Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
حب النبي وتقديمه على كل أحد
إذاً من صفات أولياء الله: حبهم العظيم للرسول ﵊ فلا يرضون إماماً غيره.
وأنا أحذر نفسي وإياكم، خاصة طلبة العلم والدعاة، أن يغالوا في بعض الأشخاص من المنظرين وممن لهم زعامات أن يجعلوا في مكانة الرسول ﵊ وفي صدارته فذلك خطأ وغلو والله تعالى يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].
يا إخوتي في الله محمد ﵊ معصوم، وما رضي الله إلا هو ليكون لنا قدوة، بعض الناس يذكر بعض الأشخاص أكثر من ذكر المصطفى ﵊.
إذاً من صفات الأولياء أنهم يقتدون بالرسول ﵊، خالف ذلك أهل البدعة فاقتدوا بأئمتهم كـ الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأذنابهم وأمثالهم من الفجرة.
وخالف في ذلك غلاة الصوفية فاعتقدوا بمشايخهم وجعلوهم أئمة.
وخالف في ذلك متعصبة المتفقهة من أهل المذاهب الغالية فقدم بعضهم أقوال الأئمة، كأقوال أبي حنيفة أحياناً، وأقوال مالك أو الشافعي أو أحمد أحياناً أخرى على قول الرسول ﷺ !! وتوسط أهل السنة فجعلوا إمامهم رسول الهدى ﷺ .
إذاً فليحفظ هذا المبدأ: إن القدوة لـ أهل السنة وأولياء الله محمد ﵊ في كل شيء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فإنني أطالب نفسي وإياكم بالاقتداء به، في المعتقد والحال، والفعال والأقوال، ولا نجعل بيننا وبين الله في التبليغ واسطة إلا محمداً، وأما في الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء، فلا نجعل بيننا وبين الله واسطة أبداً.
стр. 6792
الحب والبغض في الله
من صفات أولياء الله وهي الصفة الثالثة: حبهم وبغضهم في الله، يحبون الأشخاص لقربهم من الله ويبغضون الأشخاص لبعدهم عن الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]
يقول ﷺ فيما رواه أبو داود بسند صحيح: ﴿من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان﴾
إذاً فلا يحبون أحداً لنسب إضافية، أو لمواصفات أو ملابسات أو لأنه وافقهم في مشرب، أو اتجه معهم في اتجاه، أو ذهب معهم تحت مظلة، فإنهم إذا أحبوا هذا الشخص لهذه المواصفات فقد أخطئوا خطأً بيناً، ولا نعفيهم من أنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغير الله.
إذاً أهل السنة يحبون الأولياء، ولا بأس أن نقف مع الوليين العظيمين: الشافعي وأحمد اللذين هما من أولياء الله الكبار، ولذلك رفعهم الله، يقول : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وانظر كم تردد ذكرهما في المحافل والندوات والمحاضرات والمنابر.
زار الشافعي أحمد في ليلة من الليالي -كما في السير- فقدم الإمام أحمد عشاءً للشافعي من عشائه، لا طازجاً ولا مثلجاً، خبزة من شعير وزيت، ذلك هو عشاء إمام أهل السنة والجماعة p=١٠٠٠٠٢٣>> أحمد بن حنبل الذي يحفظ ألف ألف حديث فأكل الشافعي ماشاء الله وزاد عن عادته، فلما أراد أن ينام وضع له الإمام أحمد مطهرة يتوضأ فيها ليصلي الليل، فنام الشافعي فما قام حتى الفجر، فأتى الإمام أحمد فأيقظه، فلما صليا الفجر قال الإمام أحمد: عجبت منك بخصلتين.
قال: ما هما؟ قال: قدمت لك عشاء فأكثرت الأكل على غير عادة أهل العلم، وقدمت لك طهوراً تتوضأ به فما توضأت وقمت تصلي، فكأنك ما صليت الليل.
قال: أما عشاؤك فلي ثلاثة أيام ما أكلت طعاماً، فأردت أن آكل من طعامك، وعلمت أنه من حلال فأكثرت منه، وأما أنني ما قمت الليل فوالله ما نمت من صلاة العشاء إلى الفجر أتفكر في آيات الله!
هذا الإمام الشافعي الذي كان يدعو له الإمام أحمد انظر الصفاء!
أما الآن فأكثر التشريح والتجريح والخناجر المسمومة في المجالس بين بعض طلبة العلم!
الإمام أحمد في السحر قبل صلاة الفجر يقول: اللهم اغفر للشافعي، اللهم ارحم الشافعي، اللهم ارض عن الشافعي؛ فيقول ابنه صالح: يا أبتاه أراك تدعو للشافعي كثيراً! قال: يا بني! أتدري ما مثل الشافعي؟ قال: لا.
قال: مثل الشافعي كالشمس للأرض وكالعافية للأبدان فهل منهما بديل؟
يأتي الشافعي وهو أكبر من الإمام أحمد سناً، فيزوره دائماً ويجلس معه! فيقول تلاميذ الشافعي للشافعي: كيف تزور أحمد وهو أصغر منك؟! فرد عليهم في بيتين:
قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله
إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له
خرج الشافعي من بغداد وهو يعانق أحمد وهو يبكي، فيقول الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم ولا أخشى من الإمام أحمد.
إمام أهل السنة والجماعة.
فمن صفات الأولياء أنهم يتحابون في الله: الشافعي يكتب لـ أحمد قصيدة ويقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وجد من بعض الملتزمين المستقيمين من يصلي الخمس ويصوم رمضان ويحج البيت، ولكن يحب العصاة! جلساته مع العصاة، سمراته وسهراته مع أعداء الله، معهم في الليالي الحمراء، في الشاطئ الأثيم المتهم، في جلسة تغضب المولى !
حب الله وحب أعدائه لا يلتقيان في القلب، إن من أحب الله أحب أولياء الله وكره أعداء الله.
يا إخوتي في الله: تمييز الولاء والبراء لمن؟
وممن يكون البراء ولمن يصرف الحب؟
حب الإنسان لسنته، الإمام أحمد يقول: أرى الشيخ الكبير يخضب لحيته (بالحناء أو ما شابهه) فأفرح به وأحبه، لأنه أحيا شيئاً من السنة.
فهنيئاً لك يا أبا عبد الله تحب إنساناً فقط لأنه أحيا سنة الخضاب من المسلمين! فكيف بمن يصلي الخمس ويصوم الشهر ويدافع عن الرسول ﷺ ويحب سنته!
стр. 6793
سلامة الصدر للمسلمين
ومن صفاتهم سلامة صدورهم للمسلمين.
стр. 6794
ترك الغل والحقد والحسد
ومن سلامة الصدور للمسلمين أنهم لا يجدون غلاً ولا حقداً ولا حسداً ولا غشاً لعباد الله ، ويوجد من يحقد حقداً ذريعاً على إخوانه وذلك لأنهم خالفوه في جزئيات أو فرعيات، فهو يريد لهم الموت الأحمر.
الرسول ﷺ يجلس في المسجد، فيطلع رجل متوضئ تنطف لحيته ماء، قد أمسك نعله في يده الشمال وقبل أن يدخل يقول الرسول ﵊: ﴿يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فيطلع هذا الرجل وفي اليوم الثاني يقول مثل ذلك: فيدخل ذاك الرجل، وفي اليوم الثالث يقول مثل ذلك، فيذهب معه عبد الله بن عمرو ليرى عبادته فلا يجد هناك عبادة كثيرة، فيقول: إني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة، ثلاث مرات فطلعت أنت الثلاث مرات، ولم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال عبد الله: فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشاً ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه﴾ منزلة رفيعة! قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
من ميزات أولياء الله: سلامةُ صدورهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] صفاءٌ أطهر من حمام الحرم، وأنقى من ماء المزن، لا يجدون على المسلمين.
جاء عند أحمد في المسند بسند جيد: ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم -من الغل والحقد والغشش والهيجان-: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم﴾ فلابد من صفاء السريرة.
стр. 6795
حفظ أعراض المؤمنين
والجزئية الثانية في سلامة صدورهم: حفظ أعراض المؤمنين، فهم يحفظون أعراض المؤمنين في مجالسهم.
لسانك لا تذكر به عورةَ امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً فصنها وقل: يا عين للناس أعين
قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] هذه هي صفات الأولياء، ليس هناك ألغاز وأحاجي في الأولياء، ليس لهم طول ولا قصر ولا ألوان ولا عمائم، ولا يلبسون القباء أو العباء بل مميزاتهم في صفاتهم.
غلاة الصوفية يقولون: من صفا واكتفى حتى بلغ الكفى إلخ هذه الخرابيط ظلمات بعضها فوق بعض، وقد تجد بعضهم لا يعرف كيف يصلي؛ أو تجده مرابياً أو دجالاً أو مشركاً أو صاداً للناس عن عبادة الله، ويجعلونه ولياً من أولياء الله، وهو عدو من أعداء الله!
الولي لا يشترط فيه أن يكون أستاذاً أو مدرساً أو داعية أو تاجراً أو جندياً أو فلاحاً، وقد يوجد الأولياء من هؤلاء جميعاً، فلعلك تجد ولياً فلاحاً، فالذي يقيم الصلوات الخمس وينقي سريرته ومعتقده على السنة؛ فهو من أولياء الله تعالى.
فسلامة أعراض المسلمين من ألسنة المؤمنين من علامات أولياء الله المتقين، بلغنا الله وإياكم منزلة الولاية، ويا شوقنا لتلك المنزلة!
يا إخوتي في الله: ليس الظفر بالرسائل غاية، والله إنها بلا إيمان هباء منثور، وإن رسائل الدكتوراه ولاية حقيرة هزيلة، وإنها غضب ولعنة على أصحابها إن لم يتقربوا بها إلى الله.
في المناصب، فرعون تولى أعظم منصب لكنه ملعون.
أما الأغنياء؛ فقارون تولى أعظم ثروة لكنه ملعون.
الأولاد: الوليد بن المغيرة عنده عشرة أولاد لكنه ملعون.
بلال عبد حبشي، لا يساوي عند الجاهليين فلسين، أسلم وتقلد بالولاية.
يقول عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]].
أبلال فاسلم يا إمام معاشر ولأنت أعظم في الجباه السجد
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال
بلال داعية السماء إلى أهل الأرض، في صحيح البخاري يقول ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة، فسمعت دف نعليك يا بلال! فماذا كنت تصنع؟
ألأسرته؟ لا أسرة له.
ألمنصبه؟ لا منصب.
ألولده؟ لا ولد.
ألجاهه؟ لا جاه.
قال: يا رسول الله! إني ما توضأت في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت ركعتين، قال: فبذاك دخلت الجنة.
﴾
стр. 6796
جليبيب وليٌّ من أولياء الله
في صحيح مسلم أن رجلاً اسمه جليبيب وهو مولى ضعيف ممزق الثياب، ليس عنده دار ولا شيكات ولا بنوك، ولا سيارات ولا فلل، يأتي بثياب ممزقه فيتبسم ﷺ من حالته، حالة أهل الإيمان الذي يقول الله فيهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] يقول ﷺ لـ جليبيب: ﴿ألا تتزوج؟ قال: يا رسول الله! ومن يزوجني؟! لا أهل ولا جاه ولا مال﴾ لكن عنده أعظم من الجاه الإيمان، وعنده أعظم من المال الإيمان، وعنده أعظم من الولد الإيمان.
هبوا لي معشراً قوماً صحاحاً أدك بها حصون الكافرينا
ودكوا لي بالإيمان صرحاً متيناً من صروح الفاجرينا
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
ماذا وجد من فقد الله وماذا فقد من وجد الله؟
قال في المرة الثانية: يا جليبيب ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟ لا أهل ولا جاه ولا مال.
وفي الثالثة قال له: ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟! لا أهل ولا مال ولا جاه.
قال: اذهب إلى أهل فلان من الأنصار واطرق بابهم وقل: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تزوجوني ابنتكم.
فذهب وطرق الباب، فخرج أبو البنت: ماذا تريد يا جليبيب؟ قال: أريد الزواج من ابنتكم.
قال: الله المستعان جليبيب! قال: الرسول ﷺ يأمرني.
فعاد يشاور امرأته (حق الفيتو عند المرأة) لا يصرم حبلاً ولا يبني جداراً إلا بعد أن يشاور المرأة؛ فشاورها وعرض عليها الأمر، فهزت رأسها، فهي تعرف جليبيباً، قالت: جليبيب! الله المستعان! قال: أرسله الرسول ﷺ .
فتلكأ الرجل وتلكأت امرأته، فسمعت البنت المؤمنة الصادقة الناصحة؛ التي نريد من فتياتنا المسلمات المؤمنات أن يكن مثلها، تحب الإيمان وتحب أن تتزوج من أهل الإيمان، ولا تفضل على أهل الإيمان أهل درهم ولا دينار ولا منصب ولا مال.
قالت البنت: أتريدون أن تردوا أمر الرسول ﵊؟ لا والله لأتزوجنه، فذهب ليأتي بالمهر فأعطاه النبي ﷺ مالاً يشتري به الصداق، فسمع بالجهاد فاشترى به عدة للحرب وترك الزواج وحضر المعركة فقاتل حتى قتل، بحث عنه النبي ﷺ حين افتقد كلٌ قريبه وصاحبه فيقول ﷺ : ﴿من افتقدتم؟ قالوا: فلاناً وفلاناً وفلاناً.
قال: أتذكرون أحداً؟ قالوا: لا نذكر أحداًَ.
قال: لكني افتقدت جليبيباً، ثم ذهب يبحث عنه فوجده قد قتل سبعة ثم قتلوه، فدمعت عيناه ﷺ ﴾.
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
وقال ﵊: ﴿قتلت سبعة ثم قتلوك! أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك﴾
أتى سلمان يبحث عن الإيمان، ترك أباه وأمه وزوجته وأهله، فلما تدرع بالإيمان، وهو لا يملك قصراً ولا داراً ولا منصباً، قال العرب: من أبوك يا سلمان؟ قال:
أبي الإسلام لا أب له سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
فأولياء الله من مواصفاتهم حفظ أعراض المسلمين وحمايتها بظهر الغيب.
стр. 6797
صفاتهم في العمل والمعتقد
стр. 6798
التزود بالنوافل بعد إتمام الفرائض
أما الخصلة الخامسة من صفات أولياء الله: فهي حرصهم على إتمام الفرائض والتزود بالنوافل، الإسلام هو الفرائض والنوافل، فإذا رأيت الرجل يحافظ على الفرائض ويؤديها على أكمل وجه ويتزود بالنوافل، ويجتنب المحرمات فهو ولي من أولياء الله، هذه صفته قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
وصح عنه ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿ما تقرب إلي عبدي بأحب ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾.
وعلم من ذلك أن من مواصفات أولياء الله أنهم على قسمين: مقتصد وسابق بالخيرات، فالمقتصد من يحافظ على الفرائض ويجتنب الكبائر، والسابق بالخيرات من يحافظ على الفرائض ويتزود بالنوافل، ويجتنب الكبائر والمحرمات والمكروهات هؤلاء هم أولياء الله، وهذه صفتهم.
شباب يأتون للرسول ﵊ فيقول شاب: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة.
قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وفي لفظ: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.
وهناك حديث ضعيف أورده ابن الجوزي وغيره في صفة الصفوة أن معاوية بن معاوية الليثي توفي والرسول ﷺ في معركة تبوك فأتى جبريل إلى الرسول ﷺ فقال: ﴿قم فصل على معاوية بن معاوية الليثي فقد حضر جنازته سبعون ألف ملك.
قال: ولم؟ قال: كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] قائماً وقاعداً وعلى جنبه﴾.
من صفات أولياء الله التزود بالنوافل، وذكر الله وبذكر الله تطمئن القلوب، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
ومن صفاتهم أنهم يصومون النوافل، ذكر في ترجمة ابن العماد الحنبلي المقدسي أنه كان يصوم في شدة الحر، الناس يتوقون الحر بالمظلات ويسقط بعضهم على الأرض، وهو صائم في شدة الحر، فإذا ظن الناس أنه صائم؛ أخذ الكوب ووضعه على فمه -كما قال ابن رجب في الطبقات - حتى يظن الناس أنه يشرب وهو لا يشرب.
أي صدق مع الله؟! كان الواحد من السلف إذا أراد أن يتنفل أرخى الستار على نفسه.
ذكر ابن كثير أن الأوزاعي إذا جلس أمام الناس كان لا يبكي، فإذا خلا بنفسه بكى وبكى حتى يسمع جيرانه بكاءه من داخل البيت!
وكان ابن سيرين يضحك في النهار ويتمايل، فإذا أتى الليل بكى حتى يرثي له أهله من حالته، فهو بسام النهار بكاء الليل.
أولياء الله لا ينسون تلاوة القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] هؤلاء أولياء الله، أولياء الله أهل صلاة الضحى وهي صلاة الأوابين حين ترمض الفصال.
стр. 6799
سلفية المعتقد
أما الصفة السادسة: فسلفيون في المعتقد ولا فخر.
لا يكفي أن يكون الإنسان عابداً ويكون بدعياً، تجد من المبتدعة من يصلي في اليوم خمسمائة ركعة، لكنه مبتدع ضال منحرف.
إذاً لابد من الاعتقاد السليم وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي أتى به رسول الله ﵊ في التوحيد بأنواعه: في الأسماء والصفات، وفي العبودية، وفي اليوم الآخر، وفي كل ما أتى به محمد ﷺ من أمور المعتقد.
هذه من مواصفات أولياء الله ؛ ولذلك أشرت أنه قد يكون من المبتدعة أو من غلاة أهل التصوف من يكون عابداً لكنه منحرف سلوكاً وعبادةً.
يذكر الخطابي في كتاب العزلة: أن رجلاً من الصوفية مخرف جاهل، يعبد الله كثيراً، يصلي الليل والنهار، لكن ليس على معتقد سليم، وليس على سنة، أخذ لصقة ووضعها على عينه اليسرى، قالوا: ما لك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين.
سبحان الله! خلق الله له عينين وهو يبخل بالعين الثانية! يقول الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] وهو يقول: إسراف أن أنظر بعينين إلى الدنيا!
أتى واحد من أوائل الصوفية إلى الحسن البصري قال: كل معي فالوذجاً قال: لا أؤدي شكره.
قال: ثكلتك أمك وهل تؤدي شكر الماء البارد؟!
انظر إلى الفقه الأعوج! ولذلك تجدونهم عباداً لكن لا يفقهون.
أحدهم يقول: ما أكلت الرطب أربعين سنة.
يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رأيت عابداً جاهلاً يصلي وهو ينعس في صلاة الظهر وهو واقف قلت: ما لك؟ قال: ما نمت البارحة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر أقوم الليل.
فهو يقوم بالنافلة ويخل بالفريضة! فأي فقه هذا؟!
стр. 6800
الدعوة إلى الخير
ومن صفات أولياء الله أنهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يبخلون بالعلم فعلماؤهم رجال عامة، وشبابهم أهل تحصيل، وعوامهم يحرصون على الفائدة.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
стр. 6801
علماء أهل السنة رجال عامة
علماؤهم رجال عامة، ليس في الإسلام عالم يغلق على نفسه في البيت، فلا يرى الشمس إلا مرة في السنة، وهذا ليس من علماء أهل السنة.
علماء أهل السنة في المسجد وفي السكة والشارع، وفي الرصيف وفي الأندية، وفي مجامع الناس والكليات والجامعات، يفيد الناس، وينفق مما أتاه، قال الشاعر عن العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا
الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هم علماء بني إسرائيل، فهم يكتمون العلم، تأتي عند العالم فتحلف ألف يمين فيقطر عليك بالقطارة، كأنه يعطيك من دمع عبده، ثم تسأله وتقبل جبينه وعينه اليمنى واليسرى وعلى كفيه وأرجله أن تفيدنا بحديث فيعطيك نصف حديث!! كأنه ينفق من لحمه ودمه، تتوسله وتداجي عليه وتخادعه، حتى يجلس جلسة نصف ساعة ثم يمتن بها ويقول: تكفيكم سَنَة.
الإمام أحمد نشر علمه في المسجد والشارع والسوق، وفي كل مكان.
أما بعض الناس -وهو منهج بدعي- فيرى أن الانتشار مع العامة وتحديثهم وإفادتهم ليس منهجاً دعوياً وهذا خطأ؛ ولذلك لا تثمر هذه الدعوة ولا ينجح هذا التنقيط؛ لأن الدعوة تدعو الناس إلى لا إله إلا الله، إلى الصلاة والصيام، والحج والزكاة، وغيرها من أمور الإسلام ندعو الناس إلى علم ظاهر، ليس عندنا أسرار ولا ألغاز ولا أحاجي.
صح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [[إذا رأيت الناس يتناجون في دينهم فاعلم أنهم على دسيسة]] يقول الرسول ﵊: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ فارفع صوتك بها وليس في هذا حياء، هو علم فانشره في الناس، واجعله كالمطر.
علماء السنة يفيدون العامة، ينزلون إلى الناس، يقودون الشباب، يفرحون إذا طرق شاب على باب أحدهم فيخرج له ينظر ماذا يريد؛ هذا ثوبي فافترشه، وخذ الفائدة.
كان الزهري يدور على الناس يعلمهم الحديث، وصح عن عروة بن الزبير أنه كان يعطي الذهب والفضة والدراهم ويقول: تعالوا اسمعوا مني الحديث، فكيف بالإنسان الآن يقدم على العالم ويحتال عليه، ويكتب له عريضة كأنه يراجع في مشروع، ثم تخفق العريضة ولا يفتح بابه، والعصا جاهزة عند الباب! هذا ليس بصحيح! وليس بمنهج أبداً.
стр. 6802
شباب أهل السنة أهل تحصيل للعلم الشرعي
من علامة أولياء الله أن فتيانهم أهل تحصيل علم شرعي، ليس عندهم كثرة كلام ولا يكون جل حديثهم عن أحداث تقع ووقائع تنتهي، وإن كان علم الواقع لا بأس به.
لكن أين علم قال الله وقال الرسول ﷺ (علم السند ومدارسة الحديث).
أتى رجل إلى الإمام أحمد فقال: يا إمام! رجل يقول: أهل الحديث لا يفقهون شيئاً؟
قال الإمام أحمد: زنديق زنديق.
واليوم بعض الناس إذا رأى طالب العلم يحفظ صحيح البخاري أو بلوغ المرام أو رياض الصالحين قال: زاد نسخة في البلد ويقول: العلم ليس بحفظ المتون.
وأنا لا أدري ما هو العلم يا حضرة الشيخ؟!
فهل العلم كلام مصفف، رعيد وإربادات وإرعادات وإرهاصات ومرطبات ومشهيات وبالونات تنفجر في الهواء؟ لا.
العلم رواه أبو داود بسند جيد، العلم رواه ابن حبان والحاكم هذا هو العلم، أما الكلام المنفوش فليس بعلم.
فمن هدي طلبة العلم أولياء الله أنهم أهل تحصيل، إذا رأيت الإنسان يحمل صحيح البخاري وصحيح مسلم فاعرف أنه يسلك طريق الجنة، وإذا رأيته مشغولاً بالمجلات الخليعة والهيصات والجلسات والسمرات والوقائع، وكثرة الكلام، فاعرف أنه رجل مشبوه يحتاج إلى تأديب بستة أسواط أو سبعة، ويدعى له في أدبار الصلوات أن يرد الله عقله عليه؛ لأن بعض العقول تذهب وتأتي.
стр. 6803
عوام أهل السنة يحرصون على الفوائد
عوام أهل السنة يحرصون على الفائدة، يحضرون المحاضرات والدروس والأمسيات، ويستفيدون ويسألون أهل العلم.
وبخلاف ذلك من انحرف عن الطريق، فعلماء المبتدعة من أبخل الناس بالعلم، وعلمهم في الظلام، فهم لا ينشرون علمهم، وشبابهم يحرصون على الكلام (ورأيت وأرى) وهيجان ليس له حقيقة، وعوامهم لا يحرصون فهم جهلة، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق.
стр. 6804
محبة الجماعة وكراهة الفرقة
أما الصفة الثامنة: يحبون الجماعة ويكرهون الفرقة، ويسعون إلى جمع الشمل ونبذ الاختلاف.
تكوين دوائر ضيقة لتشتيت الأمة ليس من دين الله ، وكفى بالأمة تمزيقاً.
والله الذي لا إله إلا هو ما في المسجد هذا من رجل أراه أمامي إلا أحبه في الله، وأتمنى من الله أن يجمعني وإياه في دار الكرامة، وإنني أعتقد اعتقاداً جازماً مهما خالفني في جزئية أو له مشرب -بشرط أن يكون ولياً من أولياء الله- أن من واجبي أن أحبه في الله، ولا أجد في نفسي عليه شيئاً ولو خالف مهما خالف، ولكن إدخال الأمة في دوائر ضيقة وتمزيق الأمة وتشتيتها لا يصح.
كل من في المسجد جماعة المسلمين، كلهم جماعة واحدة، يدخل فيهم الأغنياء والفقراء، والرؤساء والمرءوسون، وطلبة العلم والعلماء والكبار والصغار بشرط الولاية هذه هي جماعة المسلمين، ليس لهم مواصفات، وليس لهم أسس تنظيرية تجمعية، بل مواصفاتهم الكتاب من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، والسنة الكتب الستة ومسند أحمد وإن زدت المعاجم فلا بأس.
هذا التنظير لجماعة المسلمين، هذا التنظير أتى به محمد ﷺ ، وأراحنا من كل تنظير وتأسيس وتأصيل، كفى، كفى، كفى
أيها الإخوة: أهل السنة يحرصون على الجماعة.
ولذلك يقولون: من علامة أهل البدعة: أنهم يطعنون في ولاة الأمر، وهذه أقولها صراحة وقد قالها أبو عثمان الصابوني وابن بطة الحنبلي.
فمن علامات أهل البدع أنهم يكرهون تجمع المسلمين، ويقولون: الجماعة غير هذا التجمع، ويقولون: العوام لا يدخلون في جماعة المسلمين خطأ، سبحان الله! قد يكونون أفضل، والكل جماعة المسلمين.
стр. 6805
العودة إلى الكتاب والسنة
ومن مواصفاتهم وهي الصفة التاسعة: أنهم يعودون إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ليس عندهم لصقات ولا منشورات وتنظيرات معلقة في حوائطهم من أقوال البشر بل عندهم الكتاب والسنة.
إذا اختلفوا في شيء عادوا إلى الكتاب والسنة، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] والرد إلى كتاب الله رد إلى الله، والرد إلى سنة رسول الله ﷺ رد إلى رسول الله ﷺ وهم دائماً يدعون: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾
هؤلاء هم أولياء الله، يردون إلى الكتاب والسنة، ولا نحتاج مع الكتاب والسنة إلى أي تنظير أو تأصيل أو بناء، وكفى بما أتى في الكتاب والسنة.
стр. 6806
القول بالحق
أما صفتهم العاشرة والأخيرة: فيقولون بالحق، لا يحملهم الهوى على القول بالباطل، والرسول ﵊ في حديث النسائي الصحيح كان يقول في الدعاء: ﴿اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الغنى والفقر﴾ والشاهد: وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وبعض الناس الآن إذا غضب على أخيه وزميله وحبيبه، غضب عليه وحمله الهوى على أن يقول فيه ما لا يقال؛ وإذا رضي على أخيه ولو كان فيه أخطاء سكت عن أخطائه
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
فنسأل الله أن نكون عدولاً كما أمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] شهداء يقومون بالقسط ويقولون بالقسط والحق لا يجورون ولا يظلمون، وفي أثر يروى عنه ﷺ أنه يقول: ﴿وأن أقول الحق في الرضا والغضب﴾.
فمن صفاتهم أنهم يقولون بالحق، ويحكمون بالحق، ويقبلون الحق ممن قاله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً﴾ [هود:١١٩] أي صدقاً في الأقوال وعدلاً في الأحكام.
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] يقول: لا يحملكم بغض الناس على أن تحكموا عليهم بالمفتريات والزور، وتحيفون عليهم بالحكم الجائر لأنكم تبغضونهم، بل كونوا عدولاً، فـ أهل السنة وأولياء الله يقولون بالحق، ولو خالفك في جزئية فيجب أن تحترمه، لا زالت له حسناته ومقامه وقيمته.
هذه عشر مواصفات لأولياء الله جمعت من كتيبات لـ أهل السنة، هي صفات أهل السنة وهي مجملة، ويندرج في كل صفة جزئيات كثيرة، ولكن من عرف هذه ودرسها وفهمها، وحاول أن يعمل بها، كان ولياً بإذن الواحد الأحد، واستفاد مشرباً وسلامة وقصداً؛ ولذلك علم رسول الله ﷺ حصين بن عبيد الخزاعي والد عمران وقال له: قل: ﴿اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي﴾ وقال لـ علي بن أبي طالب كما في صحيح مسلم: ﴿قل: اللهم اهدني وسددني﴾ وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه: ﴿كان ﷺ إذا قام من الليل يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾.
والصراط المستقيم هو صراط محمد ﷺ ، الكتاب والسنة، وهذه مواصفات أولياء الله من أهل السنة والجماعة، الذين لا يحتاجون إلى منظر غير محمد ﷺ ، ولا يحتاجون إلى تأسيس غير الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فهؤلاء أهل السنة أولياء الله.
جعلنا الله من أولياء الله، سلام على أولياء الله، وحشرنا الله في زمرة أوليائه وأحبابه، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يقتدى به في سلوكه وأفعاله، وممن يكون على منهج الصالحين الذين مضوا من القرون المفضلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
سلام الله عليكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا
لم يبلغ العشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6807
الأسئلة
стр. 6808
كيف نغرس في أنفسنا صفات أولياء الله
السؤال
كيف نغرس ونقوي في أنفسنا صفات أولياء الله تعالى في واقع حياتنا المعاصرة؟
وما هي أسباب الوصول إليها والمحافظة عليها؛ خاصة وأن الإيمان في القلوب يضعف، ويزيد وينقص، فهل من لفتة حول ذلك، وجزاكم الله خير الجزاء؟
الجواب
ما قاله هو تحصيل حاصل وتقرير أمر معلوم، ولكن أنبه على أمور: أن من صدق مع الله صدقه الله، وأن من أراد الله والدار الآخرة وفقه الله ويسره لليسرى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فأوصيك بأمور:
أولها: صدق النية واللجوء، والعزيمة على التوبة، والإقبال على الله .
الأمر الثاني: عليك بالنور الذي يضيء لك هذا الطريق، وهو الكتاب والسنة.
إمامك في هذا الطريق هو محمد ﷺ .
فسوف ترى -يا أخي- إذا أقبلت إلى الله، كيف يشرح الله صدرك، وكيف يزيدك تقوى وهدى وغنى، وسوف يسددك، لكن أقبل أقبل، وتعال تعال، فإنه من مشى إلى الله ذراعاً أقبل إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتى إليه هرولة، كما في الحديث القدسي الصحيح، فما عليك إلا أن تقبل، فعطاء الله ممنوح، وبابه مفتوح، وخيره يغدو ويروح.
فسبحان الله كم يقبل الله من المقبولين عنده! وكم يتوب على التائبين وكم يغفر ذنوب المستغفرين! فأوصيك أن تقبل على الله، وعليك بتدبر الكتاب والسنة، ولكني أوصيك بأمر آخر وهو مهم: أن تقاطع كل ما يشغلك عن السير إلى الله، من المعاصي وجلساء السوء، ومن الأغنيات الماجنة والمجلات الخليعة، والسهرات التي تغضب المولى؛ ليبقى قلبك صافياً مع الله ، وحينها يتقبل نور القرآن السنة هذا في المجمل.
وأما قولك أن الإيمان ينقص ويزيد فصحيح هذا ومقرر، ولكن لا يكون إيمانك ناقصاً دائماً، صحيح أنه سوف يعتريك أحياناً نقص لكن لا يكون هذا حالاً دائماً ولا مستمراً معك، بل تكون في زيادة، ويومك أحسن من أمسك، وغدك أحسن من يومك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 6809
المرأة تكون ولياً لله
السؤال
هل تكون المرأة ولياً من أولياء الله ؟ وهل ما يقال عن الرجال ينطبق على النساء بالنسبة لولاية الله؟ وإن كان هناك فرق أو تفصيل فأرجو إيضاحه؟
الجواب
سبحان الله! كل الكلام الذي قيل يشمل الرجال والنساء إلا في جزئيات بسيطة يعرفها اللبيب، وإلا فما لنا كما قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
أي: أن المرأة للرضاعة والحمل والكرب والمشكلات في البيت وأما الولاية فللرجال قال تعالى يرد على ذلك: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] سبحان الله من أتى بالأولاد العظماء إلا النساء!
ومن أتى بالشهداء والعلماء والأدباء والزعماء إلا النساء.
من هي أم أبي بكر إلا امرأة، وخالد وسعد وحسان ومعاذ بن جبل وأضرابهم وأشباههم
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت جيلاً طيب الأعراق
الأم نبت إن تعاهده الحيا بالري أورق أيما إيراقِ
سلام على أمهات الأجيال، المسلمات المؤمنات القانتات، إي والله إنهن يدخلن دخولاً أولياً أصلياً في هذه الصفات، ومنهن الولية والعابدة والزاهدة، والحافظة للغيب بما حفظ الله، ولو اتسع الوقت لسقت نماذج من سير الصحابيات، ولكن أكتفي بإشارات فقد تمر مجملة على الأسئلة، وأقول للأخت: اعلمي أن ما قيل في هذه المحاضرة وفي غيرها، أنه ينص عليك نصاً أولياً وتدخلين فيه دخولاً أصلياً فأنت إن شاء الله من أولياء الله المقربين.
стр. 6810
معاصي الأولياء
السؤال
شخص من الصالحين ومن المحافظين على الصلاة، ويقوم الليل أحياناً ويحرص على أفعال الخير، والدعوة إلى الله في حياته، ولكن يحدث منه تقصير في التأخر عن الصلاة أحياناً، وربما الغيبة في بعض المجالس، وبعض التقصير والتفريط في بعض الصغائر من الذنوب، فهل مثل هذا يكون ولياً من أولياء الله؟ وما علاج مثل هذه الظواهر وأظنها كثيرة، نسأل الله أن يصلح أحوالنا جميعاً.
الجواب
أولاً: ليس الأولياء معصومين، فالولي يخطئ ويصيب، وقد يجهل بعض الحق، وقد يخطئ في الفرعيات، وقد يلتبس عليه بعض الأمور، وقد يكون عامياً، وقد ينقصه بعض الأدلة، وقد تشتبه عليه بعض الأمور، وقد يقع في بعض الكبائر أحياناً ويتوب، وقد تأتي منه الصغائر.
فالولي ليس معصوماً فليعلم ذلك، وهذا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة.
الأمر الثاني: أن الأولياء قسمان: مقتصدون، وسابقون بالخيرات، والذي يدخل الجنة في بعض الروايات التي رجحها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يدخل الظالم في الجنة بعد أن يصفى، لقوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] والجمهور يقولون: يدخل الجنة المقتصد والسابق، والمقتصد هو الذي لا له ولا عليه، يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر، ولكن لا يتجنب المكروهات ولا يأتي بالنوافل، فهذا مقتصد لا يحب الفائدة وليس عليه دين.
وأما السابق بالخيرات فهذا رجل شق الغبار، وأصبح كالنجم المغوار، وكالسيل المدرار، فهو في المرتبة الأولى، إن كان في المصلين فهو في الصف الأول، أو الصائمين فهو أولهم، أو الذاكرين فلسانه لا يفتر، وفي المتصدقين يده مهملة في الصدقة وهذا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أما نحن
لا تعرضن ذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
لكن نحبهم في الله ، عسى الله أن يحشرنا في زمرتهم هذا أمر.
وأما ما ذكرت أنك تأتي بهذه الأمور ولكنك تتأخر عن الصلاة، فهذه معصية وتنقص من ولايتك، ولكن لا تخرجك من دائرة ولاية الله ، لا زلت ولياً لكن بنسبة، فكل ولي له نسبة ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] والولي قد يغتاب ويتوب، لكن أصفى الأولياء من لا يتأخر عن الصلاة ولا يغتاب فأنت بقدرك: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] وعلمك وعلم غيرك من الناس عند الله.
стр. 6811
الاستمرار على الطاعة
السؤال
ما إن ودعنا رمضان وودعناه، حتى ولت نفوسنا المريضة هاربة مولية، كأنها حمر مستنفرة فرت من قسورة، ونظير اجتهادنا في الطاعة في رمضان استبقنا نتفانى في معصية الله، وندنس صفحاتنا؛ نسأل الله أن تكون قد بيضت، فصرنا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فإلى الله نشكو حال أنفسنا.
فما هي الخطوات العملية التي يراها فضيلتكم للمواصلة على طريق الطاعة على شكل خطوات مختصرة وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً: أشكر السائل على رقته واستشهاده وروعة أسلوبه، فسؤاله يرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر.
وأما ما ذكره فواقع، فإنه لما ولى رمضان انسحب كثير من الناس وأعلنوا -والعياذ بالله- تمردهم على المسجد، والله لقد رأينا من الناس من يفتح المصحف، وكأنه لا رب إلا في رمضان، ولا إله إلا في رمضان، ولا إيمان إلا في رمضان، فلما ولى رمضان أقفلوا المصاحف، وخرجوا من المساجد، وتخلفوا عن الصلوات، ورفعوا الأغنيات، وأكثروا من السيئات، وأغضبوا رب الأرض والسماوات!
أي عقول هذه؟!
أما علموا أن رب رمضان هو رب شوال وشعبان وكل الأشهر والأيام؟
أما علموا أن الرقابة معهم في الليل والنهار فما لهم يفرون؟!
وإلى أي جهة يسيرون؟!
وإلى من يلتجئون؟!
فالمسألة الأولى: أن يعلموا أن الله معهم دائماً وأبداً في رمضان وفي غير رمضان.
والأمر الثاني: كيف ينقضون جداراً بنوه، وحصناً رفعوه، وحائطاً شيدوه؟
إنسان أحسن كل الإحسان وبكى في رمضان، حتى إنك تجد كثيراً من الناس بكى في التراويح والقيام، وأكثر الشكاية والدعاء والتبتل، ثم ضيع كسبه!
أرأيت إلى السفيه إذا بنى جداراً ثم هدمه؟!
أرأيت إلى المرأة التي شدت غزلها ثم نقضته من بعد قوة ومن بعد ما شدته؟!
أرأيت إلى الإنسان يبني بيتاً ثم يسحقه؟ ألا يكون سفيهاً؟ وأسفه منه من عمل صالحات وأتى بدرجات وحسنات ثم ضيعها وضاع.
ثم الأمر الثالث: ليعلم أخي في الله أنه على سفر، وأن من الناس من يحبط عمله، يصلح ويصلح ثم يحبط عمله، وإحباط العمل أمر يفعله كثير من الناس، يحسنون ثم يسيئون إساءة ما بعدها إساءة، فأنا أدعوهم إلى ملازمة السير الأول، ولا يأتي ذلك إلا بعزيمة، وبالابتعاد عن جلساء السوء، وبالتقليل من المشغلات والملهيات، والمغريات الحياتية والفتنة التي نعيشها، ولا يأتي ذلك إلا بحفظ العهد مع الله ﵎، فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم
فلا تجزعن من سيرةٍ أنت سرتها فأول راض سيرة من يسيرها
أنت الذي جنى على نفسه، وأنت الذي ابتعد عن الله، وأنت الذي تنكر لبيوت الله، وأنت الذي هجر كتاب الله فمالك؟!
إن هذا من السفه والعياذ بالله، وأرجو كل الرجاء العودة إلى الله، وأسأل الله لي ولهم التوفيق إلى الله ثانية وثالثة حتى يتوفانا الله على الإسلام: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 6812
كرامات الأولياء
السؤال
لا شك أن لأولياء الله كرامات تحدث، هل يمكن أن تظهر اليوم بعض الكرامات لبعض أولياء الله من الصالحين؟
وكيف نعرف أن هذه كرامة، أرجو توضيح ذلك؟
الجواب
نعم.
كرامات الأولياء أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة، دل عليه الكتاب والسنة، قال في سورة آل عمران: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] هذه كرامة.
ووقع لـ أبي بكر تضعيف الطعام كما في صحيح البخاري وحصلت أيضاً للعلاء بن الحضرمي ولـ خالد بن الوليد ولـ سعد بن أبي وقاص ولـ عباد بن بشر وغيرهم كثير من أولياء الله.
فالكرامة تقع، ولكن بعض الصوفية غلا في الكرامة حتى أتى بالأمور العادية المشغبات والمشوشات فجعلها كرامة، ذكر الذهبي عن أحد الصوفية أنه ترك الطعام ثلاثة أيام فطال عليه الجوع حتى خاش عقله وطاش وفاش، فرأى صوراً في الجو فقال: رأيت ملائكة، رأيت جبريل نزل ومعه ملك آخر.
قال الذهبي: والله ما رأيت جبريل ولا رأيت ملائكة ولكن عقلك طاش وخاش وفاش.
إنسان يبقى بلا أكل ولا شرب ويقول: كرامة! عجب عجاب.
وبعض الناس يجعل الأمور العادية كرامة، سمعت من بعض المولعين بذكر الكرامات يقول: سافرنا مرة فركبنا الحافلة، فضاع أحدنا في الحافلة فنزلنا فصلينا عند إطارات الحافلة ركعتين، فأخرجه الله لنا من الحافلة!
الرجل موجود في الحافلة وما ضاع، وقال: هذه كرامة من كرامات الله !
فما بقي إلا أن يصلي ركعتين عند الإشارة الحمراء حتى تولع الخضراء ثم يقول كرامة!
هذه أمور عادية، والكرامة خرق للسنن التي جعلها الله موجودة، ولكن المغالاة في الكرامات حتى إنه لا يحدث شيءٌ إلا قالوا: كرامة، مجانبة الصواب.
ونفي الكرامات ليس من منهج أهل السنة كذلك لكن إثباتها للصالحين، وشيخ الإسلام يشترط في الكرامة شرطين، وقد ذكر ذلك في المجلد الحادي عشر من فتاويه:
الشرط الأول: أن يكون صاحب الكرامة ولياً من أولياء الله على الكتاب والسنة، لا يأتي زنديق فيجعل البيض أكواباً أو يجعل الأكواب بيضاً، أو يأتي بالميكرفون ويجعله وردة وبالوردة ميكرفوناً، نقول: هذا زنديق لأن عمله مخالف للكتاب والسنة، ولذلك قال الشافعي: لا تغتر بالرجل ترى عليه الكرامة ولو طار في الهواء وسار على الماء حتى تعرض قوله وفعله على الكتاب والسنة.
فالشرط الأول أن يكون على الكتاب والسنة، وإلا صار السحرة من أهل الكرامات، يأتيك أحدهم فيقول: اسم ابنتك فاطمة؟
- فتقول: نعم.
- رقم سيارتك: كيت وكيت؟
- تقول: نعم.
- أنت ساكن في حارة كيت وكيت؟
- تقول: نعم.
فتقول: هذا ولي من أولياء الله مثل الشافعي! وهو زنديق يخبره الجن.
الشرط الثاني: أن يستغل هذه الكرامة في نصرة دين الله، لا يأتي بكرامة في تضليل عباد الله وأخذ أموال الناس بالباطل، وفي ضياع أوقات الناس ويقول: كرامة.
مثل هؤلاء البهلوانيين والمشعوذين والسحرة لا.
فهذان الشرطان لابد من توفرهما.
ولذلك أردت أن أقول: أعظم كرامة لزوم الاستقامة، يقولون: العامل لنفسه يسعى للكرامة وولي الله يسعى للاستقامة، فإذا رزقك الله الاستقامة فهذه أعظم كرامة.
стр. 6813
الأعراس في الإجازات
السؤال
نعلم أن الإجازة اقتربت وميزة هذه الإجازة كثرة الزواج، فماذا تنصحون أولياء الأمور وبماذا تنصحون الزوج والزوجة؟
ما رأيك لو استغلت هذه الأفراح بإلقاء من المشايخ كما يحدث في بعض الأفراح ونحو ذلك؟
الجواب
أولاً: في هذا السؤال أمور: الأمر الأول: ذكاء صاحبه، فإنه علمه الله الذي أنطق كل شيء أن الإجازة قربت و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].
والأمر الثاني: يظهر من سؤاله أنه يريد الزواج قريباً، وكأن الأيام تمر عليه، اليوم مثل الشهر والليلة مثل السنة، فنسأل الله أن يبلغه ما تمنى وأن يرزقه الحلال.
والأمر الثالث: اقترح اقتراحاً أن يكون هناك في الأعراس وفي الحفلات محاضرات، وهذا اقتراح جيد لا فُضَّ فوه؛ لأنه أحسن كل الإحسان، على كل حال فما قاله صحيح، ووجد في بعض الأماكن وأظن حتى في الرياض أنه يستدعى لبعض الأعراس والحفلات دعاة وطلبة علم وعلماء فيحيونها بذكر الله وقال الله وقال رسوله، أما هذا الفجور والخنى والغناء ويا ليل ويا عين وهذه الأمور السافلة الحقيرة فلا يفعلها إلا السفلة وأراذل الناس، تطبيل للرجال وتزهيق وغناء وموسيقى، وضياع للقيم وضياع للقرآن، وضياع للأصالة هذا ليس بصحيح، والدف للنساء خاصة بدون اختلاط، دف بالأيدي، أما أن يستورد مغن أو مغنية أو ماجن أو ماجنة أو فاجر أو فاجرة فهذا والعياذ بالله سحق للدين وعداء للإسلام، ولا يفعله إلا من قل عقله ودينه.
فأنا أشيد بهذا الأخ وأبارك له هذا السؤال، وأسأل الله أن يوفقنا وإياه.
ثم إني أدعو الطلبة وكلٌّ منهم مرشح لأن يكون داعية، أن يخترقوا هذه الحفلات، وأن يتكلموا بما يرضي الله، وليكن قوياً كالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، يتكلم أولو الأيدي والأبصار، ولا ينتظر حتى يستدعيه الناس، بل يقتحم ويتكلم بلين وحب عل الله أن ينفع به.
стр. 6814
مخالطة غير المسلمين ومعاملتهم
السؤال
نختلط في العمل بغير المسلمين، ويوادوننا ويحترموننا، فهل علي إثم بمعاملتهم بما يعاملوننا به، علماً أنني أقصد أحياناً إعطاءهم صورة طيبة عني كمسلم تمهيداً لدعوتهم للإسلام، أثابكم الله؟
الجواب
إذا ذكر البراء فليس معناه ضرب الكفرة صباح مساء بالأكف على الوجوه! لا.
الله يقول لبني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] والناس كلمة عامة تشمل الكافر، وفرق بين حسن المعاملة والولاء، حسن المعاملة: أن تبتسم له لتحبب إليه الإسلام؛ لأنه إذا رآك قد كشرت في وجهه وعبست وبسرت فلن يسمع أذاناً ولا ديناً ولا استقامة ولا شهادة ولا يدخل في الدين، يقول: إذا كان هذا الدين ينتج كهذا الرجل فعلي أن أتوب من أن أفكر في دخول هذا الدين ويكفيني هذا الشاهد الملموس المحسوس هذا خطأ.
ولكن عليك أن تصافيه وتداجيه، وأن تدعوه وتزوره، وأن لا ترضى بفعله.
فمقصدي أن مداراته لإدخاله في الإسلام مطلوبة، وأما موادته للدنيا ولإقراره على عمله بدون دعوته فمذموم، ومن جعل الله له فرقاناً بين له ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩].
стр. 6815
حاجتنا للفكر
السؤال
يتضح من كلامك يا فضيلة الشيخ! أن لك وجهة نظر في الكتب الفكرية مع أن هذا الزمان زمان فكر، والإسلام يواجه حرباً فكرية، فلا مجال في هذا الزمان للعاطفة ولابد من الفكر فما رأيكم؟
الجواب
أولاً يا أخي: إن شاء الله أني ما دعوت للعاطفة، بل أنا أدعو إلى الكتاب والسنة، ولو قصرت أنا في اتباع الكتاب والسنة أو في الإلمام بالكتاب والسنة فأدعو إلى الكتاب والسنة، والعاطفة شيء غير الكتاب والسنة، ومن يدعو إلى الكتاب والسنة لا يدعو إلى العاطفة.
أما الفكر فلابد من ضبط هذه الكلمة، فلا يجعل الفكر علماً كعلم الكتاب والسنة ونتشاغل به ونحسنه تحسيناً لا، هو أمر ثانوي ولابد منه، والله يقول لرسوله ﷺ يوم علمه علم الواقع: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] أي نوضح لك الواقع الذي تعيش فيه، ونحن ندعو إلى دعاة يعرفون الواقع ولا يعيشون في عزلة عن الواقع، بل يعرفون ما يدور، والمذاهب والملل والفرق والمشارب والأحداث والوقائع التي تدور بهم وتكتنفهم ولابد من ذلك، لكن أن يجعل الفكر علماً يجتمع عليه الشباب، ويأخذ ليلهم ونهارهم فليس بصحيح، بعد ثلاثين أو أربعين سنة يخرج هؤلاء الشباب علماء ثم يبحثون عن رءوسهم، فلا يجدون إلا كلاماً ولا يجدون قال الله وقال رسول الله ﷺ .
فأنا معك ولا أخالفك أنه لابد من معرفة شيء من الفكر لنرد على أعداء الله، وقد فعل كثير من الدعاة ذلك، فردوا بالفكر وعرفوا كلام الأعداء فردوا عليهم بمثل أقوالهم، أما أن نحجب أبصارنا فليس بصحيح، لكن التحذير لأنه وجد مغالاة حتى وجد من بعض الشباب من جنح عن كتب السلف، وأعرض عنها واتخذها ظهرياً، وأتى إلى كتيبات بيض أمامه فجعل منها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويفتي منها ويحاضر ويدعو، وهي مجرد كلام وكتب مفيدة، لكن الأصل المعين والصراط المستقيم كتب السلف التي عليها العمدة وهذه زيادة خير هذا رأيي، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6816
دروس من سورة طه
تناول الشيخ قصة موسى ﵇ من سورة (طه) ذاكراً بعضاً من صفات موسى ﵇.
وعرض قصة النداء لموسى في الطور وما وقع فيها من معجزة العصا واليد وإرساله إلى فرعون تأييد الله له بهارون، وتذكيره سبحانه لموسى بما أنعم الله عليه من قبل.
وتحدث عما وقع بين موسى وفرعون، مبيناً حفظ الله لموسى ﵇ وتسديده في جوابه لفرعون.
стр. 6817
وقفات مع موسى ﵇
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر بدعوته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني
وما لي حيلةٌ إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني
فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضلٍِ ومنِّ
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
أيها الكرام: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حديثنا عن موسى ﵇، وعن دعوته الهائلة التي طرقت العالم، وعن قصصه العجيبة، وموسى ﵇ له قطاع كبير في القرآن حتى قال بعض العلماء من السلف الصالح: كاد القرآن أن يكون لموسى، ما تكاد تقرأ سورةً إلا وتسمع قول الله يقرع أذنيك، ويصادف قلبك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾ [هود:٩٦] وموسى ﵇ كانت دعوته على المستويات جدلية علمية، وعملية ميدانية، وحربية عسكرية، وموسى ﵇ ذكر -كما أسلفت- في القرآن كثيراً، وذكر في سنة المصطفى ﷺ طويلاً.
صح عنه ﷺ : أنه لما قرأ سورة الكهف مع قصة موسى والخضر، وانتهت القصة بقول الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] قال ﷺ : ﴿رحم الله موسى! لوددنا أنه انتظر حتى يقص علينا من خبرهما﴾.
стр. 6818
شدة حيائه ﵇
وصح عنه- ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث ابن مسعود، عندما سمع رجلاً يقول عن قسمة النبي ﷺ : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله قال: فأخبرت الرسول ﵊ بذلك، فتغير وجهه حتى كان كالصفر، ثم قال: ﴿رحم الله موسى! أوذي بأكثر من هذا فصبر﴾ ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩].
وفي صحيح البخاري وغيره عنه ﷺ أنه قال: ﴿كان موسى رجلاً حيياً، فكان لا يغتسل أمام الناس، فقال بنو إسرائيل: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر -أي: به مرض في شيء من أعضائه التي يستحيا من ذكرها- فاغتسل خلف حجر ووضع ثوبه على الحجر ففر الحجر بثوبه، فرآه بنو إسرائيل، فعلموا أن ليس به مرض، قال: فأخذ يضرب الحجر الذي فر بثوبه، ويقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر﴾.
стр. 6819
موسى وآدم يتحاجَّان
وصح عنه ﷺ في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما أنه قال: ﴿تحاجَّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته أخرجتنا من الجنة بمعصيتك؟﴾ يلومه ويعتب عليه في هذه المعصية، لا على القضاء والقدر.
ولذلك يقول ابن تيمية: ويل للجبرية، ظنوا أن موسى ﵇ قدرياً، وما كان قدرياً، فقال آدم ﵇: ﴿أنت موسى الذي كلمك الله، وكتب لك التوراة بيده، وأنجاك الله أتلومني على شيء قد كتبه الله علي، بكم وجدت الله قد كتب علي هذا قبل أن يخلقني؟، قال: بأربعين عاماً، قال: فلم تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال ﵊: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى﴾ أي: غلبه بالحجة.
ونعيش مع موسى ﵇ في سورة طه، في أول لقاء بين الله وبينه، لقاء الكلام مباشرة، ولم يكلم الله- أحداً من الناس مباشرة بلا ترجمان إلا موسى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩].
الخطاب للرسول ﵊، فبعد أن افتتح الله السورة وأتى بكلام عجيب عن التوحيد والعقيدة، قال لرسوله ﷺ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩] لا، والله ما أتاه، ومن أين يأتيه وما قرأ، وما كتب، ولا تعلم، ولا درس إذ هو أُميِّ! قال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ [طه:٩ - ١٠].
لم يذكر في سورة طه قصة موسى -وقصته طويلة وهي منثورة في كتاب الله- كما ذكرها في سورة القصص يوم خرج إلى أهل مدين بعد أن قتل نفساً، هارباً إلى الله، وضاقت به الدنيا بما رحبت، وخوفه البشر بسوطهم وبسيفهم، ولكن:
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
يا واهب الآمال أنت حفظتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فنصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني
فإذا خفت من شيء، فاعتصم بالله، وإذا دهتك من الدواهي أمور، فاعتصم بالله، وإذا ضاقت بك الحيل، فالتجئ إلى الله، وإذا كثرت عليك المشكلات والصعوبات، فرد أمرك إلى الواحد الأحد، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بسند حسن، قال: لما لقي الله عبده موسى بعد أن سقى للجاريتين وتولى إلى الظل، قال: يا رب، فقير غريب مريض جائع -يشكو حاله- قال الله : يا موسى، الفقير من لم أكن أنا مغنيه، والغريب من لم أكن أنا مؤنسه، والجائع من لم أكن أنا مطعمه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه ثم شرفه الله بالدعوة.
стр. 6820
بداية نبوته ﵇
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩] هل أتاك يا محمد هذا الحديث المذهل العجيب الذي سمعت به الدنيا، وأنصت له الدهر، وتناقلته الركبان، وروته الأجيال جيلاً بعد جيل؟ ﴿إِذْ رَأى نَاراً﴾ [طه:١٠] أتى بأهله بعد أن رعى الغنم عشر سنوات، وكانت امرأته في المخاض، فأظلم عليه الليل، ومعه قطيع من الغنم، والأنبياء كلهم ﵈ رعوا الغنم؛ لأن من يرعى الغنم يجد دربة وحلماً وتجربة لرعي الأمم -ولذلك رعى رسولنا ﷺ عن الغنم- فأظلم على موسى الليل، وكان في تلك الليلة - كما ذكر ابن كثير - سحاب ومطر وبرق ورعد، وأراد أن يشعل ناراً يستدفئ بها هو وأهله، ويوقد بها طعامه، لكن لم توقد النار، أتى بالحجارة يقرع حجراً بحجرٍ، فما قدحت ناراً لحكمة أرادها الله.
راعي غنم ليس في مخيلته أن يكون نبياً من الأنبياء، ورسولاً من الرسل، ومن أولي العزم الخمسة، فلما أظلم عليه الليل رأى ناراً تلمع في طرف وادٍ بعيدٍ، فاستبشر، وقال: هذه النار إما أن أجد منها قبساً آتي به إليكم لتستدفئوا، ونتعشى على النار، وإما أن أجد خبراً من الأخبار لعل صاحب هذه النار يهديني الطريق، لكن وجد من يهديه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ووجد من يهديه إلى لا إله إلا الله، إلى الطريق المستقيم الذي إذا لم يهتد إليه العبد فوالله لن يهتدي أبداً، والذي إذا لم يسترشد به العبد فوالله لن يرشد أبداً، والذي إذا لم يستكف به العبد، فوالله لا يكفى أبداً، والذي إذا لم يحتم به العبد، فلن يحتمي أبداًَ، فذهب وإذا بالنار غير النار، فلما اقترب منها، سمع هاتفاً يهتف.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٩ - ١١] سبحان الله! من يعرف موسى في الصحراء؟! ومن هو موسى حتى يعرف عند القبائل الصحراوية والبادية؟! ومن هذا الذي يعرفه، وهو ليس له قرابة ولا رحم ولا أخوال ولا أبناء عم في الصحراء؟ ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه:١١ - ١٢] سبحان الله! الله يعرِّف موسى به، ما أعظم الله ! وموسى يعرف الله بآياته وأسمائه وصفاته وصنعه في الخلق، سبحان الله!
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه:١٢] لماذا يخلع نعليه؟ وما هو السر في خلع النعلين؟
قال أبو ذر وأبو أيوب وعلي بن أبي طالب ثلاثتهم قالوا: [[كانت الحذاء من جلد حمار، والوادي مقدس لتكليم الله ]] سبحان من يشرف بقعةً على بقعة، وإنساناً على إنسان، وبلداً على بلد، وزمناً على زمن، مكة الحرم قطعة أرض بين جبال سود، لا حدائق غناء، ولا بساتين وارفة الظلال، ولا أنهاراً، ومع ذلك شرفها الله على بقاع العالمين، ومحمد عبد من العباد من لحم ودم وعصب وعظم شرفه الله على الناس، ويوم عرفة ساعات ودقائق ولحظات وأمنيات جعلها الله أعظم الأيام من أيام السنة، ويوم الجمعة كذلك يوم من أيام الله جعل الله له ميزة.
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه:١٢] اليوم تقدس الأودية، الليلة حدث عظيم في حياتك يا موسى، هذه الأوقات سوف تعيشها مع الله، وسوف تجد من الله- كلاماً عجيباً ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٢ - ١٣].
أنت اليوم يا راعي الغنم مختار لتكون رسولاً، أنت اليوم يا راعي الضأن، سوف تبعث إلى الطاغوت الأكبر إلى شيخ الضلالة فرعون تدعوه إلى لا إله إلا الله، أنت يا من يهش على غنمه بعصاه سوف يكون لك ذكر في القرآن والتوراة والإنجيل، وسوف تكون نبياً من الأنبياء، أنا اخترتك ما زكاك أحد لدي، وأنا عرفتك وما توسط لك أحد من الناس، ولا شفع لك أحد من البشر، من الذي يعلم المزكى من غيره إلا الله! ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] الصور صور، والبشر بشر، والناس ناس، لكن القلوب يعلمها الله.
جاء عند ابن كثير: أن الله قال له: أتدري يا موسى لماذا اخترتك؟ قال: لا أدري يا رب، قال: نظرت في قلوب العباد، فوجدت قلبك أكثر قلوب العباد تواضعاً لي، سبحان الله! موسى كان أعظم الناس تواضعاً لله، أثر عنه أنه ما جلس مع أحد من الناس إلا ظن أن جليسه أعظم منه وأعلى وأحسن، لكن أين حالنا من هذا الصنف؟ ربما يظن أحدنا أنه خير من في المسجد -نعوذ بالله من الغرور، والعجب، ونعوذ بالله من التيه والانقطاع من حبل الله- لأن من يركب رأسه في الضلالة والفجور والمعصية، ثم يظن أنه من خير الناس، هذا رجل مخذول محروم، أصابه خذلان وحرمان من طاعة الله .
стр. 6821
وصايا الله لموسى
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] هذا سر من أسرار الله، معنا كلام عجيب، ورسالة خالدة، رسالة نستوصيك بها، فاستمع ولا تتحرك وسوف تلقى علماً جماً، ونفعاً عظيماً، وسوف تلقى كنزاً ثميناً ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣].
стр. 6822
التوحيد أولاً
ماذا يبدأ الله به مع موسى؟ هل يذكر له فرعون أولاً؟ لا، لم يأت ذكر فرعون هل يتحدث له عن الرسالة؟ لا.
هل يتحدث له عن إجرام الناس في الدنيا؟ لا.
أولاً: يعرِّف الله نفسه إلى موسى، وهذا التعريف أكبر تعريف عند أهل السنة والجماعة لله الواحد الأحد، يقول الله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤].
ولذلك في سنن الترمذي بسند فيه نظر، يقول ﵊: ﴿إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه ونسبه، فإنه واصل المودة﴾ لكن هذا الحديث في سنده رجل مجهول، ولو صح لكان سنداً لما حفظ عنه ﷺ أنه كان يسأل الناس عن أسمائهم، وهذا في الصحيحين عن ابن عباس: أن رسول الله- ﷺ قال لوفد عبد القيس: ﴿من الوفد؟﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤].
أولاً: ملأ الله قلب موسى بالتوحيد، وأنت إذا أردت الله فاملأ قلبك بالتوحيد، فوالله لا ينفعك عمل، من صلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو تلاوة، أو صدقة حتى توحد الله رب العالمين، فاملأ قلبك بلا إله إلا الله.
الله أكبر كل همٍ ينجلي عن قلب كل مكبرٍ ومهلل
لا إله إلا الله كلمة من أتى بها وصدق فيها وأخلص في فحواها فتحت له أبواب الجنة الثمانية، لا إله إلا الله كلمةٌ من صدق في العمل بها ومقتضاها أنقذه الله، لا إله إلا الله كلمة من ثبته الله عليها، فلا خوف عليه ولا حزن.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] لا إله إلا الله يغرسها الله في قلب من يشاء، فتنبت الصلاة والزكاة والصيام وحسن الخلق وبر الوالدين وصلة الرحم.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥].
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاكا
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] أقرب طريق إلى الله عبادته، ولذلك لـ ابن تيمية كلام معناه: أقرب الطرق إلى الله العبادة.
وفي التاريخ: أن عمر ﵁ وأرضاه- قال لـ سعد بن أبي وقاص لما أرسله في القادسية أميراً وقائداً للجيش ليدكدك دولة الأصنام، دولة الأكاسرة الظلمة الفجرة، قال له: [[يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس إنك خال رسول الله، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، أقربهم إليه أطوعهم له]] ولذلك ذكر الله الأنبياء بالعبادة، فقال: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
سبحان الله! يذكر رسوله بالتشريف فيذكره بالعبادة وأنه عبد مذلل، ولذلك كلما زدت لله عبودية رفعك الله، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ قال: ﴿إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ كلما وضعت رأسك في التراب، رفعك الله إليه، وكلما حاول المتكبر أن يرتفع حقره الله وأذله وأخسأه وخذله وحرمه في الدنيا والآخرة.
وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود﴾ فلا طريق إلى الله إلا العبادة.
فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
وأكثر قرعه دأباً عساه سيفتح بابه لك إن قرعتا
стр. 6823
الصلاة ثانياً
يقول الله : ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] فيا دعاة الإسلام! ويا أخيار حملة لا إله إلا الله في الإسلام! يا أهل البيوت الذين يريدون تربيتها على الإسلام! يا من حمل في قلبه حب الإسلام! أقم الصلاة لذكري إن أول زاد المسلمين الصلاة.
لذكري قيل: إذا ذكرتني في أي وقت فأقم الصلاة، وقال بعض أهل العلم: أقم الصلاة لذكري، إذا نمت عن الصلاة، ثم قمت وذكرتها، فأدها، لحديث أبي قتادة في الصحيحين مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك﴾ وقيل: أقم الصلاة لذكري، أي: لإقامة ذكري، أي: أن تقيم الصلاة لتذكرني في الصلاة، لا تذكر غيري، لا مالاً، ولا ولداً، ولا منصباً، ولا تراثاً، وإنما لذكر الله .
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] قال ابن تيمية: هذه الآية أخطأ فيها طائفة من أهل العلم، ومعناها الصحيح: أن للصلاة منفعتين:
الأولى: منفعة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والثانية: أن فيها يقام ذكر الله.
وإقامة ذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر.
فعلم الله موسى التوحيد، ثم دله على العبادة، ثم أوصاه بالصلاة، والآن يتحدث له عن اليوم الآخر ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥].
يا موسى! إن هناك يوماً يجمع الله فيه الأولين والآخرين يا موسى! إن هناك حساباً يا موسى! إن هناك يوماً يجعل الولدان شيباً يا موسى! إن هناك يوماً يعض الظالم فيه على يديه يا موسى! إن هناك يوماً تنسف فيه الجبال نفساً ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] قيل: أكاد أظهرها من باب التضاد، وقيل: أكاد أخفيها على ظاهرها ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] لا إله إلا الله ما أعظمه من يوم! ولا إله إلا الله ما أخطره من لقاء!
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضرٍ يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ الله
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦] يا موسى! لا يصدنك عن لقاء الله جلساء السوء، فإن في المجتمع من يصدك عن موعود الله، وفي الناس من يأخذك عن الطريق المستقيم، جلساء السوء يحببون لك الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، والنظرة الآثمة، وأكل الربا، والزنا، والفجور، وشهادة الزور، والغيبة والنميمة؛ فاحذرهم.
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].
بعض الناس اتبع هواه، ركب رأسه كالثور، له قلب لكن لا يعقل، له سمع لكن لا يسمع، له بصر لكن لا يبصر به، فسبحان من يهدي ويضل!
стр. 6824
مؤانسة الله لموسى وتأييده بالمعجزات
واسمع الآن إلى المؤانسة، موسى الذي يظهر من القصة أنه خاف، سبحان الله! ترك امرأته وأطفاله مع غنم، في صحراء قاحلة مدوية ما فيها إلا الذئب.
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصَوِّت إنسان فكدت أطير
فهو كأنه خائف فأراد الله أن يؤانسه فبماذا يؤانسه؟ يحدثه عن أموره، ولذلك يقول الأسدي، وهو يمدح نفسه:
أؤانس ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى ولكنما وجه الكريم خصيب
يقول: من كرمي أني أحادث ضيفي وهو على راحلته قبل أن ينزل حتى لا يخاف، فلا أكشِّر في وجهه، لا أسكت فيخاف مني الضيف، بل أهش وأبش وأتبسم، وأسأله عن أحواله وأهله وأسرته، كما قال زهير في مدح الأول:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
فالله أراد أن يؤانس موسى، وفي الصحيح: أن الرسول ﵊ كان ربما ربَّت على أكتاف بعض أصحابه، وفي سنن أبي داود بسند صحيح: ﴿أن الرسول ﷺ أخذ يد معاذ ﵁ وأرضاه فشبك يده بيده﴾ وصح كذلك أنه ضرب في صدر أبي بن كعب، وفي صدر جرير بن عبد الله البجلي ليؤانسهم، فالله أراد مؤانسة موسى، والله يعلم ما في يمين موسى لأنه هو الذي خلق العصا، وهو الذي صنعها .
قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
سبحان الله! الله لا يعرف العصا! جل الله! بل يعرف العصا، ومن حمل العصا، والشجرة التي أنبتت العصا، والكافر الذي سوف يذهب إليه موسى بالعصا ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
وموسى تلطف، قال: ما دام ربي حليماً كريماً يسأل حتى عن العصا، فهو قريب إليَّ ، كان الجواب في العربية أن يقول: عصا.
لكن يقولون: موسى وجد راحةً في الجواب، وفي كتب التفسير كـ ابن كثير وابن جرير وغيرهما: أن موسى إذا كلم الله وجد على وجهه النور أربعين يوماً يسطع على وجهه مِن نوره ، قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح للجواب ففصل الخطاب ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]
كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح، وانطلق في المقال، وأعجبه الحال، قال: هي عصاي يا رب، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى، وتكلف بعض المفسرين أن يقولوا: إنها كانت تضيء له في الليل، لكن ما أتى بهذا أثر إلى المعصوم ﷺ ، إنما هذه إسرائيليات، ويكفي أن نقف مع القرآن.
стр. 6825
معجزة العصا
قال الله : ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩] سوف تكون لها قصة، الدعوة سوف تقام على رأس العصا، هذه العصا سوف يكون لها تاريخ، وسوف يكون لها سجل حافل، وسوف يكون لها أحداث، فألقاها باسم الله، وهو يعرفها، ودائماً هي معه يضرب بها على ضأنه، ويرعى ويتوكأ بها ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] سبحان الله! من حول العصا إلى ثعبان؟
يقول أهل التفسير، وهو مما ينسب إلى مجاهد وغيره، قالوا: تحولت وإذا هي حية عظيمة لها نيبان تثغر -هذا في تفسير ابن كثير - ونحن نذكره من باب ﴿وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾ قالوا: وكان لها عينان، فأقبلت في الوادي ترقص أمام موسى، ففر ﵇ لأنه يبصر العصا وهي حية، فماذا ينتظر منها إلا الموت، فأوحى الله إليه من فوق سبع سماوات، فقال: ﴿وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] أي: لك منا عهد وشرط ألا تأكلك الحية.
لا تخف فإنك سوف تبعث إلى فرعون الذي كان حرسه على القصر ستة وثلاثين ألفاً.
ثبت أن حرس فرعون على قصره وعلى الشرفات والنوافذ ستة وثلاثون ألف جندي، كل جندي يظن أن فرعون إله يعبد من دون الله، فلماذا تخاف من عصا انقلبت حية؟ فلا تخف إنك من الآمنين، فثبت مكانه، ثم قال له: خذها احملها بيدك سبحان الله! من الذي يأخذ الحية؟ من الذي يحمل الثعبان بيده؟ إلا من أوتي عزماً وصرامةً وشجاعةً ﴿قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه:٢١] سوف تعود عصا، فأخذ موعود الله، وعهد الله، فتقدم إليها، فقبضها بلسانها، ثم هزها، فإذا هي عصا.
سبحان الله! الثعبان انقلب في دقائق إلى عصا، والعصا في دقائق إلى ثعبان، قدرة ظاهرة؛ ليثبت عند موسى أن الله على كل شيء قدير، وأننا معك يا موسى، وأننا نستطيع أن نفعل ما يؤيد دعوتك، إن عصاك سوف يكون لها خبر، وسوف تنتصر في المعركة مع الدجال الآثم الخبيث فرعون.
стр. 6826
معجزة اليد
قال تعالى:: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢].
وكانت يد موسى ﵇ سمراء؛ لأنه كان أسمر، كما صحت في ذلك الأحاديث، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه ﷺ قال: ﴿كأنه من أزدشنوءة﴾ وهم قبائلكم يا أهل الجنوب، فبيننا وبين موسى ﵇ شبه في الخلقة، فنسأل الله أن يكون بيننا وبينه شبه بالعمل، ونسأل الله أن يحشرنا في موكبه، وموكب محمد ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢].
فأدخلها تحت العضد في الإبط، فأخرجها، فكأنها فلقة قمر سبحان الله! تلمع لمعاناً كأنها قطعة البدر، أو كقطع القمر ليلة أربع عشرة، أو كأنها الشمس، قال: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢].
من غير سوء، لماذا؟ قال: لئلا يظن موسى ﵇ أنه برص، أو بهق، أو مرض، فقال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢] هذه مع العصا ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] وقد آتى الله موسى تسع آيات، كل آية لو أنزلت على الناس وكان لهم قلوب لكانت كفيلة بأن يهتدوا بإذن الله، وكل آية لو خوطب بها الشيوعيون الملاحدة والماركسيون وأتباع لينين، وكان لهم قلوب وعقول لاهتدوا، وهي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وضرب الصخر، وضرب البحر.
قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] ما هي فائدة هذه التربية وهذه المعجزة؟ اسمع إلى الخطاب: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
سبحان الله! هذا الرجل يفر من أكثر من عشر سنوات من ذاك الطاغية، واليوم يطلب منه أن يدخل عليه في القصر، فر من الموت، وفي الموت وقع، قتل نفساً من أسرة آل فرعون، أو من الأقباط، ثم فر منهم خائفاً، وفي الأخير يقول الله له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
سبحان الله! إنه خبر عجيب، وإنه سر غريب أن يدخل على فرعون، وليس الدخول على فرعون بهذه السهولة، فإن لدى فرعون جنوداً وحرساً وقوة!
стр. 6827
تأييد موسى بأخيه هارون
اسمع إلى التسديد من الله، واسمع إلى الكلام العجيب ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] كأن الخبر وقع عليه، فكاد أن يضيق بالخبر، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] وإذا شرح الله لك صدرك، فلن تخاف من شيء ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وإذا شرح الله صدرك، فاعلم أن لذائذ الدنيا لا تساوي -والله- مع شرح الصدر شيئاً، وإذا ضاق صدرك، فاعلم أن نعم الدنيا لا تساوي شيئاً.
وشرح الصدر يأتي بأمور أعظمها التوحيد، ثم العبادة، وكثرة الذكر، والالتجاء إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
من أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنك، مع أنه قد يسكن في القصور، ويركب السيارات الفاخرة، ويلبس أنعم لباس ويأكل أطيب طعام، لكن اللعنة معقودة على وجهه، لماذا؟ لأنه أعرض عن منهج الله، وأعرض عن القرآن والمساجد، وأعرض عن عبادة الله والذكر، فله معيشة ضنك ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] لا يعرف شيئاً، يدهده كالصخرة حتى يلقى في النار؛ لأنه كان في الدنيا أعمى، يسمع الأذان ولا يجيب، يرى القرآن ولا يقرأ، يرى طريق الهداية وطريق الشر، فيسلك طريق الشر، سبحان الله! أي قلب هذا؟!
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] ولذلك يمتن على رسوله ﷺ في القرآن فيقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] أما فسحنا لك في قلبك؟ أما وسعنا لك صدرك؟ أما طردنا الهموم والغموم من جوانحك؟ فكان حليماً بالقرآن ومنشرح الصدر بالإيمان.
قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] كأنه يقول: يا رب إن المسئولية خطيرة، والرسالة عظيمة، يسر لي أمري، ولا ييسر الأمر إلا الله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٧] وقد كان في لسانه عقدة يأكل الكلام، والسبب -كما قال أهل السير والتاريخ- أنه كان في صباه، وهو في بيت فرعون يوم استنقذته بإذن الله آسية امرأة فرعون ﵍، ولا عليه.
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
فاستنقذته فعاش في حجر فرعون، وانظر للهادي ، تجد الابن في بعض البيوت كل المعصية في بيته الإجرام والفسق والعصيان، وينشأ هادياً مهدياً عابداً من العباد؛ لأنها هداية الله، وتجد الابن في بعض البيوت وأهله يقربون له أسباب الهداية، ويسألون الله له التوفيق، وينشأ شقياً جباراً عاصياً مارداً على الله، ولذلك فإن الرجل الذي سوف يشير الله إليه في سورة طه وهو السامري فإن اسمه موسى تربى في حجر جبريل، وموسى النبي ﵇ تربى في حجر فرعون، فأسلم هذا وكفر ذاك، قال الشاعر:
فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مؤمن
فلما نشأ وأصبح صبياً، أخذ كفه مرةً من المرات ولطم فرعون على وجهه، فغضب فرعون، وقال: لأقتلنه، لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، فقالت العاقلة الرشيدة امرأة فرعون المؤمنة: هذا لا يعلم شيئاً، وأحضرت له جمرة وتمرة، وقالت لفرعون: إن أخذ التمرة فاقتله؛ لأنه يعرف، وإن أخذ الجمرة، فهو لا يعرف رشده، فلماذا تقتله؟ قال: حكمت فأنصفت.
فأراد موسى أن يأخذ التمرة، فصرف الله يده على الجمرة، فأخذها فوضعها على طرف لسانه، فأحرقت لسانه.
لذا لما قال له الله : اذهب إلى فرعون؛ تذكر أنه لا يستطيع أن يتكلم؛ لأنه يريد أن يلقي خطبة على فرعون ومحاضرة يبين له فيها التوحيد، لكن بأي لسان ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] قال الحسن البصري: [[رحم الله موسى! ما سأل الله إلا أن يحل عقدة واحدة بقدر الحاجة]] وما قال: اجعلني أفصح أهل مصر بأن يكون خطيباً مصقعاً، أو محاضراً مطبقاً، بل قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨].
أي: علم أن يفقهوا بعض الكلام، ومع ذلك قال في سورة القصص: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤] يقول: اجعل معي أخي هارون يتكلم؛ لأن هارون فصيح وأنا لست فصيحاً، وكان هارون أكبر من موسى، قال أهل العلم: ما سمعنا بشفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى لهارون، فإنه شفع له عند الله حتى أصبح نبياً من الأنبياء، وهي أعظم شفاعة، وانظر إلى حكمة الله، رأى أن هذا الصغير ربما يتحمل أعباء الرسالة أعظم من هذا، فجعله نبياً رسولاً، ثم شفع هذا الصغير في أخيه الكبير فكان معه نبياً.
ولذلك لما وصل إلى بساط فرعون وعلى بلاطه، أخذ فرعون يضحك مع وزرائه وحاشيته، ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
يقول: أنا يا أهل مصر أحسن وأفضل أم هذا الذي يأكل الكلام ولا يفصح؟! سبحان الله! فهل المسألة بالفصاحة؟ لا، المسألة بالتقوى أهي بكثرة الطنطنة والدندنة في الكلام؟ لا، بل هي بالتقوى أهي بالذكاء الخارق والعبقرية؟ لا.
بل بالتقوى.
ثم قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي) [طه:٢٩ - ٣٠] ثم عاد إلى الله فقال: يا رب إن المسألة صعبة وضخمة ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢] قوِّ به جناحي، واجعله رفيقاً لي عل فرعون أن يخافنا، أو يرهبنا قليلاً؛ لأن الاثنين أرهب من الواحد ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣١ - ٣٢].
لماذا؟ قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٣] أي: حتى يذكِّرني وأذكِّره التسبيح في الطريق، يذكرني طاعتك، وأذكره طاعتك، ولذلك الاثنان يسبحان أكثر من الواحد، وحبذا الصديق الصادق الذي يعينك على طاعة الله ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٤] والذكر زاد الدعاة، ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ [طه:٣٥].
قال الله : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] وكل ما مضى من السؤالات كأنها سؤال واحد أمام كرم الله وعطائه وسعته ورحمته.
стр. 6828
تذكيره بنعم الله عليه
ثم أخذ الله يعيده لتاريخه، ولسجله الأول، ولأيامه الأولى، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧] يا موسى! لا تنس نعم الله ومننه عليك.
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٨ - ٣٩].
فيها مسائل: وهي قصة طويلة، لما ولد موسى ولد في العام الذي يقتل فيه فرعون أطفال بني إسرائيل، وكان موسى إسرائيلياً من بني إسرائيل، فخافت أمه أن يقتله فرعون، فجعلته في ألواح من خشب -تابوت- وربطت هذه الألواح، وأنزلت التابوت في اليّم، قيل: في نهر النيل، وربطت الخيط في بيتها، فإذا ذهب حرس فرعون، سحبت التابوت وأرضعته، فإذا اقتربوا أنزلته، وربطت الحبل في بيتها.
ومرة من المرات ذهب جنود فرعون -الذين يبحثون أطفال- فسحبت الحبل، فانقطع الحبل من التابوت فأتى الحبل بلا تابوت فخرجت وقلبها يكاد يطير، وأصبح فارغاً كاد يخرج من بين جنبيها، ونظرت في اليمّ فلم تجده، وساقه اليم -بإذن الله- حتى أدخله في مزرعة وبستان فرعون في القصر، تفر به أمه من أن يلاحق، فيقع في قبضة المجرم، وأتت جواري فرعون، فرأين التابوت، ففتح فوجدوه غلاماً من بني إسرائيل، فأرادوا ذبحه، فتدخلت آسية ﵍ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] قال أهل الأثر: ما رآك أحد إلا أحبك، سبحان الله! ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠] لما وضع عند فرعون، أرادوا إرضاعه ليتبناه فرعون، فأرادوا أن يربوه، فعرضوه على كل ثدي، فأبى أن يرتضع، قالت أخته -وكانت قريبة من قصر فرعون-: أتريدون أن أدلكم على أهل بيت يرضعونه لكم؟ قالوا: نعم، فذهبت إلى أمه وقالت: وجدت امرأة ترضعه، فلما وضعوه على ثديها رضع بإذن الله ، فأصبح فرعون يدفع الأجرة لأم موسى على إرضاعه زيادةً على ذلك! ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠].
ثم قال : لا تنس يا موسى، لا تظن أنا نسينا ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه:٤٠] حميناك، ورعيناك، وكفلناك، وآويناك، وأشبعناك، وسقيناك، فتذكر نعمة الله ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [طه:٤٠] عشر سنوات؛ لأنه قال: ثمان سنوات، أو عشر، قال ابن عباس: [[قضى أجملهما وأحسنهما وأكملهما]] ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠] أي: جئت بقضاء من الله وقدر، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ربيتك لتكون رسولاً لي تبلغ دعوتي.
стр. 6829
أمر الله لموسى وأخيه بالدعوة
ثم قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] الآن يقول: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] وفي أول السورة يقول: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] ولكنه قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٩] ولذلك قال هنا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] أصبح أخوه نبياً من الأنبياء.
стр. 6830
توصية الله لهما بذكره
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] ما معنى: ولا تنيا في ذكري؟ قيل: لا تضعفا في ذكري، سبحا كثيراً، وهللا كثيراً، واحمدا كثيراً، واستغفرا كثيراً، وهذا زاد المسلم، وإذا رأيت المسلم يكثر من ذكر الله، فاعلم أنه قريب من الله، وإذا رأيته غافلاً، فاعلم أن بينه وبين الله بعداً، ولذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بسر، قال:: ﴿يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾.
وقيل: ولا تضعفا في الدعوة إلي، مرا بالمعروف، وانهيا عن المنكر، فأنتما في أمر واجب ونحن -يا عباد الله- أصبحنا في زمن وفي وقتٍ كل منا وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطاقته، وإلى متى ننتظر؟ إلى متى نسكت؟ إلى متى لا ننكر المنكر؟ لكن كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ولذلك يقول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ثم قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧].
سوف تؤذى، وسوف تشتم، لكن اصبر على ما أصابك، والله يقول في قوم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم بنو إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] وقال في مدح أمتنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] قال: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢].
следующие страницы →