Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
جوده ﷺ في رمضان
يقول ابن عباس ﵄، ترجمان القرآن، وحبر الأمة، الذي عاش الآيات، وعاش الأحاديث، وعاش الإسلام كله، واستضاء بنور هذا الدين-: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس -وانظر ما أحسن التحفظ- وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن﴾ ﴿وما قال لا إلا مرة﴾ كما في المسند من حديث جابر ثم قال بعدها: ﴿وأستغفر الله﴾ أي: أستغفر الله من كلمة لا، لأنها ثقيلة؛ عليه فاستغفر منها ﷺ .
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
فكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه أستاذه وشيخه جبريل فيدارسه كتاب الله، ومواعظه في آياته ﴿فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ والريح المرسلة هي الصبا التي تهب من نجد، فإنها معطاءة باردة، وإذا وصف الشاعر العربي الرجل الكريم، قال: هو أجود من الصبا، أو أجود من الريح المرسلة.
فأكبر المعالم في سيرته وهديه ﷺ في رمضان الجود والعطاء والإنفاق والبذل والهبة والسخاء، فهو أكبر معلم نراه في سيرته ﷺ ، لا يمسك شيئاً، حتى الثياب الأسمال التي عليه، إذا سُئل أعطاها، ففي الحديث الصحيح عن سهل بن سعد قال: ﴿نسجت امرأة للرسول ﷺ ثوباً، فلبسه محتاجاً إليه، فعرض له رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الثوب، فقال الصحابة لهذا الرجل: صنع الله بك وصنع، لبسه رسول الله ﷺ محتاجاً إليه، فجئت فسألته وهو لا يرد أحداً، فقال الرجل: أرجو أن يكون هذا الثوب كفناً لي﴾ فأعطاه الله ما تمنى، وسأل، فكان كفناً له كُفن فيه.
فالرسول ﵊ يوم يأتي رمضان يستقبله بنفس معطاءة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما كان العبد سخياً كريماً، جازاه الله بمثل فعله من السخاء والكرم.
стр. 6757
مدارسته ﷺ للقرآن في رمضان
ومن المعالم الأخرى في حياته ﷺ والتي تؤخذ من هذا الحديث: مصاحبته ﷺ للقرآن، وعيشه معه وتدارسه لآياته مع جبريل ﵇، فهذا الشهر شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فكان إذا دخل عليه الشهر ﷺ يهيئ نفسه، ويخفف من ارتباطاته ومشاغله، ليعيش تدبر القرآن وقراءته.
والقرآن أخذ الحظ الأوفر والدقائق الغالية، والساعات الثمينة من حياته ﷺ ؛ لأنه كتابه الوحيد ومعجزته الكبرى، أرسله الله في الدنيا معجزة لا يضاهيها أي معجزة؛ لأن المعجزات تنصرم وتنتهي إذا مات أنبياؤها، كالعصا في عهد موسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عهد عيسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، ولكن القرآن أخذ يشق طريقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأخذ يثبت جدارته، ويعلن قوته، ويبدي دعوته في قوة وخلود ويخاطب الأجيال.
فالرسول ﵊ جعل أكبر وقت للقرآن هو وقت رمضان، ولذلك سئلت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم، كيف كان خلقه ﵊؟ فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾ فهو يعيش مع القرآن أينما حل وارتحل، وإذا وجد وقت راحة وإقبال قلب، وسفر روح إلى الله شغل هذا الوقت بالقرآن.
في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: قال لي رسول الله ﷺ وهو أحد طلابه وتلامذته: ﴿اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! -ما أحسن هذا الأدب! وما أجل هذا الحياء! - قال: اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري﴾ أحب أن أتلقاه غضاً طرياً من غيري إذا قرئ علي.
فانطلق ابن مسعود ﵁ وأرضاه يقرأ، والرسول ﵊ يُنصت، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: ﴿حسبك الآن قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه أفضل الصلاة والسلام﴾ تأثر الحبيب بكلام حبيبه، وتذكر صاحبُ هذا الكلام الذي أنزله، والذي تكلم به من فوق سبع سماوات، فعندها بكى ﷺ .
стр. 6758
رقة قلبه ﷺ مع القرآن
روى ابن أبي حاتم في تفسيره: أن الرسول ﵊ ربما خرج في بعض الليالي ليستمع القرآن في بيوت الأنصار، يوم كانت بيوت الصحابة تشغل بالقرآن، ويوم كانوا يعيشون ساعات الليل في تدبر آيات الله الواحد الديان، ولا يشغلهم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة الوقت في الترهات والأغنيات والسخافات عن ذلك، يوم كانوا رهباناً في الليل شجعاناً في النهار، فرساناً لرفع لا إله إلا الله يوم يحمى الوطيس.
خرج ﵊ فسمع امرأة عجوزاً تقرأ سورة الغاشية، فوقف عند بابها وجعل رأسه على الباب، وهو يستمع إليها وهي تقرأ وتردد وتبكي -عجوزاً فأين شباب الإسلام؟! عجوز فأين فتية الحق؟! عجوز فأين شباب الصحوة؟ - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] من هو المخاطب؟ هو الرسول ﵊، يقول الله له: يا محمد! هل أتاك حديث الغاشية، أي: أما أتاك أن يوم القيامة حديث عجيب، ونبأ غريب، وحدث جلل.
فأخذ يبكي ويقول: ﴿نعم أتاني﴾ كلما قالت: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال: نعم أتاني، إلى هذا الحد يتأثر ﵊ بالقرآن، فهو كتابه الوحيد الذي تركه للأمة مع السنة المطهرة.
وفي الصحيح أيضاً أن الرسول ﵊ ذهب إلى أبي المنذر أبيّ بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه، الذي جعل وقته لتعليم القرآن، فهو أقرأ الأمة بلا شك، فقال له ﷺ : ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١] فيقول أبيّ بن كعب في ذهول: أو سماني لك؟! -أي: سماني الله من فوق سبع سماوات لك، كأن لسان حاله يقول: من أنا حتى أُسمى في السماوات السبع، من أنا حتى يسميني الله قال: نعم﴾ فذرفت عينا أبي وأخذ يبكي تأثراً بهذا.
стр. 6759
عيشه ﵊ مع القرآن
الرسول ﵊ يوم عاش مع القرآن، عاش مع القرآن عملاً وتدبراً واستنباطاً، يقول لـ أبيّ: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:٢٥٥] فضرب ﵊ بيده اليمنى في صدر أبيّ، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ أي: والله ليهنك العلم الصافي، والنمير العذب، فإن هذا هو العلم يا أبا المنذر.
وعيشه ﷺ مع القرآن، عيش تذكر وتدبر، يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، كما في سنن أبي داود: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ والمرجل هو: القدر إذا استجمع غلياناً، فصدره يتخضخض من البكاء، وله صوت أزيز تأثراً بكلام الله .
وفي حديث أبي ذر: ﴿أنه ﷺ قام ليلة من الليالي يقرأ، فافتتح قوله : بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أعادها بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أخذ يتأوه في النافلة ويقول: خاب من لم تدركه رحمة الله، خاب من لم تدركه رحمة الله﴾.
نعم، هذه حياته ﷺ مع القرآن؛ لأن القرآن أكبر مقاصده أنه كتاب هداية، وليس بكتاب طب، ولا تاريخ، ولا جغرافيا، ولا هندسة، ولكنه كتاب هداية يقود القلوب إلى الله الواحد الأحد، فهذا مقصد القرآن وقد علم ذلك ﷺ .
وعند ابن مردويه وأورده كثيرٌ من المفسرين في تفاسيرهم بأسانيد أن بلالاً ﵁ وأرضاه، مر في السحر ببيت رسول الله ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فسمعه يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] فقال لـ بلال وهو يبكي: ﴿نزلت علي آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبر﴾ فأعظم معالم حياته ﷺ في رمضان هذا القرآن.
ولذلك رأى بعض السلف الصالح أن شهر رمضان يخصص لتدبر القرآن، ولا يشتغل بغيره مهما كان العلم فاضلاً.
وورد عن الإمام مالك أبي عبد الله إمام دار الهجرة، أنه كان إذا دخل عليه رمضان ترك الفتيا والتدريس، وتحديث الحديث، وأخذ يقرأ كتاب الله ويقول: هذا شهر القرآن، هذا شهر القرآن.
وذكر ابن حجر في ترجمة الإمام البخاري، أنه ختم القرآن في رمضان ستين ختمة، ختمة في الليل وختمة في النهار، وأُوردها لهدف واحد؛ لأنها تدل على شدة اعتنائهم بالقرآن في رمضان.
ولكن هل هذا هو السنة؟ هذا فيه كلام، فإن سنته ﷺ الاعتدال والتدبر في قراءته، وورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاثة أيام﴾ وقال لـ ابن عمرو في الصحيحين وفي غيرهما ﴿اقرأه في ثلاث﴾ فكأن السنة إلى ثلاثة أيام، وإنما أذكر هذا لأبين شدة اعتناء السلف الصالح بالقرآن، وكيف عاشوه، وتلذذوا بقراءته، وتعلموا منه وتدبروه؟!
فإذا لم يكن شهر رمضان شهرك الذي تختم فيه القرآن، تدبراً وتوجيهاً واستفادة فمتى يكون إذاً؟! والله إنما جعل هذا الشهر شهر عبادة، وقبول، وتوبة، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصدفت الشياطين﴾ وإن شئت فقل فُتِّحت، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وضبطها بعض المحدثين بالتشديد للمبالغة وغُلِّقت أبواب النار، وفي لفظ: ﴿النيران﴾ وصفدت الشياطين، فهي لا تؤذي في ذاك الشهر؛ لأن الله ، أكثر من التوبة على عباده، وجعله موسماً للخيرات، ولقبول الأعمال، وللتوبة ورفع الدرجات وتقديم الحسنات، فطوبى لمن أدركه رمضان وأحسن فيه، وطوبى لمن أرضى الرحمن في شهر رمضان، ويا سبحان الله! كم هي فرحته وفوزه يوم يختم الشهر فيعتقه الله فيمن عتق.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار
стр. 6760
عظم منزلة الصوم
في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه -وفي رواية وشهوته- من أجلي، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصيامه، ولخلوف فم الصائم -بضم الخاء المعجمة- أطيب عند الله من ريح المسك، فإذا كان أحدكم صائماً فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم﴾ أو كما قال ﵊.
وفي لفظ في الصحيحين قال: ﴿كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي﴾ وهو سر بين العبد وربه، وإلا فمن يراك إذا اختفيت بين الجدران وتسترت بالحيطان وغبت عن العيان إلا الله الواحد الديان! بإمكانك أن تأكل في عقر بيتك وفي قعر منزلك ولا تراك عيون الناس، ولا تنظر إليك أبصارهم، لكن الذي خلقك يراك في الظلام.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
فهو سرٌ بينك وبين الله، لا يطلع عليك فيه إلا هو، الصلاة تصليها بمشهد، والزكاة تزكيها بمشهد، والحج تحجه بمشهد، ولكن الصيام سر، قد يختفي العبد فيأكل ويشرب، ويعود متظاهراً بالصيام، لكن من الذي علم أنه صام إلا الله.
والخلوف كريح المسك عند الله، ولذلك رأى بعض الشافعية ألا يتسوك الصائم؛ لأنه يغير الخلوف، ولكن الخلوف من المعدة وليس من الفم، والسواك لا يزيدك إلا طيباً، ولكن لعظيم أجرك عند الله جعل مخلفات جوعك أطيب عنده من ريح المسك، فدم الشهيد وخلوف فم الصائم سيان يفوح منهما يوم القيامة رائحة المسك، فما أحسن هذا الجزاء! وما أطيب أفواه الصائمين!
وكان ﵊ في رمضان يقوم الليل كغيره من الليالي، ولكن يجتهد في رمضان؛ فإنه شهر القيام والصيام، ولذلك صح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة أنه قال: ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ فقوله: إيماناً أخرج به من لم يصمه إيماناً، ولم يقر بصيامه، وإنما صامه هكذا عادة، واحتساباً: أخرج به من صامه رياءً وسمعة، فمن صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
стр. 6761
قيام النبي ﷺ ليالي رمضان
كان ﷺ إذا أجنه الليل في ليالي رمضان قام متبتلاً لله ، وما أعظم قيام الليل! وخاصة في رمضان، وما أحسن السجدات! وبالخصوص في رمضان، وما أحسن الوضوء والتبتل والدعاء والبكاء! وبالخصوص في ليالي رمضان.
قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامرٌ بالحديث والأسرار
قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار
وقيام الليل لما تركته الأمة الإسلامية -إلا من رحم الله- ذبل في صدورها غصن الإيمان، وضعف اليقين، وعاش الجيل، لكنه لم يعش بمثل ذاك الجيل الذي عاش مع الرسول ﷺ ، جيلٌ فيه برود، وتهاون وتكاسل إلا من رحم ربك ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فلما علم ذلك كان يمضي ﷺ ليالي رمضان متهجداً لله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
فكما قمت في الليل فسوف تقوم يوم القيامة، وموقفك وقيامك في الليل أشبه شيء بموقفك عند الله يوم تقوم شافعاً مشفعاً بإذن الله، يوم يتخلى الأنبياء عن الشفاعة، وتأتي أنت تشفع:
واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذي الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
فمقامك يوم قمت في الدنيا بالقرآن، أن تقوم يوم القيامة على ملأ بين يدي الرحمن ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
وعجيب الليل وخاصة في رمضان، والذي ينبغي للمسلم الذي يريد أن ينصح نفسه أن يكثر من تلاوة القرآن ويكثر من صلاة الليل، فإن هذا الشهر شهر تجديد للروح، وفرصة ثمينة لا تتعوض أبد الدهر، وشهر توبة وعتق من النار، وخيبة وندامة وهلاك وبوار لمن أدركه رمضان ولم يتب من المعاصي والخسران، ولم يعتقه الله من النيران.
وكان ﵊ كما جاء عند مسلم عن عائشة ﴿لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة﴾ ولكن الركعة الواحدة تساوي آلاف الركعات من ركعات كثير من الناس، يقف في الركعة الواحدة أمداً طويلاً، فيناجي ربه، ويتدبر كلام مولاه، ويحيي روحه بتدبر القرآن، يبكي ويتباكى ويناجي ويسجد ويركع طويلاً، فتصبح الركعة حسنة جداً ما أحسن منها، والله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل أكثر عملاً.
لذلك كان التجويد في التراويح والقيام أحسن من التكثير بلا جودة، وكان الكيف أحسن من الكمِّ حتى بالتلاوة، فلا يهذرم القرآن، ولا يهذُّ هذَّا، ولا يحدر حدراً شديداً فتضيع معانيه وحروفه على حساب الختم، فإن المقصود هو التدبر والمعايشة للمعاني، فإن من الناس من يختم القرآن في رمضان مرة، ولكن يا لها من ختمة ما أحسنها وأجودها! وما أجلها وأعظمها! شافا أمراض نفسه بكلام الله، وداوى جراحات قلبه بكلام مولاه، فكان للقرآن أثر في قراءته.
وأناس يقرءون فيختمون كثيراً، لكن مقصودهم الأجر فهم مأجورون، لكن غذاء الروح، ومدد اليقين وماء الإيمان لا يحصل إلا بالتدبر ومعايشة القرآن.
стр. 6762
من هدي النبي ﷺ في الصوم
كان له ﷺ سنن كثيرة في صيامه ولكن نذكر أهم معالمها:
стр. 6763
تعجيل الفطر وتأخير السحور
كان ﵊ في رمضان يعجل الإفطار، ويقول: ﴿أحب العباد إلى الله أعجلهم فطراً﴾ والفطر هنا إذا غربت الشمس، كما في حديث عمر الصحيح ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم﴾ لأن اليهود كانوا يؤخرون الفطر، فعجل ﷺ الإفطار، بشرط أن تغرب الشمس وأن يذهب النهار، وأن يأتي الليل، وكان يفطر ﷺ على رطب، كما في حديث أنس عند أبي داود والترمذي بسند حسن، قال: ﴿كان ﷺ يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تميرات، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء﴾ ﵊.
وعند أبي داود والترمذي من حديث سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليفطر أحدكم على تمر، فإن لم يجد فليشرب ماءً فإنه طهور﴾ والعجيب أن في الرطب والتمر سرٌ عجيب للصائم، أورد ذلك ابن القيم، فإن البطن إذا جاع كان أحلى شيء يوافق المعدة التمر، فهو حلو يوافق الجوع، فسبحان الله من علمه وهداه ﷺ سواء السبيل، فكان طبيباً للأبدان، وطبيباً للقلوب يقودها إلى الله ﵎.
وكان ﵊ يؤخر السحور، بشرط ألا يصبح عليه الصباح، فيقول ﵊: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ وبركة السحور تأتي بأمور ثلاثة:
أولاً: أنه إحياء لهذه السنة العامرة من الرسول ﵊، فبركة السنة لا يعادلها شيء، وكثيرٌ من الناس قد يترك طعام السحور، وقد خالف في ذلك السنة ولو أن صومه صحيح، فالسنة أن تقوم فتتسحر بما يسر الله، ليبارك الله في قيامك وصيامك.
ثانياً: أنها ساعة ينزل الله فيها إلى سماء الدنيا فيقول: ﴿هل من سائل فأستجيب له، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له﴾ فإذا رآك الله وأنت متسحر ذاكرٌ له، مستغفر منيب تائب، غفر لك سبحانه، وقبل دعاءك وأجاب سؤالك، وتاب عليك فيمن تاب، وأعتق رقبتك من النار، فهنيئاً لك بتلك الجلسة الإيمانية، فمقصودها وسرها الثاني أن تكون مستغفراً في السحر، فما أحسن السحر! وما أطيب السحر!
قام طاوس بن كيسان العلامة الكبير الزاهد العابد يزور أخاً له وقت السحر، فطرق عليه الباب، فقال له صديقه: أتأتيني في هذا الوقت، أيزار في هذا الوقت؟ فقال طاوس: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن أحداً ينام في السحر، أي: من المسلمين.
فانظر إليه من كثرة عبادته واتصاله بالله يستغرب أن ينام أحدٌ من الناس في السحر.
ثالثاً: أنه يعينك بإذن الله على الصيام في النهار، ويسكن حالك وأنت تتلذذ بنعمة الله، وتتناول طعام سحورك، كأنك تقول: يا رب هذا الطعام الذي خلقته ورزقته أتقوى به على طاعتك، وهو من أنواع الشكر على النعمة، وما أحسن الطعام إذا نوى به العبد التقوي على عبادة الواحد الأحد.
стр. 6764
الإكثار من الذكر
كان من هديه ﷺ في رمضان: أن يكثر من الذكر والتبتل والاستغفار والمناجاة والدعاء، فإنها حياة القلوب.
كان يواصل الصيام وينهى الصحابة عن الوصال، فيواصلون ويقولون: يا رسول الله إنك تواصل، أي: مواصلة الليل بالنهار، قال: ﴿إني لست كهيئتكم﴾ وفي رواية: ﴿لست بمثلكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين﴾ وفي رواية: ﴿إن ربي يطعمني ويسقين﴾.
أورد هذه الروايات ابن القيم في زاد المعاد بألفاظها، قال: واختلف أهل العلم على قسمين: قوم يقولون: إنه طعام حسي وماء معروف يسقى به ﵊ ويأكل، وليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لما كان صائماً ﵊، ولو كان كذلك لما قال: ﴿إني لست كهيئتكم﴾ ولو كان كذلك لما كان له ميزة ﵊ عليهم في الوصال.
والصحيح أنه يطعم ويسقى بالمعارف التي تفاض على قلبه من الواحد الأحد، من لذة المناجاة، وحسن الذكر، وعذوبة دعائه لمولاه ، وبما يغدق على روحه، ويسدل على قلبه من ذكر ودعاء وتبتل يشبع ويروي، ولذلك ترى بعض الناس إذا سروا بأمر تركوا الطعام والشراب، وإذا سروا بأمر نزلت دموع الفرحة من خدودهم.
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
فبعض الناس لولهه ولكثرة سروره وفرحه يستعيض به عن الطعام، حتى قال الأول وهو يتحدث عن لذة قلبه بقدوم قادم، أو بكلام حبيب، أو بمناجاة صاحب:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نورٌ يستضاء به ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق القدوم فتحيا عند ميعادي
فكأنه ﵊ لفرحه بعبودية ربه كان من أسر الناس قلباً، ومن أشرحهم صدراً، يستعيض عن كثرة الطعام والشراب بهذا، ولذلك يقول الأندلسي أبو إسحاق الألبيري لابنه في قصيدته الرائعة المبكية الحارة التي توجه إلى كل شاب، وهي من أحسن القصائد والوصايا، يقول:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
يقول: قوت القلب، وغذاء الروح هي جواهر المعاني من الآيات والأحاديث، وليس بأن تأكل وتشرب؛ لأن هذا للجسم، يقول:
تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا
وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنتا
إلى أن يقول:
فواظبه وخذ بالجد عنه فإن أعطاكه الله انتفعتا
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
فكان ﵊ يتغذى بالذكر والتهليل والتكبير والتسبيح والاستغفار، وبكثرة المناجاة، والدعاء، فأدعوكم -أيها الأخيار والأبرار- إلى استغلال هذا الشهر في كثرة الذكر.
وننبه على الظاهرة التي نسأل الله أن يجعل مكانها خيراً ومبرةً ورحمة، ظاهرة استغلال النهار في النوم؛ فإنها وجدت عند الصالحين بكثرة، فتجد الصالح من الصائمين يقضي ساعات يومه في النوم، فما كأنه وجد للجوع حرارة، ولا للظمأ مشقة، ولا وجد لمعاناة العبادة كلفة.
فأي حياة هذه الحياة في رمضان، إذا نام من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى الغروب، فما هو مفهوم الصيام إذاً في حقه، ثم أمضى الليل في السهر، وظاهرة تغيير برنامج المسلم في رمضان ليست بمحمودة، بل على المسلم أن يكون على وتيرته، وما هو الداعي إلى أن يغير وقته لهذا الوقت، فيجعل وقت المناجاة والذكر وحرارة الجوع، ومشقة الظمأ رقاداً ونعاساً ونوماً، فأين معنى الصيام؟!
يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فأعظم مقاصد الصيام التقوى، والتقوى تحصل بأن تعيش ساعات ودقائق الصيام لتتعامل معه، فما الفرق بين المفطر الذي ينام النهار كله، وبين الصائم الذي ينام النهار كله.
стр. 6765
فوائد الصيام
فوائد الصيام كثيرة، ويمكن أن نجمل بعضها، ولكن أعظمها تقوى الله ، فإنه ختم الآية فقال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ولم يقل: (لعلكم تعقلون) أو (لعلكم تذكرون) وإنما (تتقون) فالصيام سبب للتقوى لأنه:
أولاً: يكسر قلبك عن المعاصي، ويرد جماح روحك عن الذنوب، ويأخذ بزمام نفسك عن الخطايا والمخالفات.
ولذلك لما دعا ﷺ الشباب إلى الزواج كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ﴿يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ فجعل ﷺ الصوم يقوم مقام الزواج في أنه يكسر النفس ويردها.
ثانياً: أنه يفرغ الأوقات للعبادة، فإن الوجبات قد تأخذ كثيراً من أوقات العباد، وهل أخذ أوقاتنا وضيع ساعاتنا إلا كثرة الأكل والشرب، إننا نجلس في شرب الشاي والمرطبات ساعات طويلة تكفي مثل ابن تيمية وابن القيم إلى أن يؤلف رسائل في خدمة الإسلام، وكتباً في رفع راية هذا الدين.
ولذلك يقولون: إن ابن تيمية ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وقررت في الكليات سنة كاملة، وما فهمها كثير من الطلاب، بل رسبوا في التدمرية؛ لأنها تدمر كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
فهذا الوقت يمكن أن يستغل في مرضاة الله ، وفي تلاوة كتابه والاستغفار وقد ذكر ذلك الغزالي في الإحياء وغيره من أهل العلم.
ومن فوائد الصيام: أن فيه حياة للقلب، فإن القلب قد يموت بكثرة المباحات من مأكولات ومشروبات ومسكونات وملبوسات، فكلما أكثرت على القلب من هذه الأمور قتلته وأماتته، وبعض الناس يظن أن حياة القلب أن تكثر من الأكل والشرب، وهذا ليس بصحيح، فالروح إنما هي نفخة من الله، فكلما أقللت من علائقها من الأرض والتراب، كلما هاجرت إلى الله .
ومن فوائد الصيام: أنه يذكرك بالأكباد الظمأى وبالبطون الجائعة من الفقراء والمساكين، فيجعلك تعيش آلامهم وآمالهم، وتعيش ما يعيشونه، وتذوق ما يذوقونه، وتحيا ما يحيونه، فتعيش تلك الساعات المريرة التي يعيشونها، ولم يفرض شهر رمضان ليظن أهل اللحم الذين يأكلون اللحم دائماً، ويشربون البارد دائماً، أن الناس ليسوا في مشقة، ولا يحتاجون إلى مساعدة، ولا إلى مد يد العون فعلمهم الله أنهم كما يصومون ويجوعون ويظمأون، أن هناك من يصوم الدهر كل الدهر جائعاً، ومن يصوم الدهر كل الدهر ظامئا، ومن يجد المشقة ليلاً ونهاراً.
стр. 6766
الاعتكاف
كان من هديه ﵊ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
والاعتكاف: لزوم مسجدٍ لطاعة الله ، فيحيي قلبه بالذكر والتلاوة، ويقطع مشاغله وارتباطاته بالناس، ويحيا مع الله ، فيفرغ القلب لمولاه، ويكثر من دعاء ربه ﵎، ويحيي قلبه بالآيات البينات.
والاعتكاف سنة من أحسن السنن وقد عطل إلا من بعض الأشخاص، وهو أحسن ما يمكن أن يربى به القلب، يوم تتفرغ من الناس، ومن كلامهم، والاتصال بهم، لتتصل برب الناس وملكهم وإلههم، وهل ثَم أحسن من هذا؟
وكان من هديه ﷺ في رمضان أن يبشر به الأمة الإسلامية الخالدة، أمة لا إله إلا الله، وفي بعض الآثار: ﴿أن الله يعتق في كل ليلة من ليالي رمضان مائة ألف، وأما في آخر ليلة فيعتق بقدر ما أعتق في كل ليلة مرت﴾.
فهل بعد هذا من بشرى للأمة؟ إنها مبشرات وليست بشرى واحدة، وإنها مكرمات وليست مكرمة واحدة، وإنها أعطيات وليست أعطية واحدة، وكان ﵊ في رمضان يقوم الليل -كم أسلفت- وربما قام الناس معه جماعة، وربما ترك ﵊ الجماعة وصلى وحده، ولذلك أتى عمر فجمع الناس في صلاة التراويح.
стр. 6767
الصحابة في رمضان
والعجيب أن الصيام من أعظم ما يربي العبد على الصبر، ومن أعظم ما يقود روحه إلى مولاه ﵎، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾ وما معنى في سبيل الله كما قال أهل العلم أي: الغزو في سبيل الله، ومقاتلة الأعداء، بأن تصوم وأنت مقاتل، فقولوا لي بالله -يا أيها الجيل، يا أيها الأخيار- من منا أكثر من الصيام وهو ليس في سبيل الله، بل تحت الظل، ومع الماء البارد، وتحت المشهيات، ومع كل ما لذ وطاب؟!
صحابة الرسول ﷺ يصومون والقنا على رءوسهم، والسيوف تتحاك على آذانهم، والرماح تتشاجر بين وجوههم، ومع ذلك يصومون.
روى ابن كثير وغيره عن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، أنه لما حضر معركة مؤتة كان صائماً، وكان هو القائد الثالث، فلما قتل القائدان الاثنان زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، دعي إلى أخذ الراية ﵁ وأرضاه، وقد سبق له قبل سنوات أن بايع في صك، أتى من رب العالمين، كما يقول ابن القيم - أملاه الله ، ووقع عليه رسوله ﷺ ، على أن السلعة الجنة، وعلى أن الثمن أرواح المؤمنين، فكان ابن رواحة من المبايعين.
يوم قال للرسول ﵊ يوم بيعة العقبة: ﴿يا رسول الله ماذا تريد منا؟ قال: أن تحموني مما تحموا منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، فقال: ما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل﴾ والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، فلم يكن لـ ابن رواحة الحق أن يقيل أو يستقيل.
حضر في مؤتة وهو صائم، ودعي والشمس تميل إلى الغروب، وتأذن بالأفول، وهو جائع، وهو في شدة الحر والسيوف أمامه، والقتلى حوله، فقال: اتوني بعرق لعلي أشد به جوعتي، فأتوا له بقطعة من اللحم وهو صائم على فرسه، فنظر إلى الشمس، حتى في هذه الساعة الحرجة، والأرواح تتطاير، والنفوس تسافر، واللحوم تتمزق، والرءوس تضرب في الأرض يتحرى غروب الشمس.
قال: أغربت؟ قالوا: نعم غربت، فأخذ لقمة وقال: باسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فأتى يأكلها، وقد دعي ليقود المعركة، وليدف دفة المعركة، وليدير كئوس الموت على رءوس الأعداء، فأكل مضغة فما وجد لها مذاقاً، فقد ذهب طعم الطعام، وذهبت لذة الشراب، وذهبت بقية الحياة، ما أصبح للطعام لذة، وما أصبح للشراب معنى، وكيف يكون له معنى وقد قتل زيد وجعفر والأحباب والأخيار وأصبحت الخيول تدوسهم بالسنابك، فلفظها من فمه، وأخذ جفنة السيف فكسرها على ركبته، وقال وهو ينشد نشيد المعركة، وأغنية الفداء، وأنشودة التضحية:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أقبل الناس وشدوا الرنة
مالي أراك تكرهين الجنة
هل أنت إلا نطفة في شنة
ثم خاض غمار المعركة، وما تم الغروب إلا وهو في روضة من رياض الجنة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] رضي الله عنكم يا من رفعتم راية الإسلام على الجوع، ورضي الله عنكم يا من بذلتم الجهد والمشقة وأنتم جوعى في سبيل الله.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمـ ـك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
وفي الصحيح من حديث أبي الدرداء قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ حتى كنا في أشد الحر، فكان الواحد منا يتقي حر الشمس بكفه، وما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وابن رواحة، فانظر إليه في السفر وفي القتال كيف يصوم، كيف يتربى؟ وحياة -والله- ليس فيها صيام ولا تدبر للقرآن ليست بحياة الآدميين، بل حياة البهائم.
ولذلك ذكروا في ترجمة روح بن زنباع -وهو أمير أموي- أنه مر بالصحراء معتمراً، وكانت له سفرة كبيرة فيها لحوم وفواكه وخضراوات ومشروبات، فمر بأعرابي وهو يرعى غنمه، فقال له روح بن زنباع: تعال أيها الأعرابي كل معي من الغداء.
فقال الأعرابي: لقد دعاني من هو أكرم منك إلى مأدبته.
قال: ومن هذا؟
قال: الله رب العالمين، قال: بماذا؟
قال: أنا صمت وسوف أفطر له.
قال روح: أفطر اليوم وصم غداً.
فقال الأعرابي: وهل تضمن لي أيامي يا أيها الأمير؟
فبكى الأمير، وقال: حفظت أيامك وضيعنا أيامنا.
فإن العبادة كل العبادة أن تكون في سبيل الله ، وأن تكون لوجهه، وأن تجد المشقة في سبيله ، حينها لا تجد للتعب في نفسك كلفة، ولا تجد للجوع ولا للظمأ مشقة.
إن كان سَرَّكم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
عاش الصحابة وعاش السلف الصالح دقائق رمضان توجهاً وجهاداً وخدمة في سبيل الله، ولذلك كانت أعظم معارك الإسلام وأعظم انتصارات المسلمين في رمضان، فإن بدراً وفتح مكة وحطين وعين جالوت كلها كانت في رمضان.
فلقد كانت الانتصارات الرائعة في هذا الشهر الذي نزل القرآن فيه ليحيي به الأمة الميتة التي ما عرفت إلا التقاتل على موارد الشياه والإبل والبقر، الأمة التي ما عرفت الحضارة ولا الثقافة، وبقيت في الجهل آلاف السنوات، نزل القرآن ليقول لها: استفيقي وانظري إلى السماء، أنقذي البشرية بلا إله إلا الله، وهذه الأمة لا يردها إلى الله إلا القرآن ورمضان، ولا تُقبل على الله إلا برمضان والقرآن.
فيا أيها الأخيار! ويا من شابت لحيته في الإسلام! هذا شهرك -وكأنه الأخير- فاجعله خاتمة مطافك مع الله، ويا أيها الشاب الذي أقبل تائباً إلى الله! هذا شهرك شهر التوبة والإقبال فاغتنمه في التقرب إلى الله، ويا أيها المسيء الذي أكثر من العصيان! اليوم فرصتك الذهبية، ويومك الثمين، وعيد ميلادك يوم أن تلد في التوبة ميلاداً ثانياً؛ لأن الكافر يموت مرتين، والمؤمن يحيا مرتين.
أما الكافر فيموت أول مرة يوم أن تموت روحه عن لا إله إلا الله، وتموت نفسه عن مبادئ لا إله إلا الله، ويموت ضميره عن ضوء لا إله إلا الله، ويموت مرة أخرى يوم تخرج روحه.
والمؤمن يولد مرتين، ويحيا حياتين: الحياة الأولى: يوم أن تأتي بك أمك فتقع على الأرض وأنت على الفطرة، والحياة الثانية: يوم أن تحيا بالإسلام، ويوم أن يتوب الله عليك، فإن كثيراً من الناس أحياء وليسوا بأحياء، يأكلون ويشربون ولكنهم ليسوا بأحياء، لأن الحياة أن يسافر قلبك إلى الله، وتعيش مع الله، وتقضي عمرك في عبادة الله ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
أقول ما تسمعون، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم، وأن يجعلنا ممن مَنَّ عليهم بالتوبة، وممن جعلهم من ورَّاث الجنة، وممن تاب عنهم في هذا الشهر، وممن ختم لهم بالحسنى، وممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6768
الأسئلة
стр. 6769
نصائح للنساء
السؤال
ما تنصح به النساء بمناسبة قدوم هذا الشهر الكريم، نظراً لوجود نساء في هذه المحاضرة؟
الجواب
صح عنه ﷺ من حديث أبي أمامة أنه قال: ﴿إن المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها﴾ فإذا عرفت المرأة المسلمة هذه المبادئ وهذه الأمور في هذا الحديث فصلت الخمس الصلوات وأحسنتها ظاهراً وباطناً، وصامت هذا الشهر الفضيل وأطاعت زوجها، جعلها الله من وراث الجنة، وانظر ما أحسن الكلام يوم قال لها ثلاث وصايا؛ لأنها كثيرة الحمل والولادة، والحيض، والمشاغل، وتربية الأبناء، والمزاولة في البيت، فلم يذكر لها نوافل، وإنما جعل نوافلها تلك الأعمال، واقتصر على هذه الفرائض.
فالذي أنصح به المرأة المسلمة: أولاً: بتقوى الله ، وهي نصيحة لنا جميعاً.
ثانياً: أن تحتسب صيام هذا الشهر على الله ، وأن تتقرب إليه بما استطاعت من ذكر وعمل صالح وصدقة، وأن تطيع زوجها في رمضان وفي غير رمضان، ليرضى الله عنها.
ثالثاً: أن تسأل عن أمور دينها وتتفقه فيه، فإن لها مسائل خاصة كالحيض والولادة والحمل، لا بد أن تعرفها، فإن الحامل إذا شق عليها الحمل وخافت على نفسها أفطرت وقضت، وإذا خافت على ولدها أفطرت وقضت، ومع القضاء تطعم عن كل يوم مسكيناً.
والحائض لا يجوز لها أن تصوم، والصلاة عليها محرمة، ولكنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، والنفساء كذلك تأخذ حكم الحائض، إذا علمت ذلك، فلتعلم ولتتفقه ولتسأل عن كل ما يخصها، فقد سهل الله العلم والعلماء والتفقه في الدين، ولها إن رأت ذلك هو الأصلح لقلبها والأخشى والأخشع أن تحضر صلاة التراويح مع الناس، إذا كانت هناك دروس علمية ومحاضرات، وكان يرق قلبها وتعلم من نفسها أنه أتقى لمولاها، فلتحضر وتصلي مع الناس متسترة لا تتطيب، ولا تلبس ثياب الزينة، ولا تأخذ البخور، وهذه الأعواد والروائح الجميلة بل تتركها؛ لأنها لزوجها في البيت.
أما في مسيرها من بيتها، فلتتق الله، ولتأخذ ثياباً مبتذلة ولتصلِّ فيها، فإن علمت أن الأخشى والأخشع لها هو بيتها فلتتق الله، ولتصلِّ في بيتها، لئلا تفتن المسلمين، ولئلا تتعرض لغضب الله .
стр. 6770
نصيحة لمن لا يستطيع أن يقرأ القرآن من الأميين
السؤال
بماذا تنصح كبار السن المستمعين إليك والذين لا يعرفون القراءة في رمضان، حيث إنهم يقضون أغلب رمضان في النوم وضياع الوقت لعدم قدرتهم على قراءة القرآن في رمضان؟
الجواب
سبحان من جعل أبواب الجنة ثمانية، ليدخل القارئ من باب، والصائم من باب، والمجاهد من باب، والمتصدق من باب إلى آخر تلك الأبواب، فالكبار في السن، والذين شابوا في الإسلام هنيئاً لهم، فإن الله يستحي أن يعذب من شاب شيبة في الإسلام، والشيب لهم وقار، فعليهم أن يوقروا الله في رمضان وفي غير رمضان، ونصيحتي لمن لم يستطع قراءة القرآن بكثرة التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد.
ولذلك ورد عند الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بسر ﵁ وأرضاه، أنه أتى إلى الرسول ﵊ وهو شيخ كبير، فقال: ﴿يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فماذا تنصحني به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فأنصح هؤلاء الذين فنيت أجسامهم في الطاعة، وشابت رءوسهم واحدودبوا من الكبر، وما استطاعوا قراءة القرآن والصلاة بكثرة الذكر.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قوله ﷺ : ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس﴾ وعند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سيروا هذا جمدان -جبل بين المدينة ومكة - سبق المفرّدون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾.
فأنصحك أيها الشيخ الكبير أن تكثر من التسبيح والتهليل والاستغفار، والصلاة والسلام على الرسول ﷺ ، وكثرة الدعاء، وإن استطعت فالصلاة تنفل؛ لأنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة.
стр. 6771
ضياع الأوقات عند التلفاز
السؤال
يكثر مشاهدة برامج التلفاز في رمضان وغيره، فنستفتيك حفظك الله أن تبين لنا ما هو الحلال وما هو الحرام في التلفاز؟ وهل الأفلام المتحركة لها أثر على الأطفال؟ مع أن فيها تسلية لهم، أفتونا جزاكم الله خيرا؟
الجواب
المسلم مطالب بحفظ وقته وقلبه ونظره وكل جارحة فيه، والله لا يزيل قدمي عبد يوم القيامة حتى يسأله عن أربع، عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه، هذه الساعات الثمينة وهذا الليل والنهار الذي امتن الله به في القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢] أتظن أن كل هذا يذهب سدىً؟!
أتظن أن هذا الليل والنهار ليس بنعمة عليك، بل هو من أفضل النعم، ولا تستثمر الصالحات ولا ترفع الدرجات إلا في الأوقات، والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] وعند البخاري من حديث ابن عباس في الرقاق، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ﴾ تجد العبد صحيح الجسم قوي البنية متكامل الأعضاء، وهو عاطل باطل كسول، ليس عنده تحرك ولا همة ولا نشاط، فيخسر وقته وعمره، إذا علم ذلك فأعظم ما نخسره الأوقات إذا ذهبت في غير طاعة الله.
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هَرَّمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدوا لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
وقال آخر:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوانِ
ومما يحفظ أيضاً: البصر، فإنه يحفظ من المطالعة في أي محرم، سواء كان في هذه الآلة المذكورة أو في غيرها، وسوف يسأل الله العبد عن بصره وسمعه ويده ورجله وفرجه، وكل عضو فيه يوم القيامة؛ لأنها نعمة فهل صرفها في الطاعة أم في المعصية، أما القضايا التفصيلية والجزئية، فكل ما كان خبيثاً لا يجوز، وكل ما كان طيباً فهو المطلوب، لكن أي خبيث هذا وأي طيب ذاك، إنها مسائل جزئية تفصيلية، ليس هذا مجال بسطها، لكن مجال بسطها رسائل أهل العلم، وقد تكلموا فيها بما يشفي ويكفي، وهي رسائل موجودة بين أوساط الشباب.
стр. 6772
انقطاع دم الولادة قبل الأربعين
السؤال
المرأة التي وضعت الحمل، وانقطع الدم قبل الأربعين، فهل تصوم وتصلي أم تنتظر حتى تنتهي الأربعين يوماً؟
الجواب
ورد في حديث لـ أم سلمة ﵂ وأرضاها، قالت: ﴿كانت النفساء تمكث على عهده ﷺ أربعين يوماً﴾ هذا حديث في السنن، لكن سنده ليس بذاك وهو ضعيف عند أهل العلم، إذا علم ذلك فالصحيح عند المحققين من أهل العلم، أن المرأة النفساء إذا ولدت وانقطع دمها ولو في يوم فتغتسل وتصوم وتصلي.
وقال بعض الحنابلة: ولا يأتيها زوجها، بل يأتيها زوجها؛ لأن ابن عباس قال الصلاة أعظم، فما دام أنها إذا اغتسلت وانقطع الدم، تصلي وتصوم فيجوز لزوجها أن يأتيها، فلا عبرة بتحديد أربعين يوماً، بل الصحيح ألا يحدد زمن للولادة فقد ينقطع الدم في يوم أو يومين أو ثلاثة أو غير ذلك، فإذا انقطع الدم فعليها أن تغتسل وتصوم وتصلي ولا تنتظر الأربعين يوماً.
стр. 6773
نصيحة لمن لا يعبد الله إلا في رمضان
السؤال
هناك كثير من الناس لا يعرف الصلاة والأعمال الصالحة إلا في شهر رمضان، وكأنهم يرون أن العبادة في شهر رمضان فقط، فما هي نصيحتك لهم جزاك الله خيراً؟
الجواب
وجد في أوساط الناس لجهلهم وعدم فقههم وقلة خبرتهم بالكتاب والسنة من يعمل أعمالاً كأنهم يخادعون الله بها، يتركون الصلوات بقية الأسبوع فإذا جاء يوم الجمعة تطيب واغتسل، وتسوك بالسواك وأتى في الصف الأول يقرأ سورة الكهف، ظاناً أن هذا اليوم يكفر له سائر الأيام؛ لأن هناك حديث يقول: ﴿والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهما﴾ لكن في الحديث ﴿إذا اجتنبت الكبائر﴾.
ومن أعظم الكبائر ترك الصلاة في جماعة، أو ترك الصلاة بالكلية، فأي فقه هذا؟! ومن الناس من يسيء في السنة كلها، فإذا أتى رمضان أتى عبداً صالحاً، ودخل في رمضان بنسك وعبادة، وتحرى صلاة التراويح مع الناس، حتى إن بعضهم لا يصلي صلاة الجماعة مع المسلمين في المساجد، ويحرص على صلاة التراويح، والتراويح نافلة، وصلاة الجماعة يقول ابن تيمية فيها: شرط في صحة الصلاة، كما نقل ذلك عنه صاحب السلسبيل وقال غيره: واجب من الواجبات التي لا يعذر الإنسان بتركها إلا بعذر شرعي.
فانظر لقلة الفقه، يأتي من مسافات بعيدة لصلاة التراويح، ويترك الصلاة الفريضة، وصلاة فريضة واحدة في جماعة أعظم أجراً من صلاة التراويح ثلاثين ليلة، فأي فقه هذا، فأنا أوصي من كان هذا حاله أن يستغفر الله ويتوب إليه، فإن رب رمضان هو رب الأشهر جميعاً ، وهو يطلع على السر وأخفى.
وما أعجب العبد إذا خرج منه رمضان، ثم انسلخ من العبودية، وخلع جلباب الوقار، وترك الإقبال على الله ، وصار في حالته الأولى، فأي فائدة للصيام؟ وأي مصلحة في القيام؟! وما هي آثار رمضان عليه؟!
стр. 6774
حكم من صام في بلد وسافر إلى بلد آخر
السؤال
ما حكم من ثبت في بلده دخول شهر رمضان، فصام ثم سافر إلى إحدى البلدان الغربية فوجدهم لم يصوموا بعد؛ لأنهم لم يثبت عندهم دخول شهر رمضان، فهل يعمل بصيامهم أم بصيام البلد الذي وصل إليه، وإذا أتم الشهر هناك، فهل يعيد معهم؟ وإذا لم يصم إلا ثمان وعشرين يوماً فهل يقضي يوماً؟
الجواب
هذا السؤال فيه مسائل، وهي تبنى على أمور، منها: هل للناس رؤية واحدة ومطلع واحد، أم يصومون ويفطرون باختلاف المطالع، والصحيح أن لهم أن يصوموا باختلاف المطالع وباختلاف الرؤيا، لحديث مسلم عن كريب، أنه صام في الشام عند معاوية فرأوا الهلال يوم الجمعة، فقدم على ابن عباس، فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قال: رأيناه ليلة الجمعة، قال: فنحن لا نصوم حتى نراه أو نكمل عدة رمضان، فإنا ما رأيناه إلا يوم السبت.
فمن صام في بلد وسافر إلى آخر، فعليه أن يصوم بصيام ذاك البلد ويفطر مع أهل ذاك البلد؛ لأنه ورد في حديث صححه الترمذي، وضعفه بعض أهل العلم: ﴿الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس﴾ فالمسلم إذا وجد في بلد لا يتعجل الفطر، بل يبقى حتى يفطر مع الناس في ذلك البلد.
أما أن يكون ثمان وعشرين، فصورتها أن يتقدم الشهر في البلد الذي يسافر إليه، ويتأخر في بلده، فنقص عليه يوم، ثم سافر إلى ذاك البلد، فأتى عليه ثمان وعشرين.
والذي أعرفه أن الشهر لا بد أن يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً.
يقول صلى لله عليه وسلم: ﴿إنا أُمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا﴾ أي: تسعة وعشرون يوماً، ثلاثون يوماً، أما ثمانية وعشرون فلم يكن الشهر ثمانية وعشرين، وقد ثبت أن الناس صاموا رمضان في عهد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، لكنهم قضوا يوماً عنه، فالشهر لا بد أن يكون تسعة وعشرين، فعلى من صام ثمانية وعشرين يوماً أن يصوم يوماً، لكن لم أدر كيف الكيفية، هل له أن يفطر مع أهل أولئك البلد، ثم يقضي يوماً مكان ذاك اليوم، أو عليه أن يؤخر الفطر، ثم يكمل تسعة وعشرين يوماً ثم يفطر، هذه تحتاج إلى تحقيق، وهي تقبل الاجتهاد؛ لأني لا أعرف فيها نصاً، هذا ما يحضرني في هذه المسألة.
стр. 6775
صوم يوم العيد
السؤال
هل يجوز صوم يوم العيد؟
الجواب
أما صوم العيد من حيث هو فقد حرم ﷺ صوم عيد الفطر وعيد الأضحى.
стр. 6776
الزينة الظاهرة
السؤال
ما هي الزينة الظاهرة؟ وما حكم خروج طرف الثوب من تحت العباءة الطويلة، ومن غير قصد لإخراجه؟
الجواب
الزينة الظاهرة هي كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال ابن عباس ﵄: [[ما ظهر من الثياب]] لكن كل ما يسمى زينة في اللغة، فهو زينة، وربما عذرت المرأة بإخراجها، لكن المقصود عند أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم هو زينة الحلي وزينة اللباس التي لا تلبسها المرأة إلا في البيت؛ لأنها من باب التزين لغير الزوج، وقد نهي عن التزين لغير الزوج أو الخروج بالزينة، أو خروج المرأة متطيبة متعطرة من بيتها فليعلم ذلك.
وأما خروج الثوب من العباءة فلا بأس به إن شاء الله، إذا كانت المرأة حجبت وجهها ويديها، لكن المقصود في المسألة ألا يكون هناك زينة جميلة، تغري بالنظر، وتثير القلوب، وتأتي بالفتنة، وهي زينة الثياب الجميلة التي لا تلبس إلا للزوج، وأنا قلت في أول الكلمة: عليها أن تلبس ثياباً متبذلة، تخرج بها إلى المصلى ولا تتطيب حتى تعود من المسجد.
стр. 6777
الزكاة
السؤال
هل في ثلث الميت الذي أوصى به زكاة؟
الجواب
الميراث إذا حال عليه الحول فيه زكاة، والوصية التي أوصى بها إذا بقيت مع الورثة بأيديهم فإنها تزكى، لكن تصرف إلى الموصى به، فإذا لم تصرف الوصية حتى حال عليها الحول، فيزكيها من هي بيده الذي يسمى الوكيل أو الأمين أو الضمين، وأما إذا صرفت إلى مستحقها فيبدأ حوله منذ أن استلم هذا المال وهذه الوصية، ويبني على أول وصول الوصية إليه، ثم يزكيها على تمام الحول.
стр. 6778
إعانة المجاهدين
السؤال
أنا شخص ذهبت إلى أفغانستان في الجبهة العربية، ووجدتهم بحاجة للتذكير والتعليم فما رأيك بالزيارة لهم؟
الجواب
أحسنت بارك الله فيك، ونذكر الإخوان أن المجاهدين الأفغان والمجاهدين المسلمين في فلسطين بحاجة إلى عون، والعون هذا من أعظمه أن تدعو لهم في السر والعلن، وفي أدبار الصلوات بالنصر والتثبيت، ومنه المال، ومن استطاع أن ينفع بعلمه أو بدعوته فليذهب، وأما اقتراحك فمقبول، وإذا كتب الله ويسر فهذا وارد إن شاء الله.
стр. 6779
حال حديث أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً
السؤال
كتاب صور من حياة الصحابة يدرس في المرحلة المتوسطة وفيه حديث يقول: إن أبا عبيدة عامر بن الجراح يدخل الجنة وهو يحبو، فهل هذا صحيح؟
الجواب
ربما الوهم منك أو من الأستاذ صاحب صور من حياة الصحابة، فالذي ورد أنه يدخلها حبواً هو عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، وليس أبا عبيدة عامر بن الجراح، وهذه القصة خطأ موضوعة وكذب، فـ عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وقضية أنه يدخل الجنة حبواً لا تثبت، وقد ردها ابن تيمية وأنكرها، فالقصة نقلت عن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة، وليست عن أبي عبيدة ولا تصح كما قلت.
стр. 6780
التقليل من النوم في رمضان
السؤال
أنا شاب أريد أن استفيد من شهر رمضان، فما هو البرنامج الذي تنصحونني به؟ وأيهما أفضل النوم في الليل أم السهر حتى وقت السحور؟
الجواب
أنت أعرف بقلبك وبما يقربك من الله ، لكن الذي أنصحك به أن تقلل من النوم، ولا بد من شيء من النوم في رمضان في النهار، كقيلولة أو قبل الظهر، لكن تقلل من النوم، ولا تفعل كما يفعل كثير من الناس الذين ينامون كثيراً من النهار وبعضهم ينام كل النهار ولا يقوم إلا للصلوات، فهذا ما كأنه صام، ولو أن صومه صحيح، لكن أسرار الصوم، ومقاصد الصيام ما وصلت إلى قلبه إلى الآن.
فأرى أنك إذا صليت مع المسلمين التراويح أن تذهب إلى بيتك فتنام، ثم تقوم وقت السحر، وتأخر السحور حتى ما يكون بينه وبين الفجر إلا شيء قليل، فتقوم فتذكر الله، وتصلي ما كتب الله لك وتتسحر، ثم تصلي مع الجماعة في المسجد، ثم تعود، فتذكر الله حتى طلوع الشمس في بيتك أو في المسجد، ثم يكون لك ورد من القرآن ومن الضحى وتكثر منه وإذا لم يكن هناك دراسة منهجية، وإن كان هناك دراسة فتذهب إليها، فإذا عدت فلا بأس بالراحة، إما قبل الظهر وإما بعد الظهر.
فإذا استيقظت من صلاة العصر فصلها ثم خذ هذا الوقت من العصر إلى الغروب، وقسمه بين تلاوة القرآن بتدبر، وبين ذكر، ودعاء، ومناجاة لله؛ لأنها فرصة لا تتكرر، وللصائم دعوة لا ترد، وهذا قبل إفطاره، فاغتنم الدعاء في مثل هذا الوقت، فإذا أفطرت وصليت المغرب، بقيت مع أهلك في إفطارك، وأنت تحمد الله على هذه النعم، ثم تعود إلى برنامجك الأول.
والمقصود أن تمضي أكثر الساعات في العبادة والذكر وتلاوة القرآن، وأن تجعل للنوم أوقاتاً محددة، وحبذا أن يكون غالبها في الليل لا في النهار.
وأما قولك: هل تسهر من صلاة التراويح إلى السحر، فإن كان فيه منفعة كأن تصلي أو تقرأ القرآن أو ما أتى لك وقت في النهار، فلا بأس في ذلك، وإلا فالأفيد لك والأنفع أن تنام، وأن تأخذ مكانه من وقت النهار.
стр. 6781
حكم من جامع في نهار رمضان
السؤال
اثنان أحدهما جامع في نهار رمضان جاهلاً بالحكم فماذا عليه؟ والآخر جامع عالماً بالحكم فماذا عليه؟
الجواب
روى الجماعة منهم البخاري ومسلم، من حديث سلمة بن صخرة البياضي أنه جامع في نهار رمضان، فأتى الرسول ﵊، فقال: ﴿يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا أجد، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل أوقعني ما أوقعني إلا الصيام؟ قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: على أفقر مني يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها -أي: حرتي المدينة - أفقر مني، فأُتي ﷺ بمكتل، فدفعه إليه﴾ فتبسم ﷺ من فعله يوم أتى يسأل، وعاد بهذا المال، فهذا كفارة من جامع في نهار رمضان عمداً.
أما الجاهل فالذي يظهر من نصوص الشريعة أنه ليس عليه كفارة؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ حتى يأتيه الحكم، ورجح كثير من أهل العلم من المحققين أن الناسي يدخل في حكم الجاهل، وأن من نسي فجامع فليس عليه كفارة، فالجاهل والناسي في هذا الحكم.
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ويقضي هذا اليوم الذي أفطر فيه بدون كفارة.
ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 6782
صفات أولياء الله
عباراتٌ رائعة، سردها الشيح متناسبة مع روعة العنوان -صفات أولياء الله- ذكر من صفاتهم عشر صفات، أوردها إجمالاً في مستهل حديثه، ثم تكلم عنها بالتفصيل، ذاكراً في ثنايا كلامه ضوابط مهمة في الأولياء، وفي معرفتهم وآراء أهل السنة والجماعة في مختلف القضايا.
стр. 6783
معرفة أولياء الله
يا محفل الخير حَيَوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه
قد أطرب الأذن فانصاعت لنغمته وأطرقت برهة تسعى لفحواه
يقول للجيل والإيمان رافده عودوا إلى الله قد ناداكم الله
عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يُشيدون لنا مجداً أضعناه
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام الله عليكم يا أولياء الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٥] هم أولياء الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣،٦٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
عنوان هذا الدرس: صفات أولياء الله.
جعلنا الله من أوليائه، وحشرنا الله في زمرة أوليائه، وأظلنا الله في ظله مع أوليائه.
من هم أولياء الله؟
أمن لبس العباء وتمشلح بالقباء ونام في العراء؟
من هم أولياء الله؟
أمن أتى بالمراسيم، وقُبِّل كفه حتى أنزل منزلة العظيم، وانحني على صدره حتى كأنه ملك كريم؟
من هم أولياء الله؟
أمن لبس العمائم أو الغتر الحمراء، أو الثياب البيضاء، أو المناصب العالية، أو المراكب الوطية، أو الفلل البهية؟
من هم أولياء الله؟
أأهل الحشود والجنود والبنود؟ أأهل الأعلام الفئام؟!
من هم أولياء الله؟
العلماء أم طلبة العلم؟ العوام أم الجنود؟ التجار أم الفلاحون؟
من هم أولياء الله؟
ذلكم ما سوف نجيب عليه إن شاء الله.
أولياء الله لهم عشر مواصفات جمعتها عموماً ومجملاً، وإلا فتفصيلها يدخل في مئات الجزئيات، فمن وجد ذلك في نفسه فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سعدى فهو دمع مضيع
стр. 6784
صفات أولياء الله مجملة
أول صفاتهم: إخلاصهم للواحد الأحد.
ثانيها: أنهم يرضون بالرسول ﷺ إماماً وقدوة وأسوةً ومعلماً، ولا يرضون بغيره ولا يحكمون بعد كلام الله إلا كلامه، فهو معصوم.
والصفة الثالثة: يحبون في الله، ويبغضون في الله، ويوالون في الله، ويعادون في الله، ويعطون في الله، ويمنعون في الله، لا على مشرب ولا هيئة ولا انتماء ولا تحزب قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥].
الصفة الرابعة: سلامة صدورهم للمسلمين، فصدورهم للمؤمنين بيضاء وألسنتهم سليمة عفيفة من أعراض المسلمين.
والصفة الخامسة: حرصهم على إتمام الفرائض وأداء النوافل، فيتقربون إلى الله بالسجود وبالعبادة والخشوع، وبالتلاوة والصدقة وصيام النوافل، وسوف يأتي لها تفصيل.
الصفة السادسة: سلفيتهم في المعتقد وسنيتهم في السلوك، فلا يصانعون مبتدعاً ولا يداجون مارداً.
اعتقادهم اعتقاد السلف، فلا يتجمعون تحت مظلة بدعية، ولا يرضون بمبتدع أن يكون أخاً لهم أو حبيباً أو قريباً، ولا يتنازلون في المعتقد؛ بل معتقدهم معتقد السلف الصالح: معتقد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأضرابهم وأمثالهم من أهل السنة والجماعة، فلا منازلة ولا اختيار ولا مداجاة، ولا لبس ولا غبش، فعقيدتهم سلفية صرفة مأخوذة من الكتاب والسنة.
أما الصفة السابعة: يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون الحق ويقبلونه ممن قاله، ويستضيئون بالحق، ويصبحون على الحق ويمسون على الحق.
الصفة الثامنة: أنهم يحبون الجماعة -جماعة المسلمين- الذين يستقبلون القبلة خمس مرات في كل يوم وليلة، هؤلاء هم جماعة المسلمين الذين يجتمعون على الكتاب والسنة؛ تجار وعوام وعلماء وجنود وفلاحون، يحبون جماعة المسلمين ويكرهون الفرقة، ويسعون إلى جمع الشمل ونبذ الاختلاف، فمن سعى في تفريق الكلمة فقد نقص في الولاية بنقصه من هذه الجزئية.
والصفة التاسعة من صفاتهم: أنهم يعودون إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فيتحاكمون إلى الكتاب والسنة إذا اختلفوا، ولا يرضون منهما بديلاً، ولا يعودون إلى الآراء والأهواء.
أما الصفة العاشرة: فيقولون بالحق وبه يعملون وإليه يدعون، ثم إن لهم منهج تنظير مؤسس وهو الكتاب والسنة.
стр. 6785
من أولياء الله أبو بكر الصديق
يا إخوتي في الله: لم ترفع أبا بكر الصديق تجارته، فقد كان تاجراً ولكن أنفقها في سبيل الله، ولا منصبه فقد كان خليفة لكن -والله- ما رفعه ذلك عند الله.
الذي رفعه أنه ولي من أولياء الله.
يقول ﵊ كما في صحيح البخاري: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الريان، دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد﴾ إلى آخر تلك الأبوب، فينبري أبو بكر ويقول: ﴿يا رسول الله! أيدعى أحد من أبواب الجنة الثمانية؟ فيقول ﷺ : نعم.
وأرجو أن تكون منهم﴾ يقول ابن القيم:
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: ﴿من زار منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: من شيع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال ﷺ : من تصدق منكم اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: لا تجتمع في رجل في يوم واحد إلا دخل الجنة﴾ قال تعالى: ﴿* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١] هذه مواصفات أولياء الله ﵎.
стр. 6786
من صفات الأولياء الإخلاص
من مواصفات أولياء الله إخلاص العمل لوجه الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] تباً لمن عمل لغير الله، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة، ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به﴾.
فصفة أولياء الله أنهم يريدون بعملهم وجه الله، يقولون لأحد الصالحين وهو ابن سيرين: صل بنا.
قال: لا والله، أخشى أن أتقدم لأصلي بكم فينصرف الناس يقولون: صلى بنا ابن سيرين.
فترك الصلاة خوف الشهرة!
وقالوا عن إبراهيم النخعي: كان إذا جلس عنده أربعة قام وتركهم وقال: أخاف أن يجتمع علي الناس.
إنهم أخلص منا، ولكن كما قال الأول يوم خالط مثلنا:
لعمر أبيك ما نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رعي الهشيم
إنهم كانوا يلاحظون الله في خطراتهم وسكناتهم.
وفي الحديث: ﴿أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ قرأ القرآن، يقول الله: أقرأتك القرآن وعلمتك العلم، فماذا فعلت به؟ قال: قمت به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار؛ فيدهده على وجهه في النار﴾ وكذلك صاحب المال والمقاتل في المعركة.
إذاً أول ميزة لعباد الله: إخلاص العمل، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
فأول ما ندعو أنفسنا وإياكم إلى إخلاص العمل لوجه الله.
أبو إسحاق الشيرازي عالم الشافعية في القرن الخامس يقولون: ما كان يتكلم بكلمة، ولا يلقي درساً إلا بعد أن يصلي ركعتين، ويدعو الله أن يتقبل منه.
ابن الجوزي واعظ الدنيا، كان إذا أراد أن يخطب في الناس ويعظهم مرغ وجهه في التراب وبكى وقال: يا رب استرني وتقبل مني (أو كما قال).
فلذلك ميز أهل السنة عن غيرهم إخلاصهم العمل لوجه الله، وفي الصحيح يقول الله للمرائين يوم القيامة: ﴿اذهبوا إلى من أشركتم معي فيه فخذوا أجوركم منهم﴾ أو كما قال في الحديث.
стр. 6787
حقيقة الإخلاص
يا إخوتي في الله أما في حقيقة الإخلاص: فهو كما قال القشيري في رسالته.
الإخلاص أن تعمل عملاً لا ترجو ثوابك فيه إلا من الله.
وقال غيره: ألا يحول بينك وبين الله خلق.
وقال غيره: أن يكون عملك أمام الناس وفي الخلوة سواء، تصلي وحدك كأنك أمام الناس، وتصلي أمام الناس كأنك وحدك.
ابن تيمية -وأنا أذكره كثيراً وبعض الناس يلومون عليَّ ذلك، وقد كان ابن الجوزي كما يذكر عنه ابن رجب في طبقات الحنابلة أنه قيل له: فيك خير إلا إنك تكثر من ذكر الإمام أحمد.
فقال: سبحان الله! تلومونني من ذكر الإمام أحمد كثيراً! ثم أنشد على المنبر:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوبُ
وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
يقول: لا أتوب من ذكر الإمام أحمد، بل دونه قطع الرءوس.
فـ ابن تيمية كان مخلصاً لله، حتى ذكر ابن عبد الهادي أنه لما دخل الإسكندرية اجتمع له الناس، فيقول أحد تلاميذه: يا شيخ الإسلام! هؤلاء يريدون قتلك؛ فنفخ في كفه وقال: والله كأنهم ذباب.
لماذا؟ لأنه عرف الله فـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:١ - ٣].
стр. 6788
اعتقاد أن القدرة لله سبب للإخلاص
ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن علي بن أبي طالب سيف الله المنتضى والإمام المرتضى جلس تحت حائط يريد أن ينقض، يقضي بين رجلين فقال أحد المسلمين لـ علي: الحائط يريد أن ينقض عليك.
قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قضى بين الرجلين وقام من مجلسه؛ انقض الحائط مكانه! قال علي ﵁ في بيتين:
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا يغني الحذر
فالذي بيده الضر والنفع هو الله، والمغني هو الله والمفقر هو الله والمحيي والمميت هو الله.
ولذلك كان من أسباب الإخلاص عند أهل السنة والجماعة وأولياء الله أنهم جعلوا القدرة لله والنفاذ والحكم والتصريف والخلق والإماتة والرزق والتدبير لله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
إذاً -يا إخوتي في الله- علينا أن نطالب أنفسنا بالإخلاص؟
وأخص خصائص أولياء الله الإخلاص، دعوتهم لوجه الله، صلاتهم لله، طلبهم العلم لله، وذكروا عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه كان يبكي إذا ذكرت عنده أحاديث الرقائق (إذا ذكر الموت بكى) فيشوص أنفه ويقول: ما أشد الزكام! كأنه مزكوم وهو يبكي، يقول ابن الجوزي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن به مضغ الكلام ولا مزج الحواجيب
يا للصدق! يا للوضوح! بعض الناس يريد أن يدري الناس أنه زاهد، فيأخذ ثوباً ممزقاً مقطعاً، وقد سكنت الدنيا في قلبه بعماراتها وسياراتها ومعارضها وأسواقها! يشتري ثوباً بخمسة عشر ريالاً وقلبه يريد ثوباً بألفي ريال! الزهد ليس في الثياب الممزقة، ولا في الرقع المخرقة، ولكن الزهد في صدق القلوب، ومجافاة الحرام، والتقلل من الدنيا بشيء لا يزري بك عند الله ثم عند الناس.
стр. 6789
من صفات أولياء الله الرضا برسول الله ﷺ إماماً وقدوة
أما الصفة الثانية من صفات أولياء الله تعالى: فهي أنهم يرضون برسول الله ﷺ إماماً ويحكمونه ويقتدون به، ويكون أحب إليهم من أسماعهم وأبصارهم، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾ وقال تعالى: ﴿
الجواب
=٦٠٠٠٥٥٧>> فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 6790
تعظيم النبي ﷺ
الإمام مالك كان يدرس الموطأ في مسجد الرسول ﷺ ، وفي أثناء قراءته الكتاب، أتته عقرب فلدغته ثلاث عشرة لدغة، فما تغير إلا وجهه، وبعدما انتهى رأى اللدغات في ساقه فمسحها بترياق.
قيل له: لِمَ لم تقطع الحديث؟ قال: سبحان الله!! أقطع حديث الحبيب من أجل لدغ عقرب!! أي حب هذا وأي اشتياق؟!
سعيد بن المسيب سئل عن حديث وهو في مرض الموت، فقال: أجلسوني، لا ينبغي أن يذكر ﷺ وأنا مضطجع.
ولذلك كان كثير من الصالحين إذا رأوا آثار معالم الرسول ﷺ في المدينة وما حولها بكوا، فكيف لو رأوه؟!
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وفي الصحيح يلتفت محمد ﵊ إلى جبل أحد ويقول: ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ سبحان الله حتى الجبال تحبك! نعم لأن لك بإذن الله منة على الأرض بمنة الله ﵎.
يقف في أول خطبة يخطبها ﷺ على المنبر الجديد ويترك جذع النخلة الذي كان يخطب عليه منذ زمن، فيحن الجذع كحنين النوق العشار (الإبل) ويسمع له كبكاء الأطفال! خشبٌ يبكي! إنه لحق مثلما أنكم تنطقون -هذا في صحيح البخاري عن جابر - فينزل الرسول ﷺ فيضع يده على الجذع، ويسكته حتى يسكت.
يقول الحسن البصري معلقاً: عجباً لكم! جذع يحن للرسول ﵊ وأنتم لا تحنون!
стр. 6791
حب النبي وتقديمه على كل أحد
إذاً من صفات أولياء الله: حبهم العظيم للرسول ﵊ فلا يرضون إماماً غيره.
وأنا أحذر نفسي وإياكم، خاصة طلبة العلم والدعاة، أن يغالوا في بعض الأشخاص من المنظرين وممن لهم زعامات أن يجعلوا في مكانة الرسول ﵊ وفي صدارته فذلك خطأ وغلو والله تعالى يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].
يا إخوتي في الله محمد ﵊ معصوم، وما رضي الله إلا هو ليكون لنا قدوة، بعض الناس يذكر بعض الأشخاص أكثر من ذكر المصطفى ﵊.
إذاً من صفات الأولياء أنهم يقتدون بالرسول ﵊، خالف ذلك أهل البدعة فاقتدوا بأئمتهم كـ الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأذنابهم وأمثالهم من الفجرة.
وخالف في ذلك غلاة الصوفية فاعتقدوا بمشايخهم وجعلوهم أئمة.
وخالف في ذلك متعصبة المتفقهة من أهل المذاهب الغالية فقدم بعضهم أقوال الأئمة، كأقوال أبي حنيفة أحياناً، وأقوال مالك أو الشافعي أو أحمد أحياناً أخرى على قول الرسول ﷺ !! وتوسط أهل السنة فجعلوا إمامهم رسول الهدى ﷺ .
إذاً فليحفظ هذا المبدأ: إن القدوة لـ أهل السنة وأولياء الله محمد ﵊ في كل شيء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فإنني أطالب نفسي وإياكم بالاقتداء به، في المعتقد والحال، والفعال والأقوال، ولا نجعل بيننا وبين الله في التبليغ واسطة إلا محمداً، وأما في الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء، فلا نجعل بيننا وبين الله واسطة أبداً.
стр. 6792
الحب والبغض في الله
من صفات أولياء الله وهي الصفة الثالثة: حبهم وبغضهم في الله، يحبون الأشخاص لقربهم من الله ويبغضون الأشخاص لبعدهم عن الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]
يقول ﷺ فيما رواه أبو داود بسند صحيح: ﴿من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان﴾
إذاً فلا يحبون أحداً لنسب إضافية، أو لمواصفات أو ملابسات أو لأنه وافقهم في مشرب، أو اتجه معهم في اتجاه، أو ذهب معهم تحت مظلة، فإنهم إذا أحبوا هذا الشخص لهذه المواصفات فقد أخطئوا خطأً بيناً، ولا نعفيهم من أنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغير الله.
إذاً أهل السنة يحبون الأولياء، ولا بأس أن نقف مع الوليين العظيمين: الشافعي وأحمد اللذين هما من أولياء الله الكبار، ولذلك رفعهم الله، يقول : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وانظر كم تردد ذكرهما في المحافل والندوات والمحاضرات والمنابر.
زار الشافعي أحمد في ليلة من الليالي -كما في السير- فقدم الإمام أحمد عشاءً للشافعي من عشائه، لا طازجاً ولا مثلجاً، خبزة من شعير وزيت، ذلك هو عشاء إمام أهل السنة والجماعة p=١٠٠٠٠٢٣>> أحمد بن حنبل الذي يحفظ ألف ألف حديث فأكل الشافعي ماشاء الله وزاد عن عادته، فلما أراد أن ينام وضع له الإمام أحمد مطهرة يتوضأ فيها ليصلي الليل، فنام الشافعي فما قام حتى الفجر، فأتى الإمام أحمد فأيقظه، فلما صليا الفجر قال الإمام أحمد: عجبت منك بخصلتين.
قال: ما هما؟ قال: قدمت لك عشاء فأكثرت الأكل على غير عادة أهل العلم، وقدمت لك طهوراً تتوضأ به فما توضأت وقمت تصلي، فكأنك ما صليت الليل.
قال: أما عشاؤك فلي ثلاثة أيام ما أكلت طعاماً، فأردت أن آكل من طعامك، وعلمت أنه من حلال فأكثرت منه، وأما أنني ما قمت الليل فوالله ما نمت من صلاة العشاء إلى الفجر أتفكر في آيات الله!
هذا الإمام الشافعي الذي كان يدعو له الإمام أحمد انظر الصفاء!
أما الآن فأكثر التشريح والتجريح والخناجر المسمومة في المجالس بين بعض طلبة العلم!
الإمام أحمد في السحر قبل صلاة الفجر يقول: اللهم اغفر للشافعي، اللهم ارحم الشافعي، اللهم ارض عن الشافعي؛ فيقول ابنه صالح: يا أبتاه أراك تدعو للشافعي كثيراً! قال: يا بني! أتدري ما مثل الشافعي؟ قال: لا.
قال: مثل الشافعي كالشمس للأرض وكالعافية للأبدان فهل منهما بديل؟
يأتي الشافعي وهو أكبر من الإمام أحمد سناً، فيزوره دائماً ويجلس معه! فيقول تلاميذ الشافعي للشافعي: كيف تزور أحمد وهو أصغر منك؟! فرد عليهم في بيتين:
قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله
إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له
خرج الشافعي من بغداد وهو يعانق أحمد وهو يبكي، فيقول الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم ولا أخشى من الإمام أحمد.
إمام أهل السنة والجماعة.
فمن صفات الأولياء أنهم يتحابون في الله: الشافعي يكتب لـ أحمد قصيدة ويقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وجد من بعض الملتزمين المستقيمين من يصلي الخمس ويصوم رمضان ويحج البيت، ولكن يحب العصاة! جلساته مع العصاة، سمراته وسهراته مع أعداء الله، معهم في الليالي الحمراء، في الشاطئ الأثيم المتهم، في جلسة تغضب المولى !
حب الله وحب أعدائه لا يلتقيان في القلب، إن من أحب الله أحب أولياء الله وكره أعداء الله.
يا إخوتي في الله: تمييز الولاء والبراء لمن؟
وممن يكون البراء ولمن يصرف الحب؟
حب الإنسان لسنته، الإمام أحمد يقول: أرى الشيخ الكبير يخضب لحيته (بالحناء أو ما شابهه) فأفرح به وأحبه، لأنه أحيا شيئاً من السنة.
فهنيئاً لك يا أبا عبد الله تحب إنساناً فقط لأنه أحيا سنة الخضاب من المسلمين! فكيف بمن يصلي الخمس ويصوم الشهر ويدافع عن الرسول ﷺ ويحب سنته!
стр. 6793
سلامة الصدر للمسلمين
ومن صفاتهم سلامة صدورهم للمسلمين.
стр. 6794
ترك الغل والحقد والحسد
ومن سلامة الصدور للمسلمين أنهم لا يجدون غلاً ولا حقداً ولا حسداً ولا غشاً لعباد الله ، ويوجد من يحقد حقداً ذريعاً على إخوانه وذلك لأنهم خالفوه في جزئيات أو فرعيات، فهو يريد لهم الموت الأحمر.
الرسول ﷺ يجلس في المسجد، فيطلع رجل متوضئ تنطف لحيته ماء، قد أمسك نعله في يده الشمال وقبل أن يدخل يقول الرسول ﵊: ﴿يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فيطلع هذا الرجل وفي اليوم الثاني يقول مثل ذلك: فيدخل ذاك الرجل، وفي اليوم الثالث يقول مثل ذلك، فيذهب معه عبد الله بن عمرو ليرى عبادته فلا يجد هناك عبادة كثيرة، فيقول: إني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، ثلاث مرات فطلعت أنت الثلاث مرات، ولم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال عبد الله: فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشاً ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه﴾ منزلة رفيعة! قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
من ميزات أولياء الله: سلامةُ صدورهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] صفاءٌ أطهر من حمام الحرم، وأنقى من ماء المزن، لا يجدون على المسلمين.
جاء عند أحمد في المسند بسند جيد: ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم -من الغل والحقد والغشش والهيجان-: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم﴾ فلابد من صفاء السريرة.
стр. 6795
حفظ أعراض المؤمنين
والجزئية الثانية في سلامة صدورهم: حفظ أعراض المؤمنين، فهم يحفظون أعراض المؤمنين في مجالسهم.
لسانك لا تذكر به عورةَ امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً فصنها وقل: يا عين للناس أعين
قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] هذه هي صفات الأولياء، ليس هناك ألغاز وأحاجي في الأولياء، ليس لهم طول ولا قصر ولا ألوان ولا عمائم، ولا يلبسون القباء أو العباء بل مميزاتهم في صفاتهم.
غلاة الصوفية يقولون: من صفا واكتفى حتى بلغ الكفى إلخ هذه الخرابيط ظلمات بعضها فوق بعض، وقد تجد بعضهم لا يعرف كيف يصلي؛ أو تجده مرابياً أو دجالاً أو مشركاً أو صاداً للناس عن عبادة الله، ويجعلونه ولياً من أولياء الله، وهو عدو من أعداء الله!
الولي لا يشترط فيه أن يكون أستاذاً أو مدرساً أو داعية أو تاجراً أو جندياً أو فلاحاً، وقد يوجد الأولياء من هؤلاء جميعاً، فلعلك تجد ولياً فلاحاً، فالذي يقيم الصلوات الخمس وينقي سريرته ومعتقده على السنة؛ فهو من أولياء الله تعالى.
فسلامة أعراض المسلمين من ألسنة المؤمنين من علامات أولياء الله المتقين، بلغنا الله وإياكم منزلة الولاية، ويا شوقنا لتلك المنزلة!
يا إخوتي في الله: ليس الظفر بالرسائل غاية، والله إنها بلا إيمان هباء منثور، وإن رسائل الدكتوراه ولاية حقيرة هزيلة، وإنها غضب ولعنة على أصحابها إن لم يتقربوا بها إلى الله.
في المناصب، فرعون تولى أعظم منصب لكنه ملعون.
أما الأغنياء؛ فقارون تولى أعظم ثروة لكنه ملعون.
الأولاد: الوليد بن المغيرة عنده عشرة أولاد لكنه ملعون.
بلال عبد حبشي، لا يساوي عند الجاهليين فلسين، أسلم وتقلد بالولاية.
يقول عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]].
أبلال فاسلم يا إمام معاشر ولأنت أعظم في الجباه السجد
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال
بلال داعية السماء إلى أهل الأرض، في صحيح البخاري يقول ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة، فسمعت دف نعليك يا بلال! فماذا كنت تصنع؟
ألأسرته؟ لا أسرة له.
ألمنصبه؟ لا منصب.
ألولده؟ لا ولد.
ألجاهه؟ لا جاه.
قال: يا رسول الله! إني ما توضأت في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت ركعتين، قال: فبذاك دخلت الجنة.
﴾
следующие страницы →