Полный текст (10 391 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
رفض الخاطبين بدون مبرر
أيضاً: من المسائل: رفض المتقدمين، يقول ﵊: ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وإلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير﴾ رواه الترمذي، وهو حديثٌ صحيح.
فالفساد الكبير الذي تعيشه المجتمعات بسبب أمثال هذا الأب الذي سمعتموه في الرسالة، هو بكلماته، وطمعه، وجشعه، وحسده، وبفظاظته وغلظته، طرد الشباب عن بيته، لا يصون كريمته، تقول العرب: "لا يحفظ المرأة إلا بيتها، أو قبرها، أو زوجها".
فوالله الذي لا إله إلا هو لو دفع الأب من جيبه على أن يزوج ابنته رجلاً كريماً ديناً خلوقاً، لكان هو الحسن.
وما عندنا في الإسلام إلا شرطان: دينه، وأمانته، أو خلقه ودينه، أن يكون ديَّناً، يخاف الله ، ولا يكون مروج مخدرات، يسكر في النهار والليل، والله لقد أتت رسائل من هذا القبيل، تقول بعضهن: "ما أراه إلا سكراناً، أوقظه إلى الصلاة وهو من الغافلين، سادر".
فكيف تعيش وتتعامل مع مثل هذا الجنس؟! لكن الأب هو السبب، فتجده يرفض المتدينين، والملتزمين، بحجة أنهم متزمتون، إن الرسول ﷺ اشترط شرطين: الدين والخلق، وأنا لا أقول زَوِّج ديِّناً سيئ الخلق، لا، فبعض المتدينين من أسوأ الناس خلقاً، لو سلمت عليه غضب عليك، والرسول ﷺ رحيم فنبه على حسن الخلق، يعني: رجل يتفاهم، وعنده عقل، أما الشرس سيئ الخلق فلا نريده ولو كان ديِّناً، فالدين هو الخلق؛ لأن الله زكى رسوله ﷺ ، بأنه صاحب دين ورسالة ثم قال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ذكر صاحب كتاب المستطرف في كل فن مستظرف "أن رجلاً كان شرس الخلق وذكره ابن قتيبة، وعنده أربع زوجات في البيت، فأغضبته زوجة من الزوجات، فطلقها بالثلاث، فقامت الثانية وقالت: لم تطلقها بعجل؟ قال: حتى أنتِ، فطلقها، قالت الثالثة: ما وددت أنك طلقت الثانية؛ لأنها صالحة، قال: وأنتِ طالق، قالت الرابعة: في ساعةٍ واحدة تطلق ثلاثاً! قال: وأنتِ معهم".
فسمعت الجارة؛ لأن كل واحدة منهن قامت تصيح في البيت فسألت: ماذا حدث؟ قال: وأنتِ طالق إذا رضي زوجك.
يوزع طلاقاً، يتبرع بالطلاق، وأنتِ طالق إذا رضي زوجك، فمثل هذا لا يستطاع له.
يقولون: "إن امرأة فرت من زوجها وأتت إلى أبيها، قال: مالكِ؟! قالت: أنا صبرت عليه، قال: ماذا حدث؟ قالت: ما بقيت في رأسي شعرة، إلا أنزلها بالعصا في الأرض".
يعني: من كثرة الضرب، وبعضهم لا يخاف الله أو يتقيه، يضرب بالكرسي وبالكوب وبالهاتف وبكل شيء، وهذا ينتشر في الناس، ونسأل الله العافية!
اعلموا أن هذه الممارسات وجدت حتى في المجتمع المثالي، الذي ما شهد التاريخ مثله.
فقد أتت إلى الرسول ﷺ فاطمة بنت قيس، فقالت: يا رسول الله! أستشيرك: تقدم لي معاوية بن أبي سفيان وأبو الجهم.
وهنا سيقوم الرسول ﷺ بالجرح والتعديل لأنه واجب هنا وليس غيبة في مثل هذه، فإذا سألك أهل فتاة، عن فلان فعليك أن تتكلم، ولا تقول: هذه غيبة بل يجوز في هذا أن تبين، إن كنت تعرف عنه شيئاً قالت: تقدم لي فلان وفلان يا رسول الله، ماذا أفعل؟! قال ﷺ -اسمع إلى المعلم، واسمع إلى الحكمة والعقل- قال: ﴿أما معاوية فرجلٌ صعلوك؛ لا مال له﴾ والحقيقة أن المرأة تريد شيئاً يعني نسبياً، لكن الرسول ﷺ استُفْتِي فأفتى: ﴿وأما أبو الجهم فرجلٌ لا يضع عصاه عن عاتقه﴾.
يقول: إن كنتِ تريدين أن يقطع جسمك فتزوجي أبا الجهم أنا أعرفه ﴿ولكن تزوجي أسامة بن زيد﴾.
فتزوجته فاغتبطت به، أي: ارتاحت معه، بمشورة محمد ﷺ .
فلابد أن يختار الدين الخلوق، ويوجد في الفسقه من هو حسن الخلق، فبعضهم يتبسم دائماً وهو فاسق، تجده قد يتناول المخدرات ويترك الصلاة، لكن من أحسن الناس خلقاً، لكن فقد الشرط الأعظم، فلا بد من الشرطين، الدين وحسن الخلق.
стр. 702
التشديد في مواصفات الزوجة
أيضاً: يطلب من الشباب المتقدمين، أن يتنازلوا في الشروط الجائرة، فإنهم يشترطون الوسامة، والرسامة، والرشاقة، والرتابة، وأن تكون طويلة، حورية، في عينيها دعج، وشعرها بنفسجيٌ يميل إلى الحمرة، إن جلست على الكنب استقرت، وإن رأت خوفاً فرت، وإن رأت اطمئناناً اسبطرت، هذه وصفة عامر الشعبي لفأرة عنده، وبعضهم يشترط مثل شروط القاضي المجتهد، وتقدم بعض الناس إلى بعض العلماء، قال: "أريد ابنتك، فقال: أعطني شروطك؟ فكتبها، فإذا هي شروط لا توجد في الحياة الدنيا، قال: انتظر حتى ينزل الله عليك حورية من الجنة، أما هذه الأوصاف فليست عندنا" مع أنك تجده مقلب الشكل، وجهه مثل قفاه، وعندما يتقدم يشترط بنتاً مثل الشمس فهلاَّ كان مثل القمر!
يا أخي على وضعك أنت!! زكاة الجرباء منها، كل بلاد لها حد نسبي في الجمال، فالغربيون كالغربيات، والشرقيون كالشرقيات، والجنوبيون كالجنوبيات، والشماليون كالشماليات، وأنت في نفسك لستَ يوسف ﵇ في الحسن: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف:٣١].
أيضاً: الظاهرة التي ذكرت في الرسالة كثرة العوانس في البيوت!! صراحة سبع إلى ثمان إلى تسع، إلى عشر لماذا؟! لا يكفي والحل عند المشايخ والدعاة وأعيان البلد هنا، ومن غاب منهم فيه خير أنه لابد أن يجتمعوا ويجدوا حلاً مثل ما وجد في الرياض، عند سماحة الشيخ ابن باز ومثل ما وجد في القصيم عند سماحة الشيخ محمد بن عثيمين، ووجد في جدة ومكة، وهؤلاء أخيار مثل أولئك، فيجدوا حلاً لنا، ماذا يريدون منا؟ نحن أبناؤهم وتلاميذهم، لكن يحلون هذه الأزمة.
الفتاة تقول: عندي مئات من الفتيات، يردن حلاً، أنا أطلب حلاً، ما هو الحل؟ ولا يكفي تحديد المهر، لا يكفي أن نقول: تزوجوا تقدموا بل يجدوا حلاً يعني دائرة مسئولة عن هذا، هاتفاً معروف الاتصال وتنسيقاً كيف يصل إلى هؤلاء؟ هذا الذي تريده الفتاة.
كذلك نبذ الطمع والجشع في المهور، وبعض الناس يبيع ابنته بيعاً، كأنه يبيع سيارة، فليتقِ الله الأب في مثل هذا، أيبيع بنته!! البنت أصلاً: لا توازنها جبال الدنيا لو كانت ذهباً وفضة، لكن المطلوب أن يسترها بشيءٍ يحله بكلمة الله، ولو برمزٍِ بسيط، وما يمنعك أن تزوج بألف ريال؟
стр. 703
بعض الأخطاء التي نبهت عليها الفتاة في صرختها
أما أن تتحرى هذا المهر لتكون تاجراً به، والله إن من العيب كثرة المهرِ، اعلم أن تجارة المهر ممحوقة.
أيضاً: في هذه الرسالة مسائل:
стр. 704
التفكك الأسري
كمسألة التفكك الأسري الذي تعيشه كثير من المجتمعات؛ لعدم وعيها بدين الله ، ولعدم معرفتها بالكتاب والسنة، فتجد الأب في جانب، والابن في جانب، لا يعرف أحدهم حقوق الآخر، ولا يقوم بها، ولا يتواصى بها، وعسى أن تكون هناك دروس إن شاء الله مفصلة في التفكك الأسري، وما هو علاجه؟ كي نبني بيوتاً على تقوى من الله ورضوان؟ فالتفكك الأسري هذا عجيب، وانظر إلى هذا الأب!! وأرجو أن تتذكر في ذهنك، ماذا فعل؟ لقد فعل أموراً لا يعلمها إلا الله!! أموراً كباراً كالجبال!! يقطع ابنته، ويغلظ عليها، ويمنع الخطَّاب من أجل راتب، سبحان الله!!
стр. 705
قلة الوعي الديني
ثم في الرسالة، هناك ملمح إلى قلة الوعي والتدين في كثير من المجتمعات وسبب هذا هو الجهل، واعلم أن العلم والفقه في الدين، والتعليم، أن يقوم الدعاة بتعليم الناس، وتكثيف الدروس والمحاضرات، وأن تكون هناك ندوات تحل الأزمات كل هذا حلّ لمثل هذه الأزمات.
إنني أطلب من إخواني الدعاة، وطلبة العلم أن يكون هناك ندوات ولو مشتركة -مثلاً- عن العنوسة ويطرح حلٌ للعوانس، ومسألة المهر، ومسألة المتدينين والمتدينات، والتقارب بين الأسر، أو مسائل أخرى، أو موضوعات أخرى؛ لأن الحياة الزوجية مطمح لكل فتاة.
وتصوروا -وقد جرى هذا في كثير من المجلات، العربية والأجنبية- أن إحداهن في مقابلة منها وهي في الخمسين من عمرها، وقد حصلت على الدكتوراه، وعلى مراتب عالية، قالت: خذوا كل ما عندي من مراتب وأوسمة وجوائز، وأعطوني ربع زوج!!
الرجل له أربع زوجات، فهي تقول: ربع زوج، مطمح المرأة أصلاً أن تتزوج، وأن تأوي إلى كنف.
ومن المسائل أن الطلاق في الإسلام حل وليس مقصوداً، فأبغض الحلال عند الله الطلاق، لكن جعله الله حلاً، إذا رأى الإنسان أنه لا يستطيع الاستمرار، أو أنه لا يستطيع أن يقوم بالحق، فهذا حل، لكنه ليس مقصوداً لذاته، فلا ينبغي أن يتسرع الإنسان، وسوف يكون هناك إن شاء الله موضوع منفصل عن الطلاق ومآسيه وما فيه ومتى يكون، ومتى يستحب، ومتى يحرم، ومتى يكره، بأحكامه وأدلته إن شاء الله.
стр. 706
لماذا ترفضين التعدد ؟
أيضاً: لماذا يرفض التعدد في الناس؟ يعني التعدد وارد، ولماذا النساء أثابهن الله يكرهن التعدُّد، وهو سنة الله ، والله ذكر ذلك وشرعه، والرسول ﷺ عدد وأصحابه، وللرجل قدرة؛ لأن هناك مآسي ومشكلات سوف تقع، ووقع بعضها في الأمة، وقد ذكروا للتعدد أسباباً، منها: كثرة الحروب الطاحنة في الأمم، حتى يقل الرجال ويبقى النساء بالآلاف بل بالملايين، وقد وقع في الشعوب هذا، حتى في ألمانيا وقع هذا، في حروبهم الأولى والثانية، حتى بقي آلاف ومئات يلتمسن أزواجاً ولا يجدن.
ومن الأسباب مرض المرأة، عقم المرأة، قدرة الرجل على أكثر من امرأة، وكما سبق كثرة النساء، وقلة الرجال، ففي إحصائية في البلاد عندنا يقابل الرجل ثلاث نساء، وكنتُ أقول: إنه ست نساء، لكن الإخوة من الأدباء ومن قسم الإعلام في جامعة الإمام قالوا: إن ثلاث نساء يقابلهن رجل، فلابد من حلٍ لهذا، لكن العدل، والرحمة، والقيام بالحقوق، هذا هو المطلوب، والرجاء من النساء ألا يتخذن من الدعاة موقفاً، لأن بعضهن يقلن إنهم يحرضون الرجال على التعدد، وأنا فقط أطرح هذا الطرح!
فلماذا لا يكون هناك توعية علمية وإعلامية واسعة لهؤلاء الآباء، فالرجاء من أهل الفكر، وأهل الرأي، وأهل الإعلام، وأهل الدعوة أن يكون هناك توعية إعلامية مكثفة، وندوات ودروس، إلى هؤلاء الآباء لحل هذه الأزمة حتى يعرفوا أنهم في خطأ، وأنا أطالب إخواني من استطاع أن يأخذ هذا الشريط أو غيره ويوصله إلى هذا الأب أو إلى هذا المجتمع، حتى يعي ويستيقظ من هو في غفلة فليفعل.
ومما ينبغي الحذر من تزويج الفسقة العصاة، فلا يحب الأب أحداً من أجل ماله، بل من أجل دينه وخلقه، ولماذا تدخل بيتك، وتمكن ابنتك من عاصٍ فاجر، يغضب الله ليل نهار؟! ولذلك وقعت الطامات، ويعرف المجتمع أن بعض الناس زوجوا بناتهم من فسقة، لا يصلي أحدهم لله صلاة، ويتناول المخدرات، فيعود إليها الثانية ليلاً، فعاشت الجحيم وفي الأخير طلبت الطلاق، فهذا نتيجة حب المال، والفزع إلى المال، لا للدين، فالرجاء أن يعرف الإنسان أين يضع بنته، وأخته وقريبته.
أيضاً: الإسلام يدافع عن المرأة، ولا يبخسها حقها كما تصورت الأخت الفاضلة، وهي من لوعتها ومن أساها ومما في قلبها أخطأت في بعض الكلام، غفر الله لها، ولكن كما يقول المتنبي:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
أيها الإخوة الكرام: تم الدرس وقد أخذ سؤالاً واحداً وهي رسالة هذه الفتاة، أسأل الله أن يجعل لها فرجاً ومخرجاً، ولأخواتها، وأن يسترها، وأن يحفظها، وأن يرعاها، وأن يتولانا وإياها.
стр. 707
رسالة امرأة فقدت ولدها
أيها الإخوة الكرام: هنا رسالة تقول مرسلتها: إلى أهل القلوب الرحيمة إلى أهل الخير والبذل، رسالةٌ من أمٍ جريحة مصابة في دنياها بمصائب عديدة، بدأت هذه السلسلة من المصائب عندما فقدت ابنها الوحيد منذُ عدة سنوات، ولها أربع بنات غيره، ولأنها أمٌ فقدت، فقد بكت على فقد ولدها، حتى كادت أن تفقد بصرها، إن لم تكن فقدته الآن، وعندما ذهبت إلى المستشفيات قيل لها: إنها مصابة بتمزق في القَرَنيَّة، ليس القَرْنِيَةْ نسبة إلى قرْنة لكن القرَنية بالفتح التي في العين، إحدى العينين في القرنية، ومرضٌ في شبكيةٍ أخرى، فسلمت الأمر لله، وحاولت العلاج، فوجدت أنه يكلف مبالغ خيالية، وهي مع زوجها الفقير لا يكاد دخلهما يسد رمقهما، ويكفي حاجتهما الضرورية، رفعتُ أمري إليكم.
أولاً: انظر لمعاناة هذه المرأة مسكينة من بكائها على ابنها، والحقيقة مثلها يعذر، أنا الآن لست في موضع هل يجوز أن تبكي على ابنها؟
لأنها تريد طلباً آخر -أقول له: عَمْرَاً فيكتبه بكراً- هي تريد طلباً آخر، لكن انظر إلى الوله والولع، ولا يحس هذا الفقدان إلا من يعيش لذة الأولاد وحب الأولاد، ولوعة الأولاد، يقول عن يعقوب ﵇: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤].
ذهب بصره من كثرة بكائه حتى كانت تقول الملائكة: اتقِ الله واصبر اتقِ الله واصبر فكان يأخذ التراب ويضعه في فمه ويقول: وأسفاه على يوسف!!
قال أهل العلم: "لو علم يعقوب ﵇ بقوله : ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] التي أنزلها على أمة محمد؛ لقالها، لكن قال: وآأسفا على يوسف.
هكذا أسلوب القرآن، انظر الاشتقاق، وآأسفاً على يوسف ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] البلاغة العالية، ويقول كظيم، يقول أهل العلم: "أنه يكظم شيئاً ولا يتسخط، ويصبر على أمر الله، حتى بكت الملائكة معه، وطالبته أن يصبر، فأنزل الله على الأمة: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
وبعض الناس يلوم البعض على البكاء، وفي المثل: لا يعرف الخلي حرقة الشجي، يعني: المعافى لا يدري حال المبتلى، يقول الشاعر الإيراني السني:
ما مَرَّ من طيف الهوى بمسمعي ولو سمعت الورق ما ناحت معي
يا معشر الخلان قولوا للمعافى لست تدري ما بقلب الموجعِ
حتى يقول الشاعر القديم لما مات أخوه مالك بن نويرة فرثاه متمم هذا وبكى وما عنده إلا عين واحدة، ومتمم هذا شاعر العرب وكان أعوراً، فبكى حتى ذرفت عينه العوراء من الدموع!! فكان يقول لها:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً
يقول: قلت لهذه العين اليمنى التي تبكي، اتقِ الله واصبري، قال: فبكت اليسرى.
ويقول متمم:
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته لقبرٍ ثوى بين اللوى في الدكادكِ
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى فدعني فهذا كله قبرُ مالك
الله أكبر نحن نعذرها، ولا بأس فرسول الله ﷺ ، سيد البشر، وإمام الأمة وهو يحتضن ابنه إبراهيم في سنتين، وإبراهيم تتقعقع نفسه كأنه في شن، فتدمع عيناه ﵊، ويبكي ويقول: ﴿تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ لكن الصبر والامتثال لأمر الله .
والشاهد أيها الإخوة: هذه امرأة وقعت في مأساة عنوانها: عند أحد المشايخ، في كلية إعداد المعلمين، وتقرير الأطباء والمبلغ باهض وتريد المساعدة، كي تتعالج.
وامرأةٌ أخرى أرسلت رسالة تقول: زوجها عقيم، ولا يستطيع أن يتعالج ولا عنده مال، هل عندكم مالٌ يتعالج؟
هذه المآسي، إنما توجد هذه المحاضرات حلاً للإشكالات.
واسمحوا لنا واعفوا عنا، أنا نجرح المشاعر بهذه المآسي، لكن أنتم الأمة، وأنتم صفوة الناس، وأنتم الأخيار، وما حضر هنا إلا كل خيِّر، وكل صالح.
تصوروا الآن: أنا ظننتُ أن الحضور سوف ينقص بسبب الامتحانات، فإذا الناس يتكدسون، من حبهم للخير وتكثيرهم للسواد الإيماني، ومن حضورهم مجالس الملائكة يحضرون، ويحضرُ الطلبة، بمستوياتهم، ويتركون من المغرب إلى العشاء لنا وللمسجد، بل لهم عند الله .
فأسأل الله أن يثيبهم بذلك، وأشكرهم من الأعماق، حتى في الرياض، مساء الثلاثاء الماضي، كانت هناك محاضرة، وظننت أنه لن يحضر أحد من الامتحانات، فما كان من الشباب -أهل الامتحانات- إلا أنهم ملئوا المسجد، وخارج المسجد، وما حول المسجد، وهذه هي رسالة العلم، أن تكثر سواد المؤمنين، وأن تحضر مجالس الملائكة.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والسداد، والعون والإلهام، وأسأله أن يحفظنا وأن يسددنا، وأن يرعانا، وأن يحوطنا بعين رعايته، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يكلأنا وإياكم برعايته إنه على كل شيءٍ قدير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 708
كيف نربي أطفالنا
الأطفال أمانة في أعناق آبائهم، وكثير من الآباء اليوم قد أهملوا أطفالهم، فربوهم على الميوعة، والغناء، والرقص، فخانوا الأمانة التي أئتمنهم الله عليها.
وفي هذا الدرس تحدث الشيخ عن كيفية تربية الطفل المسلم التربية الإسلامية الصحيحة.
стр. 709
هدي النبي ﷺ مع الأطفال
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله الذي جمعنا بالصالحين ووفقنا لسيرة سيد المرسلين، نسأله رحمة منه فإنه أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،،
عنوان هذا الدرس: كيف نربي أطفالنا
قال : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] الأولاد زينة للحياة، جعلهم الله قرة عين للآباء وللأمهات إذا أصلحهم الله، ولذلك وصف الله الصالحين بقوله في دعائهم أنهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] وقال كثير من الصالحين: لا تحلو الحياة إلا بالولد؛ ولذلك جعل ﷺ من الأعمال الصالحة التي تلحق الرجل الصالح ﴿ولد صالح يدعو له﴾ -كما في صحيح مسلم - والعقيم في حياته شيء ليس من قبل الله ؛ فإن الله قد يعوضه خيراً من هذا الولد؛ لكن في سلوته وراحته وفي عزائه وفي حياته، ولذلك كان زكريا يقول: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: لا تتركني وحيداً بلا ولد وبلا أبناء، ولذلك أرسل الله الملائكة يبشرونه فنادته الملائكة وهو قائم في المحراب يصلي أن الله يبشرك بيحيى، فجعل الله الولد بشارة، وهي من أعظم البشارات لمن أحسن تربية الأولاد، ولكن كيف نربي الأطفال؟ وكيف نحسن تربيتهم؟ وكيف نرضعهم الإيمان والعقيدة الصحيحة التي أتى بها محمد ﵊؟
وكلمتي هذه الليلة للآباء وللأمهات، وإن كان من نصيب أوفر فهو للأم، فأقول لها: يا أمنا! يا رائدة الأجيال! يا صانعة الأبطال! يا مدرسة الجيل أرضعي أبنائك عقيدة التوحيد مع اللبن فإن الله سوف يسألك عن أبنائك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ولذلك وصف الشعراء الأبناء بأنهم الأكباد التي تمشي على الأرض؛ كما ذكر ذلك ابن الرومي وغيره، هم أكبادنا التي تمشي على الأرض، وهم شجا قلوبنا، وقرة أرواحنا، دخل عمرو بن العاص الداهية أرطبون العرب على معاوية بن أبي سفيان الخليفة وهو في دار الملك، وعند معاوية فتاة صغيرة نجيبة في الأربع أو في الخمس سنوات.
قال عمرو بن العاص: [[يا أمير المؤمنين ما لك تقرب هذه الفتاة، والله إنهم ليقربون البعيد ويبعدون القريب ويوصمون العار! فغضب معاوية وقال: خالفت وأخطأت، والله إنهم شجا الأرواح، وإنهم ريحان الحياة، وإنهم شفاعة في الآخرة]] وصدق ﵁ وأرضاه، فإن الرسول ﷺ ﴿كان يحمل الحسن والحسين ويقبلهم ويقول: هذان ريحانتاني من الدنيا﴾ يعني: يكفيني من الدنيا الحسن والحسين، وكان ينظر إليهما ويقول: ﴿اللهم إني أحبهما فأحب من يحبهما﴾ وهذا الحديث يروى عنه ﷺ بسند فيه ضعف، فنشهد الله أنا نحب الحسن والحسين بحب جدهم ﵊.
стр. 710
هديه ﷺ مع الأطفال في الصلاة
الحسين والحسن جدهما محمد ﷺ ، فنحب الأحفاد لحب الجد الكبير العظيم، وإنما الشاهد في القصة أنه ﷺ تحبب إلى الأطفال، أتى يصلي إما العصر وإما الظهر ﷺ فأخذ أمامة وعمرها ثلاث وقيل: أربع سنوات وهي بنت زينب، وزينب بنته ﷺ ، أي: أنها بنت بنته، فحملها في الصلاة، صلى بالمسلمين وبعلماء الصحابة وساداتهم وشجعانهم وشهدائهم فحمل أمامة على كتفه ﵊، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها حتى سلم من الصلاة.
وعند النسائي والحاكم أنه ﵊: ﴿خرج يصلي بالناس صلاة العصر أو الظهر فلما سجد أطال السجود -بأبي هو وأمي- فلما سلم بالناس قالوا: يا رسول الله! أطلت سجدة.
قال: إن ابني هذا (قيل: الحسن وقيل: الحسين) ارتحلني (أي: صعد على ظهري) -لما رأى المصطفى ﷺ ساجداً أعجبه المنظر -وكان طفلاً- فصعد على ظهر الحبيب- قال: إن ابني هذا ارتحلني فخشيت أن أقوم فأؤذيه فانتظرت حتى نزل من على ظهري﴾.
يا للخلق! ويا للطافة! ويا للسماحة! ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
يقول أحد الناظمين في الشباب والأطفال:
يا للشباب المرح التصابي روائح الجنة في الشباب
وهذا البيت لـ أبي العتاهية، يقول: روائح الجنة في الأطفال، وأنت إذا قبلتهم كأنك تقبل شيئاً خرج من الجنة، فهم بريئون، طاهرون، مزكون، لا حقد ولا حسد ولا ضغينة ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ ولد مسلماً، لا علمانياً، ولا يهودياً، ولا شيوعياً، ولا نصرانياً، وإنما حنيفاً مسلماً، حتى يدخل أبوه وأمه عليه الكفر: اليهودية أو النصرانية أو العلمانية.
يا للشباب المرح التصابي روائح الجنة في الشباب
يا ليتني ما زلت في الطفولة بنفسي الطاهرة المقبولة
لم أحمل الحقد ولم أدر الحسد ولم أنافس في الدنيات أحد
يحب كل المسلمين قلبي وليس في قلبي سواك ربي
هذا منطق أهل الطفل يوم ينشأ عابداً مخلصاً لله، ولذلك كان الأطفال قرة عين الصالحين، قال الله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] وقال عن تربيتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 711
هديه ﷺ مع الطفل عند الولادة
كيف نربي أطفالنا؟
هنا مسائل: يوم يلد الطفل أمر ﵊ ﴿أن يؤذن في أذنه اليمنى، وفي لفظ -لكنه ضعيف- وأن يقام في اليسرى﴾ ولـ ابن القيم كلام جميل في تحفة المودود يقول: أمر ﵊ أن يؤذن، ليكون أول ما يطرق قلب الطفل التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فينشأ على حب الله وعلى حب رسول الله، وتغرس في قلبه شجرة الإيمان، ويطرد منه الشيطان؛ لأن الشيطان يفر من الأذان، إذا أذن المؤذن فر الشيطان فهو لا يقبل الأذان ولا يقبل ذكر الله، فالوصية كما ثبت عند أبي داود والترمذي: أن يؤذن في أذنه اليمنى، كما في حديث أبي رافع وابن عباس أنه ﷺ ﴿لما ولد لابنته فاطمة الحسن بن علي أذن في أذنه اليمنى﴾ وينسب إلى عمر بن عبد العزيز أنه قال: [[ويقام في الأذن اليسرى]].
هذه معالم التوحيد، بيوتنا تبدأ بلا إله إلا الله وتنتهي بلا إله إلا الله، أول ما يقع رأس الطفل في الأرض ينبغي أن يعلم بأنه لا إله إلا الله، ويؤذن في أذنه، ويوم تقبض روحه عليه أن يختم حياته بلا إله إلا الله.
صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، دخل الجنة﴾.
أبو زرعة أحد المحدثين الكبار: رؤي في المنام بعد أن توفي: قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: رفعني ربي في عليّين، قالوا: بماذا؟ قال: كتبت بيدي ألف ألف مرة ﷺ .
لما حضرت أبا زرعة الوفاة، أتى المحدثون وتلاميذه حوله ليذكرونه بحديث لا إله إلا الله عله أن يقولها، قال: فأتوا يتذكرون أول السند فيقولون: عله ينتبه؛ لأنه أصيب بإغماء فكانوا يقولون: حدثنا فلان فأخطئوا في الاسم فاستيقظ -بإذن الله- من غفلته وقال: حدثنا فلان عن فلان قال: حدثنا فلان عن معاذ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، دخل الجنة﴾ ثم توفي فهذه هي الكلمة التي ينتهي بها الإنسان من الحياة.
стр. 712
تسمية الطفل وآدابها
ومن معالم تربية الأطفال يا موحدون ويا مسلمون: التسمية، وفيها آداب:
стр. 713
اختر لابنك الاسم الحسن
أولها: أن تختار لابنك الاسم الحسن، وهذا من واجب الابن عليك، لا تختار له اسماً يعير به وينادى به في الحياة وينادى به يوم العرض الأكبر، ففي السنن عن أبي الدرداء أن الرسول ﷺ قال: ﴿أحسنوا أسماء أبنائكم فإنهم يدعون بها يوم القيامة﴾ أو كما قال ﵊، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وينادى أين فلان بن فلان؟ فيقوم على رءوس الأشهاد، فالواجب اختيار الاسم الحسن.
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء همام وحارث﴾ هذه من الأسماء التي يطلب من المسلم أن يسمي بها وأحبها عبد الله وعبد الرحمن.
أما حديث ﴿أفضل الأسماء ما عبد وحمد﴾ فلا يصح عن الرسول ﵊، حديث ساقط السند، ولا يصح رفعه إلى المعصوم ﷺ .
ومما يجتنب في الأسماء: التعبيد لغير الله مثل: عبد الشمس، أو عبد شمس، أو عبد الكعبة، أو عبد الدار، أو عبد السيارة، أو عبد الفلة فإن هذا لا يجوز وهو محرم، وإنما سموا به أهل الجاهلية فغير ﷺ ما استطاع أن يغير من أسمائهم.
ومما يستقبح أيضاً الأسماء التي ليس لها معنى مثل: شليويح، وصنيهيد، وعضيدان، وهذه الأسماء التي ليست فعل أمر ولا فعل مضارع ولا ماض ولا اسم ولا حرف، وفيما عندنا من الأسماء غنية -والحمد لله- كأسماء الأنبياء، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿تسموا بأسماء الأنبياء﴾ فأسماء الأنبياء مثل: إبراهيم وموسى وعيسى وزكريا وإدريس ومحمد ونوح عليهم الصلاة والسلام جميعاً، وأسماء الصحابة مثل: طلحة والزبير وعلي وعثمان.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 714
إياك وأسماء الكفرة
ومما يستقبح كذلك التسمية باسم الكافر مثل: جورج، وبولس، وميشل، وريجن، وبوش، وجورباتشوف، وأعداء الله الذين اندرجوا في سند إبليس وهو إمامهم إلى النار يستظلون بظله في النار يوم لا ظل إلا ظله في النار، فهؤلاء محرم أن يسمي بهم المسلم، وقد انتشر عند بعض المستغربين الذين تأثروا بالحضارة المادية وأصبحوا أذناباً للعلمانية والماسونية يسمي أحدهم ولده جورج أو بوش أو ميشل أو ميكل أو بيكر أو أمثالها وأضرابها، فإن هذا محرم وهو من التشبه بالكفار.
стр. 715
إياك والأسماء التي فيها تزكية
ومما يلحق بذلك الأسماء التي فيها تزكية، كأن يسمي ابنه إمام المتقين! أو سيد الأولياء أو خيرة الناس! وقد حدثنا رجل من علماء التفسير -وهو ثقة- أن رجلاً من أهل الهند سمى ابنه "خير البرية" قالوا: ما لك؟ قال: موجود في القرآن.
فجاء له ابن آخر فسماه: شر البرية! قالوا: ما لك؟ قال: موجود في القرآن فهو لا يفهم اللغة.
وحدثنا رجل آخر من الثقات -وهو من منسوبي أصول الدين في الرياض - أن رجلاً من الهند سمى ابنه: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا!! هو لا يفهم اللغة لكنه أخذ الجملة من القرآن، ولذلك تجد بعض الأسماء أكبر من الجبال على بعض المسمين الذين لا دور لهم في الحياة، كأن يسمى: نور الإسلام وهو عدو الإسلام، أو شمس الدين وهو بغيض الدين، أو صدر الدين، أو نجم الدين، أو شهاب الدين، أو تقي الدين، وهو معرض عن الدين فاجر في الدين مخالف له! فهذه التزكيات ممنوعة؛ ولذلك ﴿سمع ﷺ أنهم سموا "برة" فغير اسمها إلى "زينب" وقال: تزكي نفسها؟!﴾ فهذا من أبواب التزكية التي لا تنبغي كذلك.
стр. 716
إياك وأسماءً فيها حزن وشؤم
ومما يذم في الأسماء وهي المسألة الرابعة: ما فيه حزن وشؤم
كأن يسمي ابنته "مصيبة" أو "فتنة" أو "بلية" أو ما يحلق بذلك، أو ما يسمى الأطفال كأن يسمي "الفتان" أو "العاصي" أو "المخالف" أو "الفاجر" ولا يفعل هذا من عنده عقل أو وعي.
стр. 717
من آداب التربية
ومن آداب تربية الأطفال:
стр. 718
المطعم الحلال
كثير ما فسد الشباب والأطفال بسبب المطعم الحرام، يوم يؤكلَّون الربا، ويسقون الربا، ويلبسون الربا، ويسكنون في الربا، ويحملون في سيارة الربا، كيف يستجيب الله دعاءهم ويصلحهم؟! جسد غذي بالحرام النار أولى به، فيا من اشتغل بالربا! ويا من أطعم أطفاله من الربا! لقد اقترفت خطيئة عظيمة يوم أطعمت أطفالك الربا.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ ذكر ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟﴾ ولذلك كان الصالحون يحرصون على إطعام أطفالهم الحلال عل الله أن يستجيب صلاة الأطفال ودعاءهم وأن ينبتهم نباتاً حسناً، ولذلك لما ذكر الله اليتيمين في سورة الكهف قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] فلما كان الأب صالحاً أصلح الله له في الذرية وحفظ عليه أطفاله وحفظ لهم كنزهم حتى وجدوه، فليتنبه المسلم إلى هذه المسألة العظيمة.
стр. 719
مداعبة الأطفال
ومما ينبغي كذلك على المسلم لأطفاله في سن الطفولة أن يلاعبهم، والملاعبة سنة، ومن قال: إنها هجنة فهو خاطئ، ومن قال: إنها ضياع للوقت فهو مخالف، بل هي سنة محمد ﷺ ، أكثر من اشتغل بأمور الأمة، وحوادث العالم محمد ﵊ ومع ذلك كان يقبِّل الأطفال، كان يجلس في مجامع الناس فيأتي الحسن وهو صغير فيفتح يديه ﵊ ويضحك ويخرج لسانه للحسن فيأتي الحسن مسرعاً حتى يرمي بنفسه على المصطفى ﵊، خلق كالشهد المصفى، ولذلك صح عنه ﷺ في صحيح البخاري وغيره: أنه قام يخطب الناس على المنبر فلما انتصف في الخطبة جاء الحسن وعمره ما يقارب خمس سنوات، وعنده ثوب طويل -مسبل وهو طفل لم يبلغ التكليف- فكان يعثر في ثوبه في المسجد بين الصفوف، يقوم إذا عثر ثم يمشي قليلاً ثم يعثر على وجهه؛ فانشغل ﵊ به عن الخطبة، فترك الخطبة ونزل واحتضنه وقبله وحمله على كتفيه حتى صعد به على المنبر ثم وضعه في جانبه، ثم التفت إلى طفله الحسن وقال: ﴿إن ابني هذا سيد -أي: إنه بطل من السادات- إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين تقتتلان من المسلمين﴾ أو كما قال ﵊، وبالفعل أصبح سيداً من السادات، وولياً من الأولياء، وأميراً من الأمراء، وإماماً من الأئمة، وتولى إمرة المؤمنين خمسة أشهر، ولما اجتمع أهل العراق وأهل الشام ثمانون ألفاً مع مائة ألف، السيوف مصلتة وكادوا يقتتلون خرج هو فحقن الله به الدماء وتنازل عن الخلافة وأصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
وفي ترجمة الحسين بن علي -وكان شاباً صغيراً- أن عمر بن الخطاب تولى الخلافة -ذكرها الذهبي في ترجمة الحسين - فجلس عمر على المنبر ينتظر الأذان ليؤذن ثم يخطب بعد الأذان، فأتى الحسين وكان طفلاً صغيراً، وكان يعهد المنبر لجده ﷺ فصعد المنبر وقال لـ عمر: انزل من على منبر جدي؛ فبكى عمر بن الخطاب حتى دمعت عيناه وقال: صدقت، وهل أنبت الله الشعر في رءوسنا إلا بفضل الله ثم برسالتكم.
يقصد: من بيتكم خرجت الرسالة، الحسين بن علي هذا ابنه علي بن الحسين الذي تجاهله هشام بن عبد الملك لما طاف قال: لا أعرف من هذا.
قال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البيداء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
صح عنه ﷺ في الحديث الصحيح أنه قدم عليه وفد من بني تميم من نجد، ووفد بني تميم حديثو عهد بالإسلام وكانوا أهل بادية، والجفاء في أهل البادية، تجد الواحد منهم عنده عشرة أبناء ما قبل أحدهم منذ ثلاثين سنة، ما عنده إلا الضرب أما التقبيل والمداعبة والملاعبة فلا يجيد، عنده أبقاس وملاكمة ومرامحة ومناطحة! لأنه في الغالب لا يرى إلا التيس والكلب، ينطح التيس وينبح الكلب، كما قال شاعر المتوكل علي بن الجهم وهو يمدح الخليفة فقال له:
أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب
فقام الوزراء يريدون أن يبطحوه أرضاً فقال: دعوه، ما عاش إلا مع هذه البيئة، ردوه عند الرصافة في بغداد سنة، فأنزلوه عند النهر وفي الحديقة وعند البساتين الغناء والرياض الفيحاء، فأتى بعد سنة فاستطلع قصيدته بأجمل بيت يقول فيه:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فالبيئة لها تأثير، والشاهد من هذه القصة: ﴿أن الأقرع بن حابس رأى الرسول ﷺ وهو يقبل ولده الحسن بن فاطمة، قال الأقرع: تقبلون الأولاد عندكم؟! والله إن عندي عشرة من الأولاد ما قبلت واحداً منهم، قال ﵊: وهل أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك﴾ يقول: ما دخلي وما شأني، وهل أملك أنا أن أوزع الرحمات، لا.
الذي يوزع الرحمة هو الله.
وقال أهل العلم فيما صح عنه ﷺ : ﴿كانت الجارية تأتيه فتأخذ بيده ﵊ فتذهب به في شوارع المدينة حتى تعيده إلى مكانه ﵊﴾ إلى غير ذلك من القصص التي تنبئ أن من الواجب للطفل ملاعبته؛ لأنه في سن لا يقبل العلم، فلو تلقي عليه محاضرات الدنيا أو علوم الدنيا، فلن يفهم، يريد ملاعبة ومداعبة؛ ولذلك إذا أتيت وأنت متعب تجده يلقي بنفسه عليك، هو ينتظرك وينتظر ابتسامتك ومداعبتك ومزاحك وقد جعله الله سلوة لك، فإن كثيراً من الآباء لا يزيل غمومهم وهمومهم ومتاعب أعمالهم وما يجدونه من نكد في الحياة إلا هؤلاء الأطفال، فحق أن تخصص لهم وقتاً في المداعبة والملاعبة كما فعل ﵊.
وكان ﷺ ، كما عند الترمذي ﴿ربما مازح الأطفال فيأخذ بأذن أحدهم، أخذ بأذن أنس ففرك أذنه وأرسله﴾ وعند البخاري ﴿أن ابن عباس لما قام عن يسراه أخذ بأذنه ففتلها وحوله على يمينه﴾ قال ابن حجر: وفيه أن يؤخذ بأذن التلميذ ليعلم لأنه أذكى له، قلنا لـ ابن حجر: بشرط أن يكون الأخذ هيناً ليناً لا يفرك أذنه حتى يقطر الدم فإن هذا من التعزير، يعني: فركاً بسيطاً حتى يصيح، فإذا صاح فحسبك بهذا الفرك.
стр. 720
المصاحبة
ومن آداب تربية الأطفال: المصاحبة
أما الحديث الذي يقال عن الرسول ﷺ أنه قال: ﴿لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً﴾ فلا يصح، وليس من كلامه ﵊، ولكن نسب إلى علي بن أبي طالب وأظنه ليس لـ علي، وإنما هو من كلام سفيان الثوري أو أحد علماء السلف، يقول: لاعب ابنك سبعاً أي سبع للملاعبة فقط، وسبع سنوات للتأديب وفيها العصا تتدخل، وسبع سنوات للمصاحبة يكون لك صاحباً يحضر معك المنتديات والدروس ومجامع الخير والحفلات؛ فإذا بلغ الواحدة والعشرين فاتركه فقد بلغ رشده، إن اهتدى فبها ونعمت، وإن ضل فقد سلمت قياده، أصبح ذا فكر وذا بصيرة والله يتولاه.
أحد الناس أتى إلى عالمٍ من العلماء وقال: أشكو إليك، ابني ضربني على وجهي.
قال: أعلمته القرآن؟ قال: لا.
قال: أعلمته السنة؟ قال: لا.
قال: أعلمته آداب العرب؟ قال: لا.
قال: ظنك ثوراً فضربك.
أي: يستحق؛ لأنه هو المسئول ولذلك لماذا يشكو الإنسان العقوق ويقول: عقني ابني؛ لأنك عققت أباك وما علمت ابنك بر الوالدين.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
ولذلك أحد الرجال في أحد البيوت يقول: مرة تأخرت عن الجماعة فصليت في البيت، وكان هذا الرجل من المداومين على المسجد من أهل الروضة ومن أهل الصف الأول، لا تفوته الصلاة أبداً، لكن يوماً من الأيام فاتته الصلاة فصلى في البيت فقام ابنه الصغير وقال: يا أبي أأنت امرأة يوم تصلي في البيت أم أنت رجل؟ وهذا سؤال طيب ينبئ على أن الابن مربى على عقيدة سليمة ومبدأ خالد.
والمصاحبة كما ذكر أهل العلم لا تأتي إلا بلين الخلق مع الابن وأن تبجله؛ فإنك إذا أظهرت له الاحترام استحيا من الله ، فإن بعض الآباء يبكت ابنه ويخزيه ويقطعه ويفضحه بالكلام، فيصبح الابن ميت الإرادة لا يستحي أبداً يفعل ما أراد؛ ولذلك قال المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
стр. 721
غرس الفضائل في نفسه
ومن الآداب: غرس الفضائل في نفسه
اسمعوا إلى مقطوعة شعرية من أجمل ما سمعت في الأدب العربي، يقولها أحد الشعراء ذاكراً فيها كيف تربى هو على الفضائل، الرجل هذا اسمه المقنع الكندي مسلم، كان يستدين الدين، ويسد حقوق قرابته وينفق عليهم، فكان قرابته دائماً يعيرونه بالدين ويقولون: أنت دائماً مديون مديون! أنت دائماً ذليل لنا! ليس عندك منعة! قال يعتذر إليهم -يقال هذا من باب غرس الفضائل-
يعيرني بالدين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد ما قد أضاعوا وضيعوا حقوق أناس ما استطاعوا لها سدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
يقول: أنا وإخواني وأبناء عمومتي بيني وبينهم فرق.
كيف؟ قال:
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يغتابونه وهو لا يغتاب، يذمونه وهو لا يذمهم، يقطعونه وهو يصلهم، يحرمونه ويعطيهم، لا يزورونه ويزورهم، يهينوه ويكرمهم، هذه أخلاق النبوة!
إذا هتكوا عرضي حميت عروضهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
يقول: أنا إذا نزل الضيف تحولت من حر إلى عبد، هذه أخلاق المؤمن، كان حراً بطلاً، ولكن لما دخل الضيف تحول إلى عبد بحفظ الله ورعايته، يقدم الطعام والشراب والفراش هذه أشرف الأخلاق؛ ولذلك قال بعض البلغاء: كن حراً في كل موقف إلا إذا نزل بك الضيف فكن عبداً، أنا حر دائماً إلا في الضيافة فإني عبد للضيف، وهذا من أحسن ما يقال في خدمة الضيف! خاصة للمسلم.
هذه مسائل في تربية وغرس الفضائل في النفوس، ولا تأتي -يا معاشر الأحباب- إلا بأن يكون الأب قدوة لأبنائه، كيف يصدق الابن وأبوه كذاب؟ كيف يصلي الابن وأبوه لا يصلي؟ كيف يفي وأبوه خائن؟ هذا لا يكون، والابن أول ما ينظر ينظر إلى أبيه، ولذلك تجده يتأثر، فإنه تحت السابعة كالبغبغاء يقلد ما تقول تماماً، ولذلك أنطقه على لا إله إلا الله ولا تنطقه -والعياذ بالله- على اللعنة أو على الكلام البذيء الذي يغضب الله .
стр. 722
تجنيبه الرذائل
ومن الآداب: تجنيبه الرذائل
ومن الرذائل الكلام الفاحش، وتربيته على الغرام والهيام.
فلم الكرتون الذي يربى عليه الأطفال المسئولة عنه شركة يهودية إيطالية عالمية تريد أن تربي في الأطفال مسألتين:-
المسألة الأولى: حب الجنس، والمسألة الثانية: حب المال من دون الله.
أتظنون أن اليهودية أو الصهيونية العالمية تلقي فلم كرتون على الأطفال فيأخذ أوقاتاً طويلة؟! أتظنون أنهم يصرفون ملايين الدراهم والدنانير ضياعاً وهباءً منثورا؟! لا.
هم أذكى من ذلك، ولذلك يربون في الطفل حب الجنس، يأتي فلم الكرتون -وهذا موجود ومشاهد- فيأتون بفتاة من كرتون وبشاب طفل من كرتون فيطارد الفتاة ويقبلها ويغازلها ويعاشقها ويهاويها فينشأ الطفل في الحي على بنت جاره وقريبته يفعل كذلك! فغرس الرذائل يكون من طريق هذه الأسباب: شريط الغناء، الأغنية الماجنة، المجلة الخليعة، الفيديو المهدم، المسلسلات المتبجحة، المسرحيات الهابطة كلها هدم وغرس للفضائح والرذائل في نفس الطفل حتى ينشأ فاجراً لا يؤمن بالله ولا يعرف الإسلام ويتنكر لهذا الدين ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾.
ومن الرذائل: تعويده الكسل والخمول والاعتماد على الغير.
لابد أن تنشئه عصامياً بطلاً يعتمد على نفسه حتى في المعيشة، تجد المترف دائما كسولاً تيساً لا يعرف شيئاً ولا يفهم شيئاً.
ثلاث تفسد شباب الإسلام وأطفال المسلمين:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة!
شاب وما عنده عمل والمال في جيبه كيف ينشأ؟ ينشأ لعاباً لاهياً إن لم يتداركه الله برحمته.
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة!
فإذا اجتمع ثلاثة مع عدم الإيمان وفقد القرآن وهجر المساجد وعدم وجود العلم الشرعي والبعد عن سنة محمد ﷺ ووجود المغريات والفتن والمجلات الخليعة بأنواعها؛ عاش وليس في قلبه روح من الهداية ولا ومضة من النور وأصبح -والعياذ بالله- أشبه بالدابة فليتنبه لهذا.
стр. 723
أن تختار له الأصحاب
ومن معالم تربيته: أن تختار له الأصحاب
الصاحب الذي تختار لابنك لابد أن يكون ولياً من أولياء الله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] أما أهل جمع الطوابع والمراسلة وصيد الحمام والدجاج ومطاردة الأرانب وأهل الصفير والنهيق والتفحيط فهذا لا يليق بك أبداً أن تترك ابنك معهم، فهم عصابات سوف يؤدون بابنك وينتقلون به من مرحلة جمع الطوابع والمراسلة وصيد الأرانب والدجاج إلى المخدرات والكأس والمرأة ثم إلى الفجور والإلحاد والعياذ بالله.
فحذار حذار من هذه المسألة!! فإنها خطيرة جد خطيرة، لابد أن تعرف مع من ذهب ابنك ومع من جلس ومع من أتى، من رافقك اليوم؟ من اتصل بك اليوم؟ من هو صاحبك؟ من هو جليسك؟
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] اسمع إلى قول ابن المبارك إمام المسلمين يقول:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه
وللمرء على المرء دليل حين تلقاه
فأنت لا تسأل عن الإنسان واسأل عن قرينه ومع من يذهب ثم احكم عليه.
ذكر ابن قتيبة وغيره من العلماء أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه خرج إلى الصحراء فوجد ابنه عاصم ومولاه أسلم ينشدان، أحدهما أنشد قصيدة في الصحراء فأتى إليهم عمر وهم يرعون إبل الصدقة فقال عمر: من أنشد منكم؟ فخجلا.
قال: عزمت عليكم أن تنشدا.
فخجلا.
قال لابنه: انشد؛ فأنشد، ثم قال للآخر: انشد فأنشد.
قال: أنتما كحماري العبادي قيل له أي: حماريك أخس؟ قال: هذا ثم هذا، وهذه منقولة، والشاهد أنه قال العبادي والعبادي هو تاجر من التجار أحمق كان عنده حماران، قيل له: أي حماريك أخس؟ قال: هذا ثم هذا، أي: كلها في الخساسة سواء لكن بعضها درجات فوق بعض، والمقصود: أن الصاحب هذا أعدى من الجرباء، وأنه تلف لمن يصاحب، وإذا استمر الصاحب مع الصاحب سلخه ورده إما من هداية إلى ضلال وإما من ضلال إلى هداية، يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لأصحابه:
اتخذني خليلاً أو تخذ لك صاحباً خليلاً فإني مبتغ صاحباً مثلي
يقول: أنا لا أريد من الأصحاب إلا صاحباً مثلي وعلى طريقتي، وقال الشافعي:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
стр. 724
الاهتمام بوقت الطفل
ومن معالم تربيته: الاهتمام بوقت الشاب وهي مهمة جداً:
العطل الصيفية تذهب كثيراً على أطفالنا وعلى شبابنا بلا برنامج، لا حفظ قرآن، لا في الجماعة الخيرية، لا في المراكز الصيفية، لا مع علماء ولا مع طلبة علم؛ إنما همهم الأكل والشرب، وفي السكك والشوارع، حتى أبناء الكفرة عندهم برامج، وأبناء المسلمين يبقون هكذا! تنتهي العطلة الصيفية ولا حفظ جزءاً ولا حديثاً، أو طالع باباً أو استفاد فائدة أو تأدب أدباً هذا ليس بصحيح يا مسلمون، ولذلك تكثر الإيذاءات من الشباب الفارغين والأطفال المتفلتين، ليس في الإسلام تفلت ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠].
فيا مسلمون أوصيكم ونفسي بالاهتمام بأوقات أطفالكم وأولادكم وبناتكم، وأن يكون هناك تحصيل وفائدة ونفع، وإلا فوالله، إنهم سيضيعوا إيمانهم ودينهم ودنياهم، ثم يكونون في ميزان حسراتكم وسيئاتكم يوم العرض الأكبر.
стр. 725
أمرهم بالصلاة
متى يؤمرون بالصلاة؟
في حديث صح عنه ﷺ عند أحمد وأبي داود وغيرهم من العلماء أنه قال ﵊: ﴿مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ وهذه آداب ثلاثة:
أولها: في السن السابعة أن تبدأ تأمره بالصلاة لكن لا تضربه، وإذا تخلف عن المسجد لا تعاتبه، وإنما صل معي، فإن أتى فبها ونعمت وإن تخلف فلا تأخذ على يده؛ لأنه في السبع إلى العشر لكن تصطحبه إلى المسجد، أما حديث: ﴿جنبوا صبيانكم مساجدكم﴾ فهذا الحديث ضعيف، ضعفه أئمة مثل: المنذري والبيهقي وابن الجوزي والبوصيري والعسقلاني والإشبيلي والشوكاني والألباني والسخاوي، وقد رواه ابن ماجه والطبراني وغيرهم من أهل العلم كـ ابن عدي، ولكنه ضعيف السند لا تقوم به حجة، والذي يستدل بهذا الحديث ليس بمصيب، بل يؤتى بالصبي وقد أتى بهم ﵊، لكن إذا أتى منهم تشويش وضجة وصجة فيجنبون، أن يتحول المسجد إلى روضة أطفال فلا، المسجد يحترم ويقدر ويوقر من باب تعظيم شعائر الله ، فلا بأس أن يؤتى بهم بشرط أن تشترط عليهم السكوت والأدب والسمت الحسن والإنصات فليتنبه لهذا.
وأما في السن العاشرة فتضربه على ترك الصلاة ضرباً، العصا لمن عصى والعصا من الجنة، فإذا تخلف وهو في العاشرة وقال: إنه صغير.
قل: لا.
بل كبير بإذن الله، فاضرب رأسه بالعصا حتى يخرج الشيطان، وحتى يتوب أن يتخلف عن المسجد وتستصحبه أنت، ومن الأدب أن تلاحظه في المسجد هل صلى أم لا، وهل حضر معك الصلاة أم لا، وأن تتفقده في كل صلاة.
كان عمر ﵁ وأرضاه يوقظ أبناءه لقيام الليل ويأخذ الدرة ويضرب الأبواب ويقول: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] ما دام يا رب أنعمت علي بالاستقامة والعون والتأييد، فوالله، لا أكون عوناً للمجرم ولو كان ابني هذا هو معنى الآية، وقد قالها موسى ﵇.
﴿وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ معنى ذلك: إذا بلغوا العاشرة، وقال بعضهم: إن العطف هذا للأول أي: لأبناء السبع، وقال بعضهم: بل العشر، والعشر آكد ولكن الأحوط السبع، فإذا بلغوا السبع أو أكثر إلى العشر فلا يجوز أن ينام الأطفال الأبناء مع البنات في فراش واحد، ويجوز في غرفة واحدة وفي حجرة واحدة لكن بينهم مسافة.
هذا أدب محمد ﵊، هذه سنته، ومن لم يفعل ذلك يقع في أخطار لا يتصورها العقل، وفي مآثم وجرائم الله أعلم بها، فليتنبه المسلم لهذه الآداب التي أتى بها ﷺ .
ومن الأدب: أن تلاحظهم عند النوم، فتذكرهم بالوضوء إن استطاعوا أن يتوضئوا إذا بلغوا العشر، وتذكرهم بأذكار النوم كالمعوذات وسورة الإخلاص وآية الكرسي؛ ليحفظهم الله ويعصمهم من شياطين الإنس والجن، فإن أكثر ما يصاب الصرع ودخول الجان في الأطفال بسبب أنهم لا يذكرون الله، طفل ينام على الأغنية ويستيقظ على الأغنية يدخله اثنا عشر جنياً، في الصباح جان وفي المساء جان؛ لأنه ما عرف الذكر، لا يطرد الشياطين ولا الجن إلا الذكر ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والعلماء يحذرون من إدمان الغناء أو إدخال آلات الغناء أو ما يشابهها من مجلات خليعة فإنها سبب لدخول الشيطان في البيت، والملائكة لا تدخل البيوت التي فيها هذه الأمور فعلى المسلم أن يتنبه لهذا ليكون على بصيرة.
стр. 726
رجولة الطفل وأنوثة الطفلة
الإسلام يميز بين الرجل والأنثى، والمقبول عند المسلم أن يكون الرجل رجلاً لا يتأنث ولا يتخنث ولا يأتي بأسماء أو بألقاب أو بكلام أو بلبسة تخالف لبسة الرجال، قال ﵊: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ وهو عند أحمد وأبي داود حديث صحيح، وقال ﵊ في حديث صحيح: ﴿لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال﴾ مثل من يسمي ابنه "دلال" هذا اسم مؤنث لا يحق له، أو يسمي اسماً آخر يكسره تكسيراً أو يأتي الابن يتكلم بكلام يثنيه تثنية
فما عرفوا التثني في بنات ولا عرفوا التأنث في بنينا
فلا درب المعالي ضيعوه ولكن العلا صيغت لحونا
كذلك أخرج الإسلام قومي شباباً مخلصاً حراً أمينا
وعلمه المروءة كيف تشرى فخالف أن يقيد أو يهونا
فالمقصود: أنه يمنع الطفل إذا أتى يتكلم بكلام مايع أو يلبس دبلة من ذهب: فتقول له: لا.
حرام، أو يسبل ثوبه نقول له: لا.
هذا لا يجوز، حتى العرب في الجاهلية كانوا يقصرون ثيابهم، ويقول شاعرهم يمدح أخاه البطل:
كميش الإزار خارج نصف ساقه من اليوم طلاع السعود لأنجد
يقول: إنه بطل يقتحم المعارك، ومن علامة شجاعته أن ثوبه فوق كعبيه إلى نصف ساقيه، ولا يسبل الثياب إلا من تعرفون، قال عمر بن أبي ربيعة:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
стр. 727
تربية الشعر وحلقه
كذلك مما ينهى عنه تربية شعر رأسه وحلق لحيته، بعض الناس الآن يربي شعره إلى أكتافه فإذا قلت له: لا.
قال: هذه سنة وأنا فعلتها من حبي للسنة، فنقول له: خالفت السنة، لو كنت صادقاً كنت ربيت لحيتك أما أن تحلق لحيتك وتربي شعر الرأس ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]
يا مدعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهويناً
خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
تربية على ثلاثة أقسام، وحلق الرأس على ثلاثة أقسام:-
تربية الرأس تربية سنة، وتربية معصية، وتربية عادة مباحة، فمن رباه مع لحيته لكن لا يقصد به السنة ولا يقصد به التشبه قلنا: أنت على كل حال في أمر مباح وهذه عادة، مثلما تفعل بعض القبائل، يربون لحاهم ويربون شعورهم، لكنهم لا يعلمون السنة في تربية الشعر ولا في حلقه فنقول: أنت في عادة وفي أمر مباح.
وتربية معصية: كأن يحلق لحيته ثم يتشبه بالنساء أو بالكافر نقول: أنت في معصية وقد تشبهت بالمرأة وبالكافر.
وتربية سنة: وهي من ربى لحيته وربى شعر رأسه وقال: سمعت أن الرسول ﷺ كان يربي شعر رأسه قلنا: صدقت وأنت مأجور ومشكور.
وحلق الرأس على ثلاثة أضراب: حلق معصية، وحلق سنة، وحلق عادة.
فمن حلقه ليتشبه بـ الخوارج الذين قال فيهم أبو بكر لـ خالد: [[وسوف تأتي على قوم علامتهم التحليق، يحلقون شعر رءوسهم فاخفقهم بالسيف خفقاً]] فمن تشبه بمثل البهرة الباطنية الذين يحلقون شعر رءوسهم ويتشبه بهم قلنا: هذه معصية وسيئة وجريمة.
ومن حلق رأسه في حج وعمرة كان سنة، وقد دعا ﷺ للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة.
ومن حلق رأسه لا لأنه يقصد بها شيئاً قلنا: أنت في أمر مباح وفي عادة فليتنبه لهذا.
стр. 728
رجولة الطفل
أما رجولة الطفل فإنها تبدأ من صغره، والإنسان لا يقول: أنا صغير أو يربي أطفاله على التواكل، وكلما أسند إليه أمر قال: صغير صغير؛ فينشأ وعمره أربعين وهو لا يزال صغيراً هذا لا يصح، بل يشعره بالمسئولية من العاشرة، محمد بن القاسم قاد الجيش الإسلامي يوم دخل الهند وعمره خمس عشرة سنة!
إن المروءة والسماحة والندى لـ محمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤدداً من مولد
وقالوا عن أسامة بن زيد: قاد الجيش لسبع عشرة سنة، وأرسل ﷺ معاذاً إلى اليمن وعمره ما يقارب السابعة عشرة سنة، قال الصحابة لـ عمر وكان يدخل عليه ابن عباس، عُمُر ابن عباس ثلاث عشرة سنة قالوا: كيف تدخل هذا الطفل وعندنا أطفال مثله؟ لأن عند عمر مجلس عالمي سنوي لا يدخله إلا من الأربعين فما فوق، أهل بدر، أهل بيعة الرضوان، شيوخ الصحابة، نجوم الهدى، أسياد الأمة، ولا يدخله غيرهم لا من الأعراب ولا من الأطفال إلا ابن عباس مستثنى في القائمة وله حق الدخول، فكان يدخل فوجد الصحابة، قال ابن عباس: [[فجمع عمر الناس وقال للصحابة: ما معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟ وهو يلتفت إلى ابن عباس يريد أن يريهم ذكاء ابن عباس، قال الصحابة: لا ندري، الله يقول للرسول ﷺ : إذا جاء النصر والفتح فاستغفر وتب، فسألهم جميعاً فقالوا: لا نعرف إلا هذا.
قال: وأنت يـ ابن عباس؟ قال: معنى الآية: قد اقتربت وفاتك يا رسول الله، فما دام أن العرب قد أسلمت ودخلت في دين الله فترقب الوفاة أو كما قال.
قال عمر: والله ما أعلم منها إلا كما تعلم]] ولذلك أدخلوه معهم في مجلس الشورى.
أتى وفد العراق يبايع عمر بن عبد العزيز بالخلافة وكان فيهم شاب صغير جالس، فقام الشاب يتحدث فقال: يا أمير المؤمنين! مرت بنا ثلاث سنوات (يقصد: قحط) والأمير الخليفة الملك بيده المال؟ يريد مالاً، والمشايخ جلوس، وعيون القبائل ووجوه العرب جلوس وقام هذا الشاب يتكلم: يا أمير المؤمنين! مرت بنا ثلاث سنوات، أما سنة فأذابت الشحم، وأما سنة فأكلت اللحم، وأما سنة فدقت العظم، وعندك مال الله فأخرج ما لله من خزائن الله على عباد الله.
كلام مثل النجوم!! قال عمر بن عبد العزيز: يا بني اجلس ففي الناس من هو أولى منك بالحديث.
فقال الشاب: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمر بالسن لكان في الناس من هو أولى بالخلافة منك أنت:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وهذان بيتان أنشدهما عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو قدوة، فإنه تولى أمر المسلمين وعمره ثمانية وثلاثين سنة فقادهم إلى بر الأمان وكان من خيرة عباد الله، ﵁ وأرضاه.
الخنساء النخعية -لا أعني السلمية- كان لها أربعة أبناء، فلما ربتهم على تقوى الله وطاعته ذهبت بهم إلى القادسية في المعركة، ثم لبستهم الأكفان وكانوا شباباً، ثم قالت: يا أبنائي والله ما خنت أباكم ولا خدعت خالكم، والله إنكم أبناء رجل واحد، والله، ما ربيتكم إلا لهذا اليوم فإذا حضرت المعركة فيمموا وطيسها، واشغلوا أبطالها، ولا أراكم بعد اليوم إلا في الجنة؛ فأخذوا أكفانهم الأربعة فأتوا المعركة فأوقدوها وأشعلوها من أول النهار، وما أتت صلاة الظهر إلا وهم مذبحون في الأرض، فأتى الخبر إليها فضحكت وقالت: الحمد لله الذي أقر عيني بشهادتهم.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
هذه أسرة عربية مسلمة تربت على تقوى الله، يقال: قتل منها ما يقارب ثمانين شهيداً في سبيل الله، وهي إما من بني خندف أو من قبيلة أخرى الله أعلم بها، لكن مدحهم الشاعر العربي قال:
هم القوم يروون المكارم عن أب وجد كريم سيد وابن سيد
وهزتهم يوم الوغى أريحية كأن شربوا من طعم صهباء صرخد
ويطربهم صوت الصوارم في الوغى بيوم الوغى لا ما ترى أم معبد
يقول: لا تطربهم إلا صوت السيوف لا الغناء ولا الأوتار ولا الأصوات الخليعة الماجنة.
стр. 729
تعظيم الله في قلوبهم
ومما ينبغي ملاحظته في تربية الأطفال -أيها المسلمون- أن يعظم الله في قلوبهم، وأن يعظم قدره ومراقبته، كان كثير من الصالحين إذا حضرتهم الوفاة استدعوا أبناءهم وقالوا لهم: ليكن أعظم شيء عندكم الله.
قال الأندلسي لابنه:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحِ من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وقال الأندلسي الآخر يوصي ابنه في طلب العلم:
إذا لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم قرة عين، وأن يثبتنا وإياكم حتى نلقاه.
هذه مسحة بعنوان: كيف نربي أطفالنا؟ وسوف يسألنا الله عن أطفالنا يوم العرض الأكبر، وإنني أعود إلى الأم المسلمة فأقول لها: يا أمة الله! يا مدرسة الأجيال! يا من أنت المسئولة الأولى عن تربية أطفالنا وبناتنا اتق الله في أطفالك، واعلمي أنك مدرسة مؤهلة لإخراج الزعماء والعلماء والأدباء
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم نبت إن تعاهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
فنسأل الله لنا ولكم السداد والعون والرشاد وأن يثبتنا حتى نلقاه، كما نسأله ثباتاً في الدنيا والآخرة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 730
الأسئلة
стр. 731
دلني على كتاب في السيرة
السؤال
أريد أن تدلوني على كتاب في السيرة يكون عليه اعتمادي في سيرة حبيبنا ﵊؟
الجواب
أولاً: شكر الله لك ألفاظك الواضحة النبيلة الطيبة مع المصطفى ﷺ ، ويظهر من السائل حبه للمصطفى ﵊، وهذا أمر مطلوب في حبه ﷺ ، كان الصالحون إذا ذكروه قال الواحد منهم: بأبي هو وأمي، ويقول الآخر: بنفسي.
ما أعلم كتاباً في السيرة أحسن ولا أجدى بعد كتاب الله ، والسنن والصحاح من كتاب زاد المعاد لـ ابن القيم، فإني أدلكم عليه أن تقتنوه، وقد خرج محققاً في خمسة مجلدات تحقيقاً جميلاً بديعاً في ديباجة رائعة! ما أحسن منها! بتحقيق الأرنؤوط وهو كتاب جيد، وهناك كتاب عصري جيد اسمه الرحيق المختوم في سيرة النبي المعصوم ﷺ .
стр. 732
المرأة لا تؤم زوجها
السؤال
هل للمرأة أن تؤم زوجها، وهل لها أن تصلي إماماً وهو مأموم أم لا؟
الجواب
في سنن أبي داود أن الرسول ﷺ أمر المرأة أم ورقة أن تؤم أهل دارها، والحديث صحيح، لكن فيه عموم، ولا ندري هل في أهل دارها رجال أم لا، لكن ورد عند ابن ماجة أن الرسول ﷺ نهى وقال: ﴿لا يؤمّنَّ أعرابي مهاجراً، ولا فاجر مؤمناً، ولا امرأة رجلاً﴾ والحديث ضعيف، لكن قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] وقوله ﷺ : ﴿لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾ يدل على أنه ليس للمرأة أن تؤم الرجل، ولكن للرجل أن يؤم المرأة مهما يكن، وهذا الصحيح، ولا أعلم -إن شاء الله- إلا هذا الرأي الواضح الراجح، أما حديث أم ورقة فهو عام، وأهل دارها لا ندري أفيهم رجال أم لا.
стр. 733
طلاء الأظافر
السؤال
هل طلاء أظفار المرأة عند الوضوء يمنع وصول الماء إلى البشرة؟ وهل في الوضوء شيء إذا كان على الأظفار طلاء؟
الجواب
أقول: الطلاء هذا إن كان له سمك ويحجب وصول الماء إلى البشرة فإنه لا يجوز لها، وعليها أن تزيله قبل أن تتوضأ ليصل الماء إلى البشرة فهذا حائل مثل البوية ومثل ما في حكمها من الطلاءات هذه، وأدوات التجميل التي لها سمك فلا بد من إزالتها حتى يصل الماء إلى البشرة، أما لو كان لون فقط وليس له سمك فلا بأس مثل الحناء وما في حكمه فلا بأس به، وأما ما له سمك فلا بد من إزالته فليعلم ذلك.
стр. 734
تحريم القات عند العلماء
السؤال
انتشر القات في بعض المناطق، والسائل يقول: إن بعض العلماء في تلك المناطق البعيدة يتناولون القات، وإنهم يأمون الناس ويخطبون فيهم ويفتونهم، فما حكم شربهم وأكلهم للقات وتعاطيهم لهذا الأمر؟
الجواب
القات على القول الصحيح من كلام أهل العلم أنه محرم لأمور:
أولاً: أنه مفتر، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل مفتر حرام﴾ وقد قال شهود العيان ممن عاشوا وذاقوا وجربوا: إن القات يفتر، ومن علامة تفتيره أن من يتناول القات في مناطقهم يتركون صلاة العصر إلى ما بعد صلاة العشاء أو يؤخرون صلاة الظهر إلى ما بعد صلاة المغرب، ويجمعون بين الصلوات وقد ارتكبوا أمراً محرماً، ولولا أنه يفتر ما فعلوا ذلك.
وإذا تناوله أحدهم أغلق على نفسه وبقي في بيته يتصور التصورات حتى قال بعضهم لما سألناه: ماذا تتصور؟ قال: يذهب الهم والغم، وهذا علامة أنه حدث في عقله شيء وفي ذهنه شيء وأنه فتر ولا نقول أنه أسكر فالله أعلم لكنه فتره وكل مفتر حرام.
القات يذهب المال؛ فإنه لا يبلغ الغصون البسيطة منه والقليلة ولا تؤخذ إلا بمئات الدراهم والدنانير، وكثير منهم افتقر وأصبح مملقاً وهذا لا يرضاه الله ولا رسوله، وهذا من الضرر، قال ﵊: ﴿لا ضرر ولا ضرار﴾ وقوله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والقات يقيناً من الخبائث المحرمة، وقد نص على تحريمه من علمائنا الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ وله منظومة وقصيدة رنانة طنانة في تحريمه ومقالة منثورة في تحريمه ورد على المهدي من علماء اليمن، وممن نص على تحريمه سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز وغيره من العلماء الأجلاء، فليعلم ذلك فإنه محرم، ومن فعله فقد أساء وتعدى وظلم وأخطأ في حق نفسه.
أما الدخان ففيه فتاوى مكتوبة ومسجلة وتكرر في المحاضرات كثيراً، فيكفي أنه محرم وأنتم تعرفون الحكم.
стр. 735
تفسير قوله ﷺ [فحج آدم موسى]
السؤال
كيف تفسر قوله ﷺ في الحديث: ﴿فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى﴾؟
الجواب
هذا الحديث متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿التقى موسى وآدم﴾ موسى ﵇ نبي بني إسرائيل وآدم ﵇ الذي هو أبونا، التقيا، أين التقيا؟ الله أعلم، قال بعضهم: في البرزخ، وقال بعضهم: في السماء، وهو الظاهر، لكن المقصود أنهما التقيا، فالتقى آدم وموسى وكان موسى شجاعاً جريئاً دائماً يحاور ويتكلم، ولذلك كلمه الله تكليماً ولم يكلم أحداً من الناس ﴿فقال موسى لآدم: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته خيبتنا وأخرجتنا من الجنة (يقول له: أكلت من الشجرة فخرجت فخرجنا معك، نحن في حياة المتاعب والذنوب والمعاصي والدموع والآلام والقلق والأرق بسبب أنك خرجت من الجنة) قال آدم: أنت موسى بن عمران الذي كلمك الله تكليماً واصطفاك بكلماته ورسالته وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت أن الله كتب علي الخطيئة؟ قال موسى ﵇: وجدتها في التوراة بأربعين سنة.
قال: أفتحاجني على شيء قد كتبه الله علي؟﴾ فأتى محمد ﷺ يتدخل بعد أن انتهى الحوار قال ﷺ : ﴿فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى﴾ أي: فغلب آدم موسى، فغلب آدم موسى، فغلب آدم موسى.
والقدرية يقولون: فحاج آدمَ موسى.
أي: يجعلون موسى هو الفاعل وآدم مفعول به، أي: أن الغالب موسى وقد كذبوا، حتى يقول بعض العلماء: يجادلون بين موسى وآدم كأنهم يجادلون بين جبري وقدري.
جل الله! وهذا لا نستدل به بالقضاء والقدر إلا في مسألتين:
مسألة المصائب: يقول ابن تيمية: نستدل بالقضاء والقدر في المصائب ولا نستدل به في المعايب.
يسقط ابنك من قصر ويتكسر تقول: بقضاء وقدر، وتمرض ابنتك فتقول: بقضاء وقدر.
لكن يسرق السارق في المعايب لا تقول: قضاء وقدر، ما لك سرقت؟ قال: قضى الله علي أن أسرق.
لا يصلي الفجر مع الجماعة فيقال له: ما لك لا تصلي؟ قال: قضى الله علي وكتب ألا أصلي.
سرق سارق في عهد عمر فقال: لمَ سرقت؟ قال: كتب الله علي أن أسرق، قال: علي بالسكين.
فأتوا بالسكين فقطع يده فقال السارق: لم قطعت يدي وقد كتب الله علي أن أسرق؟ قال: وأنا كتب الله علي أن أقطع يدك! فلا يستدل بالقضاء في المعايب، ويستدل به في ناحية أخرى إذا تاب الإنسان من الخطيئة وأقلع -وهذا ذكره ابن القيم - إنسان كان مسرفاً على نفسه، شاب كان غاوياً ثم اهتدى، قلنا: ما لك كنت غاوياً تتعاطى المخدرات؟ قال: كتب الله علي ثم تبت.
قلنا: صدقت -بعد أن يتوب- أما وهو في الخطأ فلا، فهذا هو معنى الحديث.
стр. 736
قطع النافلة عند إقامة الصلاة
السؤال
هل أقطع النافلة للفريضة؟ إنسان دخل المسجد وهو يتنفل ثم أقيمت الصلاة فهل يقطعها أم لا؟
الجواب
لأهل العلم رأيان، فقهاء المحدثين يقولون: يقطعها مباشرة؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة عند مسلم وغيره ﴿إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة﴾ وبعض العلماء من الحنابلة وغيرهم يقولون: إذا أقيمت الصلاة أتمها خفيفة، وأقول: إذا كان في آخر التحيات أو في آخر الصلاة النافلة فليتمها أما إذا كان في أولها فيقطعها ويبدأ في الفريضة؛ لأن حديث ﴿إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة﴾ نص في المسألة، ولا أعلم أن قطع النافلة إذا كان واقفاً له سلام، بعض الناس إذا قطع وهو واقف سلم عن يمينه ويساره، لا أعلم في ذلك دليلاً عنه ﷺ بل يقطع الصلاة ويدخل في الفريضة.
стр. 737
حكم النافلة وقت أذان الجمعة
السؤال
هل لمن دخل يوم الجمعة والمؤذن يؤذن أن يتنفل أم ينتظر حتى ينتهي الأذان؟
الجواب
الأصوب والأقرب للسنة أن يصبر حتى ينتهي المؤذن ليتابع المؤذن على أذانه ثم يدعو بالوسيلة ليكسب الأجر ثم لا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولا يجلس ولو كان الخطيب يتكلم يوم الجمعة حتى يصلي ركعتين، لقوله ﵊ في حديث جابر ﴿أن ابن قوقل دخل يوم الجمعة فأراد أن يجلس قال: أصليت؟ قال: لا.
قال: قم فصل ركعتين -وفي لفظ- وأوجز﴾.
стр. 738
التسوك باليسرى أم باليمنى
السؤال
هل السواك باليد اليسرى أم باليد اليمنى؟
الجواب
هذه مسألة سهلة يسيرة، والمسألة فيها سعة سواءً باليسرى أو اليمنى، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يختار في المجلد الواحد والعشرين من فتاويه أن السواك باليسرى، ويقول: هو من باب إزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليسرى، ويختار النووي أنها باليمنى؛ لأنه من باب التكرم والتطيب والتكرم والتطيب يكون باليد اليمنى، ويقول ابن حجر بين الاثنين: إن كان من إزالة الأذى فباليسرى وإن كان من التطيب فباليمنى، ونحن نقول: لا حرج، المسألة فيها سعة، ولو أنه يظهر من حديث عائشة تقول: ﴿كان ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره -وعند أبي داود - وفي سواكه وفي شأنه كله﴾ فالمسألة فيها سعة، والله يتولانا وإياكم لكن لما أورد السؤال أوردت الإجابة.
стр. 739
(صدق الله العظيم) بعد التلاوة بدعة
السؤال
قول صدق الله العظيم بعد التلاوة والانتهاء منها هل هو سنة أم بدعة؟
الجواب
بل بدعة، لم يصح عنه ﷺ ولا عن السلف الصالح، ولو أن الكلام في حد ذاته صحيح والمعنى صحيح، والله يقول في سورة عمران ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] فهو صادق ووعده صدق، وكلامه صدق، لكن هل ثبتت سنة بعد التلاوة؟ لا.
﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ كان يتلو ﷺ فلا يقولها ولا الصحابة ولا الأئمة ولا السلف فنقف مثلما وقفوا.
стр. 740
الحلف بالأمانة
السؤال
ما حكم الحلف بالأمانة؟
الجواب
الحلف بالأمانة شرك، كأن يقول: أمانتك أو أمانتي أو بالأمانة أو والأمانة هذا كله لا يجوز لقوله ﵊ في حديث حسن عند أبي داود ﴿إن الله ينهاكم أن تحلفوا بالأمانة﴾.
следующие страницы →