← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

معجزة اليد قال تعالى:: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢]. وكانت يد موسى ﵇ سمراء؛ لأنه كان أسمر، كما صحت في ذلك الأحاديث، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه ﷺ قال: ﴿كأنه من أزدشنوءة﴾ وهم قبائلكم يا أهل الجنوب، فبيننا وبين موسى ﵇ شبه في الخلقة، فنسأل الله أن يكون بيننا وبينه شبه بالعمل، ونسأل الله أن يحشرنا في موكبه، وموكب محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢]. فأدخلها تحت العضد في الإبط، فأخرجها، فكأنها فلقة قمر سبحان الله! تلمع لمعاناً كأنها قطعة البدر، أو كقطع القمر ليلة أربع عشرة، أو كأنها الشمس، قال: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢]. من غير سوء، لماذا؟ قال: لئلا يظن موسى ﵇ أنه برص، أو بهق، أو مرض، فقال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢] هذه مع العصا ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] وقد آتى الله موسى تسع آيات، كل آية لو أنزلت على الناس وكان لهم قلوب لكانت كفيلة بأن يهتدوا بإذن الله، وكل آية لو خوطب بها الشيوعيون الملاحدة والماركسيون وأتباع لينين، وكان لهم قلوب وعقول لاهتدوا، وهي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وضرب الصخر، وضرب البحر. قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] ما هي فائدة هذه التربية وهذه المعجزة؟ اسمع إلى الخطاب: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤]. سبحان الله! هذا الرجل يفر من أكثر من عشر سنوات من ذاك الطاغية، واليوم يطلب منه أن يدخل عليه في القصر، فر من الموت، وفي الموت وقع، قتل نفساً من أسرة آل فرعون، أو من الأقباط، ثم فر منهم خائفاً، وفي الأخير يقول الله له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤]. سبحان الله! إنه خبر عجيب، وإنه سر غريب أن يدخل على فرعون، وليس الدخول على فرعون بهذه السهولة، فإن لدى فرعون جنوداً وحرساً وقوة!

стр. 6827

تأييد موسى بأخيه هارون اسمع إلى التسديد من الله، واسمع إلى الكلام العجيب ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] كأن الخبر وقع عليه، فكاد أن يضيق بالخبر، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] وإذا شرح الله لك صدرك، فلن تخاف من شيء ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. وإذا شرح الله صدرك، فاعلم أن لذائذ الدنيا لا تساوي -والله- مع شرح الصدر شيئاً، وإذا ضاق صدرك، فاعلم أن نعم الدنيا لا تساوي شيئاً. وشرح الصدر يأتي بأمور أعظمها التوحيد، ثم العبادة، وكثرة الذكر، والالتجاء إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. من أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنك، مع أنه قد يسكن في القصور، ويركب السيارات الفاخرة، ويلبس أنعم لباس ويأكل أطيب طعام، لكن اللعنة معقودة على وجهه، لماذا؟ لأنه أعرض عن منهج الله، وأعرض عن القرآن والمساجد، وأعرض عن عبادة الله والذكر، فله معيشة ضنك ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] لا يعرف شيئاً، يدهده كالصخرة حتى يلقى في النار؛ لأنه كان في الدنيا أعمى، يسمع الأذان ولا يجيب، يرى القرآن ولا يقرأ، يرى طريق الهداية وطريق الشر، فيسلك طريق الشر، سبحان الله! أي قلب هذا؟! ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] ولذلك يمتن على رسوله ﷺ في القرآن فيقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] أما فسحنا لك في قلبك؟ أما وسعنا لك صدرك؟ أما طردنا الهموم والغموم من جوانحك؟ فكان حليماً بالقرآن ومنشرح الصدر بالإيمان. قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] كأنه يقول: يا رب إن المسئولية خطيرة، والرسالة عظيمة، يسر لي أمري، ولا ييسر الأمر إلا الله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٧] وقد كان في لسانه عقدة يأكل الكلام، والسبب -كما قال أهل السير والتاريخ- أنه كان في صباه، وهو في بيت فرعون يوم استنقذته بإذن الله آسية امرأة فرعون ﵍، ولا عليه. سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام فاستنقذته فعاش في حجر فرعون، وانظر للهادي ، تجد الابن في بعض البيوت كل المعصية في بيته الإجرام والفسق والعصيان، وينشأ هادياً مهدياً عابداً من العباد؛ لأنها هداية الله، وتجد الابن في بعض البيوت وأهله يقربون له أسباب الهداية، ويسألون الله له التوفيق، وينشأ شقياً جباراً عاصياً مارداً على الله، ولذلك فإن الرجل الذي سوف يشير الله إليه في سورة طه وهو السامري فإن اسمه موسى تربى في حجر جبريل، وموسى النبي ﵇ تربى في حجر فرعون، فأسلم هذا وكفر ذاك، قال الشاعر: فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مؤمن فلما نشأ وأصبح صبياً، أخذ كفه مرةً من المرات ولطم فرعون على وجهه، فغضب فرعون، وقال: لأقتلنه، لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، فقالت العاقلة الرشيدة امرأة فرعون المؤمنة: هذا لا يعلم شيئاً، وأحضرت له جمرة وتمرة، وقالت لفرعون: إن أخذ التمرة فاقتله؛ لأنه يعرف، وإن أخذ الجمرة، فهو لا يعرف رشده، فلماذا تقتله؟ قال: حكمت فأنصفت. فأراد موسى أن يأخذ التمرة، فصرف الله يده على الجمرة، فأخذها فوضعها على طرف لسانه، فأحرقت لسانه. لذا لما قال له الله : اذهب إلى فرعون؛ تذكر أنه لا يستطيع أن يتكلم؛ لأنه يريد أن يلقي خطبة على فرعون ومحاضرة يبين له فيها التوحيد، لكن بأي لسان ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] قال الحسن البصري: [[رحم الله موسى! ما سأل الله إلا أن يحل عقدة واحدة بقدر الحاجة]] وما قال: اجعلني أفصح أهل مصر بأن يكون خطيباً مصقعاً، أو محاضراً مطبقاً، بل قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]. أي: علم أن يفقهوا بعض الكلام، ومع ذلك قال في سورة القصص: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤] يقول: اجعل معي أخي هارون يتكلم؛ لأن هارون فصيح وأنا لست فصيحاً، وكان هارون أكبر من موسى، قال أهل العلم: ما سمعنا بشفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى لهارون، فإنه شفع له عند الله حتى أصبح نبياً من الأنبياء، وهي أعظم شفاعة، وانظر إلى حكمة الله، رأى أن هذا الصغير ربما يتحمل أعباء الرسالة أعظم من هذا، فجعله نبياً رسولاً، ثم شفع هذا الصغير في أخيه الكبير فكان معه نبياً. ولذلك لما وصل إلى بساط فرعون وعلى بلاطه، أخذ فرعون يضحك مع وزرائه وحاشيته، ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]. يقول: أنا يا أهل مصر أحسن وأفضل أم هذا الذي يأكل الكلام ولا يفصح؟! سبحان الله! فهل المسألة بالفصاحة؟ لا، المسألة بالتقوى أهي بكثرة الطنطنة والدندنة في الكلام؟ لا، بل هي بالتقوى أهي بالذكاء الخارق والعبقرية؟ لا. بل بالتقوى. ثم قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي) [طه:٢٩ - ٣٠] ثم عاد إلى الله فقال: يا رب إن المسألة صعبة وضخمة ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢] قوِّ به جناحي، واجعله رفيقاً لي عل فرعون أن يخافنا، أو يرهبنا قليلاً؛ لأن الاثنين أرهب من الواحد ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣١ - ٣٢]. لماذا؟ قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٣] أي: حتى يذكِّرني وأذكِّره التسبيح في الطريق، يذكرني طاعتك، وأذكره طاعتك، ولذلك الاثنان يسبحان أكثر من الواحد، وحبذا الصديق الصادق الذي يعينك على طاعة الله ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٤] والذكر زاد الدعاة، ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ [طه:٣٥]. قال الله : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] وكل ما مضى من السؤالات كأنها سؤال واحد أمام كرم الله وعطائه وسعته ورحمته.

стр. 6828

تذكيره بنعم الله عليه ثم أخذ الله يعيده لتاريخه، ولسجله الأول، ولأيامه الأولى، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧] يا موسى! لا تنس نعم الله ومننه عليك. ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٨ - ٣٩]. فيها مسائل: وهي قصة طويلة، لما ولد موسى ولد في العام الذي يقتل فيه فرعون أطفال بني إسرائيل، وكان موسى إسرائيلياً من بني إسرائيل، فخافت أمه أن يقتله فرعون، فجعلته في ألواح من خشب -تابوت- وربطت هذه الألواح، وأنزلت التابوت في اليّم، قيل: في نهر النيل، وربطت الخيط في بيتها، فإذا ذهب حرس فرعون، سحبت التابوت وأرضعته، فإذا اقتربوا أنزلته، وربطت الحبل في بيتها. ومرة من المرات ذهب جنود فرعون -الذين يبحثون أطفال- فسحبت الحبل، فانقطع الحبل من التابوت فأتى الحبل بلا تابوت فخرجت وقلبها يكاد يطير، وأصبح فارغاً كاد يخرج من بين جنبيها، ونظرت في اليمّ فلم تجده، وساقه اليم -بإذن الله- حتى أدخله في مزرعة وبستان فرعون في القصر، تفر به أمه من أن يلاحق، فيقع في قبضة المجرم، وأتت جواري فرعون، فرأين التابوت، ففتح فوجدوه غلاماً من بني إسرائيل، فأرادوا ذبحه، فتدخلت آسية ﵍ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] قال أهل الأثر: ما رآك أحد إلا أحبك، سبحان الله! ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠] لما وضع عند فرعون، أرادوا إرضاعه ليتبناه فرعون، فأرادوا أن يربوه، فعرضوه على كل ثدي، فأبى أن يرتضع، قالت أخته -وكانت قريبة من قصر فرعون-: أتريدون أن أدلكم على أهل بيت يرضعونه لكم؟ قالوا: نعم، فذهبت إلى أمه وقالت: وجدت امرأة ترضعه، فلما وضعوه على ثديها رضع بإذن الله ، فأصبح فرعون يدفع الأجرة لأم موسى على إرضاعه زيادةً على ذلك! ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠]. ثم قال : لا تنس يا موسى، لا تظن أنا نسينا ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه:٤٠] حميناك، ورعيناك، وكفلناك، وآويناك، وأشبعناك، وسقيناك، فتذكر نعمة الله ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [طه:٤٠] عشر سنوات؛ لأنه قال: ثمان سنوات، أو عشر، قال ابن عباس: [[قضى أجملهما وأحسنهما وأكملهما]] ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠] أي: جئت بقضاء من الله وقدر، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ربيتك لتكون رسولاً لي تبلغ دعوتي.

стр. 6829

أمر الله لموسى وأخيه بالدعوة ثم قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] الآن يقول: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] وفي أول السورة يقول: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] ولكنه قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٩] ولذلك قال هنا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢] أصبح أخوه نبياً من الأنبياء.

стр. 6830

توصية الله لهما بذكره ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] ما معنى: ولا تنيا في ذكري؟ قيل: لا تضعفا في ذكري، سبحا كثيراً، وهللا كثيراً، واحمدا كثيراً، واستغفرا كثيراً، وهذا زاد المسلم، وإذا رأيت المسلم يكثر من ذكر الله، فاعلم أنه قريب من الله، وإذا رأيته غافلاً، فاعلم أن بينه وبين الله بعداً، ولذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بسر، قال:: ﴿يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾. وقيل: ولا تضعفا في الدعوة إلي، مرا بالمعروف، وانهيا عن المنكر، فأنتما في أمر واجب ونحن -يا عباد الله- أصبحنا في زمن وفي وقتٍ كل منا وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطاقته، وإلى متى ننتظر؟ إلى متى نسكت؟ إلى متى لا ننكر المنكر؟ لكن كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ولذلك يقول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ثم قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧]. سوف تؤذى، وسوف تشتم، لكن اصبر على ما أصابك، والله يقول في قوم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم بنو إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] وقال في مدح أمتنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] قال: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢].

стр. 6831

توصيته لهما باللين ثم قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ما أحسن هذا التوجيه! وما أحسن هذه التربية للدعاة والخطباء ولطلبة العلم والعلماء من تربية! ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ما هو القول اللين؟ كأن معنى الخطاب: لا تجرحا شعور فرعون، احذرا أن تشددا عليه أو تشتماه، فتأخذه العزة بالإثم فلا يسلم، ولا يؤمن، لا تؤذيانه، خذاه بالتي هي أحسن، بقول لين هين سهل قريب، قال سفيان الثوري: [[أتدرون ما هو القول اللين؟ قالوا: لا، قال: كنِّه]] أي: ادعه بالكنية، وكنية فرعون كما يقول ابن كثير: أبو مرة -مرغه الله على وجهه في النار- فلما أتى موسى يتكلم معه، قال: يا أبا مرة، هكذا قال أهل التفسير، ولذلك قال الشاعر اليمني: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من أدبي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب يقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] وورد أن القول اللين أن يقولا له: سوف يمتعك الله بالشباب والصحة والملك إذا آمنت وأسلمت. وسبحان الله! ما أحسن القول اللين! فهو الذي يقود القلوب، وأحسن من فعل هذا رسول الهدى ﷺ ، فهو الذي امتثل أمر الله في دعوته، فكان قوله ليناً، وكلامه ليناً، وفعله ليناً، حتى يقول الله له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. والقول اللين لا يأتي إلا بخير، وفي الصحيح مرفوعاً: ﴿ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه﴾ والصلف والبذاءة لا تأتي بخير، والسب والشتم والتجريح لا يأتي بخير، ونحن في غنى عن هذا الكلام، وإن لم يجر لك ضرراً لم يأت لك بمنفعة، لكن عليك أن تبين سبل الهداية كما بينها ﷺ . لا يزال في نفسه مخافة؛ لأنه ما زال قلبه يرجف من فرعون، يعرف أنه ساكن في مصر في العاصمة، ومعه جيش جرار، ومعه جلادون وقتلة، ودولة كاملة، وهيلمان وسلطان وصولجان ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]. وما كان مقصوده تعريف الله فهو يعرف، لكن يريدان الاستنصار بالله على فرعون، وأصبحا يتكلمان الآن سوياً، فالضمير للمثنى الآن ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يقولان: إن فرعون مجرم وفاسد، ودكتاتوري يذبحنا كما تذبح الشياة ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه:٤٥] أن يستعجل في العقوبة، نخاف من هذا المجرم ألا نستطيع أن نتكلم بين يديه حتى يتبع السيف إلى رءوسنا فيبترها ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يتجاوز في العقوبة ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] قال الله : ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] سبحان الله! أنا قريب، أنا معكم، ناصية فرعون وملكه وجنده بقبضتي، أقصمه متى شئت. فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان سبحان الله! قوته تغلب كل قوة ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ولا يتحرك فرعون إلا بإذني، ولا يتصرف إلا بقدري وقضائي، فلن تمسكم منه ذرة من الأذى إذا حفظتكم أنا، ولذلك في سنن الترمذي والمسند بسندين حسنين قوله ﷺ لـ ابن عباس في الحديث الطويل: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].

стр. 6832

إرشادهم لأسلوب الخطاب قال تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٨ - ٤٧] فعلمهما أسلوب الخطاب، وعلمهما كيف يوجهان الكلام، قال لهما: أولاً: أخبراه أنكما رسولان من عند الله. ثانياً: خذا بني إسرائيل من مصر، واذهبوا إلى فلسطين. ثالثاً: سلما على من اتبع الهدى، وهذا من أسلوب الدعوة، ولم يقل: سلما عليه - لا سلمه الله- فإنه ضال، ولم يقل: اتركا السلام، ولكن سلما علَّ في المجلس مؤمناً، وبشراه أن من أسلم لله أدركه السلام. ولذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنه ﷺ كتب لـ هرقل، فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أمَّا بَعْد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين﴾ الحديث. السلام على من اتبع الهدى: هذا الشاهد، قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) [طه:٤٧] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] الآن دخلا عليه وأصبحا في القصر، ولكن هنا كلام محذوف تقديره: فأتيا وقرعا الباب، والعجيب أن ابن كثير أورد قولاً -نرويه- يقول: بقي موسى ﵇ وأخوه يترادان ويطلبان الإذن بدخول القصر سنتين من الصباح والمساء، وهذا من الإسرائيليات. وموقفنا من الإسرائيليات ثلاثة مواقف: أما ما كانت في كتابنا وسنة نبينا ﷺ فهذا تحصيل حاصل لسنا بحاجة إليها، ونحن في غنية بما عندنا. وأما ما عارض الكتاب والسنة، فنردها ونرمي بها عرض الحائط. وأما ما لم يعارض ما في كتابنا، ولا كان له أي ضرر، فنرويها، كما قال ﵊: ﴿وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾. فأتى موسى وهارون ﵉ يستأذنان، وقيل: إن موسى ﵇ كان يضرب باب القصر الخارجي ودونه باب، ودون الباب باب، ودون السرادق سرادق، فأخذ يضرب الباب بالعصا يستأذن ﵇، ما أقوى موسى! وما أشجعه وما أجرأه! فخرج الجنود: ما لك؟ قال: أريد فرعون، لماذا؟ قال: أدعوه إلى الله، قالوا: هو الله، لأن فرعون يقول لهم: ما علمت لكم من إله غيري، ويقول: أنا ربكم الأعلى، ويقول: وهذه الأنهار تجري من تحتي؛ فأجراها الله من فوق رأسه، فأخذ موسى يطرق، فخرج الجنود، قالوا: ما لك مجنون!، قال: ما أنا مجنون! -لكن عندي طب المجانين، عندي علاج للمجانين، أكبر مجنون عندكم هنا في القصر أريد علاجه، مجنون لا يعرف الله، لا يعرف طريق الله، ولا يعرف الجنة ولا النار، أخبروا فرعون، قالوا: في الباب مجنون يضرب الباب بعصاه يريد أن ندخله عليك. قال: أدخلوه وهو يريد أن يضحك عليه، فجمع وزراءه، فلما دخل، كان الواجب أن ينتظر فرعون حتى يتكلم موسى، أنت إذا أتاك ضيف أتقول: أخبارنا وأمطارنا وأشعارنا أم تنتظر الضيف يتحدث؟! فلما دخل أراد أن يضحك على موسى، لكن موسى ضحك عليه، وعلى قومه، فموسى ﵇ معه العصا يتوكأ بها، وبجانبه هارون يترجم له، موسى يعرف بعض الكلمات يقول بعض الكلمات، لكن إذا كثرت الكلمات تولى الترجمة هارون ﵇. أتى فرعون يتكلم وقال: فمن ربكما يا موسى؟ الآن السؤال محرج، إن قال موسى ﵇: ربي الله فربما وافق ذلك ما في نفس فرعون لأنه يدعي أنه إله، وإن قال له: يا قليل الحياء، يا قليل المروءة، يا قليل الدين هذا سؤال خاطئ! جرح شعوره، والله يقول له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] وإن قال له: الله الذي خلقك، ربما يزري به أمام الجلوس ويجرح شعوره، لكنه قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. قال بعض المفسرين: لله دره من جواب! ما أحسنه! ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] إن كنت أنت الذي أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت فأنت إله، وإن كنت لا تخلق ولا تصنع، فلا ندري. هذا هو الجواب، يقول: إن الذي خلق كل شيء، وأعطى كل شيء خلقه وهداه ويسره وجعله سميعاً بصيراً هو ربنا، ولذلك أفحم فرعون بهذا الجواب، وهذا يسمى الجدل في القرآن، ومن ميزات الجدل في القرآن أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستمرون في نقطة واحدة إذا جحدها المجرم، أو أنكرها فتركه، كيف أعطى الله كل شيء خلقه ثم هدى؟ كيف هدى الإنسان، وهدى الحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف؟ هدى النحلة إلى خليتها وهي تقطع مئات الأميال، هدى كل شيء، هدى بعض الحيوانات وهي عمياء. نقل ابن الجوزي حول هذه الآية: أن الله هدى كل مخلوق لكل ما ينفعه في الحياة إلا الكافر، فإنه لم يهتد بهدى الله إذا ضل. يقول ابن الجوزي: رأى بعض الصالحين في نخلة حية عمياء وسط نخلة من النخيل، قال: فرأيتها تلتمس الغذاء، فلم تجده وهي في نخلة مرتفعة وعمياء، قال: فرأيت عصفوراً يأتي وينقل لحماً وطعاماً، فإذا اقترب منها، صفر العصفور فرفع منقاره، فوضع اللحم في فيها، أليس هذا من الخلق والهداية؟! وذكر أحد علماء الغرب في كتاب له العلم يدعو إلى الإيمان أو الإنسان لا يقوم وحده " وهو يسمى كريسي موريسون يقول: هناك حيات وثعابين -وهو صحيح- تأتي إذا أرادت أن تبيض في الأنهار وفي البحار التي تتجمد وتصبح ثلجاً، فتهاجر إلى المشرق لتبيض هناك، فإذا فقست بيضها، هاجرت أبناؤها إلى المحيطات تلك، فمن هداها؟ وهناك طيور إذا أدركها موسم الشتاء هاجرت إلى أفريقيا، فإذا انتهى الشتاء في بلادها، قطعت آلاف الأميال وعادت. وهناك الجراد إذا أدركته المجاعة، زحف إلى المزارع التي فيها زرع وأكل وشرب، فمن هداه إلا الله! سبحان الله! ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. الآن بهت فرعون وانهزم، ومال إلى سؤال آخر: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] يا موسى، أين أجدادنا وأجداد أجدادنا والقرون التي سلفت إن كنت صادقاً؟ ما لهم أحوسبوا؟ أعذبوا؟ ماذا كانوا يعبدون؟ ولو كان الجواب من غير موسى، فسوف يقال له: وما دخلك أيها الأحمق؟ وما دخلك أيها الوقح في هذه القضايا؟ لكن لأن الله قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] فقال بأسلوب بلاغي عجيب: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] أنا وإياك لا ندري، لكنها والله في دواوين محفوظة، وفي سجلات مرسومة، وفي دفاتر مكتوبة، لا يضل ربنا مكانها، ولا ينسى علمها . وللحديث بقية لنستفيد من هذه الدروس والعبر.

стр. 6833

الأسئلة وقبل أن ننتهي هنا بعض الأسئلة أحب الإجابة على بعضها.

стр. 6834

يهود إسرائيل الآن هم من بني إسرائيل قديماً السؤال هل بنو إسرائيل هم يهود إسرائيل الآن المحتلون لمسجدنا الأقصى؟ وكيف يكون تعاملنا معهم وقد رأينا تعاملهم مع الأنبياء؟ الجواب نعم، اليهود الآن هم من نسل أولئك اليهود من بني إسرائيل، ولكن جعل الله منهم مؤمناً وكافراً، وقد يأتي المؤمن من الكافر، ويأتي الكافر من المؤمن ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧] واليهود الآن محتلون، وليس لهم حق في الأرض من جانبين: أولاً: من باب النسل والأثر وميراث الله الأرض؛ فليس لهم حق في فلسطين، لقوله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦] فليس لهم حق في ميراث الله ، فهم دخلاء يجب أن يجاهدوا حتى يخرجوا من الأرض وتطهر منهم، فهم أرجاس أنجاس محتلون ظلمة مغتصبون. ثانياً: تاريخياً: أن العرب نزلوا قبلهم في فلسطين، وأنهم هم أهل الديار، وأهل الدار، وأهل القصور، وأهل المساكن، وهؤلاء محتلون لا حق لهم في الديار بشهادة كبار المؤرخين. أما كيفية التعامل معهم، فإن لم يؤمنوا ويدخلوا في دين الله، وإلا فالحديد والنار، وهذا هو الجهاد الذي ندبنا الله إليه.

стр. 6835

نصائح للداعية المسلم السؤال حبذا لو أوجزت لنا بعض النقاط التي يستعين بها الداعية في التعامل مع مجتمع فيه كثير من الخير، ولكن ليس لديهم ولا بينهم قدوة أو مربي؟ الجواب أولاً: القدوة إن شاء الله أو المربون موجودون على قلة، والتعامل مع هؤلاء يكون بالإخلاص لوجه الله في الدعوة، فإن دعوة لا تبنى على إخلاص لا يبارك الله فيها، والتزود بالعلم النافع من الكتاب والسنة، فإن من يدعو الناس بلا علم، فإنه لا يزيدهم إلا ضلالاً وحيرةً، يثقون في كلامه، وهو مبني على غير دليل، والعلم لا بد أن يبنى على الكتاب والسنة. وأن يكون صاحب حلم، وصاحب سعة وصبر، وصاحب خير، وصاحب لين ومعروف ليقبل الناس عليه، ويتقبلون من كلامه، وهو الخلق الحسن , وهو درسنا هذه الليلة، كما قال تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. وأن يكون عاملاًً بما يدعو الناس إليه، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وألا يكون كذاباً في فعله على قوله، يكذب فعله قوله، فنعوذ بالله من ذلك. ومنها: أن يدعو الناس بتدرج وحكمة، لا أن يتحولوا في يوم أو يومين، إنما يدعوهم بتؤدة، يلقنهم العقيدة، ثم العبادات، ثم المعاملات، ثم الآداب والسلوك، وهذا مصداق لقول الرسول ﷺ في الصحيحين لـ معاذ لما أرسله إلى اليمن ﴿وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة الحديث﴾ فأمره ﷺ بالتدرج في الدعوة.

стр. 6836

هل الذي استضاف موسى هو شعيب السؤال هل الرجل الذي استضاف موسى هو شعيب أم لا؛ لأن بعض الناس يقولون: إنه شعيب، والقرآن لم يذكر ذلك، ولم يذكر اسم شعيب؟ الجواب كما ذكرت أن القرآن لم يذكر ذلك، ولم يرد حديث صحيح أو حسن ينص على أنه شعيب ﵇، لكن بعض المفسرين والنقلة قالوا: هو شعيب؛ وهذا لا يتوقف عليه كثير علم، ولا كثير فائدة، ولو كان فيه مصلحة لذكره القرآن، ولكن فيما يعلم أنه لم يصح فيه حديث، ولا أثر صحيح أو مرفوع إلى المعصوم ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى، فنتوقف نحن، ونقول: هو رجل صالح كما ذكره ، ولا ندري باسمه، وأما الآثار هذه فنرويها، لكن لا نجزم بصحتها، وهذه الأمور التي يقام عليها خلاف، وليس عليها أثارة من علم، ولا تنسب إلى دليل من الرسول ﷺ ؛ ليس فيها فائدة، والقرآن إذا لم يشر إلى شيء، فلماذا نتعب أنفسنا؟ مثل: كلب أهل الكهف، لم يخبرنا الله بلونه، إنما قال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]. أتى بعض الناس، وقالوا: لونه مبرقع يميل إلى الصفرة، وبعضهم قالوا: مبرقش يميل إلى البياض، وقال آخرون: أحمر فيه سواد. وماذا ينفعنا أن يكون أحمراً، أو مبرقشاً، أو أصفراً، أو موديل أربعة وثمانين أو خمسة وثمانين؟! هذا لا ينفعنا شيئاً، ولذلك أدبنا الله فقال عن الجدل العقيم الذي لا يستفاد منه: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٢]. يقول: لا تخض في شيء لا يبنى عليه فائدة، مثل ما يدار في بعض المجالس، فهو من أوله إلى آخره إشغال للناس، وإرباك لهم، وأخذ أوقات الناس هل الأرض تدور حول الشمس، أو الشمس تدور حول الأرض؟ وهل يسألنا الله يوم القيامة هل الأرض تدور حول الشمس أو الأرض تدور حول الشمس؟ وهل يسألنا منكر ونكير؟ وهل في صحيح البخاري وصحيح مسلم هذا؟ هذا من ترف المسائل. وتجد بعض الناس لا يعرف الوضوء، ولا الغسل من الجنابة، ويسأل عن أطفال المشركين هل هم في الجنة أو في النار؟ ويسأل عن عدد الأنبياء والرسل هل هم أربعمائة ألف، أو ألف وثلاثة عشر، أو ألف وثلاثمائة، أنا محتار، وما أزال أفكر، وما أتاني النوم من صلاة الفجر بسبب البحث عن عدد الأنبياء! وهذا لا ينبني عليه كبير علم، ولا كبير فائدة.

стр. 6837

طلب العلم في بلاد الكفار السؤال ما حكم السفر إلى بلاد الكفار لطلب العلم؟ الجواب الذي يظهر من أقوال أهل العلم أن ذلك بحسب الأحوال، ولو أن هناك نصوصاً تخوف من مجاورة الكفار، فلا يسافر إلا لضرورة من طلب علم دنيوي يحتاج المسلمون إليه، كعلم الطب ولا يمكن التعلم إلا إذا سافر الدارس إلى تلك البلاد، فعليه أن يتقي الله، ويسافر لطلب الطب لفائدة المسلمين، أما طلب العلم الشرعي، فلا يطلب من عندهم. من بلادي يطلب العلم ولا يطلب العلم من الغرب الغبي وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خير نبي فكيف يطلب الحديث والفقه والتفسير من عندهم؟! سبحان الله! أيطلب الشبع من جائع؟! ويطلب الدواء من مريض؟! والأمر الثاني قالوا: لقصد الدعوة، فإذا وجد الإنسان في نفسه قوة وتأثيراً، وعلم أنه سوف ينفع، فلا بأس أن يذهب يدعو إلى الله إذا كانت عنده لغة، وعنده حصانة إيمانية، وعفاف وستر. والأمر الثالث: للعلاج إذا أعيا الأطباء علاجه في هذه البلاد، وقرروا أنه لا علاج له إلا هناك، فليذهب، أما للسياحة فنعوذ بالله من ذلك، أما للنزهة فمعصية، أما للتفرج وللتبجح فمعصية ظاهرة، ولا يؤمن على من ذهب هناك من أمور: منها: أن يرق دينه، فيصبح دينه خفيفاً إن لم يخلع دينه تماماً. ومنها: أن الكبائر تصبح عنده صغائر، بدل أنه كان يتكلم هنا ويرى أن إسبال الثوب كبيرة يصبح هناك لا يتكلم في هذه القضايا، ويقول: هذه قضايا صغيرة. ومنها: أنه ربما يستهين بالإسلام -نعوذ بالله من ذلك- وهذا مرض الشبهات، فقد وجد أن بعض من سافر هناك، ورأى ثقافتهم الأرضية وحضارتهم المادية وقصورهم ودورهم ومصانعهم ومنتجاتهم أنه يستهين بالإسلام، وهذا كفر وخروج من الملة. ومنها: أنه يعجبه الكفار فيأتي يمدحهم في بلاد المسلمين، ولذلك رأينا وسمعنا وأبصرنا ممن ذهب إلى هناك، ثم جاءنا يتقعر في مجالسنا ويتصدر أنديتنا ويمدح لنا بلاد الغرب، ويقول: ما هذه البلاد التي نحن فيها؟! إن البلاد التي أنعم الله عليها هناك والمتفتحون هناك، والمخلصون الصادقون الأذكياء وعباقرة الدنيا، أما التخلف وفساد المزاج والرجعية، فهنا! وهذا ردة إن لم يتب إلى الله من كلامه، ولسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة في هذا مفيدة جد مفيدة في السفر إلى الخارج؛ فلتقرأ ولتفهم.

стр. 6838

معنى سؤال الله لموسى عن العصا السؤال هل السؤال عن شأن عصا موسى ﵇ من أي شجرة تكون؟ الجواب لا، وبارك الله فيك، الله يدري أنها من شجرة خلقها ، لكن قال أهل العلم: إيناساً لموسى، أو كأنها خطاب يا موسى انتبه لهذه العصا، فسوف يكون لها شأن، واحذر أن تفوت منك، أو تضيعها، فإنه سوف يكون لها شأن، وبالفعل قامت قصة الدعوة على العصا.

стр. 6839

الأحوط ترك كلمة (مولانا) السؤال يوجد لدينا في بعض الأماكن والمساجد خطباء يقولون للرسول ﷺ : مولانا، هل يجوز لنا أن نقول للرسول ﷺ (مولانا)؟ الجواب في الجواب تفصيل، والله يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]. فإن كان قصده ولاية الدين وولاية الانتساب للسنة، فلا بأس بذلك، وإن كان قصده بها أنه ينفع في الدنيا أو أنه يرفع الحوائج إلى الله كما يفعل غلاة المتصوفة والبدعيون والقبوريون، فقد أخطأ خطأً بيناً، فالرسول ﵊ في قبره لا يسمع ﵊، ولا يرفع الحوائج إلى الله، بل هو في قبره يحيا حياة برزخية الله أعلم بها، ولا يستشفع به بعد موته، ولو استشفع به ﷺ لاستشفع به عمر وقت القحط، وإنما قال للعباس: [[يا عباس ادع الله أن يسقينا، ثم قال: اللهم إنا كنا نستشفع برسول الله ﷺ إليك فتسقينا، فإنا نستسقي بـ العباس عم الرسول ﵊]] أو كما قال. فهذا فيه تفصيل، لكن الأسلم والأولى ألا يذكرها الخطباء في خطبهم؛ لأنها ليست معروفة عند السلف، وليست مشهورة في كتب الحديث، ولم يتعارف عليها، ولم تكن مطردة بين الناس، والأولى أن نتقيد بالألفاظ الشرعية التي أتى بها رسول الله ﷺ .

стр. 6840

تفسير: (فاخلع نعليك) السؤال أرجو تفسير الآية: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه:١٢]؟ الجواب أنا قلت إن علياً ﵁ وأرضاه وأبا أيوب وأبا ذر ورد عنهم أنهم قالوا: كانت الحذاء من جلد حمار، وقال بعض المفسرين: اخلع نعليك؛ لأنك في مكان كالمصلى، وفي مكان طاهر، وكأن في النعل نجاسة، أو كان هذا في شريعتهم، فقال: اخلع نعليك، ونحن في الإسلام يجوز لنا أن نصلي بالنعال إذا أمنت مضرة الصلاة فيها. ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ وأرضاه عندما قيل له: ﴿أكان ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم﴾. وفي السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه بسند جيد، قال: قال ﷺ : ﴿خالفوا اليهود صلوا في نعالكم﴾. لكن أحياناً يكون هناك مضرة مثل: هذه المساجد المفروشة بالفرش الجيد، فإنها تتأذى من الداخلين بأحذيتهم، لكن إذا كان في الصحراء، أو في مكان ليس فيه مضرة، فلك أن تصلي أحياناً بحذائك إذا نظرت إليها، كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة؛ لأن الرسول ﵊ كان ينظر إلى حذائه، فإذا وجد فيها أذى حكها في الأرض وصلى فيها. فالخلاصة: أن معنى: (اخلع نعليك) ربما يكون في شريعة من قبلنا أنهم لا يصلون في نعالهم، أو تكون من جلد حمار، أو فيها نجاسة، أو لأمر اختص الله بعلمه .

стр. 6841

التواضع لله السؤال قلت: إن الله لما قال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] أن الله ما اختاره إلا لأنه تواضع لله، فكيف يتواضع لله؟ الجواب سبحان الله! تواضع لله، أي: حمل في قلبه عظمة الله، وحب الله، وجلال الله، وكان في نفسه حقيراً، ولذلك في الأثر: [[اللهم اجعلني في نفسي صغيراً، وعند الناس عظيماً]] والتواضع ألا تحمل في نفسك كبراً، وأن ترى أنك عبد من عباد الله، وأنك حقير وفقير وصغير وما عندك شيء، وأنك ذليل، ولو لم يهدك الله لما اهتديت، ولذلك كان الكبر من أعظم الذنوب، وهو ركن الكفر، وصاحبه موعود بالمقت من الله والغضب والهلاك، وفي صحيح مسلم: ﴿إن الله يقول: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني فيهما عذبته﴾. وفي الحديث الصحيح: ﴿يحشر المتكبرون على صورة الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم﴾ فالتواضع لله أن تكون متواضعاً في كلامك، فلا تستخدم "أنا" دائماً، أنا غني، أو أنا سليم المعتقد؛ إلا لإظهار صحة التوحيد إذا طلب منك أو سئلت، ولا تقل: أنا كثير العلم، أنا طيب السريرة، أنا أنا، قال ابن القيم ﵀: احذر كلمة (أنا) وكلمة (لي) وكلمة (عندي) فإن كلمة (أنا) أخذها إبليس، فقال: أنا خير منه، وكلمة (عندي) أخذها قارون، فقال: إنما أوتيته على علم عندي، وكلمة (لي) أخذها فرعون، فقال: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي. ولكن تصح كلمة أنا، إذا قلت: أنا الفقير، أنا المسكين، أنا الضعيف، أنا الهزيل. أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي هذه تصح، وهذا معنى التواضع، والكلام فيه يطول.

стр. 6842

خطاب الله لموسى وهارون السؤال إنك قلت: إن الله كلم موسى وحده، ثم في الأخير كلمهما معاً، فكيف ذلك؟ الجواب في أول القصة حين لقي الله موسى ﵇ في الوادي المقدس وكلمه لم يكن إلا وحده، فلما سأل أن يكون معه هارون، وصل موسى بيته في مصر، كما قال أهل التفسير منهم ابن كثير: أن موسى دخل وأول من استضافه أخوه وأمه في البيت، فلما سأل الله أن يكون نبياً معه أخبره أن الله اختارك واصطفاك، فكان الله يوحي إليهما.

стр. 6843

أسباب التخلص من قسوة القلب السؤال ما هو السبيل للتخلص من قسوة القلب؟ الجواب السبيل للتخلص من قسوة القلب أمور: ١ - تقوى الله والتوبة إليه وكثرة الاستغفار. ٢ - قراءة القرآن بتدبر. ٣ - قراءة كلام المصطفى ﷺ . ٤ - مجالس الخير كهذا المجلس نسأل الله ألا يحرمنا أجره. ٥ - تذكر الموت والقدوم على الله- . ٦ - الجلوس مع الصالحين، وتجنب مجالس الأشرار. ٧ - ترك المعاصي؛ لأنها سبب في قسوة القلب. ٨ - التقليل من المباحات، يقول ابن القيم: أكثر ما يأتي بقسوة القلب كثرة المباحات، كثرة الضحك، والمزاح، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة النوم، نسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً. هذا؛ وفي الختام أشكر الله على أن وفقنا لهذا المجلس، ثم أشكر القائمين على مركز الدعوة في الجنوب على جهودهم الطيبة، ولا أنسى أن أشكر إمام هذا المسجد فضيلة الشيخ/ أحمد الحواش، وأشكركم على حضوركم، وعلى حسن إصغائكم، وأسأل الله القبول لنا والإخلاص والصدق؛ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6844

سهام في عين العاصفة إن كل من يحاول أن يشوه هذا الدين لا بد أن يفضح ويخزى في الدنيا قبل الآخرة، فطريق أهل الصلاح مستقيم بحمية رب العالمين، ويقوده رسولنا الأمين، ودستوره الكتاب والسنة فأنى تكون له الخسارة والبوار؟!

стр. 6845

منهج أهل السنة في تلقي الأخبار الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس: من صفات أهل السنة أنهم يتثبتون من الشائعات على حد قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فإذا تبين لهم الخطأ وعرفوا من صاحبه ومن وراءه، فهو على أحد قسمين: إما رجل استتر بخطئه فمنهج أهل السنة أن يردوا عليه في خفية ولا يشهرون به، ولا يفضحونه على رءوس الأشهاد. أو رجل أشهر خطأه، وأعلن تمرده، وأظهر سوءه، فكان لزاماً عليهم أن يظهروا ردهم، وأن يشهروا على الناس جوابهم، وكان لزاماً على أهل السنة ألا يكتموا الردود والدفاع عن منهج الله لقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] ويقول : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] فكان لزاماً على علماء الإسلام ودعاته أن يبينوا الحق ولا يخشون في الله لومة لائم، وأن يقولوا كلمة الحق فصيحة هادئة ناصعة. ومن المعلوم أن علماء ودعاة الصحوة حكماء، قد ضبطوا أعصابهم يوم لم يستطع الدعي أن يضبط أعصابه، وتحكموا في عقولهم يوم لم يستطع العميل أن يتحكم في عقله، وثبتوا في أماكنهم يوم لم يستطع المتلبس بالنفاق أن يتحكم في موقعه.

стр. 6846

مواقف العلمانيين تجاه الدين وعلمائه إن البغاة من العلمانيين أظهروا اليوم حرباً سافرةً على أولياء الله وشهروا سيوفهم، ورددوا سخرياتهم في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، وليس لنا وسيلة إلا منبر محمد ﵊، فنقف أمام الرأي العام لنحاكمهم تحت مظلة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].

стр. 6847

هجوم كاتب علماني على الدعاة ولا زال أحد كتابهم المرموقين، وشعرائهم اللامعين، الذي اكتسب سطوعاً ولمعاناً وما كان له أن يسطع ولا أن يلمع، لأن من لم يتجه إلى الله فلا سطوع له، ومن لم يحكم لا إله إلا الله فلا لمعان له، لكن أبى إلا أن يسطع ويلمع، وليته سطع ولمع على حساب دنياه وشهرته، ولكن ما كفاه ذلك حتى أخذ الملتزمين والصالحين جسوراً إلى أهدافه وعوابر إلى مخططاته. وهذا الكاتب طالعنا له في جريدة الشرق الأوسط يوم الجمعة الماضي في العدد (٤٣٧١) وهو يتحدث عن التغيرات التي يطمح لها، وهي تغيرات كيان الدين الإسلامي والمبادئ الخالدة والمنهج الرباني الذي شرفنا الله به، ولكنه بذكاءٍِ عجيبٍ يأخذ إشارات وعموميات من الإسلام لينفث سمه وحقده وحسده وضغينته. يقول في هذا العدد وهو يطالب بتغيير هنا في بنية ومسيرة المجتمع والتزامه (ولم يكن من الطبيعي ولا من المعقول أن تتم هذه التحولات الحضارية الخارقة دون أن تتبعها تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية). أنحن أغبياء لهذه الدرجة، ولا نعرف اللغة العربية، ولا نعرف مقاصد الكلام، ولا نعرف ماذا يريد أن يقول؟ فهو يريد أن يأخذ الإسلام لبنة لبنة، وأن يهدم صرح الفضيلة، وأن يعتدي في وقت نعيش فيه أزمة، وهذا الكاتب والشاعر المشهور قرأت في مجلة الدعوة قبل ثمان سنوات مقابلة له ترجمت في أمريكا وظن أنها لا تصل إلينا، لكن أوصلها الله إلينا. سئل عن حالنا -وهو من أبناء الجزيرة -:كيف حالكم في الجزيرة؟ قال: ما رأينا النور منذ ثلاثة آلاف سنة إلى الآن. ونقول: أما أنت فصدقت، فلم تر النور إلى الآن! ولكن نحن -والله- رأينا بل وعشنا وأبصرنا ومشينا في النور وسرينا فيه يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] وقال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. أما نحن -أيها الكاتب- فقد أتى محمد ﵊ فأخرجنا من الظلمات إلى النور: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]. أين من يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد سرينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. وقد عرضت مقولته هذه على سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، فقال: إن اعتقد ما يقول، فقد ارتد عن الإسلام، وعليه أن يجدد إسلامه ويدخل في الدين من جديد. ويقول هذا الكاتب في ذلك العدد: والحوار الذي يدور حول القضايا المفتوحة يجب أن يتم في جوٍ هادئٍ بعيد عن التشنج. واسمع الحكمة والعلم والمنطق: بعيداً عن التشنج والانفعال، بعيداً عن استعداء السلطة على الرأي الآخر، وعن الاتهامات التي تلقى جزافاً وبلا مبالاة، فما هو الحوار المقصود؟ هو أن يجعل الشريعة مستعدة إلى أن يُتفاوض عليها وأن يؤخذ منها ما يراد، ويترك منها ما يراد: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ثم يكون هو حكيماً وأستاذاً ومنظراً وعالماً، ومن أين له العلم؟! وعجبت له كل العجب، لما رأيت مقالة له كتبت رداً ولم تنشر، وأتاني والله عشرات من الشباب مجروحةً مشاعرهم، باكيةً عيونهم متأثرةً أرواحهم لأنه يلدغهم من حيث لا يشعرون، ثم يأتي بخنجره ويجزرهم علانية أمام العالمين بحجة الحكمة والحوار والهدوء. ولو كان خصمي ظاهراً لاتقيته ولكنه يا قوم يبري ويلسع فهو لم يشهر ولكن برى ولسع، فهو يأتيك بمدح العقيدة ثم يدس السم، ويأتيك بالإشادة بالإسلام ثم يقصم الإسلام، ويأتيك بالاستفاضة في المناهج الربانية ثم يدوس المناهج الربانية.

стр. 6848

حوار مع علماني أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، أن تحكم عقلك إن كان لا دين لك، من الذين يستحقون هذه الردود وسط العاصفة؟ فهو يكتب في عين العاصفة، وهو الذي يدير علينا العاصفة، أعدوٌ من الخارج وعدوٌ من الداخل؟! أيلدغنا في وقت حرج فنحن نقابل الدبابات المعتدية الغاشمة الباغية على حدودنا، ونقابل الجيوش الجرارة تريد مقدساتنا، فيتركنا وفي الوقت الحرج يغير علينا. وأسألك -يا أيها الكاتب- بالذي جعل لك عينين، ولساناً وشفتين، وهداك النجدين، أن تقف وتفكر من الذين أسسوا العدل في العالم، وخاطبوا العقل بالنور، وأوصلوا الفتوح إلى الدور، وعمروا القصور بعدل في القصور؟ من الذين طهروا الشعوب، وقضوا على الفجور والخمور والعهر إلا أبناء لا إله إلا الله؟! ويستمر الكاتب ولا ينتهي، ويقول في العدد (٤٣٧٣) في جريدة الشرق الأوسط مقالاً بعنوان" أيها الأصوليون الصدَّاميون اسمعوا وعوا. أتدرون من هم الأصوليون؟ إن الأصوليين في دوائر المخابرات الغربية هم أبناء الجزيرة العربية، هم أبناء لا إله إلا الله، هم أنتم أيها الساجدون المصلون المتوضئون الطاهرون، هم أنتم يا حملة لا إله إلا الله، يا من قدموا أكتافهم للسيوف عبر التاريخ. وكأن ظل السيف ظل حديقةٍ خضراء تنبت حولنا الأزهارا لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ثم سرد كلمة (الأصوليون) على كل من انتهج نهج الاستقامة والالتزام من شباب الصحوة في العالم الإسلامي، وأكثر من يحارب الأصوليين إسرائيل عليها غضب الله، والغرب عليهم لعنة الله.

стр. 6849

تعريف الأصوليين وكلمة (الأصوليين) مشتقة من الأصل، والأصل هو الكتاب والسنة، وسموا بذلك لأنهم ركبوا منهجهم على الكتاب والسنة، وأصَّلوه من قال الله وقال رسوله ﵊. ويقف الأصوليون على حدود الجزيرة أمام دبابات وطائرات وجيوش صدام، ويأتي هذا من الداخل فيلدغهم بحجة أنهم مع صدام، ونحن -والله- قبل الحادث وبعد الحادث نعرف من هو هذا الرجل، ونعرف عقيدته ومنهجه وولاءه وبراءه وسيرته وسلوكه، وما أحببناه يوماً ولا واليناه، وإنما أعلنا حربه وعداءه. يقول: أيها الأصوليون من أتباع عبد الله المؤمن مؤخراً -يعني صدام حسين - هل تعرفون الهدف الذي يسعى قائدكم إلى تحقيقه؟ إن قائدنا هو محمد ﵊، وليس صدام حسين ونبرأ إلى الله منه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فمن هم الأصوليون؟ أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالله أن تراجع حسابك وتتأمل وتتفكر لتعرف من هم الأصوليون؟ إنهم الذين حفظوا مبادئهم يوم ضيعها غيرهم في شوارع الغرب! إنهم الذين لبسوا زيهم الإسلامي يوم تردى غيرهم بالزي الكافر! إنهم الذين توضئوا بالماء النمير يوم توضأ غيرهم بماء الخمر في ليالي العهر! إنهم الذين بكوا من آيات الله البينات يوم دندن غيرهم على الأغاني الماجنات! الأصوليون: هم الذين يحمون المقدسات، ولا يصل غازٍ ولا مستعمرٍ ولا علماني إلى المقدسات إلا على جماجمهم. والأصوليون يقدمون جماجمهم تشدخها الدبابات لتبقى لا إله إلا الله، ويقدمون أعناقهم تفضخها المجنزرات لترتفع لا إله إلا الله. إذا محاسني اللآتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر كيف نعتذر أمام الرأي العالمي؟ يا أيها الكاتب! أما تعرف أن العالم الإسلامي الآن مئات الألوف من الأصوليين بل ملايين من شباب الصحوة كلهم يود أن يقدم روحه فداءً للا إله إلا الله والمقدسات في الجزيرة العربية ثم تأتي بشخطة قلم تلغي جهودهم وسطوعهم ولموعهم، وتحاربهم من الخلف في وقت شُغل فيه ولاة الأمر والناس وشباب الصحوة بالعدو الخارجي. هذه -والله- لا يقرها عقل ولا نقل. فمن هم الذين يتبعون صدام؟ إنهم الذين يؤمنون بأفكار صدام العلمانية الكافرة. إنهم الذين لا يحتكمون إلى لا إله إلا الله.

стр. 6850

أوصاف العلمانيين في كتاب الله يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] يزعمون ولا يعتقدون. فهم يتبجحون بالإسلام في المجالس والإسلام بعيد عنهم، ويتظاهرون بحب الإسلام وهم يذبحون الإسلام صباح مساء: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] ولطالما سمعنا هذا الكاتب وقرأنا له، وعندي له قصاصات وملفات ووثائق. ماذا يريد؟ وكيف ينفث؟ وإلى أي حد سوف يصل إذا ترك له الميدان؟ إنه خطير على الإسلام والمسلمين، وخطير على القبلة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] لأن الشيطان يتولاهم صباح مساء. يقول أحد العلمانيين القدامى: وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي! يقول: كنت جندياً مع الشيطان، فتطورت في المراتب حتى صرت أدير الشيطان وأذنابه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء:٦١] تعالوا إلى القبلة والقرآن، وإلى صحيح البخاري وصحيح مسلم، وإلى المبادئ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦١] عجباً!! ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] فهناك احتمالات ثلاثة: ١ - إما مرض دخيل اكتسبوه من تراثهم الذي تعلموه، ومن مائهم الذي شربوه، ومن جلبابهم الذي لبسوه، مرض وحقد على الإسلام وعداء لأولياء الله. ٢ - أم ارتابوا: أم شكوا في مصداقية الرسالة ومصداقية الرسول ﵊. ٣ - أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله: أم يظنون أن الله لا يريد بهم خيراً يوم أنزل لهم شريعة، ولا يريد بهم نصراً يوم أعطاهم مبادئاً، ولا يريد بهم فلاحاً ولا تطوراً يوم سن لهم دستوره، ويرون أن الدستور الإسلامي رمز التخلف والرجعية والواجب الانقضاض عليه، لكن بذكاء كالذئب. ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء:٦٢] كيف إذا أُخذت رءوسهم بسيف ولي الأمر الذي يحمي رسالة التوحيد، فصلبهم بعد صلاة الجمعة وقطف رءوسهم؛ لأنهم يفسدون في الأرض ويسعون فيها خراباً، ويدمرون معالمها، ومن أعظم ما ينتظرون سيف العدل المشهور الذي أخذ رءوس قطاع الطرق والمدبرين للفتن والمروجين للجرائم، وهم أعظم من يروج للجرائم ويدبر للفتن فجدير بالسيف أن يأخذ رءوسهم. قال : ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢] كيف إذا ابتلوا بمصيبة؟ كيف إذا أظهر الله عليهم الصف الإسلامي، ثم جاءوا يقولون: إنما أردنا بالكلام والقصائد والمنشورات إحساناً وتوفيقاً بين الأمزجة، ووالله ما أردنا إساءة، ولكن أردنا أن نتحبب للرأي العام، وأن نوافق بين المشارب والشرائح الاجتماعية. فهل بين الإسلام والكفر إحسان وتوفيق؟ وهل بين لا إله إلا الله، ولا إله والحياة مادة، إحسان وتوفيق؟ وهل بين المسجد والخمارة إحسان وتوفيق؟ وهل بين محمد ﷺ وماركس إحسان وتوفيق؟ وهل بين أبي بكر وهتلر إحسان وتوفيق؟ وهل بين عمر وصدام إحسان وتوفيق؟ أتضحكون على حال المسلمين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] حاول أن تؤثر عليهم وتردعهم قبل أن يلقوا الأمة في الهاوية، ويضربوها على أكتافها ضربة مهلكة. يقول سيد قطب في الظلال وهو يعلق على أولئك: إنها حال مخزية حين يعودون شاعرين بما فعلوا غير قادرين على مواجهة الرسول ﷺ بحقيقة دوافعهم، وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلا رغبة في الإحسان والتوفيق، وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وإلى شريعة الله. ثم يقول: إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والردود الاجتماعية وكلام العلماء وفتاوى الدعاة، فيتسترون بالثياب وهم ذئاب، ويلبسون العكاز وهم رأس المصائب. إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب التي تنشأ من الاحتكام إلى غير شريعة الله، ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة فليس عندهم تمييز، ولا لهم باعٌ في الشريعة، عندهم ذكاء وبيان لكن هذا لا يكفي. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] نفخت شموسنا غضباً علينا في هذا الوقت الحرج، أنحن أعداؤك؟! أنحن الآن الذين يقفون ضدك؟! أما تكلمت؟! أما نظمت الأشعار؟! أما لمعت؟! أما سطعت؟! أما صبرنا؟! أما سكتنا؟! أما رأينا أشعارك تنفث سماً وفجوراً وعداءً للإسلام وقلنا: من منطق الحكمة أن يناصح، ولكن: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدى أنتركهم يغصبون الجزيرة أرض الأبوة والسؤددا فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا نفخت شموسنا غضباً علينا وقد نسجت ثيابكم يدانا وسيفك في بني الإسلام ماضٍ وجذعك بيننا أضحى متينا تغنينا وتسخر إن عثرنا كأنك ما دريت ولا درينا كأنا لا نعرف المخططات، ولا الكلمات، وإننا مستعدون بلسان طلبة العلم والعلماء الحكماء الذين يعرفون التصرف وضبط النفس أن نحاورك حواراً علنياً أمام الرأي العام؛ ليثبت الصادق من الكاذب، والجاد من الهازل، والراشد من الضال. تغنينا وتسخر إن عثرنا كأنك ما دريت وما درينا تسرُّ إذا أصبنا بالرزايا مخادعةً وتضحك إن بكينا توكلنا على الرحمن إنا رأينا النصر للمتوكلينا وهل يخذل الله جنده؟! وهل يضرب حزبه؟! وهل يتقهقر أولياؤه؟! وهل يعثر أنصاره؟! بل هم الطليعة دائماً والكوكبة النيرة، لأنهم يحملون فكراً سليماً. إننا نطالب هذا الكاتب ورموز العلمنة جميعاً أن يتوبوا إلى الله، وأن يقدروا ولاة الأمر وأن يعرفوا أن من حق ولي الأمر ألا يخالف فيما يطاع الله فيه ورسوله، وألا يعتدي على قداسة الدين، وحرمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا يسخر بأولياء الله، ولا يستهزأ بالقيم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. ولعلنا نسمع منتقداً يقول: هذا ليس من الحكمة. فما هي الحكمة بالله؟! وكيف نفسرها؟! وأروني الحكمة إذاً! وأخرجوا لي الحكمة! إذا كان هذا يتكلم أمام الملايين ويهاجم الإسلام بطريقة ملففة، ثم يقال: اسكت لا تتكلم، إن الحكمة تقتضي أن تسكت. فهذا ليس بصحيح، وما علمنا علماؤنا ولا الكتاب ولا السنة ولا أسلافنا ولا الصحابة ولا التابعون إلا منهج الحق؛ أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم. أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا وبلادنا ومقدساتنا إنه نعم الحافظ وهو المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 6851

خصائص أهل الحق الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس: نحن أهل لا إله إلا الله لنا مصادر عزة، ولنا انتماءات خالدة، ولنا خصائص ربانية لا يشاركنا فيها أحد، هذه نقف بها أمام أهل العلمنة، ونحن فخورون جداً أن نكون من أولياء الله -إن شاء الله- وواثقين من مبادئنا، فمن خصائصنا: أولاً: أنا أمة وحي. أي: أن دستورنا وعقيدتنا وشريعتنا وسلوكنا وأخلاقنا من الوحي، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤] وغيرنا إنما يأخذون قوانينهم من التراب والطين ومن أحذية المستعمرين، ونحن نأخذ عقيدتنا وشريعتنا من رب العالمين، يقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أنتم الأعلون عقيدة ومنهجاً، وعبادة، وأخلاقاً، وسياسة، واقتصاداً، وإعلاماً يوم تتحاكمون لشرع الله، فنحن أمة وحي. ثانياً: ولينا الله، الله مولانا ولا مولى لهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فمن مثلنا من الناس؟ تولينا الله والله تولانا، وأحببنا الله والله أحبنا -إن شاء الله- فنحن إذا ضاقت بنا السبل، مددنا أكفنا بين يدي علام الغيوب، فاتصلنا به مباشرة، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. إذاً نحن أمة ربانية، أمة خرجت من الصحراء، لكنها اتصلت برب الأرض والسماء، فأجلسها على الجوزاء. ثالثاً: قدوتنا محمد ﵊، فهل سمعت بقوم مثلنا قدوتهم محمد ﷺ . إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى بالمطايا طِيب ذكراك حاديا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموتٌ لا يسر الأعاديا رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا فهل سمعت بقوم قدوتهم محمد ﵊ يضلون، أو يخذلون، أو يتراجعون؟ لا. رابعاً: أننا أمة وسطية، ولسنا متطرفين، لا نغلو ولا نجفو، نعرف كيف نتعامل مع الشريعة، ونعيش روحها ونؤسسها في الناس، لا نغلو فنصبح مثل الذين غلو في دينهم فغضب الله عليهم، ولا نجفو فنكون مثل الذين تمردوا على معالم الدين، فنحن ننطلق من منطلقات الإسلام الصحيح، ومن شاء فليحاور شباب وعلماء ودعاة الصحوة. خامساً: هذه الأمة معطاءة "إن بني عمك فيهم رماح" يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿أمتي كالسيل لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره﴾ فلم تعقم أرحام النساء، ولم تتبلد المنجبات من الأمهات، فلا زلن يلدن فينا الزعماء الأبرار، والعلماء الأخيار، والأدباء، والشهداء، والصديقين، والدعاة والصالحين، فنحن دائماً سوف نقدم: ثمن المجد دمٌ جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا سادساً: هذه الأمة أمة الخلافة، جعلها الله تتولى الخلافة في الأرض وتقود العالم، وتوجه البشرية من وسط الدنيا من أم القرى من مكة من الجزيرة ومن حولها العالم الإسلامي، فالخليفة هي هذه الأمة التي تحمل لا إله إلا الله. سابعاً: هذه الأمة وارثة، أي أنها سوف ترث العالم -إن شاء الله- وقد أخبر ﵊ أنها سوف تتبوأ منزلتها، وتحكم بعقيدتها وشريعتها، ويطوق الأرض عدلها، ويحكم الكون برها وسلامها وخيرها وفضلها، فأبشروا فالغد لكم والفجر المنتظر لكم. يا أمة المجد قومي مزقي الحجبا وأعلني في ليالي جهلك الشهبا أتذكرين صلاح الدين سفسطةً من غير بذلٍ صلاح الدين قد ذهبا قبر العظيم إذا ما زاره ذنبٌ رغا وأزبد لا حييت يا ذنبا لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم وأسمعوه الرزايا أنكر النسبا أبواب أجدادنا منحوتةٌ ذهباً وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا من زمزم قد سقينا الناس قاطبةً وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا لكن أُبشّر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتيةٍ طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا بتوبةٍ لا ترى في صفهم جنبا عباد الله: صلوا على معلمنا ﷺ ، وأكثروا عليه من الصلاة والسلام في هذا اليوم؛ فإن صلاتكم معروضة عليه، فصلى الله عليه وسلم تسليماً أبداً ما دام الليل والنهار، جزاء ما قدم وأنتج وأعطى للأمة. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين! اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اهدنا سبل السلام، اللهم ثبت أقدامنا على الحق. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك، اللهم رد شباب المسلمين إليك رداً جميلاً، اللهم احفظ علينا عقيدتنا وإسلامنا وشريعتنا ومقدساتنا وبلاد المسلمين كافةً يا رب العالمين! اللهم من أراد بنا وبالإسلام سوءاً فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واقطع أثره ودمر مستقبله واحرمه السعادة يا رب العالمين! اللهم من أسهرنا بنقده وسخريته، فأسهر عينيه بالبلاء، وشتت جهده بالشقاء، واجعله في دار الحوباء. اللهم اهتك أسراره، وافضح عواره، وأظهر أخباره وجندل شعاره، يا رب العالمين! اللهم احفظنا واحفظ علينا كرامتنا وديننا يا رب العالمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6852

أحكام المولود الإسلام دين كامل شامل، لجميع جوانب الحياة، وقد اعتنى بالإنسان منذ ولادته إلى آخر حياته، فبين الأحكام الخاصة بالولادة، وماذا يفعل عند الولادة، وماذا يجتنب، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس أحكام المولود، من ذبح العقيقة وحكمها، ومتى تذبح، وكم يذبح، وتسميته ومتى يسمى الولد، ومتى يحلق رأسه، وكذلك الأذان في أذن المولود، وغيرها من المسائل.

стр. 6853

مقدمة عن الالتزام بالكتاب والسنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وإنها لبشرى سارة، ولفتة عجيبة؛ أن يتجه شباب الإسلام، أو معظمهم اتجاهاً علمياً إلى علم الكتاب والسنة، ويحرصون على ميراث محمد ﷺ ، ويبدءون تحصيلهم العلمي، مصرين على العودة إلى الله ، وهي بشرى تفرح المؤمن، لأنه لا رسالة إلا بعلم، ولا علم إلا قال الله وقال رسوله ﷺ . فالحمد لله الذي جعل من هؤلاء الشباب شباباً يحرصون على العلم النافع علم الكتاب والسنة، وعلى تخريج الأحاديث، ومراجعة أصول الإسلام، وتحقيق المسائل؛ لأن زمان الهيجان والحماس والنثر البارد الذي لا يستفاد منه قد أصبح يولي، وهذه بشرى ونسأل الله أن يزيد الخير خيراً. وإذا كان ضابط المسلم الكتاب والسنة، فهو ضابط محدد معروف متجه؛ حينها لا يزيغ الشاب والمسلم في عبادته أو في عقيدته، ولا في أدبه أو سلوكه، ولا في ولائه أو برائه. فالسنة سفينة نوح -كما قال الإمام مالك - فمن ركب معك في سفينة نوح نجا، ومن ترك وتخلف غرق. فلا يخاف على صاحب الكتاب والسنة ولو شرق الناس وغربوا، ما دام أنه على الكتاب والسنة. وهذه لفتة لا بد أن تذكر في أول الدرس.

стр. 6854

أحكام العقيقة نحن الليلة مع صاحبنا الأول القديم، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وهو في كتاب (العقيقة) يورد علينا الليلة حديثاً صحيحاً، وكل حديث في البخاري صحيح. إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام يقول: عن سليمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مع الغلام عقيقة؛ فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى﴾ رواه مع البخاري الجماعة إلا مسلم. وفي العقيقة مسائل سوف نوردها هذه الليلة: أولاً: تعريف العقيقة. ثانياً: حكمها. ثالثاً: ما معنى: إماطة الأذى. رابعاً: ما معنى: (كل غلام مرتهن بعقيقته). خامساً: ما معنى: (يذبح عنه يوم سابعه). سادساً: ما معنى: (ويسمى فيه). سابعاً: ما معنى: (مكافئتان). ثامناً: قوله ﷺ لما ذكرت العقيقة: ﴿لا أحب العقوق﴾ بينما قال: ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾ فكيف نجمع بين اللفظين؟ تاسعاً: ما معنى قوله: ﴿ويلطخ بزعفران﴾؟ عاشراً: عق ﷺ عن الحسن والحسين. فكم عق عنهما؟ وكم يعق عن الذكر وعن الأنثى؟ الحادي عشر: التصدق بالفضة لصحة الروايات، وليس فيها ذكر الذهب. الثاني عشر: الأذان في أذن المولود يوم تلده أمه، وهل الإقامة سنة أم لا؟ وتحقيق الكلام في ذلك. الثالث عشر: استحباب تحنيك المولود، وأن يكون المحنك صالحاً، وبماذا يحنك به المولود؟ وما هو التحنيك؟ الرابع عشر: الأسماء المختارة المبجلة المشرفة في الإسلام، والأسماء الصادقة، والأسماء المنهي عنها. الخامس عشر: هل يجزئ غير الغنم في العقيقة؟ هل تجزئ الإبل والبقر وغيرها؟ وهل يشترك في البدنة والبقرة؟ السادس عشر: هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، من ألا تكون جدعاء، ولا هتماء، ولا هزيلة. أم لا؟ السابع عشر: متى يبدأ وقت ذبح العقيقة؟ هل يبدأ بعد الفجر من اليوم السابع، أو في الضحى؟ وهل يجوز في الليل؟ وهل يجوز أن تذبح قبل السابع؟ وهل يجوز أن تذبح بعد السابع؟ وتحقيق الكلام في ذلك. الثامن عشر: تنزع جدولاً، أي: أعضاءً، ولا تكسر. وما الحكمة في ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ هذه المسائل كلها نتدارسها الليلة بعون الله وتوفيقه وفتحه بعنوان: "العقيقة وأحكامها".

стр. 6855

تعريف العقيقة العقيقة مشتقة من العق، وهو: القطع والشق. يقال: عققت اللحمة أي: قطعتها، وعققت الثوب أي: شققته. وعققت الحبل: أي قطعته. وعق الثوب: شقه. فهي الشق والقطع. وهي: الذبيحة التي تذبح للمولود، ولا يصح أن تسمى تميمة كما يسميها بعض الناس بل هي عقيقة في اليوم السابع. نفلق هاماً من رجال أعزةٍ علينا وهم كانوا أعق وأظلما يقول: نقطع رءوساً عزيزة علينا وأقارب، لكنهم ظلمونا وجاروا علينا. وقد استشهد بهذا البيت -كما في السير - يزيد بن معاوية لما قتل الحسين بن علي، فقد قتل في خلافة يزيد، وقد قتله عبيد الله بن زياد بن أبيه، وقد أرسل له أحد أولاد سعد بن أبي وقاص في كتيبة فقتله. وكانت مقتلة الحسين مصيبة كما يقول ابن تيمية: ينبغي علينا إذا تذكرنا مقتل الحسين أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. وذكر ابن كثير -ولا بأس بهذا الاستطراد لأنه حقيقة علمية عقدية- أن ابن عباس ﵁ وأرضاه- نام في مكة، في الوقت الذي قتل فيه الحسين في طريق العراق، فاستفاق ابن عباس وهو يبكي، فقالوا: ما لك؟ قال: رأيت الرسول ﷺ يلقط دم الحسين من الأرض ويقول: هكذا يا بن عباس! فعلت أمتي بابني هذا الفعل. ولما أتى قتلة الحسين إلى عبيد الله بن زياد في العراق قالوا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أي كأنهم انتصروا. فيقول شاعر الإسلام: جاءوا برأسك يا بن بنت محمد متزملاً بدمائه تزميلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا من الذي أتى بالتكبير والتهليل إلا أنت وجدك! ولما أدخل رأس الحسين على عبيد الله بن زياد، أخذ ذلك المتبجح يمد صوته وعصاه على أنف الحسين ويقول: هذا خرج علينا وظلمنا، فقال له زيد بن أرقم: يا عبيد الله! ارفع عصاك، فوالله لطالما رأيت الرسول ﷺ يقبِّل هذا الموضع ويقول: ﴿الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا﴾ ولكن أنصف الله من عبيد الله بن زياد -وهي جراحات في وجه التاريخ- فقد قُطع رأسه بعد سنة، قطعه المختار بن أبي عبيد الثقفي، ووضعه في نفس المكان، ولكن لم يضع المختار عصاه كما فعل عبيد الله، بل أتى ثعبان صغير -حية- فكان يدخل في أنف عبيد الله بدل العصا، ثم يخرج -وهذا في البخاري - ثم يعود، فيقول: جاءت جاءت -أي: الحية- فيدخل في أنفه ويعود: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦]. إذاً: قال يزيد لما رأى رأس الحسين: نفلق هاماً من رجال أعزةٍ علينا وهم كانوا أعق وأظلما والله ما كان فيهم إلا السماحة والخير والبر واليسر. هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

стр. 6856

حكم العقيقة أما حكم العقيقة ففيها ثلاثة أقوال: ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنها من أعمال الجاهلية، وليست بسنة ولا واجب ولا يفعلها إلا جاهلي. فغضب ابن قدامة في المغني غضباً شديداً وما كان له أن يغضب، فهو رقيق ظريف، يتعامل مع العلماء برقة، لكنه غضب هذه المرة، وخرج عن شعوره، وقال: إن دل هذا على شيء، فإنما يدل على قلة علم أبي حنيفة بالآثار وجهله بالسنة. وهذه العبارة من كيس ابن حزم وليست من عبارات ابن قدامة، لكنه خرج عن شعوره. فالقول الذي قاله أبو حنيفة خطأ، وكل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب ذاك القبر ﵊. وذهبت الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم وداود وهو قول الليث والحسن البصري، إلى أنها واجبة، واستدلوا بقول الرسول ﷺ : ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾ فقالوا: ما دام أنه مرتهن فهي واجبة. وتوسط الجمهور -وفق الله الجمهور إذ اتبعوا الدليل- فقالوا: إنها سنة وليست بواجبة. لسنا مع أبي حنيفة في إنكارها، ولسنا مع ابن حزم في إيجابها، لكن نقول: إنها سنة. قلنا: ما دليلكم؟ قالوا: قوله ﷺ في السنن بسند حسن: ﴿من شاء أن ينسك عن ولده فليفعل، ومن شاء فليترك﴾ ولأنه أمر ما ركب عليه واجب، ولأنه يجهله بعض الناس من الأمة، والواجب لا يجهل. هذا من ردود الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله. أما ابن تيمية، وابن القيم فقالوا: إنها مشروعة ويحتمل أن تكون واجبة، وأن تكون سنة. فالأقرب أنها سنة. والأحسن للعبد أن يعق عن ابنه، فإنه أنفع وأفيد وأقرب وأحسن؛ فإن لم يفعل فالله المستعان، لا يُلزم، ولا يُحبس، ولا يُطاف به في العشائر والقبائل ويضرب بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك العقيقة عن ابنه. لا. فالأمر أيسر من ذلك.

стр. 6857

معنى: إماطة الأذى في الحديث ما معنى إماطة الأذى؟ يقول ﷺ : ﴿مع الغلام عقيقة؛ فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى﴾ فالأذى: هو الشعر. قال ابن سيرين في سنن أبي داود: إن لم يكن الأذى الشعر، فلا أدري ما هو! فمن السنة إذا ولد لك مولود -والإطلاق وارد والعموم في الذكر والأنثى- أن تحلق شعر رأسه، وهو إماطة الأذى؛ لأن ابن سيرين يقول: إذا لم يكن إماطة الأذى حلق الشعر، فلا أدري ما هو! ولكن الشوكاني يعمم فيقول: الأذى يشمل الشعر وغير الشعر. فمسمى الأذى فيه عموم؛ أن ينظف ويحلق شعره، وهذه سنة الإسلام. في سنن أبي داود عن قيس بن عاصم المنقري: أنه لما أسلم، أمره ﷺ أن يختتن، وأن يلقي عنه شعر الكفر -كأن من الحكمة: أن يدخل بشعر جديد في الإسلام- فحلق شعره واختتن واغتسل. ما معنى قوله ﷺ : ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾ محبوس أم مقيد أم ماذا؟ لأهل العلم في ذلك رأيان: قال الإمام أحمد ﵀، وأسكنه فسيح جناته: معنى: (مرتهن بعقيقته) أي: إذا مات وهو طفل لا يشفع لوالديه حتى يُعق عنه. فهو مرتهن، أي: ممنوع من الشفاعة لك؛ لأن الطفل إذا مات صغيراً شفع لوالديه، ولذلك ندعو لوالديَّ الطفل في صلاة الجنازة، أن يكون شفيعاً وفرطاً لوالديه. والفرط: هو سابق القوم عند الماء، فهو يسبقك عند الحوض. وقد وورد في أحاديث: ﴿أن الولدان يخرجون من الجنة يتلقون آباءهم فيأخذون بهم إلى الجنة﴾ فحبذا من عنده أولاد قدموا قبله يوم القيامة، وحبذا من عنده بنات وقفن له عند الحوض يوم العرض على الله، فإنه موقف صعب؛ حتى يقول أحد الأنصار الذي يرى الموقف كأنه رأي العين: ﴿يا رسول الله! أين ألقاك في ذاك اليوم؟ -زحام، وهولٌ، والصحف تتطاير، والنفوس تخاف وتهلع- فقال رسول الله ﷺ : تلقاني عند واحد من ثلاثة مواطن لا أغادرها: عند الصراط، أو عند الميزان، أو عند الحوض﴾. هذا هو رأي الإمام أحمد في معنى: (مرتهن بعقيقته). وقال بعض العلماء: لا يسمى ولا يُحلق إلا بعد ذبح العقيقة. أي: إن التسمية والحلق رهينة بالذبيحة. وهذا القول قريب إن شاء الله. والكل ليس عندهم دليل تأصيلي تفصيلي، لكن نقول: لا بأس أن يجمع بين قول الإمام أحمد وقول من قال بهذا القول.

стр. 6858

متى تذبح العقيقة السنة أن يذبح عنه في اليوم السابع. فقد ورد عند أبي داود، والترمذي، والبيهقي، وجمع غفير، وهو حديث صحيح؛ أن العقيقة تذبح في اليوم السابع. قال الترمذي: وهو قول أهل العلم، أن تذبح عنه في اليوم السابع، فإن فات ففي الرابع عشر، فإن فات ففي الحادي والعشرين. وتوقف الشوكاني وسأل الترمذي وقال: من أين لك هذا؟ فمن أتى بقول قلنا له: ما هو دليلك؟ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. والصحيح ما قاله الترمذي لكن بتحفظ، أما أنه قول أهل العلم جميعاً فلا. وهناك رواية عن مالك، أنه ليس في الرابع عشر ولا في الواحد والعشرين. ولكن روى البيهقي بسند يقبل التحسين: أنه إن فات في اليوم السابع، ففي اليوم الرابع عشر، فإن فات في اليوم الرابع عشر ففي اليوم الواحد والعشرين. إذاً يذبح عنه في اليوم السابع من يوم ولادته. وسوف نفصل الكلام في عددها وسننها وأحكامها وكيف تذبح. فإن فاتك اليوم السابع كأن يكون لك غرض أو عذر، ففي اليوم الرابع عشر، ولا تجعلها في العاشر أو في الخامس عشر، فإن فاتك؛ ففي الواحد والعشرين، فإن فاتك؛ فلا بأس أن تقضيها ولو كبر الابن، فقد جاء عند البيهقي: ﴿أن الرسول ﷺ عق عن نفسه﴾ ولكن الحديث ضعيف. وأهل العلم يتساءلون: هل ولد ﷺ مختوناً أم أنه ختن؟ والصحيح أنه ولد مختوناً ﵊. خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلدِ النساء فرسول الله ﷺ ولد مبرأ من كل عيب، لا يتثاءب ولا يحتلم ولا يلعب عليه الشيطان أنفاسه طيبة عرقه طيب وكله طيب. وأما حديث: ﴿عق رسول الله ﷺ عن نفسه﴾ فهو حديث ضعيف؛ لأنه يحتاج إلى مقو، وليس له مقو تقطعت بالحديث الحبال. وسوف نعرج عليه. ثم نأتي إلى البيهقي وهو ينقل عن عبد الله بن بريدة قال: [[من فاته اليوم السابع ففي الرابع عشر، ومن فاته الرابع عشر ففي اليوم الواحد والعشرين]] وهذا أمر مطلوب ومقبول، والسند يقبل التحسين.

стр. 6859

حكم العقيقة من غير الوالد قوله ﵊: ﴿يذبح عنه في اليوم السابع﴾ فيه مسائل: منها: أنه يجوز أن يتبرع بالذبح غير الوالد، فإذا تبرع الجار وقال: أذبح عن ابنك وأعق عنه. قلنا: جزاك الله خيراً، ومثلك يفعل هذا. وإذا أتى رجل محسن وقال: عندي هذه العقيقة. قلنا: أحسنت وأجزلت زادك الله تبرعاً وخيراً. فلا يشترط أن يكون الوالد هو الذي يعق؛ لأنه قد يكون فقيراً. ومنها: أنه يجوز أن يُعق غيرُ المولود. ومنها: أن وقتها لا بد أن يكون في اليوم السابع، أما قبل السابع فلم يرد في ذلك شيء، وقد أجازه بعض الفقهاء، وقالوا: يجوز في السادس والخامس، لكن هذا فيه تخوف، وهو أن يموت الولد قبل السابع، فتخسر وتذبح وتغدي الناس ثم يموت بعد الغداء، فلا كفاك مصيبة الولد، ولا مصيبة الذبائح والولائم. وقد مر معنا كلام ابن الجوزي عن هذه المسألة. قال ﷺ : ﴿ويسمى فيه﴾ أي: يسمى في اليوم السابع، فلا يسمى الابن قبل اليوم السابع، لا في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث وإنما في السابع. ولكن جاء عند أبي داود: (ويدمى) بدل (يسمى) فقالوا: وَهمَ هَمَّام في هذه الرواية فقال: يدمى بدل يسمى وقيل: كان راوٍ من الرواة ألتق -يأكل الكلام- فأتى ليقول: يسمى. فقال: يُدمى. والحديث يلقط مثل المغناطيس، حفظه جهابذة، كل واحد كحية الوادي، إذا سمع الكلمة لقطها. ولكن بقي قتادة بن دعامة السدوسي على هذا القول، فقال: يدمى الابن. قلنا له: كيف يدمى؟ قال: إذا ذبحت الذبيحة، يؤخذ من دمها بصوفة ويُجعل على بطنه ثم يدمى رأسه. وقد قال بهذا القول ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وقتادة بن دعامة السدوسي. لكن الصحيح أن هذا خطأ ووهم؛ لقوله ﷺ عند ابن ماجة، من حديث يزيد بن عبد الله المزني: ﴿يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم﴾ وهذا نص. لكن قالوا لنا: الحديث مرسل، وصدقوا. قال الناظم: ومرسلٌ منه الصحابي سقط وقل غريبٌ ما روى راوٍ فقط فـ يزيد بن عبد الله المزني تابعي، وأبوه عبد الله المزني صحابي، وهو لم يروِ عن أبيه، فانقطع السند. لكن الأقرب -أيها الأبرار- أنه لا يدمى، والتدمية من يفعلها فقد أخطأ، وهي من أفعال الجاهلية؛ فقد ورد في السنن أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك، ولكن لما أتى الإسلام منعهم من ذلك، وقال ﵊ كما في السنن بسند حسن: ﴿واجعلوا مكان الدم خلوقاً﴾ وفي رواية حسنة: ﴿زعفراناً﴾ أو ما يقوم مقامه كالمر ونحوه من الطيب. وقد جاء عند ابن حبان عن عائشة ﵂ قوله ﷺ : ﴿كانوا في الجاهلية إذا عقوا يضعون على الرأس دماً، فضعوا مكان الدم زعفراناً أو خلوقاً﴾ والحديث صحيح. وما معنى التسمية؟ قال: ابن أبي شيبة كما في المصنف يسمى في اليوم السابع على معنيين: الأول: أن يسمى باسمه، كأن يقال: هذا اسمه محمد بن عبد الله بن سعيد، وهذا هو الصحيح. الثاني: قيل: المعنى أن يسمى على الذبيحة ويقول: باسم الله وهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أنه يسمى هو في اليوم السابع، ولا يسمى قبل ذلك.

стр. 6860

المقصود بقوله: مكافئتان ما معنى قوله ﷺ في السنن بسند صحيح: ﴿عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة﴾ بفتح الفاء أو بكسرها. ما معنى هذا؟ قيل: معناها متقاربتان في السن، فلا تكون هذه كبيرة من القرن السادس، ولا تكون هذه صغيرة بعد الحرب العالمية الثانية. بل تكون متقاربة في السن بعضها من بعض، فلا يأخذ جذعة ومعها كبيرة قد سقطت أسنانها واتقو الله ما استطعتم. وقيل: التكافؤ: أن تكون مستويتان في النوع، فلا تكون هذه ماعز وهذه ضأن، وهذه ضأن عراقية وهذه نجدية، بل تكون من أسرة واحدة، وتكون رضعت في سنٍ واحدة ولكن هذا بُعدٌ وتكلف، إنما أن تكون متقاربتين في السن، ولا بأس أن يكون تيساً وكبشاً أي: من الضأن. ولا بأس أن تكون أنثيين، ولكن الذكران أحسن؛ لأن عطارد بن حاجب يقول لـ سجاح التي ادعت النبوة: أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا والله عزوجل يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فالأحسن أن تكون كباشاً؛ لأنها تستسمن ولأنها عبادة، ولأنها من المناسبات الإسلامية، ولو كانت ولائم لاستسمنها الإنسان، وبعض الناس يفعل ذلك إذا كان في زواج، ويدعو الوجهاء فلا يأخذ إلا أغلى شيء، لكن إذا كانت عقيقة، أخذ قحمة شوهاء هلتاء مرتاء، قد أكل عليها الدهر وشرب، ثم ذبحها وقال: اللهم اكتب لي بها ولذريتي ولإخواني وأعمامي الجنة فهذه أولى من مناسبات الدنيا، فهي مناسبات دينية. يقول مالك بن أنس ﵀: تذبح شاة عن الذكر وشاة عن الأنثى. قلنا له: يا أيها الإمام المعتبر! أتت السنة بشاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى، والسنة تقدَّم على رأي كل واحد من الناس؛ لأنها سنة محمد ﵊. واستدل بحديث بريدة الأسلمي: ﴿كنا نذبح شاة شاة عن الذكر والأنثى﴾ قلنا: الحديث فيه كلام، ولكن ما هو دليلك الآخر؟ قال: وعن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال -كما في السنن -: ﴿عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين شاة شاة﴾ قلنا: لا. بل ورد أن الرسول ﷺ قال: ﴿عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة﴾ وهذا حديث حسن. فكيف نجمع بين هذه الروايات؟ الجمع أن يقال: أولاً: زيادة الشاة زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. ثانياً: نقول: الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين شاة شاة، وهذا فعل، ولكنه قال للناس: عن الغلام شاتان. والقول عند أهل الأصول يقدم على الفعل. إذاً: فالراجح الذي عليه الجمهور: أنه عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة واحدة، فهذا هو الصحيح، وهذا هو تحقيق المسألة، والجمع يكون من وجهين كما تقدم، ويرد على من ذهب إلى ذلك المذهب الضعيف.

стр. 6861

المقصود بقوله ﷺ : (لا أحب العقوق) يقول ﵊ في حديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وسنده صحيح، لما قيل له: ﴿يا رسول الله! كيف العقيقة؟ قال: لا أحب العقوق﴾ نعوذ بالله من عقوق الوالدين والرحم والأصدقاء. قال الراوي: كأنه كره الاسم ﷺ ﴿فقالوا: يا رسول الله! الرجل منا يولد له ولد فماذا يفعل؟ فأخبرهم ﷺ ﴾ أليس في هذا الحديث أن الرسول ﷺ كره العقوق؟ لكنه ﷺ قال -كما تقدم في صحيح البخاري: ﴿مع الغلام عقيقة﴾ هذا لفظ البخاري. ولفظ الخمسة: ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾ فكيف نجمع بين كراهيته ﷺ للفظ العقيقة، وبين هذين الحديثين؟ الجمع أن يقال: الرسول ﷺ كره الاسم، وكراهته للاسم؛ لأنه لا يحب أن يتوصل بهذا الاسم إلى أخذ الأسماء المكروهة، وجعلها لغة بين الناس. ولكن لماذا قال: ﴿مع الغلام عقيقة﴾ و ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾؟ قلنا: الدليل الجواز، والجواز لا يمنع من الكراهة، وهذه قاعدة أصولية. وقد يكون الأمر مكروهاً، لكنه جائز أحياناً. فليتنبه لهذا. إذاً: قول: عقيقة جائز، لكن الأفضل ألا نقول: عقيقة؛ لأن الرسول ﷺ لما قال: ﴿مع الغلام عقيقة﴾ خاطبهم بلغتهم، فهم يفهمون العقيقة، ولما قال هناك: ﴿إني أكره العقوق﴾ أراد أن يترفع عن هذه الألفاظ. فقد كره ﷺ في السنة لفظ يثرب؛ لأنه من التثريب، والتثريب يعني: التوبيخ والمعاتبة. وقد قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩١ - ٩٢] فالتثريب: معاتبة وتوبيخ. والله عزوجل قد ذكر المدينة في القرآن، فسماها في مواضع: المدينة، وسماها: يثرب قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٢٠] الآية. وقال عن المنافقين: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣] فلما ذكر الإيمان والجهاد ذكر المدينة، ولما ذكر النفاق والمنافقين أتى بلفظ يثرب؛ فالتثريب عليهم، والمدينة المنورة مدينة المؤمنين، تنور بصائرهم وأفئدتهم. فقد يستخدم اللفظ هنا بغير ما يستخدم هناك، وعليك أن تجمع بين ما أتى في السنة بما جمع به أهل العلم.

стр. 6862

المقصود بقوله ﷺ : ويلطخ بزعفران الزعفران نبت معروف، يسحق مع مخلوط، ويوضع على الرأس. والزعفران مطلوب لفوائد طبية ذكرها أهل الطب، واختارها محمد ﵊. قال أهل العلم: فيه دليل على استحباب تلطيخ رأس الصبي بالزعفران أو غيره من الخلوق الذي يشابهه، كالمر والحناء والكتم، أو ما يشابه ذلك. والمسألة فيها سعة، أما الدم فلا يوضع أبداً. جاء في الحديث الذي مر معنا: ﴿عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين﴾ فيه دليل على أنه يجوز أن يعق غير الأب من الأقارب، كالعم والخال، والأخ الكبير، فلا يشترط الأب؛ للحديث السابق. وجاء عند أحمد بسند ضعيف فيه ابن عقيل ﴿أن فاطمة ﵂ وأرضاها، أخبرت الرسول ﷺ بـ الحسن، فقال: لا تعقي عنه﴾ لأنه عق عنه ﷺ ، فهو الذي تصرف. وفيه: إذا مات الوالد عنه فعلى الذين يقومون بالنفقة أن يعقوا عنه. قال الشافعي في رواية عنه: من تلزمه النفقة على المولود عليه أن يعق. أي: من الذي يورثه أو يرث منه من الأقارب والإخوان والعصبة فهؤلاء يعقون عنه؛ لفعله ﷺ ذلك. وروى البيهقي عن أنس: ﴿أن الرسول ﷺ عق عن نفسه﴾ ولكن الحديث منكر فيه عبد الله بن محرر وهو منكر الحديث، قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن محرر ضعيف جداً في الرواية، وهو الذي روى عنه البيهقي حديث: ﴿عق ﷺ عن نفسه﴾ فلينتبه لهذا. وفيه دليل على أن الإنسان يعق عن نفسه، لكن أن ينتظر المولود حتى يكبر ويعق عن نفسه؛ فهذا غير صحيح.

стр. 6863

بعض أحكام المولود

стр. 6864

حكم التصدق بالذهب والفضة هل ورد التصدق بالفضة؟ وهل يجوز التصدق بالذهب؟ ورد أن يتصدق بوزنه وَرِقاً عند أحمد، والوَرِق هي الفضة، قال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩]. قال ﷺ : ﴿ويتصدق بوزنه﴾. ووزنه أن يقدر، أما أن يضع الشعر في الميزان فلم يرد ذلك. وهل يضع الذهب مكانه؟ قال أهل العلم: يجوز ذلك. قلنا: أين دليلكم؟ قالوا: ما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه رواد بن الجراح وهو ضعيف -وسوف يحقق الكلام في رواد بعض طلبة العلم- ذكر أن الرسول ﷺ أمر بست منها: ﴿أن يتصدق عن المولود بذهب﴾ ولكن الرواية ضعيفة، فيتصدق بالفضة، ولكن إذا تصدقت بذهب أو بشيء من الدراهم الموجودة الآن فالأمر سهل. وعليك أن تقدر تقديراً، كأن تتصدق بعشرة ريال، أما إن وزنت شعره فيمكن أن يأتي شعره بقرشين، فتدفع في سبيل الله، لرفع راية الجهاد في أفغانستان قرشين وتقول: هذه عن المولود فهذه لا تنفع. لكنك تقدر، والذي في جانب الله لا يضيعه الله . فهذه مسألة التصدق مكان الشعر المحلوق بالفضة أو الذهب.

стр. 6865

حكم الأذان في أذن المولود المسألة الثانية عشرة: الأذان في أذن المولود. ورد عنه ﷺ في سنن أبي داود ﴿أنه أذَّن في أذن الحسن﴾ لماذا؟ لينشأ على لا إله إلا الله، وليرتضع لا إله إلا الله وهو صغير، ليكون أول ما يطرق أذنه لا إله إلا الله والله أكبر، ويتربى على الفطرة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ هكذا يُنَشأُ المولود على لا إله إلا الله: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا فلا يولد على الغناء، ولا يكبر إلا وعنده اثنان وعشرون أغنية للمغنين والمغنيات، الماجنين والماجنات، الأحياء منهم والأموات فسوف ينشأ ضالاً ضائعاً، لا يساوي شيئاً والذي يحفظ الغناء لن يحفظ سورة البقرة، ولن يعرف المسجد إلا أن يتوب الله عليه، فهو يظن أن الحياة كلها غناء: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات في الأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان فحرام أن يستمع الغناء، أو ينشأ عليه، وتحبب له المرأة والجنس وهو صغير، ويظن أن مهماته في الحياة أن يكون عبداً للدينار والدرهم، أو يكون عبداً للمرأة، أو عبداً للكأس، أو عبداً لصورة خليعة فهذا حرام. فيؤذن في أذنه، ولكن يؤذن بعقل، فلا يفجر طبلة أذنه، أو حتى يسمع أهل الحارة، بل يؤذن أذاناً هادئاً، لأنك إذا أذنت ورفعت صوتك سوف يموت، والله يقول: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. وهل يقام في أذنه الأخرى؟ ورد عن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، أن كان يقيم في الأذن الآخرى، لكنه موقوف عليه، ولم يرفع إلى الرسول ﷺ . فنقول: ما دام أنه موقوف فلا يقال: إنه سنة، فلا تأتي البضاعة إلا مِنَ الذي في المدينة ﵊، وعليها خاتمه بالصحة، فهي البضاعة المطلوبة، أما غيره فنأخذ، ونرد عليه إذا قابل السنة. فالإقامة لم ترد إلا من فعل عمر بن عبد العزيز، فأنت تؤذن فقط، أما الإقامة فلا.
следующие страницы →