Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7211
حكم الصلاة في البيت لجار المسجد
السؤال
ما صحة حديث: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾؟
الجواب
حديث: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾ حديث ضعيف رواه ابن عباس , وقد ضعفه أهل العلم, بعض الناس يقول: الحمد لله! فتح الله علينا ضعف الحديث، فيذهب يصلي في البيت، لا.
هناك أحاديث تكفي في البخاري ومسلم، منها: حديث التحريق أن الرسول ﷺ همّ أن يحرق عليهم بيوتهم بالنار لولا ما فيها من الذرية، وجاء من حديث ابن أم مكتوم: ﴿أتسمع النداء؟ قال: نعم, قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة﴾ , وحديث آخر صحيح: ﴿ما من ثلاثة في قرية من قرى لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان﴾ نعوذ بالله من الشيطان.
في الختام: نسأل الله أن يتولانا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل، وأن يتوب علينا وعليكم، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه, كما أسأله أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم, وأن يتغمدنا وإياكم برحمته، وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر إنه على كل شيء قدير.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7212
تعظيم شعائر الله
لا يزال المؤمن يخطئ ويخاف، أما المنافق فإنه عديم الإحساس، فالأول يعظم شعائر الله، والثاني قد امتهن شعائر الله، وفي ثنايا هذا الدرس صور لا متهان شعائر الله كما فيه صور لتعظيم شعائر الله ممثلة في الصحابة والتابعين، وفيه تعرض إلى الموقف الشرعي من ذلك، وماذا يجب علينا أن نفعل؟
стр. 7213
مراقبة المؤمن وخوفه الدائم من الله
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض ومهد.
الحمد لله الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي الإنسان، ورسول البشرية، ومعلم الإنسانية، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:
أيها الناس! فإن المؤمن يحسن ويخاف، وإن المنافق يسيء ويرجو، المؤمن مرهف الإحساس حي العاطفة، يعظم شعائر الله وحرماته الله، ويراقب الله في السر والعلن، وفي الجلوة والخلوة، ويرى ذنوبه كما في الأثر: ﴿كأنه جالس في أصل جبل يخاف أن يقع عليه﴾.
والمنافق يمشي قُدماً، يرى ذنوبه كأنها ذباب مر بأنفه، فقال به هكذا فلا يخاف منها، والمنافق يخاف من الناس أعظم من خوفه من الله، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٨] يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، يقِّدرون الناس ويوقرونهم ولا يوقرون الله ﵎، فتعالوا نرى كيف كان السلف الصالح يخافون الله ويراقبونه.
سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولا يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطأ
стр. 7214
خوف عمر من النفاق
كان عمر ﵁ وأرضاه من أشد الناس خوفاً من الله، ومع ذلك كان صادقاً مع الله، وصادقاً مع الناس، ومع نفسه، قائماً لليل، وصائماً للنهار عادلاً فيما ولاه الله زاهداً في الدنيا، ومع ذلك يرى أنه هالك، فيبكي طويلاً ويقول: [[يا ليتني كنت شجرة تعضد]] ويقول لـ حذيفة الذي علمه ﷺ أسماء المنافقين الذين لا يدخلون الجنة: [[يا حذيفة! أسألك بالله، أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟]].
لا إله إلا الله! إذا لم تكن يا عمر مؤمناً فمن هو المؤمن؟! وإذا لم تكن صادقاً فمن هو الصادق؟! وإذا لم تكن مخلصاً فمن هو المخلص؟! لا إله إلا الله! بذلت مالك ودمك في خدمة لا إله إلا الله، وتبكي على نفسك أن تكون منافقاً!
جلس الصحابة في مجلس، فقال عمر ﵁ وأرضاه لأصحاب الرسول ﵊: ﴿أيكم يحفظ قول الرسول ﷺ في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، قال عمر: إنك عليها لجرئ -أي: تستطيع أن تتكلم في هذه المواضع الخطيرة- قال: نعم.
قال: ماذا سمعت الرسول ﷺ يقول في الفتنة؟ قال: يقول: فتنه الرجل في أهله وماله، يكفرها الصوم والصلاة والصدقة، -أي: سبه وشتمه لأهله، كفارتها الصوم والصدقة والصلاة- قال عمر: ليس عن هذا أسألك، لكن عن الفتنة التي تموج موج البحر، ما هي كفارتها؟ -أي: فتنة الدماء، وفتنه أن يسل السيف على المسلمين، وفتنة الاختلاط، والزندقة والنفاق والإلحاد- قال حذيفة: يا أمير المؤمنين! لا تخف، إن بينك وبينها باباً قال: أيفتح الباب أم يكسر؟ والباب في الفتنه هو عمر بن الخطاب فيوم قتل بدأت الفتنه، وسل السيف على الأمة المحمدية، وبدأت الفتنة في الجزيرة العربية تموج موج البحر، قال: يا أمير المؤمنين! إن دونك ودونها باباً، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر، فدمعت عينا عمر وقال: الله المستعان! فسئل حذيفة: هل علم عمر من هو الباب؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إنه علم كما علم أن دون الليلة البارحة﴾ ويوم اغتيل أتته سكرات الموت، ﵁ وأرضاه فما بكى على أطفاله أو على أمواله أو منصبه، أو وظيفته، ولكن بكى ذنوبه وخطاياه.
حياءً من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاك
فيقول: [[يا ليت أمي لم تلدني]] ودماؤه تثعب، مات شهيداً في سبيل الله، قالوا: مالك، قال: [[ذنوبي وخطاياي يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما توليت خلافة، يا ليتني ما عرفت الحياة]] هذا وهو عمر ﵁ وأرضاه، فكيف بنا أهل الذنوب والخطايا؟ ذاك وهو المؤمن الذي يصوم ويتصدق، ويعمل صالحاً، ويتوب ويخاف من الذنوب.
والمنافق يترك الصلوات، ويلعب بالمحرمات، وينتهك حقوق الواحد الأحد رب السماوات، ويضحك.
ويتكلم بالنفاق، ويعمل بالنفاق ويضحك.
إذا بايع الناس غش وظلم، وإذا أخذ المال وأعطاه رابى، وإذا خاصم فجر وشهد شهادة الزور، ولعن وتعدى وهو يضحك قاطع للرحم عاق للوالدين فاجر في بيته ومجتمعه، وفاجر مع أمته وهو يضحك.
стр. 7215
نماذج أخرى من خوف الصحابة
لقد كان أصحاب الرسول ﵊ أكثر الناس خوفاً من الله؛ أتى أحدهم والرسول ﷺ محاصر ليهود بني قريظة، فأرسله ﷺ ، وقال: ﴿اذهب إلى هؤلاء اليهود، وفاوضهم علَّهم أن ينزلوا على حكم الله، فدخل على اليهود، فقال اليهود له وهم يتباكون نساءً ورجالاً شيوخاً وأطفالاً، قالوا: ترى ماذا يصنع بنا رسول الله ﷺ ؟ فأخذته الرحمة لكن في غير موضعها، والرقة بأعداء الله، إخوان القردة والخنازير، فأشار إليهم ألا ينزلوا، وهي خيانة لرسول الله ﷺ ، لكن لم يتكلم، وإنما قال بيده على عنقه هكذا -أي: انتبهوا، لا تنزلوا فإنه سوف يذبحكم ذبحاً- وخرج من الحصن، وشعر أنه قد خان الله ورسوله، وخان دين الإسلام، فذهب إلى المسجد فربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أطلق نفسي حتى يطلقها رسول الله ﷺ وأخذ يبكي صباح مساء﴾.
فأخبروا الرسول ﷺ بخبره قال: ﴿﴿ما دام أنه قيد نفسه فوالله الذي لا إله إلا هو لا أطلقه حتى يتوب الله عليه﴾﴾ وأتت التوبة من السماء، يوم اعترف بذنبه وخطيئته؛ فتاب الله عليه، فأتى ﷺ فحل وثاقه بيده الشريفة.
وحين أنزل الله قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢].
ومعناها: لا ترفعوا أصواتكم، وتأدبوا عند المصطفى، صاحب الرسالة الخالدة ﷺ ، فلما نزلت أتى ثابت بن قيس بن شماس وهو خطيب الرسول ﷺ ، كان يخطب في حماية الإسلام، وفي الدفاع عن الإسلام فيرفع صوته على صوت الرسول ﷺ ، وليس هذا مقصوداً في الآية، لأن الآية تعني الذين لا يتأدبون، أما هو فيرفع صوته براية الحق، فذهب فأغلق بابه في البيت؛ فبكى حتى كادت أضلاعه أن تختلف وقال: ﴿والذي لا إله إلا هو، لا أخرج من بيتي، حتى يتوب الله علي أو أموت في بيتي]] فسأل الرسول ﷺ الصحابة فقال: أين ثابت قالوا: يا رسول الله! نزلت الآية فظن أنها فيه فأغلق عليه بابه ولم يأكل ولم يشرب، وحلف ألا يخرج حتى يتوب الله عليه أو يموت في بيته، قال ﵊: بشروه أنه من أهل الجنة، فأتوا يطرقون عليه الباب ويبشرونه أنه من أهل الجنة، فبكى حتى أغمي عليه﴾ حياء من الله.
وهذا هو فعل المؤمن يتقي الله ويخافه ويعظم حرماته، ويتهم نفسه.
والشاهد من هذا الكلام أنه ينبغي لنا أيها المسلمون الأبرار الأخيار! أن نعظم حرمات الله ﵎، فحق على المسئول فينا ألا يتصرف ولا يعمل إلا وهو يعلم أن الله حافظه ومتوليه وراعية، وأن يراقب الله في السر والعلن، وحق على من يكتب مقالة نثرية أو شعرية في الصحف والمجلات، أن يتق الله في نفسه، ويعرف أن الله سوف يجمعه ليوم لا ريب فيه.
стр. 7216
صور من الذين لا يخافون الله وما حل بهم
كم رأينا من أناس كتبوا فما خافوا الله، كتب أحدهم إلحاداً وزندقة يوم نسي الله فأنساه الله نفسه.
يقول أحدهم يخاطب الأمة العربية، والأمة العربية بلا إسلام أصفار، والأمة العربية بلا دين بادية مضمحلة في ثياب من الغنم، والأمة العربية بلا لا إله إلا الله محمد رسول الله أمة مهزومة فاشلة، يوم دخلت الأمة العربية بدون لا إله إلا الله محمد رسول الله ساقها اليهود وساقوا كتائبها في سيناء وفلسطين وفي كثير من بقاع الدول العربية، ساقوها بطائراتهم.
فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا تحدت ناره الخطب
إذا تبدت لنا الميراج تقذفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب
فالأمة العربية إذا نزع الإيمان منها فقل: ﵍، وهذا مجرم لبناني يكتب في صحف لبنان الكبار، ويقول عن الأمة العربية في الحرب مع إسرائيل:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
يقول: ائيتوني بدين يجعل العرب أمة، ولو كان قومية أو بعثية أو حزبية غير الإسلام، ولو كان دين برهم الهندوسي المجرم اللعين، الذي لا يخاف موعود الله.
ويقول الثاني وقد وقف أمام سلطان من سلاطين الدنيا، وهو شاعر يمدح السلطان ونسي عظمة الله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] يقول هذا السفيه الخرافي الذي نسي الله فأنساه نفسه، والإنسان إذا نسي نفسه تكلم بلا إيمان ونافق الناس ونسي الواحد الديان، يقول هذا للسلطان:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
يقول لهذا الفقير الهزيل الذي يموت ورزقه وحياته ووجوده وسمعه وبصره وكل شيء فيه من الله، وهو يقول هذا الشعر! فابتلاه الله بمرض أقعده على فراشه، بقي ينبح منه كما ينبح الكلب، لأن الذي لا يعرف الله، يعرِّفه الله بنفسه في الشدة فهو له بالمرصاد.
فرعون ما عرف الله وهو على الكرسي وعلى الحكم، يقول كما قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] فقاده الله بتلابيب ثيابه حتى أنزله في الطين والوحل وأمضى الأنهار والمياه على رأسه؛ فعرف الله وقت الشدة، قال تعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] آلآن يا دجال! آلآن يا لعين! وقد نسيت عظمة الله وجلاله.
فابتلى الله هذا الشاعر بمرض فبكى وأبكى، وأخذ يتقلب على فراشه ويقول يخاطب رب العزة ويعتذر:
أبعين مفتقر إليك نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالقِ
لستَ الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالقِ
من يعلق أمله بغير الله، يقطع الله حبله وولايته، ويقطع أثره في الأرض، ومن يعتمد على غير الله يهزمه الله ويجعله على دائرة الفشلة، وقد سمعنا ورأينا من الذين أساءوا للإسلام ولو ادعوا الإسلام، ولو سكنوا في بلاد الإسلام، ولو تكلموا بلغة الإسلام أتوا، فإذا حلت بهم الأزمات إما مرض عضال فأصبح في المستشفى على السرير الأبيض، أو أصابته كارثة في أطفاله، فعندها عرف الله فأصبح يراجع حسابه، لكن في وقت ضائع، لأنه نسي الله ، فراعوا يا عباد الله، تعظيم حرمات الله في مجالسنا واجتماعاتنا ومدارسنا.
فإن من الكلمات ما تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً يطلقها بلا اعتبار، يستهزئ بالرسول ﵊، أو يستهزئ بالسنة الخالدة، أو بالدعاة والدعوة، ولم يعلم أنه يستهزئ برب العالمين ﵎، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
هذا هو الكفر والنفاق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] لم يدخل النور والإيمان قلوبهم ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] لا تفسدوا في إعلامنا وصحفنا لا تفسدوا في كتبنا ومصنفاتنا، لا تفسدوا في دوائرنا ومدارسنا ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١].
أي: نحن أهل التطور وأهل التقدم، وهم الرجعيون المتخلفون المتأخرون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] أي: المتطرفون ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٣ - ١٤] إذا جلسوا مع الدعاة الأخيار، والعباد والزهاد، لبسوا جلود الغنم من الليِّن، وقلوبهم قلوب الذئاب ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥].
أتدرون ما معنى الاستهزاء هنا؟ يقال في بعض الآثار الصحيحة: إن الله يأتي بهم يوم القيامة، فيجعل لهم نوراً على الصراط، فيظنون أن هذا النور بإيمان سوف ينجيهم ويجتازوا به الصراط، والصراط مظلم، نسأل الله أن ينور لنا ولكم ما في الصراط.
فإن من الناس من يأتي ونوره كالظفر، ومنهم من يأتي ونوره يلمع كالنجم، ومنهم من يأتي ونوره كالقمر، ومنهم من يأتي ونوره كالشمس، فيأتي الله بهؤلاء فيوقد لهم نوراً فيظنون أنهم في نور، فإذا أصبحوا على الصراط انطفأ نورهم فوقعوا على وجوههم ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨].
فالله الله في تعظيم حرمات الله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وإن منها تعظيم أسماء الله وصفاته، وكتبه، وأنبيائه، ومساجده وأوليائه، وكل ما يمت للإسلام بصلة فعظمه؛ ليعظمك الله ﵎.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 7217
صور من عدم تعظيم حرمات الله
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً.
стр. 7218
امتهان أسماء الله
أيها المسلمون! فإن حرمات الله صور متنوعة، ولو أنها سهلة عند كثير من الناس لكنها عظيمة، فمنها: صورة امتهان أسماء الله في الصحف، والجرائد، والمجلات، فقد رأينا وسمعنا من أناس كثيرين امتهان كثير من الناس لهذه الأمور، والتي فيها آيات الله المحكمات، وأسماؤه المشرَّفات، فتوضع موائداً وسفراً للطعام، وتلف ويرمى بها في الأرصفة والشوارع والمزابل، وهذا استهانة بأسماء الله وآياته ، إذا كانت هذه الصحف والمجلات تحمل اسم الواحد القهار.
وفي كثير منها مقالات إسلامية وأجزاء من سور القرآن، تؤخذ عند كثير من الناس الذين ضعف عظمة الله في نفوسهم فتوضع سُفَراً للطعام، فيضعون الطعام عليها وعليها اسم الله، ثم ترمى في المزابل مع الأطعمة ومع ما يلقى من التفاهات والحقارات، وإن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أمرين اثنين:
أولهما: قلة تعظيم الله الواحد الأحد في القلوب، وعدم الحياء منه .
ثانيهما: عدم الأدب والمستوى الراقي الذي لم يبلغ إليه هذا المجتمع الذي يراد منه أن يكون قدوة للناس؛ ولذلك نسمع في مجالسنا أن مدناً كافرة في أمريكا وأوروبا بلغت من تنظيف أرصفتها، وتجمعات الناس، وساحاتها وسككها أمراً عجيباً، ونحن أهل الحضارة والتقدم، وأهل الرقي نرمي صحفنا وكتبنا وجرائدنا وفيها أسماء ربنا ﵎، فهذا يدل على التخلف في عالم الأدب، وعدم الرقي في عالم الصيانة والحضارة والمعرفة والثقافة.
ومن تلك الصور أيضاً: تساهل كثير من الناس في دخول بيوت الخلاء، وأماكن قضاء الحاجة، بأسماء الله ﵎، أو بأوراق ومستندات فيها ذكر الله، أو بالمصحف، أو شيء من أحاديث المصطفى ﷺ وهذه استهانة، وهي إما عن جهل وإما عن قلة إيمان، فأما الجاهل الذي لا يدري ما الحكم؟ فالحكم ألا يدخل بيت الخلاء وهو مصطحباً لها؛ لأن أسماء الله مقدسة معظمة، مساكنها المساجد وبيوته ﵎، والشيطان يسكن في بيوت الخلاء وذريته وأقاربه وقريباته، فله من أمثاله ما يساكن ذاك المكان.
وأما قليل الإيمان فنقول له: اتق الله في نفسك، وعظم أمر الله ﵎، حتى يعظِّمك الله.
هذا إبراهيم بن أدهم من أعظم الزهاد، كان في أول حياته مسرفاً على نفسه بالخطايا والذنوب، لكنه يحب الله، لأن بعض الناس يسيء ويذنب ولكنه يحب الله.
نزل إبراهيم بن أدهم إلى السوق وهو مسرف على نفسه، فوجد ورقة مرمية في الأرض مكتوباً عليها اسم الله ﵎، والناس يطئونها بأقدامهم وهم داخلون إلى السوق وخارجون منه ولا يعلمون، فأخذ القرطاس فإذا فيه اسم الله، فبكى، وقال: سبحانك! يهان اسمك هنا، لا والله! فأخذ هذه الورقة وطيبها ورفعها في بيته، فلما أمسى سمع هاتفاً يقول: يا من طيب اسم الله ورفع اسم الله! ليعظمن الله اسمك، يا من طيب اسم الله، وعظم اسم الله! ليعظمن الله اسمك، فهداه الله إلى التوبة النصوح، فأصبح من عبّاد الإسلام، ولما توفي اجتمعت في جنازته ألوف مؤلفة من أمراء وقادة الجيش، والفقراء والمساكين، حتى وصلوا المقبرة وقد تقطعت أحذيتهم من كثرة الناس وازدحامهم وبعد الطريق، لأن من يعظم الله يعظمه، ومن يحتقر شيئاً من معالم أسماء الله، يحقره ويذله ﵎.
стр. 7219
صور السلام والتحية في الإسلام
مما ينبغي أن نتنبه له كذلك:
صور السلام والتحية في الإسلام، وتقديس وتعظيم هذا الدين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وتحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وقد سمعنا من إذا لقي صاحبه قال: (صباح الخير) و (حياكم الله) وهذه التحية جائزة وواردة وطيبة لكن بعد تحية الإسلام، وبعد شعار الإسلام، يرفع الهاتف فيتصل بالناس فلا يسلم ولا يرد السلام، وهذه أتتنا من عالم الخواجات والوثنيات، ومن عالم الدعارة والانحطاط، ولم تأتنا من المدينة من محمد ﵊، تحيتنا السلام ونحن نسلم ونتقبل السلام؛ ليبقى شعارنا شعار السلام، فالله الله في المحافظة على شعيرة السلام، دخولاً وخروجاً، استئذاناً وزيارة لنبقى مسلمين، وهذه قضايا تطول وتطول، ولعل الله أن يهيء من الأوقات ما تبسط للناس ليعرفوا كيف يعظمون الواحد الأحد، ويعظمون الإسلام وشعائره وحرماته؟
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلَّ على نبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، اللهم وفقنا لاتباع سنتك، والسير على منهجك، اللهم ارض عن الصحابة الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واعنَّا معهم بكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تهديهم إلى الحق وتدلهم على الصواب، وجنبهم بطانة السوء التي ترشدهم إلى الباطل، وتدلهم على الضلال.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضلة، ولا فتنة مظلة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين الأفغان الذين أعلنوا عظمة كلمة لا إله إلا الله، وقوة لا إله إلا الله، وسمو لا إله إلا الله، اللهم ثبتهم، اللهم زلزل أصنام الشرك بأيديهم، اللهم رد أرضهم عليهم، وردهم ظافرين منتصرين يا أرحم الراحمين، اللهم رد لنا أولى القبلتين على يد المسلمين في فلسطين، اللهم دمر اليهود وأعوانهم وأذنابهم وكل من أحبهم وشايعهم، اللهم خذ أعداء الإسلام أخذ عزيز مقتدر، اللهم العنهم كل لعنة، اللهم ومزقهم كل ممزق.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7220
حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
لقد أخرج الله لهذه الأمة رجالاً يجددون لهذه الأمة أمر دينها، فينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية.
والمتأمل في سيرته في مجال الدعوة، والعلم والتأليف، والتدريس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ومحاربة البدع، يعجب أشد العجب من هذه الشخصية الفذة كيف جمعت تلك الأوصاف.
стр. 7221
ثلاثة أمور مهمة تتعلق بالعلم والدعوة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الجمع المبارك الكريم: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته سلام الله عليكم يوم اجتمعتم على ذكر الله وسلام الله عليكم يوم تعلقت قلوبكم لمرضاة الله وسلام الله عليكم يوم أتيتم لتسمعون دعاة الله، وتراجم أئمة هذا الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ .
معنا اليوم إمام عملاق، وجهبذ قدير، وعظيم في هذا الدين معنا مجدد من المجددين، وزاهد من الزاهدين، وعابد من العابدين، وعالم من العاملين بعلمهم معنا ابن تيمية، وينبغي أن تعرفوا ابن تيمية معرفة واسعة مكثفة.
اسمه: أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن تيمية الحراني.
ولد سنة (٦٦٦هـ) وتوفي سنة (٧٢٨هـ).
وقبل أن نبدأ في ترجمة الرجل أبين لكم ثلاثة أمور لا بد أن تعرفوها:
الأمر الأول: العلماء هم الدعاة والدعاة هم العلماء؛ فلا علم إلا بدعوة ولا دعوة إلا بعلم، يقول الله ﵎ مندداً ببني إسرائيل حينما توقف علماؤهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] ويقول : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧].
الأمر الثاني: زكاة العلم نشره؛ فعلم لا ينشر بين الناس ولا ينفق منه كنزٌ مشئوم على صاحبه يقول أبو إسحاق الألبيري، يوصي ابنه بطلب العلم، ويمدح العلم، ثم يوصيه بنشره فيقول:
هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضاربَ من أردنا
وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شدتا
الأمر الثالث: تهاون العلماء بالدعوة هزيمة للأمة؛ فما تأخرت أمة الإسلام ولا انهزمت ولا انحصرت إلا بسبب تهاون بعض العلماء عن إبلاغ دعوة الله، وعدم جلوس العلماء مع الأمة وتفهيمها، والله ﵎ يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
معنى الآية: مثل هذا العالم الذي ما نفع نفسه وما نفع الأمة كمثل الكلب، والكلب يلهث ويمد لسانه دائماً وأبداً، سواء أكان في الظل أم في الشمس سيَّان، فهذا السيء المشئوم سواء تعلم أو لم يتعلم فحاله حاله لم يتغير.
стр. 7222
مؤهلات ابن تيمية في مجال الدعوة
ابن تيمية ولد في بيتٍ ملتزم عابدٍ زاهد يريد وجه الله والدار الآخرة، ونشأ على هذه الحياة.
بعضنا الآن عمره عشرون سنة ولا يعرف كيف يشتري الخبز من الفرن، والبعض عمره عشرون أو ثلاثون سنة وما يعرف البدهيات في هذا الدين؛ إنما هو سبهلل أخبل.
وهذا عمره ثمان سنوات ويمرغ وجهه في التراب مع الفجر، ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني ويبكي.
انظر إلى مستقبل هذا الذي يدعو دائماً، وينيب إلى الله ويمرغ وجهه في التراب، فعلَّمه معلم إبراهيم وفهمه مفهم سليمان، وأعطاه علماً لا كعلم بعض الناس، وفهماً لا كفهم بعض الناس علم اخترق به ما يقارب عشرة قرون، وأمضاه هذا العلم حتى أصبح مجدداً لمئات السنوات.
يقول مستشرق فرنسي وهو يترجم لـ ابن تيمية ويأخذ كلامه في التربية وعلم النفس: ابن تيمية وضع ألغاماً في الأرض، فجر بعضها ابن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر.
ومؤهلاته في مجال الدعوة خمسة مؤهلات:
стр. 7223
الإخلاص والنصيحة عند ابن تيمية
المؤهل الأول: الإخلاص والتجرد والنصيحة فقصده وجه الله عزوجل، ومراده ما عند الله والدار الآخرة.
ولذلك أنصح نفسي وإياكم إذا أراد أحدكم أن يتكلم بموعظة، أو أراد أن يتحدث بحديثٍ في ناد، أو يلقي قصيدة في أمسية، أو يشارك بكلمة في حفل أو سمر؛ أن يصحح نيته ويقف مع نفسه وقلبه ويقول: ماذا أريد بهذه الكلمة؟ أليمدحني زملائي؟ أو يثني عليَّ مشرفيّ أم ماذا؟
فلذلك ينبغي أن نقف مع أنفسنا، ونمحص قلوبنا.
وابن تيمية كان من هذا الطراز؛ من المحاسبين لأنفسهم دائماً وأبداً.
يقول شيخ الإسلام: ينبغي الاعتناء بقوله ﷺ : ﴿ثلاثٌ لا يغلُّ عليهنَّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم﴾ وكثيراً ما كان ابن تيمية يعيد هذا الحديث ويشرحه؛ فقد شرحه في الفتاوى، وذكره عنه ابن القيم في الوابل الصيب.
وكان يكرر ويعيد دائماً قول الرسول ﷺ : ﴿الدين النصيحة﴾ ومعنى هذا الحديث: أن تنصح ولا تفضح، فالدين النصيحة وليس الفضيحة.
كتب الإمام الشافعي للإمام أحمد يخبره بأصول الدعوة؛ والإمام أحمد يعرف أصول الدعوة، ولكن الإمام الشافعي يريد أن يخبر غير الإمام أحمد؛ كأنه يقول: إياك أعني واسمعي يا جارة.
يقول الإمام الشافعي:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وهذا تواضع منه.
والآن الإنسان منا الذي لا يصلي الفجر في جماعة، إذا قلت له: أنت لست من الصالحين؛ قام لمضاربتك وقال: مَنْ في الوجود من الصالحين إذا ما كنت أنا، أما تعرفني؟! فمن تقصيرنا ونقصنا ندعي الصلاح.
أما الشافعي لإمامته وجلالته وزهده وعبادته يقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
ثم يقول:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
أي: إذا أردت أن تنصح أخاً لك ثوبه طويل؛ فلا تأت من عند المكرفون وتقول: يا فلان بن فلان ثوبك طويل، الله يجزيك بما أنت أهلٌ له، نسأل الله إما أن يصلحك أو يزيلك فهذا مبدأ خطأ، وأسلوب غلط، يلغيه الإمام الشافعي والإمام أحمد، ويتفق الجمهور على إلغائه، بل هو شبيه بالإجماع.
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعطَ طاعة
وكثير من الناس يظن أنه يدعو إلى الله وهو ينفر عنه بشدته وكلماته السيئة.
فالمقصود: أن ابن تيمية كان يريد النصيحة لعباد الله عزوجل، ويريد أن يهدي القلوب إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْرِ النعم﴾.
إذاً ماذا نفعل مع الناس؟
الأمر الأول: إذا أردنا أن نتحدث مع الناس فيجب أن نكلمهم على أنهم بشر وليسوا ملائكة.
الأمر الثاني: أن نتكلم معهم بخلق حسن، ووجه منبسط ضاحك بالبسمة والكلمة الطيبة ولا نأتي إلى المسلم ونمسكه من تلابيب ثوبه ونجره، ونقول: اتق الله عزوجل، احضر الصلاة في المسجد، قصر ثيابك، ربِّ لحيتك هذه أوامر سلاطين المغول والتتر والبرابرة!
أما المسلم فإنه يعتني بالدعوة، ويعرف أنه يسير على منهج محمد ﷺ ، الذي يقول الله فيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
يقول ابن تيمية في مختصر الفتاوي: بعض الناس يتعصب لهوى، أو مذهبٍ، أو طائفةٍ، أو حزب؛ فيجعلها هي المقصودة بالدعوة، وهذا أخطأ خطأً بيناً، فإن المقصود بالدعوة هو الله ، ليس الحزب، وليست الطائفة، وليست الفرقة، وليس الرأي الذي يدعو إليه.
ويقول في باب الإخلاص، في مختصر الفتاوي أيضاً: من أراد أن يبحث عن منصب في الدنيا فليعلم أنه لن يحصل على منصب أرفع من منصب فرعون ولكن أين فرعون؟! يعرض على النار غدواً وعشياً، يفطر ويتغدى في النار ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] هذا الفطور والغداء، وأشد العذاب: العشاء.
ولذلك يسمى هذا: المنشر والمحشر؛ فالمنشر أن تخرج بالغنم في الصباح، والمحشر أن تردها في المساء.
فيقول: أما المنشر ففي القبر، والمحشر يوم القيامة.
فـ ابن تيمية يقول: إن كنت تريد المنصب فانظر إلى فرعون صاحب المنصب، وإن كنت تريد المال فاعلم أن قارون حصل على مالٍ كثيرٍ لا تحصل عليه أنت فكيف كانت عاقبتهما؟!
فعليك بإخلاص العمل لوجه الله؛ فإن وجه الله هو الباقي وما سواه فان.
стр. 7224
العمل بالعلم
المؤهل الثاني من مؤهلات ابن تيمية في النصيحة والدعوة إلى الله عزوجل: العمل بعلمه وتقواه لربه ﵎ وعلم ليس فيه عمل ولا خشية ولا ابتهال؛ إنما هو حفظ للمعلومات، وسلة مهملات يحفظها الإنسان في ذهنه ولا تنفعه أبداً، ولا تقربه من الله .
وعمله بعلمه له جوانب:
الجانب الأول: الزهد
فقد كان منقطع النظير في الزهد، وللعلم فإن ابن تيمية ﵀ لم يتزوج وترك الزواج ليس من الزهد، بل من الزهد أن تتزوج؛ لأن أزهد الناس ﵊ وهو أكثر الناس نساءً، وعلي ﵁ كان من أزهد الناس على الإطلاق وعنده أربع زوجات وتسع إماء فتركُ الزواج ليس من الزهد، لكن ابن تيمية لم يتركه تزهداً، وما تولى منصباً في حياته بالإجماع.
فقد جاء في كتاب العقود الدرية لـ ابن عبد الهادي، وكتاب الأعلام العلية للبزار: أن ابن تيمية كان له ثوب أبيض، وعمامة بيضاء من الخام العادية، وكان ربما ارتدى في البرد ثوبين، فقد كان ذات مرة يمر في سكة من سكك دمشق فمر به فقير يسأله، فبحث في جيوبه فلم يجد شيئاً من الدراهم والدنانير، فاختفى وراء سور ثم خلع ثوبه الأعلى وطواه وأعطاه المسكين.
ومرة يسأله مسكين فيبحث فلا يجد إلا ثوبه الذي عليه؛ فيأخذ العمامة فيقسمها نصفين ويلف رأسه بنصفها ويعطي المسكين النصف الآخر.
يقول صاحب الأعلام العلية: تأتيه الدنيا من ذهب وفضة وجوار وخيول إلى غير ذلك فينفقها من ساعتها، ولا يدخر درهماً واحداً.
أما في جانب الشجاعة؛ فحدث عنه ولا حرج وقف مع سلطان المغول لما دخل دمشق وحدثه بقوة وجرأة منقطعة النظير المغول (التتار) الذين اجتاحوا العالم الإسلامي وما وقف أمامهم أحد من الناس، كانوا يموتون قبل أن يقتلوا من خوف التتار، وبلغت الذلة بالمسلمين في تلك الفترة أنه كان التتري يأتي فيقول للمسلم: انتظر هنا حتى آتي بالسكين فأذبحك بها؛ فيقف المسلم منتظراً، وفاء بالعهد، لأنه لا يريد أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : ﴿ثلاثٌ من كنَّ فيه كان منافقاً -منها-: وإذا وعد أخلف﴾ فمن أمانة هذا المسلم أن وقف ينتظر حتى يذهب التتري إلى البيت ويأتي بالسكين فيذبحه كما تذبح الشاة!!!
بل بلغ من الذلة في فترة من الفترات -ويرويها ابن كثير -: أنه كان يقول التتري للمسلم: ضع خدك على هذه الصفا حتى أذهب وآتي بالسكين فيضع خده على الصفا -ما شاء الله تبارك الله، الطاعة في موضع المعصية- فيأتي ذاك بالسكين ويذبحه بها.
ولكن ابن تيمية لم يرض بهذا المبدأ فقد دخل التتار دمشق في رمضان، وأرادوا اجتياحها ليلحقوها بـ بغداد، التي فعلوا فيها الأفاعيل؛ فقد أخذوا الكتب وقذفوا بها في نهر دجلة ونهر الفرات حتى تغير لون الماء والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ أن الكتب التي ضاعت في النهر هي كتب الفلسفة وكتب الخزعبلات، أما كتب الحديث والتفسير والفقه وكل ما يتعلق بدعوة الإسلام فقد حفظها الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وأما كتب الخزعبلات فأغرقت في النهر ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
دخل التتار يوم الجمعة في رمضان، فخرج ﵀ وجمع الناس وسل سيفه، وقال: أيها الناس! أفطروا هذا اليوم ثم تناول كوباً من الماء أمام الناس فأفطروا، ثم قال للسلطان: ينبغي عليك أن تنزل الجيش من الثكنات للقتال؛ فأنزل الجيش، وبدأت المعركة وشيخ الإسلام في المقدمة، وكان يقول: والله لننتصرن هذا اليوم.
فيقول له تلاميذه: قل إن شاء الله.
فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.
وذكروا عنه: أنه كان إذا ضرب بالسيف تتكسر شظاياه على رءوس الناس وقد آتاه الله قوة في الجسم وبسطة؛ لأن الرجل زعيم يريد أن يقود أمة فهو مفكر وموجه ومنظر.
وكان يدخل على السلاطين فيكلمهم بجرأة حتى يرتعد منه السلطان مع أن السائد في مفهوم الناس أن الإنسان يرتعد إذا دخل على السلطان، لكن ابن تيمية يدخل على السلطان فيرتعد السلطان لا أن يرتعد ابن تيمية، حتى قال مرة لسلطان دمشق: ماذا تريدون غير تحكيم كتاب الله عزوجل؟
فقال له السلطان: إنني سمعت أنك تريد ملكي وملك آبائي.
فقال له ابن تيمية: أريد ملكك وملك آبائك؟! والله ما ملكك وملك آبائك يساوي عندي فلساً واحداً ثم خرج وتركه.
стр. 7225
الأخلاق عند ابن تيمية
وأما مؤهلاته في عالم الأخلاق؛ فقد آتاه الله تعالى حسن الخلق، لولا بعض الأمر الذي سوف أبينه وهو أنه كان فيه حدّة لقوته، حتى يقول شاعر من اليمن وهو يمدح شيخ الإسلام ويرد على السبكي، يقول:
وقاد ذهنٍ إذا سالت قريحته يكاد يخشى عليه من تلهبه
يمدح ابن تيمية بأنه إذا سال ذهنه في الكتابة والتأليف يخشى أن تحترق ثيابه وملابسه من كثرة ذكائه.
فأكسبه هذا الذكاء حدة في الطبع، فكان يرد بعنف، لم يكن عنده إلا نسف وتدمير للجاهلية، ولا يعرف بناءً وتعميراً لها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥].
لذلك ألف رسالة التدمرية؛ وهي لأهل تدمر في الشام، لكنها ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] حتى إن أكثر الطلبة في أصول الدين لا يرسبون إلا في التدمرية.
والمقصود: أن ابن تيمية كان عنده من الصبر الشيء العجيب، فقد كان له خصوم من العلماء، يريدون قتله ولو قلت لأحدهم تمنَّ.
لقال: أتمنى أن يقتل السلطانُ ابن تيمية لنرتاح لماذا؟ لأنه اجتاح الدنيا، حتى أصبح التاريخ كله، يقول ابن كثير: ودخلت سنة كذا وكذا وفيها كان ابن تيمية في السجن فقد نُسي التاريخ، ونسيت السلطان، ونُسي الدولة، وأصبح التاريخ كله ابن تيمية، وعليكم أن تقرءوا البداية والنهاية في الجزء الرابع عشر، يقول: ودخلت سنة كذا وكذا وفيها كان ابن تيمية يجاهد النصيرية في جبل كسروان، ودخلت سنة كذا وكذا وفيها كان ابن تيمية يجلد البطائحية الصوفية في السوق فإذا خرجت ضحى النهار وجدت ابن تيمية يجلد المخالفين في السوق، ويقيم الحدود، وتأتي يوم الجمعة وإذا به على المنبر يزلزل كأنه صاعقة، وتأتي بعد الفجر وإذا به يشرح التفسير، وتأتي في الليل وإذا به قائم يصلي لله ، وتأتي وقت الصدقة وإذا به ينفق ويعطي، وهو متبسم يصدق فيه قول القائل:
محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة القلوب
يقول ابن القيم: مات أحد أعداء ابن تيمية من العلماء، فأتيت أبشره؛ فاحمرَّ وجهه ودمعت عيناه وقال: تبشرني بموت مسلم! ثم قام فقمنا معه، حتى ذهب إلى بيت خصمه الذي كان يعاديه، والذي أفتى بقتله، قال: فدخلنا على أهله فسلم ابن تيمية عليهم وعزاهم ودعا لميتهم، وقال: أنا أبوكم بعد أبيكم، ما تحتاجون إليه فارفعوه إليَّ.
قال: فبكى أهل البيت تأثراً من هذا الموقف بالأمس أبوهم ألد الأعداء لـ ابن تيمية واليوم يقول ابن تيمية هذه الكلمات الطيبة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].
стр. 7226
اعتصام ابن تيمية بالكتاب والسنة
المؤهل الرابع لـ ابن تيمية في مجال دعوته: اعتصامه بالكتاب والسنة.
يقول في المجلد العاشر من فتاويه: وعلى طالب العلم أن يعتصم بالدليل في كل مسألة، وأن يترك كل رأي يخالف ما فهمه من كلام المصطفى ﷺ فإنه المعصوم.
ولما اعتصم بالكتاب والسنة رزقه الله تمييزاً وذكاءً وفهماً، فيأتي ويقول: أهل السنة والجماعة وسط في الأسماء والصفات، ووسط في الوعد والوعيد، ووسط في الإيمان، ووسط في القدر، ووسط في النظر، ووسط في الأمر بالمعروف، ووسط في الفقه.
وسوف أفصل لكم هذه السبع النقاط، وهي جديرة بمحاضرة وبكتيب صغير تجمع فيه؛ لأنها من أحسن ما كتب ابن تيمية في كتبه.
فأما في القدر فيقول:
أهل السنة والجماعة وسط بين القدرية والجبرية.
فإن الجبرية يقولون: إن العبد مجبور على فعل المعصية والقدرية يقولون: الأمر أنف، وما قدَّر الله شيئاً قبل أن يحدث، فإذا حدث علم الله به.
فـ ابن تيمية يتوسط بـ أهل السنة والجماعة في هذا، وليُعلم أن ابن تيمية هو المنظر لـ أهل السنة والجماعة.
صحيح أن العقيدة محفوظة في الكتاب والسنة، لكن ابن تيمية جمع أقوال الفرق، ومحضها، وصحح مسارها، ثم اختار منهج أهل السنة والجماعة، وقرره، وحدده، ورسمه للناس، وما أعلم أحداً قبل ابن تيمية نظَّر هذا المنهج العقدي المنظم لـ أهل السنة والجماعة.
ويقول: أهل السنة والجماعة وسط في باب الإيمان بين الخوارج والمرجئة.
فإن الخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة كافر.
فإذا شرب الإنسان الخمر عند الخوارج كفر بالله العظيم، واستبيح دمه وعرضه.
والمرجئة يقولون: العمل لا يدخل في الإيمان، فلك أن تقول: لا إله إلا الله، ثم لا تصلي أبداً وأنت مؤمن، والذي يصلي ويتقطع ظهره من قيام الليل فأنت وهو في ميزان واحد، والذي يشرب الخمر في المقهى -على مبدئهم- والذي يقوم الليل ويبكي سيان؛ لأن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، والعمل لا يزيد في الإيمان ولا ينقصه.
ولكن ابن تيمية لا يرى هذا، بل يقول: أهل السنة وسط، فلا نكفر صاحب الكبيرة ولكنه فاسق، ولا نخرج العمل من الإيمان بل العمل من أركان الإيمان.
ويقول: أهل السنة في باب الأسماء والصفات وسط بين المعطلة من والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وبين المشبهة وهذا له مجالات خاصة، لكن أريد أن أعرض لكم شيئاً من فهم الرجل لهذا الدين.
يقول: وهم وسط في النظر والفكر.
فإن الفلاسفة يقولون: الدين أن تفكر فقط فهم لا يعرفون (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) يصلون في المسجد لكنها صلاة ميتة مثل صلاة البدو.
ولذلك يقول في المجلد الرابع: أهل الكلام بمنزلة المنافقين في عهد الرسول ﷺ .
فـ أهل السنة وسطٌ في إعمال الفكر، بخلاف أهل الباطل الذين يقولون: اذكر الله وسوف يفتح الله عليك ويلهمك، والعلم معروف، وهذه القضايا التي تقرءونها معروفة، فتجد بعض الطلاب يذاكر في الامتحان وزميله الفاشل العاطل الباطل لا يذاكر، فإذا قلت له: لماذا لا تذاكر؟ قال: الحمد لله هذه مفهومة، وهي قضايا مسلمة وسهلة، فلماذا أجهد نفسي وأضيع وقتي في هذا الكلام.
فدائماً أهل البطالة والعطالة يرسبون.
فيقول ابن تيمية: أهل السنة والجماعة وسط، يعملون الفكر ويشتغلون بالذكر فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ويتوسط في كتاب الاستقامة ويقول: أهل العلم في باب الفقه ثلاث طوائف:
فطائفة حكمت الرأي كبعض الأحناف، فقط حكموا الرأي، وعندهم افتراضات دائماً: لو حدث كذا لصار كذا، ولو صنع كذا لصار كذا، حتى إن بعض الفقهاء يمزحون على الأحناف ويقولون: لو خرجت سمكة من البحر فصلت بالناس جماعة ثم عادت إلى البحر، فهل صلاتها صحيحة؟ وهذا من كثرة افتراضاتهم هذه الطائفة الأولى.
وأتى ابن حزم الظاهري وقابل هذه الطائفة فأولئك غلوا في جانب الرأي، ولا يوجد دليل، وابن حزم أتى في الطرف الآخر وقال: القياس ملغي، والإجماع فيه شيء، فأرى أنه لا بد لكل مسألة من دليل، والدليل ظاهر الكلام.
يقول في المحلى فالاضجاع واجب عند ابن حزم، ومن لم يضطجع لم تجزئه صلاة الفجر لحديث: ﴿إذا صلى أحدكم سنة الفجر فليضطجع على شقه الأيمن﴾.
وأتى ابن تيمية فقال: منهج التطرف في الرأي فيه شيء من الخطأ، ومنهج التطرف في الظاهر فيه شيء من الخطأ، والأحسن أن نأخذ الأدلة ونفهمها كما فهمها الفقهاء والمحدثون من أهل السنة والجماعة.
بالله لفظك هذا سال من عسلٍ أم قد صببت على أفواهنا العسلا
أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا
هل هناك فهم كهذا الفهم الذي منحه الله هذا الرجل؟!
стр. 7227
صدق لجوء ابن تيمية وتوكله
المؤهل الخامس من مؤهلاته في عالم الدعوة: صدق اللجوء وقوة التوكل على الله.
فقد كان ابن تيمية يجلس بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع النهار -كما يقول ابن القيم في الوابل الصيب - فيكرر الفاتحة حتى يهتز في بعض الأوقات من كثرة ما يجد من يقينٍ وسكينةٍ واطمئنان حتى إنه كان يقول لـ ابن القيم: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
فكان يكرر الفاتحة حتى يرتفع النهار، ويقول: إنه لتصعب وتستغلق عليَّ المسألة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل فيفتحها الله عليَّ.
لكننا لم نعش هذه المعاني كما ينبغي يأتي الواحد منا في صالة الامتحان وهو خائف، ويركز على مذاكرته فقط، ويلمح هل ماسة زميله متقدمة حتى يلقط كلمتين بالرادار مع السرعة والعجلة، أو يرسل برقية للجانب الأيسر يأخذ منه بعض المعلومات للتصحيح!! ابن تيمية لا يرى هذا، يرى أن المدد كل المدد والسبب كل السبب واللجأ كل اللجأ إلى الله، فيقول: كلما استغلقت عليّ المسألة, استغفرت الله ما يقارب الألف أو أكثر أو أقل فيفتحها الله علي.
وكتاب سيبويه كتاب معقد في النحو، يقولون: نسجه كما ينسج الإنسان الحرير من الهواء, وهو أول كتاب وضع في النحو أتى ابن تيمية يبحث عن شيخ يقرأ عليه هذا الكتاب فما وجد, فأخذ القلم والكراسة ثم بدأ يقرؤه من أوله إلى آخره، وأخرج ثمانين خطأ على سيبويه.
قال أبو حيان صاحب البحر المحيط: إن كتاب سيبويه كتاب عجيب لا يؤلف مثله فقال ابن تيمية:
نعم! كتاب عجيب لكنه يؤلف مثله، وفي كتاب سيبويه ثمانون خطأ لا تعرفها أنت ولا سيبويه.
وأتى إلى علم الكلام الذي هو مثل الحديد, فبحث عن شيخ ليقرأ عليه فما وجد، فاستعان باللهَ وأخذ كراسة وقلماً وبدأ يقرأ علم المنطق على نفسه، وفي الأخير استظهر علم المنطق، وألف كتابه: الرد على المنطقيين، وخطَّأ فيه ابن رشد , والغزالي , وابن سيناء , والرازي , وخطأ أشياخهم إلى أفلاطون جدهم العاشر، يقول: أخطئوا في هذه المسألة في علم المنطق.
وفي الحديث يقولون: حديث لا يحفظه ابن تيمية ليس بحديث حتى أنه في بعض الأوقات يكتب في المسجد وليس عنده مرجع؛ أما نحن الآن فإذا قلنا لأحدنا: ابحث في المضمضة جمع خمسة عشر كتاباً وبحث وفي الأخير يقول: وهذا البحث يحتاج رسالة دكتوراه وما أستطيع أن أحيط به, وعندي مشاغل واهتمامات، وقد بحثت جهدي، وسهرت ليلي، وأفنيت نهاري، وفعلت وصنعت ثم يأتي البحث خطأ.
أما ابن تيمية فكان يأخذ الكراسة ويبحث من نفسه، فيأتي بالحديث بسنده، ومن قرأ في الفتاوى في باب القصر في السفر وصلاة الجمعة والعيدين، فإنه يجد أنه قد جمع الأحاديث من كتب السنة وهو في السجن، ثم وقف مع كل عالم وأوقف كلاً عند حده، وتكلم مع كل عالم فإذا انتهى منه أخذ العالم الثاني وتكلم معه وناقشه وهكذا حتى انتهى وحقق المسألة.
وهذا دليل صدق اللجوء إلى الله، ولذلك أورد عنه ابن القيم في مدارج السالكين: أنه كان يقول بين أذان الفجر والإقامة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أربعين مرة.
وذكر عنه الذهبي أن عينيه كأنهما لسانان ناطقان يكاد أن يكلمك باسمك قبل أن تتكلم عنه، وهذا من كثرة الذكر والذكاء.
ولذلك يقول المزي صاحب تحفة الأشراف: ما أظن أنه وجد كـ ابن تيمية من خمسمائة سنة نقلها صاحب طبقات الحنابلة ابن رجب الحنبلي في ترجمة ابن تيمية وكانت فيما يقارب ثلاثين صفحة.
وقال الذهبي عنه في معجم الشيوخ: لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت كـ ابن تيمية لصدقت، ولو حلفت بين الركن والمقام أنه ما رأى مثل نفسه لصدقت.
ويقول ابن دقيق العيد كما ينقل عنه ابن رجب في طبقات الحنابلة أيضاً: والله ما أظن أن الله يخلق مثلك.
وابن دقيق العيد هو مجدد الشافعية في القرن السادس، وهو رجل موهوب، يأتي بالمعاني الدقيقة، حتى إنك تبقى في المعنى الواحد ساعتين وأنت لم تفهم سطراً واحداً.
أما كثرة اللجوء والذكر فحدِّث ولا حرج، يقولون: ما كان لسانه يفتر من ذكر الله عزوجل دائماً وأبداً؛ حتى قال له بعض تلاميذه: نراك ما يفتر لسانك من ذكر الله.
قال: قلبي كالسمكة إذا خرجت من الماء ماتت، فإذا تركته من الذكر مات.
ويقول عنه ابن القيم: رأيته في السجن وهو ساجد يبكي ويقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يرددها ليلاً طويلاً.
وأما صلاته؛ فكان يصلي بعض الأحايين بالناس في مسجد بني أمية في دمشق، وكان إذا قال: الله أكبر؛ رفع صوته حتى يسمعه من في الطرقات، فتكاد تنخلع القلوب إذا كبر ويروي ابن القيم في روضة المحبين ونزهة المشتاقين عن تقي الدين بن شقير: أنه رأى شيخ الإسلام ابن تيمية صلى صلاة العصر في مسجد بني أمية، ثم خرج إلى الصحراء وحده، قال تقي الدين بن شقير وكان من تلاميذه: فخرجت وراءه حيث أراه ولا يراني، فلما توسط الصحراء رفع طرفه إلى السماء وقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ثم بكى، ثم قال:
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
وهذا البيت لـ مجنون ليلى، يقول:
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنكِ النفس بالسر خاليا
وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منكِ يلقى خياليا
فأخذه ابن تيمية واستخدمه في جانب المحبة الواجبة التي لا ينبغي أن تكون إلا لله، لا محبة النساء، ولا الأوثان، ولا الصلبان، ولكن جعله في حق الحي القيوم .
هذا موقفه من اللجأ وقوة التوكل؛ ولذلك يقول ابن رجب: إن من الأسباب التي منعته وحمته من كيد الأعداء: كثرة الذكر والأوراد التي ما كان يُخلُّ بها كان له بعد كل صلاة ذكر يذكر الله به؛ فحماه الله تعالى من الحسدة والحقدة، ومن الأعداء والخصوم، فما استطاعوا أن يكيدوا له أبداً، وكلما كادوه رفع الله منزلته.
стр. 7228
معرفة الواقع عند ابن تيمية
المؤهل السادس من مؤهلات ابن تيمية ﵀ في عالم الدعوة: معرفته لواقعه وحال عصره.
وبعض الناس يعيش هذا العصر وهو يعيش في القرن الثالث، عقله وفكره ومعرفته في القرن الثالث، لكن ابن تيمية يعيش في القرن السابع؛ ويعرف مشاكل العصر ومتطلباته، وماذا يريد منه أبناء العصر، ولذلك عرف الكتاب والسنة، وعرف هذا الدين، ثم أتى يتكلم إلى الناس بواقع العصر.
واقرءوا إن شئتم كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم، الذي سماه محمد حامد الفقي: القنبلة الذرية لا.
ما صنعه اليهود والنصارى هذا الكتاب ينبغي أن يقرأ وأن يكرر وأن تحفظ منه جمل؛ فإنه كتاب ألفه ابن تيمية بعد أن بلغ النضوج والنبوغ مبلغه في ذهنه، فألف هذا الكتاب وهاجم فيه الجاهلية التي عاشرها، وعراها وفضحها.
واقرءوا -إن شئتم- السياسة الشرعية؛ لتعرفوا مدى فهم هذا الرجل للدين.
ومعرفته لواقعه وحال عصره؛ أفاده ذلك حيث كان يضع الدواء على الداء، ويضع الأمور في نصابها، فقد حلَّ كثيراً من مشكلات عصره، وصحح كثيراً من الأخطاء التي عاشها في عصره، وعالج كثيراً من الأمراض التي رآها في عصره.
стр. 7229
وسائل الدعوة عند ابن تيمية
وسوف نتكلم هنا عن وسائل دعوة ابن تيمية، ووسائل دعوة ابن تيمية ثلاث وسائل:
стр. 7230
التأليف والكتابة عند ابن تيمية
الوسيلة الأولى: التأليف والكتابة؛ وهي على ثلاثة أقسام:
الرسائل، والردود، والمصنفات الكبار.
وهذه الوسيلة التي استخدمها ابن تيمية في الدعوة؛ هي أكبر وسيلة نفذ بها حتى بلغ بها هذا العصر، ونفع بها أهل هذا العصر.
فالرسائل: إما أن يسأل عن قضية فيجيب عليها ﵀ كـ الحموية لأهل حماة، والواسطية لأهل واسط، والتدمرية لأهل تدمر، فيرسل الرسائل للناس، ينفعهم ويفيدهم، ويقودهم إلى الله عزوجل.
ويقول في مقدمة اقتضاء الصراط المستقيم: سألني بعض الإخوة أن أؤلف لهم كتاباً يبين هذه المسائل فأجبت سؤالهم.
أما الردود: فكان -دائماً- مشغولاً بالرد على الأفكار التي تجتاح أصول الدين وتؤثر فيها، فكتابه الصارم المسلول سببه أنه سمع أن نصرانياً يشتم الرسول ﷺ ، فذهب إلى السلطان فشكا النصراني، فشهد العوام الحمقى للنصراني على ابن تيمية!
نصراني، وشتم رسول الله ﷺ ، وشكاه ابن تيمية عند سلطان المسلمين، فأتى العوام فقالوا: لا.
الحق مع النصراني والخطأ مع ابن تيمية!! فأتى السلطان وجلد ابن تيمية في المجلس؛ لكن:
إن كان سركمُ ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
فما دام الجلد في ذات الله فأهلاً به وسهلاً.
فخرج مغضباً من المجلس، وكتب الصارم المسلول على شاتم الرسول، وقد أبدع في هذا الكتاب أيما إبداع، ونزل فيه على اليهود والنصارى بحكمةٍ وأناةٍ ودليل.
ومن الردود: الرد على الأخنائي، وهو مالكي، رد عليه في مسألة الزيارة، ورد على السبكي كذلك في الزيارة؛ وهو في الفتاوى، لكن كتاب الرد على الأخنائي مستقل.
ومنهاج السنة رد به على الشيعة، يقول في أوله: يقول عامر الشعبي: قاتل الله الشيعة، لو كانوا من الطيور كانوا رخماً، ولو كانوا من الوحوش كانوا حُمُراً.
ويقول: هم من أجهل الناس في المنقولات، ومن أضلهم في المعقولات حشفاً وسوء كيلة.
أما المصنفات الكبار: فقد ألف درء تعارض العقل والنقل؛ وهذا الكتاب من يفهمه فهو من أذكى أذكياء العالم.
يقول ابن القيم: ما طرق العالم مثل هذا الكتاب بعد كتاب الله عزوجل والسنة المطهرة، وقد رد في أوله على الرازي وقال: قال الرازي: عند تعارض الدليلين المتضادين (العقل والنقل) إما أن نقدم العقل، وإما أن نقدم النقل، وإما أن نبطلهما، وإما أن نعمل بهما؛ فقال شيخ الإسلام: لا تعارض بينهما، وألف هذا الكتاب.
стр. 7231
تفاعل ابن تيمية مع قضايا الناس
ومن وسائله في إبلاغ الدعوة: اللقاء مع الناس، ولقاؤه مع الناس على ثلاث طوائف:
التقى مع العلماء، والتقى مع السلاطين، والتقى مع عامة الناس.
فأما العلماء: فكان يلتقي معهم ويخرج وهو أذكى وأقوى من في المجلس، وقد جُمع له قاضي قضاة الحنابلة في الشام، وعالم الشافعية ابن الزملكاني، وعالم المالكية الأخنائي، وعالم الأحناف؛ فاجتمعوا في المجلس، وبدأ كل واحد يتكلم، وابن تيمية ساكت، فلما انتهى الأربعة، عاد ابن تيمية يعيد الشريط من أوله، فقال للمالكي: أما أنت فتقول كذا وكذا، وقد أخطأت في كذا وكذا، وفي كتابكم كذا خطأ كذا حتى انبهر الناس ثم أتى إلى الحنفي وقال: أخطأت في كذا وكذا وكذا ثم أتى إلى الشافعي، ثم الحنبلي -وهو في الأصول حنبلي- وفي الأخير كان الناس يهللون ويكبرون ويقولون: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩].
وأما مع السلاطين: فإنه -كما أسلفت لكم- دخل على سلطان الشام وتهدده مرات كثيرة بلا سيف، ولا رمح، ولا جيش، ولا جند، ولا شيء، لكن عنده قلب كبير؛ قلبٌ فيه نور وعلم وهداية، وقلبٌ فيه نصيحة وشجاعة ويتحدث ذاك، وعنده الجنود والحرس والجيوش، وهو يرتجف وابن تيمية صامد كالجبل، حتى اضطره إلى أن ينازل التتر وكلم قائد المغول فارتجف من شيخ الإسلام، وقال له -وهو لا زال كافراً-: ادع لنا.
فرفع ابن تيمية يديه وقال: اللهم إن كان هذا العبد يريد ما عندك فوفقه بهدايتك، وإن كان غير ذلك فاعم بصره واطمس بصيرته وذاك يقول: آمين آمين ما يدري ما يقول.
أما الطائفة الثالثة فهم عامية الناس:
ولما دخل السجن -لا أدخلكم الله السجن- حوله إلى روضة من رياض الجنة قرآن وحديث صحيح البخاري وصحيح مسلم، فأصبح الناس في السجن ملتحين، والسواك في أفواههم، ويسبحون، ويهللون، فقاد السجن حتى أحياه وأصبح روضة وقد تحدث ابن القيم عن موقفه في السجن، وكذلك صاحب العقود الدرية ابن عبد الهادي.
أما في المسجد: فكان يجلس يوم الجمعة بعد الفجر يفسر القرآن، وقيل عنه: أنه بقي في تفسير سورة نوح خمس عشرة سنة، كان يفسر كل جمعة، وما كان ينتهي من المجلس حتى يرتفع النهار، وحضر مجلسه بعض أهل العلم، وقالوا: لما حضرت المجلس أغلق ابن تيمية عينيه، ثم بدأ يندفع في الكلام، فوالله لكأن القرآن أمام عينيه، وكأن الحديث أمام عينيه، يأخذ منه ما شاء ويترك ما شاء، ووالله لقد استفاد من في المجلس؛ من الصوفية، والفلاسفة، ومن أهل أصول الفقه، والفقهاء، وأهل العقيدة، حتى انبهر الناس، ثم فتح عينه وختم المجلس، ثم اعتذر إلى الجلوس، وسلم عليهم يميناً ويساراً.
وأما في السوق: فكان يخرج إذا ارتفع النهار ومعه تلاميذه ومحبوه، فيأتي إلى أصحاب المعاصي فيؤدبهم، ويأتي إلى من يشهد الزور ومعه عصا ويأمر تلاميذه أن يجلدوه وهو يعد، حتى ينتهي السوق وقد حاسب المخالفين، ثم يعود إلى هناك حتى أصبح يحرك التاريخ.
أما في المعركة: فقد أسلفت لكم عن شجاعته في المعركة، وبذله وعطائه.
стр. 7232
خاتمة فيما لقيه ابن تيمية من الصعوبات
أما عن الصعوبات التي لقيها ابن تيمية، فهي تتمثل في الآتي:
أولاً: وقوف السلاطين مع خصومه.
ثانياً: جرأة وحدة في طبعه ﵁ ورحمه، هكذا خُلق؛ فما كان يلين، بل كان قوياً دائماً، فلو لان لتألف الناس ﵀.
ثالثاً: خطورة القضايا التي عالجها؛ فكان يتكلم في الأصول ولا يتكلم في الفروع؛ ما كان يتكلم في الحيض، والغسل من الجنابة مع أن هذه من العلم وهي مهمة، لكنه كان يتكلم في العقيدة والحاكمية، ويتكلم في قيادة الناس إلى الله، ويتكلم في محاربة الطاغوت الحي قبل الميت وهنا طواغيت في الأمة الإسلامية يحكمون بغير ما أنزل الله، وتجد بعض الناس يتكلمون دائماً في القبور، وفي النذر، وفي الكواكب، وفي عبادة الشجر، وهؤلاء هم أكبر الطواغيت فهو يتكلم إلى الطاغوت الحي قبل الميت.
رابعاً: كثرة الخصوم وتعدد الجبهات.
فإلى أين يتوجه ابن تيمية؟ مرة إلى الصوفية، ومرة إلى الفلاسفة، ومرة إلى متعصبة الفقهاء، ومرة يتعرض للمغول من التتر، ومرة يتعرض للظلمة من السلاطين، ومرة إلى جهلة العامة ففي كل مكان له كمين.
من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى
خامساً: الحبس والكبت.
فقد حبس وكبتت أنفاسه فما يزداد إلا قوة، كالبركان كلما حبسته انفجر بقوة وعنف.
سادساً: الجلد والتشهير فقد جلد وشهر به، وتكلم في عرضه في كل مجلس؛ وما زاده الله إلا رفعة.
وفي الختام: نجاح منقطع النظير يحققه ابن تيمية في عالم الدعوة، وينتهي إلى أن يُعقد إجماع من قلوب الموحدين في الأمة، ويكون هو رجل الساحة، ورجل الساعة في فترته، ويستمر عطاؤه وبذله حتى هذا الحين، وتحيا كتبه حياة تنفض الغبار عن رءوس الجامدين، وتنفض الجهل عن قلوب الراقدين الغافلين، وتيقظ رءوس اللاهين السادرين.
فرحمك الله يـ ابن تيمية، وهنيئاً لك الفردوس -إن شاء الله- ونسأل الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨] ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد:١٢].
ومن أراد منكم أن يتزود من ترجمة شيخ الإسلام فعليه بـ العقود الدرية في مناقب ابن تيمية لـ ابن عبد الهادي، والأعلام العلية للبزار، وفي طبقات الحنابلة، وفي معجم الشيوخ للذهبي، وفي الدرر الكامنة لـ ابن حجر العسقلاني، وترجمته في البدر الطالع للإمام الشوكاني.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7233
الأسئلة
.
стр. 7234
من مواقف شيخ الإسلام في السجن
السؤال
أرجو أن تزودنا من مواقف ابن تيمية ﵁ في سجنه؟
الجواب
من مواقف ابن تيمية ﵀ في سجنه ما يلي:
أنه لما دخل السجن أغلقوا عليه الباب، نظر إلى الباب، وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
ولما دخل السجن وقف يتأمل ثم قال: ماذا يصنع أعدائي بي؟ -انظر هذه الكلمة ما أعظمها! - يقول: ماذا يصنع أعدائي بي؟ ماذا يريدون؟ وأي كيد يكيدون؟ إنهم لا يستطيعون.
ماذا يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى سرت فهي معي أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة مع الله عزوجل.
стр. 7235
رسائل في تكفير ابن تيمية
السؤال
سمعنا عن رسائل حضرت في تكفير ابن تيمية ﵀، أرجو منكم نبذة حول هذه الرسائل إن وجدت؟
الجواب
أما رسائل الماجستير والدكتوراه لا أعلم شيئاً في ذلك.
لكن بعض أهل العلم تحاملوا عليه وضللوه، فهذا تاج الدين السبكي يقول في طبقات الشافعية في ترجمة الذهبي: أما ابن تيمية فقد أوقف الذهبي والمزي وفلان وفلان في دكدكٍ من النار.
ويقول ابن حجر الهيتمي صاحب الفتاوى الكبرى المكية: ابن تيمية عبدٌ أضله الله على علم.
وهنا من العلماء من أهل البدع من كفره لمسائل نسأل الله السلامة، ونسأل الله ألا يجعل فقهنا كهذا الفقه.
стр. 7236
لماذا لا يكون لابن تيمية مذهب
السؤال
لماذا لا يكون لـ ابن تيمية مذهبٌ خاصٌ به، مثل: الشافعي وبقية الأئمة، بالرغم من علمه الغزير؟
الجواب
التمذهب مسألة فيها نظر، وإن أبا حنيفة وأحمد والشافعي ومالك لم يدعوا الناس إلى أن يتمذهبوا بمذهبهم؛ لكنهم لما جمعوا مسائل قلدهم الناس، فأصبح هناك مالكية وشافعية وحنابلة وأحناف، وإلا فـ ابن القيم يقول في إعلام الموقعين: من خصص هذه الأنفس الأربع بالاقتداء والتقليد من بقية العلماء!!!
أما ابن تيمية فهو أولاً: اهتم بالأصول أكثر من الفروع، فليس له كتب في الفروع؛ أعني: في فروع دقائق المسائل، لأنه يرى الأصول والخطوط العريضة هي المهمة.
الأمر الثاني: أن الرجل لا يرى أن يتمذهب لرجل بعينه، بل هو اتباع الدليل في أي مسألة؛ ولذلك ليس بواجب أن تتبع إماماً حتى تموت، ولا أن تكون حنبلياً ولا شافعياً، ولا مالكياً، ولا حنفياً، بل عليك أن تتبع الدليل من المعصوم ﷺ حتى تلقى الله.
الأمر الثالث: أن الرجل عاش عصر مشاكل، وفتن، وأزمات؛ أخذت عليه جانب هذه الدقائق، أو تجميع التلاميذ في مذهب خاص.
стр. 7237
السبب في كثرة تأليف ابن تيمية في العقيدة
السؤال
لماذا كانت أكثر مصنفات ابن تيمية في علم العقيدة؟ وهل له كتب في التفسير والفقه والحديث وغير ذلك؟ وما هي؟
الجواب
أما سبب كثرة تأليف ابن تيمية في العقائد والأصول؛ فهو لأن الخلاف في الفروع وفي دقائق المسائل أمر سهل، لكن الأصول هي التي يكفر بها الإنسان، ويخرج -نسأل الله السلامة- من الملة فلذلك اعتنى بهذا الجانب.
أما في جانب الفقه فقد شرح جزءاً من العمدة في فقه الحنابلة ثم توقف.
وأكثر مصنفاته في الفقه في الفتاوى ما يقارب ستة أو سبعة مجلدات، من المجلد الحادي والعشرين فما بعد.
وأما الحديث فلم يؤلف كتاباً منظماً على أبواب الحديث، لكنه جمع له في الجزء الثامن عشر من فتاويه في علم المصطلح، رسائل وأسئلة في علم الحديث وأكثر مؤلفاته في العقيدة.
وأما في التفسير؛ فله أربعة مجلدات في التفسير، حتى يقال عنه: إنه كان يطلع في تفسير الآية على مائة تفسير، وبعدها قد لا يطمئن لبعض التفاسير فيمرغ وجهه في التراب ويبكي ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني ثم يكتب هو بعد.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7238
فضل القرآن
إن الله أنزل كتاباً من السماء وهو القرآن الكريم، وأمرنا بتدبره والتعبد به وتطبيق أحكامه وشرائعه، ليكون لنا نبراساً يضيء لنا الطريق، فبين لنا فضله وفضل تدبره وقراءته وعاقبة هجره.
وقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع الأمثلة في الاهتمام بالقرآن قراءة وتدبراً وعملاً وتحكيماً.
стр. 7239
الخطبة الأولى: حال الناس مع القرآن
الحمد لله القائل: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢].
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، أمره ربه أن يتهجد بالقرآن، فقال: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
стр. 7240
تدبر القرآن
أيها الناس: فإن الله أخذ على نفسه عهداً أن من قرأ القرآن وعمل بما فيه، وتابعه في أوامره واجتنب نواهيه ألا يضله في الدنيا يوم يضل المضلين، وألا يشقى في الآخرة يوم يشقى الأشقياء.
وأخذ على نفسه ﵎ عهداً، أن من أعرض عن كتابه، وعن تدبر آياته، وجعل كلامه ظهرياً فلم يعمل به، أن يجعل معيشته في الحياة الدنيا ضنكاً، ويجعله خاسئاً مطروداً من رحمته، وأن يخزيه في الآخرة، وأن يفضحه على رءوس الأشهاد، وأن ينكل به.
قال : ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
ينساه الله ولا ينسى ، ولكنه يسقطه في العذاب، ويتغافل عنه كما تغافل عن آيات الله ﵎، ولذلك يقول ابن عباس ﵄: [[من تبع هذا القرآن هداه الله وسدده في الدنيا، وأسعده في الآخرة، ومن أعرض عنه أضله الله في الدنيا وجعل عيشته ضنكاً، وأخزاه في الآخرة]].
والمعيشة الضنك: هي أن يسد الله عليه أبواب الطلب، يعيش معافى، وأبواب النجاح والسعادة مفتوحة أمامه، وإن جمع المال والولد، أو ترقى في المنصب، فإن الله ينكده ويضيق عليه، ويجعله خاسئاً، كأن اللعنة جمعت في وجهه، ولذلك يقول الله للناس: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] يقول: مالهم لا يتدبرون هذا الكتاب العظيم، ولو كان من تصنيف البشر أو من تأليف الإنسان؛ لكان فيه النقص والثلب والتناقض، فما هو الذي يمنعهم إذاً أن يتدبروا كتاب الله الحكيم؟!
ويقول عز من قائل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] أقفلت القلوب بالمعاصي والسيئات، فلا تقرأ ولا تفهم القرآن!
ويقول عز من قائل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ولذلك بعث ﷺ الصحوة في قلوب أصحابه بالقرآن، فجعلهم خير أمةٍ تمشي على الأرض، وخير أمة تحضر الأرض، وخير أمةٍ تقيم ميزان الله في الأرض، بل كان يسمع الصحابي الآيات فينطلق بها شعلةً وهدايةً، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر.
стр. 7241
ابن مسعود يقرأ والرسول يتدبر
مرَّ رسول الله ﷺ في طريق الهجرة، فوجد ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قبل أن يسلم، وهو غلامٌ يرعى الغنم، فطلب منه ﷺ شيئاً من لبن، فاعتذر بأنها كلها حوائل، فقال: ﴿قرب لي شاةً منها، قال: إنها حائل -أي: ليس بها لبن- فقال ﷺ : وإن كان، فلما قرب الشاة إليه، مسح ﷺ على ضرعها، وسمى وبرك، وقرأ شيئاً من القرآن، فقال ابن مسعود: علمني من هذا -ولم يعلم أنه رسول الله ﷺ قال: إنك غلامٌ معلم﴾ فأسلم ﵁ وأرضاه، فزاده الإسلام نوراً، وذكاءً وتوقداً وانطلاقةً كبرى ما شهد التاريخ مثلها لجيل إلا لذاك الجيل.
بل سمع سورة الرحمن فحفظها من أول مرة، وذهب بها إلى الحرم، وأصنام الضلالة، وعملاء الجهالة، من أمثال أبي جهل وأبي لهب، في حلق الحرم يصدون عن كتاب الله، وعن رسالته وعن بيته، فقام يقرأ عليهم سورة الرحمن، وأخذوا يضربونه على وجهه الكريم، فما قطعها حتى انتهى منها، ثم سقط مغشياً عليه في الأرض.
لقد كان دقيقاً في بنيته، ولكن هذا الدين، وهذا القرآن يصنع العجائب في الناس، يقول المؤرخون: كان ابن مسعود ﵁ وأرضاه، إذا قام ساوى الرجل الجالس، أي: أن قامته تساوي الرجل الجالس، ولكن علم الله ما في قلبه من إيمان، وما في روحه من إخلاص، وما في نفسه من صدق، فرزقه الله المثوبة، وأعطاه ما تمنى من السعادة.
صعد شجرةً ذات يوم، فأخذت الريح تهز أغصان الشجرة وهو عليها كالعصفور، فتضاحك الناس من دقة ساقيه ونحافة جسمه، فقال ﵊: ﴿أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده، إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾ هنا العظمة يوم تكون العظمة بالقلوب، وهنا القوة يوم تكون القوة بالأرواح، يوم يتساقط الأشقياء، ولو كانت أجسامهم كأجسام البغال:
لا بأس بالقوم من طولٍ ومن قصرٍ جسم البغال وأحلام العصافيرِ
ووصف الله أعداءه وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] ما دخلها القرآن، وما استضاءت به، ولا عرفت رسالته القرآن، فهي تأكل وتشرب وتتنعم وتتكلم وتتمتع؛ لكن في مسالخ البهائم.
يقول ﵊، وهو يجلس مع التلميذ البار، مع ابن مسعود: ﴿اقرأ عليَّ القرآن -فيخجل ﵁ وأرضاه، ويستحي أن يقرأ أمام معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية- فيقول: يا رسول الله! كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: اقرأ فإني أحب أن اسمعه من غيري، فيندفع ﵁ وأرضاه في خشوعٍ يقرأ فلما بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال ﵊: حسبك الآن، قال ابن مسعود ﵁: فنظرت إليه ﷺ وإذا عيناه تذرفان﴾ هكذا كانوا يعيشون مع القرآن ويحيون معه!! والرسول ﵊ يقول: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ ومفهوم المخالفة: أن شرنا وأحمقنا وأضلنا من ضيع القرآن ولم يعمل به ولم يتدبره أو يحكمه.
стр. 7242
فضل قراءة القرآن
ويقول ﵊: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ رواه مسلم، وفي لفظٍ للبخاري: ﴿اقرءوا سورة البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين فإنهما تأتيان يوم القيامة كغمامتين، أو غيايتين، أو كفرقان من طيرٍ صواف، تظلان صاحبهما يوم القيامة﴾.
فيا من أراد أن يستظل بذاك الظل في يوم الشمس والكرب والخوف! استظل بآيات الله ﵎، والقلب الذي لا يعي شيئاً من القرآن، قلبٌ مخذول ملعون محروم مغلوبٌ عليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل قلبٍ لا تشرق عليه شمس القرآن فهو قلبٌ ملعون،، وكل نفسٍ لا تشرق عليها شمس هذا الدين فهي نفس ملعونة"، ويقول في كلمته المشهورة: "من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي بعث به محمداً ﷺ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم".
يقول ﵊، فيما رواه الترمذي ﴿اقرءوا القرآن، فإن القلب الذي ليس فيه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب﴾ كالبيت الذي عشعش فيه الطيور والغربان، وعشعشت فيه الحيات والزواحف، فهو لا يضيء ولا يزهر، ولا يسعد ولا يفرح، ويقول ﵊ فيما رواه الترمذي: ﴿اقرءوا القرآن فإن من قرأ حرفاً فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف﴾.
стр. 7243
صور من حياة السلف مع القرآن
стр. 7244
أبي بن كعب سيد القراء
ومن سادات المسلمين الذين تعلموا القرآن وعاشوا على القرآن أبي بن كعب ﵁ وأرضاه، دخل عراقي والصحابة مجتمعون في المسجد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فإذا عمر بن الخطاب، وهو خليفة يتكلم بينهم، كلما تكلم التفت إلى رجلٍ منهم، فقال العراقي: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: [[ثكلتك أمك، أما عرفت هذا، هذا سيد المسلمين أبي بن كعب، أنزل الله : ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾ [البينة:١] وأمر جبريل ﵇ يأمر الرسول ﷺ أن يقرأ هذه السورة على أبي بن كعب]] يا للفضل ويا للشرف! شيخ يجلس بين يدي تلميذه، شيخٌ يعرض العرض بين يدي طالب من طلابه، فيأتي ﵊ بتواضعه وحسن خلقه، بالسورة هذه في صدره، ويطرق الباب على أبي بن كعب، فيخرج أبي، ويقول: ﴿فداك أبي وأمي يا رسول الله! شرفتني بزيارتك، والله ما من أهل الأرض أحدٌ يشرف بزيارة أحد إلا أنا هذا اليوم﴾ فلما بسط له البساط، وجلس ﷺ قال: ﴿يا أبي! قال: لبيك يا رسول الله، قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة (لم يكن الذين كفروا) قال أبي -مندهشاً متعجباً-: أسماني ربي في الملأ الأعلى؟! فقال ﷺ : إي والله لقد سماك في الملأ الأعلى، فبكى ﵁ وأرضاه، واندفع ﷺ يقرأ عليه القرآن﴾.
وصلى ﵊ بالناس فتجاوز آيةً من سورة نسيها، فلما سلم ﷺ قال الصحابة: ﴿يا رسول الله! نسيت آية، أنسخت أم نسيتها؟ قال أفي القوم أبي بن كعب، ولم يسأل إلا عنه، فقال: نعم يا رسول الله! قال: يا أبا المنذر! أنسيتُ آية، قال: نعم﴾ فتأكد ﷺ لما أعطى أهل التخصص تخصصهم، وأنزل أهل التخصص منازلهم، على حد قول المثل: أعط القوس باريها.
يقول ﵊ وهو يجلس مع الصحابة ومعهم أبي بن كعب: ﴿يا أبي! أي آيةٍ في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم.
! قال: أي آيةٍ في كتاب الله أعظم؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم -آية الكرسي- فضرب ﷺ في صدره، وقال: ليهنك العلمُ أبا المنذر﴾.
هذا هو العلم النافع المفيد في الدنيا والآخرة، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يشغلهم شاغلٌ عن القرآن، وكثيرٌ من الناس اليوم يعتذرون بأطفالهم وبأسرهم، وبتجارتهم وبمناصبهم عن تلاوة القرآن وتدبره، فلا حياة لهم إذن.
стр. 7245
عثمان يقرأ القرآن في ليلة
كان عثمان وهو خليفة ﵁ وأرضاه، يجلس من صلاة الفجر فيفتح مصحفه حتى الظهر، فيقول له الصحابة: لو رفقت بنفسك يا أمير المؤمنين! قال: [[والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن]] وكان يصلي الليل في ركعة بسندٍ صحيح عند المروزي وغيره، وذكره ابن حجر، أنه صلَّى الليل كله بركعةٍ واحدة، قرأ في الركعة القرآن كاملاً، ولما قتل بكته الأمة، حتى يقول حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
هذا وهو خليفة، وهو مسئول عن الأمة، وأمور الأمة تدبر تحت يديه، فلم يشغله شاغلٌ عن القرآن، حتى أن ابن عباس وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
بكى وقال: [[ذلك عثمان بن عفان]] يأخذ المسلم من هذا ألا يشغله شاغل عن كتاب الله، ولا يصدنه صاد، بل عليه أن يعيش حياة المسلمين إن كان يريد الحياة والسعادة في الدنيا والآخرة، وكثيرٌ من القلوب، نعوذ بالله، ونبرأ إلى الله، ونستعين بالله، من أن تكون قلوبنا كقلوبهم؛ هجروا القرآن، وأعرضوا عنه، واستبدلوه بكتبٍ خليعة، أو أغانٍ ماجنة، أو سخفٍ ألفه البشر قدموه هدماً للأمة، فيا ويلهم في الدنيا، لن يجد حلاوة الإيمان ولا طعم السعادة، ويا ويلهم في الآخرة، بل المسلم أحب ما لديه القرآن يتمتع بسماعه.
стр. 7246
الأشعري يؤتى مزماراً من مزامير آل داود
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: ﴿قمت من الليالي أقرأ القرآن في مسجده ﷺ ، وإذا به يستمع مني فلما أصبحتُ سلم علي ﷺ وقال: يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع إلى تلاوتك، قال أبو موسى: يا رسول الله! أئنك لتستمع إلى تلاوتي؟! قال: أي والله.
قال: والله لو أعلم أنك تستمع لتلاوتي لحبرته لك تحبيراً -أي زينته وجملته وحسنته ليكون أبلغ تأثيراً في القلوب- فيقول ﷺ : لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود﴾ فالصوت الحسن عجيبٌ يؤثر في القلوب، إذا كان بآيات الله البينات، وبمواعظه الجليات، وينفع أيما نفع.
وفي تفسير ابن أبي حاتم، ﴿أنه ﷺ مر في سكة من سكك المدينة، فسمع عجوزاً تقرأ، وهي تردد من وراء الباب في الليل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] تقف عندها وترددها وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] والخطاب للرسول ﷺ ، فوضع رأسه يبكي ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾.
стр. 7247
أين نحن ممن سلف ؟!
هؤلاء العجائز فأين رجالنا من هذه العجوز في تدبرها وتهجدها وتلاوتها؟ أين الرجال، وأين شباب الأمة الذين أعرض الكثير عنهم -إلا من رحم الله- عن معايشة هذا القرآن؟ إننا أمة خالدة، لا خلود لنا إلا بكتابنا العظيم، ولا بقاء لنا إلا بشريعة نبينا ﷺ ، فإن هجرناه وتركناه؛ ضعنا والله، وأخذتنا المبادئ الهدامة، واستولت علينا الأمم الحاقدة التي تحقد على هذه البلاد، وعلى شريعتها وأبنائها ومؤسساتها، وعلى حرمتها وقدسيتها وشرفها، فلا ملجأ لنا إلا الله، ولا كافي لنا إلا الله، وأي حلٍ آخر فمعناه الخسارة والندامة، ولذلك يقول المستشرق المجري جولد زيهر:
لا يستطيع أن يُغلب هؤلاء العرب ما دامت فيهم ثلاث، وهو يعني المسلمين فلا عروبة عن الإسلام ولا إسلام إلا لمن أسلم وجهه لله: صلاة الجمعة، والكتاب العظيم كتاب الله، والحرمين الشريفين، القبلة والحرم النبوي، فإذا بقيت هذه الثلاث، بقينا إن شاء الله، إذا آمنا بشرع الله، وأسلمنا قيادنا لله ﵎.
يا أيتها الأمة الخالدة! يا أبناء من وزع الهداية على الإنسانية! يا أحفاد من نشروا لا إله إلا الله، وساروا بها مهللين ومكبرين مشرقين ومغربين! إن هذه الأمة أمة ريادة، تعطي الناس من القرآن ولا تأخذ منهم شيئاً، وتوجه الناس إلى الحق ولا تتوجه بهم.
قال الراوي -أحد الصحابة رضوان الله عليهم-: [[كنتُ مع عمر ﵁ لما ذهب يعتمر، فلقي مولاه على مكة، فقال عمر: لمن تركت إمارة مكة؟ -لأنه كان أمير مكة من قبل عمر الخليفة- قال: تركتها لـ ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى هذا؟ قال: مولى يا أمير المؤمنين! قال: ثكلتك أمك، ومولى أيضاً، قال: يا أمير المؤمنين! إنه عالمٌ بكتاب الله، عالمٌ بالفرائض، قال عمر ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين﴾ فصلى الله عليه وسلم من معلم، لقد جربنا أطوارنا مع التاريخ، كلما تمسكنا بالقرآن كلما انتصرنا، وكلما تركناه خذلنا، في القرن السابع لما ترك وتُرِكَ العمل به، وأخلي العمل به؛ جاء الرافضة، ومن وراءهم من التتر المغول، مع جنكيز خان، فقتلوا في ثمانية أيام ثمانمائة ألف، ودمروا مساجدنا، وأحرقوا مصاحف، وقتلوا أبناءنا ونساءنا.
لما تركنا القرآن أخذت مقدساتنا وحرماتنا، فهل من عودة يا شباب الأمة، ويا شيبها، يا رجالها ويا نساءها؟ أضيئوا بيوتكم بالقرآن، وأحيوا قلوبكم بتدارس القرآن، عمر الله قلوبنا وقلوبكم بكتابه، وأحيا الله أرواحنا وأرواحكم بآياته، وردنا إليه رداً جميلاً، وهدانا إليه صراطاً مستقيماً.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 7248
هجر القرآن
الحمد لله ربِ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة السالكين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فيقول الله ﵎ في محكم كتابه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] قال بعض أهل العلم: هجر القرآن على خمسة أضرب: وهو الهجر الذي تتوجه إليه هذه الكلمة؛ هجر تلاوته، وهجر تدبره، وهجر العمل به، وهجر التداوي به، وهجر تحكيمه في دنيا الناس.
стр. 7249
هجر التلاوة
أولاً: هجر تلاوته؛ هو أن يهجره الإنسان فلا يتلوه، ولا يكون له حزبٌ يومي، ولا يعود إليه، ولا يتملى أسطره، ولا يعيش مع آياته، فهذا عبدٌ ضالٌ مضل، وإن كان من القارئين المطلعين الذين يجيدون الكتابة والقراءة، وهذا عبدٌ طبع على قلبه، واتبع هواه، واستغنى عن القرآن فلا أغناه الله، تمر به الأسابيع والأشهر ومنهم من لا يعرف القرآن إلا من رمضان إلى رمضان إذا كان من المسلمين، فكيف يعيش هذا وهي تمر عليه الأربعة والعشرون ساعة، وما جلس جلسةً مع الله، وما تزود من الزاد الذي يقربه من الله؟
فهذا من الهالكين وهو ممن يلعب بدينه، وممن يستهزئ بآيات ربه.
стр. 7250
هجر التدبر
وهجر تدبر القرآن؛ أن يقرأ القرآن لكنه ساهٍ لاهٍ لاغٍ لاعب، يردده بلسانه، وقلبه في السوق أو المزرعة، أو في المكتب أو في المدرسة، قد أخرج روحه ووزعها مع الناس، وقد أرسل عينيه ولسانه يردد كلاماً لا يفقهه، فهذا من الذين هجروا تدبر القرآن، وكل الحياة، وكل النور في تدبر هذا النور، فهذا أعرض بشق التدبر وما أعرض بالتلاوة، فهذا له أجر التلاوة، وأما أجر التدبر، وما يحصل به التدبر من نورٍ وإيمانٍ وفقهٍ واستنباط، فلا يحصل عليه.
следующие страницы →