذ الأعداء ينظرون إليه وهو حارس يقرأ في الليل, وهم لا يعرفون الصلاة ولا القراءة فأخذوا يرمونه بالسهام, وما أراد أن يقطع القراءة، فأخذ كلما انغمس السهم في جسمه يخرجه وينزله في الأرض, ويستمر في القراءة، وكلما أتى السهم الآخر أخرجه ودماؤه تنصب من جسمه, وأتى السهم الآخر ويخرجه, فلما غلبته الدماء خفف في الصلاة, وقام وزحف إلى عمار، وقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أقتل فتفتح ثغرة على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين ما ختمت هذه الصلاة حتى أتم سورة الكهف، فقال عمار: رحمك الله، ألا كنت أيقظتني؟! فأخبره، فقام عمار ﵁ وأدركوا هذا, فأيقظوا الرسول ﵊، وهذا يوضح لنا كيفية حراسة الصحابة للرسول ﵊ وللمسلمين. وكان حارسه ﵊ ربما حرسه عند باب بيته قبل أن ينزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] يقول أنس: رجعنا مع رسول الله ﷺ من خيبر فلما اقتربنا من المدينة دخل ﷺ بيتاً له -أي خيمة- قال: فسمعته بالليل يقول: ﴿ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة﴾ قال: فأتى سعد بن أبي وقاص فسمع من بعض الناس أن الرسول ﵊ يقول: ﴿ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة﴾ فتوضأ سعد بن أبي وقاص ولبس سلاحه وأخذ سيفه ووقف عند باب الخيمة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، فلما عَلِم ﷺ بـ سعد قال: ﴿اللهم اغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر﴾ فكان من الحراس الصادقين. أفضل أيام أبي عبيدة: قيل لـ أبي عبيدة -وقد مر معنا هذا- أي يوم من أيامك أنت عند الله؟ وأي ليالٍ من لياليك أحسن عند الله؟ قال: ليلة واحدة من ليالي اليرموك، قالوا ما هي؟ قال: كنت أمير الجيش فقمت وسط الليل وقد نام الناس جميعاً، وكان ذاك اليوم مطيراً، والناس في نومة ما أحسن للمقاتل والمسافر منها، فأيقظت امرأتي وقلت: أتريدين ليلة من ليالي الجنة؟ قالت: بلى، قلت: قومي معي نحرس الناس، فقام يدور هو وامرأته في المخيم كلما رأوا إنساناً قد خرج لحافه من عليه ردوا اللحاف وألحفوه حتى أصبح الصباح، فهي من الليالي الخالدة التي يتقدم بها أبو عبيدة وكأنه ما عنده من الليالي إلا هذه الليلة، وكل لياليه لله .

стр. 6724

الدرس التاسع: الالتفات في الصلاة للحاجة وقد مر في القصة لكننا أسلفنا هذا الحدث وتركناه, فإن الرسول ﵊ لما أرسل ابن أبي حدرد وقيل أنيس بن أبي مرثد أخذ ﷺ يصلي الفجر وهو يلتفت هكذا في الشعب لينظر هل يأتيه الخبر أو لا ويخفف الصلاة. قال أهل العلم: للمسلم إذا كانت حاجة أن يلتفت ولكن لا يجعلها عادة, فالرسول ﵊ فتح الباب وهو في الصلاة، وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة، وتناول بعض الأمور وهو في الصلاة، والتفت هنا إلى طليعة القوم للحاجة, وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند حسن عن سهل بن الحنظلية، قال: أرسل ﷺ يوم حنين طليعة القوم، فأخذ يلتفت إليه في الصلاة وينظر إليه بين شقق الشعب أو كما قال.

стр. 6725

الدرس العاشر: الفوز بالجنة للحارس في سبيل الله أتى الذي حرس المسلمين تلك الليلة قال له ﷺ : ﴿متى نمت؟ قال: في صلاة الفجر، قال: اذهب فقد أوجبت، ما عليك ما عملت بعدها﴾ رواه النسائي ويقول ابن كثير: ورواه أبو داود. وهذا ليس معناه فتح باب الرجاء له ليعمل بالمعاصي؛ لأنه يعلم ﷺ أن هذا العبد أتقى لله أن يغتر بهذا الكلام, بل جعل له ضماناً وبشارة أن يدخله الله الجنة، قال: ﴿اذهب فقد أوجبت ما عليك ما عملت بعدها﴾ وهذا من باب قوله ﷺ : ﴿إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾.

стр. 6726

الدرس الحادي عشر: رفع الصوت للحاجة الرسول ﵊ ذم رفع الصوت لغير الحاجة؛ لأن الله يقول: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فأما رفع الصوت للحاجة فلا بأس به. قال البخاري في كتاب العلم: باب من رفع صوته بالعلم، ثم أتى بحديث ابن عمرو: ﴿أن الرسول ﵊ رفع صوته وقال: ويل للأعقاب من النار﴾ فهنا رفع ﷺ صوته ينادي في الناس، وقال للعباس: ارفع صوتك وناد في الناس، فأخذ يقول: (يا أهل سورة البقرة, يا من بايع النبي ﷺ تحت الشجرة) حتى يأتون.

стр. 6727

الدرس الثاني عشر: فضل أبي سفيان بن الحارث ﵁ وهو أبو سفيان بن الحارث ليس أبا سفيان بن حرب , فـ أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ ، والرسول ﵊ كان له أعمام عشرة منهم الحارث ابنه أبو سفيان هذا، وما أسلم إلا قبل الفتح بأيام, سمع أن الرسول ﵊ سوف يقدم فاتحاً لـ مكة , وعلم أنه أساء مع الرسول ﵊ في المقاتلة وأساء في المهاجاة؛ لأن أبا سفيان كان شاعراً يرسل القصائد يهجو بها رسول الله ﷺ والمسلمين، فلما علم أن الرسول ﵊ سوف يقدم مكة فاتحاً أخذ أطفاله، وكانوا صغاراً كأنهم فراخ الطير من البنات ومن الأبناء, وخرج بهم من مكة ولقيهم علي بن أبي طالب دون مكة بين عسفان ومكة في طريق رحب في شعب من الشعاب. فقال علي ابن عمه: إلى أين يا أبا سفيان؟ قال: يا علي قاتلنا محمداً وآذيناه وشتمناه وطردناه وأخرجناه؛ سوف أخرج بأطفالي هؤلاء وأموت جوعاً وعرياً وعطشاً في الصحراء, والله لئن قدر علي ليقطعني بالسيف إرباً إرباً. فقال علي بن أبي طالب: أخطأت يا أبا سفيان! إنك لا تعرف رسول الله ﷺ ، فهو أحلم الناس وأكرمهم وأرحمهم، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] لأنهم إخوان وأبناء عم، فأتى أبو سفيان بأطفاله يقودهم بأيديهم, فلما وقف عند خيمة أم سلمة وكان الرسول ﷺ داخل الخيمة، قال: ائذنوا لي أدخل على رسول الله ﷺ ، قال الرسول ﷺ : من في الباب؟ قالوا: يا رسول الله أبو سفيان بن الحارث، قال: لا يدخل علي، لأنه أساء كل الإساءة ما ترك أمراً إلا وكاد به رسول الله ﷺ ، فأخذت أم سلمة تبكي وتقول: يا رسول الله! لا يكون ابن عمك وقريبك أشقى الناس بك، وأخذت تناشده الله ، قال: أدخلوه علي، فدخل. فقال: السلام عليك يا رسول الله، أمَّا بَعْد: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] قاتلناك يا رسول الله وآذيناك وأخرجناك والله لا أدع موقفاً قاتلتك فيه إلا قاتلت فيه معك، ولا نفقة أنفقتها في حربك إلا أنفقتها معك، ثم أخذ يعدد، فرفع ﷺ طرفه وعيناه تنزل الدموع، قال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] فقال: يا رسول الله! اسمع مني، قال: قل، قال: لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد لك المدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني يوم أهدى وأهتدي هداني إلى الرحمن ربي وقادني إلى الله من طردت كل مطردِ فقام ﵊ فعانقه وضرب على صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد، فأخذ يخدم محمداً ﷺ ، لا يرتحل مرتحلاً إلا قام وحزم له متاعه وشد له رحله، وأخذ ببغلته يقودها, فهو قائد البغلة يوم حنين اليوم الأكبر من أيام الله, يوم ثبت رسول الهدى ﷺ ونزل يقارع الأبطال وهو يقول: ﴿أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب﴾.

стр. 6728

الدرس الثالث عشر: تفاوت الناس في الإيمان وفي هذا رد على أهل الإرجاء، فإنه لا يستوي من أسلم من قبل الفتح وقاتل وأنفق مع الذين أسلموا من بعد وقاتلوا، لأن الإسلام درجات, فنسأل الله من الإيمان أسعده, ومن العيش أرغده, ومن اليقين أعلاه, ومن الإيمان منتهاه, ولا يزال العبد بين الليلة والليلة يزيد إيمانه بالذكر وبالعمل الصالح وبالطاعة حتى يلقى الله وهو بالدرجات العلية من الإيمان, ولا يزال الإيمان ينقص بالمعاصي وبالمخالفات وبكثرة الهروب عن الله حتى يتردى, نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 6729

الدرس الرابع عشر: تنفيل السلب للقاتل وهذا حديث كذلك قد مر في القصة، يقول أبو قتادة أحد الأنصار: يوم التقينا يوم حنين رأيت رجلاً من المسلمين يتصارع مع رجل من المشركين وقد التزمه، قال: فرفعت سيفي فضربت المشرك، فترك ذاك وأتى إلي واحتضنني حتى وجدت منه برد الموت ثم ألقاني ومات، فقال ﵊: لك سلبه. وفي هذا الحديث -أيضاً- جواز مقاتلة النساء عند أمر الفتنة مع الرجال في صف المسلمين, وقد أورد ابن كثير بأسانيد صحيحة: أن أم سليم قاتلت مع الرسول ﷺ يوم حنين. وأم سليم هي أم أنس بن مالك التي أهدت ابنها إلى رسول الله ﷺ ، وقالت: أنس يخدمك يا رسول الله فادع الله له، فدعا له. وأم سليم هي التي يقول عنها ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء في الجنة﴾. حضرت المعركة وكانت عندها خنجر في وسطها, فأخذ زوجها أبو طلحة يداعبها ويمازحها ويقول: ماذا تفعلين بهذا الخنجر؟ قالت: إذا تقدم مني كافر بعجت بطنه بهذا الخنجر، فسمع ﷺ مقالتها فتبسم ثم دعا لها. فأقر ﷺ المرأة على أن تشارك في الحرب عند الحاجة, أما إذا كان هناك فتنة أو مغبة اختلاط، فلا ينبغي أن تشارك المرأة إلا إذا احتيج إليها، وشأن المرأة في القتال مداواة الجرحى والقيام على الأسرى وتقريب الماء والخدمات للمقاتلين. وفي هذا الحديث: ﴿ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين﴾ يقول أحد المسلمين: لما التقينا يوم حنين رأيت كافراً من هوازن يفتك بالمسلمين فتكاً ويقتل فيهم قتلاً، قلت: لله علي نذر إن أمكنني الله منه أن أقتله، قال: فلما انهزموا وأصبحوا في ذمة رسول الله ﷺ تقدموا يبايعونه على الإسلام, فتقدمت لأسبق هذا الرجل قبل أن يبايع الرسول ﵊ لأقتله, فسبقني حتى وقف أمام الرسول ﵊, وعلم ﷺ أني نذرت, فأراد أن يترك لي الفرصة حتى أقتله. قال: فانتظر فما فعلت، قال: فأسلم الرجل فولى. قلت: يا رسول الله أريد قتله فإني نذرت، قال: أما رأيتني تأخرت عن قبول إسلامه؟ فلماذا لم تومئ لي يا رسول الله بعينك، قال: ﴿ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين﴾ لأن خائنة الأعين أو الغمض من شيم أهل الخيانة والخداع والمكر والنفاق, أما الرسول ﵊ فإنه صادق واضح مخلص لا يريد التواءً في عقيدته ولا في سيرته ولا في معاملته للناس ﵊.

стр. 6730

الدرس الخامس عشر: ذكر الرجل نفسه عند اللقاء ببعض مناقبه عندما يذكر الرجل نفسه ببعض مناقبه عند اللقاء فإن هذا لا ينقص من أجره ولا من مثوبته شيئاً, فإن الرسول ﵊ لما رأى الكتائب تتدفق عليه مثل الجبال, قال: ﴿أنا ابن العواتك﴾ وقال: ﴿أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب﴾. وانتسب لجده لشهرته في العرب, فهذا لا يثلم في الأجر ولا ينقص في المثوبة، ولذلك يقول أحد الصحابة: التقينا مع الكفار فخرج غلام من الأنصار فرمى كافراً وقال: خذها وأنا الغلام الأنصاري, فأخبروا الرسول ﵊، فقال: وما عليه أن يؤجر ويحمد أي: فهو مأجور ومحمود، ولذلك كان كبار الصحابة إذا بارزوا الأبطال أنشدوا فخراً ورفعاً للمعنوية وحماساً وإبداءً للشجاعة. قال أهل السير ومنهم ابن كثير وابن هشام، التقى مرحب مع علي فنزل مرحب يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فنزل له علي وقال: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أكيلكم بالسيف كيل السندره وخرج سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه وهو لابس سلاحه في غزوة من الغزوات من يقول: لبث قليلاً يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل وهكذا ابن رواحة أنشد في المعركة رضوان الله عليهم جميعاً، فكان شعارهم أن يتقدموا بهذا، وهي سنة عند العرب، يقول الأحنف بن قيس وقد كان يقاتل في سجستان وهو الذي فتح الطريق إلى كابل قبل الجراح بن عبد الله الحكمي، يقول: عهد أبي حفص الذي تبقى أن يخضب الصعدة أو تندقا

стр. 6731

الدرس السادس عشر: شجاعته النادرة ﷺ فأشجع الناس وأكرمهم وأحلمهم الرسول ﷺ , انظروا إلى شجاعة أبي الحسن علي بن أبي طالب يقول: كنا إذا حمي الوطيس واشتد الهول اتقينا برسول الله ﷺ فيكون أقربنا إلى القوم. يتقون وهم الشجعان بالرسول ﷺ من ضرب السيوف ووقع السهام وطعن الرماح, فيكون هو أقربهم إلى القوم، وما فر في المعركة ولا خطوة واحدة.

стр. 6732

الدرس السابع عشر: مناداة الناس بمناقبهم شرف لهم يقول أهل السير: إذا خطبت قوماً فاذكر مناقبهم ومحامدهم، وذكرهم بأيام الله, فإن الرسول ﵊ يقول: ﴿يا بني عبد الله -قبيلة من قبائل العرب- إن الله أحسن اسم أبيكم فأحسنوا سيرتكم﴾ فالرسول ﵊ أمر العباس أن يقول: يا معشر الأنصار، ثم قال: يا أصحاب الشجرة، يناديهم بذاك اليوم المشهود، يا من أنزلت عليهم سورة البقرة, يناديهم بهذه المنقبة, فللمسلم أن يتحف إخوانه والقوم الذين يدعوهم بمناقبهم ومآثرهم ليكون أشد إقبالاً لهم, وهذا من ذكر المناقب في مجال الدعوة إلى الله .

стр. 6733

الدرس الثامن عشر: ضرب الأمثال كان الرسول ﵊ يضرب الأمثال للناس ومثاله قوله ﷺ : ﴿الآن حمي الوطيس﴾ وهو أول من تمثل به كما قال أهل السير، وكان ﵊ يضرب الأمثال للناس كما ذكر أمثالاً في القرآن يضربها في العقيدة والعبادة والسلوك. ﴿جاء رجل أعرابي إلى الرسول ﵊، فقال: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فقام الصحابة عليه، فأسكتهم ﷺ ثم أعطاه، فلما انتهى من إعطائه، قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم أحسنت وأجملت جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فذهب أمام الصحابة، فقال: هل أحسنت إليك؟ قال: لا، فأرادوا أن يهموا به فعاد ﷺ فزاده فدعا له الأعرابي، فقال: أخبر أصحابي بهذا ليزول ما في نفوسهم، فقال هذا أمامهم. فقال ﵊: أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الإعرابي؟ قالوا: لا، قال: مثلنا كرجل كانت عنده دابة فرت منه فأخذ الناس يلاحقونها فما زادوها إلا فراراً. فقال: يا أيها الناس دعوني ودابتي, فأخذ شيئاً من خشاش الأرض -أي: من خضرة الأرض- فلوح لها به فأقبلت إليه حتى قادها، فلو تركتكم وهذا الإعرابي لفر ثم ارتد ثم دخل النار﴾.

стр. 6734

الدرس التاسع عشر: الإلحاح في الدعاء وقت الأزمات يقول جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] قال ابن القيم: "سُئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ لماذا ذكر الله الدعاء والذكر وقت الأزمات ووقت التحام الصفوف؟ قال ابن تيمية: من عادات العرب والناس ذكر محبوبيهم وقت الأزمات؛ فأراد الله أن يخبرهم أن أحب محبوب عندهم هو الله, فليذكروه في تلك الأزمة أو الضائقة، ثم قال ابن تيمية أما سمعت قول عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي فذكرها في تلك اللحظة، فالمؤمنون ذكَّرهم الله أن يذكروه وقت الأزمات, وأحسن الدعاء ما سر صاحبه إليه, وهو وقت الضائقة التي تحل به لأنه يخلص في الدعاء ويلتجئ إلى الحي القيوم، فالرسول ﵊ لما رأى الكتائب قال: ﴿اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك الذي وعدتني﴾ أو كما قال ﷺ .

стр. 6735

الدرس العشرون: معجزته ﷺ في حصبه وجوه الكفار بالتراب ومعجزاته كثيرة، منها هذا الأمر قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] حفنة من التراب قليلة تغطي اثني عشر ألفاً من المقاتلين، فما يبقى أحد وهم صفوف وراء صفوف وكتائب وراء كتاب إلا تدخل في عينه؛ إنها معجزة من المعجزات التي حفظها التاريخ لرسولنا ﷺ . ومن المعجزات أيضاً: حماية الله لرسوله ﷺ من القتل؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] يقول بلغ الرسالة ولا تخف من الاغتيال فإنك لن تغتال أبداً، قد تعرض ﵊ لإحدى عشرة مرة محاولة اغتيال ولكنه ينجو منها بإذن الله, وعلم بأن الله يحميه، ولا يستطيع له أحد من الناس فقد عصمه الله. ومنها: عدم فراره ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤]. ومنها: عفوه وصفحه ﵊ عن شيبة بن عثمان الذي أراد اغتياله, وعن أبي سفيان , وعن مالك بن عوف النصري , فإنه عفا وصفح، ومن أعظم صفاته ﷺ العفو والصفح, ولذلك ذكره الله بهذه الصفات وأثنى عليه ومدحه بهذه المنقبات والمكرمات.

стр. 6736

الدرس الحادي والعشرون: آداب في الحروب ومنها: النهي عن قتل المرأة والوليد والخادم؛ فإن الرسول ﵊ نادى الأبطال والقواد في كتائبه ومن ضمنهم خالد وقال لهم: ﴿لا تقتلوا امرأة ولا وليداً ولا عسيفاً﴾ والعسيف: الخادم. ومنها: قتل دريد بن الصمة الشاعر الذي سلف في أول القصة، وكان كبيراً في السن شيخاً وقال لـ مالك النصري: عد بإبلك وبقرك وغنمك، وأمر قومه أن ينزلوا بالسلاح فقط, فعصوه فانهزموا فقال: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد ولما فر مع الناس لحقه رجل سلمي اسمه ربيعة بن رفيع قال: فأدركته فظننته امرأة، فأنزلته من على فرسه فرأيت شيخاً يفهق من كبر السن، فضربته بالسيف. قال: ويل لك، ما ولدتك أمك مقاتلاً، خذ هذا السيف ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كنت كذلك أضرب الأبطال. قال: فأخذت سيفه فلما أردت قتله، قال: إذا ذهبت فمن أنت؟ قلت: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. قال: أخبر أمك باسمي, أنا دريد بن الصمة فكم أعتقت لك من أم، قال: فذبحته فلما أتيت إلى أمي. قالت: فضيحة لك بقية اليوم، أعتقني وأعتق عماتك الثلاث, وأطعمنا من جوع فقتلته. قال: يذوق نار جهنم لأنه مشرك. ومنها: اشتشهاد أبي عامر الأشعري في أوطاس فإنه حضر المعركة ﵁ وأرضاه وضربه مشرك في ركبته بعد أن قتل تسعة من أبطال المشركين, ووقف له العاشر فضربه في ركبته فخرج منها الماء فمات، فقال لابن أخيه أبي موسى: اذهب إلى رسول ﷺ وبلغه مني السلام وقل له: يدعو لي. قال أبو موسى: فأتيت إلى رسول الله ﷺ فوجدته في غرفة ضيقة قد أثر الحصير في جنبه، فقلت: يا رسول الله! قتل عمي أبو عامر الأشعري وهو يبلغك السلام ويقول: ادع له. فقام ﵊ إلى ماء فتوضأ ثم استقبل القبلة، فقال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم اجعله من ساكني الجنة, وارفعه على كثير ممن خلقت وفضله عليهم تفضيلاً، قال أبو موسى: فلما سمعت هذا الدعاء وقفت بجانبه ﷺ فقلت: وأنا يا رسول الله، لأنها فرصة لا تتعوض. فقال ﷺ وهو يتبسم رافعاً يديه إلى القبلة: واغفر لـ أبي موسى وأكرم نزله ووسع مدخله. فكان الرسول والمرسل ظافرين بدعاء الرسول ﵊. ومنها: تأليف الناس بالمال: فإن الرسول ﷺ ألف هؤلاء لا لحب فيهم ولا لإيمانهم ولا لجهادهم، لكن ليدخلوا في دين الله أفواجاً, فإنهم ما دخلوا إلا بالنوق الحمر وبالمال, فللمسلم أن يتألف بعض الناس بشيء من الهدية إذا دعاه, أو بالمال أو بالوليمة، فإن من عباد الله من لا يدخل الجنة إلا بالولائم.

стр. 6737

الدرس الثاني والعشرون: مع الأنصار ومنها: مكانة الأنصار وفضلهم وأنهم من أفضل عباد الله, وأن من علامة الإيمان حب الأنصار, ومن علامة النفاق بغض الأنصار، فحبهم عروة وثقى عند الله، وبغضهم نفاق وريبة وشك نعوذ بالله من بغضهم، ونشهد الله على حبهم, ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم، وفي ذلك يقول لهم ﷺ في آخر خطبته: ﴿يا معشر الأنصار إنكم سوف تلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ معنى الكلام: أن الناس سوف يستأثرون عليكم بالدنيا، فاصبروا على الفقر والخصاصة وعلى الأثرة حتى تلقوني على الحوض المورود, والذي طوله شهر وعرضه شهر وعدد آنيته كنجوم السماء, من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. قال أنس وهو يبكي وهو يقص الحديث: [[قال لنا نصبر فوالله ما صبرنا]]. وقام معاوية بن أبي سفيان يتكلم في الأنصار ﵁ وأرضاه في الشام فاعترضوا عليه فسكت عنهم فما أجابهم. فقال أحدهم: -أظنه أبا سعيد أو عبادة بن الصامت - إن الرسول ﵊ قال: إنا نلقى بعده أثرة, قال: فما قال لكم رسول الله ﵊؟ قال: قال لنا: اصبروا, قال معاوية: فاصبروا إذاً، قالوا: نصبر ونستعين بالله أو كما قالوا.

стр. 6738

الدرس الثالث والعشرون: الحذر من الاغترار بالدنيا إن الدنيا حلوة خضرة, والمال لا يعطى لفضل الإنسان، وإذا أغدق الله على إنسان مالاً فليس ذلك لعظم منزلته في الإسلام, لكن يبتلي بالغنى والفقر, فكم من تقي لا يملك عشاء ليلة، وكم من فاجر يتمتع بقصور من الذهب والفضة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. انتهى هذا الحدث التاريخي الذي رواه لنا الإمام البخاري فشكر الله له سعيه، وأجزل مثوبته، وتغمده الله برحمته، وجمعنا الله وإياكم كما اجتمعنا في هذا المكان في مستقر رحمته عند مليك مقتدر: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]. أسأل الله أن ينضر وجوهنا ووجوهكم بسماع حديثه ﷺ , وأن يتحف قلوبنا بالحكمة, وأن يفقهنا في الدين, وأن يزيدنا علماً وتوفيقاً وفقهاً ورشداً وهداية.

стр. 6739

التوحيد بدأ المؤلف بطرح طرق إثبات التوحيد عند أهل السنة والجماعة، ثم ذكر أسباب عدم إدراك التوحيد الخالص، وعرض بعض خرافات الصوفية الذين أشركوا مع الله ﵎. وبين أن القرآن بقصصه وأحكامه وأمثاله توحيد لله ، وقد تحدى الله جميع البشر بأن يخلقوا كخلقه. واستعرض أساليب القرآن في تعليم التوحيد للناس، وطريقة القرآن في عرض الآيات، وبين أثر المسلمين في الساحة، وأن ضعفهم وقوتهم أمام عدوهم بحسب توحيدهم لله تعالى، وأن قوة الكفر ليست أمام الموحدين إلا كما قال الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) [العنكبوت:٤١].

стр. 6740

أهمية التوحيد الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فعنوان هذه المحاضرة "التوحيد"، ونحن بحاجة إلى أن نتكلم عن التوحيد دائماً، ونسمع الحديث دائماً, وقد تطور الشرك في هذا العصر؛ فجدير بالمؤمن أن يطور أساليب عرض التوحيد للناس, فيتكلم لهم دائماً عن هذه القضايا كما تكلم القرآن.

стр. 6741

طرق إثبات التوحيد عند أهل السنة والجماعة ويثبت التوحيد عند أهل السنة بثلاث طرق: الفطرة, وآيات الله الكونية, وآيات الله الشرعية. أما الفطرة: فالله فطر الناس على التوحيد, فكل مولود يولد على الإسلام, وكل مولود يقع رأسه على الأرض من بطن أمه إنما يقع على لا إله إلا الله, قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] فالإنسان أخذ الله عليه الميثاق؛ أن يكون موحداً مسلماً مؤمناً؛ فيسقط من بطن أمه على هذا التوحيد. ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه, فيبدأ الشرك بعد الميلاد, وتبدأ الدراسات الشركية والتأثير الوثني على الإنسان وهو في الأصل موحد بعد أن تأتي به أمه. وسوف أستعرض -إن شاء الله- معكم آيات القرآن عن التوحيد، بخلاف التبويب الذي يسلكه بعض المؤلفين، لنرى كيف عرض القرآن التوحيد. الطريق الثاني من عرض التوحيد: طريق الآيات الكونية. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد السموات الأرض الجبال الوهاد الماء الهواء الضياء كلها تدل على الله, وتشهد أن لا إله إلا الله, وتلقنك درساً من دروس العقيدة التي لا تنساها، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] ما لهم لا ينظرون؟! وما لهم لا يؤمنون؟! وما لهم لا يتدبرون؟! كل الكائنات تدل على الله, والله جعلها دليلاً أصلياً في القرآن، وسوف أستعرضها معكم. الطريق الثالث: طريق الآيات الشرعية في القرآن الكريم، فيعرض التوحيد في القرآن، بل القرآن كله توحيد, حتى القصص والأمثال والأحكام تختم بالتوحيد أو تبدأ بالتوحيد. وإنما طرقت هذا الموضوع وقد يقول قائل: أتتحدث عن التوحيد وليس أمامك إلا موحد؟! فأقول: إن غبش التصورات في العالم الإسلامي أوجب على الداعية والمتكلم وطالب العلم أن يكرر هذا الموضوع وأن يوضحه للناس.

стр. 6742

أسباب عدم إدراك التوحيد الخالص والمسلمون اليوم مليار، لكن قليل منهم من يعرف التوحيد, فهم يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويعتمرون, ولكن في تصوراتهم غبش, ولا يعرفون التوحيد الخالص, فإن الناس أحد ثلاثة أشخاص: ١ - إما مسلم معه هوية، ولكنه مغزو في فطرته وعقله من الغرب والشرق, فهو ممسوخ, قد يصلي لكن لا يتصور هذا التوحيد التوكل الخوف الرجاء الرغبة الرهبة فهو غربي من داخله، وفي ظاهره مسلم يتكلم بلا إله إلا الله لكنها في قلبه ميتة، ما تصور أثرها، ولا عرف مقدارها، وما أدرك منزلتها. ٢ - أو رجل جاهل في البادية يصلي ويصوم، لكن أدنى ذرة تقدح في توحيده, يذهب إلى الكاهن أو الساحر أو المشعوذ، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ أي: خرج من الملة, وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾. وأنا أعرف -وقد رأيت- أن هذا الشرك في القرى والبوادي متأصل منتشر، ومع ذلك يدعون أنهم موحدون ويصلون ويصومون، فما ينفعهم ذلك. ٣ - أو شيخ من مشايخ الصوفية الطرقية، الذين وقفوا للناس في الزوايا بالمرصاد, فهم أعداء التوحيد, معهم عمائم مكورة، ومسابح طويلة، ورقع مرقعة, ويقولون: أنتم تتعلمون من عبد الرزاق، وتقولون حدثنا عبد الرزاق، ونحن نأخذ علمنا مباشرة من الرزاق: حدثني قلبي عن ربي وذلك كذب! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. وهم أشبه بأحبار ورهبان بني إسرائيل، صدوا عن منهج الله, لا يعرفون التوحيد؛ يجعل أحدهم يده مثل الحجر الأسود، فيمد يده للجماهير يقبلونه ويقدسونه ويتمسحون به، ويأخذون ماءً من آثار وضوئه, ويقولون: شافِ مرضانا، ويعبدونهم ليقربوهم من الله زلفى, مثل اللات والعزى وهبل ومناة الثالثة الأخرى تماماً، فيصدون الجماهير عن منهج الله. وأنا أعرف أن في المسجد من ينقل هذا الكلام, وأنا في هذا اليوم وأنا صائم أحمله أمانة أن ينقل هذا الكلام إلى مشايخ الطرقية وإلى الصوفية ليخبرهم أنهم على ضلال, إن لم يخلصوا توحيد الباري .

стр. 6743

من أدلة التوحيد في القرآن لكن اسمحوا لي أن أستعرض أدلة القرآن، وفيها ما يقرب من مائة آية صحيحة في هذا المبدأ, ولو أن بعض العلماء يقول: ثلاثة أرباع القرآن توحيد, وبعضهم يقول: كل القرآن توحيد, وهذا صحيح. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. يا محمد! قل للناس يا محمد! قل للبشرية: الله أحد, كيف تدرك العقول أن الله أحد ولا تعبد أحداً غيره؟ لأن الجاهلية القديمة تعبد الأصنام والأوثان، والمانوية تعبد الليل والنهار, وبعضهم الضياء والظلمة, وبعضهم النار والنور, فأتى ﷺ يقول: الله أحد, فمبدؤه: الله أحد. وعلَّمها أصحابه، ولقنها ﷺ بلالاً في قلبه، فيسحبونه في الرمضاء، فيقول: أحد أحد, ويضربونه فيقول: أحد أحد. فمتى نعرف نحن هذه الجملة؟ إنها هي التي إذا ملكناها دمرت كل شيء بإذن ربها، فنكون على عقيدة خالصة. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فليس له شريك, والجاهلية العصرية العلمانية الآن تتخذ إلهاً من دون الله، فهم لا يعبدون الأصنام والأوثان, لكن لهم أصناماً وأوثاناً أخرى, ولهم أسياد يعبدونهم, ولهم أوثان من البشر, ولهم شركيات أعظم من شركيات الجاهلية, فالعلم عند العلمانية طاغوت مثل الصنم، يعبد من دون الله, لأنهم فصلوا العلم عن الإيمان. والرسول ﵊ أتى بالعلم والإيمان كما في الصحيحين: ﴿مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ والله يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦]. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] الذي تصمد إليه الكائنات: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٢ - ٤] فهذه السورة ردت على ثلاث طوائف, على اليهود والنصارى والمشركين, وهذه السورة تعدل ثلث القرآن، وهي حبيبة إلى قلوب الموحدين يحبونها ويفهمونها. وبعض الناس من المسلمين مشرك، تجده يقرأ قل هو الله أحد ولا يفهمها, فغلاة الصوفية، وأهل البدع المنحرفين الضالين يقرءونها ولا يفهمون معناها. وأحد الصحابة كان -كما في الصحيح- يقرؤها في كل ركعة, فشكوه إلى الرسول ﵊ قال: سلوه: ما له يقرؤها؟ قال: لأن فيها صفة الرحمن وأنا أحب الرحمن, قال ﵊: ﴿حبك إياها أدخلك الجنة﴾ وهذه السورة حبيبة عند المؤمنين، قال سبحانه عن الكفار وعن مفترياتهم وأطروحاتهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥]. وفي سنن أبي داود أن حصين بن عبيد وفد إلى الرسول ﷺ -والحديث صحيح- فقال: ﴿كم تعبد يا حصين؟ قال: أعبد سبعة, قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء, قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾ سبحانه!! هو الذي ينفع ويضر, ولا يكشف السوء والبلوى إلا هو, يعرفها الإنسان حتى المشرك إذا أتته الأزمات, قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢]. الذين يذهبون إلى قبر أحمد البدوي وزينب، وإلى قبر عبد القادر الجيلاني، وإلى ضريح إقبال محمد علي جنة وأمثالهم في العالم الإسلامي ويتوسلون، هؤلاء مشركون, قالوا: ما نعبدهم إلا حباً، وقبر الحسين، الذي يطوفون به هذا من الشرك الذي لا يختلف فيه, ولا نقول ذلك من أنفسنا لكن من مفهوم الكتاب والسنة أنه شرك, فالجاهل يعرف أن الصنم لا ينفعه ولا يضره، قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. والكفار يقولون لما قال ﵊: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥]. ويقول سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] ولو كان في الدنيا وفي المعمورة إله آخر مع الله لفسدت, لأن هذا يأمر بشيء وهذا يخالفه, وهذا ينهى عن شيء وهذا يخالفه, فالفطر تقول: لا يستوي إلهان اثنان في العالم, بل لا بد من انفراد إله واحد وهو الله، وهو السر الذي تكلم عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كلٌ يقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ [الأعراف:٥٩]. يقول : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي بن حاتم والحديث صحيح: ﴿يا رسول الله! ما نعبدهم -يقول: لا نسجد لهم ولا نصلي- قال: أليس يحلون الحرام فتحلونه ويحرمون الحلال فتحرمونه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم﴾. إذا اتخذ الإنسان شيخاً، يدله على التحريم والتحليل بدون دليل، ويتقرب إليه، ويقبل يديه من باب التقديس على أنه ينفع ويضر ويشافي ويعافي, بل بعضهم أجلس معه في الحرم هنا وأسألهم عن مشايخهم, وكيف نفعهم وتأثيرهم في العالم؟ بعضهم يقول: أسباب نصر المجاهدين بركة الشيخ, والشيخ في زاوية بينه وبين الجهاد ألفي كيلو متر, وبعضهم يقول: إذا دعا الشيخ أو إذا مسحنا يد الشيخ نزل المطر, وكانت ابنتي مريضة فمسها الشيخ فتشافت بلا علاج, وهذا أكبر شرك في العالم, وهذا يُضحك منه الخواجات الحمر ويقولوا: انظروا إلى الإسلام!! وهناك فيلم في أمريكا يعرض الخرافات الصوفية ويقول: انظر إلى الإسلام, فنقول: الإسلام بريء من هذا، وهذا ليس من الإسلام. أهذا الإسلام؟! أهذا الذي أتى به محمد ﷺ ؟! نبرأ إلى الله اللهم إنا نبرأ إليك من هذه الطرق والشركيات والخرافات التي شتتت العالم الإسلامي. ويقول سبحانه في دليل الإلزام في القرآن في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] وهذا إلزام لأنه ما ترك لك منفذاً فألزمك بهذا المنفذ. فالاحتمالات: أم خلقوا من غير شيء؟ لا. أم هم الخالقون؟ لا. بقي احتمال ثالث أن الله خلقهم, وهذا الإلزام عجيب، وهي طريقة منطقية يسلكونها, يقولون: أنت لست قائماً ولا ماشياً، فما هو الاحتمال الثالث؟ هو أنك جالس. ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فلا خلقوا أنفسهم، ولا خلقوا من غير شيء, فيبقى احتمال ثالث عند العقلاء، وهو أن الله هو الذي خلقهم سبحانه. ويقول الله عن سر من أسرار التوحيد اتصف به وهو خاصية له سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] سبحانه! كل ما سواه يموت إلا هو, وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] لكنه اختص بأنه الحي الذي لا يموت, وبعض أهل العلم يقول: الاسم الأعظم هو الحي القيوم, فهو لا يشترك معه أحد فيه, لأن حياته دائمة ، وقدرته مستمرة: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] وعرف بمفهوم المخالفة من الآية أن من اتخذ من دون الله إلهاً آخر، فإنما اتخذ ميتاً يفنى.

стр. 6744

طريقة القرآن في عرض آيات التوحيد وأنا قلت لكم في بداية المحاضرة: لا أعتمد على التقسيم المنطقي أو تقسيم بعض المؤلفين في كتبهم، بل أعرض التوحيد عرضاً على طريقة القرآن, فالقرآن مرة يُحدثك عن آيات الله في الكون وهو يتكلم لك في التوحيد, ومرة في الحدائق، ومرة في البساتين، ومرة في خلق الناس، ومرة في الحيوانات, وهو يريد أن يحدثك عن التوحيد. ويقول الله سبحانه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] وهذا يسمى عند المفكرين العصريين: تحدٍ سافر. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] اخرج وانظر في الناس، والفواكه، والخضروات، والأحياء، والمخلوقات. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] أروني خلق الأصنام وأروني خلق الأوثان وأروني خلق الطرقية وأروني خلق العلمانية والشيوعية الكافرة, أروني ماذا خلقوا في الكون ولو ذبابة أو بعوضة, فعلم من ذلك أن الله انفرد بالخلق. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] فمن تطوير أساليب تعليم التوحيد أن تأخذ طلبتك من الفصل، وتدخل بهم الحديقة والبستان، وتكلمهم عن التوحيد وأنت في البستان, ولا يكفي فقط أن تشير بالطباشير على السبورة، وهذه قد تكون نافعة في جانب، لكن اخرج بهم, وحدثهم عن الزهور والطل والندى والماء والشجر والحجر. قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوا دي ما الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد لله الكريم لذاته حمداً وليس لواحد إلاكا طريقة القرآن عرض الآيات للناس، وهذه نسيها التعليم والإعلام, فالتعليم الإسلامي نسي هذه الطريقة, وهو أن يؤتى بالشباب والناشئة فيربطون بالكون على أنه آية من خلق الله، ويردهم إلى معرفة الله, فينشأ الشاب متفكراً في آيات الله . يقول الله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] يقول الرازي في هذه الآية: الخطاب موجه إلى الرسول ﷺ , فالله يقول للرسول ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] كيف وهو الذي أتى بالتوحيد؟! كيف وهو الذي علَّم العقيدة الصحيحة؟! كيف وهو الذي أجرى دمه ودموعه وحمل السيف ليرفع لا إله إلا الله؟! ونشرت دين الله يا علم الهدى ورفعته حتى استقام هناكا قال من باب "إياك أعني واسمعي يا جارة" فما دام أنك إذا فعلت ذلك عُذبت وكنت من الخاسرين, فكيف بالأمة؟ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. يا أيها الإخوة! العقيدة في كل البلاد الإسلامية قد تفهم وتحفظ, لكننا نحفظها ونفهمها كما يحفظ الإنسان المسألة الحسابية أو المعادلة الرياضية, نحفظ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ونحفظ كتب العقيدة وفيها: يضحك ربنا ضحكاً يليق بجلاله. وفيها: الله يطلع على الكائنات وخائنة الأعين وما تخفي الصدور. وفيها: الله يعلم الغيب وأخفى، والسر وأخفى, لكن انظر إلى توحيد هذا الحافظ في حياته، ينظر إلى المرأة، ويشرب الكأس، ويتعامل بالربا، ويزني، ويعق والديه، ويقطع رحمه, فأين أثر التوحيد؟! أمن أجل أنه يحفظ كذا ويقول: هذا توحيد أهل السنة والجماعة يعتبر موحداً؟! إن التوحيد اعتقاد، وعمل، ونطق, فإذا نقص أحد هذه الأركان الثلاثة نقص بحسبه, ولما لم يتربَّ الناس على التوحيد والإيمان بقوة أتت هذه المخالفات حتى من رجل قد يحفظ القرآن كله والسنة كلها. ويقول سبحانه وهو يتكلم عن التخلية والتحلية, التخلية من الشرك والتحلية بالتوحيد, وأسلوب القرآن التخلية أولاً، فهو ينسف الساحة من الأوثان، ويدمرها تماماً، ثم يأتي بتقرير التوحيد، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. وهذه تنطبق على من اتخذ من دون الله إلهاً آخر ولو كان صنماً أو شيخاً أو جهة أو لعبة أو حكومة أو كياناً أو مسئولية أو دائرة. فهذه من لمسات التوحيد على القلوب التي يشهدها الإنسان، والتي عرضها القرآن عرضاً كثيراً في غضون آياته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] يجدها المريض، والمبتلى والذي أصيب بكارثة، حتى إن الإنسان يجد قوة التوحيد في بعض الأزمات التي تمر به, وقد رأينا من بعض الشباب أنه ما عرف التوحيد الخالص إلا يوم أصبح على السرير الأبيض في المستشفى, أو أصابه حادث انقلاب بسيارة, أو أصابته كارثة, أو أصابه مرض عضال فالتجأ إلى الله. وقد عرضتُ قبل ثلاث محاضرات قول الشاعر المجرم لأحد السلاطين وهو يمدحه: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فعلمه الله من هو الواحد القهار, ومن هو الذي ينفع ويضر، فأصابه مرض مؤلم فأخذ يعوي على فراشه كالكلب، ويقول: أبعين مفتقر إليك نظرتني وأهنتني وقذفتني من حالقِ لستَ الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق لا إله إلا الله! سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يُعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام:١٧] هذه الأحداث التي تمر بالإنسان إن لم تزده توحيداً فما صلح, وأنتم تعرفون قصة أهل " الله يتجلى في عصر العلم " لما أبحروا، وكانوا أمريكان، ورسبت بهم السفينة، وانقطعت الاتصالات؛ فالتجئوا إلى الله, كل الفطر تعرف الله, وأنقذهم الله فأسلموا, ويقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] هكذا العرض القوي الصادق, وهذه هي الأساليب القوية المؤثرة في الناس: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] المضطر الذي يبلغ بحاجته إلى من يعينه، وفي حاجة من الضرورة الماسة ما بعدها ضرورة, فمن الذي يجيب المضطر؟ إنه الله ، ويتخلى المشركون عن الأوثان والآلهة التي اتخذها الناس وقت الحاجة، ويلتجئ القلب إلى الله ويتخلص من غير الله، فالله يقول: من الذي يجيب المضطر إذا دعاه؟ من الذي يكشف السوء؟ من الذي يجعلكم خلفاء في الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلاً ما تذكرون. إذاً: أنتم ما عندكم ذكر ولا فكر. ويقول سبحانه وهو يعرض آيات التوحيد في الكون: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:٩ - ١١]. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً﴾ [ق:٩]. انظر إلى نزول الماء يعلمك ويلقنك دروساً من التوحيد. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق:٩ - ١٠] لله دره من أسلوب! قال: باسقات، ولم يقل: طويلات, لها طلع ولم يقل: ثمر، قال: نضيد ولم يقل جيد أو طيب، باسقات طلع نضيد، وهي أساليب منتقاة؛ لأن القرآن لا يأخذ الأساليب المبتذلة في السوق. قال الله: فمن ينزل ذلك؟ إنه الله , والنخل فيها مدرسة، والنحل كذلك وكل الكائنات. والعجيب أن الحيوانات تعرف أن الباري هو الله، إلا الإنسان إذا ارتكست فطرته, الهدهد يلقي محاضرة عن التوحيد على سليمان, قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤] لماذا يسجدون للشمس من دون الله؟ قالوا: عرف الهدهد الله، فألقى محاضرة على من عرَّف بالله، وهو سليمان ﵇. ويقول سبحانه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] والظالم هو الذي يضع الشيء في غير موضعه, فالله أمر كل مسلم ألا يدعو إلا الله, وألا يستجير إلا بالله, وألا يستغيث إلا به, وفي الحديث الصحيح عند الترمذي وأحمد: ﴿وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. أمة مسلمة عددها مليار، تقول: لا إله إلا الله، لكن تعال في الطواف تر تمائم معلقة، وحروزاً ومسبحة طولها متران، يقول: هذه فيها ذكر وهو ذكر غير شرعي, من صلاة التراويح إلى صلاة القيام وهو يقول: حي حي حي!! كأنه يطرد غنماً, أو: هو هو هو!! وهذا نباح كلاب, أو: يا لطيف يا لطيف يا لطيف, ودعاء الاسم المجرد لا يكفي، مثلاً: يطرق عليك طارق: يا محمد يا محمد, من علمهم هذا؟ إنهم أولئك الذين جهلوا رسالة الرسول ﵊.

стр. 6745

التوحيد وأثر المسلمين في الساحة فلذلك انظر إلى أثر المسلمين في الساحة، ينهزمون أمام الأعداء, وما كان للموحدين لو كان هناك موحدون أن ينهزموا أمام إسرائيل. فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب إذا تبدت لنا الميراج تقصفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا خالد بن الوليد مع ثلاثين ألفاً أو ما يقارب ذلك, والروم مائتان وثمانون ألفاً فسحقهم؛ لأن خالداً يعرف لا إله إلا الله, ويعرف التوحيد الخالص، ويتصل بالله مباشرة, أن يكون: هذا علماني، وهذا فيه ملعقتان من الشيوعية، وهذا مسلوخ من أصله كأنه فرنسي, وهذا لا يعرف من التوحيد شيئاً, وهذا جاهل لا يعرف شيئاً, وهذا طرقي صوفي لا يعرف التوحيد الخالص، والنسبة التي تعرف التوحيد قليلة جداً. أقولها والوثائق موجودة والأدلة والبراهين. وهذا إبراهيم ﵇ شيخ التوحيد, أستاذ المدرسة الخالدة في فن التوحيد, لا يعرف التوحيد مثله ومثل رسولنا ﵊, وهو أشبه الناس به حتى في الصورة الظاهرة يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] وهو يتحدى الأصنام, تحداها بالقول والفعل, تحداها بالقول ثم أخذ الفأس فكسرها: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] ولا يفعل هذه الأمور إلا الله , والناس يقولون هذا, تقول: من خلق السموات؟ قال: الله. وتقول: من خلق الأرض؟ قال: الله, لكن إذا مرض ابنه إذا به يذهب به إلى المشعوذ والكاهن والساحر وقال: ابني، أو يا شيخ امسح عليه مسحة، أو انظر إليه نظرة. ذهب بعض المبتدعة إلى بعض البلاد الإسلامية فأخذوا يتبركون بالشيخ، ويمسحون بشدة, فلما كثر الزحام أخذوا من بعيد يقولون: الله أكبر ويمسحون ويسلمون! أهذا هو التوحيد؟ أهؤلاء محسوبون على المسلمين؟ إن هؤلاء لم يصلهم التوحيد, عندهم أحكام الحيض والغسل من الجنابة وصلاة الجمعة, لكن التوحيد الخالص لم يصل, وما عرفوه تماماً، وهي مسئوليتكم أنتم يا سفراء المسلمين ويا دعاة المسلمين! ويقول سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] فلا يملك كشف الضر إلا الله، فيتحداهم الله سبحانه، يقول: ادعوا الهيئات، وادعوا المشايخ، وأهل الزوايا، والاتجاهات والأطروحات في الساحة, ادعوا أذناب استالين ولينين وماركس أن يكشفوا عنكم الضر, لا يستطيعون. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف:١٩٤] فهم أمثالكم تماماً, فادعوهم إن كنتم صادقين في الأزمات ليكشفوا عنكم الضر, وهذه علامة فارقة بين الله القادر وبين ما دونه. وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] يقول بعض المفسرين، وصحح ذلك ابن كثير: إن الرسول ﵊ صلَّى بالأنبياء يوم أسرى الله به. أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم كنت الإمام لهم والجمع محتفل أعظم بمثلك من هاد ومؤتمم فصلّى بهم ﵊ والتفت؛ لأن الله قال له: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥] يقول بعض المفسرين وليس كل المفسرين: إذا اجتمعت بهم فاسألهم هل جعل الله من دونه آلهة تعبد؟ فلما سلّم ﵊ ورأى وجوه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رأى ضياء التوحيد والإيمان يشع, فاستحيا أن يسألهم؛ لأن الأمر ظاهر, ومعلوم بالضرورة، فسكت ﵊, فهذا قول بعض المفسرين. وقال سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الشعراء:٢١٣] وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. سمعت أستاذاً في العقيدة بيض الله وجهه -لا يزال حياً- يقول في شريط له وهو يتكلم عن الشيوعيين والحداثيين في الساحة: يا حداثيون يا شيوعيون أنتم ما تخافون من آلهتكم لأنهم أصبحوا رماداً، أصبح الواحد منهم حماراً منتناً كـ استالين ولينين وماركس وانتهوا, لكن نحن إذا حللنا أو رحلنا خفنا من الله الحي: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] عبدوا الذوات والأشخاص والأصنام وفنت، وبقي الله حي لا يموت . وقال سبحانه: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف:١٥٨] وهذه من صفاته , فالأمور المشتركة قليلاً ما يتحدث عنها في القرآن, مثل: العليم يأتي صفة، لكن الإنسان له علم يليق به ولله علم, فلو كان موسى ﵇ يوم قال له فرعون: من ربكما يا موسى؟ قال: ربي عليم, قال: وأنا عليم, لذلك ما أتى بها موسى, لأن الأمور المشتركة ما يجادل بها, وإذا قال: من ربكما؟ قال: حكيم, قال: وأنا حكيم, وإذا قال: من ربكما؟ قال: الحي, قال: وأنا حي, لكان نازعه بالحجة, ولكان أمسكه بتلابيب ثيابه، ولكان الناس سلموا لفرعون, لكن قال موسى -حتى يقول الزمخشري: لله دره من جواب! -: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] وقد مرَّ شرح هذا فيما سبق في (سورة العصر منهج حياة). ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠] الله هو الذي خلقكم، وهذا انفراد لله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠] وأنا أعرف أن الكثير من الناس يقولون: هذا أمر معلوم, لكنني أقول: إن هذا لن يكون معلوماً على الحقيقة حتى يعمل به، ويدخل في كياننا وحياتنا ومعاملاتنا وليلنا ونهارنا, وقال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم:٤٠] هل تجدون أحداً يفعل ذلك؟ هل تذكرون لنا اسماً واحداً يفعل مثل هذه الأمور؟ لا لا. وانظر إلى عرض القرآن للتوحيد فإنه عرض جميل, وعرض التوحيد بالعصا لا يصلح, الشباب الناشئة في الابتدائية، إذا عرض لهم التوحيد بالعصا والهراوة لا يفهمون. صحيح أنه يلقنها ويحفظها حرفياً، وتبقى معلوماته عن التوحيد بذهنه، لكنه لا يعيشها في واقعه, ولا يتأثر بها, ولا ينشأ مؤمناً؛ ولذلك وجد من شبابنا من يحفظ القرآن ولا يصلي, ومن يحفظ القرآن ويتناول المخدرات, لأن الإيمان لم يصل إلى قلبه, والتوحيد ليس مجرد تلقين, لكن طريقة القرآن إحياء التوحيد بعرض جميل، يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ:٦ - ١٤] ما أجمل هذه الصور! كل كلمة تحتاج إلى محاضرة, إنها صور يشاهدها الإنسان في الكون, إن الفلاح في المزرعة وداخل البستان, والناظر إلى الحدائق الغنَّاء يشاهد آثار الله وآثار التوحيد في الكون. يقول سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]. بعض الناس اليوم يدَّعي علم الغيب عليه لعنة الله, ويستخدم الجن، فيضل الناس بهذه الفرية الكبيرة الكاذبة, فيذهبون إليه لأنه بزعمهم يعلم الغيب, والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] فلا يعلم الغيب إلا الله, ومن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كاذب, والله يطلع بعض رسله على بعض الغيب منه , أما من ادَّعى علم الغيب فقد كذب واستخدم الجن لذلك، وهو منحرف عن شريعة التوحيد وملة لا إله إلا الله.

стр. 6746

التوحيد والإعلام يقول سبحانه عن الآلهة والذوات والشخصيات والكيانات: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] هذه التصورات والكيانات، الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، والمعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، والقوتان العُظميان التي يزخرف إعلام المسلمين قوتها ويضلل بقوتها, وهو مسئول وحده عن تضخيمها في أذهان الناس، حتى عند بعض العامة أن أمريكا أو روسيا قوة لا تُغلب، قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] ثم يقول سبحانه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام:١١٣]. فهذه الزخرفة الإعلامية هي نقض للتوحيد صراحة, يصفون الكافر أنه لا يتقهقر، وأنه اكتشف كل شيء، وأن بيده كل شيء, فينشأ الناشئة يرون أن هذه القوة ما بعدها قوة، والله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] فهم مساكين!! هذه القوة يمكن أن يهلكها الله في لحظة سان فرانسيسكو التي زلزلت قبل ما يقرب من سنة في ثوان معدودة سجل جهاز رختر خمس درجات أو أربع درجات، وخسف بجزء من المدينة, عندهم إنذار مبكر، كمبيوتر، قوى نووية، أجهزة متطورة، ولكن كما قال الله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] فما علموا! يقولون: هذه سوء في القشرة الأرضية, نعم في القشرة الأرضية، لكن من الذي كسرها؟ من الذي أجراها؟ من الذي سلَّط عليها هذا الحدث؟ ما أضعفهم! يقول عن الريح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] أرسلها على الكفار، فزلزلتهم من أماكنهم يوم حاربوا هوداً ﵊, فالقوة بيد الله.

стр. 6747

التوحيد الخالص ويقول الله عن التوحيد: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ويقول: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩] ويقول ﵊: ﴿يقول الله : من عمل علملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ ولا يقبل الله إلا أن يكون الدين له خالصاً, والرياء من الشرك, وفي الصحيحين: ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به﴾. وفي الصحيح: أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالم -أو قارئ- وجواد وشجاع, كلهم فعلوا ليقال: عالم, وليقال: جواد, وليقال: شجاع, فيقول الله: خذوهم إلى النار فتسعر بهم النار، والعياذ بالله. ويقول سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣] ويقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. يعجبني كاتب مسلم عصري كتب في هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] قال: من أحب لعبة الكرة حتى سيطرت على حبه وقعت عليه هذه الآية, إي والله! بعضهم يعيش مع الكرة ليلاً ونهاراً, يراها في المنام، وهو لا يعطي الدين عشر ما يعطي هذه اللعبة, تشجيعاً وحباً وميلاً، ويوالي عليها ويعادي ويحب ويبغض ويعطي ويمنع، حتى يجعل لون سيارته لون الفريق الذي يشجع وبدلته وبطاقته والميدالية التي يحمل, فأي ولاء هذا؟!! أيعني هذا خالص التوحيد؟! والله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: ليلي ونهاري حبي وبغضي عطائي ومنعي, لكن يأتي مشجع كرة ثم يستميت هذه الاستماتة في تشجيع كرته، ونقول: موحد خالص!! وكل وقته للكرة!! سمعت من بعض الدعاة أن رجلاً كان هلالياً وامرأته نصراوية, فغلب فريقه فريقها فتشاكس معها فطلقها, أهؤلاء موحدون خالصون؟!! أهؤلاء تأثروا بدعوته ﵊ في حياتهم؟ بل بعضهم يقاتل على فريقه ويغضب له ويرضى ويحب ويبغض, فلا إله إلا الله ما أبعد هؤلاء عن خالص التوحيد!! ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] لعبة من اللعب، أو كيان من الكيانات، أو عشق من العشق، كلها تناقض التوحيد. ويقول سبحانه عن لقمان وهو يوصي ابنه أول وصية -ووصيته عجيبة توحيد وعبادات وسلوك-: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. ﴿لما أنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] شكى الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟! قال: إنه ليس ما تعنون -أي: ليست الذنوب- ولكن أما سمعتم قول الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾) [لقمان:١٣]﴾ فأعظم ظلم في الدنيا الشرك, وهو أن تصرف شيئاً لغير الله من عبادتك وذكرك واتجاهك وحبك ورغبتك ورهبتك. وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. ركب ﷺ -كما في الصحيحين - ورديفه معاذ - فقال: ﴿يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم, فلما مشى قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, ثم قال: يا معاذ! هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: حقهم ألا يعذبهم﴾ أي: لا يدخلهم النار, إذا أخلصوا التوحيد وقاموا بمقتضيات التوحيد وشروط التوحيد، فهذه نجاة لهم من النار, أما المشرك فلن يدخل الجنة, قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وأما من يشرك فلا غفران له. لكن عصاة من أولي التوحيد قد يدخلونها بلا تخليد فأهل الذنوب عند أهل السنة قد يدخلون النار. إن الذي يذهب لينهى الناس عن المعاصي -عن معصية الربا أو الزنا أو الغناء وأمثالها- ثم لا يأتي بالإيمان والتوحيد يخفق تماماً، ولا يصلح له الحال, ولا يكون له نتيجة. وغفر الله لمن كتب لي رسالة بالأمس، وأشار إلى هذه القضية الكبرى وقد أصاب, تقبل الله منا ومنه، يقول: الحديث في القضايا الجزئية كثير، لكن مسألة التوحيد التي نراها والتي انقصمت لها ظهورنا في الحرم, حيث إن هناك شركيات نراها ونسمعها، وهي مسئوليتكم أنتم يا دعاة الإسلام ويا حماة العقيدة!! ومن القضايا أيضاً أن عرض القرآن للتوحيد غير العرض الذي يعرض في بعض المؤلفات العصرية, فهو عرض معه حياة وجمال وروعة, فهو يتكلم عن خرير الماء وهو معك في التوحيد, عن الزهر وشذاه, وعن تغريد الطيور, وعن البساتين والحدائق, وهو يتحدث لك عن التوحيد. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. اللهم إنه ليس معنا أعمال صالحة وإننا مقصرون وما معنا إلا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) اللهم فأنقذ بها أجسامنا ولحومنا من النار, اللهم أسعدنا بها في الدنيا, اللهم رد المسلمين إلى التوحيد الخالص يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6748

العقيدة الإسلامية هناك أمر من الأمور الهامة، وقضية من القضايا الكبرى التي عاشها الإنسان وسوف يعيشها، ولابد للإنسان منها ومن المستحيل عند العقلاء في جميع الأمم أن يعيش الإنسان بدونها، وهي قضية العبادة وطرق معرفة الإله الحق المعبود، وفي هذه المادة يتعرض الشيخ بشيءًٍ من التفصيل إلى طرق معرفة الله.

стр. 6749

طرق معرفة الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وبعد شكري لله أن هيأ لنا هذا المجلس الطيب العامر الطاهر، أشكر القائمين على هذه الندوة، والذين بذلوا الكلمات الطيبة والجهد الطيب في سبيل نشر دين الله ، ومعي في هذه الندوة سؤال يُطرح، وهو من أعظم الأسئلة التي وضعت في الدنيا منذ أنشأها الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذا السؤال ما استطاع أن يجيب عليه أحد حتى جاءت رسل الله ، فأجابت على هذا السؤال. ومعي في هذه الندوة قضية كبرى، من أكبر القضايا التي عاشها الإنسان ويعيشها، هذه هي قضية العقيدة. ومن المستحيلات عند عقلاء الأمم أن يعيش الإنسان بلا عقيدة، فلا بد للإنسان أن يعيش على عقيدة يعتقدها، والذين قالوا: لا إله والحياة مادة -وهم الملاحدة من الشيوعيين ومن سار على نهجهم- كذبوا العقل والنقل، وعادوا فناقضوا أنفسهم في اتخاذ عقيدة أو اتخاذ إله، فجعلوا الطبيعة هي الإله، وهذا ما نقل عنهم كـ لينين وماركس ومن سار في مسارهم في هذا الجانب. إذاً لا بد للإنسان أن يتجه إلى معبود واحد، فرد صمد يصمد إليه، يكون هذا المعبود كاملاً حياً قيوماً فيه صفات الكمال، فمن هو هذا المعبود إذاً؟ هذا ما سوف نجيب عليه في هذا المجلس إن شاء الله. هذا المعبود الذي نعبده وندعو الناس إلى عبادته هو الله ، وطرق معرفته خمس طرق أجملها ثم أفصلها: الطريقة الأولى: الآيات الكونية المعروضة للبصر التي تدل على عظمته . الطريقة الثانية: الآيات الشرعية القرآنية، آيات كتاب الله ، فإنها كلها تخلص التوحيد لله وتدعو الناس إلى عبادته وتوحيده وإفراده بالعبودية. الطريقة الثالثة: الأحاديث النبوية، وهي أحاديث المعصوم ﷺ الذي أتى بأخبار الغيب وما كنا ندري ما الغيب وما نعرف إلا ما نرى، فأخبرنا أن هناك إلهاً حكيماً قديراً حياً قيوماً تقوم به الكائنات ويقوم بذاته . الطريقة الرابعة: الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] فطرهم جميعاً موحدين مؤمنين به ، عندما خلقهم، ولذلك يقول ﷺ : ﴿كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ إذاً فالإنسان حينما ولد كان مفطوراً على الإيمان بالله . الطريقة الخامسة: الضرورة، والضرورة معناها أن القلب عند العقلاء لا يأله ولا يسكن ولا يطمئن إلا إلى إله معبود، ولابد من هذا سواءً كان هذا الإله حقاً أم باطلاً، وقد أسلفت أنه لا بد للإنسان من عقيدة، وهذا ما أجمع عليه العقلاء، فهذه هي الطرق الموصلة إلى معرفة الله . والآن أتكلم على هذه الطرق الخمس إن شاء الله بالتفصيل.

стр. 6750

معرفة الله عن طريق الآيات الكونية فأما الآيات الكونية فقد عرضها الله لنا في مخلوقاته ودعانا إلى التأمل والتفكر فيها، يقول : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١] أي نظرة اعتبار وتدبر لتدلكم على الخالق، فإن المصنوع يدل على الصانع، والأثر يدل على السائر، وأثر الرجل في الأرض يدل على أنه سائر في هذه الأرض، ويقول : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] لماذا؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] سنريهم آياتنا التي تدل على الوحدانية حتى يتبين لهم أن هذا الدين حق ومحمد ﷺ حق، والرسالة الخالدة حق، ثم يقول يلوم البشرية كيف لا يتدبرون هذه الآيات ويتأملونها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] يقول: كم من آية يراها الإنسان ويعيشها ثم يمر عنها وهو معرض! ولذلك كان التأمل والتفكر والتدبر من أكبر الطرق الموصلة إلى الله ، وأول كلمة نزلت في القرآن كلمة اقرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] والخطاب للرسول ﷺ ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب لكن أين يقرأ؟ قال أهل العلم: يقرأ في كتاب الله المفتوح؛ في الكون والجبال السامقة والتلال الشاهقة والأنهار والأشجار وفي السماء بنجومها وبشمسها وبقمرها وفي الأرض ففي هذا يقرأ ﷺ ، ويقرأ كل متأمل. ولذلك كثير ممن ادعى الكفر أبت قلوبهم إلا أن تعترف أن هناك مدبراً. يقول كريسي موريسون عالم أمريكي في كتاب الإنسان لا يقوم وحده: عجيب هذه النحلة كيف تقطع آلاف الأميال ثم تعود إلى خليتها، لا بد أن هناك وازعاً يزعها حتى تعود إلى خليتها، ولكن كتابنا يجيب عليه فيقول: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] فهو تدبير وتصريف وقدرة إلهية، فالآيات الكونية أكبر دليل على عظمة الله وألوهيته وعلى أن هناك مصرفاً ومدبراً. وفي كل شيءٌ له آية تدل على أنه الواحد أجمعت الأمم سواء نطقاً أو اعتقاداً على وجود الله ، حتى الملاحدة الذين نفوا وجود الله بألسنتهم فقد أثبتوه بمعتقداتهم في قلوبهم، ورأس الملاحدة الذين أنكروا وجود الله هو فرعون طاغية مصر، وقد أثبت موسى أنه يقر بوجود الله كما قال الله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] فيقول له: أنت تعلم في قرارة نفسك أن هناك إلهاً؛ لأن فرعون أنكر وجود الإله وادعى الربوبية، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ملك قطعة من الأرض صغيرة، وادعى أنه إله وأنه معبود من دون الله، فرده موسى إلى نفسه وقال: أنت تدري في قرارة نفسك ولو لم تنطق بلسانك أن هناك إلهاً. ولذلك كان المشركون في عهده ﷺ لا ينكرون وجود الصانع ولا وجود الرب ولم يختلفوا في ذلك، يقول : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] ويقول : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] أي: إذا اشتدت بهم الأزمات اعترفوا بالإله الحق، فهذا لا خلاف فيه، وهم معترفون من قبل أن يأتي الرسول ﵊ بذلك. ولذلك كان المشركون في مكة يطوفون بالبيت العتيق ويلبون ويحجون ويدعون الله بدعاء يشركون فيه مع الله تعالى فيقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك؛ فهم يعترفون بوجود الله، ولكن يجعلون مع الله نداً وشريكاً، فجاء محمد ﷺ ليأمرهم بإفراد الله في العبودية وليدعوهم إلى توحيد الألوهية أن لا إله مستحق للعبودية إلا الله. فلما جاء الرسول ﷺ وجد الناس اتخذوا آلهة مع الله ، فمنهم من اتخذ حجراً يعبده، والحجر لا ينفع ولا يضر ولا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت، لكن لضرورة قلوبهم لإله معبود اتخذوا هذا، وهذه هي الضرورة التي أشرنا إليها سابقاً فاتخذوا الحجر، وبعضهم كان يجمع تمراً فيعبده ويسجد له مع علمهم أن هناك إله، فإذا قال لهم رسول الله ﷺ لِمَ تعبدون هذه؟ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] أي يتوسطون لنا في طلباتنا ونتوسل بهم إلى الله في رفع حوائجنا إليه ؛ لأن الأمم -ولو لم تعبد الله لا بد أن تتخذ إلهاً. فالهندوس في الهند يعبدون البقر، لماذا؟ لأن عندهم فراغاً روحياً، فلما لم يجدوا الإيمان بالله الذي يكمن في هذه الروح فغطوا جانب هذا الفراغ بعبادة البقر، والمانوية فرقة ضالة تعبد الليل والنهار، إذا جاء النهار عبدته وإذا جاء الليل عبدته. والعرب في جاهليتهم أخذوا الحجارة والأوثان والأخشاب والصخور فعبدوها، يذبحون لها ويتقربون إليها بزعمهم أنها توصلهم إلى الله، فلما جاء ﷺ قال: هذا خطأ؛ لأن الله هو الذي خلقكم ورزقكم ويميتكم ويحييكم ويبعثكم إليه، وهو لا يريد أن يتوسط إليه في العبادة أحد، وإن كان في تبليغ الدين منه إلينا لا بد من واسطة وهو الرسول ﷺ ، أما في العبادة فلا واسطة بل لك أن تصلي له في أي مكان، وتدعوه في أي زمان وتتوجه إليه وراء البحار والمحيطات، فهو يراك ويسمعك ويقبل دعاءك. مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يقرر عقيدة التوحيد التي تنص على إفراد الله بالألوهية، أي بالعبادة له والدعاء، أما الربوبية فإن المشركين معترفون بأن هناك رباً خلقهم ورزقهم ورباهم ويحييهم ويميتهم، لكنهم اختلفوا مع الرسول ﵊ في توحيد الألوهية، فقالوا: كيف نعبد إلهاً واحداً؟! ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] عجيب أن يكون هناك إله واحد يقوم بشأن الكون كله، فالرسول ﷺ مكث ثلاثة عشر سنة يدعوهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، فلا يُصرف شيء من العبادة لغيره .

стр. 6751

معرفة الله عن طريق الآيات القرآنية إن أعظم قضية نتدارسها في هذه الندوة هي قضية توحيد الله بالألوهية، أي بالعبودية التي هي صرف العبادة إليه ، وهذا التوحيد الذي دعا إليه الرسول ﵊ فكان بينه وبين المشركين الحروب الطاحنة حتى نصره الله عليهم؛ لأنه ما انقاد وأذعن له ﷺ بعد أن أوضح لهم بالبراهين إلا القليل منهم، وأما غيرهم فكذب، فكان بينهم وبينه ﷺ الحروب التي كان في نهايتها النصر له ﷺ وبالتالي نصرة لا إله إلا الله وبقاؤها حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وأعظم ذنب في الدنيا هو الشرك بالله ، فإن أعظم جريمة يتلبس بها الإنسان أن يشرك بالله ويجعل معه إلهاً آخر، فيصرف له شيئاً من العبودية والدعاء والتوجه، هذا أعظم ذنب وأكبر جريمة، ولذلك يغفر الله ما دون ذلك من الزنا والسرقة وشرب الخمر والذنوب التي لا يسلم منها البشر لمن يشاء، أما الشرك بالله فلا يغفره الله أبداً إلا بالتوبة، وصاحبه خالد مخلد في نار جهنم، لا يفتر عنه العذاب، ولا يخرج من النار، ولا يقبل الله منه عملاً مهما عمل ما لم يتب، ولا يشفع فيه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولا يخرج من النار أبداً ولا بد أن تفهم هذه القضية. فمن أجل قضية التوحيد، وإفراد الله تعالى بالعبودية أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وكل رسول منهم يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ولم يقل: ما لكم من رب غيره؛ لأن قومه معترفون أن الرب هو الله، لكنهم لم يجردوا العبودية له. ومن أجل هذه العقيدة -عقيدة لا إله إلا الله- دمرت الأرض خمس مرات، دمرها الله حينما غضب على أهلها من أجل لا إله إلا الله، مرة بالطوفان، عندما اجتاح الماء الديار والبلاد والجبال والأودية في عهد نوح عليه والسلام؛ لأن قومه كذبوه وما انقادوا للا إله إلا الله، ومرة بالريح الصرصر، ومرة بالصيحة، ومرة بالخسف والمسخ، ومرة بالهلاك بالأوبئة والأمراض؛ لأن أكبر ما يغضبه أن يشرك معه في العبودية والألوهية، ولكن بقيت بقايا من تلك الأمم آمنوا بالله ، فأنقذهم الله من ذلك الغضب.

стр. 6752

معرفة الله عن طريق الأحاديث النبوية الذي أريد أن أطرحه بين أيديكم وأقرره هو أن هذه العقيدة سهلة بسيطة ميسرة لا ألغاز فيها ولا تعقيد، وسوف أضرب على ذلك أمثلة إن شاء الله. إن إثبات هذا التوحيد لا يحتاج إلى جهد عقلي ولا إرهاق فكري، إنما هو بسيط وسهل وميسر، فقد كان ﷺ يعرض الدين والعقيدة في دقائق معدودة، يأتيه رجل مشرك من الصحراء. وهو جالس بين الناس، كان يعرف أن هناك رباً لكن لا يعرف من هو الذي يستحق العبودية، فأتى ووقف في مسجده ﷺ وقال للرسول ﷺ : يا بن عبد المطلب -ناداه بجده- قال ﷺ : قد أجبتك، قال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليَّ، عنده سؤال لكن لا يدري ﷺ ما هو هذا السؤال، وهذا السؤال الذي سوف يعرضه هذا الأعرابي البسيط أكبر سؤال في تاريخ الإنسان وأعظم سؤال عرفته الدنيا وسمعت به الأرض. فقال رسول الله ﷺ : سل ما بدا لك، وتبسم ﵊، فقال الرجل: من رفع السماء؟ قال الرسول ﷺ : الله، قال الرجل: من بسط الأرض؟ قال ﷺ : الله، قال: من نصب الجبال؟ قال ﷺ : الله. قال الأعرابي -والناس جلوس- للرسول ﷺ : أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ إنه سؤال عظيم يطرح ويسمع به الناس، وهو السؤال الذي أتى ﷺ ليجيب عليه، قال: اللهم نعم. فأخذ يسأله بهذه الكيفية وهذه الصيغة (أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة) فأخذ ﷺ يجيب حتى انتهى هذا الرجل من أركان الإسلام، وفي الأخير أعلن إسلامه في المسجد في دقائق معدودة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأن ما جئت به حق؛ والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص؛ هذه هي العقيدة المبسطة تعرض في دقائق معدودة. ولذلك يعرض الله لنا في القرآن عقيدة التوحيد في يسر وسهولة وبساطة، لا تحتاج إلى كثرة تفكير ولا تؤدي إلى إرهاق، وإنما يفهمها المسلم بالبداهة سواء قرأ أو لم يقرأ، يعرض الله آية التوحيد ويقول للناس ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠]. وإنما أتى بالإبل هنا لأنه حيوان يعيش في الجزيرة والعرب هم المنادون أول مرة، فقد بعث منهم محمد ﷺ فردهم الله إلى هذه المخلوقات، ثم لفت الله أنظارهم إلى السماء من رفعها وسواها؟ من زينها وأبدعها وجعل فيها هذه النجوم الجميلة المتلألئة وهذه الشمس النيرة، وهذا القمر الباهر؟ إن العقل سوف يقول: إنه الله، ويؤيده النقل. ثم يقول: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية:١٩] من نصبها ومن أرساها؟ أجاءت من نفسها بالصدفة؟! أمَّن أتى بها؟ ثم يقول : ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:٢٠] من سواها وجعلها مستوية قراراً يعيش عليها الإنسان والحيوان؟ إنه الله ، فالله يلفت أنظارنا إلى التوحيد وإلى عرض صور التوحيد في القرآن ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].

стр. 6753

معرفة الله عن طريق الفطرة يقول العالم والمفكر ألكسيس كارل: إذا شككت في قدرة الله ووجود الله تفكرت في نفسي، وإنما أعرض هذه الأمثلة لأن الحق ما شهدت به الأعداء، والله يقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يقول: مالكم لا تنظرون في أنفسكم وفي هذا الجهاز المعقد، وفي خلقكم البديع؟ في هاتين العينين والأذنين وهذا اللسان وهذه الأعضاء، من صوركم؟ ومن جعلكم تتكلمون وتذهبون وتأتون وتنامون وتستيقظون؟ إن جهازاً معقداً كالإنسان يدل دلالة كاملة على وجود الله وتوحيده وأنه مستحق للعبادة. ولقد أخفقت الديانات المحرفة في عرض صورة حية للتوحيد لأنها تخالف الفطرة. فـ النصرانية تعرض التوحيد عرضاً مشوهاً تقول: الثلاثة واحد، الله والابن وروح القدس، جلَّ الله عما يقولون، جعلوا عيسى ﵇ -الذي هو عبد من عباد الله خلقه الله جعلوه شريكاً لله في الألوهية، وما اتخذ الله من ولد ، بل خلق عيسى بكلمته ﵎ وهو عبد لله، فجعلوه ابناً لله ثم شريكاً له في الألوهية هذه هي النصرانية المحرفة. وعرضت اليهودية التوحيد فشوهته وقالت: عزير ابن الله -وهو نبي من أنبيائه- قالت: هو ابن لله، وجل الله أن يتخذ صاحبة أو ولداً، وسوف أخبركم كيف عرض ﷺ التوحيد وأخبرنا عن صفات الله وعن أسمائه لنعرف من هو الله ، وقد عرفنا بنفسه في كتابه وفي آياته الكونية. وصف الله نفسه في كتابه، وأخبرنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ثم وصف ﷺ ربه ﵎ فأخبرنا بصفاته، وصفات الله صفات كمال. أخبرنا عن نفسه أنه حي لا يموت فقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٦ - ٥٨] فالله لا يموت، والناس يموتون. ووصف نفسه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، لا ينام لأنه يحفظ كل نفس بما كسبت، وهو الذي قامت بقيوميته وقدرته السماوات والأرض ومن فيهن، فلا ينام ولا تأخذه سنة، وهي أخف النوم، ثم وصف نفسه بأنه رحيم يرحم العبد، وإذا أذنب ثم تاب ﵀ وغفر له فهو رحيم غفور. وأنه شديد العقاب؛ من أذنب وأجرم ثم لم يتب وتمرد على الله وأصر على المعصية عاقبه الله، وأخبرنا أنه غني وأن ما سواه فقير، وأنه لا يحتاج إلى أحد، بل الناس كلهم محتاجون إليه ؛ ولذلك يسمى صمداً، والصمد هو: الذي تصمد إليه الكائنات؛ أي: تتجه إليه وتطلب منه المدد، فهو الغني. وأخبرنا أنه قوي متين ، لا يضعف، وغيره ضعفاء مقهورون مربوبون. وأخبرنا عن نفسه -وهي القضية الأولى- أنه واحد ، ولم يتخذ صاحبة أي: ليس عنده زوجة ولا ولداً؛ لأنه لا يحتاج إلى ذلك. وأخبرنا أنه على كل شيء قدير، فكل ما يريده فإنه يقع لا محالة، فأمره في كلمة كن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] في كلمة واحدة ينفذ الله ويجري ما أراد، فهو الحي الذي لا يموت ولا ينام ولا يفتقر ولا يضعف ، فهذه صفات الكمال نثبتها لله ، لكنه لا يشابه المخلوقين ﵎، فله صفات تخصه، وللمخلوق صفات تخصه. من أعظم صفاته صفة العلم، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم السر وأخفى، يعلم السر وما يضمره الإنسان في قلبه مما هو أخفى من السر. وما هو الذي أخفى من السر؟ هو الأمر الذي يريد أن يفكر به الإنسان ولكنه لم يفكر فيه إلى الآن، أي حتى الإنسان لا يعلم ذلك، لكن الله يعلم أن هذا الإنسان سوف يفكر في هذا الأمر بعد قليل. وينفعنا هذا العلم بأن نراقب الله فهو معنا حيثما كنا قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فالمراقبة مفادها أن هناك رباً عليماً وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه معنا لا نغيب عنه ولا نتستر بشيء، يرانا في الليل والنهار، ويراقب حركاتنا وسكناتنا، ثم يسجل لنا الحسنات والسيئات، حتى يوقفنا في اليوم الآخر عنده، فيحاسبنا على ما فعلنا، يقول: في يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا. ولذلك تفيدنا صفة العلم في مراقبة الله ، وهي من أعظم الصفات التي يجب أن نستحضرها لمراقبة الله في السر والعلن، والليل والنهار، في كل زمان ومكان، ولذلك يقول ﷺ موصياً أحد أصحابه: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ أي: في أي مكان كنت ﴿وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾. وفي ختام هذه الكلمة! أسأل الله أن يثبتنا وإياكم حتى نلقاه، والذي نريده منكم أنتم أيها الداخلون في الإسلام أن تعودوا إلى أهليكم وذويكم وإلى بلادكم دعاة إلى الله ، فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فيسألكم الله يوم القيامة عن أهلكم، يسأل الإنسان عن زوجته وأطفاله وجيرانه وأهله، هل بلغهم هذا الدين، وهي أعظم المبشرات لكم أن يهديكم الله ، ويضل غيركم، ويقدمكم ويؤخر غيركم، وهو توفيق منه ؛ لأنه يعطي هذا الدين وهذا الإسلام من يحب، وأما الدنيا فيعطيها من يحب ومن لا يحب، والذي لا ينتهج نهج هذا الدين ولا يدخل في هذا الدين ميت قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فأنتم كنتم قبل أن تسلموا أمواتاً، ولو أنكم تعيشون وتتكلمون وتزاولون أعمالكم، لكن هذه ليست حياة، لأن الحياة هي اتصال القلوب بباريها ومعرفة الغيب والشهادة ومعرفة الحاضر والمستقبل، ومعرفة الدنيا والآخرة، أن تجعل بين الفناء والبقاء صلة وبين الضعف والقوة علاقة، فالله هو القوي وأنت الضعيف، والله هو الغني وأنت الفقير، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي بالإسلام ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي بالدعوة والبصيرة ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي في الشرك والخرافة والجهل والضياع عن الله ، هل هذا مثل هذا؟ لا مساواة فبشرى لكم؛ أسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6754

هدي الرسول وأصحابه في رمضان يقول تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) فأمرنا بالاقتداء به وباتباع هديه ﷺ . وفي هذه المادة عرض لهديه ﵊ في شهر رمضان؛ هديه في مدارسته للقرآن، في قيامه لليل، في صدقته وسخائه، في اعتكافه، في الإكثار من العبادات والطاعات إلى غيرها من أحواله وعيشه في رمضان.

стр. 6755

النبي ﷺ في رمضان الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، رفع الله به رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صماً، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياً، فعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. واعلموا أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هو المعصوم الذي على قوله تصحح الأقوال، وعلى فعله توزن الأفعال، وعلى حاله تقاس الأحوال، فإن الله أصلحه ظاهراً وباطناً، وسراً وجهراً، ورضيه قدوة للناس ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. فهو ﵊ معصوم لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] وهو بأبي هو وأمي، نفسه طيبة، وقوله طيب، وفعله طيب، فهو مبارك أينما حل وارتحل، زكَّاه الله ظاهراً وباطناً، وامتدح أخلاقه وأعماله وأفعاله وأقواله، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. فإذا علم ذلك، كان على المؤمن إذا أراد أن ينصح نفسه أن يتبع هذا الرسول ﵊، وأن يقتدي بكل ما أتى عنه وصح وثبت، فإنه ﵊ قائد كل موحد وكل مؤمن إلى الجنة، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بغير الهدي الذي أتى به، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه يوم القيامة ولا يكلمه، ولا يزكيه وله عذاب أليم. فلا إله إلا الله ما أعظم ربح من اتبع أقواله، واقتدى بأفعاله، وسار على منواله، ولا إله إلا الله ما أشد خسارة من تنكَّر لشريعته، وجحد سنته، وخالف فعله ﵊. إذا علم ذلك فإننا نريد أن نعيش معه ﷺ في رمضان وفي غير رمضان، وإن كان للعمر مواهب، وللحياة بقية، وللأيام لذة فإنما هي في العيش معه ﷺ . نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلَّى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا وقد أطل علينا ضيف كريم، ووافد عظيم، وهو شهر رمضان الذي كتبه الله على من قبلنا، كتبه للتقوى، ولترتفع الأرواح من موبقاتها، ولتتوب النفوس من شهواتها، وليراجع الناس أنفسهم مع ربهم ﵎، فمرحباً بشهر رمضان. مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام فلننظر إلى هديه ﵊، وإلى هدي أصحابه الأبرار، وسلف الأمة الأخيار، كيف استقبلوا هذا الشهر. كيف صاموه وقاموه؟ وكيف قضوا أوقاته؟ وكيف عاشوا ساعاته؟ لنكون على بصيرة، فإنه بمثلهم يقتدى، وعلى منوالهم يحتذى. فعن طلحة بن عبيد الله: ﴿أن الرسول ﵊ كان إذا رأى الهلال -وعند الترمذي هلال رمضان- قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد﴾ قال الترمذي: حديث حسن. هذا الحديث عجيب، فهو يقول للهلال: ربي وربك الله، فأنت مخلوق كما أنا مخلوق؛ لأن الأهلة والشمس والقمر كانت تعبد من دون الله، فأراد ﷺ أن يخبر الناس ويخبر الأجيال أن الكائنات كلها مخلوقة لله . فيقول: ربي وربك الله أي: فلا يحق لأحد أن يعبدك من دون الله، فالذي أهلَّك وأبداك وجملك وأبدعك هو الله! فكما أنني مخلوق لله، فأنت مخلوق لله، فأخطأ من عبدك أو توجه إليك من دون الله، وأخطأ من توجه لمخلوق من دون الله. وفي الحديث لمسات التوحيد التي أتى بها ﵊.

стр. 6756

جوده ﷺ في رمضان يقول ابن عباس ﵄، ترجمان القرآن، وحبر الأمة، الذي عاش الآيات، وعاش الأحاديث، وعاش الإسلام كله، واستضاء بنور هذا الدين-: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس -وانظر ما أحسن التحفظ- وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن﴾ ﴿وما قال لا إلا مرة﴾ كما في المسند من حديث جابر ثم قال بعدها: ﴿وأستغفر الله﴾ أي: أستغفر الله من كلمة لا، لأنها ثقيلة؛ عليه فاستغفر منها ﷺ . ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم فكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه أستاذه وشيخه جبريل فيدارسه كتاب الله، ومواعظه في آياته ﴿فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ والريح المرسلة هي الصبا التي تهب من نجد، فإنها معطاءة باردة، وإذا وصف الشاعر العربي الرجل الكريم، قال: هو أجود من الصبا، أو أجود من الريح المرسلة. فأكبر المعالم في سيرته وهديه ﷺ في رمضان الجود والعطاء والإنفاق والبذل والهبة والسخاء، فهو أكبر معلم نراه في سيرته ﷺ ، لا يمسك شيئاً، حتى الثياب الأسمال التي عليه، إذا سُئل أعطاها، ففي الحديث الصحيح عن سهل بن سعد قال: ﴿نسجت امرأة للرسول ﷺ ثوباً، فلبسه محتاجاً إليه، فعرض له رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الثوب، فقال الصحابة لهذا الرجل: صنع الله بك وصنع، لبسه رسول الله ﷺ محتاجاً إليه، فجئت فسألته وهو لا يرد أحداً، فقال الرجل: أرجو أن يكون هذا الثوب كفناً لي﴾ فأعطاه الله ما تمنى، وسأل، فكان كفناً له كُفن فيه. فالرسول ﵊ يوم يأتي رمضان يستقبله بنفس معطاءة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما كان العبد سخياً كريماً، جازاه الله بمثل فعله من السخاء والكرم.

стр. 6757

مدارسته ﷺ للقرآن في رمضان ومن المعالم الأخرى في حياته ﷺ والتي تؤخذ من هذا الحديث: مصاحبته ﷺ للقرآن، وعيشه معه وتدارسه لآياته مع جبريل ﵇، فهذا الشهر شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فكان إذا دخل عليه الشهر ﷺ يهيئ نفسه، ويخفف من ارتباطاته ومشاغله، ليعيش تدبر القرآن وقراءته. والقرآن أخذ الحظ الأوفر والدقائق الغالية، والساعات الثمينة من حياته ﷺ ؛ لأنه كتابه الوحيد ومعجزته الكبرى، أرسله الله في الدنيا معجزة لا يضاهيها أي معجزة؛ لأن المعجزات تنصرم وتنتهي إذا مات أنبياؤها، كالعصا في عهد موسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عهد عيسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، ولكن القرآن أخذ يشق طريقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأخذ يثبت جدارته، ويعلن قوته، ويبدي دعوته في قوة وخلود ويخاطب الأجيال. فالرسول ﵊ جعل أكبر وقت للقرآن هو وقت رمضان، ولذلك سئلت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم، كيف كان خلقه ﵊؟ فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾ فهو يعيش مع القرآن أينما حل وارتحل، وإذا وجد وقت راحة وإقبال قلب، وسفر روح إلى الله شغل هذا الوقت بالقرآن. في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: قال لي رسول الله ﷺ وهو أحد طلابه وتلامذته: ﴿اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! -ما أحسن هذا الأدب! وما أجل هذا الحياء! - قال: اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري﴾ أحب أن أتلقاه غضاً طرياً من غيري إذا قرئ علي. فانطلق ابن مسعود ﵁ وأرضاه يقرأ، والرسول ﵊ يُنصت، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: ﴿حسبك الآن قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه أفضل الصلاة والسلام﴾ تأثر الحبيب بكلام حبيبه، وتذكر صاحبُ هذا الكلام الذي أنزله، والذي تكلم به من فوق سبع سماوات، فعندها بكى ﷺ .

стр. 6758

رقة قلبه ﷺ مع القرآن روى ابن أبي حاتم في تفسيره: أن الرسول ﵊ ربما خرج في بعض الليالي ليستمع القرآن في بيوت الأنصار، يوم كانت بيوت الصحابة تشغل بالقرآن، ويوم كانوا يعيشون ساعات الليل في تدبر آيات الله الواحد الديان، ولا يشغلهم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة الوقت في الترهات والأغنيات والسخافات عن ذلك، يوم كانوا رهباناً في الليل شجعاناً في النهار، فرساناً لرفع لا إله إلا الله يوم يحمى الوطيس. خرج ﵊ فسمع امرأة عجوزاً تقرأ سورة الغاشية، فوقف عند بابها وجعل رأسه على الباب، وهو يستمع إليها وهي تقرأ وتردد وتبكي -عجوزاً فأين شباب الإسلام؟! عجوز فأين فتية الحق؟! عجوز فأين شباب الصحوة؟ - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] من هو المخاطب؟ هو الرسول ﵊، يقول الله له: يا محمد! هل أتاك حديث الغاشية، أي: أما أتاك أن يوم القيامة حديث عجيب، ونبأ غريب، وحدث جلل. فأخذ يبكي ويقول: ﴿نعم أتاني﴾ كلما قالت: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال: نعم أتاني، إلى هذا الحد يتأثر ﵊ بالقرآن، فهو كتابه الوحيد الذي تركه للأمة مع السنة المطهرة. وفي الصحيح أيضاً أن الرسول ﵊ ذهب إلى أبي المنذر أبيّ بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه، الذي جعل وقته لتعليم القرآن، فهو أقرأ الأمة بلا شك، فقال له ﷺ : ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١] فيقول أبيّ بن كعب في ذهول: أو سماني لك؟! -أي: سماني الله من فوق سبع سماوات لك، كأن لسان حاله يقول: من أنا حتى أُسمى في السماوات السبع، من أنا حتى يسميني الله قال: نعم﴾ فذرفت عينا أبي وأخذ يبكي تأثراً بهذا.

стр. 6759

عيشه ﵊ مع القرآن الرسول ﵊ يوم عاش مع القرآن، عاش مع القرآن عملاً وتدبراً واستنباطاً، يقول لـ أبيّ: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:٢٥٥] فضرب ﵊ بيده اليمنى في صدر أبيّ، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ أي: والله ليهنك العلم الصافي، والنمير العذب، فإن هذا هو العلم يا أبا المنذر. وعيشه ﷺ مع القرآن، عيش تذكر وتدبر، يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، كما في سنن أبي داود: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ والمرجل هو: القدر إذا استجمع غلياناً، فصدره يتخضخض من البكاء، وله صوت أزيز تأثراً بكلام الله . وفي حديث أبي ذر: ﴿أنه ﷺ قام ليلة من الليالي يقرأ، فافتتح قوله : بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أعادها بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أخذ يتأوه في النافلة ويقول: خاب من لم تدركه رحمة الله، خاب من لم تدركه رحمة الله﴾. نعم، هذه حياته ﷺ مع القرآن؛ لأن القرآن أكبر مقاصده أنه كتاب هداية، وليس بكتاب طب، ولا تاريخ، ولا جغرافيا، ولا هندسة، ولكنه كتاب هداية يقود القلوب إلى الله الواحد الأحد، فهذا مقصد القرآن وقد علم ذلك ﷺ . وعند ابن مردويه وأورده كثيرٌ من المفسرين في تفاسيرهم بأسانيد أن بلالاً ﵁ وأرضاه، مر في السحر ببيت رسول الله ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فسمعه يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] فقال لـ بلال وهو يبكي: ﴿نزلت علي آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبر﴾ فأعظم معالم حياته ﷺ في رمضان هذا القرآن. ولذلك رأى بعض السلف الصالح أن شهر رمضان يخصص لتدبر القرآن، ولا يشتغل بغيره مهما كان العلم فاضلاً. وورد عن الإمام مالك أبي عبد الله إمام دار الهجرة، أنه كان إذا دخل عليه رمضان ترك الفتيا والتدريس، وتحديث الحديث، وأخذ يقرأ كتاب الله ويقول: هذا شهر القرآن، هذا شهر القرآن. وذكر ابن حجر في ترجمة الإمام البخاري، أنه ختم القرآن في رمضان ستين ختمة، ختمة في الليل وختمة في النهار، وأُوردها لهدف واحد؛ لأنها تدل على شدة اعتنائهم بالقرآن في رمضان. ولكن هل هذا هو السنة؟ هذا فيه كلام، فإن سنته ﷺ الاعتدال والتدبر في قراءته، وورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاثة أيام﴾ وقال لـ ابن عمرو في الصحيحين وفي غيرهما ﴿اقرأه في ثلاث﴾ فكأن السنة إلى ثلاثة أيام، وإنما أذكر هذا لأبين شدة اعتناء السلف الصالح بالقرآن، وكيف عاشوه، وتلذذوا بقراءته، وتعلموا منه وتدبروه؟! فإذا لم يكن شهر رمضان شهرك الذي تختم فيه القرآن، تدبراً وتوجيهاً واستفادة فمتى يكون إذاً؟! والله إنما جعل هذا الشهر شهر عبادة، وقبول، وتوبة، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصدفت الشياطين﴾ وإن شئت فقل فُتِّحت، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وضبطها بعض المحدثين بالتشديد للمبالغة وغُلِّقت أبواب النار، وفي لفظ: ﴿النيران﴾ وصفدت الشياطين، فهي لا تؤذي في ذاك الشهر؛ لأن الله ، أكثر من التوبة على عباده، وجعله موسماً للخيرات، ولقبول الأعمال، وللتوبة ورفع الدرجات وتقديم الحسنات، فطوبى لمن أدركه رمضان وأحسن فيه، وطوبى لمن أرضى الرحمن في شهر رمضان، ويا سبحان الله! كم هي فرحته وفوزه يوم يختم الشهر فيعتقه الله فيمن عتق. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار

стр. 6760

عظم منزلة الصوم في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه -وفي رواية وشهوته- من أجلي، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصيامه، ولخلوف فم الصائم -بضم الخاء المعجمة- أطيب عند الله من ريح المسك، فإذا كان أحدكم صائماً فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم﴾ أو كما قال ﵊. وفي لفظ في الصحيحين قال: ﴿كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي﴾ وهو سر بين العبد وربه، وإلا فمن يراك إذا اختفيت بين الجدران وتسترت بالحيطان وغبت عن العيان إلا الله الواحد الديان! بإمكانك أن تأكل في عقر بيتك وفي قعر منزلك ولا تراك عيون الناس، ولا تنظر إليك أبصارهم، لكن الذي خلقك يراك في الظلام. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني فهو سرٌ بينك وبين الله، لا يطلع عليك فيه إلا هو، الصلاة تصليها بمشهد، والزكاة تزكيها بمشهد، والحج تحجه بمشهد، ولكن الصيام سر، قد يختفي العبد فيأكل ويشرب، ويعود متظاهراً بالصيام، لكن من الذي علم أنه صام إلا الله. والخلوف كريح المسك عند الله، ولذلك رأى بعض الشافعية ألا يتسوك الصائم؛ لأنه يغير الخلوف، ولكن الخلوف من المعدة وليس من الفم، والسواك لا يزيدك إلا طيباً، ولكن لعظيم أجرك عند الله جعل مخلفات جوعك أطيب عنده من ريح المسك، فدم الشهيد وخلوف فم الصائم سيان يفوح منهما يوم القيامة رائحة المسك، فما أحسن هذا الجزاء! وما أطيب أفواه الصائمين! وكان ﵊ في رمضان يقوم الليل كغيره من الليالي، ولكن يجتهد في رمضان؛ فإنه شهر القيام والصيام، ولذلك صح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة أنه قال: ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ فقوله: إيماناً أخرج به من لم يصمه إيماناً، ولم يقر بصيامه، وإنما صامه هكذا عادة، واحتساباً: أخرج به من صامه رياءً وسمعة، فمن صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
следующие страницы →