← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

الأذان يصدح في هيئة الأمم قالوا: ما هو الخبر الشيق الطريف، آخر الأخبار؟ قلنا: يوم أذن أحد المجاهدين الأفغان لصلاة الظهر في هيئة الأمم المتحدة، قبل ثمانية أشهر حضر وفد المجاهدين -أخبرنا بذلك أحد المجاهدين الذين قدموا في أبها - حضر وفدهم في مجلس هيئة الأمم، وفي هيئة الأمم أكثر من مائة وثمانين من ممثلي الدول، ولما حانت صلاة الظهر والمجاهدون بعمائمهم ولحاهم كأنهم خرجوا من المدينة رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ فلما حانت صلاة الظهر، قام جلال الدين حقاني أو غيره إلى الميكرفون في هيئة الأمم المتحدة وصدح بالأذان، فسمع العرب والعجم والسود والحمر والشقر والسمر، واسمع يا زمن واكتب يا تاريخ: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر.

стр. 7177

أحد المجاهدين يدعو ريجان إلى الإسلام من هؤلاء المجاهدين يونس خالص وهو شيخ مخضوب اللحية كبير، شارح العقيدة الطحاوية من قادات الجبهة الذين ردوا الملاحدة على أدبارهم خاسرين، دخل على ريجان رئيس أمريكا في البيت الأسود فقال له: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم كل أمريكي على وجه الأرض.

стр. 7178

النساء والصحوة يقولون: لماذا لا يحضر النساء الدروس والمحاضرات النافعة؟ قلنا: لأن أزواجهم لا يحضرون، وكثير من النساء لا يحضرون، وحضورهن فيه خير وبركة، وسعادة وتنبيه ووعي، وكثير من المدن والنواحي والمناطق بدأت الصحوة فيها عارمة، صحوة علمية راشدة في صفوف النساء، تتلقى تعاليمها من الكتاب والسنة الناهجة نهج محمد ﵊.

стр. 7179

أحسن هدية قالوا: ما هو أحسن هدية للصديق المسلم؟ قلنا: هذا الشريط الإسلامي. قالوا: قدم المصطافون أبها؟ قلنا: ضيوف الخير قد شرفتمونا بلقياكم ربوع الجو طابا فـ أبها من زيارتكم تباهت بثوب الخلد أطلقت الضبابا

стр. 7180

القضاء على الفراغ قالوا: كيف نقضي على الفراغ؟ قلنا: تذكروا قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] وقوله ﵊: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ وتذكروا قول الشاعر: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني

стр. 7181

العالم والأخطار والرزق قالوا: ما هو الخطر الداهم الذي يهدد العالم؛ هل هي المجاعة؟ هل هي البراكين؟ هل هي الزلازل؟ هل هو سباق التسلح؟ قلنا: الخطر الذي يداهم العالم هو الموت والساعة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] يقول ﵊: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ يقول الشاعر: هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب إلى الله نشكوا قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب

стр. 7182

التوكل على الله قالوا: العالم مهدد بالمجاعة، يصورون لك كأن ليس هناك إله، ولا رازق، ولا خالق، ولا متكفل بالخلق، حتى تجد بعض المغفلين حريصاً على اكتناز الحبوب والأموال، لعدم الثقة بما عند الله، ويخاف على ذريته وأولاده خوفاً عظيماً، كأن ما عنده من التوحيد ذرة. يقول المؤرخون: كان القاهر الخليفة العباسي من أطمع الناس في الأموال، أتى فحفر حفراً في الأرض -برك وخزنات- وملأها بالذهب والفضة، لم يتكل على الله، اتكل على ذهبه وفضته وخزاناته، فسلبه الله ملكه وماله، وخلعوه وسملوا عينيه واقتلعوها بالحديد والنار، فكان يقوم في مساجد بغداد يقول: من مال الله يا عباد الله؛ لأنه ما ركن إلى الله. قالوا: العالم مهدد بالمجاعة، قلنا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] يرزق النملة في جحرها ولا يرزقك.

стр. 7183

من عجائب النملة في الرزق النملة من عجائبها أنها تأخذ الحبة في الصيف، وتدري -بإذن الله- أنه سيأتي فصل الشتاء أربعة أشهر، النمل لا يخرج في الشتاء؛ لأن عنده رصيداً ومخازن وبيت مال ادخره فيه من الصيف، ويقولون: هناك ثلاث فرق: فرق الاستهلاك، والعاملات، والملكة، الاستهلاك هذه تنظم المخازن، الشعير على حدة، والبر على حدة، والعدس على حدة، والعاملات تنقل المؤن، وهذا موجود في مفتاح دار السعادة، والعلماء يقولون: هذا القول رد به موسى على فرعون، قال تعالى يحكي لنا هذه القصة: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠] أي: أعطى النملة خلقها ثم هداها، والنحلة خلقها ثم هداها. السؤال عند أهل العلم، قالوا: لماذا لا ينبت الحب الذي تأخذه النمل وتدخل به بيتها؟ قالوا: بإذن الله تأتي النمل، فإذا أدخلته أتت المستهلكات من النمل، خرقت الحبة من وسطها، فتصبح غير قابلة للإنبات ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].

стр. 7184

من عجائب النحلة في الرزق النحلة تأتي فتأخذ الرحيق من الزهرة، فإذا نقلْتَ الخلية عن مكانها، تأتي النحلة بهدى الله إلى الخلية، يقولون: عندها رموز، ترسل ذبذبة في الهواء إلى النحلات، فتستدعيها النحلات حتى تأتي إليها، يقول كريسي موريسون: عندها (أوريال) وعندها جهاز اتصال، قال سيد قطب: لا. عندها أعظم، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] هذه قدرة الله، فالذي رزق النحلة يرزقك وهو أعظم، يقول سبحانه في عموم لا خصوص له: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].

стр. 7185

العصفور والحية يقول أحد المؤرخين: مر أحد الصالحين فوجد عصفوراً يأتي إلى مزبلة فينقل منها اللحم والخبز ويذهب إلى رأس نخلة، والعصفور لا يعشعش في النخل، يعشعش في الشجر القصير، قال: فارتقيت إلى رأس النخلة فرأيت حية عمياء، فإذا أتى العصفور واقترب باللحم والخبز وصوص بصوته ففتحت فمها فألقى اللحم والخبز لها، من الذي سخر العصفور أن ينقل اللحم إلى هذه الحية في النخلة؟ قالوا: هناك ثلاث قضايا: أولاً: العصفور ليس من جنس الثعابين والحيات، فهو عدوها وهي عدوته؛ لكن سخره الله لها. الثاني: جعل الله الحية في رأس النخلة حتى لا تقتل في الأرض. الثالث: إذا اقترب وصوص لها ففتحت فمها، فأعطاها رزقها قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] انظر الاستثناء بالجزم والقطع (إِلَّا هُوَ) بالضمير، تحدٍ للعالم: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فسبحان من أعطى! وسبحان من هدى! وسبحان من خلق! ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] لا يعلم المستقر والمستودع إلا الله، يقول بعض المفسرين: المستقر هو: مكان البيتوته، لأن للنملة مكاناً للنوم، ومكاناً للطعام، فيقول الله عن المستودع هذا:: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] قالوا: المكان الذي تأكل فيه، والمكان الذي تنام فيه، وكذلك النحل وكل الحيوانات؛ لأنها ممالك، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الأنعام:٣٨].

стр. 7186

البسطة في الجسم قالوا: الكفار أكثر الناس أموالاً ودنيا, وهم أكثر من المسلمين. قلنا: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥].

стр. 7187

القوة بين المصارعين والمؤمنين قالوا: المصارعون أقوى الناس أجساماً. قلنا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]. لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير وتجد أكثر العباد والزهاد والصالحين ضعافاً، وتجد أكثر الفجار والمنافقين كالسواري، وهذا في العموم الغالب، وإلا فإنك تجد كثيراً من المؤمنين من أقوى الناس، يوقف بعضهم السيارة وهي تمشي. يقول الأستاذ علي الطنطاوي في المذكرات: عندنا شيخ في دمشق، سماه أظن في الجزء الثالث أو الرابع من مذكراته، يقول: من أعبد وأتقى وأصلح الناس، يقول: والله ما رأيت في حياتي أقوى منه بنية، ومن ضمن قصصه يقول: أتى فرس يقود عربية، ونزل بالعربية هذه في شارع ضيق نازل دمشق، والأطفال في آخر الشارع، والفرس مسرع، ومعنى ذلك أن الفرس إذا نزل بالعربية فسوف يحطم الأطفال ويسحقهم سحقاً، خرج النساء من أعلى الشارع من البيوت يصرخن: الله الله الله، لأن الفرس مسرع لا يدري أن هناك أطفالاً، والعربية محملة وراءه، قال: فخرج هذا الشيخ من بيته، واعترض للفرس، وأخذ يقول: الله الله، قال: فلما مر الفرس أمسك بالعربية، قال: والله إنه يتزحزح ويتزحزح الفرس معه حتى أوقف الفرس في منتصف الطريق، هذا من قصص البطولات، فالصالحون أقوياء، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، لكن هذا في العموم الغالب، وعمر كان من أقوى الناس.

стр. 7188

من عجائب المعتصم في القوة يقولون: كان المعتصم يأخذ السيخ الحديد ويكتب اسمه فيه، ويقولون: إن قواده وجنوده ربطوا أرجله بوتدين، فقفز من الوتدين فاقتلعها، وصعد على ظهر الفرس، ويقول أحمد بن أبي داؤد وذكر ذلك الذهبي، يقول: خذ ذراعي وعضه، قلت: أستحي منك وأنت أمير المؤمنين، قال: عضه، قال: فعضضته فكأنه الحديد، والله ما أثر فيه. قالوا: اليهود يهاجرون إلى فلسطين. قلنا: يسعى إلى حتفه بظلفه. لقيناهم بأرماح طوال ولاقونا بأعمار قصار

стр. 7189

القوة في الصحوة قالوا: على الصحوة الإسلامية ملاحظات. قلنا: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا شرف الأمة الإسلامية في هؤلاء الشباب، فهم رفعتها وعزها وكرامتها ومجدها، فاخرنا بهم في أمريكا يوم كانوا دعاة ملتزمين، وفي فرنسا وبريطانيا وفي كل دولة من دول العالم، أصبحوا تاجاً على رأس الأمة الإسلامية، هؤلاء الدعاة الأخيار مهما لاحظ الناس عليهم الملاحظات، فقد تجاوزوا القنطرة، وأصبحوا بحمد الله عدولاً بررة وأخياراً، وأصبحوا على نهج محمد ﵊، عناقهم شرف، والجلوس معهم كرامة، وتعليمهم ريادة، والاستفادة من دعائهم بركة ونور وهداية، والاستماع إلى نصائحهم إرشاد وفهم وفقه، إنهم ذخيرة الأمة من الشباب والشابات، لأن الصحوة الآن تسير مزدوجة بين الرجال والنساء، وعودة عارمة على صفوف الناس. في كتاب التنصير وهو لرجل أمريكي: اجتمع في بوسطن أمريكان مراقبون، فقالوا: الصحوة تجاوزت الناس، أي: إنها تجاوزت حدود الناس، وأقطار العالم العربي، أصبحت الصحوة في موسكو وبكين، وفي كل مكان. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس بشرى لهؤلاء الشباب، وبشرى لتلكم الفتيات المؤمنات المقبلات على الله، فتيات يكتبن الآن، ويحدثن في صفوف النساء، ويعظن ويربين ويرشدن، ويوجهن إلى الله، فاللهم زد وبارك: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].

стр. 7190

تنبيه لصوم عاشوراء أيها المسلمون! العاشر من هذا الشهر يوم عاشوراء، وأنتم مدعوون لصيامه عسى الله أن يتقبل منا ومنكم، ومن السنة أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده معه، اليوم العاشر والحادي العاشر، أو التاسع والعاشر؛ فإن من السنة صيام العاشر من هذا الشهر، لأن الرسول ﵊ صامه. وصامه الرسول ﷺ لأن اليهود كانوا يصومونه؛ لا متابعة لهم صامه اليهود لأنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، حين كان الصراع العالمي بين فرعون وموسى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] يقول أحد المفسرين: عجيب! أصبح فرعون داعية، فخرج موسى فالتقيا، فكانت المعركة في العاشر من المحرم، فقال ﷺ لليهود: ﴿نحن أولى بموسى منكم﴾ فصامه ﵊ وأمر الناس بصيامه، أتدرون ما جزاء من يصوم يوم عاشوراء؟ يكفر الله عنه سيئات السنة الماضية كلها، السنة اثنا عشر شهراً أي: ثلاثمائة وستون يوماً يكفر الله الصغائر، أما الكبائر فلابد من التوبة منها، فصوموا، ومروا أهلكم وأبناءكم وجيرانكم، وأخبروا الناس بهذا؛ لأن لك أجر من أخبرته، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، هذا عن يوم عاشوراء.

стр. 7191

الأسئلة

стр. 7192

الزنداني وسياف السؤال يقول: بعض الناس من المسلمين المصلين يسب بعض العلماء مثل الشيخ الزنداني، وعبد رب الرسول سياف؟ الجواب سبحان الله! هذان علمان وداعيتان ومصلحان، أما عبد المجيد الزنداني فرجل نفع الله به العالم الإسلامي، رجل أخرج إعجاز القرآن للعالم، وهدى به الله أدمغة كافرة كانت من أذكى الأدمغة، دكاترة وأصحاب درجات علمية هائلة كانوا يرون أنهم أذكى الناس، أتى هذا الرجل العملاق فغسل أدمغتهم بالإسلام، وأدخلهم في دين الله، هذا الرجل جند نفسه للدعوة في سبيل الله، محتسب فقير يجوب العالم الإسلامي ليلاً ونهاراً يدعو إلى سبيل الله، هذا الرجل يعيش القرآن أربعاً وعشرين ساعة، ويستخرج منه كنوزه، وينشره للعالمين، أفيكون جزاؤه أن يأتي هذا وأمثاله ويتكلم فيه؟! لا يضر البحر أمسى زاخراً إن رمى فيه غلام بحجر ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩]. أما عبد رب الرسول سياف فقائد يروي ملاحم خالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وصلاح الدين، وسياف الذي يسكن خيمة، ويجاهد أكثر من عشر سنوات، أوذي في عرضه، وسكب دمه ودموعه، وتغربل من أجل أن تبقى لا إلا الله، سياف حاصره الثلج ليلة من الليالي، فما استطاع أن يخرج إلى المجاهدين، فبقى يصلي ويبكي حتى صلاة الفجر، ويدعو الله بالنصر، سياف الذي قدم روحه ويتمنى الشهادة صباح مساء، ويكون جزاؤه هذا؟! إن هذا عدوان لا نرضاه، وهذا حرام، وهذا خطأ. إن هؤلاء العلماء لحومهم مسمومة، ولهم سياج من النور، وسياج من حماية الله ، ومن حصانة الواحد الأحد، فحذار حذار أن يأتي جافٍ أو سفيه، فيلغ في دماء هؤلاء، فإن مصيره عذاب من الله ، ونار تلظى، وسحق ومحق، وعاقبة وخيمة وردى في الدنيا والآخرة.

стр. 7193

الموت بالسرطان شهادة السؤال هل الذي يموت من مرض السرطان يعد شهيداً؟ الجواب بعض أهل العلم يقولون: السرطان هو مرض البطن، وأكثر ما يصيب مرض السرطان البطن، وأصحابه على هذا القول من الشهداء عند الله، والشهداء سبعة منهم: مريض السرطان الذي يصاب به صاحبه في البطن: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩].

стр. 7194

وصية للشباب السؤال يقول: ماذا توصي إخوانك الشباب؟ الجواب أوصيهم بتقوى الله، والتزود من النوافل، وكثرة قراءة القرآن الكريم، وتقديمه على غيره من الكتب، والتآخي فيما بينهم، وعدم التعرض للأحقاد الذي يثيرها إبليس بين الشباب، وأوصيهم أيضاً أن يجتهدوا في الدعوة إلى الله، وينشروا هذا الدين، جعلنا الله وإياكم من خدامه ومن أنصاره.

стр. 7195

شاعر زنديق السؤال يقول: ما رأيك في هذه الأبيات: إلهي ليس للعشاق ذنب ولكن أنت تبلو العاشقينا فتخلق كل ذي وجه جميل وتسبي به قلوب الناظرينا وتأمرنا بغض الطرف عنه كأنك ما خلقت لنا عيونا الجواب هذا كفر، هذه الأبيات كفر، وقد تعرض لها كثير من العلماء، وأورد ابن الجوزي في صيد الخاطر أبياتاً شبيهة بها، يقول: أيارب تخلق ألحاظ حور وأغصان رند وكثبان رمل وتنهى عبادك أن يعشقوا أيا حاكم العدل ذا حكم عدل استغفر الله، هذا لكافر غضب الله عليه إن لم يكن تاب. وأحدهم قالوا له: تب من حب هذه، قال: أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب أستغفر الله! يقولون: بلغت أحد العلماء فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، قالوا: مالك؟ قال: والله إني أذنبت في شبابي ذنباً ما زلت أستغفر منه ثلاثين مرة. فكيف يقول هذا: لا أتوب؟! وشاعر آخر والعياذ بالله، أتى الناس، فلما اجتمع الحجاج، وأصبحوا يطوفون بالبيت، وهم يبكون حول بيت الله ، ويسيلون دموعهم الحارة، قال: قف بالطواف تر الغزال المحرما حج الحجيج وعاد يقصد زمزما لو أن بيت الله كلم عاشقاً من قبل هذا كاد أن يتكلما ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. عمر بن أبي ربيعة هذا الشاعر يقول: وغاب قمير كنت أرجو غيابه وروح رعيان ورقد سمر يصف الليل، فأتى الخبر سعيد بن المسيب وهو يستغفر في مسجد الرسول ﷺ ، سعيد الذي أذن المؤذن من أربعين سنة وهو في المسجد، قال: قاتله الله! صغر القمر والله عظمه في القرآن، يقول الله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]. أيها الإخوة الفضلاء: الحق والباطل في صراع، أدب إسلامي وأدب كافر، خطابة إسلامية وخطابة كافرة، صحافة إسلامية وصحافة كافرة، حتى في الرسم، هناك رسم إسلامي ورسم كافر، حتى الأزياء، وهيئة البيوت، إن من الغزو الهندسي في العالم الإسلامي أن ترسم البيوت على هيئة بيوت الأوروبيين، ليس هناك ستارة بين الرجال والنساء، بعض البيوت تبنى الآن على شكل بيوت أوروبا والأمريكان، بيت مفصل أجنبي، فإذا خرجت المرأة من هناك رآها الرجل داخل المجلس، ويقولون: الأمر سعة وحرية، أما أن يكون النساء في جهة والرجال في جهة، فما سمعنا أن رجلاً أكل امرأة، الرجال لا يأكلون النساء. نقول: لكن الله أمر أن يفصل بين الرجال والنساء إلا فيما أباح الله، فاتقوا الله عباد الله، وتعالوا إلى هذا الدين، فإن فيه الكفاية والريادة والخير والسعادة، ومن لم يكفه الدين فلا كفاه الله، ومن لم يشفه الإسلام فلا شفاه الله، ومن لم يتعاف بصحة هذا التراث فلا عافاه الله. أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين, فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

стр. 7196

الشهادة في سبيل الله كان زيد بن حارثة مولى الرسول ﷺ ، ولم يذكر أحد من الصحابة في القرآن إلا زيد بن حارثة، وقد سبته إحدى القبائل في الجاهلية، ثم أسلم على يد النبي ﷺ ، وقد اختار النبي ﷺ وقدمه على أبيه وأعمامه. وفي الإسلام كان له مشاركة عظيمة، ففي مؤتة كان قائداً للمعركة وقتل شهيداً فيها. ثم جاء بعده ابنه أسامة، فكانت منزلته عند الرسول كمنزلة أبيه. ثم تطرق في حديثه إلى امتنان الله على هذه الأمة، فجعل لها خصائص تختص بها عن جميع الأمم.

стр. 7197

منزلة الشهادة في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ . أحيي هذ الوجوه التي لا ترى إلا في الخير, قدَّمكم الله وأخَّر غيركم, وأكرمكم الله وأهان غيركم, فإن المهان كل الإهانة هو الذي لا يتصل بالله , وهو الذي لا يعفر وجهه ساجداً لله, وهو الذي يصاب بالإهانة كل الإهانة، وهو الذي يفقد قوامه لهذا الدين. أنتم تصلون وتستمعون آيات الله البينات التي أنزلت على محمد ﷺ وأنتم صفوف، وغيركم في المنتزهات والملاهي والمقاهي يستمعون الأغاني الماجنة, ويستمعون العهر, وكل ما يدعو إلى الفاحشة ويبعدهم عن الله . أنتم في روضة من رياض الجنة, وغيركم في مجلس من مجالس الشيطان أنتم تظلكم الملائكة، وتحفكم السكينة، وتغشاكم الرحمة، ويذكركم الله فيمن عنده, وغيركم تحفهم الشياطين، ويغشاهم الغضب والسخط؛ لأن كل من ابتعد عن هذا الدين أصابه الله بقارعة، يقول : ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦]. فالمقصود -أيها الأبرار- أن المسلم لا بد له أن يتذكر نعمة الله عليه, كثير من الناس في نعمة الله, مستقيم ويحافظ على الصلوات لكنه لا يشعر بهذه النعمة حتى يذوق الضلال ومرارة البعد عن الله , ثم يرده الله إليه. معنا في درسنا هذا زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة من سادات الشهداء عند الله , وأما أسامة بن زيد فله حديث عندنا هنا في الوضوء.

стр. 7198

الدين يرفع زيد بن حارثة زيد بن حارثة هو مولى للرسول ﷺ , لم يذكر أحد من المسلمين في القرآن باسمه إلا زيد بن حارثة، فَلَمْ يُذكر في القرآن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا خالد، وإنما ذكر في كتاب الله زيد بن حارثة يتلى إلى قيام الساعة. كان رقيقاً, ليس له قيمة عند قريش, فالجاهلية تدوس الإنسان كما تدوس أنت التراب, الجاهلية لا تعبد إلا القيم, والمناصب, والجاهات, والشارات، والأوسمة, فلما جاء محمد ﷺ كرم الإنسان وعرف قيمته. أحد الناس -ولا أريد أن أستشهد بأبياته في مثل هذا الموقف؛ لأنه أعمى القلب والبصر لكن لا بأس, يقول علي ﵁: [[الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها]] هذا الأعمى هو البردوني شاعر اليمن , أعمى القلب والبصر, كان في شبابه يمدح الإسلام لكنه انتكس, يقول في بعض العصاة الفجرة المردة على الله: قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا مهلاً فديت أبا تمام تسألني كيف احتفت بالعدى حيفا أو النقب إلى آخر ما قال. إنما المقصود أن الذي لا يرفعه الله لا يرتفع أبداً, فـ زيد بن حارثة أتى إلى هذا الدين، ووضع كفه في كف محمد ﷺ ؛ فأعطاه ﷺ درساً من التربية لا ينساه أبداً. أتى أبوه وعمه إلى محمد ﷺ يريدونه؛ لأن زيد بن حارثة فارق أهله وهو صغير, سبته قريش في الجاهلية, فأخذته وأدخلته معها في دينها وفي طاغوتها وأصنامها, فلما دعا ﷺ إلى لا إله إلا الله, كان أول من استجاب له العبيد، والرقيق، والضعفاء، والمساكين. يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب نسأل الله أن يجعله شهيداً، يقول: إن هذا الدين خال من الطلاء -أي: ليس هناك دعايات على الدين- من أراد الدين يأتي للدين لنفس الدين، أي: ينقاد من نفسه, فليس هناك دعايات مغريات كما تفعل الشيوعية أو النصرانية أو اليهودية أو البابية أو البوذية التي تدعو وتضخم وتقول: عندنا وعندنا!! فإذا أتيت إليها وجدتها هباءً منثوراً, لا تجد منها شيئاً, إنما الإسلام ينصب نفسه، ويقول: من يريدني فليأتِ, سواء أكان الآتي ملكاً أو وزيراً أو غنياً أو فقيراً. يقول سيد قطب: إن هذا الدين خال من الطلاء, من أراده أتاه لذاته, فأتى زيد بن حارثة، ووضع كفه في كف رسول الله ﷺ , فعلمه ﷺ ورَّباه, وما ظنكم بإنسان كأنه أبوه, كان يدعى زيد بن محمد , ومن لطافته ﷺ أنه ما أثار ولا خدش ولا جرح شعور إنسان رافقه في الحياة الدنيا ولو بكلمة, حتى أعداؤه من الكفار, ونتحدى أن يأتينا عدو من أعداء الإسلام بكلمة نابية قالها ﷺ لأعدائه, فهذه كتب الحديث والسيرة والتراجم, تعالوا بكلمة واحدة نابية مؤذية أو جارحة للشعور قالها ﷺ حتى لأعدى أعدائه, فقد بُصِقَ في وجهه ﷺ , ونُثر التراب على وجهه, وأُهينت كرامته في الحرم وضربت بناته, وطرد من دياره, وقوتل وأوذي وسُب, وشُهِّر في كل مكان, وما قابل ذلك إلا بالسكوت وبالصمت وبالحكمة وبالأناة وبالحلم، حتى يقول الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. من يتحمل مثلك هذه الأمم؟ من يستطع مثلك أن يشق طريق الحياة بعزم وتصميم وخلق حسن؟ ويقول سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فجاء أبو زيد بن حارثة , وجاء أعمامه, وكانوا يُعلنون عنه في سوق عكاظ: من وجد ابن حارثة؟ -والجريدة التي اسمها عكاظ سميت باسم سوق عكاظ آنذاك- فقال لهم رجل: أنا وجدت غلاماً اسمه زيد يمشي مع الذي ادعى النبوة، دائماً يمشي معه, فأتى أبوه وعمه وإخوانه ودخلوا على رسول الله ﷺ , وأول ما رأوا الرسول ﷺ انشجروا، أي: تصوروا أن العرب يعيشون في الصحراء في مكة تحرقهم الشمس فتؤثر في أبدانهم وألوانهم إلا الرسول ﵊, فكأنه أتى من السماء, وجهه كالقمر ليلة البدر, حتى من رآه يعرف أنه ليس بكذاب, حتى اليهود قالوا ذلك, فلما رأوا الرسول ﷺ خجلوا, كان قصدهم أن يضاربوا ويصارعوا من أخذ ولدهم, لكن لما رأوه ﷺ وجلوا وخافوا, فقالوا: هذا ابننا, قال ﷺ : ﴿أهذا أبوك؟ قال: نعم. قال: وهذا عمك؟ قال: نعم. قال: اختر إن شئت أن تذهب إليهم فاذهب، وإن شئت أن تبقى معي فابق معي, فدمعت عينا زيد , وقال: يا رسول الله! أتتركني؟ قال: أنت بالخيار، إن تردني فأنت معي, قال: والله لا أريد إلا أنت في الدنيا وفي الآخرة. فبكى ﷺ , وقال: أنت معي, قال أبوه: أنا أبوك, وقال عمه: أنا عمك, وقال إخوانه: نحن إخوانك، كيف تتركنا وتذهب إلى محمد؟ قال ﷺ : قد قلت لكم: إن أرادكم فليذهب معكم، وإن أرادني فليبق معي, قال: لا أريد إلا أنت يا رسول الله﴾. فذهب مع رسول الله ﷺ , واستمرت به الحياة, وطالت به حياته وأيامه التي لا تنسى مع الرسول ﷺ , ما كان يغضبه أبداً, بل كان -كما في السيرة- ما قام ﷺ إلا لقلائل من الناس, فما كانت عادته أن يقوم ﷺ من مجلسه. يأتي بعض ملوك العرب وفيهم من الكبر والعتو، ويريدون أن يقوم لهم الرسول ﷺ فلا يقوم, يسلمون ويجلسون هنا وهنا, فإذا أتى زيد بن حارثة قام ﷺ ، وشق الصفوف، وعانقه وأجلسه بجانبه, لماذا؟ ليخبر الرسول ﷺ الإنسانية أن هذا الدين دين قيم وأخلاق وتعامل, لا دين مناصب ووظائف وشارات وأوسمة.

стр. 7199

استشهاد زيد بن حارثة في معركة مؤتة أتت معركة مؤتة التي في الأردن في معان -وسوف أسوق لكم هذا لأجل الشهادة التي تليت، نسأل الله تعالى أن يشرفنا بالشهادة، وأن يتوجنا بتاجها, فإن من سأل الشهادة أعطيها ولو لم تصبه, إذا سألتها بصدق ولو لم تمت شهيداً أعطاك الله الشهادة ولو مت على فراشك- فأتت معركة مؤتة، وحضر الصحابة رضوان الله عليهم, بنو هاشم وبنو عبد شمس, أعظم أسر في الدنيا وفي الكرة الأرضية, ما خلق الله في المعمورة، لا في آسيا ولا في أفريقيا ولا في استراليا ولا في أوروبا ولا الأمريكتين أعظم من بني هاشم وبني عبد شمس, فأتوا لأنهم يسمعون من الرسول ﷺ أنه يريد أن يجهز جيشاً، فيريدون أن يكونوا قواداً, ليشرفهم ﷺ بأن يعطيهم الراية, فخطب ﷺ ، وأخبر أن الروم أصبحوا في بلد معان في الأردن , وأن عدد الروم ما يقارب مائة وثمانين ألفاً, فاختار ثلاثة آلاف من الصحابة إننا نقاتل بالحفنات لكن معنا لا إله إلا الله والأعمال الصالحات، نحن لا نقاتل الناس ببشر، ولا بكثرة معدات وإنما نقاتلهم بلا إله إلا الله مع الإعداد, فلما جهز ﷺ ثلاثة آلاف, قال: ﴿من نولي عليكم؟﴾ كلٌ رفع رأسه, الإمارة محبوبة وطعم، وهي أشهر من هاروت وماروت, ولذلك فإنك تجد حتى الأطفال في البيت وهم صغار يحبون الإمارة وهم في الصغر, إذا قلت: من يفتح الباب؟ يتقافزون على فتح الباب, لأن الإنسان يريد الناموس, فسكت بعضهم وبعضهم استشرف, فقال: ﴿قم يا زيد بن حارثة﴾ -والرسول ﷺ مما علمه الله أن زيد بن حارثة سوف يقتل- قال: ﴿فإذا قتلت فليتول بعدك جعفر بن أبي طالب. فقام جعفر , قال ﷺ : وأنت يا جعفر إذا قتلت فليتول بعدك عبد الله بن رواحة﴾ وذهب الجيش، وودعوا الرسول ﷺ . وبدأت المعركة، ولبس زيد بن حارثة أكفانه؛ لأنه أراد ألا يعود مرة ثانية, وولّى وجهه شطر الأعداء، وأخذ يقاتل من الصباح إلى قبيل الظهر, حتى كلّت يداه من كثرة الضرب, وفي الأخير ضُرِبَ ﵁ وطعن ووقع شهيداً على الأرض, والرسول ﷺ في المدينة، والمعركة في معان قريب مؤتة في الأردن , والرسول ﷺ يعيش لحظات المعركة, لحظة بلحظة وحركة حركة, وسكنة سكنة، يطلع عليهم, فلما قتل زيد بن حارثة التفت ﷺ ، وبكى وبجانبه أسامة ولد زيد، فدعاه ﷺ وقبّله، فقالوا: ما لك يا رسول الله؟ قال: ﴿شوق الحبيب لحبيبه. قالوا: أحدث شيء؟ قال: قتل زيد بن حارثة﴾. وأخذ الراية جعفر ﵁، أأخذها ليستميت؟ لا. تناول السيف وأخذ الراية ﵁، وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليّ إن لاقيتها ضرابها ثم أخذ يضارب حتى قرب العصر, ثم قطعت يده اليمنى، ثم أخذ الراية باليسرى, فقطعت اليسرى, فضم الراية, فضرب بالرماح على صدره ﵁ فوقع شهيداً, فقال ﷺ ، وهو يبكي: ﴿وأخذ الراية جعفر فقتل وأبدله الله مكان يديه جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء﴾ ثم قام من مجلسه ﷺ , وأتى إلى أبناء جعفر في بيتهم مع أمهم أسماء بنت عميس الخثعمية , فقال ﷺ : ﴿أين أبناء أخي جعفر؟ وهو يبكي, فأخذت تولول وتبكي، عرفت أن في الأمر شيئاً, فقالت: يا رسول الله! قتل جعفر؟ قال: نعم, قالت: من أبونا إذاً؟ قال: أنا أبوكم بعد أبيكم، أنا وليكم في الدنيا والآخرة﴾ ثم أخذ ﷺ أطفاله، وأخذ يضمهم ويقبلهم ﵊. وعاد إلى مكانه ليتابع ما تنتهي إليه المعركة, فأخذ الراية عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه وكان صائماً, ومع الغروب دعي إلى أن يأخذ الراية فتلكأ, لأنه يريد أن يفطر على شيء, لأنه جائع من الصباح, فناولوه قطعة لحم فأخذ يأكل فما استساغها؛ يرى الرايات تتكسر والسيوف تتحطم, والرماح وشظايا السلاح تتدفق على رءوس الناس معركة طاحنة اشتدت قبل صلاة المغرب, وهو القائد المعين من الرسول ﷺ ليأخذ مكانه, فألقى العظم هذا, ولم يأكل شيئاً, وقال: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة ثم قتل ﵁ وأرضاه, فرفع الله هؤلاء الشهداء, وقام ﵊ على المنبر، وقال: ﴿لقد ارتفعوا على أسرة من ذهب، ودخلوا الجنة وفي سرير ابن رواحة ازورار﴾ ﵃ وأرضاهم. هذه هي الشهادة, وهذه هي أعظم المنازل بعد منزلة النبوة, وعلى المسلم أن يتشرف لها دائماً، وأن تكون همته عالية, لأن أي حياة ليس فيها طلب شهادة أو طلب استقامة أو طلب تضحية أو طلب فداء فهي حياة بهائم، نسأل الله العافية!

стр. 7200

أسامة بن زيد يتولى قيادة جيش المسلمين أما ابنه أسامة ﵁ وأرضاه فقد عاش مع الرسول ﷺ مدللاً, حتى كان ﷺ يمسح على رأسه ويلاعبه، ويقول له: ﴿لو أن أسامة جارية لحليته بالذهب﴾ عاش أسامة وكان كأبيه يصلح للقيادة ﵁, ولاه ﵊ القيادة وعمره ثمان عشرة سنة, فلما ولاه القيادة أتدرون من الجيش أو من الجنود؟ كان عمر بن الخطاب، الذي تهتز له الدنيا تحت قيادة أسامة بن زيد، ومعه عثمان، وعلي، وخالد بن الوليد والسادات الكبار, فلما ذهبوا أخذوا يتكلمون بينهم ويقولون: يولي علينا ﷺ هذا الغلام؟! فأخذ الكلام يدور فيما بينهم حتى وصل الكلام أسامة ﵁ وأرضاه, فذهب إلى رسول الله ﷺ تترقرق دموعه، يقول: ﴿يا رسول الله! نقموني في إمارتي، وقالوا: إني لست أهلاً. فجمعهم ﷺ ، وقال: نقمتم على أسامة إمارته، والله لقد كان خليقاً بالإمارة، وإن أباه قبله خليقاً بالإمارة﴾ أي: أنه أهل لها وكفء.

стр. 7201

أسامة بن زيد يشفع للناس عند الرسول عاش ﵁ وأرضاه حتى كان الناس يتشفعون به في حوائجهم إلى الرسول ﷺ , فقد كان يقبل منه لأنه كان قريباً منه, ومن ضمن الشفاعات التي شفع فيها أسامة بن زيد: القصة التي في الصحيحين عن عائشة في قصة المخزومية التي سرقت، وهي امرأة من بني مخزوم, وبنو مخزوم أسرة أبي جهل وخالد بن الوليد، كان الناس يمشون على الأرض وهم يمشون في الهواء من الكبر, حتى يقول معاوية ﵁: [[لا تجدوا مخزومياً إلا متكبراً إلا من أصلحه الله بالإسلام كـ خالد]] أما هم في الجاهلية فما كانوا ينظرون إلى الناس, أسرة قوية كانوا يكسون الكعبة سنة, وقريش كلها تكسوها السنة الأخرى, كان الذهب عندهم يقسم بالفئوس, فلما أتى الإسلام أتت امرأة منهم كانت ذكية، تستعير الحلي من جارتها من ذهبها وفضتها، فإذا مكثت عندها شهراً جحدت، وقالت: ما استعرت منك شيئاً, فطال الأمر وانتشر الخبر بين الناس, وفي الأخير شكوها إلى الرسول ﷺ , فأتي بها، فأقرت واعترفت أنها كانت تستعير الحلي وتجحده، فقال ﷺ : ﴿لا بد من قطع يدها﴾ فسمع بنو مخزوم فقامت قيامتهم, قامت الحرب العالمية الثالثة!! قالوا: كيف يقطع يد امرأة منا؟ كيف نخرج عند العرب بعدها؟ وكيف نجالس؟ ومن الذي سوف يرفع لنا ذكرنا بعدها؟ فأرادوا التوسط في القضية, فقالوا: لا نرى إلا أسامة بن زيد ذاك الشاب الحبيب عند الرسول ﷺ , فورطوا أسامة ﵁ وأرضاه, فتورط وذهب إلى الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! أرى أن تسامح وتعفو عن المخزومية، فقال ﷺ : ماذا تقول؟ قال: أرى أن تعفو عن المخزومية، قال: التي تجحد العارية؟ قال: نعم. قال: أتشفع في حدٍ من حدود الله؟ ثم تغير وجهه ﷺ ، وأخذ يرفع صوته على أسامة , ثم جمع الناس وارتقى المنبر، وقال: أيها الناس: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد -وحاشاها أن تسرق- سرقت لقطعت يدها﴾ ثم قام ﷺ فنفذ فيها الحكم. واستمر أسامة، ثم توفي ﵁ وأرضاه فيما بعد، وقد رزقه الله المراتب العالية في خدمة هذا الدين, وشَّرفه، ورفع ذكره, وأخفض الله ذكر أعدائه من أبي جهل وأبي لهب، فلا يذكرون أبداً إلا بالخسة والحقارة والمهانة.

стр. 7202

فضل الوضوء معنا درس لطيف خفيف، وهو قول الإمام البخاري: باب فضل الوضوء, والغر المحجلون من آثار الوضوء. وليس معناه: باب فضل الوضوء والغر المحجلون، كان يقول: الغر المحجلين, لكنه قطع الكلمة وجعل فاصلة ثم بدأ (والغر) مبتدأ، وصفته (المحجلون) من آثار الوضوء، أي: ما لهم من الثواب، وخبره محذوف. قال: عن نعيم المجمر -سمي مجمراً لأنه كان يجمر المسجد في عهد أبي بكر وعمر , أي: كان يبخر المسجد- قال: رقيت مع أبي هريرة ﵁ على ظهر المسجد فتوضأ، فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء, فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾ في الحديث قضايا:

стр. 7203

المراد بقوله ﷺ : أمتي ؟ والمراد بقوله ﷺ : ﴿إن أمتي﴾ هي أمة الاستجابة وليست أمة الدعوة, أي: التي أجابت الرسول ﷺ وأطاعته واتبعت هداه، هذه هي المقصودة في الحديث, أما أمة الدعوة فتشمل الذي استجاب والذي لم يستجب, فاليهود والنصارى والمجوس والشيوعيون وغيرهم يدخلون في أمة الدعوة, فإنهم مدعوون, وأما أمة الاستجابة فهي كهذه الأوجه النيرة الباسمة من أمة الاستجابة التي استجابت للرسول ﷺ .

стр. 7204

بعض خصائص أمة محمد ﷺ يقول ﵊: ﴿إن أمتي يدعون﴾ أي: ينادون على رءوس الأشهاد تشريفاً وتعظيماً واحتراماً لهم ﴿يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء﴾ إن لأمة محمد ﷺ من الخصائص أكثر من مائة خصيصة أو ميزة تمتاز بها عن غيرها من الأمم. الميزة الأولى: أن توبتنا في الاستغفار والندم والإقلاع, أي: أننا إذا عصينا الله وأردنا أن نتوب فما علينا إلا أن نندم ونستغفر ونتوب إلى الله , أما من كان قبلنا فتوبتهم أن يقتلوا أنفسهم, كما قال في بني إسرائيل, ولذلك لما عبدوا العجل أوحى الله إلى موسى أن استدع منهم سبعين ليلاقوا الله , فاستدعى من خيارهم سبعين, فلما كلمهم الله , قال: عودوا وتوبوا وتوبتكم أن تقتلوا أنفسكم. فحضر بنو إسرائيل كلهم جميعاً، وأخذوا السكاكين في أيديهم، وأنزل الله عليهم غماماً من السماء (سحابة) حتى غطت على رءوسهم فلا يرى بعضهم بعضاً، فأصبحوا مثل الليل, فأخذ الإنسان يقتل أخاه وأباه وعمه وخاله وقريبه, وأخذت المرأة تقتل زوجها حتى تقاتلوا جميعاً, قال بعض المفسرين: فقتل منهم سبعون ألفاً هذه هي توبتهم. أما نحن فنتوب ونستغفر الله مهما فعلنا, فمن يذنب في الإسلام فما عليه إلا أن يتوب ويستغفر, ومن يشرب الخمر, ومن يشرك, ومن يفعل الأفاعيل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. الميزة الثانية: أن أول أمة تحاسب يوم القيامة هي أمة الرسول ﷺ , يقول ﷺ : ﴿نحن الآخرون السابقون يوم القيامة﴾ الآخرون، أي: آخر الأمم، لكن نأتي يوم القيامة سابقين بإذن الله , نحاسب قبل الناس وندخل الجنة قبل الناس. هذه امرأة أعرابية تمتدح جملها, تمشي في آخر القافلة، ولكن إذا وصلوا منازل القرى وصلت قبل الجمال، تقول: من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول فيقول ﷺ : ﴿نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا﴾ , فأول من يحاسب أمة محمد ﷺ . يقول البوصيري في قصيدته التي لخبط فيها, والبوصيري صوفي أتى بشركيات وبدعيات، لكنه أتى بأبيات جيدة, فما مثله إلا مثل من يأتي بالدر فيجعله في المزبلة ثم يخلطه يقول: بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم الميزة الثالثة: تفضيلهم بيوم الجمعة, فليس هناك أمة من الأمم لها يوم الجمعة إلا نحن والحمد لله, أضل الله أهل الكتابين عن يوم الجمعة, أرادوا يوم الجمعة فأضلهم الله عنه وأعماهم؛ لأنه لا يريد لهم فلاحاً, فأما اليهود فأخذوا يوم السبت، والنصارى أخذوا يوم الأحد. ومن النكات العجيبة التي سمعنا بها أن بعض المسلمين في أمريكا لما دخلوا الإسلام أرادوا أن يتعاطفوا مع الشعب الأمريكي؛ لأنهم قريباً دخلوا في الإسلام، وليس عندهم فقه في الدين, قالوا: نريد أن تنقلوا لنا صلاة الجمعة إلى يوم الأحد! من أجل أن يكون العيد والعطلة واحداً؛ لأن الأمريكان كلهم يشتغلون في يومي الجمعة والسبت ولا يعطلون إلا يوم الأحد, فقالوا: ما رأي السماحة وأصحاب الفضيلة في نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد، أفتونا مأجورين؟ هذا فقه عجيب! يقولون: شريك بن قرة أحد العرب، وكانوا يذكرونه مثل ابن الجوزي وغيره, يقولون: صلّى الجمعة بأعراب في خراسان يوم الإثنين -والعهدة على الراوي- لكن لا ندري أهو صحيح أم لا؟! فوقف شريك بن قرة على المنبر, يقول ابن الجوزي: وقف على المنبر وكان عامياً لا يعرف شيئاً لا من الكتاب ولا من السنة وهو من أجهل الناس, لكنه غلب أهل خراسان بالسيف، فلما ارتقى إلى المنبر، قال: صدق الله : اعملي أم خالد رب ساع لقاعد . فهذا بعض الفقه العصري يصل إلى هذه المرتبة. الميزة الرابعة: ومن الميز لأمة محمد ﷺ : الوسطية، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً، وهو الراجح عند أهل العلم؛ لأن بعض الناس يقول: وسط أي: أفضل؛ لكن ليس هذا هو الوسط, والوسط: هم العدول أو الخيار ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أعدلهم, وقيل: أخيرهم, وقيل: وسطاً، أي: أنكم متوسطون، وذهب إلى هذا سيد قطب , وأنا أدعوكم إلى مراجعة هذه الآية في ظلال القرآن، فقد أتى بتفسير عجيب ما سمع الناس بمثله, يقول: نحن أمة وسط في الأفكار والشعور, لا نميل مع أهل الخيال بخيالهم، ولا نميل مع أهل الجمود في جمودهم, ونحن أمة وسط في العبادة، لا نميل مع أهل الشهوات كاليهود فنترك العبادة، ولا نميل مع أهل الصوامع والرهبنة كالنصارى فتقتلنا العبادة, ونحن أمة وسط في الجمال والروعة والفن, وفننا وروعتنا الواقعي يوافق الحس والعقل, ولا نميل مع أهل الخيال الجامح الذين يرسمون الخيالات ويظنون أنها أمجادهم, لأن الرسامين في إيطاليا وأسبانيا وغيرها هم عندهم كأنهم ملائكة نزلوا من السماء, أهل رسم وأهل فن؛ لأنه ليس لهم رسالة في الحياة. قال: ونحن وسط في العقيدة؛ فنعظم الله كل التعظيم, ونقدر الرسول ﷺ ونحترمه, لكن لا نقدسه ﷺ ، ولا نرتقي بمكانته مرتبة النبوة كما فعل النصارى، ولا نذمه ﷺ ، ولا نطرحه، ولا نقتل أنبياءنا كما فعل اليهود. فالوسط هم أمة محمد ﷺ .

стр. 7205

معنى الغرة والتحجيل في الوضوء قال ﷺ : ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً﴾ الغرة: هو البياض في وجه الفرس, تقول العرب للفرس: الأغر، إذا أتى البياض في وجهه مستديراً أبيض وباقي جسم الفرس أسود أو أحمر, وإذا أتى في يديه ورجليه، قالوا: أغر محجل, فيقول ﷺ : ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين﴾ لأننا نتوضأ ونغسل وجوهنا, فمكان الوضوء الذي يصله الماء يأتي يوم القيامة أبيض كالبدر, من كل أمة محمد ﷺ , أما الأمم الأخرى فتأتي عادية, اليهود ألوانهم تعرف فلا يأتي عليهم غرة, والنصارى ليس عندهم تحجيل, ولكن النبي ﷺ يعرف أن هذه أمته، فيستدعيهم ويرحب بهم ﷺ ، ويردهم الحوض المورود، ويسقيهم ﵊. يقول ﷺ : ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء﴾ أي: على أثر الوضوء, أو بسبب الوضوء, ثم قال: ﴿فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾ وكأن كلمة (من استطاع أن يطيل غرته فليفعل) من كلام أبي هريرة , قال بعض الحفاظ من المحدثين: كلمة (من استطاع منكم أن يطيل غرته) من كلام أبي هريرة! أي: ليست من مشكاة النبوة، إنما من كلام أبي هريرة ﵁ وأرضاه. وكان أبو هريرة إذا حدث في بعض الأحاديث وزاد فيها قال: هذه من كيسي, وهكذا ذكرها أهل التراجم مثل صاحب كتاب الدفاع عن أبي هريرة. فالمقصود من الحديث: أن الرسول ﷺ يندبنا إلى أن نعتني بالوضوء ونكمله, وأن نحرص على هذه الشعيرة؛ لأن الغرة تأتي على قدر ما في الوجه ﴿محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾. يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾ قيل: أنه يطيل ويبالغ في الغرة أو يوسعها؛ كأن يتوضأ إلى الكعب، وقال بعض أهل العلم: ليست الغرة في الوجه إنما الغرة في اليدين والرجلين، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته في يديه ورجليه, لكن التحجيل في اليدين والرجلين والغرة في الوجه, لكن هذا كأنه من حمل بعض الشيء على بعض, ومقصود أبي هريرة أن من استطاع منكم أن يطيل غرته، أي: يبالغ في الوضوء, ويزيد هنا وهنا, فعليه أن يفعل, وهذه السنة كان يفعلها أبو هريرة ﵁. قال نعيم المجمر: رقيت مع أبي هريرة على سطح المسجد، فرأيته يتوضأ فرفع ثيابه حتى بلغ الكتفين، ثم توضأ إلى العضدين, قال: فسألته, فقال: إن الرسول ﷺ يقول: ﴿إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا ًمحجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل﴾. ما هو موقف أهل العلم من رواية: ﴿من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل﴾ هل هي معتبرة أم لا؟ الصحيح أن هديه ﷺ أنه كان يرفعه عن الكعبين والمرفقين, لكن ما كان يبلغ به الكتفين ﵊, وهذا من فعل أبي هريرة , فنحن نأخذ بما رأى، أي: بما نقل إلينا من الرسول ﷺ , ولا نأخد بما رآه هو أو بما استنبطه ووجده واستنتجه من النص, لأن كثيراً من الصحابة يروون أحاديث ويفسرونها، فنأخذ بالرواية ولا نأخذ بالتفسير إلا إذا كانت صحيحة. يقول شاعر الشام يمدح الوضوء وأهل الوضوء: توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا بلال مات ﵁, لكن يقول: قل لبلال قلبك إذا توضأت وأنت على الفراش، والنوم على أجفانك، وسنة النوم تداخل في كراك, وأنت تسمع داعي الله على المآذن، والبرد شديد وقارس, والفراش وثير، واللحاف دفيء وتسمع: (الله أكبر) والشيطان يقول: نم, فتريد أن تقوم, فيقول: نم, فتريد أن تقوم, والشيطان يقول: نم, فيقول الشاعر: وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا

стр. 7206

الأسئلة

стр. 7207

حكم مسح الرقبة السؤال هل مسح الرقبة من إطالة التحجيل؟ الجواب ليس مسح الرقبة من إطالة التحجيل، إطالة التحجيل في غيرها, أما مسح الرقبة فيذكرنا بقول الشاعر العربي: أم الحليس لعجوز شهربة ترضى من اللحم بعظم الرقبة الشاهد أن الرقبة تطلق في الإنسان وفي غيره.

стр. 7208

صيام شهر رمضان ليس من خصائص هذه الأمة السؤال هل صيام شهر رمضان من خصائص أمة محمد ﷺ ؟ الجواب الظاهر أن الذين قبلنا صاموا بل هو الصحيح, لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. وهنا مداخلة للشيخ جبريل جزاه الله خيراً، فمن مثله نستفيد. بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا والقضية التي ذكرها قد ذكرها الطبري في تفسيره , عند قوله : ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة:٥١] السبب أن موسى ﵇ فيما يذكر ابن عباس: أنه صام ثلاثين يوماً, فلما صام ثلاثين تغير فمه هكذا يذكرون, وقصص بني إسرائيل -كما تفضل الشيخ- كالوردة تشم ولا تعك، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم, يقول الإمام مالك: أهل العراق مثل بني إسرائيل لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. فالمقصود: أن موسى ﵇ لما صام ظهرت من فمه رائحة -خلوف فم الصائم- فأخذ سواكاً وتسوك, فلقي الله ، فأوحى الله إليه: يا موسى! أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ عد فصم عشرة أيام, فعاد ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢] فعاد فصام عشرة، فأصبحت أربعين. لكن السؤال الذي يتوجه: هل اسم رمضان، أو هذا الشهر بالذات كان يصام من قبلنا؟ لا ندري، إنما الأسماء أسماء إسلامية ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة:٣٦] أما الأسماء فهي إسلامية بلا شك, والرسول ﷺ كان يصوم والعرب تصوم من باب أولى، لكن صام ﷺ ثمان رمضانات، وقد فرض في السنة الثانية.

стр. 7209

مقولة الإمام مالك في أهل العراق السؤال ما مقصود الإمام مالك في قوله: أهل العراق مثل بني إسرائيل لا تصدقوهم ولا تكذبوهم؟ الجواب المقصود أن هذا في زمن الإمام مالك , أما الآن ففيهم صالحون، وأولياء، وعلماء، وأخيار، وبررة إن شاء الله, ففيهم مثلما فينا, أي: كل بيت بما فيه.

стр. 7210

حيل بني إسرائيل السؤال ما هي حيل بني إسرائيل؟ الجواب من حيل بني إسرائيل: كلما حرم الله عليهم شيئاً لفوا وأتوا من جانب آخر, فقد حرم عليهم الشحوم كما في صحيح مسلم في حديث جابر فقالوا: إن الله حرم الشحوم أن نبتاعها وأن نذيبها, ولكن ما حرم علينا الحميس هذا, الذائب منه لم يحرمه علينا, فأذابوه على النار، وقالوا: ليس بشحم, إنما هو ذائب وباعوه, وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت, فماذا فعلوا؟ حفروا خنادق، فتأتي الحيتان يوم السبت فيغلقون عليها ويصيدونها يوم الأحد ما شاء الله!! هذا ذكاء خارق, ولذلك قال الله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].

стр. 7211

حكم الصلاة في البيت لجار المسجد السؤال ما صحة حديث: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾؟ الجواب حديث: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾ حديث ضعيف رواه ابن عباس , وقد ضعفه أهل العلم, بعض الناس يقول: الحمد لله! فتح الله علينا ضعف الحديث، فيذهب يصلي في البيت، لا. هناك أحاديث تكفي في البخاري ومسلم، منها: حديث التحريق أن الرسول ﷺ همّ أن يحرق عليهم بيوتهم بالنار لولا ما فيها من الذرية، وجاء من حديث ابن أم مكتوم: ﴿أتسمع النداء؟ قال: نعم, قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة﴾ , وحديث آخر صحيح: ﴿ما من ثلاثة في قرية من قرى لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان﴾ نعوذ بالله من الشيطان. في الختام: نسأل الله أن يتولانا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل، وأن يتوب علينا وعليكم، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه, كما أسأله أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم, وأن يتغمدنا وإياكم برحمته، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7212

تعظيم شعائر الله لا يزال المؤمن يخطئ ويخاف، أما المنافق فإنه عديم الإحساس، فالأول يعظم شعائر الله، والثاني قد امتهن شعائر الله، وفي ثنايا هذا الدرس صور لا متهان شعائر الله كما فيه صور لتعظيم شعائر الله ممثلة في الصحابة والتابعين، وفيه تعرض إلى الموقف الشرعي من ذلك، وماذا يجب علينا أن نفعل؟

стр. 7213

مراقبة المؤمن وخوفه الدائم من الله الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض ومهد. الحمد لله الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي الإنسان، ورسول البشرية، ومعلم الإنسانية، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: أيها الناس! فإن المؤمن يحسن ويخاف، وإن المنافق يسيء ويرجو، المؤمن مرهف الإحساس حي العاطفة، يعظم شعائر الله وحرماته الله، ويراقب الله في السر والعلن، وفي الجلوة والخلوة، ويرى ذنوبه كما في الأثر: ﴿كأنه جالس في أصل جبل يخاف أن يقع عليه﴾. والمنافق يمشي قُدماً، يرى ذنوبه كأنها ذباب مر بأنفه، فقال به هكذا فلا يخاف منها، والمنافق يخاف من الناس أعظم من خوفه من الله، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٨] يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، يقِّدرون الناس ويوقرونهم ولا يوقرون الله ﵎، فتعالوا نرى كيف كان السلف الصالح يخافون الله ويراقبونه. سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولا يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطأ

стр. 7214

خوف عمر من النفاق كان عمر ﵁ وأرضاه من أشد الناس خوفاً من الله، ومع ذلك كان صادقاً مع الله، وصادقاً مع الناس، ومع نفسه، قائماً لليل، وصائماً للنهار عادلاً فيما ولاه الله زاهداً في الدنيا، ومع ذلك يرى أنه هالك، فيبكي طويلاً ويقول: [[يا ليتني كنت شجرة تعضد]] ويقول لـ حذيفة الذي علمه ﷺ أسماء المنافقين الذين لا يدخلون الجنة: [[يا حذيفة! أسألك بالله، أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟]]. لا إله إلا الله! إذا لم تكن يا عمر مؤمناً فمن هو المؤمن؟! وإذا لم تكن صادقاً فمن هو الصادق؟! وإذا لم تكن مخلصاً فمن هو المخلص؟! لا إله إلا الله! بذلت مالك ودمك في خدمة لا إله إلا الله، وتبكي على نفسك أن تكون منافقاً! جلس الصحابة في مجلس، فقال عمر ﵁ وأرضاه لأصحاب الرسول ﵊: ﴿أيكم يحفظ قول الرسول ﷺ في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، قال عمر: إنك عليها لجرئ -أي: تستطيع أن تتكلم في هذه المواضع الخطيرة- قال: نعم. قال: ماذا سمعت الرسول ﷺ يقول في الفتنة؟ قال: يقول: فتنه الرجل في أهله وماله، يكفرها الصوم والصلاة والصدقة، -أي: سبه وشتمه لأهله، كفارتها الصوم والصدقة والصلاة- قال عمر: ليس عن هذا أسألك، لكن عن الفتنة التي تموج موج البحر، ما هي كفارتها؟ -أي: فتنة الدماء، وفتنه أن يسل السيف على المسلمين، وفتنة الاختلاط، والزندقة والنفاق والإلحاد- قال حذيفة: يا أمير المؤمنين! لا تخف، إن بينك وبينها باباً قال: أيفتح الباب أم يكسر؟ والباب في الفتنه هو عمر بن الخطاب فيوم قتل بدأت الفتنه، وسل السيف على الأمة المحمدية، وبدأت الفتنة في الجزيرة العربية تموج موج البحر، قال: يا أمير المؤمنين! إن دونك ودونها باباً، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر، فدمعت عينا عمر وقال: الله المستعان! فسئل حذيفة: هل علم عمر من هو الباب؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إنه علم كما علم أن دون الليلة البارحة﴾ ويوم اغتيل أتته سكرات الموت، ﵁ وأرضاه فما بكى على أطفاله أو على أمواله أو منصبه، أو وظيفته، ولكن بكى ذنوبه وخطاياه. حياءً من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاك فيقول: [[يا ليت أمي لم تلدني]] ودماؤه تثعب، مات شهيداً في سبيل الله، قالوا: مالك، قال: [[ذنوبي وخطاياي يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما توليت خلافة، يا ليتني ما عرفت الحياة]] هذا وهو عمر ﵁ وأرضاه، فكيف بنا أهل الذنوب والخطايا؟ ذاك وهو المؤمن الذي يصوم ويتصدق، ويعمل صالحاً، ويتوب ويخاف من الذنوب. والمنافق يترك الصلوات، ويلعب بالمحرمات، وينتهك حقوق الواحد الأحد رب السماوات، ويضحك. ويتكلم بالنفاق، ويعمل بالنفاق ويضحك. إذا بايع الناس غش وظلم، وإذا أخذ المال وأعطاه رابى، وإذا خاصم فجر وشهد شهادة الزور، ولعن وتعدى وهو يضحك قاطع للرحم عاق للوالدين فاجر في بيته ومجتمعه، وفاجر مع أمته وهو يضحك.

стр. 7215

نماذج أخرى من خوف الصحابة لقد كان أصحاب الرسول ﵊ أكثر الناس خوفاً من الله؛ أتى أحدهم والرسول ﷺ محاصر ليهود بني قريظة، فأرسله ﷺ ، وقال: ﴿اذهب إلى هؤلاء اليهود، وفاوضهم علَّهم أن ينزلوا على حكم الله، فدخل على اليهود، فقال اليهود له وهم يتباكون نساءً ورجالاً شيوخاً وأطفالاً، قالوا: ترى ماذا يصنع بنا رسول الله ﷺ ؟ فأخذته الرحمة لكن في غير موضعها، والرقة بأعداء الله، إخوان القردة والخنازير، فأشار إليهم ألا ينزلوا، وهي خيانة لرسول الله ﷺ ، لكن لم يتكلم، وإنما قال بيده على عنقه هكذا -أي: انتبهوا، لا تنزلوا فإنه سوف يذبحكم ذبحاً- وخرج من الحصن، وشعر أنه قد خان الله ورسوله، وخان دين الإسلام، فذهب إلى المسجد فربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أطلق نفسي حتى يطلقها رسول الله ﷺ وأخذ يبكي صباح مساء﴾. فأخبروا الرسول ﷺ بخبره قال: ﴿﴿ما دام أنه قيد نفسه فوالله الذي لا إله إلا هو لا أطلقه حتى يتوب الله عليه﴾﴾ وأتت التوبة من السماء، يوم اعترف بذنبه وخطيئته؛ فتاب الله عليه، فأتى ﷺ فحل وثاقه بيده الشريفة. وحين أنزل الله قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]. ومعناها: لا ترفعوا أصواتكم، وتأدبوا عند المصطفى، صاحب الرسالة الخالدة ﷺ ، فلما نزلت أتى ثابت بن قيس بن شماس وهو خطيب الرسول ﷺ ، كان يخطب في حماية الإسلام، وفي الدفاع عن الإسلام فيرفع صوته على صوت الرسول ﷺ ، وليس هذا مقصوداً في الآية، لأن الآية تعني الذين لا يتأدبون، أما هو فيرفع صوته براية الحق، فذهب فأغلق بابه في البيت؛ فبكى حتى كادت أضلاعه أن تختلف وقال: ﴿والذي لا إله إلا هو، لا أخرج من بيتي، حتى يتوب الله علي أو أموت في بيتي]] فسأل الرسول ﷺ الصحابة فقال: أين ثابت قالوا: يا رسول الله! نزلت الآية فظن أنها فيه فأغلق عليه بابه ولم يأكل ولم يشرب، وحلف ألا يخرج حتى يتوب الله عليه أو يموت في بيته، قال ﵊: بشروه أنه من أهل الجنة، فأتوا يطرقون عليه الباب ويبشرونه أنه من أهل الجنة، فبكى حتى أغمي عليه﴾ حياء من الله. وهذا هو فعل المؤمن يتقي الله ويخافه ويعظم حرماته، ويتهم نفسه. والشاهد من هذا الكلام أنه ينبغي لنا أيها المسلمون الأبرار الأخيار! أن نعظم حرمات الله ﵎، فحق على المسئول فينا ألا يتصرف ولا يعمل إلا وهو يعلم أن الله حافظه ومتوليه وراعية، وأن يراقب الله في السر والعلن، وحق على من يكتب مقالة نثرية أو شعرية في الصحف والمجلات، أن يتق الله في نفسه، ويعرف أن الله سوف يجمعه ليوم لا ريب فيه.
следующие страницы →